وأمَّا في القرآن من قوله: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١).
وقوله: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٢).
وقوله: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (٣) ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ (٤) وغيرها من الآيات الكثيرة.
فبلزوم النَّاس هذه الطريقة الدينية الصحيحة يحصل لهم الأمن والتعايش السُّلَمي في الحياة أولًا، ثمَّ بعدها ثانيًا، وما أذهب على النَّاس أمنهم إلَّا افتياتهم على دين الله وخروجهم عن تعاليمه النافعة في الحياة وبعدها طبعًا.
فهذا الأفاك الأثيم صاحب هذه المقالة، هل يطمع بالأمن في الحياة والتعايش السُّلَمي إذا نبذ النَّاس دين الله، وتعلقوا بالمادة والأنانية وحب الشهوات وطلب الرئاسة والعلو في الأرض؟ ألم يحصل بذلك الشر المستطير؟
ألا يرى العالم مهددًا في كل وقت وحين بحروب طاحنة قد خلت من قبلها الحروب؟
ألا يرى الدول المادية منهمكة في صنع ما يدمر المدنية ويفتك بالحياة؟
حقًا إن تأمين الحياة لا يحصل إلَّا بالعمل الصالح الخالص المقصود به تأمين ما بعدها؛ خوفًا من الله ورجاء ثوابه، وذلك لا يتحقق إلَّا بالإيمان بالغيب
стр. 282
الَّذي هو مصدر الخير ومنبع الفضيلة والجمال كما أسلفنا. ولذا حصر الله الهداية والمنفعة بالتذكرة عليه؛ فقال في فواتح القرآن: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (١)، ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ (٢)، إلى غير ذلك من الآيات والأحكام الَّتي انطبع بها أسلافنا؛ كانوا أصلح الخلق وأنصح الخلق للخلق، وأرحم الخلق بالخلق، ممتثلين ما قدمناه من الآيات والأحاديث وأضعافها ممَّا فهموه وطبقوه.
ولما حُرمت (اوروبا) من الإِيمان بالغيب وثمرته الطيبة كانت على العكس من ذلك: أفسد الخلق، وأغش الخلق للخلق، وأفتك الخلق بالخلق، وكان على سيرتهم كل من تقبَّل ثقافتهم وسار على منهاجهم" (٣).
الدين سبب الطائفية والشقاق !:
قال الشيخ عبد الرَّحمن الدوسري ﵀: "هذه فكرة ركزها الاستعمار في تعليمه الثقافي -الَّذي هو امتداد للحروب الصليبية- ضمن تخطيط صهيوني أثبتته البروتوكولات الصهيونية المكتشفة، تلقَّاها بالقبول والتشجيع أصحاب المبادئ القومية، والمذاهب المادية، والنِّحل الوثنية المطلية بشعارات يستحسنها الذين نسوا حظًا مما ذكروا به، والمرجفون لحاجات في صدورهم، وهي منبثقة من تلك البروتوكولات. والدين الإِسلامي الصحيح
стр. 283
على العكس ممَّا رموه به؛ فهو مصدر الوحدة الصحيحة، وتحقيقه سبب العز والتمكين والتضامن والتراحم والبذل والإيثار.
فأي طائفية في دين يقول لأهله: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (١).
وإنَّما نشأت الطائفية ممن لا يعترف إلَّا بدينه ويذم ما سواه؛ كاليهود والنصارى الذين أخبر الله عنهم أنَّهم يعرفون نبينا كما يعرفون أبناءهم فكتموه وهم يعلمون، وبذروا الطائفية بشتى الدسائس.
فالطائفية تنشأ دائمًا من الافتراء على الله؛ سواء كان بحجة دين كاذب، أو مذهب مادي أو وثني يصبغ بطلاء الجنس والوطن، ولو أنَّهم أخلصوا دينهم لله واتبعوا محمدًا الذي يعرفونه كما يعرفون أبناءهم لما حصلت طائفية كالصدر الأوَّل من الإسلام، حيث لم تجد المادة طريقها إلى القلوب.
فلما احتلت المادة والأنانية مكانًا في القلوب لعبت السياسة دورها في بث التفرقة والشقاق باسم مذهب أو أسرة، وباسم ملة أو نحلة وفلسفة. هذا كله مع التظلم من الأوضاع، والتنديد بالمسؤولين والاختلاق والأكاذيب وتزوير الوثائق والمكاتيب لإضرام نار الفتنة والتحزّب، حتَّى جاء دور الحرب الصليبية الغاشم البشع، وما أعقبه من تعسف سياسي ومكر ومؤامرات لئيمة تصبغ بأسماء مذهبية على الرغم من حسن معاملة المسلمين مع الغزاة
стр. 284
المغلوبين، والخونة المجاورين من أولئك، وكل هذا امتداد لما قبله من الدسائس السياسية ضد الإسلام ليشغلوا أهله في أرضهم، ويوقفوا مدَّه الثَّوْري عنهم، فيبقى كالمريض في بيته، فما يُرَى من ظاهر الطائفية المذهبية هو في الحقيقة مبادئ وأحزاب سياسية مطلية بطلاء المذهبية المختلفة.
فالعيب والجريرة هي على السياسة الماكرة الكافرة، لا على الدِّين الصحيح الَّذي اختاره الله أساسًا للوحدة بجميع معانيها.
ثمَّ إن الصليبيين لما عجزوا عن محاربة الإسلام بالسيف غزوه غزوًا ثقافيًا بذلوا فيه الأموال الطائلة للمبشرين، ولما أخفقوا بعد مجهودهم الكبير وأيقنوا استحالة تنصير المسلمين أبرموا الأمر الجديد لإخراج أبنائهم منه فقط، دون أن يتشرفوا بالدخول في المسيحية على زعمهم، بل يعيدوهم إلى ضروب من الوثنية تحت تقديس الجنس والوطن، واستبدال حدود الله بحدوده، وحماية كيان القوم بدل حماية دين الله، واستبدال محبة الله ورسوله بمحبة هذه الطقوس والشعارات، ودعوى العمل للوحدة الَّتي تجمع الفرق تحت اسم القومية، ولا تحل فيهم الأنانية والانتهازية.
وقد عكس الله مقاصدهم وأحاط مجتمعهم بالفوضى وكافة الخلافات والمخازي، ولكنهم يغالطون ويخادعون لتبرير خطتهم الأثيمة، وتغطية باطلهم على الأغمار والسطحيين، فيرمون الدِّين بدائهم هم؛ يرمونه بالطائفية وهم بها أحق وألصق، وقد تحمس لهذه الفكرة الخاطئة لفيف من النصارى ليخدعوا بها المسلمين على حساب الدِّين الإِسلامي الصحيح الَّذي بشر به عيسى فكذبوه؛ وهو الدِّين الَّذي اعترف بكرامة عيسى وأظهر
стр. 285
براءة أمه، فأبي لؤمهم إلَّا أن يخاصموه ويمكروا بأهله ويوالوا اليهود وينفذوا مخططاتهم ضده، وهم الذين آذوا عيسى وحاولوا قتله وقالوا فيه وفي أمه بهتانًا عظيمًا، وكانت خطتهم على حساب ديننا لا على حساب دينهم المزعوم الَّذي يبرأ منه عيسى وكل نبي.
وقد ضمن الله الوحدة والعز والتمكين بتحقيق دين محمد ﷺ ، وكتب الشقاق العقيم على من تنكّب عنه وتولى؛ قال تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ (١).
فحصر الله حالتهم في الشقاق كما هو واقع فعلًا بينهم الآن، على الرغم من زعمهم الوحدة الكاذبة وموالاتهم أعداء الله ورسله تبديلًا منهم لقول الله الَّذي نهاهم عن موالاتهم وأمرهم بالبراءة منهم كليًا، واللهُ غالب على أمره" (٢).
الدِّين الله والوطن للجميع !:
قال الشيخ عبد الرَّحمن الدوسري ﵀: "هذه المقالة انبثقت ممَّا قبلها (٣)، وصاغها الحاقدون على الإسلام الذين رموه بالطائفية بهذه الصيغة المزوقة إفكًا وتضليلًا ليبعدوا حكم الله ويفصلوه عن جميع القضايا والشؤون بحجة الوطن الَّذي جعلوه ندًّا لله، وفصلوا بسيبه الدِّين عن الدولة وحصروه في أضيق نطاق، فأعادوا بذلك الحكم القيصري
стр. 286
والكسروي بألوان وأسماء جديدة -والعبرة بالمعاني- من سوء التحكم والأعمال المخالفة للشرع، وعدم العدل إلَّا بالأسماء والألقاب؛ فهي خطة شركية قلَّ من انتبه لها، ولا يجوز للمسلمين إقرارها أبدًا، ولكن غلبت عليهم سلامة الصدر فاغتروا بما يطلقه أولئك من الدجل والتهويل ويخادعون به الله والمؤمنين من دعوى تعظيم الدِّين والارتفاع به عن مستوى السياسة الَّتي هي غش وكذب ليخدعوا به المسلمين ويخرسوهم، واللهُ لا يرضى من عباده أن يتهاونوا بالحكم ويتنازلوا عن حدوده قيد شعرة، أو تنقص فيهم الرغبة الصادقة في تنفيذه -بدلًا من أن تنعدم- لحب وطن أو عشيرة، بل لحب ولد أو والد أو أخ قريب.
