يأكل معكم الرحمن !
يقولها البعض إذا دعي للأكل من أناس جالسين على الطعام. وهذا خطأ" (١) لا يجوز في حق الله تعالى.
وجهك يقطع الرزق:
هذا اللفظ جمع بين الكذب والتشاؤم؛ لأن الرزق من عند الله لا يرده أحد إذا قدَّره لك؛ قال سبحانه: ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ (٢).
وفيه التشاؤم والتطير المنهي عنه، وقد قال ﷺ : "الطيرة شرك" (٣) " (٤)
لم يُخلق من يرد لي كلمة:
قال الشيخ محمد بن جميل زينو: "هي كلمة كثيرًا ما تقال في البلدان العربية على سبيل التحدي للخصوم، وفيها الكثير من الكِبْر والغرور، والأمن من مكر الله تعالى، وادعاء لعلم الغيب بأن من يرد كلمة القائل لم يُخلق بعد" (٥).
ورأسك - ورأس أمي وأبوي:
هذه صيغة يستخدمها بعض المسلمين للحلف، وهي توقع صاحبها في الشرك؛ لأنها من الحلف بغير الله، قال ﷺ : "من حلف بغير الله
стр. 212
فقد أشرك" (١)، وقال ﷺ : "من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت". متفق عليه (٢).
يا رب كلّ آنا .. كلّ آنا:
" كلمة يقولها البعض -لاسيما في الكويت- عندما يصاب بأذى أو مصيبة أو نحوها، فإذا تكررت عليه المصائب أو البلايا قال: يا رب كل آنا .. كل آنا، محتجًا على قضاء الله وقدره، ونظيرها: (أنا ويش سويت حتى تعمل فيّ كذا، أو ليش يا رب)، وهذا ولا شك اعتراض على قضاء الله وقدره، نسأل الله السلامة" (٣).
يا شمس هاك ضرس حمار وعطيني ضرس غزال … !
" هذه كلمة يقولها البعض، وخصوصًا الأطفال عندما يسقط سن أحدهم؛ يقف مقابلًا للشمس ممسكًا بسنه المخلوع يرميه في عين الشمس وهو يقول: يا شمس خذي ضرس حمار وعطيني ضرس الغزال!!! وهذا اعتقاد باطل وجهل فاضح؛ فإن الشمس أو القمر لا يدفعان مكروهًا، أو يجلبان نفعًا، وإنما الضار والنافع، والمعطي والمانع، هو الله ، فالواجب على العبد المسلم أن يسأل الله، قال رسول الله ﷺ : "إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله (٤) " (٥).
стр. 213
الله ياخذك .. سمام يشيلك … !
" هذه دعوات يقولها بعض الآباء والأمهات لأبنائهم غافلين عن الآثار التي قد تترتب بعد هذا الدعاء ونحوه من الدعوات، فقد نهانا الرسول الكريم أن ندعو على أنفسنا أو على أولادنا، لئلا يوافق ذلك وقت إجابة، فيحل البلاء؛ عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يُسألُ فيها عطاءٌ فيستجيبُ لكم" رواه مسلم (١)، فليحذر الأمهات والآباء من الدعاء على أبنائهم، فلعل ذلك الدعاء يوافق ساعة استجابة، فيتحقق فيندم الداعي ولات حين مندم. وكم من قصة في هذا الباب: فذات يوم كان طفل يتسلق جدار سطح البيت، ويسير عليه بقدميه، وهو يظهر شجاعته وتمكنه من السير على حافة الجدران، وهذا جهل منه، والأم تقول له: يالله (تطيح) وتتكسر، أي تقع من أعلى، فسقط فمات، فندمت على دعائها، فلا حول ولا قوة إلا بالله. ومن أشباه تلك الدعوات: (الله يقطعك - الله يغربلك - ويعاتويعك - عساك الموت - عساك الماحي - وعلة تعلك - مشعاب ياخذك - نامت عليك طوفة - سليمي تصكك - زقوم ابطنّكْ - مالت عليك - عمى بعينك). والأفضل للداعي أن يعود نفسه دعاء الخير مثل: (الله يهديك - الله يصلحك - جزاك الله خيرًا) ونحوها" (٢).
стр. 214
المرأة الله يعزك. أو انت بالكرامة … !
" وهذه كلمة يقولها البعض على سبيل التأفف من ذكر اسم المرأة، فعندما يتحدث أو يسمع اسم امرأة يقول: (الله يعزك). وهو لا يعني أنه يدعو للسامع بالعز والرفعة والتمكين، وإنما هي في مقام المخاطب عن الحيوان، فكأن قائلها إذا قال: الله يعزك مثلما يقول: اشترينا حمارًا الله يعزك أو نحوه، وهذا لا شك من أخلاق الجاهلية، ومن عاداتها السيئة، قال رسول الله ﷺ : "إنما النساء شقائق الرجال" (١)، فكيف تمتهن المرأة؟! وهل كانت زوجات الأنبياء والرسل، وبنات الأنبياء والدعاة الهداة إلا نساء؟ ثم ما رأي الجهلة في أحاديث أمهات المؤمنين خديجة وعائشة، وسيدة نساء أهل الجنة فاطمة ﵅؟ تالله إنها لإحدى الكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فكيف تمتهن المرأة وهي أم لنا، وأخت لنا، وبنت وزوجة؟ " (٢).
لا جزاك الله خيرًا … !
كذا يقول البعض دعوةً على من يدعوه إلى شيء أو يصله بصلة، فيظهر الموصول ثناءً في غير محله، ويدعو على الواصل، وهو يحسب أنه يحسن صنعًا، فيقول: لا جزاك الله خيرًا! فيسقط الواو بعد (لا)، فبدلًا من أن يدعو له يدعو عليه! والصواب أن يقول: لا وجزاك الله خيرًا؛ عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ : "من صُنع إليه معروفٌ فقال لفاعله:
стр. 215
جزاك الله خيرًا، فقد أبلغ في الثناء" (١)، وروى الخطيب البغدادي في تاريخه (٢) عن المبرد قال: سأل المأمون يحيي بن المبارك عن شيء، فقال: لا وجعلني الله فداك يا أمير المؤمنين، فقال: لله درك، ما وُضعت (واوٌ) قط موضعًا أحسن من موضعها في لفظك هذا، ووصله وحمله، وهذا أدب رفيع، ولباقة جميلة، فتأمل" (٣).
ساعة لربك وساعة لقلبك !
" كلمة يقولها أصحاب الأهواء والمنكر، ويقصدون بها أن العبد يصلي ويعبد الله، وفي نفس الوقت يفعل ما يمليه عليه قلبه وهواه في الساعة الأخرى، وهذا لا شك فاسد ولا يجوز؛ فكل حياة المسلم ينبغي أن تكون لله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٤)، فإذا ما تعارض أمر الله ورغبات القلب فيجب اجتناب هذه الرغبات، وإن كانت هذه الرغبات مما أباح الله فلا بأس من تلبيتها، وهذا معنى حديث الرسول ﷺ للصحابي حنظلة الأُسيدي "ولكن، يا حنظلة ساعة وساعة" رواه مسلم (٥)؛ أي ساعة في العبادة وساعة فيما أباح الله سبحانه من أكل وشرب ولبس ونوم وترفيه، وبهذا يتبين أن تلك الكلمة تحتمل حقًا وباطلًا، وكثيرًا ما يطلقها
стр. 216
من يريد الاستمتاع بما حرم الله عليه، وهذا لا يجوز" (١).
اللهم أحسن وقوفنا بين يديك [قولها بعد الإقامة]:
" سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ عن قول: اللهم أحسن وقوفنا بين يديك، بعد الإقامة للصلاة، فأجاب: "قول: اللهم أحسن وقوفنا بين يديك، بعد الإقامة: لا أصل له" (٢).
