← Акыда

Акыда · id 895

المستدرك على معجم المناهي اللفظية

سليمان الخراشي

Полный текст (423 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الإسلام ابن تيمية في كتابه: (قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة) والشيخ محمد ناصر الدين الألباني في كتابه: (التوسل أنواعه وأحكامه) " (١). الصبور [من أسماء الله]: قال الإمام قوام السنة أبو القاسم الأصبهاني في كتابه: "الحجة في بيان المحجة" (٢): "قال بعض أهل النظر: لا يوصف الله بالصبر، ولا يقال: صبور، وقال: الصبر تحمل الشيء. ولا وجه لإنكار هذا الاسم، لأن الحديث قد ورد به، ولولا التوقيف لم نقُله. وقال بعض علماء أهل السنة: معنى الصبور: أنه لا يُعاجل بالعقوبة". قلت: الحديث الذي ورد فيه اسم "الصبور" هو ما أخرجه الترمذي بسنده عن أبي هريرة عنه ﵁: قال رسول الله ﷺ : "إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة: هو الله الذي لا إله إلا هو، الرحمن الرحيم .... " إلى آخر الحديث في عد أسمائه تعالى، ومنها: الصبور. والعلماء المحققون على تضعيف ذكر الأسماء فيه، وأنها مدرجة من بعض رواته. قال شيخ الإسلام ﵀: "إن التسعة والتسعين اسمًا لم يرد في تعيينها حديث صحيح عن النبي ﷺ ، وأشهر ما عند الناس فيها حديث الترمذي الذي رواه الوليد بن مسلم عن شعيب بن أبي حمزة، وحفاظ الحديث يقولون: هذه الزيادة مما جمعه الوليد بن مسلم عن شيوخه من أهل الحديث" (٣).

стр. 247

جمعنا الله في مستقر رحمته: نقل الشيخ بكر (ص ٦٣٣) عن ابن القيم ﵀ تجويزه هذه العبارة. أما الشيخ الألباني ﵀ فاختار علم الجواز؛ لأثر أبي رجاء في الأدب المفرد الذي نقله الشيخ بكر، قال تعليقًا عليه: "وهذا الأثر عنه يدل على فضله وعلمه، ودقة ملاحظته؛ فإن الجنة لا يمكن أن تكون مستقر رحمته تعالى؛ لأنها صفة من صفاته، بخلاف الجنة فإنها خلق من خلق الله، وإن كان استقرار المؤمنين فيها إنما هو برحمته تعالى، كما في قوله : ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١) يعني الجنة" (٢). اللهم لا تؤمني-تؤمنا- مكرك: ذكر الشيخ بكر خلاف السلف في هذه اللفظة عن ابن القيم ﵀ وقد فصَّل القول فيها شيخه ابن تيمية ﵀ فقال: "وقول القائل: "اللهم أمنا مكرك ولا تؤمِّنا مكرك" له معنيان: أحدهما صحيح، والآخر فاسد. فإن أراد لا تؤمنا مكرك: أي لا تجعلنا نأمنه؛ بل اجعلنا نخافه، فالمؤمن يخاف مكر الله؛ ومكر الله أن يعاقبه على سيئاته. والكافر لا يخشى الله فلا يخاف مكره، ومكره أن يعاقبه على الذنب لكن من حيث لا يشعر.

стр. 248

وقوله: "أمنا مكرك" يريد قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ (١) يجعل له أن يمكر بهم وإن كانوا يخافون المكر، فيكون حقيقة قوله: "أمنا مكرك" إئجرني على حسناتي، ولا تعاقبني بذنب غيري: ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ (٢). فأما المعنى الفاسد فأن يريد: اللهم أمنا من مكرك، أي: لا نخافك أن تمكر بنا. وقد يريد: لا تؤمنا مكرك: أي لا تجعل لنا أما من العذاب" (٣). الفرد: قال الشيخ بكر: "تسمية الله باسم الفرد لا أصل لها، والله أعلم. ولهذا غلَّط العلماء الصنعاني ﵀ لما قال (٤): وقد هتفوا عند الشدائد باسمها … كما يهتف المضطر بالصَمَد الفرد" (٥) قلت: نقل البيهقي عدَّ هذا الاسم (الفرد) من أسماء الله الحسنى عن الحليمي، قال: "قال الحليمي: ومنها الفرد؛ لأن معناه المنفرد بالقدم والإبداع والتدبير" (٦) ثم روي بسنده حديثًا مرفوعًا جاء فيه قوله ﷺ : "أشهد أنك فرد صمد، لم تلد ولم تولد … " الحديث، ولكنه حديث واهٍ بالمرة، من طريق الكلبي الوضاع؛ ولذا قال البيهقي عنه: "ليس هذا بالقوي" (٧).

стр. 249

وقد دُكر اسم الفرد) -أيضًا- في إحدى روايات حديث الوليد بن مسلم في تعداد الأسماء الحسني عند أبي نعيم (١)، وسرْدُ الأسماء الحسني بعد حديث: "إن لله تسعة وتسعين اسمًا … " مدرج كما بيَّن ذلك العلماء" (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "إن التسعة والتسعين اسمًا لم يرد في تعيينها حديث صحيح عن النبي ﷺ ، وأشهر ما عند الناس فيه حديث الترمذي الذي رواه الوليد بن مسلم عن شعيب بن أبي حمزة. وحفاظ أهل الحديث يقولون: هذه الزيادة مما جمعه الوليد بن مسلم عن شيوخه من أهل الحديث" (٣). فلا يجوز بعد هذا تسمية الله بالفرد لضعف الأحاديث الواردة. ويجوز إطلاق ذلك عليه تعالى على سبيل الإخبار؛ لأن معناه ثابت لله وهو أنه منفرد بالإبداع والتدبير. ولهذا فقد استعمله ابن القيم ﵀ في حق الله في قوله عنه تعالى: "هو الملك لا شريك له، الفرد فلان له، والغني فلا ظهير له، والصمد فلا ولد له ولا صاحبة له .... الخ" (٤).

стр. 250

بوجه الله: قال الشيخ بكر (ص ١٨٣): "وحاصل السؤال بوجه الله يتلخص في أربعة أوجه: ١ - سؤال الله بوجهه أمرًا دينيًا أو أخرويًا، وهذا صحيح (١). ٢ - سؤال الله بوجهه أمرًا دنيويًا، وهذا غير جائز. ٣ - سؤال غير الله بوجه الله أمرًا دنيويًا، وهو غير جائز. ٤ - سؤال غير الله بوجه الله أمرًا دينيًا". ولم يبين الشيخ حكم هذا الأخير. ولعله الجواز والله أعلم. ويشهد له ما رواه ابن عساكر بسنده: أن يزيد بن المهلب لما ولي خراسان قال: دلوني على رجل كل خصال الخير، فدل على أبي بردة ابن أبي موسى الأشعري، فلما جاءه رآه رجلًا فائقًا، فلما كلمه رأي مَخْبَرَتَه أفضل من مرآته، قال: إني وليتك كذا وكذا من عملي، فاستعفاه فأبى أن يعفيه، فقال: أيها الأمير! ألا أخبرك بشيء حدثني أبي أنه سمعه من رسول الله ﷺ ؟ قال: هاته، قال: إنه سمع النبي ﷺ يقول: "من تولى عملًا وهو يعلم أنه ليس لذلك العمل أهل فليتبوأ مقعده من النار"، قال: وأنا أشهد أيها الأمير! أني لست بأهل لما دعوتني إليه، فقال له يزيد: ما زدت إلا أن حرضتني على نفسك ورغبتنا فيك، فاخرج إلى عهدك فإني غير معفيك، ثم فخرج (كذا الأصل ولعل الصواب: فخرج ثم) أقام فيه ما شاء الله أن يقيم، واستأذنه

