Полный текст (292 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
يدفع بالنَّفس البشريَّة لتهتفَ من أعماقها، مردِّدة قول الله تعالى:
﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [لقمان:١١].
فهذا الكون بنظامه البديع، وإحكامه المتقن، وتناسُقه المبهر، لا يُمكن أن يتصوَّر العقلُ والفكرُ أنَّه وُجد بدون خالق، فالعدم لا يخلق شيئاً، فمن المستحيل عقلاً، أن يوجد فعلٌ بدون فاعل أو أثرٌ بدون مؤثر، فهذا الإبداع المعجز في الكون والتَّآلف والتَّزاوج بين جزئيَّاته، والتَّرتيب والتَّناسق بين عناصره، والتَّعادل والتَّوازن الدقيق بين ذرَّاته، كلُّ هذا محكومٌ بقوانين إلهيَّة منضبطة ومحكمة، وسننٍ إلهيَّة لا تتخلَّف، ولا يتصوَّر عاقل أن ذلك الخلق والإبداع والتَّدبير قد تم عن طريق الصدفة العشوائيَّة، أو عن طريق مادة سابحة تنقسم جزئيَّاتُها، لتتولَّد منها الأشياء، كما يزعم الملحدون. فالمصادفة لا يُعقل أن يتولَّد عنها نظامٌ، إذن فلم يبق إلا أن يُذعِنَ الإنسان بعقله، ويستجيبَ لنداء الفطرة بوجود الخالق .
قال -جلَّ شأنه-:
﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور:٣٥ - ٣٦].
وإمعاناً في إقامة الأدلَّة، ومنعاً لكلِّ شبهة ومَظَنَّة، فقد احتوى القرآن الكريم على كثيرٍ من آيات الله في الأنفس والآفاق، فحينما يشاهدُ الإنسان صفحةَ الكون، ويرى آيات الله في أرجائه، فكأنَّه يقرأ القرآن الكريم، وحينما يقرأ القرآن الكريم ويتدبَّر في آياته؛ فكأنَّه يُبصر الكون أمامه، ويشاهد عن قربٍ حقائقه، فالكون والقرآن كلاهما يشهدان على وجود الله، وقد قيل: "القرآن كونُ الله المقروء، والكون قرآنُ الله المنظور".
وقد أدرك أعرابيٌّ بفطرته وجودَ الله، وعبَّر عن ذلك بما شاهده من حوله فقال: "البَعرةُ تدلُّ على البعير، وأثرُ الأقدامِ يدلُّ على المسير، فسماءٌ ذات أبراجٍ، وأرضٌ ذاتُ فجاجٍ؛ أفلا يدلُّ ذلك على اللَّطيف الخبير؟! ".
стр. 212
هذا هو الأساسُ الأول، من الأسس التَّي قامت عليها الدَّعوة إلى الله.
٢ - توحيد الله :
إنَّ الإيمان بوجود الله يقتضي العلم والاعتراف والإقرار، بأنَّ الله إلهٌ واحد في ذاته، لا شريكَ له في صفاته وأفعاله، قال تعالى:
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤].
فتوحيد الخالق هو القضيَّة الجوهريَّة، والرَّكيزة الأساسيَّة، لرسالتَّ الأنبياء جميعاً، قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النَّحل:٣٦].
وتوحيد الله يتحقَّق بأمرين:
الأمر الأول: نفيُ الألوهيَّة عن غير الله، وذلك بأن يعتقدَ العبدُ بأنَّه لا يستحق الألوهيَّة ولا شيئاً من العبوديَّة أحدٌ من الخلق، لا نبيٌّ مرسل ولا ملك مقرب، ولا كائن من كان.
الأمر الثاني: إثبات الألوهيَّة لله تعالى، وتفرُّده بالوحدانيَّة واختصاصه بالعبوديَّة، وعدم مشاركة أحد في أسمائه وصفاته، ولقد ذكر القرآن الكريم الآيات الدالة على وحدانيته، وساق ذلك في استدلالٍ عقليٍّ ومنطقيٍّ مقنع بالحجة والبرهان، ومن ذلك:
أ- أخبر الحقُّ أنَّه لو وُجد شريكٌ معه في الألوهيَّة؛ لبطل نظامُ هذا الكون.
قال تعالى:
﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ * لَوْ كَانَ فِيهِمَا
стр. 213
آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ * لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢١ - ٢٢].
وقال تعالى:
﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون:٩١].
فقد تضمنت الآية ما يلي:
١ - أن الله لو اتخذ ولداً؛ لاستلزم ذلك انفصال الولد عن أبيه، مما يقتضي التَّركيب المحال على الله؛ لأنَّ الولد يجانس أباه ويماثله، والله تعالى لا نظيرَ ولا شبيه ولا مثيل ولا ندَّ ولا قرين له، قال تعالى:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
٢ - لا ينبغي لعاقل أن يتصوَّر أن يكون مع الله إلهٌ آخر؛ لأنَّه لو كان معه إله؛ لشاركه في الألوهيَّة، ولخلق معه، ولذهب كلُّ إلهٍ بما خلق، ولعلا بعضهم على بعض وتصارعوا، مما يؤدي إلى فساد الكون واختلال نظامه قال تعالى:
﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً * سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً﴾ [الإسراء:٤٢ - ٤٣].
أقسام التَّوحيد:
جاء الأنبياء والمرسلون بعقيدة التَّوحيد، وهذه العقيدة كما ذكرنا هي جوهر رسالتَّهم، ومحور دعوتهم، قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥].
стр. 214
وقد استنبط أئمَّة السلف من النُّصوص القرآنيَّة، التَّي تناولت مسائل العقيدة: أنَّ توحيد الله يَرِدُ على ثلاثة أنواع:
النَّوع الأول: توحيد الرُّبوبيَّة:
فالرَّبُّ في اللُّغة: المالك، المدبر، وربُّ كلِّ شيءٍ، مالكه ومستحقُّه أو صاحبه، والربوبيَّة مشتقة من الرب، ومعناه السيد والمالك والمربي.
ومعنى توحيد الربوبيَّة هو: الإقرار بأنه هو خالق الخلق ومالكهم ومحييهم ومميتهم ومعطيهم ومانعهم، وله الخلق والأمر كلُّه، قال -سبحانه- عن نفسه:
﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٥٤].
ويدخل في هذا التَّوحيد، الإيمانُ بقدر الله -سبحانه-، أي الإيمان بأنَّ كل محدَث هو صادرٌ عن علم الله وعن إرادته وقدرته.
ولقد أفاض القرآن الكريم عن هذا النَّوع من التَّوحيد، ولم تخلُ سورةٌ من سوره منه، فآيات الذكر الحكيم تذكره في مقام الحمد لله، وعبادته والانقياد له والاستسلام، ففي مقام الحمد يتلو المسلم في كل ركعة يصليها:
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢].
ويقول -سبحانه-:
﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الجاثية:٣٦].
وفي مقام الاستسلام لله، والانقياد له، قال :
﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٧١].
وفي مقام التَّوجُّه إلى الله وإخلاصِ القصد إليه، قال -تعالى-:
﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢].
стр. 215
وفي مقام الدُّعاء، قال :
﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْية إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٤ - ٥٥].
وفي مقام العبادة، قال -تعالى-:
﴿وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس:٢٢].
فالإنسانُ بتوحيد الرُّبوبيَّة يدرك عجزه أمام قوى الكون المختلفة، ولا يعلم تفسيراً لها، ولذلك سلَّم بوجود الخالق، وقد آمن العرب بوجود الرب الخالق، غير أنَّ هذا الإيمان غيرُ مُنجٍ لهم؛ لأنَّهم اتَّخذوا أصناماً آلهة، وقد ذكر القرآن الكريم أنَّ العرب كانوا يُقرُّون بوجود الخالق، قال تعالى:
﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ * بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [المؤمنون:٨٤ - ٩٠].