الشرق الأوسط:
يقول الأستاذ محمد قطب -وفقه الله-: "كلمة: (الشرق الأوسط) كلمة دخيلة من تخطيط الأعداء من أجل تسويغ إقامة الدولة اليهودية في المنطقة؛ فإنها لو بقيت في التسمية منطقة إسلامية أو حتى عربية، فكيف تقوم فيها دولة لليهود؟! أمَّا حين تصبح منطقة جغرافية لا انتماء لها فكل شيء ممكن حينئذٍ" (٣).
وقال الأستاذ عيسى القدومي: "مصطلح: "الشرق الأوسط" جاء كمقدمة ضرورية للتعايش مع اليهود، ولإفساح مكان للكيان اليهودي في المنطقة العربية الإسلامية؛ وذلك للإقرار والاعتراف في أن يكون اليهود عضوًا في جسم الدول العربية والأمة الإسلامية، وجزءٌ من تلك المنطقة، مما يعطي اليهود صفات الجوار والوحدة ومشاركة القرار!!.
وأصبح ذلك المصطلح يقحم ويتكرر عشرات المرات يوميًا في وسائل
стр. 217
الإعلام المختلفة، بدلًا من مصطلح "الوطن العربي" أو "العالم الإسلامي" التي كانت قبل سنوات قليلة من المصطلحات الثابتة الأصيلة، حيث تنبه اليهود لعدم وجود حيزٍ لشيء اسمه "دولة إسرائيل" في تلك المصطلحات، فكان لا بد لهم من إقحام تعبير: "الشرق الأوسط" لتكييف المواطن العربي المسلم على تقبل "دولة العدوان"، وتسويق سياسة الأمر الواقع كأمر لا مفر منه بحكم الجوار ووحدة المصير والقرار!!
وتطور الأمر في استخدام مصطلح "الشرق الأوسط" ليصل إلى التراث العربي الإسلامي وليصبح تراثًا "شرق أوسطي"، وحتى المأكولات والأطباق العربية تصبح "مأكولات شرق أوسطية"، وهذا ما ورد في كثير من البرامج التي تُعرف بالتراث العربي والإسلامي في المنطقة العربية، ليترسخ ذلك المصطلح في أذهاننا، وذلك يعني تخليًا صريحًا عن الهوية العربية والإسلامية لصالح "الشرق أوسطية".
وتزداد خطورة هذا المصطلح باستخدام العديد من مراكز الدراسات العربية والإسلامية، بل والنشطاء في مقاومة التعايش مع اليهود الغاصبين، والسياسيين والاقتصاديين لهذا المصطلح، ولهذا فعلينا جميعا أن نطمس هذا المصطلح من قواميسنا، حتى لا نساهم في زيادة التمزيق في هذه الأمة، والصواب أن نطلق على هذه المنطقة: "المشرق الإسلامي"، كما سماه أهل التأريخ الإسلامي، أو: "العالم العربي"، أو: "المنطقة العربية الإسلامية" (١) ".
стр. 218
جهنمي:
" من الألفاظ الخاطئة المنتشرة بين الناس: قول: جهنمي لشخص بعينه دلالة على ذكائه وفطنته، أو لعمل قام به وأتقنه؛ كأن يقال: فعل فعلة جهنمية، أو قام بعمل جهنمي، وهذا خطأ ينبغي التنبه له وتركه، فقد ورد في الحديث عن النبي ﷺ : يخرج قوم من النار برحمة الله وشفاعة الشافعين يُقال لهم الجهنميون" رواه أحمد" (١).
فهذا الاسم يصدق على بعض من يدخل الجنة بعد أن يعذبه الله في النار ما شاء أن يعذبه، فهل يرضى القائل أن يكون من هؤلاء؟!
هذا ولد شقي:
بعض الآباء والأمهات يقولون لأبنائهم حال الغضب: يا شقي، وهذا خطأ؛ لأن الشقاء هو سوء الحال والمنقلب؛ قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ (٢).
فالأولى أن يقال بدلها: هذا ولد مهمل -يا مهمل- هذا ولد كثير اللعب، ونحو ذلك (٣).
وبعضهم يصف الولد كثير الحركة بهذا الوصف، والأولى أن يقال: هذا ولد حركي، أو كثير الحركة (٤).
стр. 219
جبل الرحمة:
بعض الناس يسمي "جبل عرفة" بهذا الاسم: "جبل الرحمة".
يقول فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: "هذه التسمية لا أعلم لها أصلًا من السنة، أي أن الجبل الذي في عرفة الذي وقف عنده النبي ﷺ يسمى "جبل الرحمة"، وإذا لم يكن له أصل من السنة فإنه لا ينبغي أن يطلق عليه ذلك، والذين أطلقوا عليه هذه التسمية لعلهم لاحظوا أن هذا الموقف موقف عظيم، تتبين فيه مغفرة الله ورحمته للواقفين في عرفة فسموه بهذا الاسم، والأولى ألا يُسمي بهذا الاسم، وليُقال: جبل عرفة، أو الجبل الذي وقف عنده النبي ﷺ ، وما أشبه ذلك" (١).
قول: (اللهم إني لا أسألك رد القضاء، ولكن أسألك اللطف فيه) [في الدعاء]:
سئل سماحة الشيخ ابن باز ﵀: "كثيرًا ما نسمع في الدعاء: اللهم لا نسألك رد القضاء ولكن نسألك اللطف فيه .. ما صحة هذا القول؟
فأجاب: هذا الدعاء الذي ذكره السائل: "اللهم إنا لا نسألك رد القضاء ولكن نسألك اللطف فيه" دعاء محرم لا يجوز؛ وذلك لأن الدعاء يرد القضاء كما جاء في الحديث الذي أخرجه الترمذي وابن ماجة: "لا يرد القدر إلا الدعاء"، وأيضا كان هذا السائل يتحدى الله … يقول: "اقض ما شئت ولكن اللطف" والدعاء ينبغي للإنسان أن يجزم به وأن يقول: (اللهم إني أسألك أن ترحمني، اللهم إني أعوذ بك أن تعذبني)، وما أشبه ذلك، أما
стр. 220
أن يقول: لا أسألك رد القضاء! فما الفائدة من الدعاء إذا كنت لا تسأله رد القضاء، والدعاء يرد القضاء؟ فقد يقضي الله القضاء ويجعل له سببًا يمنع، فالمهم أن هذا الدعاء لا يجوز ويجب على الإنسان أن يجتنبه، وأن ينصح من سمعه بألا يدعو بهذا الدعاء" (١).
ألو [عند الحديث في الهاتف]:
قال الشيخ بكر أبو زيد: "ومما يُنهى عنه هنا: المبادرة من المتهاتفين بلفظ: (ألو)، ولو أفتاك الناس وأفتوك، فهي لفظة مولّدةٌ، فرنسية المولد، يأباها اللسان العربي إذ تقلّص ظلها.
وقد وُفقت الاتصالات السعودية، بمبادرة استعلامات (دليل الهاتف) بقولهم: السلام عليكم، فحصل في هذا نشر هذا للأدب الإسلامي الكريم. كما وُفق بها عدد من المسلمين الذين يسجلون في هواتفهم رسائل لمن يهاتفهم. جزى الله الجميع خيرًا، والحمد لله رب العالمين" (٢).
الضيق في القبر:
" هذه العبارة ليست صحيحة على الإطلاق؛ فإن القبر يضيق على الكافر، أما المؤمن فإنه يوسع له في قبره، كما ثبت عن رسول الله ﷺ ، في الحديث المشهور الذي رواه البراء بن عازب ﵁، وهو في صحيح الجامع (٣).
