← Акыда

Акыда · id 895

المستدرك على معجم المناهي اللفظية

سليمان الخراشي

Полный текст (423 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وقال الأستاذ محمود شاكر ﵀ في رده على من دافع عن النصراني المصري لويس عوض: "وقبل أن أبدأ في بيان ما أريدُ من خطر هذه الكلمات المختلطة التي تُلقى بلا حساب، أحبُّ أن أسأل سؤالا، لا أوجهه إلى الدكتور مندور، بل لكل من لا يدينُ بالإسلام من المواطنين: ما الذي يجرح مشاعرَ أحدٍ منهم إذا قلنا: إن لفظ "الخطيئة"، و"الخلاص"، و"الفداء"، و"الصلب" -وهي ألفاظ ذات دلالات واضحة في العقيدة المسيحية- ليست لها هذه الدلالات عندنا نحن المسلمين، وليس لها تاريخ أو أثر في حياتنا، كتاريخها وأثرها في حياتهم، وأن المسلم إذا استعملها، فإنه يستعمل ألفاظًا لا تؤدّي معنى واضحًا في نفسه؟ وبلا ريب، لا يستطيع مجيبٌ أن يقول: إن هذه المقالة تجرحني وتؤذي مشاعري! فإنه عندئذ يكون متجنيًا أكبر التجنّي في إلزام من لا يدين بدينه أن يدين بمدلولات ألفاظ لا أصل لها في عقيدته. أليس كذلك؟ فاستخدام الدكتور مندور "أسلوب الحكيم" في عرض هذه المسألة ضربٌ من المغالطة، وتحويل للأمر كُلّه عن مُستَقِرِّه، وإدخالٌ للسفسطة في مقام لا يحسنُ فيه إلا صريح العقل والمنطق. وإذا جاز للدكتور مندور أن يقول هذا للمسلمين، حتى ينتهوا عن إنكار ذلك على مَن يستعمله، لجاز أيضًا لمن يعكس الأمور من المسلمين أن يقول لأهل المسيحية: أرجوكم أن لا تستعملوا لفظ "الخطيئة"، و "الخلاص"، و "الفداء"، و "الصلب"؛ لأن ذلك يجرح مشاعر المسلمين؟ أمن العدل أن يطالب أحدٌ نصرانيًا بمثل هذه الحجة المتهافتة؟ هذا خَلفٌ من القول رديء.

стр. 317

وأمر الدين أمرٌ جلل لا يقضي فيه الدكتور مندور او لويس عوض أو غيرهما بما يشتهي هو ويحبُّ، بألفاظٍ يراها هو داَّلة على معنىً مفهوم، وهي لا دلالة لها إلا على سوء تصور الأمور المشكلة التي تُفضي إلى أكبر الأخطار. فقول الدكتور مندور: (إننا نحن المسلمين نعتبر جميع الديانات السماوية جزءًا من تراثنا الروحي للبشرية جمعاء)، قول لا يقوم على ساقٍ صحيحة ولا ساق عرجاء، وليس يصحُّ له أن يُذيعَ مثل هذا على الناس، بلا احتفالٍ ولا تقدير لدلالاته، وأقل ما فيه من الخطأ أن قائله لا يحسن أن يفرق بين معنى "الديانة" كما يعرفها كل ذي دين، وبين معنى "الكتاب" الذي أنزله الله على نبيّ من أنبيائه؛ فالمسيحي مثلًا، لا يعدُّ الديانة اليهودية ولا الديانة الإسلامية جزءًا من تراثه الروحي، وإلا انتقض عليه دينه، واليهودي أيضًا لا يعد الديانة المسيحية، ولا الديانة الإسلامية جزءًا من تراثه الروحي، وإلا انتقض عليه دينه، وكذلك المسلم لا يعد الديانة اليهودية ولا الديانة المسيحية جزءًا من تراثه الروحي، وإلا انتقض عليه دينه؛ لأن كل ديانة من هذه الثلاثة عقيدة شاملةٌ منتزعة من كتابها كما هو عندها، وكما تفسرّه، وكل عقيدة منها تنقض كثيرًا من عقائد الديانتين الأخريين، فغير معقول بوجهٍ من الوجوه أن تعد شيئًا مما تنقضه جُزءًا من تراثها الروحي، إلا إذا كان معنى "التراث الروحي" متَّسِعًا للتناقض الذي لا يقبله عقل عاقل!! فنحن المسلمين إنما أُمِرْنا أن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وأن الله تعالى أنزل التوراة على موسى ﵇، وأنزل الإنجيل على عيسى ابن مريم ﵇، وأنزل القرآن على محمد ﷺ بالحق مصدِّقًا لما بين يديه