فالدين الَّذي لله يجب أن يسيطر على الجميع، ويكون أحب وأعز من الوطن، وأن لا يُتَّخذ الوطن أو العشيرة ندًّا من دون الله، ويعمل من أجله ما يخالف حكم الله، وتبذل النفوس والأموال دون كيان العصبية القومية وفي سبيل الوطن، لا في سبيل الله لإعلاء كلمته وقمع المفتري عليه، بل لتعزيز المفتري عليه؛ فهذه وثنية جديدة أفظع من كل وثنية سبقتها؛ إذ يعملون تحت هذا الشعار الوثني ما يشاؤون، ويخططون لحياتهم الوطنية تخطيط من ليس مقيدًا بشريعة ربه. وكونها أفظع من كل وثنية هو لمزيد فتنتها وإخراجها للناس بهذا الأسلوب الَّذي صاغته (أوروبا) هروبًا من حكم الكنيسة، واللهُ يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ
стр. 287
كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ (١).
ويقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ (٢).
وقد عملوا منذ زمن طويل على ذلك حتَّى كسبوا بعض أولاد المسلمين، فنفذوا لهم هذه الخطة الَّتي طرحوا بها حكم الإسلام؛ بحجة "أقلية نصرانية" انتحلوا هذه النحلة من أجلها فيما يزعمون في تقديس الجنس، وعطّلوا الإسلام وأوقفوا زحفه إرضاءً لهذه الأقلية وإغضابها لله، بينما هي تزحف بالدعاية النصرانية وبث الإلحاد على حساب المسلمين وفي عقر بيوتهم، وجعلوا الحكم لغير الله من أجلها، وأباحوا من أجلها ما حرّم الله بإقرارهم له وإعفاء مرتكبه من العقوبة ليشهدوا لهم مع تلاميذ الإفرنج من أبنائهم أنَّهم متحررون كفؤ للحكم.
فياله من دين جعلوه يتلاشى أمام مصالح الوطن وأوضاعه الَّتي يعشقونها، فكأنهم قالوا: (الدِّين الله يطرح ظهريًا ليس له حق في شؤوننا الوطنية من سياسة وعلم واقتصاد وغيره) مرحي مرحى لهذا الدِّين المعطل المطروح على الرف! " (٣).
قلت: ومن نظائر تلك المقولة: (لا سياسة في الدِّين ولا دين في السياسة -
стр. 288
الدِّين علاقة بين العبد وربه فقط - الحكم للشعب - الشعب مصدر السلطات - التمسك بالدين رجعية) ونحوها!! " (١).
عبد المأمور:
" لقد استَشْرَتْ هذه الكلمة على لسان كثير من الجهال الذين لا يفقهون حديثًا، وهي كلمة شنيعة فيها ضلال مبين؛ حيث يجعل أحدهم من نفسه عبدًا لغير الله بكلمة سخيفة، وما أُمِرَ إلَّا ليعبد الله وحده.
ومن عجب أنك لو أنكرت على قائلها، لرد عليك قائلًا: كيف لا وقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٢).
وهذا خلط عجيب، ولا محل للاستشهاد بالآية، بل إن للآية تفسيرًا يبعدها عما يظنه كثير ممن لا يعلمون؛ فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وهذه الكلمة في أصلها كانت بعيدة عن الكفر، ثمَّ حُرِّفت على ألسنة العوام … في أصلها كانت "عبدٌ مأمور" هكذا كلمة مأمور صفة لعبد، فيصف نفسه بأنَّه عبد مأمور، فطرأ عليها اللحن فصارت عبدًا مضافة لمأمور "عبد المأمور" فانقلبت إلى الضلال المبين" (٣).
стр. 289
يأكل أرزًا مع الملائكة:
" هذه الكلمة تقال عند السؤال عن النائم، فيقال: "إنَّه يأكل أرزًا مع الملائكة".
وهذه الكلمة فيها تعد؛ لأنَّه لا يثبت بأي دليل أن الملائكة يأكلون أو يشربون، فكيف يزعم أحد أنَّهم كذلك؟!
وقد قال أهل العلم عند ذكر الملائكة: "وهم -أي الملائكة- عالم غيبي لا يعلم حقيقته إلَّا الله تعالى. لا يأكلون، ولا يشربون، ولا ينامون، ولا يتصفون بذكورة ولا أنوثة".
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ (١).
يقول ابن كثير: "وقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ﴾ أي تنكرهم، ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾؛ وذلك أن الملائكة لا همة لهم إلى الطعام ولا يشتهونه ولا يأكلونه، فلهذا رأى حالهم معرضين عما جاءهم به، فارغين عنه بالكلية، فعند ذلك نكرهم، وأوجس منهم خيفة اهـ" (٢).
стр. 290
الأديان الثَّلاثة [يوصف بها الإسلام مع اليهودية والنصرانية]:
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "قد يسمع ما بين حين وآخر كلمة: "الأديان الثَّلاثة"، حتَّى يظن السامع أنَّه لا فرق بين هذه الأديان الثَّلاثة؛ كما أنَّه لا فرق بين المذاهب الأربعة! ولكن هذا خطأ عظيم، إنَّه لا يمكن أن يحاول التقارب بين اليهود والنصارى والمسلمين إلَّا كمن يحاول أن يجمع بين الماء والنار" (١).
الأديان:
لما قال طلعت حرب في كتابه "تربية المرأة والحجاب" (ص ١٧): "إن الأديان جميعًا تنفي مساواة المرأة بالرجل مساواة كاملة .. "عقب عليه الشيخ محمد بن إسماعيل بقوله: "أعلم -رحمك الله- أنَّه لا يصح إطلاق كلمة "الأديان"! هكذا مجموعة في سياق التقرير والاحتجاج بها؛ لأنَّ الدِّين واحد هو الإسلام الَّذي أرسل الله به رسله، وأنزل به كتبه؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٢)، والشرائع هي الَّتي تختلف من نبي لآخر، قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (٣) والله أعلم" (٤).
وقد ذهب إلى هذا: محمود شاكر ﵀ في كتابه "أباطيل
стр. 291
وأسمار" (١).
ولكن قال الدكتور أحمد القاضي تعقيبًا على هذا المنع: "ما قاله حق لا مرية فيه بالنظر إلى المدلول الشرعي لكلمة دين، وهو ما بعث الله به أنبياءه ورسله، فهو واحد لا يتعدد؛ وهو "الإسلام". ولكن بالنظر إلى المعنى اللغوي الدال على العادة والشأن ومطلق الطاعة فإنَّ الأمر واسع، فيتناول الدِّين الحق الَّذي هو الإسلام، وسائر البدع والضلالات والأحوال والتقاليد الَّتي يسير عليها بعض النَّاس. ولهذا قيد الله تعالى لفظ "الدِّين" في مواضع من كتابه فقال: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ (٢)، ووصفه بما يخصصه فقال: ﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾ (٣)، ﴿الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (٤)، و ﴿دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (٥) و ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ (٦).
كما أضاف سبحانه لفظ "الدِّين" إلى غيره، فقال: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ (٧)، وسمي ما عليه المنحرفون من أهل الكتاب والكفار دينًا فقال: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ (٨)، وعن فرعون وقومه: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ
стр. 292
دِينَكُمْ﴾ (١)، وعن اليهود ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٢)، وذمَّ ﴿الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ (٣)، وعن أهل الكتاب: ﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ (٤)، وإنَّما تديَّنوا بسواه. بل سمي سبحانه ما أحدثه المحرفون من اللعب واللهو دينًا فقال: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾ (٥)، وقال: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا﴾ (٦).
فتبين بذلك جواز إطلاق لفظ "الدِّين" و"الأديان" على ما سوي الإسلام باعتبار تدينهم بها، كما جاز إطلاق لفظ "الآلهة" على ما يُعبد من دون الله، مع أنَّه "الإله" الواحد الحق، باعتبار تأليههم لها" (٧).