стр. 251

بالقدوم عليه، فأذن له، فقال: أيها الأمير! ألا أحدثك بشيء حدثني أبي أنه سمع من رسول الله ﷺ ؟ قال هاته، قال: "ملعون من سأل بوجه الله، وملعون من سئل بوجه الله ثم منع سائله، ما لم يسأل هُجرًا"، قال: وأنا أسألك بوجه الله إلا ما أعفيتني أيها الأمير من عملك. فأعفاه". قال الألباني: "قلت: وهذا إسناد حسن" (١). ويشهد له أيضًا ما رواه بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قلت: والله يا رسول الله ما أتيتك حتى حلفتُ عدد هؤلاء -وجمع بين أصابع يديه- أن لا آتيك ولا آتي دينك، وقد جئتك امرءًا لا أعقلُ شيئًا إلا ما علَّمني الله ورسوله، وإني أسألك بوجه الله بما بعثك إلينا ربنا ؟ قال: "بالإسلام"، قلت: وما آيةُ الإسلام، قال: "أن تقول: أسلمت وجهي لله، وتخلَّيت، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة … " الحديث (٢). والشاهد منه أنه ﷺ لم يُنكر عليه سؤاله بوجه الله في هذا الأمر الديني. والله أعلم. إذا وُجدت المصلحة فَثَمَّ شرع الله: هذه الكلمة أولع بها (العصرانيون) في زماننا من أتباع ما يسمى: التيار الإسلامي المستنير! يوردونها في مقام التنصل من النصوص الشرعية بدعوي

стр. 252

متابعة المصلحة. وينسبون فهمهم هذا إلى ابن القيم ﵀! (١) قال الشيخ عبد الله بن يابس ﵀ في رده على محمود شلتوت: "قال في صفحة ٤٧٥: (وإذا وجدت المصلحة فثم شرع الله). والجواب من وجوه: الأول: أن شرع الله معلوم معروف؛ أنزله في كتابه وبيَّنه رسوله ﷺ وعمل به، لا يبحث عنه في أمكنة المصالح وإنما يبحث عنه في الآيات القرآنية والسنة النبوية. الوجه الثاني: لو كان شرع الله عند المصلحة كما يزعم شيخ الأزهر فمصلحة من تكون يا ترى؟ فقد تكون المصالح متعارضة متضادة، فمصلحة قوم ضد مصلحة الآخرين، وقد قيل "مصائب قوم عند قوم فوائد" فهل كل ذلك شرع الله عند المصالح المتعارضة؟! الوجه الثالث: قد يقول الزاني والزانية إن في زناهما مصلحة لهما ويقرهما الطبيب على ذلك! بل ويأمرهما به! فهل ثم شرع الله يا شيخ الأزهر؟ وقد يقول اللائطان: إن في عملهما مصلحة لهما! فهل يقال: إن ثم شرع الله؟! وقد يقول المرابيان: بأن رباهما مصلحة لهما! فهل ثم شرع الله؟! وقد ترى بعض الحكومات أن في أخذ أموال بعض الناس مصلحة لها! فهل ثم شرع الله؟! الوجه الرابع: قد يقول الشيخ شلتوت: إني أريد المصلحة التي لا

стр. 253

تعارض الدين، فيقال له: وهل فرط الله في الكتاب من شيء؟ وهل ترك عباده هملًا يتخبطون؟ فيرى من نكس الله عقولهم الشر مصلحة فيدعون أن ذلك من الدين، أليس شرع الله ضامنًا لجميع المصالح حائزًا عليها؟ ولقد قال ﵊: "لو يعطى الناس بدعواهم لادَّعي رجال دماء أناس وأموالهم، ولكن البينة على المدَّعي واليمين على من أنكر" وقد ذكر الله في كتابه العزيز أنه خلق الإنسان ظلومًا جهولًا، وأنه لا عصمة الأحد إلا للأنبياء فيما يبلغون عن الله، فكيف يوثق بعقول بعض الناس وتُجعل أفكارهم شريعة؟ الوجه الخامس: أن تلك القواعد التي قعَّدها بعض العلماء وأنكرها بعضهم لا يصح أن تجعل هي دين الله، وذلك كالقياس والمصالح المرسلة والاستحسان وغير ذلك مما جعل قواعد يشرع بها. وفي كتاب الله وسنة رسوله غنية، ففيهما العام والمطلق، وفيهما من الفوائد والأسرار ما يكفي لمن أراد اتباعهما، فهما مضيئان لمن أراد الاهتداء بهما: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ (١) والله الهادي إلى سواء السبيل" (٢).

стр. 254

كلمة ابن عقيل: هذه الكلمة من هذا الفقيه الحنبلي -كما سيأتي- استغلها دعاة العصرنة في زماننا هذا وبنوا عليها بروجًا مشيدة من الأقوال والأفعال المخالفة للشريعة، بدعوى أنها مما يحقق المصلحة، ولم يبالوا بمخالفة ذلك للنصوص الشرعية (١). قال الشيخ عبد الله البسام في رده على سمير شما: "نقل الأستاذ عن شيخ الجامع الأزهر جملة عن ابن عقيل أسفت للتصرف فيها؛ حيث بترت عن المعنى الذي يخفف مرارتها ويهون بشاعتها، وأمانة البحث والعلم تقتضي التقصي والتحري، وكلام ابن عقيل الذي نقله ابن القيم في الجزء الرابع من (إعلام الموقعين) ص (٣٧٢) في أثناء مناظرته مع فقيه هكذا: (قال الآخر: لا سياسة إلا ما وافق الشرع. فقال ابن عقيل: السياسة ما كان من الأفعال بحيث يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يُشرعه الرسول ﷺ ، ولا نزل به الوحي، فإن أردت بقولك لا سياسة إلا ما وافق الشرع: أي لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيح، وإن أردت ما نطق به الشرع فغلط وتغليط للصحابة). من هذا نفهم أن ابن عقيل أراد أننا إذا لم نجد في (الوحيين) نصًا في الحكم رجعنا إلى الأصول الأخرى للشريعة، وهي التي توافق: (ما نطق به الشرع)، على ما في كلام ابن عقيل من الجراءة والخشونة في التعبير الإرادة