стр. 221
وعلى هذا فلا ينبغي للمسلم ذكر هذه العبارة التي توهم أن ضيق القبر حاصل لكل أحد، والأمر بخلاف ذلك" (١).
المدينة (المنورة):
يصف البعض المدينة بـ (المنورة)، وهو وصف محدث في القرون المتأخرة لم يعرف عن السلف، والأولى تسميتها بما سماها الله به (المدينة)، أو بما سماها به رسوله ﷺ (طيبة).
وقد سئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين ﵀: ما حكم قول (المدينة المنورة)؟ وما العلة في ذلك؟
فأجاب: " (المدينة المنورة) هذا اسم حادث، ما كان معروفًا عند السلف، وهم يقولون: إنها منورة؛ لأنها استنارت بالدين الإسلامي، لأن الدين الإسلامي ينور البلاد، ولا أدري قد يكون أول من وضعها يعتقد أنها نور إلى الآن، أو أنها تنورت بوجود الرسول ﷺ فيها، لا ندري ما نيته، ولكن خير من هذه التسمية أن نقول: المدينة النبوية، فالمدينة النبوية أفضل من المدينة المنورة، وإن كان ليس بلازم أيضًا، لو قلت المدينة كفى، ولهذا تجد عبارات السلف: ذهب إلى المدينة، رجع إلى المدينة، سكن المدينة، والرسول ﷺ يقول: "المدينة خير لهم" (٢)، ولم يقل: (المنورة) ولا (النبوية)، لكن إذا كان لا بد من وصفها فإن النبوية خير من المنورة؛ لأن تميزها بالنبوة أخص من تميزها بالمنورة، إذ إننا إذا قلنا المنورة يعني التي استنارت بالإسلام، صار
стр. 222
ذلك شاملاً لكل بلد إسلامي؛ فهو منور بالإسلام، فإذا كان لا بد أن تصفها بشيء فصفها بالنبوية" (١).
وقال ﵀ في موضع آخر: "لا يقال: المنورة؛ لأن كل بلد دخله الإسلام فهو مُنور بالإسلام، ولأن ذلك لم يكن معروفًا عند السلف، وكذلك جاء اسمها في القرآن بالمدينة فقط، لكن لو قيل: المدينة النبوية الحاجة تمييزها فلا بأس" (٢).
وعد إنجليزي:
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "من المؤسف أن قومًا من السفهاء عندنا إذا وعدته بوعد يقول: (وعد إنجليزي أم عربي)! يعني أن الإنجليز هم الذين يوفون بالوعد، هذا بلا شك أنه سفه وغرور بهؤلاء الكفرة، الإنجليز فيهم مسلمون ومؤمنون، ولكن جملتهم من الكفار، ووفاؤهم بالوعد لا يبتغون به وجه الله، لكن يبتغون به أن يحسنوا صورتهم عند الناس ليغتر الناس بهم.
المؤمن في الحقيقة هو الذي يفي تماما، ولهذا إذا أردت أن تتأكد فقل الصاحبك: تعدني وعد مؤمن أم وعد منافق؟ هذا هو الصواب؛ فمن أوفي بالوعد فهو مؤمن، ومن أخلف الوعد كان فيه من خصال النفاق" (٣).
стр. 223
مع خالص التحيات:
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "لا أحد يُحيّا على الإطلاق إلا الله، وأما إذا حيا إنسان إنسائا على سبيل الخصوص فلا بأس.
لو قلت مثلاً: لك تحياتي، أو لك تحياتنا، أو مع التحية، فلا بأس بذلك؛ قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ (١)، لكن التحيات على سبيل العموم والكمال لا تكون إلا الله " (٢).
يا بربري! [أو البرابرة]:
" هذه الكلمة يستخدمها البعض عندما يريد الطعن في شخص أو مجموعة بأنهم فوضيون همجيون.
قال الأستاذ عمر بن محمود أبو عمر: "لا يجوز للمسلم أن ينبز أخاه بالبربري؛ لأن البربر قبائل مسلمة، وهذا من التنابز بالألقاب، ومن أخلاق الجاهلية" (٣).
اغفر لي يارب ببركة فلان:
سئل الشيخ ابن باز ﵀: "فضيلة الشيخ: لنا إمام مسجد يقول: إنه يجوز للإنسان أن يسأل الله ببركة فلان، كأن يقول: (اغفر لي يا رب ببركة فلان) -أي أحد الصالحين مثلًا- فهل هذا نوع من الشرك؟ علمًا بأنه في نفس الوقت لا يصرح بها شفهيًا إلا إذا سألناه، كما أن هذا الإمام
стр. 224
يكتب الحجاب والبخورات للناس كطرق علاج، فهل نصلي خلفه أم لا؟ أفيدونا أفادكم الله.
فأجاب: هذا ليس من الشرك، ولكنه من وسائل الشرك، وهو: التوسل ببركة فلان، أو بحق فلان، أو جاه فلان، أو ذات فلان؛ هذا من وسائل الشرك، وليس من الشرك، بل هو بدعة عند جمهور أهل العلم؛ لأن التوسل عبادة لا بد لها من توقيف، ولا بد لها من بيان من الله أو من رسول الله ﷺ ، والله سبحانه بين لنا وهكذا الرسول ﷺ بين لنا وسائل العبادة، وأن المشروع أن نتوسل إلى الله في دعائنا إياه بأسمائه، كما قال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (١)، وهكذا صفاته ، وهكذا التوسل بالتوحيد: اللهم إني أسألك بأنني أشهد أن لا إله إلا أنت، كما جاء في الحديث.
وهكذا التوسل بالأعمال الصالحات، فيتوسل المؤمن بإيمانه بالله ورسله، ومحبته لله ورسله، ويبره بوالديه، وبأدائه الأمانة، وبعفته عن الفواحش وبمحافظته على الصلوات، إلى غير ذلك.
وفي هذا الباب قصة أهل الغار، الثابتة في الحديث الذي رواه الشيخان البخاري ومسلم في الصحيحين عن أبن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن ثلاثة من الناس فيمن كان قبلنا، آواهم المبيت، وفي رواية المطر، إلى غار فدخلوا فيه، فانحدرت عليهم صخرة سدت عليهم الغار، يقول النبي ﷺ :
стр. 225
فقالوا: لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم"، فقام أحدهم فسأل ربه ببره لوالديه فانفرجت الصخرة بعض الشيء، وقام الثاني وسأل الله بعفته عن الفاحشة عن الزنا فانفرجت الصخرة بعض الشيء، وقام الثالث وتوسل إلى الله بأدائه الأمانة فانفرجت الصخرة وخرجوا (١). وهذا دليل على أن التوسل بالأعمال الصالحات وسيلة شرعية.
وهكذا التوسل بأسماء الله وصفاته كما تقدم، وهكذا التوسل بتوحيده والإخلاص له، أما التوسل بجاه فلان، أو ببركة فلان، أو بحق فلان، فهذا لا أصل له، ولا يجوز، بل هو من البدع، ولكن ليس من الشرك.
والصلاة خلف الإمام الذي يقول هذا صحيحة. لكن ينبغي أن يعلَّم ويوجه إلى الخير، فإن عرف الحق وامتثل وتاب إلى الله من ذلك وإلا فالواجب أن يبدل بغيره، والواجب على المسؤولين أن يلتمسوا إمامًا أصلح منه للمسجد حتى لا يغر الناس، وهكذا إذا كان يتعاطى كتابة الحجب -وهي التمائم- فهذا أيضا منكر، والرسول ﷺ أمر بقطع التمائم وقال: "من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له" (٢)، وأخبر أنها شرك، فلا يجوز كتابة التمائم لا من العظام، ولا من الخرز، ولا من الطلاسم، ولا من غير ذلك.