стр. 318

من الكتاب ومهيمنًا عليه؛ أي شاهدًا عليها أنها حق من عند الله، أمينًا عليها، حافظًا لها؛ فما وافق القرآن فهو الحق، وما خالفه فالله حاكم بيننا وبينهم فيه يوم القيامة، وهذا بلا ريبٍ صريح المعقول. أما أن يكون ما وافق القرآن وما خالفه جميعًا جزءًا من التراث الروحي للمسلمين وغير المسلمين، فهذا إبطالٌ لقضية الدين كُلِّها، ويكون معناهُ عندئذٍ أن تنمحي جميع الفروق بين الديانات، وخيرٌ للناس يومئذٍ أن يعترفوا جميعًا ببطلان دياناتهم، ويلتمسوا لأنفسهم دينًا آخر يجتمعون عليه، وهذا شيء لا يقول به أحدٌ من أهل الأديان. وندعُ هذا الخلط في كلام الدكتور مندور، إلى دلالة الألفاظ التي سبق أن ذكرت في مقالتي الخامسة: أن لويس عوض منذ ملأه مالئه في: "الخلوة المشهودة بين أشجار الدردار عند الشلال بكامبردج"، ثم أطلقه خلال الأدب عامّة، والآداب العربية خاصة، لا يكاد يرى في سماديره إلا "الصليب"، و"الخلاص"، و"الفداء"، و"الخطيئة". ولا يكاد يرى ما يكتبه الكتاب والشعراء؛ كتوفيق الحكيم، ونجيب محفوظ وصلاح عبد الصبور، وغيرهم، إلا مقرونًا بهذه العقائد، وهذه الألفاظ هي نفس الألفاظ التي جاءت في مقال الدكتور مندور، وأفتى فيها بما أفتي!! وهذه الألفاظ الأربعة ينبغي أن تدرس بلا غموض ولا إبهام، كما يحاول ذلك من يحاول من صبيان المبشرين، وبلا استهانة بدلالاتها كما يحلو ذلك للدكتور مندور وغيره ممن يعدُّها رموزًا لثُراثٍ روحي، لا بأس على المسلم في استعمالها. كلا! إن على المسلم كل البأس؛ لأنه طريقٌ محفوفٌ بالمخاطر،

стр. 319

لمن صدق نفسه، وعرف حُرْمة الكلمة كيف تقال، وكيف تفسَّر، وكيف توضع في موضعها. وترتيب هذه الكلمات الأربعة في دلالتها عند القوم يأتي هكذا: "الخطيئة"، ثم "الفداء"، ثم "الصلب"، ثم "الخلاص". وتلخيص معنى هذه الألفاظ الأربعة في العقيدة المسيحية: أن الله لما خلق آدم من تراب وقال له: ﴿يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (١) فأزلهما الشيطان عنها، فبهذه المعصية كما نقول نحن، وهي "الخطيئة" عند النصارى، أصبحا هما وذريتهما تحت سلطان هذه الخطيئة، لا ينفكّون منها، واستحق البشر جميعًا، بخطيئة والديهم، عقاب الآخرة وهلاك الأبد، وهذا هو ناموس العدل الذي لا يتغيَّر، يستحقه من عصى الله سبحانه عندهم، ومن ورث خطيئة آدم وزوجه؛ فإن عاقب الله آدم وذريته على خطيئتهم بهلاك الأبد، فذلك ما يوجبه ناموس عدله في حكمه، ولكن ناموس رحمته يستوجب العفو عنهم، فناقض ناموس العدل ناموس الرحمة، فتطلَّب الأمر شيئًا يجمع بين الرحمة والعدل، فكانت الفِديَة التي يتم بها ناموس العدل، ويتحقق بها ناموس الرحمة، ولكن ينبغي أن تكون الفِدْية طاهرة غير مدنّسة، وليس في الكون ما هو طاهرٌ بلا دنس إلا الله ، ولكن تعالى الله عن أن يكون فِدَيةٌ، فأوجبت المشيئة أن يتخذ جسدًا يتَّحد