стр. 255

هذا المعنى، ولكنه في مقام مناظرة، وعلى ما عرف عنه -عفا الله عنه- من ميل إلى كتب أهل الكلام الذين عطلوا النصوص استنادًا إلى العقل الذي غلوا فيه، فحرفوا لأجله ما كبر على مداركهم من النصوص، ولذا فإن المحقق ابن القيم لم ينقل عن ابن عقيل هذا من باب التقرير والرضا، وإنما عقب عليه بقوله: "قلت: هذا موضع مزلة أقدام ومضلة أفهام، وهو مقام ضنك في معترك صعب، فرط فيه طائفة فعطلوا الحدود وضيعوا الحقوق، وجرَّؤوا أهل الفجور والفساد، وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد، وسدوا على أنفسهم طرقًا صحيحة من الطرق التي يعرف بها المحق من المبطل، وعطلوها -مع علمهم وعلم الناس بها أنها أدلة حق- ظنًا منهم منافاتها لقواعد الشرع، والذي أوجب لهم ذلك نوع تقصير في معرفة حقيقة الشريعة، والتطبيق بين الواقع وبينها، فلما رأى ولاة الأمر ذلك وأن الناس لا يستقيم أمرهم إلا بشيء زائد على ما فهمه هؤلاء، فأحدثوا لهم قوانين سياسية تنتظم بها مصالح العالم، فتولد من تقصير أولئك في الشريعة وإحداث هؤلاء من أوضاع سياستهم شر طويل وفساد عريض، وتفاقم الأمر وتعذر استدراكه. وأفرط فيه طائفة أخرى فشرعت فيه ما يناقض حكم الله ورسوله، وكلا الطائفتين أتيت من قبل تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله، فإن الله أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط -وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض- فإذا ظهرت أمارات الحق وقامت أدلة العقل وأسفر صبحه بأي طريق كان فثم شرع الله ودينه ورضاه وأمره، والله تعالى لم

стр. 256

يحصر طرق العدل وأدلته وأماراته في نوع واحد وأبطل غيره من الطرق التي هي أقوى منه وأدل وأظهر، بل بين ما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة الحق والعدل وقيام الناس بالقسط، فأي الطرق استخرج به الحق ومعرفة العدل وجب الحكم بموجبها ومقتضاها" اهـ كلامه ﵀. نقلت هذا الفصل القيم من كلام هذا الإمام العلامة ليُرى الحق وأنواره في مطاوي كتب أسلافنا، فلا يصدنا عنه ويحجب أبصارنا أفكار مظلمة، ولتفهم الشريعة الإسلامية بهذه النفس الفسيحة واللفظ البعيد والفراسة الصائبة، لا بتلك المواد الجافة الواقفة، فهناك (سياسة شرعية) لا تحيط بها المجلة والقوانين، ولا تستوعبها بطون الكتب، وإنما مقرها الفكر الواعي والنفس المتفقهة والاجتهاد الصائب، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم" (١). رفيق [للكافر]: يطلق البعض على الكافر وصف (رفيق)، ويناديه بيا صديق. وقد سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ عن حكم هذا فقال: "وأما قول: صديق، رفيق ونحوهما؛ فإن كانت كلمة عابرة يُقصد بها نداء من جهل أسمه منهم فهذا لا بأس به، وإن قصد بها معناها توددًا وتقربًا منهم فقد قال الله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ (٢) فكل كلمات

стр. 257

التلطف التي يُقصد بها الموادة لا يجوز للمؤمن أن يخاطب بها أحدًا من الكفاره" (١). أوجد الله كذا وكذا: نقل الشيخ بكر (ص ١٦٦) كراهية هذا اللفظ عن ابن القيم ﵀ وأن الأولى أن يقول خلق، ولم يذكر على الكراهة دليلًا. ولهذا قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ لما سئل عن هذا اللفظ: "أوجد وخلق ليس بينهما فرق، فلو قال: أوجد الله كذا كانت بمعني خلق الله كذا" (٢). العصمة لله: قال الشيخ بكر (ص ٣٩٢ - ٣٩٣): "هذا تعبير لا يجوز في حق الله تعالى؛ إذ العصمة لا بد لها من عاصم، فليتنبه". ثم ذكر في الهامش أن الشيخ الألباني كان يستعمل هذا التعبير في بعض كتبه (كما في الصحيحة برقم ١٦٢٣ و ١٠٧٣) "فأُنكرت عليه". قلت: ممن أنكرها عليه أبو غدة في رسالته: "كلمات في كشف أباطيل وافتراءات" وفي مقاله (تعبيرات خاطئة) (٣) مع آخرين من العلماء والمصنفين استخدموا هذه العبارة، وهو قوله: "لا يجوز أن يقال في الله تعالى: (معصوم) أو (له العصمة) أو (لا عصمة إلا الله لرسوله)، ونحو هذه التعابير الخاطئة في جنب الله تعالى؛ فإن (العصمة) إنما يوصف بها من يمكن

стр. 258

أن يتأتي منه الخطأ أو المخالفة لولا أن الله منّ عليه بها فيما عصمه منه. فالرسول الكريم ﷺ يوصف بأنه (معصوم) أو (له العصمة) لأنه في حقيقته بشر يمكن أن يقع منه الخطأ أو المخالفة بمقتضى البشرية التي خلقه الله عليها، إلا أن الله سبحانه قد أحاطه بحفظه، وخصَّه بعنايته ووقايته، حفظًا ورعايةً لذات النبي الكريم، وسلامةً وصيانةً لشرعه ودينه من الالتباس والاشتباه. فالعصمة هي حفظ الله تعالى لأنبيائه ورسله الكرام -عليهم الصلاة والسلام- من الخطأ والزلل فيما يبلغونه عن الله تعالى من الشريعة والأحكام، وحفظ ذواتهم وأشخاصهم من أن يميلوا إلى المخالفة والمعصية … قال الإمام الراغب الأصفهاني في كتابه: (مفردات القرآن)، في مادة (عصم): "عصمة الله تعالى الأنبياء: حفظه إياهم أولًا بما خصهم به من صفاء الجوهر، ثم بما أولاهم من الفضائل الجسمية والنفسية، ثم بالنصرة وبتثبيت أقدامهم، ثم بإنزال السكينة عليهم، وبحفظ قلوبهم، وبالتوفيق؛ قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (١) انتهى. وقال العلامة الشوكاني (٢): "واختلفوا في معنى العصمة؛ فقيل: هو أن لا يمكن المعصوم من الإتيان بالمعصية، وقيل: هو أن يختص في نفسه أو بدنه

стр. 259

بخاصية تقتضي امتناع إقدامه عليها، وقيل: إنها القدرة على الطاعة وعدم القدرة على المعصية، وقيل: إن الله منعهم منها بإلطافه بهم، فصرف دواعيهم عنها، وقيل: إنها تهيئة العبد للموافقة مطلقًا، وذلك يرجع إلى خلق القدرة على كل طاعة" انتهي. وقال الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ (١) ما يلي: "يخبر الله تعالى عن تأييده رسوله صلوات الله عليه وسلامه، وتثبيته وعصمته وسلامته من شر الأشرار وكيد الفجار، وأنه تعالى هو المتولي أمره ونصره، وأنه لا يكله إلى أحد من خلقه، بل هو وليّه وحافظه وناصره ومؤيده، ومظفره ومظهر دينه على من عاداه وخالفه وناوأه في مشارق الأرض ومغاربها. ﷺ تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين" (٢). انتهى ومن هذا يتبين أن (العصمة) إنما تكون من الله لأنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام؛ يعصمهم الله ويحفظهم من الوقوع في المعصية والذنب، ويقيهم الأذى والزلل، فالله تعالى هو العاصم، والمعصوم هم الرسل والأنبياء، والمعصوم منه هو ما لا يليق شرعًا بمكانة المعصوم. وبهذا يتضح لك أن (العصمة) لا تقع على الله، وإنما تقع من الله على من عصمه من عباده، وأن الله (عاصم) وليس (بمعصوم)، فإذا قال قائل:

стр. 260

(الله العصمة) أو (الله المعصوم) أو (لا عصمة إلا لله)، فقد وصف الله بما لا يجوز وصفه به. ويقال لقائل هذه الألفاظ: (العصمة لله) وأمثالها: من يعصم الله سبحانه؟! ومم يُعصم سبحانه؟! وما الذي كان يمكن أن يقع منه سبحانه حتى عُصم منه؟! ومن هذا الذي أسلفته تتجلى لك شناعة هذا التعبير، وفحش خطئه، وشدة محظوريته، وأنه لا يليق بالله تعالى، ولا يفيد تعظيمًا له ولا تبجيلًا". انتهى كلام أبو غدة. لكن: سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ عن هذه العبارة فقال: "هذه العبارة قد يقولها من يقولها يريد بذلك أن كلام الله وحكمه كله صواب، وليس فيه خطأ، وهي بهذا المعنى صحيحة، لكن لفظها مستنكر ومستكره؛ لأنه كما قال السائل قد يوحي بأن هناك عاصمًا عصم الله والله هو الخالق، وما سواه مخلوق، فالأولى أن لا يُعبر الإنسان بمثل هذا التعبير، بل يقول: الصواب في كلام الله وكلام رسوله ﷺ " (١). قلت: ولعله لأجل هذا المعنى الصحيح استعملها سماحة الشيخ ابن باز ﵀ في مجموع فتاواه (٢). شورك وهداية الله: " هذا المثل يقوله البعض عندما يشير عليهم أحد بمشورة ما ويقتنع بها،

стр. 261

وهذه العبارة قد تحمل على محمل سيئ؛ وهو التسوية بين هداية الله ومشورة المخلوق؛ لأن هداية الله عطفت على المشورة بالواو. وفي مثل هذه الحالة يجب أن يقول: شورك بعد هداية الله، أو هداية الله ثم شورك، والله أعلم" (١). نوم الظالم عبادة: لأنه يكف شره عن الناس أثناء نومه، ولكنه لا يكون عبادة في حقه إلا أن يقصد منع نفسه عن الظلم، وهذا مما يندر (٢). حج فرضك واقضب أرضك: أي أن فريضة الحج التي عليك ثم لا تبارح أرضك إلى الحج بعد ذلك .. ! وهذه نصيحة غريبة؛ إذ إنه من المعلوم أن حج النافلة من أفضل الطاعات وأحسن القربات إلى الله تعالى؛ حيث يقول رسول الله ﷺ : "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" (٣)، ويقول أيضًا ﵊: "من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه" (٤) " (٥). وقد سئل الشيخ ابن باز ﵀: "بعض الشباب تتوق أنفسهم للحج خاصة في مجال الدعوة والتوجيه لإرشاد الحجاج، لكن يخذهم بعض

стр. 262

الناس وبعض العوام يقولون: "من حج فرضه يقضب أرضه" أو "اترك المجال لغيرك" فما رأي سماحتكم؟ فأجاب: الأفضل لمن استطاع الحج أن يحج؛ لعموم الأحاديث الدالة على فضل الحج، وأن الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، فإذا كان الحاج من العلماء الذين يدعون إلى الله سبحانه ويفقهون الناس في دينهم وفي مناسك حجهم كان ذلك أفضل وأعظم أجرًا" (١). الشتاء عدو الدين: يقال هذا المثل -من بعض الجهلة- لكون البرد في الشتاء يعوق بعض الناس عن بعض العبادات أو عن إتمامها؛ كالوضوء والصلاة وغيرها، حيث إن الماء يكون باردًا والجو باردًا، فيحصل بعض المشقة. وما علم هؤلاء أن المشقة الحاصلة بسبب البرد ونحوه من الأمور التي يكتب للعبد بها عمل صالح، مع ما يحصل من تكفير السيئات كما في الحديث: "ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمه إلا كُفِّر به من سيئاته" (٢). فعلى المسلم أن يحتسب عند الله كل ما يصيبه من ذلك، وأن يجتنب القول بأن "الشتاء عدو الدين" لأن هذا القول يدل على التضايق من العبادة في وقت الشتاء للمشقة الحاصلة.

стр. 263

كما أن في هذا القول نوع من سب الدهر الذي قد نهى عنه رسول الله ﷺ ، حيث قال: "لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر" (١) " (٢). شر وعيش مر: قد تقال هذه العبارة -لوصف حالة الإنسان وتوضيح ما يمر به من ضائقة في العيش- على سبيل التسخط. وهذا يدل على ضعف الإيمان لدى قائلها؛ إذ لو كان متفهمًا لقول رسول الله ﷺ : "عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له" (٣) لما صدرت منه هذه العبارة، بل عليه أن يتذكر نعم الله العديدة عليه .. وأن يصبر على كل ما أصابه امتثالًا لقول الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٤) " (٥). الآخرة مستأخرة: " أي أن يوم القيامة بعيد فلا تحمل همه .. وهذا من التسويف ومن وساوس الشيطان، ونرجو أن لا يكون قائل هذا المثل ممن قال الله فيهم: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ (٦).

стр. 264

ولو كانت الآخرة بعيدة فإن قيامة الإنسان قريبة وهي موته .. والموت من الأمور التي لا يدري أحد متى وقوعها إلا الله ؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ (١) " (٢). تعلم السحر ولا تعمل به: " وأصله حديث لم يثبت عن رسول الله ﷺ ، ومعلوم أن السحر محرم، بل إن الساحر كافر بالله ورسوله؛ قال الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ (٣). فلذلك لا يجوز لمسلم أن يتعلم السحر؛ لأن نفس تعلم السحر كفر بنص الآية السابقة. وبهذه المناسبة أحب التنبيه على وجوب الحذر من العمل بالأحاديث الضعيفة، ومن رواية الأحاديث الموضوعة إلا مع بيان أنها كذب حتى لا يُغتر بها" (٤). منا بوكيل [ما أنا بوكيل] آدم على ذريته: " عندما تنصح أحدًا بأن يقوم بواجبه بالنصح وبالأمر بالمعروف والنهي

стр. 265

عن المنكر فإنه قد يبادرك بقوله هذه العبارة التي تعني: لست وكيل آدم علي ذريته لكي أنصحهم وأوجههم .. ! لكنه نسي أو تناسى أن الله أمر المؤمنين بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأثنى عليهم بذلك؛ قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٢) وقول رسوله الكريم ﵊: "الدين النصيحة" (٣) وقوله: "بلغوا عني ولو آية" (٤). فعند قيام المسلم بواجبه في النصح والإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فليس معنى ذلك أنه وكيل لآدم ﵊ على ذريته، بل هو العبد المأمور من ربه، وهو بدعوته ونصيحته يحسن إلى إخوانه أعظم إحسان" (٥). وسئل الشيخ ابن باز ﵀: "بعض الناس عندما تطلب منه مساعدة لأحد أو نحو ذلك يقول: وهل أنا وكيل آدم على ذريته؟ وسؤالي يا سماحة الوالد: هل في مثل هذا حرج من الناحية الشرعية؟ نرجو التكرم بالتوضيح، جزاكم الله خيرًا.