تقاليد [وصف الإسلام وشرائعه بهذا الوصف]:
قال الشيخ محمد بن إسماعيل: "ينبغي التحفظ من مثل هذه العبارات؛ فليس الإسلام "تقاليد"، وما عرفناه إلَّا منارًا وتعاليم وشرائع ومعالم، وردت في أكثر من حديث؛ منها قول رسول الله ﷺ : "ذاك جبريل أتاكم
стр. 293
يعلمكم معالم -أي دلائل ومسائل- دينكم" رواه الإِمام أحمد وابن ماجه عن عمر ﵁ بهذا اللَّفظِ، ومنها قوله ﷺ : "إن للإسلام صُوى ومنارًا كمنار الطريق، منها أن تؤمن بالله ولا تشرك به شيئًا، وإقام الصَّلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأن تسلم على أهلك إذا دخلت عليهم، وأن تسلم على القوم إذا مررت بهم، فمن ترك من ذلك شيئًا، فقد ترك سهمًا من الإسلام، ومن تركهن كلّهن، فقد وَلَّى الإسلام ظهره" أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في "كتاب الإِيمان" وغيره - انظر "سلسلة الأحاديث الصحيحة" حديث رقم (٣٣٣). ومعنى (صوي) جمع صوة: أعلام من حجارة منصوبة في الفيافي والمفازة المجهولة، يستدل بها على الطريق وعلى طرفيها، أراد أن الإسلام طرائق وأعلامًا يهتدى بها، كذا في "لسان العرب" عن أبي عَمْرو بن العلاء.
وعن عبد الله بن بُسْر المازني ﵁ أن رجلًا قال: يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت، وأنا كَبْرتُ، فأخبرني بشيء أتشبث به، ولا تكثر عليَّ فأنسى، قال: "لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله تعالى" رواه التِّرْمِذِيّ والحاكم وصححه، ووافقه الذَّهَبِيّ.
وفي بعض الآثار: "أيها النَّاس إن لكم معالم فانتبهوا إلى معالمكم، وإن لكم نهاية فانتبهوا إلى نهايتكم" …
فكم تقرُّ أعين المتغربين والمتفرجين، والجامحين الخارجين عن طريقة الإسلام بكلمة "التقاليد" الإِسلامية؟!
إنَّهم بذلك يحولون شرع الله ووحيه إلى أعراف وتقاليد، تواضع النَّاس
стр. 294
-في زمن من الأزمان- على احترامها، وبناء على ذلك فما يصلح لجيل لا يصلح لآخر، وما يناسب مجتمعًا لا يناسب المجتمعات الأخرى، وما يتفق مع زمن فلا شأن له بباقي الأزمان!
فالهدف إذن من التعبير عن الأحكام الشرعية بـ (التقاليد) واضح، وهو جعلها عرضة للتغيير والتبديل، بحجة أن "تقاليد" عصر الصحراء لن تناسب عصر الفضاء ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ (١) " (٢).
التسامح الديني:
قال الشيخ محمد بن إسماعيل معلقًا على هذه الكلمة: "أعلم -أخي المسلم- أن بعض النَّاس يخلطون بين لفظة (التعصب) ولفظة (التسامح) خلطًا معيبًا يؤدي إلى خلل في دينهم، وهم يحسبون أنَّهم يحسنون صنعًا، فإذا سمعك أحدهم مثلًا تقول: "لا يجوز الترحم على اليهودي أو النصراني، لأنَّه لا يدخل الجَنَّة"، اعتبر هذا تشددًا وتعصبًا، وتشدق بأن رحمة الله واسعة، وَعدّ نفسه متمسكًا بسماحة الإسلام، ولكشف النقاب عن هذا الخلط نقول:
إن التعصب والتسامح لا يكونان إلَّا في المعاملة، فالتعصب: أن تعامل الذمي اليهودي أو النصراني بحيف، وتبخسه حقه، والشرع يأبي ذلك ولا يرضاه، والتسامح: أن تعامله بالعدل والإنصاف، وتعاشره بالمجاملة والإلطاف، وأن تحسن جيرته إن كان جارًا لك، وأن تصله إن كان من قرابتك، غير أنك
стр. 295
لا تعطيه من زكاة مالك، ولا من زكاة فطرك، لأنهما خاصتان بفقراء المسلمين، ولا بأس أيضًا بجريان بعض المعاملات الدنيوية بينك وبينه؛ كقرض أو نحوه ممَّا لا تعلق له بالدين، وشرط هذا كله أن لا يكون محاربًا.
ومع هذا يجب عليك أن تعتقد اعتقادًا جازمًا لا تردد فيه أنَّه على باطل، وأنَّه إن مات كافرًا لا يجوز الترحم عليه ولا الدُّعَاء له بالمغفرة؛ قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ﴾ من الخير كصدقة، وصلة رحم، وإغاثة ملهوف، ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ (١) لا ثواب له في الآخرة. وهذه الآية تفيد أنَّه لا يوجد منهم ولي أو قديس كما يقولون؛ لأنَّ الولاية أو القداسة نتيجة العمل الصالح المقبول، وعملهم غير مقبول؛ لبطلان دينهم المخالف للإسلام: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢) وقال ﷺ : "والذي نفس محمد بيده، لا يسمعُ بي أحدٌ من هذه الأمة، يهودي، ولا نصراني، ثمَّ يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلت به إلَّا كان من أصحاب النار" رواه الإِمام أحمد ومسلم (٣)، فمن جوز وجود ولي منهم، أو تبرك بأحد قديسيهم، فقد تخلى عن عقيدته ودينه؛ إذ التساهل في شيء من العقيدة لا يكون تسامحًا كما ظن المخلطون الواهمون، لكنه تنازل عنها، يلزم منه الخروج من الدين؛ لأنَّه مبني على العقيدة، فإذا فُقِدت فُقِد، فينبغي عدم إقراره على كفره، وعدم الرضا به، وبغضه ببغض الله تعالى له،
стр. 296
وعدم موالاته وموادته؛ قال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) وعدم التشبه به، وعدم إنكاحه المؤمنة، وعدم بداءته بالسلام، وأن يضطره إلى أضيق الطريق (٢)، فهذا كله من التمسك بالدين وليس من التعصب في شيء، والتفريط فيه ليس تسامحًا، ولكنه تنازل عن حدود الله ، واللهُ أعلم" (٣).
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "التسامح موجود في الدِّين الإِسلامي؛ قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ (٤) ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (٥) الآية.
ليس التسامح خاصًا بما يُنشر عن دين المسيح عيسى ابن مريم، بل التسامح في الإسلام، لكن تسامح الإسلام تسامح في حزم، أي أنَّه يُشرع
стр. 297
التسامح في الموضع الَّذي يكون فيه التسامح خيرًا.
أحيانًا لا يكون التسامح خيرًا، ولهذا قيد الله العفو بالإصلاح فقال: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ (١)؛ لأنَّ العفو أحيانًا لا يكون حميدًا، أحيانًا يكون العفو سببًا لتسلط الأشخاص واستمرارهم في شرورهم، وإذا أُخذوا بالحزم وعوقبوا بما تقتضيه جرائمهم من العقوبة كان في هذا خير كثير وكف أذى، ولهذا يجب ألا نحكم العاطفة في العفو عن الجناة في كل حال، بل يجب أن يكون لدينا رأفة ورحمة، وأن يكون لدينا حزم وعزيمة وقوة.
ألم تسمعوا قول الله : ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ (٢) فنهى الله تعالى عن الرأفة للزاني والزانية، مع أن الرأفة مطلوبة، ومن أسماء الله الرؤوف، لكن الرأفة لها محل، والحزم والأخذ بالعقوبة له محل آخر" (٣).
وقال الدكتور أحمد القاضي: "إن مفهوم التسامح الَّذي يتكئ عليه دعاة التقريب، مفهوم فضفاض يتضمن حقًا وباطلًا، يحتم ضرورة الاستفصال عن المدلول المراد:
فإن أريد بالتسامح: العفو والصفح في المعاملة، بالتنازل عن بعض
стр. 298
الحقوق الشخصية مالية أو معنوية، أو ما يحيله الشرع الإِسلامي إلى اجتهاد ولاة أمور المسلمين في معاملة الحربيين من المنِّ أو الفداء، حسب ما تقتضيه السياسة الشرعية، أو منح الذميين والمعاهدين والمستأمنين في المجتمع الإِسلامي حقوقًا مدنية، وإذنًا في البقاء على دينهم وعباداتهم، من غير إكراهٍ لهم على اعتناق الإسلام، فهو حقٌ جاء به الإسلام، وحفل به تاريخه، وفاق به جميع الأنظمة القديمة والحديثة، وقد شهد له بذلك الأعداء (١)، فهو بهذا المدلول فضيلة خلقية، ومنهجٌ نبيل في العلاقات الدولية، والتنظيم الاجتماعي، لا يثلم عقيدة، ولا يهدر كرامة، ولا يضيع حقًا.