стр. 320

فيه اللاهوت والناسوت، فاتَّحدا في بطن امرأة من ذُرِّية آدم هي مريم، فيكون ولدها إنسانًا كاملًا من حيث هو ولدها، وكان الله -تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا- في الجسد إلهًا كاملًا، فكان المسيح الذي أتى ليكون فدية خلقه، وهذا هو "الفداء"، ثم احتمل هذا الإنسان الكامل والإله الكامل أن يقدم ذبيحة، ليكون ذبحه تمزيقًا لصكِّ الدينونة المصلت على رأس بني آدم، فمات المسيح على الصليب، فاستوفي ناموس العدل بذلك حقَّه، واستوفي ناموس الرحمة بذلك حقه، وهذا هو "الصلب"، وكان احتمال ذلك كله كفارةٌ خطايا العالمين، تخلّصهم من ناموس هلاك الأبد، وهذا هو "الخلاص". ولما كان البشر كلهم خُطاةً بخطيئة أبيهم آدم وأمهم، فهم هالكون هلاك الأبد، ولا ينجيهم من عقاب الشريعة الإلهية العادل المخيف، سوى إيمانهم بالمسيح الفادي، وبحضوره في كل وقت في قلوب المؤمنين، في الفرح والحزن، والشقاء والسعادة، فهو الذي يؤازرهم بما يحتاجون إليه من العون والحكمة، ويخلصهم من ثقل الخطيئة، وينجيهم من العقوبة المستحقة عليهم منذ كانت الخطيئة الأولى. وهذه "الألفاظ الأربعة" لا تعامل معاملة أشباهها، من جهة دلالتها على عقيدة متكاملة؛ فالخطيئة، في لغة العرب الجاهلين، ثم في لغة المسلمين، لا تحمل شيئًا من معانيها ولوازمها في لغة النصارى، وإن كان اللفظ واحدًا، ومعصية آدم عندنا معصية كسائر المعاصي؛ تمحوها التوبة، وخطيئة كسائر خطايا الناس؛ تغسلها المغفرة ممن يملك المغفرة، وهو الله سبحانه، وقد بين

стр. 321

الله ذلك في قوله: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (١) فكانت توبة آدم ماحية لمعصيته في الدنيا والآخرة، لا تستتبع عقوبة باقية، وأن الله سبحانه كتب في صحف إبراهيم وموسى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٢) فلا يرث مولود خطيئة والدٍ: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ (٣). فهذا ينقض على المسلم استعماله لفظ "الخطيئة" بمدلولها في الديانة المسيحية؛ لأن هذا الضرب من "الخطيئة" لا أصل له في عقيدته، بل هو منهيٌ أن يعتقد توارُثَ الخطيئة؛ لأنه إذا اعتقد ذلك كذّب خبر الله في كتابه بأن لا تزر وازرة وِزرَ أخرى، وتكذيب خبر الله واعتقاد خلافه كُفرٌ مجرَّدٌ لا يختلف في ذلك أحدٌ من المسلمين، ولا العقلاء عامة، مسلمين أو غير مسلمين. وإذا بطل أن يكون للفظ "الخطيئة" عند المسلمين معنى يحمله، كالذي هو عند النصارى، بطل أن تحتاج معصية آدم إلى فدية تتطلبها ضرورة الجمع بين الرحمة والعدل. و"الفداء" بالمعنى الذي تدل عليه عقيدة النصاري غير

стр. 322

مفهوم عند أحدٍ من المسلمين، ولا يرى ما يستوجبه؛ إذ لم تكن الخطيئة عندهم متوارثة في الذرية، وأما ما أستوجب معنى الفداء من ألوهية المسيح وبنوته الله -تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا- فإن الطفل الصغير يقرأ في أول ما يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ (١) ثم يتعالى حتى يقرأ بعد ذلك: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (٢)، إلى آيات كثيرة بهذا المعنى، فاستحال أن يكون ذلك من عقيدة أحد من المسلمين، وإذا استحال هذا، استحال ما يوجب معنى "الفداء"، ولا يبقى لهذا اللفظ سوى المعنى اللغوي العربي المشهور. وإذا بطل هذان المعنيان لهذين اللفظين: "الخطيئة"، و"الفداء"، على الوجه الذي هو من عقيدة النصارى وديانتهم، لم يكن للفظ "الصلب" بعد ذلك أي معنى، سوى المعنى اللغوي المشهور، سواء كان المسيح قد صلب كما يعتقد النصارى، أو لم يصلب كما يعتقد المسلمون، بما أنباهم الله ؛ إذ يقول في كتابه الكريم حين ذكر اليهود وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي

стр. 323

شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (١). وإذا استحال أن يكون لهذه الألفاظ الثلاثة معنى عند مسلم يعتقد صدق ما أنزل على رسول الله ﷺ ربُّه من القرآن، استحال أن يكون للفظ "الخلاص" معني مفهوم عنده، على الوجه الذي يعتقده مَن يدين بالنصرانية وعقائدها. وإذا استحال أن يكون لهذه الألفاظ الأربعة: "الخطيئة" ثم "الفداء" ثم "الصلب"، ثم "الخلاص"، معني عند المسلم على الوجه الذي تدلّ عليه عند أصحابها، فكيف تكون جزءًا من تراثه الروحي؟ أهذا كلام يُعقل، كلاّ بلا ريب، لا يعقله مسلم ولا نصراني ولا مجوسي، ولا ما شئت من أصحاب العقائد والديانات، ولا يخرج عن أن يكون سُخفًا لا يُستغفل بمثله النصاري إرادة أن نستلب مودتهم. ولن يؤذيهم ويجرح مشاعرهم أن نكون صُرحاء في التعبير عن وجوه الخلاف بينا وبينهم في العقيدة، ولكن ربما آذاهم أن نتخذ ألفاظ عقيدتهم لهوًا، بإدخالها في باب المداهنة السخيفة التي لا تدل على عاطفة صحيحة، بل على آفةٍ شديدة في هذه العاطفة، وكيف لا يؤذيهم وهم يعرفون أننا نقول لهم شيئًا فيما يمسُّ عقائدهم، ونحنُ نبطن شيئًا غيره، بل نبطن في الحقيقة إنكاره وتكفير القائل به، إن هذا الفعل أقرب إلى السخرية بهم والاستهزاء بعقولهم، وهذا بيان كاف في هذا الأمر إن شاء الله.

стр. 324

أما مسألة استخدام الشعر الجديد لهذه الألفاظ الأربعة، فلا بد من تحديد وجهة النظر إلى هذا الموضوع؛ فالشعر تراثٌ عام في كل لغة من اللغات وسواء كان المتكلم بهذه اللغة مُشركًا، أم يهوديًا، أم نصرانيًا، أم مجوسيًا، أم مسلمًا، أم جاحدًا لذلك كله كافرًا به، فمن حقه أن يستخدم شعر اللغة للبيان عما في نفسه، لا يملك أحدٌ أن يدفعه عن ذلك، وليس يجعل شعرهُ حسنًا أن يكون اعتقادُ الشاعر حسنًا عند قارئه، ولا يجعله سيئًا أن يكون اعتقاد الشاعر سيئًا عند قارئه، فالشعر هو كما قالت أم المؤمنين عائشة ﵂: "الشعر كلام، فحسنهُ حسنٌ، ورديئه رديء، فخذ الحسن واترك الرديء". وإذا كان الأمر كذلك، فليس يعيب شعرًا يقوله نصراني أن يأتي فيه بألفاظ أهل ملته، ما دام صادقًا في التعبير عن نفسه بكلام جيد يدخل في باب الشعر، وتأتي على النفوس أزمان وأحوال تكون بعض ألفاظ العقيدة كأنها جوٌّ شاملٌ محيط بالنفس الإنسانية، عميقٌ الوخز فيها، شديد التفجير لها من نواحيها، فتجري الألفاظ عندئذ في مدِّ النفس، تلوح معبرة عن معان مختزنة من تجارب القرون التي عاشت بهذه العقيدة، ومن التجربة الحديثة التي نبعت وانبثقت في نفس هذا الشاعر أو ذاك، فالنصراني المعتقد في "خطيئة" أبيه آدم أنها خطيئة لا تمحوها توبة، وأنه ورث هذه الخطيئة في دمه، وأن نكال الهلاك الخالد جاثم على روحه، إذا استدفعه الإحساس الطاغي الصادق إلى الإبانة عن كل ما في نفسه من تراث دينه وعقيدته وثقافته، فذكر بعد ذلك "الفداء"، و"الصلب"، و"اخلاص"، في حق موضعه من الشعر، فقد أحسن غاية الإحسان في الإبانة عن نفسه، وعسى أن يقرأه