وقد أنكر الله عليهم ما اتَّخذوه من آلهة، واستغربَ القرآنُ من ضلال عقولهم، فكيف يؤمنون بالخالق، وفي نفس الوقت يجعلون معه آلهةً أخرى، فقال -تعالى- بعدَ هذه الآيات مباشرةً-: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون:٩١].
وهكذا، فإنه ليس مَن أقرَّ بأنَّ الله تعالى هو ربُّ كلِّ شيءٍ، يكون موحداً في ألوهيته وأسمائه وصفاته.
النَّوع الثَّاني: توحيد الألوهيَّة:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الإله هو المعبود المطاع، فإنَّ الإله هو المألوه، والمألوه هو الَّذي يستحقُّ أن يعبد".
стр. 216
وقال العلامة ابن القيم: "الإلَّه هو الَّذي تألهه القلوب، محبةً وإجلالاً وإنابةً، وإكراماً وتعظيماً، وذلاً وخضوعاً، وخوفاً ورجاءً وتوكُّلاً".
فتوحيد الألوهيَّة، يقوم على نفي الألوهيَّة، عن كلِّ ما سوى الله -تعالى- كائناً من كان، ويقوم على إثبات الألوهيَّة لله وحده، دون كلِّ ما سواه.
يقول الإمام ابن تيمية ﵀: وهذا التَّوحيد هو الفارق بين الموحِّدين والمشركين، وعليه يقع الجزاء والثَّواب، في الأولى والآخرة، فمن لم يأتِ به كان من المشركين.
وتوحيد الألوهيَّة، هو الَّذي بعث الله به الأنبياء والمرسلين، وتنزَّلت به الكتب، قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٦].
وقال تعالى:
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النَّحل:٢٦].
وقال تعالى:
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون:٢٣].
﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾ [هود:٥٠].
وهكذا، كانت دعواتُ جميع الأنبياء والمرسلين، من لدن آدم إلى محمد ﷺ تقوم على توحيد الألوهيَّة، الَّذي يستوجب ما يلي:
١ - وجوب إخلاص العبادة والمحبة لله، فلا يتَّخذٌ العبد ندَّاً لله في العبادة والحبِّ، قال تعالى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ
стр. 217
كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥].
وقال تعالى:
﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّين * أَلا لِلَّهِ الدِّين الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٢ - ٣].
٢ - وجوب إفراد الله بالدُّعاء والتَّوكُّل والرَّجاء، فيما لا يقدر عليه ولا يتحقَّق إلا منه قال تعالى:
﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس:١٠٦].
٣ - وجوب إفراد الله بالخوف منه، قال تعالى:
﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [النَّحل:٥١].
وقال تعالى:
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النُّور:٥٢].
٤ - وجوبُ إفراد الله بجميع أنواع العبادات البدنيَّة والقوليَّة، فجميعُ أنواعات الطَّاعات يجبُ أن تتوجَّه لله وحده، قال تعالى:
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥].
وإنَّ إشراك غير الله معه في العبادة أو الطَّاعة، هو شرك أكبر، وذنب لا يُغتفر، قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾ [النساء:٤٨].
النَّوع الثَّالث: توحيد الأسماء والصفات:
ومعناه الاعتقاد الجازم بأنَّ الله متَّصف بجميع صفات الكمال، ومنزَّه عن جميع صفات النَّقائص، وأنه متفرد عن جميع الكائنات، وذلك بإثبات ما أثبته لنفسه، أو أثبته له رسوله ﷺ من الأسماء والصفات الواردة في الكتاب والسنة، من غير تحريف لألفاظها أو معانيها، ولا تعطيلها بنفيها أو نفي بعضها عن الله ولا تكييفها بتحديد كنهها، أو إثبات كيفيَّة معينة لها، ولا تشبيهها بصفات المخلوقين.
стр. 218
وواضحٌ من هذا أنَّ توحيد الأسماء والصفات، يقوم على ثلاثة أسس، مَن حاد عنها لم يكن موحداً بالله -سبحانه- في أسمائه وصفاته:
الأساس الأول: تنزيه الله عن مشابهة الخلق، وعن أيِّ نقص، قال تعالى:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١].
وقوله تعالى:
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤].
وقوله تعالى:
﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النَّحل:٧٤].
الأساس الثَّاني: الإيمان بالأسماء والصفات الثابتة في الكتاب والسنة، فهي تُعرف عن طريق التَّلقِّي منها؛ فلا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ ولا يُسمَّى إلا بما سمَّى الله به نفسه أو سمَّاه به رسوله ﷺ ؛ لأنَّ الله أعلم بنفسه وصفاته وأسمائه، قال تعالى:
﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة:١٤٠].
قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: "لا يُوصفُ اللهُ إلا بما وصف به نفسَه، أو وصفه به رسولُه، لا يتجاوز القرآن والحديث".
الأساس الثَّالث: قطع الطمع عن إدراك كيفيَّة هذه الصفات، وقد أجمع السلف على ذلك، فقالوا ما قاله الإمام مالك: "الاستواءُ معلومٌ، والكيفُ غيرُ معقول، والإِيمانُ به واجبٌ، والسُّؤالُ عنهُ بدعة ".
مما سبق يتبيَّنُ أنَّ توحيد الأسماء والصِّفات، يقدحُ فيه عدَّةُ أمورٍ، يجب على المسلم أن لا يقع فيها، وهي:
أولاً: التَّشبيه -أي تشبيه الخالق بصفات المخلوقين، كتشبيه النَّصارى عيسى بن مريم بالله -سبحانه-.
стр. 219
ثانياً: التَّحريف، كتحريف ألفاظ الأسماء والصفات، بزيادةِ أو نقصِ أو تغييرِ الحركات الإعرابيَّة، كما يفعلُه بعضُ المتصوِّفة، بتقطيع لفظ الجلالة أو تحريفه عند الذِّكر، أو حمل اللَّفظ على معنىً فاسدٍ، لم يُعهد به استعمالٌ في اللُّغة العربيَّة.
ثالثاً: تعطيل بعض الصِّفات، أو إنكارُ قيامِها بذات الله ، وذلك بجحد أسمائه وصفاته، كتعطيل معاملة الله بترك عبادة، وكتعطيل المصنوع من صانعه، كمن قال بقدم المخلوقات، وجحد أنَّ الله خلقها.
رابعاً: التَّكييف، وهو تعيينُ كيفيَّة الصِّفات وإثباتُ كنهها.
يقول الإمام الشَّوكاني ﵀: "إنَّ مذهب السلف من الصَّحابة والتَّابعين، هو إيراد أدلة الصفات على ظاهرها، من دون تحريفٍ لها ولا تأويل متعسف لشيء منها، ولا تشبيه ولا تعطيل يفضي إلى التَّأويل".
ولقد حدَّد الرَّسول ﷺ أسماءَ الله تعالى، فجاء في "الصَّحيحين" عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: ((إنَّ لله تسعةً وتسعين اسماً، مائةً إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنَّة، إنَّه وِِترٌ يُحبُّ الوِتر)).
أمَّا الصفات التَّي وردت في الكتاب والسنة، فهي نوعان:
الأولى: صفات ذاتيَّة، التَّي لا تنفك عن الذَّات، كالنَّفس والعلم والحياة والقدرة والسمع والبصر والوجه والكلام والقدم والملك والعظمة والعلو والغِنى والرحمة.
الثانية: صفات فعل، وهي ما يتعلق بمشيئة الله وقدرته، كالاستواء والنُّزول والمجيء والعجب والضَّحك والرِّضا والحبِّ والكره والسُّخط، والفرح والغضب والمكر والكيد والمقت.