واختلف العلماء فيما إذا كانت التمائم من القرآن على قولين: أحدهما: الجواز، والثاني: المنع، والصواب: المنع؛ فلا يجوز اتخاذ التمائم والحجب
стр. 226
حتى ولو من القرآن في أصح قولي العلماء؛ لأن الرسول ﷺ نهى عن التمائم وأطلق وعمم، فلا يجوز استثناء شيء من ذلك؛ لأن تعليق التمائم من القرآن وسيلة إلى تعليق غيرها فينفتح الباب ويقع الشرك، وسد الذرائع أمر معلوم من الشريعة، وأصل من أصولها، ولأن تعليقها قد يفضي إلى امتهان الآيات القرآنية فوجب منع ذلك.
وأما البخور فشيء آخر، فقد تعالج بعض الأمراض بالبخور، ولكن بعض من يدَّعي الطب قد يتظاهر بأشياء وعنده أشياء أخرى، قد يتظاهر بالتمائم أو بالبخور وهو يتعاطى خدمة الجن، وسؤال الجن، ودعوي علم الغيب بواسطة الجن، ومثل هذا خطره عظيم.
فالواجب أن ينكر على هذا، وأن يوجه إلى الخير، وأن يعلَّم حتى يستفيد، وحتى ينتبه لهذا الخطر، فإن استقام وتاب إلى الله وسار على الطريق السوي، وإلا فالواجب إبداله بغيره من أئمة المسلمين الذين عندهم العناية بأمر الله، وعندهم صلاح العقيدة، وسلامة الدين.
والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله" (١).
مِسْتر [قولها للكافر]:
سئل سماحة الشيخ ابن باز ﵀: "هل يجوز أن يقال للكافر: يا سيد. مثل أن يكتب بالفاتورة أو غيرها: السيد فلان، وهو يعلم أنه كافر، أو أثناء الحديث معه بالإنجليزية مثلا (مستر) فلان؟ وإذا كان لا يجوز أن يقال
стр. 227
للكافر: يا سيد، فما الدليل؟ أفيدونا أفادكم الله.
فأجاب: نعم، لا يقال للكافر: سيد، ولا للفاسق سيد؛ لأنه ورد عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تقل للفاسق سيدًا"، فنهى النبي ﵊ عن هذا الشيء، فلا ينبغي للمؤمن أن يقول للكافر ولا للفاسق سيدًا؛ لأن هذا وصف عظيم لا يليق بالكافر والفاسق، والسيد هو الرئيس والكبير والفقيه، فلا ينبغي أن يقال للكافر بالله أو المعروف بالمعاصي الظاهرة، لا يقال له سيد، بل يدعى باسمه المعروف: فلان، أو أبي فلان، كما قال النبي ﷺ في عبدالله بن أبيّ: "ما فعل أبو الحباب؟ ".
فإذا دعي بلقبه أو باسمه، أو قيل فلان المدعو كذا وكذا فلا بأس ويكفي هذا، أما أن يقال: السيد فلان، أو يأتي بما هو أعظم من ذلك فلا يجوز؛ لكونه فاسقًا معروفًا بالفسق، ولا حول ولا قوة إلا بالله" (١).
سلم لي على رسول الله ﷺ -!
قالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ردًا على أحد السائلين:
ثانيًا: جاء في سؤالك عبارة: (لي رجاء إلى كل من يقرأ هذه الرسالة أن يسلم لي على الرسول ﷺ وعلى أبي بكر وعمر ﵃ ونوضح لك أن تحميل الإنسان غيره السلام على رسول الله ﷺ ، أو غيره من الأموات ليس مشروعًا، بل هو بدعة، والنبي ﷺ يقول: "كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار" (٢)، فالواجب ترك هذا العمل وتنبيه من يقع فيه إلى
стр. 228
أنه لا يجوز، ومن فضل الله علينا أن جعل سلامنا على نبينا محمد ﷺ يبلغه اينما كنا في مشارق الأرض ومغاربها، فقد ثبت أن النبي ﷺ قال: "إن الله في الأرض ملائكة سياحين يبلغوني من أمتي السلام" (١) رواه الإمام أحمد والنسائي وغيرهما، وقال ﷺ : "خير أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا عليّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" (٢)، وقال ﵊: "لا تجعلوا قبري عيدًا، ولا بيوتكم قبورًا، وصلوا علي؛ فإن صلاتكم تبلغني أين كنتم" والأحاديث في هذا المعنى كثيرة" (٣).
أخدمك الله أقداره:
علق الشيخ الألباني ﵀ على قول ابن دحية الكلبي في فاتحة كتابه (أداء ما وجب من بيان وضع الوضاعين في رجب) عندما قال داعيًا الملك وقته: "وأخدمه أقداره" قال الشيخ: "لا تخلو هذه التركية من شيء؛ فإن هذا الطلب الأخير مع أنه من طلب ما لا يكون، وذلك من الاعتداء في الدعاء، وهو مذموم فيما صح عنه ﷺ من قوله: (سيكون في أمتي أقوام يعتدون في الدعاء والطهور) (٤)، فإنه على ذلك فيه طلب الاستعلاء على القدر وجعل الملك مخدومًا له، وهذا أمر ظاهرٌ بطلانه، وإنما أوقع المؤلف -
стр. 229
غفر الله لنا وله - في هذه الخطيئة غلوه في مدح ملكه والإطراء عليه، وصدق رسول الله ﷺ في قوله: (المدح هو القزع) " (١).
الاستعمار:
يطلق بعض الناس على فترة احتلال النصارى لكثير من بلاد المسلمين إبان سقوط الدولة العثمانية: (الاستعمار)، وهذا مخالف للواقع.
قال الشيخان ناصر العقل وناصر القفاري: "هذه التسمية غير صائبة، فالاستعمار هو العمران والإصلاح. والأولى أن يقال: الاستعباد، أو الاحتلال، أو الاغتصاب، أو التخريب، ونحو ذلك" (٢).
وقال الدكتور محمد عبد القادر أبو فارس: "إن كلمة الاستعمار مصدر وفعله استعمرَ، وهذا المصطلح أُطلق على عهد احتلال الدول الكبرى القوية والغنية البلاد الصغرى والفقيرة والضعيفة، وفرض هيمنتها عليها وحكمها بالحديد والنار، ونهب خيراتها واستغلال ثرواتها. وقد بدأ الاستعمار منذ القرن التاسع عشر الميلادي واستمر في القرن العشرين.
والمُستعمرَةُ: هي الإقليم الذي يحكمه أجنبي مستغل. وقد وقعت البلاد العربية والإسلامية تحت حكم المستعمرين.
والدولة المستعمِرة: هي الدولة التي تفرض على المنطقة المُستعمَرة سيادتَها وتستغل خيراتها.
стр. 230
والدول الاستعمارية كثيرة، فمنها: بريطانيا التي قد استعمرت كثيرًا من بلاد الدنيا كالهند وباكستان والعراق والأردن وفلسطين واليمن ومصر. ومنها: فرنسا، التي استعمرت سوريا ولبنان والجزائر والمغرب وتونس وغيرها. ومنها: إيطاليا التي استعمرت ليبيا، ومنها: هولندا فقد استعمرت أندونيسيا التي تتكون من ثلاث عشرة ألف جزيرة منها ستة آلاف مأهولة بالسكان.
ولقد دخلت هذه الدول الاستعمارية هذه البلاد زاعمة أنها تريد إعمارها وتنمية مواردها واقتصادها، وتأهيل أهلها لإدارة أنفسهم.
وفي الحقيقة فإنهم احتلوا هذه البلاد لا ليعمروها، بل ليدمروها اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا وأخلاقيًا، ولينهبوا خيراتها. فالأولى أن تسمى دولًا استدمارية لا استعمارية وأن يستعمل الاستدمار مكان الاستعمار.