стр. 266

فأجاب ﵀: "هذه العبارة لا وجه لها، ولا ينبغي أن يجاب بها أحد، وإنما المشروع للمسلم أن ينفق مما أعطاه الله ولو قليلًا؛ لقول الله : ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢) والآيات في هذا المعنى كثيرة، وقد قال النبي ﷺ : "اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة" (٣). وقال ﵊: "من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب -ولا يقبل الله إلا الطيب- إلا تقبله الله بيمينه فيربيها لصاحبها، كما يربي أحدكم فلوّه أو فصيله حتى تكون مثل الجبل" (٤) والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، فيشرع لكل مؤمن الإكثار من الصدقة ولو بالقليل حتى يجد ثوابها عند ربه أحوج ما يكون إليه، والله ولي التوفيق" (٥). القحم ما عنه غطا: " أي أن الرجل الكبير في العمر ليس على المرأة أن تتحجب عنه؛ بناء على اعتقاد أن الكبير لا رغبة له في النساء.

стр. 267

وهذا ليس بصحيح، فالرجل ما دام عقله وبصره معه فالغالب أن ميله للنساء موجود، أما إذا كان مخرفًا (أي مختلط العقل) أو أعمى فلا يخفى أن السبب الموجب للاحتجاب عنه مفقود فيه. وعلى هذا فيجب على المسلمة أن تتحجب عند الرجال الأجانب بغض النظر عن أعمارهم؛ فالمسلمة تتحجب عند الشيخ الكبير، وعند الشاب، ما داموا ليسوا محارم لها؛ قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (١) " (٢). الصلاة على أهل الغلات ما هيب على أهل العجيلات: " ومعنى هذا المثل: أن الصلاة تجب على أهل الأموال والغلات، ولا تجب على الفقراء أصحاب العجيلات (العجيلات: صغار البقر). وهذا قول باطل، بل اعتقاده كفر، ولا يصدر التكلم به إلا عن جاهل. فليس صحيحًا أن الصلاة تجب على مسلم دون آخر، بل تجب على كل مكلف، وليس صوابًا أن الصلاة عمل يؤديه المسلم مقابل ما يرزقه الله ومقابل نعم الله عليه، بل الصلاة أمر قد فرضه الله على كل مسلم ومسلمة؛ فرضًا لا يسعهم تركه، وركنًا من أركان هذا الدين العظيم؛ قال الله : ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (٣)

стр. 268

وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (١) " (٢). ما أخس من ركعتين بعد الصلاة: " وهي كلمة قد تخرج بحسن نية من البعض للترغيب في صلاة النافلة، وليس المقصود بها الانتقاص أو السخرية بالركعتين، بل معناه: "ما أقل من ركعتين بعد الصلاة". ولا شك أنه ينبغي للمتحدث أن يراعي الدقة في اختيار الألفاظ، وخصوصًا عند الكلام في أمور العبادات وأمور الدين القويم .. وفي مثل هذا الموضوع يستحسن أن يقال: "ما أقل من ركعتين بعد الصلاة" أو "ما أسهل من ركعتين بعد الصلاة" أو ما شابه ذلك" (٣). أحد رزقه يملا الوادي وأحد رزقه بالقطارة: " إن كان يقصد بهذا المثل تبيين أن الناس يتفاوتون في الرزق، وأن بعضهم يحصل على رزق كثير، والبعض الآخر لا يكاد يجد إلا النزر اليسير مما يعينه على العيش، فينبغي التنبيه إلى أن الله يرزق الناس بقدر وحكمة، وهو أعلم بأعمالهم .. فمن الناس من إذا رزقه الله رزقًا وافرًا فإنه يبغي في الأرض؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ (٤).

стр. 269

أما إن كان المقصود بهذا المثل التسخط أو الاعتراض على قدر الله، فهذا خطأ جسيم يستوجب على صاحبه الإسراع بالتوبة والاستغفار" (١). الموت مع الجماعة رحمة: " ويقصد بهذا القول أن الإقبال على عمل لا تعرف نتائجه يصبح هينًا عندما يكون بالاشتراك مع مجموعة من الناس، حتى وإن كانت عاقبة هذا الأمر هي الموت! ولكن ينبغي أن نعلم أن قيام جماعة من الناس بعمل لا يقتضي كون هذا العمل صائبًا، بل قد يكون خاطئًا .. والله يخاطب الظالمين بقوله: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ (٢). مما يؤكد أن الاشتراك مع جماعة في أي عمل سيئ لا يؤثر على نتائج هذا العمل بالنسبة لأحدهم، بل كل مسؤول عن نفسه ومجزي بعمله؛ قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (٣) " (٤). هذه عقوبة: " يقولها البعض إذا أصيب أحدٌ من الناس بمصيبة، وهذا جهل؛ لأن الابتلاء قد يكون عقوبة من الله ، كما قال: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ

стр. 270

سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (١)، وقد يكون الابتلاء رفعة المنزلة هذا المصاب إذا كان تقيًا؛ لقوله ﷺ : "من يرد الله به خيرًا يُصب منه" (٢)، وقوله: "إذا أحب الله قومًا ابتلاهم (٣) " (٤). النصر للعرب: قال سماحة الشيخ الإمام ابن باز ﵀: " .. إن ما يتكرر كثيرًا في بعض الإذاعات العربية من قولهم: (النصر لنا)، (الله معنا)، (النصر للعرب)، (النصر للعرب والإسلام) وما أشبه ذلك؛ إن هذه كلها ألفاظ خاطئة ومخالفة للصواب؛ فليس النصر مضمونًا للعرب ولا لغيرهم من سائر أجناس البشر، وإنما النصر معلق بأسبابه التي أوضحها الله في كتابه الكريم، وعلى لسان رسوله الأمين ﷺ " (٥). رجال الدين: هذا تعبير خاطئ دخيل، وفد إلينا من أوروبا حيث نشأت هذه التسمية في ظل الكنيسة. أما المسلمون ففيهم العالم والفقيه والمحدِّث والإمام .. إلخ، وكلهم مسؤولون عن الإسلام بحسب علمهم وطاقاتهم، ولا يعرفون هذه الطبقات التي وجدت في بيئة غريبة عنهم، وتناقلتها الألسن دون تمحيص:

стр. 271

إما جهلًا، وإما خبثًا ومكرًا من أعداء هذا الدين الذين يبتغون انحسار المفاهيم الإسلامية عن الحياة ليسهل عليهم السيطرة على البلاد والعباد، بعد أن أصبح الدين مرتبطًا بأناس معدودين وفئة معينة" (١). هذا حكم الله: هذه العبارة تطلق غالبًا في باب الفتاوى، وبخاصة في مبدأ السؤال، كقول القائل: ما حكم الله في رجل فعل كذا وكذا؟ فيأتي الجواب على السؤال فيفهم منه السائل أن هذا حكم الله الذي حكم به. وفي هذه المسألة تفصيل: وإيضاحه أن يقال: إن كان الاستفتاء في مسألة قد ورد النص فيها صريحًا فلا حرج في أن يقال حكم الله في هذه المسألة كذا. أما إن كانت المسألة اجتهادية فلا يقال حكم الله كذا؛ لأنه قد لا يصيب حكم الله. فمثال الأول: لو سأل سائل عن حكم صيام شهر رمضان، فقال المجيب: حكم الله في صيام شهر رمضان أنه فرض. والمثال الثاني: ما حكم الله في زكاة الحلي؟ فهذه المسألة خلافية، والجزم بأن أحد الأقوال هو حكم الله دون غيره أمر عظيم، ومما يدل على ذلك ما رواه سليمان بن بريدة عن أبيه رضي الله تعالى عنه قال: "كان رسول الله ﷺ إذا أمّر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله، وبمن معه