стр. 220
والواجب في هذه الصفات بنوعيها: إثباتُها لله على حسب المعنى الَّذي يليق بكماله وهو المعنى الحقيقيُّ لها، الَّذي الَّذي ليس فيه تمثيلٌ ولا تعطيلٌ ولا تحريفٌ ولا تكييف، وأن نقول ما قاله الإمام الشَّافعيُّ ﵁: "آمنتُ بالله، وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله ﷺ ".
وهكذا، فقد ألقينا الضوء على الرُّكنين الأساسيَّين، والرَّكيزتين من الأسس والرَّكائز التَّي تقوم عليها الدَّعوة إلى الله، وهما الإيمان بوجود الله وتوحيده، أما عن بقية أسس الدَّعوة وركائزها، فهذا موضوع المحاضرة القادمة -إن شاء الله-.
الدرس: ١١ الأسس والدعائم التي تقوم عليها الدعوة إلى الله (١) .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الحادي عشر
(الأسس والدعائم التَّي تقوم عليها الدَّعوة إلى الله (١))
١ - تابع الأسس والدعائم الَّتي قامت عليها دعوة الرَّسول ﷺ
الإيمان بالغيب
الحمدُ لله، هدانا إلى الإيمان، وأنعم علينا بنعمة الإسلام، والصَّلاة والسَّلام على خير الأنام، الَّذي أرسله للنَّاس كافَّةً بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، وعلى آله وأصحابه الَّذين آمنوا برسالته وصدَّقوا بدعوته، فأجرى اللهُ الخيرَ على أيديهم للخلق أجمعين.
السَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ...
تمهيد:
فقد تناولنا في اللِّقاء السَّابق من ركائز وأسس الدَّعوة إلى الله، الإيمان بوجود الله ووحدانيته، وفي هذه المحاضرة نتابع الحديث -إن شاء الله- حول تلك الأسس، والَّتي جاءت في قوله تعالى:
﴿آمَنَ الرَّسول بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥].
من الأسس والدَّعائم الَّتي قامت عليها الرِّسالات السَّماويَّة منذ أن خلق الله آدم ﵇، وإلى بِعثة الرَّسول ﷺ وستظلُّ قائمةً وساريةً -إن شاء الله- إلى يوم القيامة: الإيمان بالغيب؛ وهو كلُّ ما لا يدركه العقل والحواسُّ، ولا يُعرف حقيقته إلا عن طريق الرُّسل المرسلة والكتب المُنزلة.
والإيمان بالغيب دعامة كل دين، وأساس كل ملة وشريعة، وهو الفيصل بين المؤمن والكافر، والمتدين والملحد، وهو المميز للإنسان عن سائر المخلوقات الَّتي تشاركه الحياةَ على ظهر هذه الأرض، فهو يسمو بالإنسان عن الحيوان، ويغرس في نفسه الأمل، فلا يتسرب اليأس إلى قلبه والقنوط في نفسه، إن أخفقت آماله في الدنيا، وتعثرت خطى أمانيه في الحياة؛ لاعتقاده الصادق ويقينه القاطع: أن ما عند الله في الآخرة خير وأبقى.
والإيمان بالغيب، يولِّد في قلب الإنسان المسلم معانيَ كثيرةً، كالخوف من الله ومراقبته في السِّرِّ والعلن، والإيمان بالقضاء والقدر، والعزة وإباء الضيم، والتَّرفع عن الدَّنايا، والشجاعة والإقدام، والصُّمود في مواجهة ما يعتري الإنسانَ خلال مسيرة
стр. 221
حياته، من مصائب أو شدائد أو محن؛ لأنَّه موقنٌ ومعتقدٌ تمام الاعتقاد في الجزاء العادل والنَّعيم المقيم يوم القيامة، ولقد ذكر القرآن الكريم في صدر سورة البقرة، أنَّ الإيمان بالغيب من الصِّفات الملازمة للمؤمنين، قال تعالى:
﴿المِ * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ * الَّذينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:١ - ٥].
قال الإمام ابن كثير:
"إنَّ المؤمنين موصوفون بالإيمان بالغيب قولاً واعتقاداً وعملاً، وقد تدخل الخشية لله في معنى الإيمان الَّذي هو تصديقُ القول بالعمل، والإيمان كلمة جامعة للإيمان بالله وكتبه ورسله وباليوم الآخر".
ويقول ابن كثير ﵀:
" ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وجنته وناره، ولقائه، ويؤمنون بالحياة بعد الموت، وبالبعث، فهذا غيب كله. وعن ابن عباس وابن مسعود وعن ناس من صحابة النبي ﷺ : أما الغيب فما غاب عن العباد من أمر الجنة والنار، مما ذكر في القرآن".
وعن أهميَّة الإيمان بالغيب، ومكانة من يؤمنون به، ورد هذا الحديثُ عن رسول الله ﷺ بطرق متعدِّدة، نذكر منها ما رواه الإمام أحمد في "مسنده" عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أيُّ الخلقِ أعجبُ إليكم إيماناً؟)) قالوا: الملائكة، قال: ((وما لَهم لا يؤمنون، وهم عند ربهم؟)) قالوا: فالنَّبيُّون. قال: ((وما لَهم لا يؤمنون، والوحيُ ينزل عليهم؟)) قالوا: فنحن. قال: ((وما لكم لا تؤمنون، وأنا بين أظهركم؟)) قال: فقال رسول الله ﷺ : ((إنَّ أعجبَ الخلقِ إليَّ إيماناً: لَقومٌ يكونون بعدكم، يجدون صُحُفاً فيها كِتاب، يؤمنون بما فيها)).
стр. 222
ولأهميَّة قضيَّة الإيمان بالغيب، في عقيدة المسلم؛ فقد ذكرت في القرآن الكريم كلمة الغيب ومشتقاتُها في ستة وخمسين موضعاً.
والإيمان بالغيب يشمل الأمور التَّالية:
١ - الإيمان بالملائكة:
من دعائم الإيمان وأركانه: التَّصديق بوجود الملائكة، والمقصود به الاعتقاد الجازم بأنَّ لله ملائكة، وهم موجودون ومخلوقون من نور، وأنهم لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون به، وأنهم قائمون بوظائفهم الَّتي أمرهم الله بالقيام بها، فهم نوع من مخلوقات الله، يجب الإيمان بهم، وبالاعتقاد في وجودهم، وبما ورد في حقِّهم من صفات وأعمال، في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ من غير زيادة ولا نقصانٍ ولا تحريف".
قال تعالى:
﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة:١٧٧].
وفي الحديث الَّذي أخرجه الإمامان البخاري ومسلم، عن عمر بن الخطاب ﵁ في حديث جبريل، حينما سأل الرَّسول ﷺ عن الإيمان، فقال ﷺ : ((أَنْ تُؤْمِنَ: بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ)).
فوجود الملائكة ثابت بالأدلة القطعيَّة، من الكتاب والسنة فمن ينتقص قدرهم أو ينكر وجودهم كافر بإجماع الأمة، قال تعالى:
﴿مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٩٨].
قال تعالى:
﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً﴾
стр. 223
صفاتهم الخِلقيَّة:
إنَّ المُتتبِّع لآيات القرآن الكريم، يلاحظ أنَّ الحديث عنهم لم يتعرض بالتَّفصيل لتكوينهم الخلقي، إلا على سبيل الإجمال، قال تعالى:
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فاطر:١].
وقال تعالى:
﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً * فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفاً * وَالنَّاشِرَاتِ نَشْراً * فَالْفَارِقَاتِ فَرْقاً * فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْراً * عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾ [المرسلات:١ - ٦].
فقد جاء في تفسيرها أنَّهم الملائكة، وقيل: الريح.