стр. 325

المسلم وغير المسلم، ممن شم طرفًا من معرفة عقائد النصرانية، فيهتزَّ لهذا الشعر اهتزازه لأي شعر آخر، ضُمِّن بيانًا مشرقًا عن إحساس صحيح نابض، وأظن أن الذين يتكلمون في "معركة الشعر"، لم يريدوا قط أن يحجروا على النصارى أن يقولوا من جيِّد شعرهم ما جادت قرائحهم بالجيد من الشعر، ولم يستنكروا على ذي عقيدة أن تجري ألفاظ عقيدته في شعره. ولكن الشيء العجيب المحير، هو أن كثيرًا من رُوَّاد الشعر الحديث في السنوات الأخيرة، قد أوغلوا في استخدام هذه الألفاظ الأربعة، وقليل من أشباهها في شعرهم، وهم جميعا مسلمون!! فالأمر عندئذٍ يوجب إعادة النظر. أهؤلاء جميعًا قد تواطأوا على استعمال هذه الألفاظ الأربعة بدلالتها اللغوية المجردة، أم بدلالتها التي تتطلبها العقيدة المسيحية: مترابطة متواصلة لا ينقطع حبل معانيها المتداعية من "الخطيئة" إلى "الفداء"، إلى "الصلب"، إلى "الخلاص" كما أسلفت بيانه؟ فإذا كانوا قد تواطأوا على استعمالها بدلالتها اللغوية المجردة فما الذي ألزمهم هذه الألفاظ الأربعة، ولم يضعوا مكان الخطيئة مثلا "الإثم"، أو "الذنب" أو "الحُوب" أو "المعصية"، أو "الزلَّة" أو ما شئت؟ وكيف تواطأوا -على تباعد الديار والأوطان- على هذه الكملة؟ وأي سحر فيها؟ ولم قالوا: "الفداء" وأكثروا، ولم يقولوا قط: "الكفارة"؟ ولم قالوا: "الصلب" و"الصليب"، ولم يقولوا: "الشنق"، و"المشنقة"، وهي أشهر وأعرف وأكثر استعمالًا إلى اليوم؟ ولم قالوا: "الخلاص"، ولم يقولوا "النجاة"؟ والجواب بلا شك أنهم لم يستعملوها بدلالتها اللغوية، ولا فكروا في ذلك، لأسباب

стр. 326

كثيرة جدًا، أقلها أن التواطؤ على هذه الصورة في ألفاظ أربعة من اللغة، يدخل في باب المُحال عقلًا حدوثه، إذا زعم الزاعم أن ذلك واقع اتفاقًا ومصادفة، فطابق الألفاظ الأربعة التي تقوم عليها العقيدة المسيحية. ومن المغالطة الفاضحة ما قرأته في صحيفة لويس عوض، (المعروفة الآن بصحيفة الأهرام!!)، حيث زعم الكاتب أن أكبر ما أضافته الحركة الشعرية الجديدة هو الاستعانة بالرمز؛ فالصلب عند كثير من الشعراء رمزٌ لتضحية الإنسان في سبيل القيمة التي يؤمن بها، والإسلام: يعرف كلمة "الخطيئة" كما قال القرآن الكريم: (واغفر لي خطيئتي يوم الدين) وهذا نص كلامه!! ولست أدري كيف يتكلم الناس هذه الأيام؟ أبألسنتهم دون عقولهم؟ أم بهواجسهم دون تأملاتهم؟ أم بخطراتهم دون أفكارهم؟ لماذا كان "الصلب" رمزًا للتضحية، ولم يكن القتل، ولا الشنق، ولا المُثلة، ولا "الخازوق"، ما دام الأمر يتعلق باللفظ دون دلالته المرتبطة بمصلوب بعينه أو مقتول أو مشنوق أو ممثَّل به أو مُخَوزقٍ؟! وأما "الخطيئة"؛ فلم يقل لنا ما هو الرمز الذي اتُّخِذَت له؟ الإسلام كما يعرف "الخطيئة" -وهي التي يحتقبها أبناء آدم- يعرف "المعصية" و"الذنب"، وقال في ذكر أبينا آدم: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ (١) ولم يُسَمِّ معصية آدم "خطيئة" قط، فهذه مغالطات معيبة، (وبالمرة يحسن أن يقال لهذا الكاتب ألا يتَّبع سبيل المستهينين بحقوق الألفاظ والنقول، فليس في القرآن آية كالتي ذكرها، بل الذي قال الله تعالى:

стр. 327

﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ (١) فلزم التنويه)! يا للعجب لصحيفة الأهرام!! ما أشد عنايتها وحفاوتها بما ينشر فيها! وقد ذكرتُ هذه المغالطة، لأنها هي الطريقة المستعملة حديثًا (!!) في التفكير، ولأنها هي الستارُ الذي يلقي على الحقيقة المفزعة، مضافًا إليه توابل من ذكر التطور وسائر الألفاظ التي تباعُ الآن في الصحف منظومة في الأعمدة، كما تباع عقود الفُل والياسمين على الأرصفة!! ولكن من البيّن أن هذه المغالطة قريبة مكشوفة، كما سلف، والحقيقة أن الأمر كلّه يتلخص في كلمات قلائل: فهذه الكلمات الأربع، وهي أسُّ العقيدة المسيحية، لا يمكن أن تقع اتفاقًا، فيتواطأ عليها بعض الشعراء، لا عن عقيدة، بل عن رمزٍ لشيء يجدونه في حياتهم، فلا يجدون إلا هذه الأربعة بأعيانها. هذا بالطبع، ولكن الواقع أن في بعض البلاد وبعض الطوائف من جعل ديدنه في شعره ذكر هذه الأربعة، ولا يعاب أن يذكرها لأنه مسيحي يعيشها عقيدة واقتناعًا، بجميع ما تلزمه العقيدة من امتداد معاني هذه الألفاظ وروابط بعضها ببعض. ولكن هذا الضرب من الشعر قد تولى منذ قديم بعضُ صبيان المبشرين الترويج له، والإكثار من التلويح بأنه الجديد الذي لا جديد غيره، وأكثروا في ذلك الصخب واللجاجة في الصحف والمجلات، وقارن ذلك تفشِّي شعر "إليوت"، ومذهبه في تحديد الثقافة، وأن ثقافة الشعب، ودين الشعب،

стр. 328

مظهران مختلفان لشيء واحد؛ لأن "الثقافة" في جوهرها تجسيد لدين الشعب، وأن السير إلى الإيمان الديني عن طريق الاجتذاب الثقافي ظاهرة طبيعية مقبولة. هكذا يرى "إليوت". ويمكر وخبث شديد مزج بين "إليوت" ومذاهبه، وبين هذا الشعر الذي يحمل هذه الألفاظ الأربعة في فئة غريبة الأطوار من دراويش جبل لبنان. وجلجل الدعاة بالمقالات الطنانة، واتخذت في كل بلد عربي ركائز لهذه الأبواق تذيع ما يلقى إليها أو تُلقَّنه، وظهر في مصر في أوائل هذا الوقت صبيُّ "الخلوة المشهودة تحت أشجار الدردار"، وأطافت به طائفة على شاكلته، وكان يومئذ في الجامعة مدرسًا للغة الإنجليزية، وكتب شعر بلوتولاند الذي دللتُ عليه -وكان الصبي القديم "سلامة موسي" قد هَرِمَ وصار كهفًا لأغيلمةِ المبشرين في مصر- وبدأ لويس عوض نفث السموم، فصادف ذلك شبابًا قلَّ محصولهم من الجد في القراءة، وسَئِمُوا الشيء الذي يلقى إليهم فلا يفهمونه ولا يحترمونه، لأن نظام دنلوب كان قد انتهى إلى غايته في قتل اللغة العربية في عُقرِ دارها في مصر، ولا يزال يفعلُ إلا أن تتداركها العزائم المخلصة" (١). تطوير الدين: قال الأستاذ أنور الجندي ﵀: "هناك مصطلحات تتعلق بالفكر الغربي والديانة المسيحية لا يجب أن يخضع لها الفكر الإسلامي (٢)، من