وإن كان التسامح يعني: المداهنة، وإعطاء الدنية في الدِّين، وتسوية المسلمين بالمجرمين، وإدانة سبيل السابقين الأولين من المؤمنين، وإباحة جناب المجتمع المسلم لجحافل المنصرين والملحدين لإشاعة الفاحشة الفكرية والخلقية في الذين آمنوا، باسم "الحرية الدينية"، و"التعددية الثقافية"، و"التنوع الحضاري"، وما شابهها في زخرف القول، بحجة تحسين صورة الإسلام والمسلمين في أنظار الغربيين، فما هذا بتسامح، بل خنوع واستخذاء، ونزع للباس التقوى.
يقول أحد دعاة التقريب: "إن التسامح يعد خطًا حضاريًا يقضي بمنح الآخرين حرية التعبير عن الآراء والأفكار الَّتي تغاير الآخرين، كما يسمح بالعيش وفقًا للمبادئ والمعتقدات الَّتي لا ندين بها سوية، إن التسامح أصبح إذًا مسألة لا يمكن فصلها عن الحرية وحقوق الإنسان، إن التسامح
стр. 299
يجب أن يشمل الجميع، وكل الأديان على وجه الأرض، إن العالم العربي مدعوٌ في المستقبل القريب إلى أن لا يواصل تجاهله لوجود عِدَّة بلايين من البشر على وجه البسيطة، من الذين لا يدعون الانحدار من إبراهيم، ولا يعني ذلك أبدًا أن حضاراتهم وأنماط تفكيرهم غير جديرة بالتقدير والاحترام، مثلما هو الشأن لحضارتنا ونمط تفكيرنا، بل يجب علينا إذا نحن المسلمين أن نطبق على الآخرين ما نطالب به لأنفسنا" (١).
هذا مؤدي مفهوم التسامح الَّذي ينادي به دعاة التقريب، يضفي عباءته الفضفاضة على كل مشركٍ وثني، فضلًا عن اليهودي والنصراني، ويمنحه التقدير والاحترام من جهة حضارته وعقيدته، ويتيح له أن يجهر بالسوء من القول!
إن الغرب الَّذي يخطب هؤلاء التقريبيون ودَّه، لا يكف ليلَ نهار عن تشويه الإسلام في وسائل الإعلام والسخرية من أهله (٢)، ولا يعوزه للقيام بهذا الصد عن سبيل الله وجود تصرفات طائشة مرفوضة تتسم بالعنف والعدوان من بعض المنتسبين إلى الإسلام، كما لن يوقفه بالمقابل أطراح هؤلاء التقريبيين بين أيديهم في ضعة وانخذال؛ فتلك عقيدة راسخة، وطبيعة متأصلة في نفوسهم منذ فجر الإسلام: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا
стр. 300
النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (١)، ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ (٢).
إن كل جريمة ترتكبها مجموعة دينية أو عرقية أو ثورية في أنحاء العالم لا تنسب في لغة الإعلام الغربي إلى الدِّين الَّذي تنتمي إليه تلك المجموعة، أو حتَّى الفرد، إلَّا حين تصدر عن مسلمين، فيقال رأسًا: (الإرهاب الإِسلامي)، و (الإرهابيون المسلمون)، ولا يقال لجرائم الصرب الفظيعة في البوسنة وكوسوفا: (إرهاب أرثذوكسي)، ولا لعلميات الألوية الحمراء في إيطاليا: (إرهاب كاثوليكي)، ولا لتفجيرات الجيش السَّرِيّ الإيرلندي: (إرهاب بروتستانتي)، ولا لأعمال القمع الَّتي يمارسها الجيش الإسرائيلي يوميًا: (إرهاب يهودي)، بل لا يقال لمجازر الهنود القوميين، وهدمهم المساجد المسلمين: (إرهاب هندوسي)، ولا لعمليات الجيش الأحمر الياباني: (إرهاب بوذي). كما لا توصف حملات التشويه والتشهير الإعلامي ضد الإسلام في الغرب بالتطرف وعدم التسامح. ودعاة التقريب، بحكم ثقافاتهم الغربية غالبًا، يدركون هذه الحقائق جيدًا فلا يزيدهم ذلك إلَّا تقربًا إلى الخصم الَّذي لا يمل من الابتزاز.
إن تحسين صورة الإسلام في أذهان الغربيين، والناس أجمعين، وإبراز محاسن الإسلام، لا يكون إلَّا بالتمسك به، والتأدب بآدابه، والدعوة إليه، ولا يكون أبدًا بانتقاصه، واجتزائه، والتخلي عن شيء منه قربانًا إلى
стр. 301
الكافرين، وموالاةً لهم من دون المؤمنين.
يقول الأستاذ سيد قطب ﵀: "إن الذين يحاولون تمييع هذه المفاضلة الحاسمة باسم التسامح والتقريب بين الأديان السماوية يخطئون فهم معنى الآيات، كما يخطئون فهم معنى التسامح؛ فالدين هو الدين الأخير وحده عند الله، والتسامح يكون في المعاملات الشخصية، لا في التصور الاعتقادي، ولا في النظام الاجتماعي (١) " (٢).
الحريات العامة [إطلاقها على: الحقوق الشخصية، والعقدية، والفكرية، والسياسية، والاقتصادية]:
يقول الدكتور عبد الله الطريقي: "درج الكتاب المعاصرون على تسمية هذه الحقوق بالحريات، وأطلقوا عليها: الحريات العامة. ولكن هذا الإطلاق فيما يبدو لي محل نظر؛ لأمرين: أحدهما: أن المعنى اللغوي لا يساعد على هذا الاصطلاح؛ فإنها -أي الحرية- تعني: الخلوص من الرق، ويقال: ذهبٌ حر: أي خالص.
الثاني: أن أي أمر في الإسلام لا بد أن يكون عليه قيود وضوابط، وليست ثمة أمر مطلق متروكٌ لحرية الإنسان حتَّى في أمور الدُّنْيَا" (٣).
التخلق بأخلاق الله:
" من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم الشيخ: ع.
стр. 302
س. ح. سلمه الله وتولاه.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: كتابكم الكريم المؤرخ في ٢٣/ ٣ / ١٣٨٦ هـ وصل وصلكم الله بهداه، وما تضمنه من السؤال عما قاله بعض الخطباء في خطبة الجُمُعَة من الحث على الاتصاف بصفات الله والتخلق بأخلاقه: هل لها محمل؟ وهل سبق أن قالها أحد؟ … الخ. كان معلومًا.
والجواب: هذا التعبير غير لائق، ولكن له محمل صحيح؛ وهو الحث على التخلق بمقتضي صفات الله وأسمائه وموجبها، وذلك بالنظر إلى الصَّفات الَّتي يحسن من المخلوق أن يتصف بمقتضاها، بخلاف الصفات المختصة بالله؛ كالخلاق والرزاق والإله ونحو ذلك؛ فإنَّ هذا شيء لا يمكن أن يتصف به المخلوق، ولا يجوز أن يدَّعيه، وهكذا ما أشبه هذه الأسماء، وإنَّما المقصود: الصَّفات الَّتي يحب الله من عباده أن يتصفوا بمقتضاها؛ كالعلم والقوة والرحمة والحلم والكرم والجود والعفو … وأشباه ذلك، فهو سبحانه عليم يحب العلماء، قوي يحب المؤمن القوي أكثر من حبه للمؤمن الضعيف، كريم يحب الكرماء، رحيم يحب الرحماء، عفو تحب العفو .. الخ، لكن الَّذي لله سبحانه من هذه الصَّفات وغيرها أكمل وأعظم من الَّذي للمخلوق، بل لا مقاربة بينهما؛ لأنَّه سبحانه ليس كمثله شيء في صفاته وأفعاله، كما أنَّه لا مثل له في ذاته، وإنَّما حسب المخلوق أن يكون له نصيب من معاني هذه الصفات يليق به ويناسبه على الحدّ الشرعي، فلو تجاوز في الكرم الحدّ صار مسرفًا، ولو تجاوز في الرحمة الحدّ عطل الحدود والتعزيرات
стр. 303
الشرعية، وهكذا لو زاد في العفو على الحدّ الشرعي وضعه في غير موضعه، وهذه الأمثلة تدل على سواها، وقد نص العلّامة ابن القيِّم ﵀ على هذا المعنى في كتابيه: (عِدَّة الصابرين) و (الوابل الصيب)، ولعله نص على ذلك في غيرهما كالمدارج وزاد المعاد وغيرهما، وإليك نص كلامه في العدة والوابل، قال في العدة صفحة ٣١٠: (ولما كان سبحانه هو الشكور على الحقيقة كان أحب خلقه إليه من اتصف بصفة الشكر، كما أنَّ أبغض خلقه إليه من عطلها أو اتصف بضدها، ولهذا يبغض الكفور والظالم والجاهل والقاسي القلب، والبخيل والجبان والمهين واللئيم، وهو سبحانه جميل يحب الجمال، عليم يحب العلماء، رحيم يحب الراحمين، محسن يحب المحسنين، ستير يحب الستر، قادر يلوم على العجز، والمؤمن القوي أحب إليه من المؤمن الضعيف، عفو تحب العفو، وتر يحب الوتر، وكل ما يحبه من آثار أسمائه وصفاته وموجبها، وكل ما يبغضه فهو ممَّا يضادها وينافيها" ا هـ.