وقد أخرج البخاريُّ ومسلم، عن عبد الله بن مسعود ﵁ ((أنَّ رسولَ الله ﷺ رأى جبريلَ ﵇ له ستمائة جناح)) البخاري.
ولقد بيَّن الرَّسول ﷺ المادَّة الَّتي خُلقت منها الملائكة، فعن أمِّ المؤمنين عائشة ﵂ أنَّ رسول الله ﷺ قال: ((خُلِقَتْ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ)).
وقد وصفهم الله ﵎ في سورة النازعات فقال تعالى:
﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً * وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً * فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً * فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً﴾ [النَّازعات:١ - ٥].
ومن خصائص الملائكة، القدرةُ على التَّشكل بصورة البشر، كما جاء في قوله تعالى في شأن مريم ﵍:
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً﴾ [مريم،١٦،١٧].
стр. 224
وكما جاء في حديث عمر ﵁ حين جاء جبريل في صورة رجل يعلم الصحابة معنى الإسلام والإيمان والإحسان، وكان يأتي أحياناً في صورة دحية الكلبي، الَّذي كان رائع الجمال وحَسَنَ الهيئة.
أعمالهم:
تحدَّث القرآن الكريم عن كثرة أعمال الملائكة، وتنوُّع وتعدُّد ما يقومون به من أمورٍ يكلِّفهم بها الله، كما أنَّهم وثيقو الصِّلة بالعباد، وممَّا أشار إليه القرآنُ الكريمُ في هذا الشأن، ما يلي:
أولاً: النُّزول بالوحي: ولقد اختُصَّ به جبريل ﵇ قال تعالى:
﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [النمل:١٩٣ - ١٩٥].
وقال تعالى:
﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ [النحل:٢].
وقال تعالى:
﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل:١٠٢].
فروح القدس، هو جبريل ﵇.
ثانياً: التَّسبيح والسجود لله: قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٦].
وقال تعالى:
﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾ [الرعد:١٣].
وقال تعالى:
﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الزمر:٧٥].
стр. 225
وقال عزَّ شأنه:
﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء:١٩ - ٢٠].
وقد ذكر القرآن الكريم قصة خلق آدم، وامتثال الملائكة وطاعتهم المطلقة، حينما أمرهم الله بالسجود، قال تعالى:
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر:٢٨ - ٣٠].
وقال تعالى:
﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل:٤٩ - ٥٠].
ثالثاً: حملة العرش: بالهيئة الَّتي ذكرها الحق ﵎ في قوله:
﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧].
وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ: مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ وعنقه، مخفقُ الطَّير سَبْعِ مِائَةِ عَامٍ)).)) رواه أبو داود بإسناد جيد، ورجاله رجال ثقاة.
وقال تعالى:
﴿الَّذينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [غافر:٧].
رابعاً: خزنة النار والجنة: لقد وصف الله خزنة النار وحرَّاسَها من الملائكة بأنَّهم غلاظ شداد، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التَّحريم:٦].
وقد سُمِّي خازن النار باسم مالك.
وقد ذكر القرآنُ استغاثة الكافرين به، قال تعالى:
﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧].
وقال تعالى:
﴿وَقَالَ الَّذينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذَابِ * قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ﴾ [غافر:٤٩ - ٥٠].
стр. 226
أمَّا بالنسبة للمؤمنين، فإنَّ الملائكة تتلقَّاهم وتهنِّئهم بالسَّلامة من النار، وترحب بهم في الجنة، قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٣].
وقال -تعالى- عن صفات المؤمنين، الَّذين استحقُّوا بها الجنَّة، واحتفت بهم الملائكة:
﴿الَّذينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ * وَالَّذينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ * وَالَّذينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٠ - ٢٤].
وقال -تعالى- عن عباد الرَّحمن:
﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاماً * خَالدِّين فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً.﴾ [الفرقان:٧٦،٧٥].
صلة الملائكة بالبشر
للملائكة صلةٌ وثيقةٌ بالبشر، وارتباطٌ عميق بحياتهم، فهم مُلازمون للنَّاس خلال تواجُدهم على ظهر الأرض وفي بطنها، وقد أخبر الكتاب والسُّنَّة عن هذه الصِّلة الوطيدة، في كل مجالات الإنسان، وعبر مراحل عمره، ومن هذه الأعمال على سبيل المثال لا الحصر، ما يلي:
стр. 227
١ - حفظُ البشر وتسجيلُ الأعمال:
قال تعالى:
﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٧ - ١٨].
وقال تعالى:
﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:١٠ - ١٢].
وقال تعالى:
﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١].
٢ - الاستغفار للبشر والدعاء لهم:
قال تعالى:
﴿الَّذينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر:٧ - ٩].
وروى الإمام البخاري، أنَّ رسول الله ﷺ قال: ((ما من يومٍ يصبحُ العباد فيه؛ إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدٌهما: اللَّهمَّ أعطِ منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللَّهمَّ أعطِ ممسكاً تلفاً)).
وقال تعالى:
﴿هُوَ الَّذي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ [الأحزاب:٤٣].
والصلاة هي الدعاء.
стр. 228
الثَّالث: التَّشجيع على الطاعة والعبادة وحضور مجالس العلم وقراءة القرآن:
والأحاديث في هذا كثيرةٌ، نذكر منها على سبيل المثال:
١ - عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- عن النبي ﷺ قال: ((الْمَلَائِكَةُ يَتَعَاقَبُونَ، مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَفي صَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ الَّذينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بهم: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وهم يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وهم يُصَلُّونَ)).
٢ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا حَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ)) رواه مسلم.
٣ - صلة الملائكة بالعلماء وطلاب العلم:
يشترك الملائكة مع العلماء، في الشهادة والإقرار بتوحيد الله، قال تعالى:
﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨].
كذلك الدُّعاء لكلِّ من يعلم النَّاس الخير:
فعن أبي أمامة -رضي الله تعالى عنه- أنَّ رسول الله ﷺ قال: ((إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرَضِينَ، حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا، وَحَتَّى الْحُوتَ، لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ))، وعن أبي الدرداء ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: ((مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يبتغي فِيهِ عِلْمًا؛ سهَّل اللَّهُ لِهِ طَرِيقًا إلى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْم، ِرِضًا بما صنعِ)).
стр. 229
٤ - التَّكليف بنزع أرواح الكائنات، إذا ما دنا الأجل، مع شدَّة العذاب على الكافرين:
قال تعالى:
﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة:١١].
وقال تعالى:
﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الأنفال:٥٠ - ٥١].
وقال تعالى:
﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام:٩٣].
وقال عزَّ شأنُه:
﴿الَّذينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النَّحل:٢٨].
وقال تعالى، في شأن الكافرين عند خروج أرواحهم:
﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٢٧ - ٢٨].
أمَّا المؤمنون، فإنَّ الملائكة تَحُفُّ بهم عند الوفاة، وتستبشرُ بهم، وتُحيِّيهِم، قال تعالى:
﴿الَّذينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٣٢].
وقال تعالى:
﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة:٨٣ - ٩١].
стр. 230
٥ - تثبيت قلوب المؤمنين في ميادين الجهاد:
إنَّ الصِّراع بين الإيمان والكفر، وبين العدل والظُّلم، وبين الحقِّ والباطل لا ينطفئ لهيبُه، ولن تخمد جذوته، ونظراً لضعف الكفر والظلم والباطل في حقيقتهم؛ فإنهم يتدرَّعون بالقوة، ويَفرضون سطوتهم وبطشهم، بأعتى سلاح ليحموا بذلك ما يخفونه من معتقدات فاسدة، لا تصمد أمام الحجَّة ولا تقف أمام الدَّليل.