ومن هنا شعر أهل البلاد المستعمرة بالظلم والقهر وغصب أموالهم ومصادرة حقوقهم وأراضيهم، وبناء مستعمرات يسكنها الأجانب المحتلون. فقاموا بثورات كثيرة ضد هذه الدول الاستعمارية وجيوشها التي تجثم على أرضهم وتتصرف بمقدراتهم. واستشهد عدد كبير من المجاهدين الذين قاوموا المستعمرين، واستطاعوا بعد جهاد عنيد أن يخرجوهم من كثير من الدول والبلاد.
ولقد حلت أمريكا مكان الدول الاستعمارية في بسط نفوذها على معظم دول العالم، ومنها دول العالم الثالث، والتحكم في سياستها لتحكمها في مواردها واقتصادها، وأفرزت دولة العدوان اليهودي هي والدول الغربية؛ دولة يهودية غاصبة مستعمرة" (١).
стр. 231
التبشير:
يطلق البعض -خطأ- هذه العبارة على عمليات التنصير التي يقوم بها النصارى في العالم.
فالصواب تسميتها بـ (التنصير) لا التبشير؛ لأن التبشير يكون بالخير غالبًا (١).
صوت ملائكي:
سئل الشيخ ابن باز ﵀: "هل يجوز قول: هذه المطربة أو المذيعة صوتها ملائكي؟! جزاكم الله خيرًا.
فأجاب: هذا منكر لا يجوز، وكذب لا أساس له من الصحة" (٢).
صلاة القيام أثابكم الله:
قال الشيخ صالح الفوزان -حفظه الله- في جوابه على من سأله عن هذه العبارة التي قال قبل صلاة القيام في الحرمين: "أما ما ذكرته مما يُفعل في الحرمين ليلة سابع وعشرين مما يشبه الخطابة من الإمام في صلاة التهجد، ونداء المنادي بقوله: صلاة القيام أثابكم الله؛ فهذا مما لا أعرف له أصلًا، ولعل رئاسة الحرمين تنظر في هذا الموضوع، مع أن عمل بعض الناس لا يصلح حجةً؛ لأنه عرضة للخطأ" (٣).
стр. 232
شيخي وملاذي:
قال الشيخ محمود أحمد عمر النشوي الأزهري في مقدمة كتابه "طراز البيقونية": "الإهداء: إلى شيخي وملاذي وأستاذي الشيخ يوسف المرصفي" فقال الشيخ علي الحلبي -حفظه الله- معلقًا على هذه العبارة: "إن أراد بـ (الملاذ) اللجوء إليه في حل مسائل العلم الشائكة؛ فنعم.
وإن أراد به معنىً آخر يريده الخرافيون، وأهل البدع؛ كالمدد والاستغاثة فلا؛ إذ "لا ملجأ ولا منجا من الله إلا إليه" كما في صحيح البخاري، وصحيح مسلم (١) " (٢).
زرعتُ:
ورد في الحديث قوله ﷺ : "لا يقولنَّ أحدكم: زرعتُ، ولكن ليقل: حرثتُ".
قال الألباني في تخريجه: "أخرجه ابن جرير الطبري في "التفسير" (٢٧/ ١١٤)، والبزار (١٢٨٩)، وابن حبان (٥٦٩٣ - الإحسان)، والطبراني في "الأوسط" (١/ ١٤٩/ ١ - الظاهرية)، وأبو نعيم في "الحلية" (٨/ ٢٦٧)، والسهمي في "تاريخ جرجان" (٣٦٩)، والبيهقي في "السنن" (٦/ ١٣٨)، وفي "شعب الإيمان" أيضًا (٤/ ٢٨٠١) كلهم من طريق مسلم بن أبي مسلم الجرمي: ثنا مخلد بن الحسين عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ … (فذكره)، قال محمد: قال أبو هريرة: "ألم
стр. 233
تسمعوا إلى قول الله : ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤)﴾ (١) ".
قلت: وهذا إسناد جيد، رجاله ثقات رجال مسلم؛ غير مسلم بن أبي مسلم الجرمي، أورده ابن حبان في "الثقات" (٩/ ١٥٨)، وقال: "ثنا عنه الحسن بن سفيان وأبو يعلى، ربما أخطأ، مات سنة (٢٤٠) ".
قلت: ووثقه الخطيب أيضًا في تاريخ بغداد" (١٣/ ١٠٠)، وذكر أنه بغدادي نزل (طرسوس) وبها كانت وفاته.
قلت: وحسَّن له الحافظ في "الفتح" (٢) حديثًا في النهي عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان، وهو مخرج في "أحاديث بيوع الموسوعة"، ولم يعرفه الهيثمي، فقال في كل من الحديثين (٤/ ٩٨ - ٩٩ و ١٢٠): "لم أجد من ترجمه"!!.
وقلّده في ذلك الشيخ الأعظمي في تعليقه على كشف الأستار" (٢/ ٨٦ و ٩٦)، كما قلّده في الثاني منهما المناوي في "فيض القدير"!
وأما البيهقي فقد ضعف الحديث بقوله بعد أن روى من طريق ليث عن مجاهد قال: فذكره نحوه: "هذا من قول مجاهد، وقد روي حديث مرفوع غير قوي" ثم ساقه.
ونقله الحافظ في ترجمة مسلم هذا في "اللسان"، وقال عقبه: "قلت: ليس في إسناده من ينظر فيه غير مسلم هذا".
стр. 234
قلت: قد عرفت أنه وثّقهُ الخطيب أيضًا، وهذا مما فات الحافظ وغيره، فلا داعي للتردد في تقويته، والله الموفق.
وقد يخطر في البال أن الحديث مخالف لأحاديث صحيحة، منها قوله ﷺ : "ما من مسلم يغرس غرسًا، أو يزرع زرعًا، فيأكل منه طير، أو إنسان، أو بهيمة إلا كان له به صدقة" (١).
أخرجه الشيخان وغيرهما كما في "الصحيحة" (رقم ٧).
قال الحافظ في "الفتح" (٢): "فيه جواز نسبة الزرع إلى الآدمي، وقد ورد في المنع منه حديث غير قوي، أخرجه ابن أبي حاتم .. " فذكره.
وأقول: قد عرفت أن الحديث قوي، فلا بد حينئذ من التوفيق بينه وبين حديث الصحيحين بوجه من وجوه التوفيق المعروفة، كان يحمل حديث الترجمة على النهي فيه للكراهة، كما قالوا في التوفيق بين أحاديث النهي عن تسمية العنب كرمًا، وبين أحاديث أخرى جاء فيها؛ كقوله ﷺ : "الخمر من هاتين الشجرتين: الكرمة والنخلة" (٣). وكحديث النهي عن بيع الكرم بالزبيب (٤).
أو يُقدَّم حديث الترجمة لأنه حاظر، والحاظر مقدم على المبيح. والله أعلم" (٥).
стр. 235
اللهم تصدق عليَّ:
قال القرطبي في تفسيره (١): "يُكره للرجل أن يقول في دعائه: اللهم تصدق عليَّ؛ لأن الصدقة إنما تكون ممن يبتغي الثواب، والله تعالى متفضل بالثواب بجميع النعم لا رب غيره؛ وسمع الحسن رجلاّ يقول: اللهم تصدق عليَّ، فقال الحسن: يا هذا! إن الله لا يتصدق، إنما يتصدق من يبتغي الثواب، أما سمعت قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ (٢) قل: اللهم أعطني وتفضل عليَّ".
هنيئًا:
سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ: ما قولكم فيمن يقول لمن شرب: "هنيئًا" ويدعي جواز ذلك؟ وقد يستدل بقوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا﴾ (٣) وبقوله: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (٤).