وقال في الوابل الصيب (ص ٥٤٣) من مجموعة الحديث: (والجود من صفات الرب ﷻ ؛ فإنَّه يعطي ولا يأخذ، ويُطعِم ولا يُطعَم، وهو أجود الأجودين، وأكرم الأكرمين، وأحب الخلق إليه من اتصف بمقتضيات صفاته،؛ فإنَّه كريم يحب الكرماء من عباده، وعالم يحب العلماء، وقادر يحب الشجعان، وجميل يحب الجمال) انتهى.
وأرجو أن يكون فيما ذكرناه كفاية، وحصول للفائدة، وأسأل الله سبحانه أن يوفقنا جميعًا للفقه في دينه والقيام بحقه إنَّه سميع قريب، والسلام
стр. 304
عليكم ورحمة الله وبركاته" (١).
عين الله الساهرة !
قال الشيخ إحسان العتيبي في نقده لكتاب "تربية الأولاد في الإسلام" لعبد الله علوان ﵀: "قوله: (الساهرة) خطأ؛ فلا ينبغي أن توصف بها صفة من صفات الله تعالى اللائقة بجلاله سبحانه؛ وهي صفة العين؛ لأن السهر لا يكون إلَّا في اللَّيْلِ، والسهر متعب لصاحبه، ويعقبه الحاجة للراحة في النهار، وكل ذلك -وخاصة أنَّه لا نص عند المثبت- منتفٍ في حقه " (٢).
الحمد لله الَّذي تحيرت العقول في مبدأ أنواره، وتاهت الألباب في صمديته وكنه ذاته:
" سئل الشيخ: عبد الرَّحمن بن حسن ﵀ عن قول الخطيب: الحمد لله الَّذي تحيرت العقول في مبدأ أنواره، وتاهت الألباب في صمديته وكنه ذاته.
فأجاب: هذه الألفاظ ابتدعها من تمسك بقول أهل الكلام الحادث المذموم؛ فإنهم الذين تاهوا وتحيروا في الإِيمان الَّذي دعت إليه الرسل، ونزلت به الكتب، وإلَّا فطريقة القرآن: حمد الله لنفسه بأسمائه وصفاته، وما يعرف به، ويوجب الإِيمان به، ومعرفته وإثبات ربوبيته وصفاته كماله، فهذا هو توحيد المعرفة والإثبات، الَّذي هو توحيد المرسلين؛ ودعوا به
стр. 305
الأمم إلى توحيد الإرادة والقصد، الَّذي هو توحيد الإلهية، فإنَّ الرب الَّذي أبدع خلقه ما يشاهدونه من عظيم مخلوقاته، وتعرف إليهم بذلك، وبما دلهم عليه من كمال صفاته، وتصرفه في مخلوقاته، هو الرب الَّذي لا يستحق العبادة غيره.
فالرسل وأتباع الرسل كمَّل الله إيمانهم بذلك العلم والعمل؛ فقد قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾: فحمد نفسه بما يوجب الإِيمان به ومعرفته من عظيم مخلوقاته، واستدل بأدلة ربوبيته على ما يستلزمه من إلهيته، فقال: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (١) فأنكر الشرك في حق من هذا وصفه، وإنكار الشرك يقتضي توحيد العبادة؛ بأن لا يراد غيره، ولا يقصد سواه، فانتظم ذلك نوعي التوحيد.
وقال: هو ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾ (٢) فحمد نفسه على إنزال الكتاب الَّذي هو أعظم نعمة أنعمها على أهل الأرض؛ وهو يقتضي الإِيمان بالكتب والرسل، وهو صراط الله المستقيم، الَّذي لا تزيغ به الأهواء؛ فهذا وأمثاله هو طريقة القرآن، محمد نفسه على ما يتعرف به إلى خلقه، ليعرفوه بذلك الَّذي أبدعه وأوجده وأنعم به، كقوله:
стр. 306
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١) الآية وأمثال هذا في القرآن.
وبتدبره والعلم به يحصل به كمال الإِيمان، وتنتفي الحيرة، ويحصل كمال الهداية، ويعصم القلوب أن تتيه في ربها وصفاته؛ فكل ما وصف به نفسه فلا حيرة فيه عند أهل الإِيمان الذين عرفوه بما تعرف به إليهم في كتابه، واطمأنت قلوبهم بالإيمان به، وجعلوه قصدهم ومرادهم.
وأمَّا أهل الجدل من أهل الكلام، فهم الذين تحيروا وتاهوا، كما أخبر بذلك نفر من متقدميهم، كما هو معروف لديكم بحمد الله" (٢).
أتوسل بصفات الله الكاملة الَّتي لا يعلمها إلَّا هو:
" كتب أحد تلاميذ الشيخ عبد الرَّحمن بن حسن ﵀ إليه كتابًا يهنئه بقدوم ابنه الشيخ عبد اللطيف من مصر، وتوسل إلى الله في دعائه، بصفاته الكاملة، الَّتي لا يعلمها إلَّا هو.
فكتب إليه قال: وذكرت في وسيلة دعوتك، جزاك الله أحسن الجزاء عن تلك الدعوات، قلت: وأتوسل إليك بصفاتك الكاملة، الَّتي لا يعلمها إلَّا أنت؛ فاعلم: أن الَّذي لا يعلمها إلَّا هو، كيفية الصفة؛ وأمَّا الصفة، فيعلمها أهل العلم بالله، كما قال الإِمام مالك: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول"، ففرَّق هذا الإِمام بين ما يُعْلم منه معنى الصفة، على ما يليق بالله، فيقال: استواء لا يشبه استواء المخلوق، ومعناه ثابت لله، كما وصف به نفسه، وأمَّا الكيف فلا
стр. 307
يعلمه إلَّا الله، فتنبه لمثل هذا، فالإمام مالك تكلم بلسان السلف" (١).
عبقرية محمد ﷺ :
قال الأستاذ أنور الجندي ﵀: "من الخطأ وصف نبينا محمد ﷺ بأنَّه عبقري بين عباقرة لا نبي ورسول بالمعنى الديني المعروف في الأديان المنزلة.
فالناشئ الَّذي يقرأ بعد عبقرية محمد عبقرية أبي بكر وعبقرية عمر مثلًا لا يمكن أن يَسْلَم من إيحاء خفي أنَّه عبقري من عباقرة وإن يكن أكبرهم جميعًا؛ كالذي سمى النَّبِيّ ﷺ بطل الأبطال، فأوهم أنَّه واحد من صنف ممتاز من النَّاس متجدد على العصور، بدلًا من صنف اختتم به ﷺ صنف الأنبياء والمرسلين من عند الله؛ فالنبي والرسول يأتيه الملك من عند الله بما يشاء الله من وحي ومن كتاب، ولا كذلك العبقري ولا البطل، فالنبوة والرسالة فوق البطولة والعبقرية بكثير، وكم من الصَّحابة رضوان الله عليهم من بطل ومن عبقري وكلهم يدين له ﷺ بأنَّه رسول الله إلى النَّاس كافة، في ذلك العصر وما بعده، وأنَّه خاتم النبيين" (٢).
العبثية:
تنطلق هذه اللفظة -أو الفكرة- كما يقول الأستاذ أنور الجندي ﵀ من القول بأن حياة الإنسان لا معنى لها ولا هدف، إلَّا الإلحاد. ويرى أصحابها أن وجود الإنسان على الأرض مجرد مأساة، وأمرًا غير مفهوم أو معقول". (٣).