وهذا هو المُشاهد في الصِّراعات المعاصرة، لذلك فإنَّ من سنَّة الله في إدارة الصراع بين الإيمان والكفر، أنَّه إذا صدَقت النيَّة، وخلَص التَّوجه إلى الله، واستجمع المسلمون شروط النصر، فإنَّ الله يمدُّهم بنصرٍ من عنده، ويوحي إلى الملائكة بتثبيت قلوبهم، والمساهمة بالقتال بجانبهم، كما حدث في معركة بدر قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران:١٢٣ - ١٢٥].
وكما حدث في غزوة الأحزاب، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ [الأحزاب:٩].
قال تعالى:
﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ وَمَا هِيَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر:٣١].
هذه بعض أعمال الملائكة وعمق صلتهم بالبشر، والله أعلم بحقيقتهم ودرجاتهم عنده، قال تعالى:
﴿وَمَا مِنَّا إِلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات:١٦٤ - ١٦٦].
стр. 231
تصحيح عقيدة البشر عن الملائكة
جاء الإسلامُ، وقد سادت لدى بعضِ العربِ وغيرهم، معتقداتٌ فاسدةٌ عن الملائكة، وألصقوا بهم الافتراءات، ما هم منها براء، وقد طلبوا من رسول الله ﷺ أن يطلبَ من الله أن يُكلِّف الملائكة ببعض الأعمال والمهامِّ، التي ليست من طبيعة خلقهم.
ولقد أورد القرآن الكريم تلك الشُّبهات عنهم، وقام بالرَّدِّ عليها، ومن هذه الشبهات ما يلي:
أولاً: الزَّعم بأنَّ الملائكة إناثٌ، وأنَّ الله اصطفاهم له دون الأولاد، وهذا افتراءٌ عظيم على الله، وانتقاص لوحدانيته، وقد ساق القرآن العظيم هذه الفرية وفندها، قال تعالى:
﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً﴾ [الإسراء:٤٠]
وقال تعالى:
﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلونَ * وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزُّخرُف:٢٠،١٩]
فقد أبطل الله مزاعمهم الكاذبة، فيما ادَّعَوه على الملائكة، وبما نسبوه إلى الله، تنزَّهت ذاته وتعالى عما يصفون وعما يقولون علوَّاً كبيراً.
قال الإمام ابن كثير في تفسير تلك الآيات:
"أي اعتقدوا فيهم ذلك -أي الأنوثة- فأنكر الله عليهم قولهم، بقوله:
﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾
أي أشاهدوا وقد خلقهم إناثاً،
﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ﴾
أي بذلك، ويسألون يوم القيامة".
ويقول ﵀ فيما ادَّعاه المشركون حول الملائكة:
"فجمعوا بين أنواع كثيرة من الأخطاء:
стр. 232
أحدها: جعلوا لله تعالى ولداً، تعالى وتقدَّس وتنزَّه عن ذلك علواً كبيراً.
الثاني: ادَّعَوا أنَّ الله اصطفى البنات على البنين، فجعلوا الملائكة الَّذين هم عبادُ الرَّحمن إناثاً.
الثالث: عبادتهم لهم مع ذلك كلِّه، بلا دليل ولا برهانٍ ولا إذنٍ من الله ، بل بمجرد الافتراء والأهواء والتَّقليد للأسلاف والكبراء، والتَّخبط في الجاهليَّة الجهلاء".
الآثار المترتبة على الإيمان بالملائكة:
الإيمان بالملائكة جزءٌ من عقيدة المسلم، وركن من أركان إيمانه، ليس في وسع إنسان أن ينكر وجودهم، أو يشكِّك فيهم أو ينتقص من قدرهم أو أن ينسب إليهم ما يجب أن يتنزَّهوا عنه.
وللإيمان بهم آثار عظيمة، وفوائد جليلة، نوجزها فيما يلي:
أولاً: ما ذكره القرآن الكريم عن حقيقة الملائكة وطبيعة أعمالهم، قد أزال ما يعلق بهم من أوهام وافتراءات:
﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٦ - ٢٧].
ثانياً: الاستقامة على أمر الله، فحينما يشعر الإنسان أنَّ الملائكة تراقبه وتسجل عليه أعماله؛ فإنَّ هذا أدعى إلى لزوم الطَّاعة.
ثالثاً: تدفع الإنسانَ إلى الأماكن الطَّيِّبة، التَّي تشهدُها الملائكة، وتشهدُ على الإنسان بالمواظبة عليها، كالمساجد وحلقات الذِّكر والعلم وقراءة القرآن، وغيرِ ذلك من أعمال البِرِّ، ممَّا يدفع المجتمعَ المسلم إلى النُّهوض والتَّحرك، نحو الطَّريق المستقيم والإصلاح المفيد، الذي يتعثَّر المسلمون في خطاه، وتتيه عليهم رؤيته الحقَّة.
стр. 233
رابعاً: يشعر الإنسان بالخجل، حينما ترصد الملائكة أعماله السَّيِّئة، وحينما تُفتح صحيفةُ أعماله التَّي دوَّنَتها الملائكة، فيكفَّ عن انحرافه ويُسرعَ بالمبادرة بالرجوع إلى الله والتَّوبة من الذنوب.
خامساً: شعور المسلم بأنَّ مواكب الخير في هذه الحياة، ومواسم الطاعة، الملائكة تشاركه فيها وتغبطه عليها، مما يُقوِّي عزيمته، وتصدق بذلك نيته.
وهكذا يتضح مدى أهميَّة ووجوب الإيمان بالغيب، والذي تُشكِّل الملائكة أحدَ أركانه ودعائمه.
أما عن بقيَّة أركان الإيمان بالغيب، فهذا موضوع المحاضرة القادمة إن شاء الله.
стр. 234
وجوب الإيمان بجميع الأنبياء والرسل .
стр. 235
٢ - من دعائم وأسس الدَّعوة إلى الله وجوب الإيمان بجميع الأنبياء والمرسلين
وجوب الإيمان بجميع الأنبياء والرسل
الحمد لله ربِّ العالمين، أرسل الأنبياء والمرسلين هداةً مصلحين، مبشِّرين ومنذرين لجميع الخلق أجمعين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف الخلق وخاتم الرُّسل، أرسله الله للنَّاس كافَّةً بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً.
السَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ...
تمهيد:
نواصل الحديث عن الأسس والدَّعائم الَّتي تقوم عليها دعوة الإسلام العظيم، ولقد ذكرنا في اللقاء الماضي: أنَّ الإيمان بالغيب هو جوهر عقيدة المسلم، وأنه يتضمَّن أموراً يجب الاعتقاد الصادق بها، والإيمان الخالص بما ورد بشأنها في الكتاب والسنة، وقد أوردنا من ذلك الإيمان بالملائكة، وبيَّنَّا حقيقتهم وطبيعة أعمالهم، وصلتهم الدَّائمة بالبشر، واليوم نتابع ما يتعلق بقضايا الإيمان بالغيب، ومن ذلك الإيمان بجميع الأنبياء والمرسلين.
الأنبياء والمرسلون، جماعة من البشر، اصطفاهم الله، لتبليغ رسالته للناس، وأنزل عليهم الكتب، وأيدهم بالمعجزات والآيات الدالة على صدقهم، قال تعالى:
﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج:٧٥].
وهم -صلوات الله عليهم- متَّصفون بكلِّ صفات الكمال الإنسانيِّ الأخلاقيِّ الجسمانيِّ، ومنزَّهون عن النَّقائص والعيوب، قال تعالى:
﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص:٤٧].
وقد أوجب الحقُّ ﵎ الإيمان بجميع الأنبياء والمرسلين، المذكورين في القرآن الكريم، إيماناً صادقاً لا يخالطه شكٌّ أو ظنٌّ، قال تعالى:
﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٦].