стр. 272

حكم الله. فمثال الأول: لو سأل سائل عن حكم صيام شهر رمضان، فقال المجيب: حكم الله في صيام شهر رمضان أنه فرض. والمثال الثاني: ما حكم الله في زكاة الحلي؟ فهذه المسألة خلافية، والجزم بأن أحد الأقوال هو حكم الله دون غيره أمر عظيم، ومما يدل على ذلك ما رواه سليمان بن بريدة عن أبيه رضي الله تعالى عنه قال: "كان رسول الله ﷺ إذا أمّر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله، وبمن معه من المسلمين -إلى أن قال في آخره-: "وإذا أرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تفعل، بل أنزلهم على حكمك؛ فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله تعالى أم لا؟ " أخرجه مسلم" (١). اتق شر من أحسنت إليه: " هذه الجملة خطأ واضح؛ وذلك من وجوه: الأول: أن فيها إساءة للظن بالمسلم، واتهام له في حال الإحسان إليه. الثاني: أن فيها دعوة لترك الإحسان أو التزهيد فيه، وعلى هذا فلا ينبغي ذكر هذه الجملة. والأولى بالمسلم إحسان الظن بأخيه المسلم في الأصل، فكيف إذا أحسن إليه؟ فإن جانب إحسان الظن يقوي ويتضاعف.

стр. 273

وقد قام بعضهم (١) باستقراء كثير من المقابلات الصحفية مع الأفراد التي يرد فيها سؤال هذا نصه: (ما هي حكمتك المفضلة؟) قال المستقرئ: وقد رأيت نسبة كبرى من الإجابات تردد هذا المثل التعيس الذي يريدون أن يجعلوا منه حكمة؛ ألا وهو: (اتق شر من أحسنت إليه) هذه المقولة من أسوأ الأمثلة الشائعة على ألسنة الناس، التي أسرّ بها بعضهم للآخرين قياسًا على حالة فردية هنا وحالة فردية هناك، الإحسان كان وما يزال وسيبقى" اهـ. (٢) نجم الدين: " ومثله: اسم (زين الدين)، (شمس الدين)، (نور الدين)، (تاج الدين)، ونحوها؛ فإن هذه الأسماء فيها تزكية والله تعالى يقول: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ (٣)، ويقول: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٤). قال الإمام ابن النحاس -رحمه الله تعالى- في أثناء سياقه لبعض المنكرات: (ومنها ما عمت به البلوى في الدين من الكذب الجاري على ألسن كثير من المسلمين، وهو ما ابتدعوه من الألقاب؛ كتقي الدين، ونور الدين، وعضد الدين، ومعين الدين، وناصر الدين، ونحوها من الكذب الذي يتكرر على الألسن حال النداء، وحال التعريف والحكاية، وغير ذلك، وكل

стр. 274

ذلك وكل هذه بدعة في الدين، ومنكر يخالف الشرع، ولا سيما وأكثر من يسمى بهذا فاسق أو ظالم أو جاهل لا يعرف الدين، بل لو كان ذلك على حقيقة لكره؛ لما فيه من التزكية، فكيف وهو بعيد من المجاز فضلًا عن الحقيقة؟ قال أبو عبد الله القرطبي ﵀ في كتابه شرح أسماء الله الحسني: قد دل الكتاب والسنة على المنع من تزكية الإنسان نفسه ثم قال: قال علماؤنا ويجري هذا المجرى ما قد كثر في الديار المصرية وغيرها من بلاد العراق والعجم من نعتهم أنفسهم بالنعوت التي تقتضي التزكية والثناء: كزكي الدين، ومحيي الدين، وعلم الدين وشبه ذلك. انتهى، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (١). فإذا قال: محيي الدين، أو ناصر الدين ونحو ذلك فلا بد وأن يسأل يوم القيامة: هل هو صادق في وصفه أو كاذب؟ ولو كان ذلك جائزًا لسبق إليه المتقدمون، فلقد كان في الصحابة من نصر الله به الدين حقًا، وأعز به الدين يقينًا، وأيد الله به الذين بشهادة الله ورسوله، وما لقبوه بهذه الألقاب، ولا عدل بهم عن الأسماء والكني، فكيف يلقب بهذا من هو متصف بأضداد ذلك؟! وقد حكى ابن الحاج عن النووي ﵀ أنه كان يكره أن يلقب بمحيي الدين كراهة شديدة؛ قال: وقد وقع في بعض الكتب المنسوبة إليه أنه قال: إني لا أجعل أحدًا في حل ممن يسميني بمحيي الدين. قال: وقد رأيت بعض الفضلاء من الشافعية من أهل الخير والصلاح يقول إذا حكى شيئًا عن

стр. 275

النووي. قال: قال يحيي. فسألته عن ذلك فقال: إنا نكره أن نسميه باسم كان يكرهه في حياته) (١) " انتهى. (٢) يعطي الحلق لمن لا آذان له [يدي الحلق للي بلا ودان]: " مثل مشهور، لا يخفى ما فيه من اعتراض على حكمة الله في تقسيم الأرزاق بين الناس؛ قال تعالى: ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٣) وقال: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ (٤) " (٥). هذه قطرة ما وزنت: " يقولها البعض إذا ما انهمر المطر وكثر الغيث! وهذا تعبير من يجهل أن الله: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ (٦)، وأنه القائل: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ (٧) " (٨). الأديان السماوية [وصف غير الإسلام بهذا الوصف]: قال الدكتور أحمد القاضي: "وصف تلك الأديان -سوى

стр. 276

الإسلام - بـ"السماوية" باطل؛ لما يحمله من دلالة باطلة من كونها نزلت من السماء. والواقع أنَّها تحريف لما نزل من السماء" (١). الإسلام يُكرم الإنجيل: يقول الدكتور أحمد القاضي: "الإسلام يكرم الإنجيل من حيث هو كتاب الله، ويجعل الإِيمان به وسائر كتب الله أحد أركان الإِيمان الستة. أمَّا الأناجيل المزعومة، وأعمال الرسل، ورسائل بولس وغيره، الَّتي يضمها ما يسمونه: "العهد الجديد" فقد دخلها التحريف والكفر والشرك، فليست محل تكريم، بل محل ذم" (٢). الحرية الدينية: يقول الدكتور أحمد القاضي: "إننا ابتداءً لا نسلم بهذا التعبير: "الحرية الدينية"، ولا نعده مصطلحًا شرعيًا، بل هو تعبير وافد من بلاد الغرب له مدلولاته ومقتضياته الخاصة. والقاعدة الشرعية المقابلة: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (٣) ولكن هذا المصطلح العَصَري: "الحرية الدينية" أوهم بعض النَّاس أن الإسلام يبيح سائر أنواع الممارسات الدينية الَّتي تروق لصاحبها، وحرية التنقل بين الأديان كيفما شاء، ولم يقل بذلك أحدٌ من علماء الإسلام، ومن ثمَّ