стр. 308
وقد رد تعالى على هؤلاء الظانين ظن السوء بقوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ (١).
الرجل الأبيض:
يقول الأستاذ أنور الجندي ﵀: "من النظريات الَّتي يذيعها الاستعمار والتغريب، ويحاول أن يؤكدها في نظر الأمم الواقعة تحت نفوذه وسلطانه: القول بأن الرجل الأبيض -لا الإنسان عامّة- هو تاج الخليفة، وأن الغلبة له في كل صراع ينشب على وجه الأرض؛ سواء كان بينه وبين غيره من الأجناس الملونة، أو بينه وبين مظاهر الطبيعة كالجبال والغابات والبحار، أو بينه وبين الوحوش، ويرددون عبارة الكاتب الأمريكي شتانبيك: "الرجل الأبيض لا يغلب". وهم عندما يكتبون تاريخهم يبدؤونه بشعب أبيض هو شعب اليونان، وينقلون زعامة البشر بعده من أجناس بيضاء من: رومان وطليان وجرمان. فإذا ظهر شعب ملون وارتفع إلى مستواهم نظروا إليه بعين الَّذي يعتقد أنَّه الصعود الَّذي لا بد أن ينهار يومًا؛ لأنَّ أصحابه ليسوا من الجنس الأبيض، وقد كان ذلك موقفهم من اليابان.
ونظرية الجنس الأبيض لم تكن في الحقيقة إلَّا أسلوبًا من أساليب السيطرة عن طريق إخضاع بعض الأفكار الاستعمارية لمظهر علمي يخفي
стр. 309
وراءه أهواء الاستعمار، ويحاول أن يصورها بصورة الواقع المفروض، ويقلل من أهمية هذه النظرية تاريخيًا أن الدولة الرومانية سقطت في القرن الرابع الميلادي، وظلت أوربا أكثر من ألف عام تعيش ظلمات القرون الوسطى، بينما كانت أجناس أخرى ليست بيضاء تتولى مقاليد الحضارة الإنسانية وتذيعها في كل مكان، وتقيم مجتمعات من حدود الصين إلى حدود فرنسا وإيطاليا في قلب أوربا. وقد استطاعت هذه الحضارة أن تقدم للبشرية المنهج العلمي التجريبي، والجذور الأساسية لمختلف العلوم الطبية والطبيعية والكيميائية والفلكية الَّتي نماها الغرب بعد وأقام بها حضارته الحديثة. ومن هنا فإنَّ فكرة الجنس الأبيض نفسها لم تكن هي مصدر الحضارة.
هذا فضلًا عن أن هذا الاستعلاء باللون لم يكن يومًا من الأيام مصدرًا من مصادر التقدم أو الامتياز؛ فإنَّ الجنس الآري الَّذي يوصف بأنَّه الإنسان الأبيض قد وصل إلى أوربا قادمًا من قلب آسيا من فارس والهند. ومع ذلك فإنَّ شأنه في هذا يختلف عن شأنه هناك؛ وذلك لأن عوامل كثيرة ومختلفة هي الَّتي أعطت الأوربيين قيادة الحضارة في هذه المرحلة حين بلغ العرب والمسلمون مرحلة الضَّعف، والرجل الأبيض الَّذي "ورث" تراث العلم والحضارة العربية الإِسلامي قد استعلي في غطرسة وغرور عن أن يعترف بالفضل، وأنكر دور العرب والمسلمين، وحاول إطلاق كلمة العصور الوسطى المظلمة على العالم كله، وما زال ينظر إلى التاريخ من حيث بدأ في أوربا وينتهي بها. وتلك نظرة ظالمة بعيدة عن الإنصاف؛ تنكر حضارات
стр. 310
الأمم والشعوب المختلفة الَّتي سبقت وأثرت في مسيرة الحضارة البشرية الَّتي ليست هي نتاج الرجل الأبيض وحده، إلَّا أن يكون الرجل الأبيض هو وريثها والمتصرف فيها.
وقد كان الرجل الأبيض يدعي أنَّه ممدن البشرية، وأن سلطانه ونفوذه ليس إلَّا عملًا إنسانيا يستهدف تحضير الشعوب وتعميرها، واشتق اسم "الاستعمار" من التعمير. ولكن الشعوب رأت كيف كان الرجل الأبيض قاسيًا وظالمًا وعنيفًا، وأنَّه لم يكن ممدنًا بقدر ما كان مستعمرًا جشعًا يحرص على أن يمتلك كل شيء، وأن يسيطر على مختلف الخامات والثروات وينقلها إلى بلاده، دون أن يترك لأصحابها إلَّا الفتات القليل، وأنَّه كان حريصًا أن لا يقدم لهذه الشعوب من حضارته إلَّا الجوانب السلبية والبراقة، الَّتي تحمل جراثيم قتل الكيان والشخصية وتذويب القيم وتحطيم المعنويات؛ وذلك بقصد استدامة السيطرة، وإبقاء النفوذ، وإطالة أجل الاستعمار. وقد كشفت الأبحاث العلمية المنصفة خطأ نظرية الرجل الأبيض وتميزه عقليًا أو جسميًا، وتأكد أن ما حصل عليه من التقدم العلمي إنَّما هو تطور البشرية الطبيعي والجهد المشترك الَّذي ساهمت فيه مختلف العقول والقوى، وأن هذا التميز العلمي وحده ليس هو كل شيء في الحضارة، وإنَّما الحضارة قوى روحية ومادية، وأن العمل المادي الصرف منفصلًا عن الأخلاق والدين لم يحقق إلَّا أزمة العصر؛ أزمة العالم الَّذي كبر عقله وتوقف قلبه عن النمو، فباعد ما بين قوتيه الصانعتين لحياته.
وقد اتخذ الرجل الأبيض مفهوم روما القديم وطبَّقه في العصر الحديث؛
стр. 311
فأهل روما سادة، وما وراءها عُبَيْد، واستعمل قوته المادية وقدرته العلمية في غرور وتيه على الإنسان الملون، فأوجد التفرقة العنصرية، وحاول أن يقول بالحرية والمساواة والإخاء، فجعلها مقصورة على الأوربي والأبيض وحدهما، وأنكر حق الأجناس الملونة فيها، وبذلك أعطى البشرية ذلك الأسلوب المضطرب الَّذي أشقاها بالحضارة، وحول العلم إلى مجال الفتك والتدمير والصراع الذري النَّووي الرهيب، ولم يوجهه إلى منح الإنسانية الأمن بعد الشدة أو الغني بعد الفقر. وكان مصدر هذا الاضطراب جميعًا هو ذلك الفهم القائم على الغرور والاستعلاء؛ الفهم الَّذي يفرق بين الرجل الأبيض والرجل الملون، حيث تكشف حقائق التاريخ والعلم والاجتماع أن لا فروق عقلية أو جسمانية تميَّز جنسًا عن جنس ولا لونًا عن لون" (١).
القديم:
" تجري المحاولات التغريبية إلى دعوتنا -نحن وحدنا (العرب والمسلمين) - إلى ازدراء القديم وكراهيته، بل ويسارع فيقم لها الشبهات الَّتي تحمل طابع السخرية والأحتقار لهذا القديم، ولكنه مع الأسف يتناقض مع نفسه فلا يفعل ذلك مع القديم الغربي، بل على العكس من ذلك فهو يُعلي من شأن القديم عنده، بل ويحاول أن يُعلي من شأن هذا القديم الخاص به عندنا؛ فهو يدعونا إلى الأدب الإغريقي، ويحيط الدراسات الهلينية بهالة من الفخر، ويحاول أن يربط بيننا وبين اليونانية واللاتينية. وتقرر الأبحاث والدراسات التاريخية أن الغرب لم يجدد نفسه ولم يدخل عصر النهضة إلَّا من طريق
стр. 312
البعث والإحياء للإغريقيات واللاتينيات، فلماذا إذن هذا التنكر لتراثنا وقديمنا؟! ونحن نؤمن أن أي أمة لا تستطيع أن تذخل عصر النهضة إلَّا على أساس إحياء قديمها والارتباط به، ومن عجب أن الغرب قد أحيا تراثًا انفصل عنه ألف سنة، والصهيونية أحيت لغة انفصلت عنها ألفي سنة، ولكن المقاييس تختلف إذا جاءت للحكم على قديمنا وتراثنا الَّذي لم ينفصل عن أمتنا خلال أربعة عشر قرنًا متوالية متصلة، ولتستمع إلى عالم غربي هو كارل بيرسون يتحدث عن القديم:
إن من أقوى المؤثرات الَّتي تحفظ الثبات الاجتماعي وتحول دون تحلله تلك الصفة الَّتي نبغضها: صفة الجمود عليّ القديم، لا بل نقول إن العداء الصارخ الَّذي تقابل به الجماعات الإنسانية كل الفكرات الجديدة لمن أخص تلك المؤثرات، وهذه الصَّفات بمثابة الكور المتلظية نيرانه، والتي بدونه لا تستطيع أن تفصل بين المعدن الصحيح والفضلات الزائفة، وهي تحمي الجسم الاجتماعي من أن يترك معرضًا لتغيرات تجريبية فجائية غير مقيدة آنًا، أو بالغة أقصى الضرر آنًا آخر.