قال الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية:
"أرشد الله تعالى عباده المؤمنين، إلى الإيمان بما أنزل إليهم، بواسطة رسوله محمد ﷺ ، وبما أنزل على الأنبياء المتقدمين مجملاً، ونصَّ على أعيان من الرُّسل، وأجمل ذكر بقيَّة الأنبياء، وأن لا يفرقوا بين أحدٍ منهم، بل يؤمنوا بهم كلِّهم.
والأنبياء الَّذين يجب الإيمان بهم، والتَّصديق برسالتهم، هم المذكورون في القرآن الكريم، وعددهم خمسة وعشرون، ذُكر منهم ثمانية عشر نبيَّاً ورسولاً في قوله تعالى:
﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاً هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِنْ
стр. 236
قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلّاً فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٨٣ - ٨٦].
وورد ذكر السبعة الآخرين، في مواضع متفرِّقة من القرآن الكريم، وهم:
١ - آدم ﵇، قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ﴾ [آل عمران:٣٣].
٢ - هود، قال تعالى:
﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً﴾ [هود:٥٠].
٣ - صالح، قال تعالى:
﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً﴾ [هود:٦١].
٤ - شعيب قال تعالى:
﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً﴾ [هود:٨٤].
٥، ٦ - إدريس وذا الكفل ﵉ قال تعالى:
﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنبياء:٨٥].
٧ - خاتم الأنبياء محمد ﷺ قال تعالى:
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩].
ولقد أرسل الله أنبياءَ ورسلاً كثيرين، لا يعلمهم إلا هو قال تعالى:
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [يونس:٤٧].
وقال تعالى:
﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:٢٤].
وقال جلَّ شأنه:
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [غافر:٧٨].
مقوِّمات الإيمان بالرُّسل:
وأنَّ الإيمان بالرُّسل، والتَّصديق برسالاتهم، لن يكون إيماناً حقَّاً، واعتقاداً صادقاً، ويقيناً خالصاً، إلا بالتَّسليم والإذعان بالأمور التَّالية:
стр. 237
١ - الاعتقاد والتَّسليم بأنَّهم جميعاً قد بعثهم الله لغرض أساسي واحد، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، والتَّصديق بالبعث والحشر والثواب والعقاب والجنة والنار، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل:٣٦].
وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥].
الإسلام هو الكلمة الجامعة التي انضوت تحتها الرِّسالات السَّماوية جميعها
وأنَّ الانحراف عن هذا الاسم، بغيٌ وظلمٌ وكفرٌ بآيات الله، قال تعالى:
﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الأِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران:١٩].
وقال تعالى:
﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥].
وقد جرت كلمةُ الإسلام، على ألسنة الأنبياء جميعاً.
الدرس: ١٢ الأسس والدعائم التي تقوم عليها الدعوة إلى الله (٢) .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثاني عشر
(الأسس والدعائم التَّي تقوم عليها الدَّعوة إلى الله (٢))
١ - من دعائم وأسس الدَّعوة إلى الله وجوب الإيمان بجميع الأنبياء والمرسلين
وجوب الاعتقاد بأنَّهم أكمل الخلق علماً وعملاً، وأصدقهم عقيدة وقولاً، وأعظم الناس أخلاقاً وفضلاً
وأنَّ الله خصَّهم بمكانة لا يرقى إليها غيرُهم من البشر، ومنحهم من الفضائل ما لا يصل إليها أحدٌ، وقد عصمهم المولى ونَزَّههم عن الكذب والخيانة والكتمان والتقصير في التبليغ، وصانهم عن الكبائر والصغائر.
стр. 238
النُّبوَّة والرِّسالة قاصرةٌ على الرِّجال فقط
لم يبعث الله أُنثى؛ لأنَّها لا تُطيق ما يلقاه الأنبياء، من آلام ومحن وتعذيب وهجرة وقتال، قال تعالى:
﴿ومَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ النحل:٤٣].
وقال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف:١٠٩].
فالرسالة والإمامة في الدِّين، اقتصرت على الرجال دون النِّساء، وعلى هذا فإنَّ البدعة التي استُحدثت في الغرب، وبتشجيع منه وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث قامت امرأةٌ -لأول مرَّة في تاريخ الإسلام- بأداء خطبة الجمعة وإمامة النَّاس في الصَّلاة، وإعلان الأذان والإقامة بصوت امرأة، وذلك في يوم الجمعة الثامن من صفر لعام ١٤٢٦هـ الثامن عشر من مارس ٢٠٠٥م، لهي بدعة مُنكرة، ومخالفة شنيعة لله ولرسوله وللمؤمنين، وانتهاكٌ لخصوصيات الإسلام، وتطاولٌ على مُقدَّساته وثوابته، وخروجٌ على إجماع الأمة، قال تعالى:
﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ [الأحزاب:٣٦].
وقال تعالى:
﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣].
وعن أم المؤمنين عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ؛ فَهُوَ رَدٌّ)) رواه البخاري.
стр. 239
وقد حذَّر ﷺ من مثل هذه الضَّلالات، وأنذر كلَّ من يُحدِث في الدين ما ليس منه، بسوء العاقبة.
فعن أبي نجيح العرباض بن سارية ﵁ قال: ((وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَوْعِظَةً بليغةً، وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، وَذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كأنَّها مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فأوصنا، قَالَ أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ تأمَّر عليكم عَبْدٌ، وإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فسيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ)) رواه أبو داود والترمذي.
الإيمان بأنَّ الله لم يخصَّ الأنبياء والمرسلين بطبائع غيرِ الطَّبائع البشريَّة
وإنَّما اختارهم الله من الرِّجال الَّذين يأكلون ويشربون ويمشون في الأسواق، ولهم أزواجٌ وذريَّةٌ، ويُُصيبُهم ما يصيب البشرَ من أفراح وأحزانٍ وغضبٍ وسرور، إلى آخر ما يَلحق البشر من أعراض سوى الأمور المُنفِّرة، قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً﴾ [الفرقان:٢٠].
وقال تعالى:
﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣].
وقال تعالى:
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد:٣٨].
ولقد أكَّد القرآن الكريم، على بشريَّة عيسى ﵇، ونفى نفياً قاطعاً ما يعتقده النصارى في بنوَّته لله أو ألوهيَّته، سبحانَه وتعالى عمَّا يقولون علوَّاً كبيراً. قال تعالى:
﴿مَا
стр. 240
الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة:٧٥].
بأيِّ دعوى يخرج الأنبياء والمرسلين عن فطرتهم البشريَّة، أو وصفهم بما لا يليق بهم، هو انحرافٌ عن دعائم وجوهر رسالات الأنبياء جميعاً، فهم -صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً- لا يملكون شيئاً من خصائص الألوهيَّة، وليس من شأنهم التَّصرفُ في بعض أمور الكون، ولا يملكون الضرَّ أو النَّفع لأنفسهم أو لغيرهم، ولا يعلمون الغيب، إلا من خلال ما أطلعهم الله عليه، قال تعالى:
﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف:١٨٨].
وقد أفاض القرآن الكريم، في بيان وتوضيح بشريَّة الأنبياء، ليُدحض بذلك افتراض ومزاعم كلِّ من يعتقد فيهم ما ليس في طبيعتهم، ولا من خصائصهم، ولا سيَّما ما اعتقده النصارى في عيسى ابن مريم، حيث نسبوا إليه ما تبرَّأ منه، وسجَّل القرآنُ الكريم إنكارَه ﵇ لما ألحقوه به بهتاناً وزوراً، قال تعالى:
﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٦ - ١١٨].