стр. 277

استشكلوا حد الردة، ورأوا فيه مصادمة للحرية الدينية" (١). إرادة الشعب من إرادة الله !: قال الشيخ عبد الرَّحمن الدوسري ﵀ عن هذه الكلمة: "هذا افتراء عظيم تجرأ به على الله بعض فلاسفة المذاهب ومنفذوها؛ جرأةً لم يسبق لها مثيل في أي محيط كافر في غابر القرون؛ إذ غاية ما قص الله عنهم: التعلق بالمشيئة بقولهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ (٢). فكذبهم الله، وهؤلاء جعلوا الشعب الموهوم (إرادة الأمر) لتبرير خططهم الَّتي ينفذونها، ويلزم من هذا الإفك إفساد اللوازم المبطلة له والدامغة لمن قاله؛ إذ على قولهم الفاسد يكون للشعب أن يفعل ما شاء، ويتصرف في حياته تصرف من ليس مقيدًا بشريعة وكتاب، بل على وفق ما يهواه، وعلى أساس المادة والشهوة والقوة؛ كالشعوب الكافرة الَّتي لا تدين بدين يقبله الله، ولا ترعى خلقًا ولا فضيلة، فهذا الإفك العظيم لم يجرأ عليه أبو جهل ومن على شاكلته مع خبثه وعناده؛ لأنَّ قبيحه معروف ببداهة العقول؛ حيث إن أذواق الشعوب ونزعاتها تختلف، فإذا جعلت إرادة الشعب من إرادة الله صارت نزعات الوجودية، والشيوعية، والنازية، والصهيونية، ووحشية الغاب، وغيرها من إرادة الله الَّتي أمر بها، وصار كل ما تهواه النفوس الشريرة، ويعشقه مرضى القلوب من: التهتك، والانحلال،

стр. 278

ومعاقرة الخمر، ودغدغة الغرائز، وإشباع الشهوات على حساب الغير؛ من أمر الله، فعلام ينتقدون على غيرهم ويصيحون عليه إذا كانت إرادة الشعب ورغباتها من إرادة الله في حكمه الَّذي يرتضيه؟ ولأي شيء يرسل الله الرسل وينزل الكتب ويشرع الجهاد والأمر والنهي على النَّاس إذا كانت إرادتهم من إرادته الَّتي يرتضيها؟ هذا هو عين المحال ومنتهى الفجور والضلال، والذين تزعموا هذا الإفك لا يطبقونه على أنفسهم، بل يسمحون لها بغزو الشعب الَّذي لا يخضع لسلطانهم ويسير وفق أهدافهم، فكان الشعب الَّذي يحكمونه هم بقوة الحديد والنار هو الشعب الَّذي إرادته الواهية من إرادة الله، والباطل لا بد أن يتناقض وينادي على نفسه بالبطلان، فقد أشركوا بالله شركًا عظيمًا؛ إذ جعلوا الشعب ندًّا من دون الله وأهواءه أندادًا لشريعته وحكمه، بدلًا من أن يكون محتكمًا إلى الله، ملتزمًا لحدوده، متكيفًا بشريعته، منفذًا لها" (١). الدين أفيون الشعوب !: قال الشيخ عبد الرَّحمن الدوسري ﵀: "هذه مقالة نطق بها (كارل ماركس) اليهودي الَّذي نبش الشيوعية المزدكية اليهودية بعدما قبرها الإسلام، فاخترع هذه المقالة يزعم بها أن الدِّين مخدر ومبلد للشعوب. وكلامه مردود بالحق الحقيق بالقبول؛ وهو أن الدِّين الصحيح الحنيف -ملّة إبراهيم الَّذي أمر الله خلقه بإقامته- دين يلهب القلوب والمشاعر، محرك لجميع الأحاسيس والقوى، دافع بها إلى الأمام، لا يقبل من أهله الذل

стр. 279

والاستكانة والخضوع للظلم، ومجاملة الأعداء والسكوت على الباطل والفساد، أو الجمود على طقوس وأوضاع ما أنزل الله بها من سلطان، بل يوجب عليهم النهوض والاستعداد بكل قوة، وتسخير كل دابة ومادة على وجه الأرض أو في جوفها أو أجوائها كي لا يغلبهم عدوهم في ذلك، وأن يجعلوا جميع مواهبهم وطاقاتهم في سبيل الله لإعلاء كلمته وقمع المفتري عليه، والبراءة من جانب دينه وتنكر لحكم شريعته، فهذا الدين الصحيح على العكس ممَّا قاله اليهودي وأتباعه من تلاميذ الإفرنج الذين ربّوهم وأبرزوهم لمحاربة هذا الدِّين الصحيح الَّذي لا يوقف في وجوه أهله لو حملوه كما أنزل، أمَّا الأديان الأخرى المزعومة من لاهوتية وثنية فيصح أن يقال عنها بكلمة اليهودي؛ لتقيّد أهلها بالخرافات وتقييدهم العلم الفني والاختراع عن الانطلاق" (١). الدين سبيل النَّاس لتأمين ما بعد الحياة وقد ذهب بأمن الحياة ذاتها ! قال الشيخ عبد الرَّحمن الدوسري ﵀: "هذا قول منشؤه الثقافة الفاجرة الكافرة المغرضة، وهو متناقض تناقضًا لا يخفى على ذي لبّ غير متأثر بها؛ كشأن الباطل دائمًا ينادي على نفسه بالبطلان؛ وذلك أن كل إنسان لا يحصل له تأمين الحياة والعيشة الراضية إلَّا إذا سعى سعيًا صحيًا لتأمين ما بعدها بمراقبة رب العالمين حقًا، والوقوف عند حدوده بإعطاء كل ذي حق حقه، دون غش ولا مراوغة، بل بما رسمه الله على لسان رسوله

стр. 280

إذ قال: "عامل النَّاس بما تحب أن يعاملوك به تكن مسلمًا وأحب للناس ما تحبه لنفسك تكن مؤمنا" (١). وقال: "لا يؤمن أحدكم حتَّى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه" (٢). وقال: "لا يؤمن أحدكم حتَّى يكون هواه تبعًا لما جئت به" (٣). وقال: "الراحمون يرحمهم الله ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" (٤)، "إن الله حرّم الظلم على نفسه وجعله بينكم محرمّا فلا تظالموا" (٥). إلى غير ذلك من الأحاديث النبوية.