ويؤكد الباحثون أن الأمم الناهضة توازن بين روح القديم وروح الجديد، وتبني الجديد على أساس من القديم، وتجدد من القديم ما هو صالح وإيجابي، وترفض من الجديد ما هو غير صالح أو إيجابي أو يتفق مع كيانها ومزاجها وطابعها. وإن الدعوة إلى قطيعة القديم كالدعوة إلى تقبل كل جليد، وكلاهما معارض لناموس الوجود وسنة الحياة الَّتي تبني الجديد من مادة القديم.
فالتوازن بين القديم والحديث هو طابع النهضة الأصيلة، فإذا أهمل
стр. 313
القديم ضاعت مقومات الأمة وتعرض كيانها للخطر، واهتزت شخصيتها، وباتت معرضة لخطر الاحتلال، وإن كل دعوة إلى إنكار القديم إنَّما هي دعوة العدو، والمستعمر، وكل طابع في هدم هذه الأمة، والعمل على إفناء وجودها، ولوكانت الأمة العربية حرة لاستطاعت أن تقف موقف الإنصاف من تراثها، ولكنها واقعة تحت عواصف شديدة من الغزو الثقافي ودعوات التخريب المنبعثة من داخل الأمة نفسها، ومصدرها معاهد الإرساليات التبشيرية الَّتي تحاول أن تخدم أهداف المستعمر والنفوذ الأجنبي.
ونحن نحاول أن نجد مثل هذه الدعوة إلى تدمير القديم وسحقه والتشكيك في آداب الأمم الغربية فلا نجد، وإنَّما نجد عكس ذلك؛ حرصًا شديدًا واستماتة في الربط بين القديم والجديد، وبين تراث الوراقة والحي" (١).
الكتب الصفراء:
" أطلقت عبارة (الكتب الصفراء) على كتب التراث العربي الإِسلامي لأنها كانت مطبوعة في العصور الأخيرة على الورق ذي اللون الأصفر، بيد أن هذه التسمية إنَّما كانت محاولة للسخرية بهذا اللون من الكتب وتحقيرًا له، بينما تمثل الكتب الصفراء عملًا مجيدًا بالغ الأهمية في تاريخ الحضارة الإِسلامية والفكر الإنساني.
ولقد كانت هذه الكتب الصفراء مصدر تنافس خطير بين الغربيين الذين نقلوها إلى بلادهم، وكانت مصدرًا للنهضة العلمية والفكرية المعاصرة، بل لقد بذل المستعمرون منذ وردوا العالم الإِسلامي جهودًا ضخمة في الحصول
стр. 314
على ألوف المخطوطات والكتب المدفونة في المساجد القديمة، ونقلوها حتَّى عمرت بها مكتبات باريس وبرلين ولندن.
ولقد جهل المسلمون والعرب قدر هذه الثروة الضخمة وتحاموها فترة طويلة تحت ضغط الدعوات المضللة الَّتي كانت تدعوهم إلى النظر إليها بعين الاحتقار إزاء المؤلفات الغربية الحديثة الباهرة المظهر، ولكنهم عادوا من بعد إلى إيمان عميق بترائهم، وانتقل كثير من أعلامهم إلى خزائن الكتب الغربية يصورون هذه المؤلفات وينقلونها إلى وطنها مرَّة أخرى.
ولقد حوت هذه الكتب الصفراء دررًا من العلم والفكر، وخاصة كتب الفقهاء الَّتي ضمت عشرات من حلول القضايا والمعضلات، وكتب التاريخ الَّتي جمعت مئات المواقف وتراجم الأبطال، وكتب الكيمياء والطب والعلوم الطبيعية المختلفة الَّتي قامت عليها نهضة أوربا الحديثة، والتي كشفت للغربيين: "أصول المنهج العلمي التجريبي الإِسلامي".
وما تزال هذه الكتب الصفراء مرجعًا ثريًا للمسلمين والعالم كله، بما حوت من تراث ضخم حي، لم يستطع المعاصرون استيعابه والانتفاع به" (١).
المهندس الأعظم: [وصف الله بها]:
قال الأستاذ أنور الجندي ﵀: "أمَّا كلمة (المهندس الأعظم) فهي من التسميات الباطلة الَّتي فرضتها (الماسونية) كصفة لله ﵎. والحقيقة كما يفهمها المسلمون تقرر بأن الله ﵎ هو خالق كل
стр. 315
شيء من العدم، ومالك كل شيء، والمتصرف في كل شيء، وله الخلق والأمر، ولذلك فإنَّ وصفه بكلمة المهندس الأعظم لا تمثل حقيقة، ونحن مأمورون بألا نسمي الحق ﵎ إلَّا بأسمائه الحسنى" (١).
النرفانا:
قال الأستاذ أنور الجندي ﵀: "إن كلمة: (النرفانا) تصور الإنسان وقد وصل إلى مرحلة التشبع، وعدم الحاجة إلى شيء من الدُّنْيَا، وهو مفهوم ضال مضل، لا يقره الإسلام الَّذي ينهي عن الرهبانية والوثنية جميعًا" (٢).
الخطيئة والتكفير:
يقول الأستاذ أنور الجندي ﵀: "إننا كمسلمين لا ينبغي لنا أن نستعمل كلمات: الخطيئة، أو الفداء، أو الصلب، أو الخلاص، وهي ليست كلمات عربية، ولكنها كلمات يونانية دخيلة، ولنا كمسلمين في تقديرها مفهوم خاص؛ فالمسلم لا يؤمن بما يسمى الخطيئة الأصلية، أو الفداء، أو الصلب؛ ذلك لأنَّ السيد المسيح ﵇ لم يصلب: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ (٣). وإن فكرة أنَّه افتدى البشر بسبب خطيئة آدم ليست إلَّا من الأفكار الواغلة في الوثنية، الَّتي نقلها شراح المسيحية من عقائد قديمة، ولم تكن من رسالة السيد المسيح المنزلة" (٤).
стр. 316
وقال الأستاذ محمود شاكر ﵀ في رده على من دافع عن النصراني المصري لويس عوض: "وقبل أن أبدأ في بيان ما أريدُ من خطر هذه الكلمات المختلطة التي تُلقى بلا حساب، أحبُّ أن أسأل سؤالا، لا أوجهه إلى الدكتور مندور، بل لكل من لا يدينُ بالإسلام من المواطنين: ما الذي يجرح مشاعرَ أحدٍ منهم إذا قلنا: إن لفظ "الخطيئة"، و"الخلاص"، و"الفداء"، و"الصلب" -وهي ألفاظ ذات دلالات واضحة في العقيدة المسيحية- ليست لها هذه الدلالات عندنا نحن المسلمين، وليس لها تاريخ أو أثر في حياتنا، كتاريخها وأثرها في حياتهم، وأن المسلم إذا استعملها، فإنه يستعمل ألفاظًا لا تؤدّي معنى واضحًا في نفسه؟ وبلا ريب، لا يستطيع مجيبٌ أن يقول: إن هذه المقالة تجرحني وتؤذي مشاعري! فإنه عندئذ يكون متجنيًا أكبر التجنّي في إلزام من لا يدين بدينه أن يدين بمدلولات ألفاظ لا أصل لها في عقيدته. أليس كذلك؟ فاستخدام الدكتور مندور "أسلوب الحكيم" في عرض هذه المسألة ضربٌ من المغالطة، وتحويل للأمر كُلّه عن مُستَقِرِّه، وإدخالٌ للسفسطة في مقام لا يحسنُ فيه إلا صريح العقل والمنطق. وإذا جاز للدكتور مندور أن يقول هذا للمسلمين، حتى ينتهوا عن إنكار ذلك على مَن يستعمله، لجاز أيضًا لمن يعكس الأمور من المسلمين أن يقول لأهل المسيحية: أرجوكم أن لا تستعملوا لفظ "الخطيئة"، و "الخلاص"، و "الفداء"، و "الصلب"؛ لأن ذلك يجرح مشاعر المسلمين؟ أمن العدل أن يطالب أحدٌ نصرانيًا بمثل هذه الحجة المتهافتة؟ هذا خَلفٌ من القول رديء.