стр. 241
وجوب الإيمان بجميع الأنبياء والمرسلين، الوارد ذكرهم في القرآن الكريم، وعدم التَّفرقة بينهم
فمن ركائز الإيمان، ومن الأسس الَّتي تقوم عليها الدَّعوة إلى الله، وجوبُ الاعتقاد والتَّصديقِ بجميع الأنبياء والمرسلين، الَّذين جاءت أسماؤهم في كتاب الله، وإنزالهم منزلةً واحدة في مقام النُّبوة والرِّسالة، وعدم التَّفرقة بينهم، أو النَّيل من بعضهم، قال تعالى:
﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٦].
فهذا أمرٌ صريح بوجوب الإيمان وعدم التَّفرقة بينهم -صلوات اله عليهم جميعاً-، وقد ذكر القرآن الكريم ذلك أيضاً في قوله تعالى:
﴿آمَنَ الرَّسول بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥].
قال الإمام ابن كثير:
"فالمؤمنون يؤمنون بأنَّ الله واحدٌ أحدٌ فردٌ صمد، لا إله غيرُه، ولا ربَّ سواه، ويُصدِّقون بجميع الأنبياء والرُّسل، والكتب المنزلة من السَّماء على عباد الله المرسلين والأنبياء، لا يُفرِّقون بين أحدٍ منهم، فيؤمنون ببعضٍ ويكفرون ببعضٍ، بل الجميع عندهم صادقون بارُّون راشدون مهديُّون هادون إلى سبيل الخير، وإن كان بعضُهم ينسخ شريعةَ بعضٍ بإذن الله، حتّّى يُنسخ الجميعُ بشرع محمَّد ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين، الَّذي تقوم الساعة على شريعته، ولا تزال طائفة من أمَّته على الحقِّ ظاهرين".
стр. 242
وبَيَّنَ القرآن الكريم أنَّ الله توعَّد كلَّ من يكفر بالله ورسله، ويفرق بينه -سبحانه- وبينهم في الإيمان ببعض والكفر ببعض، كما فعل اليهود -عليهم لعنة الله- حينما آمنوا بجميع الأنبياء إلا عيسى ومحمداً ﵉ وكإيمان النَّصارى بجميع الأنبياء إلا محمَّداً ﷺ ويتَّخذون في هذا عقيدةً ومنهجاً وسبيلاً، فأولئك وغيرهم ممَّن يؤمنون بالبعض ويكفرون بالبعض، قد حكم الله عليهم بالكفر، وأعدَّ لهم عذاباً مُّهيناً. قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً﴾ [النساء:١٥٠ - ١٥١] أمَّا المؤمنون الَّذين أكرمهم الله بالإيمان بجميع الأنبياء والمرسلين، فقد أخبر الله بشأنهم في نفس الآيات:
﴿وَالَّذينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [النساء:١٥٢]
وينبغي على أتباع الدِّيانات، وخاصَّةً اليهود والنَّصارى: أن يكُفُّوا ألسنتهم عن الخوض في التَّفرقة بين النَّبِيِّين، والنَّيل منهم ووصفهم بصفات لا تَليق بآحاد الناس، فضلاً عن المرسلين، كما ذُكر ذلك فيما يزعمون أنَّه الكتابُ المقدَّس، سواء في أسفار "العهد القديم"، "التَّوراة" أو "العهد الجديد": الأناجيل، حيث ألصقوا ببعض الأنبياء -زوراً وبهتاناً- تهمة ارتكاب الكبائر، مما يتنافى وعصمتهم وحفظ الله لهم، وتفضيلَهم على الخلق جميعاً، قال تعالى:
﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة:٢٥٣].
فالتَّفاضل بينهم شأنٌ يخصُّ الله تعالى، فهو -سبحانه- يعلم قدر كلٍّ منهم ومنزلته وفضله، قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً﴾ [الإسراء:٥٥].
стр. 243
وقد نهى ﷺ عن التَّفاضل الَّذي تمليه العصبيَّة الحمقاء والخصومة الحاقدة، فقد جاء في "الصحيحين" عن أبي هريرة ﵁ قال: استبَّ رجلٌ من المسلمين، ورجلٌ من اليهود، فقال اليهوديُّ في قَسم يُقسمه: لا، والَّذي اصطفى موسى على العالمين! فرفع المسلمُ يده فلطم بها وجهَ اليهوديِّ، فقال: أيْ خبيثُ، وعلى محمد ﷺ ؟ فجاء اليهوديُّ إلى النَّبيِّ ﷺ فاشتكى على المسلم، فقال رسول الله ﷺ : ((لا تفضلوني على الأنبياء ... الحديث)) رواه الشَّيخان.
فالمراد بذلك النَّهيُ الَّذي يمليه التَّعصب المذموم، ولقد ذكر القرآن الكريم أنَّ الرسل هم أفضل الخلق، قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران:٣٣ - ٣٤].
وأنَّ الله فضَّل أولي العزم من الرُّسل، على سائر الأنبياء والمرسلين، قال تعالى:
﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٣٥].
وهم المذكورون في قوله تعالى:
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً﴾ [الأحزاب:٧].
ومحمد ﷺ أفضلُ أولي العزم، قال تعالى:
﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ [النساء:١١٣].
وقد ذكر ﷺ الأمورَ الَّتي اختصه اللهُ بها، وفُضِّل من خلالها على جميع الأنبياء والمُرسلين، ممَّا سنوضِّحه في الأدلَّة التَّالية:
أ- روي عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تُحَلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ كلُّ نبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عامَّةً)) رواه الشيخان.
стр. 244
ب- روي عن أنس -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : ((أنا أكرمُ وَلَدِ آدَمَ على رَبِّي، ولا فخرَ))، وفي روايةٍ أخرى لابن عبَّاس ﵄: ((أَنَا أكرمُ الأوَّلينَ والآخِرينَ، ولا فَخر)).
وروي عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أنَّ رسول الله ﷺ قال: ((أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ)) أخرجه الإمام مسلم.
ج- روي عن واثلة بن الأسقع -رضي الله تعالى عنه- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ)) أخرجه الشَّيخان.
فهذه الأحاديث الصَّحيحة، تنبئ عن مكانة الرَّسول ﷺ وعن فضله على سائر الأنبياء والمرسلين، وعلى كافَّة الخلق أجمعين، ومن أراد المزيد فليرجع إلى "الشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض"، ومع هذه المكانة العالية والمنزلة الرَّفيعة؛ فإنَّ أدب الرَّسول ﷺ وتواضعَه، جعله يأمر المسلمين، أن لا يرفعوا منزلته على منزلة أحدٍ من الأنبياء غيرِه، فقال ﷺ : ((لا تُفضِّلوني على يُونُسَ بن متّى، ولا تُفَضِّلوا بينَ الأنبياءِ، ولا تُخَيِّروُني عَلَى مُوسَى)).
فالنهي عن التَّفاضل موجَّهٌ في حقِّ النُّبوَّة والرِّسالة، إذ إنَّ مقام الأنبياء والمرسلين في النُّبوَّة واحدٌ، وإنَّما التَّفاضل بأمورٍ أخرى زائدةٍ عليها، يمنحها الله لأنبيائه ورسله، حيث يخُصُّ بها نبيَّاً دون آخر.
ولقد ذكر القرآنُ الكريمُ، ما اختصَّ به اللهُ كلَّ نبيٍّ ورسولٍ من معجزات ومقامات وأحوالٍ، يُفاضل اللهُ بها بينهم.
стр. 245
وجوب الاعتقاد والإيمان أنهم جميعا -عليهم الصلاة والسلام- قد بلغوا رسالات الله على الوجه الأكمل .