стр. 281

وأمَّا في القرآن من قوله: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١). وقوله: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٢). وقوله: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (٣) ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ (٤) وغيرها من الآيات الكثيرة. فبلزوم النَّاس هذه الطريقة الدينية الصحيحة يحصل لهم الأمن والتعايش السُّلَمي في الحياة أولًا، ثمَّ بعدها ثانيًا، وما أذهب على النَّاس أمنهم إلَّا افتياتهم على دين الله وخروجهم عن تعاليمه النافعة في الحياة وبعدها طبعًا. فهذا الأفاك الأثيم صاحب هذه المقالة، هل يطمع بالأمن في الحياة والتعايش السُّلَمي إذا نبذ النَّاس دين الله، وتعلقوا بالمادة والأنانية وحب الشهوات وطلب الرئاسة والعلو في الأرض؟ ألم يحصل بذلك الشر المستطير؟ ألا يرى العالم مهددًا في كل وقت وحين بحروب طاحنة قد خلت من قبلها الحروب؟ ألا يرى الدول المادية منهمكة في صنع ما يدمر المدنية ويفتك بالحياة؟ حقًا إن تأمين الحياة لا يحصل إلَّا بالعمل الصالح الخالص المقصود به تأمين ما بعدها؛ خوفًا من الله ورجاء ثوابه، وذلك لا يتحقق إلَّا بالإيمان بالغيب

стр. 282

الَّذي هو مصدر الخير ومنبع الفضيلة والجمال كما أسلفنا. ولذا حصر الله الهداية والمنفعة بالتذكرة عليه؛ فقال في فواتح القرآن: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (١)، ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ (٢)، إلى غير ذلك من الآيات والأحكام الَّتي انطبع بها أسلافنا؛ كانوا أصلح الخلق وأنصح الخلق للخلق، وأرحم الخلق بالخلق، ممتثلين ما قدمناه من الآيات والأحاديث وأضعافها ممَّا فهموه وطبقوه. ولما حُرمت (اوروبا) من الإِيمان بالغيب وثمرته الطيبة كانت على العكس من ذلك: أفسد الخلق، وأغش الخلق للخلق، وأفتك الخلق بالخلق، وكان على سيرتهم كل من تقبَّل ثقافتهم وسار على منهاجهم" (٣). الدين سبب الطائفية والشقاق !: قال الشيخ عبد الرَّحمن الدوسري ﵀: "هذه فكرة ركزها الاستعمار في تعليمه الثقافي -الَّذي هو امتداد للحروب الصليبية- ضمن تخطيط صهيوني أثبتته البروتوكولات الصهيونية المكتشفة، تلقَّاها بالقبول والتشجيع أصحاب المبادئ القومية، والمذاهب المادية، والنِّحل الوثنية المطلية بشعارات يستحسنها الذين نسوا حظًا مما ذكروا به، والمرجفون لحاجات في صدورهم، وهي منبثقة من تلك البروتوكولات. والدين الإِسلامي الصحيح

стр. 283

على العكس ممَّا رموه به؛ فهو مصدر الوحدة الصحيحة، وتحقيقه سبب العز والتمكين والتضامن والتراحم والبذل والإيثار. فأي طائفية في دين يقول لأهله: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (١). وإنَّما نشأت الطائفية ممن لا يعترف إلَّا بدينه ويذم ما سواه؛ كاليهود والنصارى الذين أخبر الله عنهم أنَّهم يعرفون نبينا كما يعرفون أبناءهم فكتموه وهم يعلمون، وبذروا الطائفية بشتى الدسائس. فالطائفية تنشأ دائمًا من الافتراء على الله؛ سواء كان بحجة دين كاذب، أو مذهب مادي أو وثني يصبغ بطلاء الجنس والوطن، ولو أنَّهم أخلصوا دينهم لله واتبعوا محمدًا الذي يعرفونه كما يعرفون أبناءهم لما حصلت طائفية كالصدر الأوَّل من الإسلام، حيث لم تجد المادة طريقها إلى القلوب. فلما احتلت المادة والأنانية مكانًا في القلوب لعبت السياسة دورها في بث التفرقة والشقاق باسم مذهب أو أسرة، وباسم ملة أو نحلة وفلسفة. هذا كله مع التظلم من الأوضاع، والتنديد بالمسؤولين والاختلاق والأكاذيب وتزوير الوثائق والمكاتيب لإضرام نار الفتنة والتحزّب، حتَّى جاء دور الحرب الصليبية الغاشم البشع، وما أعقبه من تعسف سياسي ومكر ومؤامرات لئيمة تصبغ بأسماء مذهبية على الرغم من حسن معاملة المسلمين مع الغزاة

стр. 284

المغلوبين، والخونة المجاورين من أولئك، وكل هذا امتداد لما قبله من الدسائس السياسية ضد الإسلام ليشغلوا أهله في أرضهم، ويوقفوا مدَّه الثَّوْري عنهم، فيبقى كالمريض في بيته، فما يُرَى من ظاهر الطائفية المذهبية هو في الحقيقة مبادئ وأحزاب سياسية مطلية بطلاء المذهبية المختلفة. فالعيب والجريرة هي على السياسة الماكرة الكافرة، لا على الدِّين الصحيح الَّذي اختاره الله أساسًا للوحدة بجميع معانيها. ثمَّ إن الصليبيين لما عجزوا عن محاربة الإسلام بالسيف غزوه غزوًا ثقافيًا بذلوا فيه الأموال الطائلة للمبشرين، ولما أخفقوا بعد مجهودهم الكبير وأيقنوا استحالة تنصير المسلمين أبرموا الأمر الجديد لإخراج أبنائهم منه فقط، دون أن يتشرفوا بالدخول في المسيحية على زعمهم، بل يعيدوهم إلى ضروب من الوثنية تحت تقديس الجنس والوطن، واستبدال حدود الله بحدوده، وحماية كيان القوم بدل حماية دين الله، واستبدال محبة الله ورسوله بمحبة هذه الطقوس والشعارات، ودعوى العمل للوحدة الَّتي تجمع الفرق تحت اسم القومية، ولا تحل فيهم الأنانية والانتهازية. وقد عكس الله مقاصدهم وأحاط مجتمعهم بالفوضى وكافة الخلافات والمخازي، ولكنهم يغالطون ويخادعون لتبرير خطتهم الأثيمة، وتغطية باطلهم على الأغمار والسطحيين، فيرمون الدِّين بدائهم هم؛ يرمونه بالطائفية وهم بها أحق وألصق، وقد تحمس لهذه الفكرة الخاطئة لفيف من النصارى ليخدعوا بها المسلمين على حساب الدِّين الإِسلامي الصحيح الَّذي بشر به عيسى فكذبوه؛ وهو الدِّين الَّذي اعترف بكرامة عيسى وأظهر

стр. 285

براءة أمه، فأبي لؤمهم إلَّا أن يخاصموه ويمكروا بأهله ويوالوا اليهود وينفذوا مخططاتهم ضده، وهم الذين آذوا عيسى وحاولوا قتله وقالوا فيه وفي أمه بهتانًا عظيمًا، وكانت خطتهم على حساب ديننا لا على حساب دينهم المزعوم الَّذي يبرأ منه عيسى وكل نبي. وقد ضمن الله الوحدة والعز والتمكين بتحقيق دين محمد ﷺ ، وكتب الشقاق العقيم على من تنكّب عنه وتولى؛ قال تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ (١). فحصر الله حالتهم في الشقاق كما هو واقع فعلًا بينهم الآن، على الرغم من زعمهم الوحدة الكاذبة وموالاتهم أعداء الله ورسله تبديلًا منهم لقول الله الَّذي نهاهم عن موالاتهم وأمرهم بالبراءة منهم كليًا، واللهُ غالب على أمره" (٢). الدِّين الله والوطن للجميع !: قال الشيخ عبد الرَّحمن الدوسري ﵀: "هذه المقالة انبثقت ممَّا قبلها (٣)، وصاغها الحاقدون على الإسلام الذين رموه بالطائفية بهذه الصيغة المزوقة إفكًا وتضليلًا ليبعدوا حكم الله ويفصلوه عن جميع القضايا والشؤون بحجة الوطن الَّذي جعلوه ندًّا لله، وفصلوا بسيبه الدِّين عن الدولة وحصروه في أضيق نطاق، فأعادوا بذلك الحكم القيصري
следующие страницы →