فأجاب: ليس في الآيتين ما يدل على مشروعية ذلك في حق كل من شرب؛ أما الآية الأولى: فإن ذلك يقال لأهل الجنة إذا دخلوها، نسأل الله الجنة برحمته، وليس في الآية ما يدل على أنه يقال لهم كلما أكلوا منها أو شربوا؛ وأما آية النساء: فإنها في أمر خاص، يبين تعالى للأزواج أنه لا يحل لهم أن يأكلوا من مال المرأة إلا ما طابت نفسها به، وليس فيها أن هذا القول يقال عند كل أكل وشرب.
стр. 236
إذا عرفت هذا: فاعلم أنه لم يبلغنا عن أحد من الصحابة والتابعين، ولا الأئمة أنهم كانوا يستعملون ذلك فيما بينهم، فاتخاذ ذلك عادة يخالف ما كان عليه السلف والأئمة، ولو كان مشروعًا لسبق إليه من سلف من الأئمة، فلا ينبغي أن يتخذ ذلك شعارًا في حق من شرب.
وأجاب الشيخ: عبد الله أبا بطين، وأما قول الإنسان لمن شرب: "هنيئًا" وأن بعض الناس يستدل بقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا﴾ فلو كان في الآية دليل لذلك، لفعله السلف الصالح" (١).
مهبط الوحي:
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀ في رده على من اعترض على جواب للشيخ عبد الله أبا بطين ﵀ في نقض أبيات قصيدة "البردة" للبوصيري: "وأما قوله: إذ هي مهبط الوحي، ومنبع الإيمان.
فالجواب، أن نقول: مهبط الوحي في الحقيقة قلب رسول ﷺ الله، كما قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ (٣)، فهذا محل الوحي ومستقره، وقوله: ومنبع الإيمان؛ الإيمان: ينزل به الوحي من السماء، لا ينبع من الأرض، ومحله قلوب المؤمنين.
стр. 237
وهذه السور المكية التي في القرآن معلومة، نزلت على النبي ﷺ وآله وسلم، وأكثر من في مكة المشركون، وفيها ذمهم والرد عليهم، كقوله: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ (١)، وقال: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ (٢)، وقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (٣)، ونحو هذه الآيات كما في "فصلت" و "المدثر" وغيرهما.
ثم هاجر النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة، وأهل الشرك لم يزالوا بها، ومنعوا رسول الله وأصحابه من دخولها -بالوحي- وقاتلوهم ببدر، وأحد، والخندق، وهم كانوا من آخر العرب دخولًا في الإسلام، حاشا من هاجر، وكل هذا بعد نزول الوحي.
ونحن -بحمد الله- لا ننكر فضل الحرمين، بل ننكر على من أنكره، ولكن نقول: الأرض لا تقدس أحدًا، وإنما يقدس المرء عمله، فالمحل الفاضل قد يجتمع فيه المسلم والكافر، وأهل الحق وأهل الباطل، كما تقدم، فأهل الحق يزدادون بالعمل الصالح، في المحل الفاضل، لكثرة ثوابه؛ وأهل الباطل لا يزيدهم إلا شرًا، تعظم فيه سيئاتهم، كما قال تعالى في حرم مكة: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٤).
فإذا كان هذا الوعيد في الإرادة، فعمل السوء أعظم، فالمعول على الإيمان
стр. 238
والعمل الصالح، ومحله قلب المؤمن، والناس مجزيون بأعمالهم، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر" (١).
تدخل القَدَر:
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "وأما: (تدخل القدر) فلا تصلح؛ لأنها تعطي أن القدر اعتدى بالتدخل، وأنه كالمتطفل على الأمر، مع أنه -أي القدر- هو الأصل، فكيف يُقال: تدخل!؟
والأصح أن يقول: ولكن نزل القضاء والقدر، أو غلب القدر، ونحو ذلك. ومثل ذلك: تدخلت عناية الله، الأولى إبدالها بكلمة: حصلت عناية الله، أو اقتضت عناية الله" (٢).
الملائكة معصومون:
قال الشيخ عبد الله بن زيد بن محمود: "والمهدي متى قلنا بتصديق الأحاديث الواردة فيه ليس بمَلكٍ معصوم ولا نبي مرسل؛ ما هو إلا رجل عادي كأحد أفراد الناس، إلا أنه عادل يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جورًا … ".
فقال الشيخ حمود التويجري في رده عليه: "لم أرَ أحدًا سبقه إلى وصف الملائكة بهذه الصفة وإن كانوا معصومين عن كبائر الذنوب وصغائرها؛ لقول الله تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٣) وقال تعالى:
стр. 239
﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٣). وإنما تقال هذه الصفة في حق الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم كما هو معروف عند أهل العلم" (٤).
جبريل [التسمي بأسماء الملائكة]:
نقل الشيخ بكر (ص ٩٤) عن ابن القيم ﵀ كراهية التسمي بأسماء الملائكة، ومنها: جبريل وميكائيل وإسرافيل، وحجة من منع هو ما يروى عنه ﷺ أنه قال: "تسموا بأسماء الأنبياء ولا تسموا بأسماء الملائكة" وهو حديث ضعيف.
فالأصل جواز التسمية بأسماء الملائكة كما هو في أسماء الأنبياء ﵈ ومن منع فعليه الإتيان بالدليل الصحيح، ولا زال المسلمون يسمون بأسمائهم؛ كتسمية كثير من الصحابة بمالك (وهو اسم خازن النار بنص القرآن)، منهم مالك بن النضر، ومالك بن الحويرث، وكذا يسمون باسم جبريل، والله أعلم.
стр. 240
تميمة: [تسمية النسيكة بها]:
أما تسمية النسيكة (بالعقيقة) فهو من المناهي اللفظية؛ لأنه ﷺ لما سئل عن العقيقة قال: "لا يحب الله العقوق" (١) كراهية للاسم، وللأسف فاسم (العقيقة) منتشر أكثر من الاسم الشرعي، وهو النسيكة!
أما تسميتها (بالتميمة) فهذا مشهور في بعض البلاد -كبلادنا- ولعله مأخوذ من تمام الشيء، أي أن الله قد أتم أمر هذا الغلام. والله أعلم.
والأولى أن تسمي (نسيكة) لا تميمة؛ لأنه الوارد في الحديث: "من ولد له ولد فأحب أن يَنْسك عنه فلينسك .. " (٢).
لا يرحمك الله !
أخرج البخاري في صحيحه (٣) قوله ﷺ : "كانت امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئبُ فذهب بابن أحدهما، فقالت صاحبتها: إنما ذهب بابنك، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك، فتخاصما إلى داود فقضى به للكبرى، فخرجا على سليمان بن داود فأخبرتاه، فقال: آتوني بالسكين أشقه بينهما. فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله، هو ابنها، فقضى به للصغرى".
قال الحافظ ابن حجر في شرحه: "قوله: (لا تفعل يرحمك الله) وقع في رواية مسلم والإسماعيلي من طريق ورقاء عن أبي الزناد "لا، يرحمك الله"
стр. 241
قال القرطبي: ينبغي على هذه الرواية أن يقف قليلاً بعد "لا" حتى يتبين للسامع أن الذي بعده كلام مستأنف، لأنه إذا وصله بما بعده يتوهم السامع أنه دعا عليه وإنما هو دعاء له، ويزول الإبهام في مثل هذا بزيادة واو كأن يقول: لا ويرحمك الله" (١).