стр. 329

ذلك: (تطور الدين). والدين الذي يتطور هو الدين البشري الذي لا يستطيع أن يعاش البيئات والعصور؛ فهو في حاجة إلى تعديل بالإضافة والحذف، وهذا لا ينطبق على الإسلام؛ ذلك لأن الإسلام منهج رباني متكامل، جامع، له أطره الواسعة القادرة على الحياة والحركة مع مختلف المجتمعات والعصور، ولذلك فهو لا يحتاج إلى تطور، وهو قادر على العطاء في كل وقت، وله قيمه الثابتة وقيمه المتغيرة" (١). المعاصرة: " والمعاصرة: مصطلح حديث يُراد به أمران: أن الإسلام في حاجة إلى المعاصرة، وأن الإسلام يعلي من شأن الأصالة أو السلفية أو المحافظة على التراث والقديم. وهي دعاوي كلها باطلة بدليلين: ١ - دليل جوهر الإسلام نفسه الذي كان دائما قادرا على العطاء في مختلف العصور والبيئات، ومقوماته المرنة الواسعة القادرة على تقبل كل تطورات العصر ونمائه الفكري والاجتماعي والحضاري. ٢ - ودليل التاريخ نفسه؛ فمتى وقف الإسلام أمام التطور والنماء وحركة التاريخ؟ إنه لم يجمد أبدًا؛ لأن الجمود لا يدخل إلا على الأشياء التي وجدت ولم تكن موجودة، كما هو بالنسبة للغرب في شأن العلم وشأن الثوابت والمتغيرات، وفي شأن الموقف من توجيه المجتمعات والحضارة ومن القومية، وموضوعات أخرى.

стр. 330

أما بالنسبة للإسلام؛ فالإسلام هو الذي فتح الباب أمام العلم حين دعا إلى البرهان والنظر في السماوات والأرض، ودعا إلى السعي والعمران، وكانت هذه المسائل جديدة على الفكر المسيحي الغربي فاضطرب لها، ومن ثم قامت لديه فكرة العلمانية والانشطارية والتقسيم الفاصل بين الروحيات والماديات، وغلبة المذهب المادي وإنكار الخالق وإرادته، وإغراقه في الفصل بين عالم الأفكار وعالم الأشياء، هذا الفصل بين العلم والعمل الذي أدخل على الحضارة الغربية والفكر الغربي ذلك التمزق الشديد الذي أورث هذه الحضارة هذا الصراع الشديد بين الحتمية والجبرية. إن الإسلام يقدر المعاصرة، ويقدر التطور، ويقدر حركة التاريخ، ويقدر المتغيرات، ويقدر الانفتاح، ولكنه يضع لكل هذه المعايير ضوابط وقوانين من شأنها أن تحفظ له جوهره وتحول دون تمزق كيانه القائم على التكامل بين المادة والروح، والملتزم بالتوحيد الخالص، والمؤمن بالمسؤولية الفردية والالتزام الأخلاقي والجزاء الأخروي. ومن ثم فإن المعاصرة عنده والتقدم لا يقومان من فراغ، ولا يغلبهما الجانب المادي؛ لأن كل حركة في الإسلام لا بد أن يتكامل فيها المادي والمعنوي، وأن تكون الوجهة لله خالصة في حركتها، والإسلام يؤمن بالانفتاح ولكنه انفتاح منضبط ومشروع بحيث لا يؤثر على الطابع الإسلامي، ولا يدخل المسلمين في تبعية أو انصهار في قيم مجتمعات أخرى. إن هؤلاء الذين يتحدثون عن العصرية والحداثة والتقدم لا يعرفون أن للإسلام في ذلك قانونًا واضحًا، ونظامًا مقررًا، ولكنهم يخدعون الناس