стр. 317
وأمر الدين أمرٌ جلل لا يقضي فيه الدكتور مندور او لويس عوض أو غيرهما بما يشتهي هو ويحبُّ، بألفاظٍ يراها هو داَّلة على معنىً مفهوم، وهي لا دلالة لها إلا على سوء تصور الأمور المشكلة التي تُفضي إلى أكبر الأخطار. فقول الدكتور مندور: (إننا نحن المسلمين نعتبر جميع الديانات السماوية جزءًا من تراثنا الروحي للبشرية جمعاء)، قول لا يقوم على ساقٍ صحيحة ولا ساق عرجاء، وليس يصحُّ له أن يُذيعَ مثل هذا على الناس، بلا احتفالٍ ولا تقدير لدلالاته، وأقل ما فيه من الخطأ أن قائله لا يحسن أن يفرق بين معنى "الديانة" كما يعرفها كل ذي دين، وبين معنى "الكتاب" الذي أنزله الله على نبيّ من أنبيائه؛ فالمسيحي مثلًا، لا يعدُّ الديانة اليهودية ولا الديانة الإسلامية جزءًا من تراثه الروحي، وإلا انتقض عليه دينه، واليهودي أيضًا لا يعد الديانة المسيحية، ولا الديانة الإسلامية جزءًا من تراثه الروحي، وإلا انتقض عليه دينه، وكذلك المسلم لا يعد الديانة اليهودية ولا الديانة المسيحية جزءًا من تراثه الروحي، وإلا انتقض عليه دينه؛ لأن كل ديانة من هذه الثلاثة عقيدة شاملةٌ منتزعة من كتابها كما هو عندها، وكما تفسرّه، وكل عقيدة منها تنقض كثيرًا من عقائد الديانتين الأخريين، فغير معقول بوجهٍ من الوجوه أن تعد شيئًا مما تنقضه جُزءًا من تراثها الروحي، إلا إذا كان معنى "التراث الروحي" متَّسِعًا للتناقض الذي لا يقبله عقل عاقل!!
فنحن المسلمين إنما أُمِرْنا أن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وأن الله تعالى أنزل التوراة على موسى ﵇، وأنزل الإنجيل على عيسى ابن مريم ﵇، وأنزل القرآن على محمد ﷺ بالحق مصدِّقًا لما بين يديه
стр. 318
من الكتاب ومهيمنًا عليه؛ أي شاهدًا عليها أنها حق من عند الله، أمينًا عليها، حافظًا لها؛ فما وافق القرآن فهو الحق، وما خالفه فالله حاكم بيننا وبينهم فيه يوم القيامة، وهذا بلا ريبٍ صريح المعقول. أما أن يكون ما وافق القرآن وما خالفه جميعًا جزءًا من التراث الروحي للمسلمين وغير المسلمين، فهذا إبطالٌ لقضية الدين كُلِّها، ويكون معناهُ عندئذٍ أن تنمحي جميع الفروق بين الديانات، وخيرٌ للناس يومئذٍ أن يعترفوا جميعًا ببطلان دياناتهم، ويلتمسوا لأنفسهم دينًا آخر يجتمعون عليه، وهذا شيء لا يقول به أحدٌ من أهل الأديان.
وندعُ هذا الخلط في كلام الدكتور مندور، إلى دلالة الألفاظ التي سبق أن ذكرت في مقالتي الخامسة: أن لويس عوض منذ ملأه مالئه في: "الخلوة المشهودة بين أشجار الدردار عند الشلال بكامبردج"، ثم أطلقه خلال الأدب عامّة، والآداب العربية خاصة، لا يكاد يرى في سماديره إلا "الصليب"، و"الخلاص"، و"الفداء"، و"الخطيئة". ولا يكاد يرى ما يكتبه الكتاب والشعراء؛ كتوفيق الحكيم، ونجيب محفوظ وصلاح عبد الصبور، وغيرهم، إلا مقرونًا بهذه العقائد، وهذه الألفاظ هي نفس الألفاظ التي جاءت في مقال الدكتور مندور، وأفتى فيها بما أفتي!!
وهذه الألفاظ الأربعة ينبغي أن تدرس بلا غموض ولا إبهام، كما يحاول ذلك من يحاول من صبيان المبشرين، وبلا استهانة بدلالاتها كما يحلو ذلك للدكتور مندور وغيره ممن يعدُّها رموزًا لثُراثٍ روحي، لا بأس على المسلم في استعمالها. كلا! إن على المسلم كل البأس؛ لأنه طريقٌ محفوفٌ بالمخاطر،
стр. 319
لمن صدق نفسه، وعرف حُرْمة الكلمة كيف تقال، وكيف تفسَّر، وكيف توضع في موضعها.
وترتيب هذه الكلمات الأربعة في دلالتها عند القوم يأتي هكذا: "الخطيئة"، ثم "الفداء"، ثم "الصلب"، ثم "الخلاص".
وتلخيص معنى هذه الألفاظ الأربعة في العقيدة المسيحية: أن الله لما خلق آدم من تراب وقال له: ﴿يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (١) فأزلهما الشيطان عنها، فبهذه المعصية كما نقول نحن، وهي "الخطيئة" عند النصارى، أصبحا هما وذريتهما تحت سلطان هذه الخطيئة، لا ينفكّون منها، واستحق البشر جميعًا، بخطيئة والديهم، عقاب الآخرة وهلاك الأبد، وهذا هو ناموس العدل الذي لا يتغيَّر، يستحقه من عصى الله سبحانه عندهم، ومن ورث خطيئة آدم وزوجه؛ فإن عاقب الله آدم وذريته على خطيئتهم بهلاك الأبد، فذلك ما يوجبه ناموس عدله في حكمه، ولكن ناموس رحمته يستوجب العفو عنهم، فناقض ناموس العدل ناموس الرحمة، فتطلَّب الأمر شيئًا يجمع بين الرحمة والعدل، فكانت الفِديَة التي يتم بها ناموس العدل، ويتحقق بها ناموس الرحمة، ولكن ينبغي أن تكون الفِدْية طاهرة غير مدنّسة، وليس في الكون ما هو طاهرٌ بلا دنس إلا الله ، ولكن تعالى الله عن أن يكون فِدَيةٌ، فأوجبت المشيئة أن يتخذ جسدًا يتَّحد
стр. 320
فيه اللاهوت والناسوت، فاتَّحدا في بطن امرأة من ذُرِّية آدم هي مريم، فيكون ولدها إنسانًا كاملًا من حيث هو ولدها، وكان الله -تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا- في الجسد إلهًا كاملًا، فكان المسيح الذي أتى ليكون فدية خلقه، وهذا هو "الفداء"، ثم احتمل هذا الإنسان الكامل والإله الكامل أن يقدم ذبيحة، ليكون ذبحه تمزيقًا لصكِّ الدينونة المصلت على رأس بني آدم، فمات المسيح على الصليب، فاستوفي ناموس العدل بذلك حقَّه، واستوفي ناموس الرحمة بذلك حقه، وهذا هو "الصلب"، وكان احتمال ذلك كله كفارةٌ خطايا العالمين، تخلّصهم من ناموس هلاك الأبد، وهذا هو "الخلاص". ولما كان البشر كلهم خُطاةً بخطيئة أبيهم آدم وأمهم، فهم هالكون هلاك الأبد، ولا ينجيهم من عقاب الشريعة الإلهية العادل المخيف، سوى إيمانهم بالمسيح الفادي، وبحضوره في كل وقت في قلوب المؤمنين، في الفرح والحزن، والشقاء والسعادة، فهو الذي يؤازرهم بما يحتاجون إليه من العون والحكمة، ويخلصهم من ثقل الخطيئة، وينجيهم من العقوبة المستحقة عليهم منذ كانت الخطيئة الأولى.
وهذه "الألفاظ الأربعة" لا تعامل معاملة أشباهها، من جهة دلالتها على عقيدة متكاملة؛ فالخطيئة، في لغة العرب الجاهلين، ثم في لغة المسلمين، لا تحمل شيئًا من معانيها ولوازمها في لغة النصارى، وإن كان اللفظ واحدًا، ومعصية آدم عندنا معصية كسائر المعاصي؛ تمحوها التوبة، وخطيئة كسائر خطايا الناس؛ تغسلها المغفرة ممن يملك المغفرة، وهو الله سبحانه، وقد بين