ممَّا يجبُ على المسلم التَّصديقُ به، والاطمئنان القلبيُّ له: أنَّ جميع الأنبياء والمرسلين، قد أبلغوا رسالاتِ ربِّهم، على الوجه الأكمل، وأنَّهم وقفوا حياتهم للدَّعوة إلى الله، وما فرَّطوا لحظةً فيها، وما عُلم أنَّ أحداً منهم تقاعس أو تكاسل لحظةً في حياته، أو أصابه وَهنٌ ممَّا يلقاه من قومه، وأنَّ الله حفظهم، وأمر الملائكة بترصُّد كلِّ من يحول بينهم وبين ما يدعون إليه، قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً * لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً﴾ [الجن:٢٦ - ٢٨].
قال -تعالى- مخاطباً حبيبه ورسوله ﷺ :
﴿يَا أَيُّهَا الرَّسول بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧].
وقد بيَّن القرآن الكريم، أنَّه ما يجرؤ نبيٌّ من الأنبياء، على كتمان بعض ما أمر الله به، أو الزِّيادة فيه أو النُّقصان منه، قال -تعالى- عن رسول الله ﷺ :
﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ * وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ * وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الحاقة:٤٤ - ٥٢].
وهذا هو شأنُ الأنبياء جميعاً: كمالُ الإبلاغ، وكمالُ إرسال أمانة الدَّعوة إلى الله، على أحسن وجه، قال -تعالى- عن نوح ﵇:
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالةٌ وَلَكِنِّي
стр. 246
رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٥٩ - ٦٢].
وهذا هو حال هود ﵇، قال تعالى:
﴿وإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ * قَالَ الْمَلَأُ الَّذينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ [الأعراف:٦٥ - ٦٨].
قال تعالى:
﴿الَّذينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً﴾ [الأحزاب:٣٩].
وإنَّ هذه الرِّسالاتِ ظاهرةٌ واضحة، لا لَبسٌ فيها ولا غموضٌ، وليس فيها حقيقةٌ وشريعةٌ وظاهرٌ وباطن، كما يزعمه بعضُ من ضلَّ بهم العقل وانحرف بهم الفكر، قال تعالى:
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٩].
стр. 247
الاقتصار على ما جاء في القرآن الكريم أو السنة الشريفة بشأن الأنبياء والمرسلين .
стр. 248
الاقتصارُ على ما جاء في القرآن الكريم أو السُّنَّة الشَّريفة بشأن الأنبياء والمرسلين
من قواعدِ الإيمان وأسسِ العقيدة في الإسلام، ومن وجوبِ الاعتقاد فيمن أرسله الله من الأنبياء والمرسلين، الَّذين ورد ذكرُهم في القرآن الكريم، كما قال تعالى:
﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [النساء:١٦٤].
فلا يصحُّ أن يُنسب لأحدٍ من البشر، أنَّه رسولٌ من غير من ذكره الله.
قال تعالى:
﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤].
ولقد حدَّد القرآنُ الكريم طرقَ إثبات الرِّسالة، فقال تعالى:
﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ * وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥١ - ٥٢].
لقد حدَّدت هذه الآيةُ الوسائلَ الَّتي يتَّصل الله بها برسله، هذا بجانب المعجزات والآيات الَّتي يؤيِّدُهم الله بها، ويتحدَّى قومَهم على أن يأتوا بمثلها، قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [غافر:٧٨].
وقال تعالى:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء:١٠١].
стр. 249
فلا يحقُّ لأحدٍ، أن يُسبغ صفة الرِّسالة على إنسانٍ لم يوحِ الله إليه، ولم يؤيِّده بمعجزة.
وعلى هذا، فإنَّ ما يزعمه البعض، عن بعض الفراعنة، أنَّهم أنبياء، أو ما يزعُمه النَّصارى عن بعض الحواريِّين أو القدِّيسين أنَّه يُوحَى إليهم، أو ما يعتقدُه بعضُ الشِّيعة من عصمة الأئمَّة، وتنزيلهم منزلة النُّبٌوَّة، وكذلك ما يزعمه البعض من أنَّ بعض أديان الهند، أصحابُها كانوا أنبياء؛، فكلُّ هذا افتراءٌ على الله، وكذبٌ على الأنبياء، وتزييف للتاريخ، فلا يجب الإيمان والتَّصديق إلا لمن ورد ذكرهم في القرآن الكريم، وأنَّ البشريَّة خلال تاريخها لم تعرف إلا ديناً واحداً، هو الإسلام، وقد جرى على ألسنتهم جميعاً، من لدن آدم، إلى محمَّد ﷺ .
الآثار المترتبة على وجوب الإيمان بالأنبياء والمرسلين
١ - وحدة الرِّسالات السَّماويَّة في قواعدها وأُسسها، وإن اختلفت في بعض تشريعاتها.
٢ - بيانُ رحمة الله بالخلق، بأن أرسل إليهمُ الرُّسلَ مبشِّرين ومُنذرين.
٣ - التَّأكيد على صلة البشريَّة، بوحي السَّماء ورسالات الأنبياء.
٤ - الإسلام يُفسح صدره لأهل الكتاب، على الرَّغم من ابتعادهم عن الإسلام الحقِِّ الَّذي تنزَّل على أنبيائهم، وذلك لمجرد صلتهم بأنبيائهم وانتسابهم للكتب المنزَّلة، ولو انتساباً اسميَّاً.
٥ - العبرة والعظة من قصص الأنبياء، كما قال تعالى:
﴿لقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١].
٦ - تثبيت فؤاد الرَّسول ﷺ وتسليته، فيما نزل به وبالمؤمنين، وعبرةً لجميع المسلمين عبر السنين، قال تعالى:
﴿وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ١٢٠].
стр. 250
٧ - استتمام أركان الإيمان، الَّتي لا يتمُّ إيمانُ المؤمن إلا بها، قال تعالى:
﴿وَالَّذينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤].
٨ - الاقتداء بهم جميعاً، قال تعالى:
﴿أُولَئِكَ الَّذينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ * أُولَئِكَ الَّذينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٩٠،٨٩].
ممَّا سبق يتَّضحُ لنا:
أنَّ الإيمان بجميع الأنبياء والمرسلين، هو من أسس ودعائم الدَّعوة إلى الله، وأحد أركان الإيمان بالغيب، قال تعالى:
﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦ - ١٣٨].
وإلى اللقاء، والسَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الدرس: ١٣ الأسس والدعائم التي تقوم عليها الدعوة إلى الله (٣) .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثالث عشر
(الأسس والدعائم التَّي تقوم عليها الدَّعوة إلى الله (٣))
١ - من دعائم وأسس الدَّعوة إلى الله وجوب الإيمان بجميع الكتب المنزلة
تمهيد حول الإيمان بالكتب المنزلة
الحمد لله، أرسل رسوله بالهدى ودين الحقِّ، لِيُظهرَه على الدِّين كلِّه، ولو كره الكافرون، والصَّلاة والسَّلام على أشرف الخلق وخاتَم الرُّسل، المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله وأصحابه، ومن دعا بدعوته إلى يوم الدِّين.
السَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد
تمهيد:
فما زال اللِّقاء يتواصل -بتوفيق الله- حول الدَّعائم والأسس، الَّتي تقوم عليها دعوة الإسلام، وفي هذه المحاضرة نتناول -إن شاء الله- من هذه الدَّعائم: الإيمان بالكتب المنزلة.
إنَّ من رحمة الله بالخلق، وشفقته عليهم، ورأفته بهم: أن اصطفى من بينهم أشرفَهم نسباً، وأعرقهم أصلاً، وأطهرهم خلقاً، وأحسنهم عملاً، ليُبلِّغوا رسالته، وليرشدوا عباده إلى الصراط المستقيم والمنهج القويم، والدِّين الحق والنور المبين؛ لكي تنقطع الحجة، وتقوم على البشر المحجة، قال تعالى:
﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ [النساء:١٦٥].
следующие страницы →