اللي مكتوب على الجبين لازم تشوفه العين:
قال الحافظ ابن حجر في شرح قوله ﷺ : "إن أحدكم يُجمع في بطن أمه أربعين يومًا، ثم علقةً مثل ذلك، ثم يكون مضغةً مثل ذلك، ثم يبعث اللهُ مَلَكَّا فيؤمر بأربع: برزقه وأجله، وشقي أو سعيد. ثم ينفخ فيه الروح … " (٢): "وقع في رواية مسلم من طريق أبي معاوية وغيره: "ثم يُرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات" وظاهره قبل الكتابة ....... وجمع بعضهم بأن الكتابة تقع مرتين: فالكتابة الأولى في السماء، والثانية في بطن المرأة، ويحتمل أن تكون إحداهما في صحيفة، والأخرى على جبين المولود" (٣).
وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ عن هذه العبارة فقال: "هذا وردت فيه آثار أنه يُكتب على الجبين ما يكون على الإنسان، لكن الآثار هذه ليست إلى ذاك في الصحة بحيث يعتقد الإنسان مدلولها، فالأحاديث الصحيحة أن الإنسان يُكتب عليه في بطن أمه أجله وعمله ورزقه وشقي أم سعيد" (٤).
стр. 242
قلت: قال ابن رجب عند شرحه للحديث السابق: "إن أحدكم يُجمع خلقُه في بطن أمه … ": "وقد ورد أن هذه الكتابة تُكتب بين عينيّ الجنين؛ ففي مسند البزار عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "إذا خلق الله النَسْمة قال مَلَك الأرحام: أي رب أذكرٌ أم أنثى؟ قال: فيقضي الله إليه أمره، ثم يقول: أي رب أشقي أم سعيد؟ فيقضي الله إليه أمره، ثم يكتب مابين عينيه ما هو لاقي حتى النكبة يُنْكبها" (١) وقد روي موقوفًا على ابن عمر غير مرفوع، وحديث حذيفة بن أسيد المتقدم (٢) صريح في أن الملَكَ يكتب ذلك في صحيفة، ولعله يكتب في صحيفة، ويكتب بين عيني المولد" (٣)، والله أعلم.
أعزم عليك بكذا:
روى البخاري في صحيحه (٤) قول عائشة ﵂ لفاطمة ﵂ بعد وفاة النبي ﷺ : قالت: إنا كنا أزواج النبي ﷺ عنده جميعًا لم تُّغادر منا واحدة، فأقبلت فاطمة ﵍ تمشي، ولا والله ما تخفي مشيتها من مشية رسول الله ﷺ . فلما رآها رحَّب قال: مرحبًا بابنتي، ثم أجلسها عن يمينه -أو عن شماله- ثم سارَّها. فبكت بكاء شديدًا، فلما رأي
стр. 243
حُزنها سارَّها الثانية. فإذا هي تضحك. فقلت لها -أنا من بين نسائه-: خصَّك رسول الله ﷺ بالسرِّ من بيننا ثم أنتِ تبكين. فلما قام رسول الله ﷺ سألتها عما سارَّك؟ قالت: ما كنت لأفشي على رسول الله ﷺ سرَّه، فلما تُوفي قلت لها: عزمتُ عليك -بما لي عليك من الحق لما أخبرتني. قالت: أما الآن فنعم؛ فأخبرتني، قالت: أما حين سارَّني في الأمر الأول فإنه أخبرني أن جبريل كان يعارضه بالقرآن كلّ سنة مرة، وإنه قد عارضني به العام مرتين، ولا أرى الأجل إلا قد اقترب، فاتقي الله واصبري، فإني نعم السلف أنا لكِ. قالت: فبكيتُ بكائي الذي رأيت. فلما رأى جزعي سارَّني الثانية قال: يا فاطمة ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين؟ أو سيدة نساء هذه الأمة".
قال ابن حجر: "قال ابن التين: يستفاد من قول عائشة (عزمت عليك بما لي عليك من الحق) جواز العزم بغير الله" (١).
أنشدك بحرمة البيت:
أخرج البخاري (٢) بسنده: "جاء رجلٌ حجَّ البيت فرأى قومًا جلوسًا فقال: من هؤلاء القعود؟ قالوا: هؤلاء قريش، قال: من الشيخ؟ قالوا: ابن عمر. فأتاه فقال: إني سائلك عن شيء أتحدثني؟ قال: أنشدك بحرمة هذا البيت، أتعلم أن عثمان بن عفان فرَّ يوم أحد؟ قال: نعم، قال: فتعلمه تغّيب عن بدرٍ فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال: فتعلم أنه تخلَّف عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال فكبَّر. قال ابن عمر: تعال لأخبرك ولأبين لك عما
стр. 244
سألتني عنه: أما فراره يوم أحُد فأشهد أن الله عفا عنه. وأما تغيُّبه عن بدر فإنه كان تحته بنت رسول الله ﷺ وكانت مريضة، فقال له النبي ﷺ : إن لك أجر رجل ممن شهد بدرًا وسهمه. وأما تغيُّبه عن بيعة الرضوان فإنه لو كان أحدٌ أعزَّ ببطن مكة من عثمان بن عفان لبعثهُ مكانه، فبعث عثمان وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمانُ إلى مكة، فقال النبي ﷺ بيده اليمني: هذه يدُ عثمان، فضرب بها على يده فقال هذه لعثمان، اذهبْ بهذا الآن معك".
قال ابن حجر في شرحه: "وقوله في هذه الرواية: (أنشدك بحرمة هذا البيت) فيه جواز مثل هذا القسم عند أثر عبد الله بن عمر؛ لكونه لم يُنكر عليه" (١).
قلت: الظاهر أن هذا ليس من باب الاقسام؛ لأن القسم بغير الله لا يجوز، وهو لا يخفى على ابن عمر ﵁ أحد رواة حديث النهي. ولكن هذا من قبيل أن للبيت حرمةً يعظم عندها إثم الكذب، فخوفه بها (٢).
أنا في بركة فلان:
قال شيخ الإسلام ﵀: "قوله: أنا في بركة فلان، أو تحت نظره، أو يا فلان مُدَّني بخاطرك.
فإن أراد أن نظره أو خاطره أو بركته مستقلة بتحصيل المنافع ودفع المضار فهو كذب وشرك، وإن أراد أن فلانًا دعا فانتفعت بدعائه، أو أنه علمني، أو أنه أدبني وأنا في بركة ما انتفعت به من تعليمه وتأديبه، فهو صحيح.
стр. 245
وإن أراد أنه بعد موته يجلب المنافع أو يدفع المضار فهو كذب محرم، وهو الشرك الذي حظره الله على عباده، والذي لا يغفره إلا التوبة منه" (١).
فلان بسبعة أرواح:
أي أنه تُصيبه الحوادث لكن لا تُميته!
قال الشيخ عبد العزيز آل الشيخ -حفظه الله-: "أما قول: (فلان بسبعة أرواح) فهذا كله من الأخطاء في القول، فالموت إذا جاء لا يمنعه شيء؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٢)(٣).
نَجِّنَا بجاهه:
نقل الحافظ ابن حجر في كتابه: (بذل الماعون في فضل الطاعون) عن أبن الوردي أنه قال في مقامته: "النبا عن الوبا": "الله لي عدة، في كل شدة، حسبي الله وحده، أليس الله بكافٍ عبده، اللهم صلِّ على سيدنا محمد وسَلِّم، ونجنا بجاهه من طغيان الطاعون وسَلِّم … ".
فقال المحقق الأستاذ أحمد عصام الكاتب: "التوسل بجاه أي أحد، ملكًا كان أو رسولًا أو وليًا لا يجوز بوجه من الوجوه، إنما يكون التوسل المشروع بأسماء الله وصفاته والعمل الصالح، كما فعل أصحاب الغار؛ فقد توسلوا بصالح أعمالهم حتى فرَّج الله عنهم ما هم فيه، وقد أشبع هذا الموضوع شيخ
стр. 246
الإسلام ابن تيمية في كتابه: (قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة) والشيخ محمد ناصر الدين الألباني في كتابه: (التوسل أنواعه وأحكامه) " (١).
الصبور [من أسماء الله]:
قال الإمام قوام السنة أبو القاسم الأصبهاني في كتابه: "الحجة في بيان المحجة" (٢): "قال بعض أهل النظر: لا يوصف الله بالصبر، ولا يقال: صبور، وقال: الصبر تحمل الشيء. ولا وجه لإنكار هذا الاسم، لأن الحديث قد ورد به، ولولا التوقيف لم نقُله. وقال بعض علماء أهل السنة: معنى الصبور: أنه لا يُعاجل بالعقوبة".
قلت: الحديث الذي ورد فيه اسم "الصبور" هو ما أخرجه الترمذي بسنده عن أبي هريرة عنه ﵁: قال رسول الله ﷺ : "إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة: هو الله الذي لا إله إلا هو، الرحمن الرحيم .... " إلى آخر الحديث في عد أسمائه تعالى، ومنها: الصبور.
والعلماء المحققون على تضعيف ذكر الأسماء فيه، وأنها مدرجة من بعض رواته. قال شيخ الإسلام ﵀: "إن التسعة والتسعين اسمًا لم يرد في تعيينها حديث صحيح عن النبي ﷺ ، وأشهر ما عند الناس فيها حديث الترمذي الذي رواه الوليد بن مسلم عن شعيب بن أبي حمزة، وحفاظ الحديث يقولون: هذه الزيادة مما جمعه الوليد بن مسلم عن شيوخه من أهل الحديث" (٣).
стр. 247
جمعنا الله في مستقر رحمته:
نقل الشيخ بكر (ص ٦٣٣) عن ابن القيم ﵀ تجويزه هذه العبارة.
أما الشيخ الألباني ﵀ فاختار علم الجواز؛ لأثر أبي رجاء في الأدب المفرد الذي نقله الشيخ بكر، قال تعليقًا عليه: "وهذا الأثر عنه يدل على فضله وعلمه، ودقة ملاحظته؛ فإن الجنة لا يمكن أن تكون مستقر رحمته تعالى؛ لأنها صفة من صفاته، بخلاف الجنة فإنها خلق من خلق الله، وإن كان استقرار المؤمنين فيها إنما هو برحمته تعالى، كما في قوله : ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١) يعني الجنة" (٢).
اللهم لا تؤمني-تؤمنا- مكرك:
ذكر الشيخ بكر خلاف السلف في هذه اللفظة عن ابن القيم ﵀ وقد فصَّل القول فيها شيخه ابن تيمية ﵀ فقال: "وقول القائل: "اللهم أمنا مكرك ولا تؤمِّنا مكرك" له معنيان: أحدهما صحيح، والآخر فاسد. فإن أراد لا تؤمنا مكرك: أي لا تجعلنا نأمنه؛ بل اجعلنا نخافه، فالمؤمن يخاف مكر الله؛ ومكر الله أن يعاقبه على سيئاته. والكافر لا يخشى الله فلا يخاف مكره، ومكره أن يعاقبه على الذنب لكن من حيث لا يشعر.
стр. 248
وقوله: "أمنا مكرك" يريد قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ (١) يجعل له أن يمكر بهم وإن كانوا يخافون المكر، فيكون حقيقة قوله: "أمنا مكرك" إئجرني على حسناتي، ولا تعاقبني بذنب غيري: ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ (٢).
فأما المعنى الفاسد فأن يريد: اللهم أمنا من مكرك، أي: لا نخافك أن تمكر بنا. وقد يريد: لا تؤمنا مكرك: أي لا تجعل لنا أما من العذاب" (٣).
الفرد:
قال الشيخ بكر: "تسمية الله باسم الفرد لا أصل لها، والله أعلم. ولهذا غلَّط العلماء الصنعاني ﵀ لما قال (٤):
وقد هتفوا عند الشدائد باسمها … كما يهتف المضطر بالصَمَد الفرد" (٥)
قلت: نقل البيهقي عدَّ هذا الاسم (الفرد) من أسماء الله الحسنى عن الحليمي، قال: "قال الحليمي: ومنها الفرد؛ لأن معناه المنفرد بالقدم والإبداع والتدبير" (٦) ثم روي بسنده حديثًا مرفوعًا جاء فيه قوله ﷺ : "أشهد أنك فرد صمد، لم تلد ولم تولد … " الحديث، ولكنه حديث واهٍ بالمرة، من طريق الكلبي الوضاع؛ ولذا قال البيهقي عنه: "ليس هذا بالقوي" (٧).
стр. 249
وقد دُكر اسم الفرد) -أيضًا- في إحدى روايات حديث الوليد بن مسلم في تعداد الأسماء الحسني عند أبي نعيم (١)، وسرْدُ الأسماء الحسني بعد حديث: "إن لله تسعة وتسعين اسمًا … " مدرج كما بيَّن ذلك العلماء" (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "إن التسعة والتسعين اسمًا لم يرد في تعيينها حديث صحيح عن النبي ﷺ ، وأشهر ما عند الناس فيه حديث الترمذي الذي رواه الوليد بن مسلم عن شعيب بن أبي حمزة. وحفاظ أهل الحديث يقولون: هذه الزيادة مما جمعه الوليد بن مسلم عن شيوخه من أهل الحديث" (٣).
فلا يجوز بعد هذا تسمية الله بالفرد لضعف الأحاديث الواردة.
ويجوز إطلاق ذلك عليه تعالى على سبيل الإخبار؛ لأن معناه ثابت لله وهو أنه منفرد بالإبداع والتدبير.
ولهذا فقد استعمله ابن القيم ﵀ في حق الله في قوله عنه تعالى: "هو الملك لا شريك له، الفرد فلان له، والغني فلا ظهير له، والصمد فلا ولد له ولا صاحبة له .... الخ" (٤).
стр. 250
بوجه الله:
قال الشيخ بكر (ص ١٨٣): "وحاصل السؤال بوجه الله يتلخص في أربعة أوجه:
١ - سؤال الله بوجهه أمرًا دينيًا أو أخرويًا، وهذا صحيح (١).
٢ - سؤال الله بوجهه أمرًا دنيويًا، وهذا غير جائز.
٣ - سؤال غير الله بوجه الله أمرًا دنيويًا، وهو غير جائز.
٤ - سؤال غير الله بوجه الله أمرًا دينيًا".
ولم يبين الشيخ حكم هذا الأخير. ولعله الجواز والله أعلم.
ويشهد له ما رواه ابن عساكر بسنده: أن يزيد بن المهلب لما ولي خراسان قال: دلوني على رجل كل خصال الخير، فدل على أبي بردة ابن أبي موسى الأشعري، فلما جاءه رآه رجلًا فائقًا، فلما كلمه رأي مَخْبَرَتَه أفضل من مرآته، قال: إني وليتك كذا وكذا من عملي، فاستعفاه فأبى أن يعفيه، فقال: أيها الأمير! ألا أخبرك بشيء حدثني أبي أنه سمعه من رسول الله ﷺ ؟ قال: هاته، قال: إنه سمع النبي ﷺ يقول: "من تولى عملًا وهو يعلم أنه ليس لذلك العمل أهل فليتبوأ مقعده من النار"، قال: وأنا أشهد أيها الأمير! أني لست بأهل لما دعوتني إليه، فقال له يزيد: ما زدت إلا أن حرضتني على نفسك ورغبتنا فيك، فاخرج إلى عهدك فإني غير معفيك، ثم فخرج (كذا الأصل ولعل الصواب: فخرج ثم) أقام فيه ما شاء الله أن يقيم، واستأذنه