стр. 331

حين يتحدثون عن التطور والتطوير، ظنًا منهم أنهم يستطيعون هدم القيم الثوابت وهم يتحدثون عن التطور بمفهوم الفكر الغربي المادي البشري، الذي هو مجموعة نظريات قدمها فلاسفة ثم اخترقتها المتغيرات، فهي في حاجة إلى إضافة وحذف، وليس كذلك الإسلام الذي هو نظام رباني: (إنساني الوجهة عالمي النظرة)، والذي قام على أساس (الثوابت) التى لا تتغير ولا تتطور، و (المتغيرات) التي تتحرك في داخل الثوابت، أما دعاوي تطوير الشريعة، وتطوير اللغة، وتطوير القيم، فذلك أمر كله من مؤامرات التغريب الذي يرمي إلى هدم الثوابت والحدود والضوابط التي وضعها الإسلام حماية لوجود الإنسان وحماية لمجتمعه، وهذا أيضًا مما يختلف فيه المنهج الرباني (الإسلامي) والمنهج البشري (الغربي). فالمعاصرة والحداثة والعصرية قائمة ويعترف بها، ولكن بحدودها وضوابطها، إيمانًا بأن الإسلام لن يكون مبررًا لفساد المجتمعات وانحرافاتها، ولا لانزلاق الحضارة إلى المادية المغرقة والفساد الاجتماعي، وهؤلاء الذين يطلبون من الإسلام أن يبرر وجود المجتمعات الفاسدة مبطلون، فعلي المجتمعات أن تعدل من طريقها حتى تلتقي مع منهج الله. ومرونة الإسلام، وسماحته، ووسطيته؛ كل هذه أمور قائمة فعلًا، ولكنها لا تتجاوز دائرة (المتغيرات). أما دعاوى البعض بالبحث عن (الرخص) للاستعاضة بها عن العزائم فأمر لا يمكن أن يكون قاعدة أساسية لمجتمعات إسلامية تريد أن تبني نفسها على أسس سليمة لإقامة حضارة إسلامية متجددة. أما الخلط بين مناهج الغرب ومناهج الإسلام على النحو الذي قامت

стр. 332

عليه تجارب بعض الأمم الإسلامية، في إطار العلمانية والقومية والاشتراكية، وتلك المحاولات التي تجمع بين قيم متضاربة أو متعددة، فكل ذلك مآله الفشل، وقد فشلت تجارب تركيا وأندونسيا وغيرهما في اعتناق الديمقراطية والقومية واللبرالية والفاشية والاشتراكية، وليس هناك غير منطلق الإسلام نفسه السمح الوسط القادر على العطاء الملتقي مع الفطرة والعلم. ولم تستطع أي دولة من هذه الدول التي اعتنقت هذه الأيدلوجيات أن تحقق أي قدر من التقدم الحقيقي، وما تزال قابعة في دائرة التبعية. وثبت أن الثقافة الأوربية ظلت بمثابة قشرة على سطح المجتمع، ولم تلبث أن ظهرت طوابع الإسلام قوية، وقد تبين أن الثقافة الغربية ليست عالمية كما تقدم نفسها للناس، وإنما هي نتاج لا ينجح خارج دائرة بلاده، لأنه قائم على قيم ومناهج يونانية مسيحية وثنية. وقد دخلت تركيا دائرة التغريب منذ خمسين سنة، ومع ذلك فإنها لم تستطع أن تسهم بشيء ما في مجال التكنولوجيا، وما زالت عالة على الغرب، وكل ما كسبته أنها فقدت هويتها الإسلامية ولو إلى حين. وقد أكد كثير من الباحثين أن التبعية للثقافة الغربية ليس لها نتائج إيجابية حقيقية في تقدم العرب والمسلمين، وإنما تؤدي إلى عكس ذلك، وتظل موجهة إلى تحقيق هدف الغرب في السيطرة على العالم الإسلامي. ولقد صُنِعَت الحضارة الغربية -أساسًا- من منهج التجريب الإسلامي، ولكنها تجاوزت قيم الإسلام في فهم الحضارة، وقوامها الرحمة والإخاء

стр. 333

البشري وعدالة التوزيع، واستعلت بالعنصر والدم على الملونين، وأسرفت في تبديد الثروات الطبيعية التي أعطاها الله للبشرية في بناء مجتمع الاستهلاك والترف والفساد والانحلال، ونسيت في هذا الطريق الوجهة الصحيحة، وتجاهلت صاحب العطاء الحقيقي؛ فأنكرت صلتها بالله ﵎، وادَّعت أن الطبيعة تخلق، وتجاهلت، جانب المعنويات، واتجهت إلى السيطرة على العالم وإذلال العناصر غير البيضاء، وإشاعة روح الرعب من إنتاج الأسلحة التدميرية، والتنافس في السيطرة على الفضاء الخارجي وحرب الكواكب. وهي بذلك تتقدم في طريق الفناء والسقوط من ناحيتين: من ناحية تجاهل الوجهة الربانية الحقيقية للحضارة والمجتمعات. ومن ناحية هدم مقومات الشخصية الإنسانية والأخلاقية، وإشاعة روح الإباحة وثورة الجنس، وهي لا محالة منهزمة. ودلائل الهزيمة واضحة؛ فقد غاضت الأرحام في الغرب، وفي خلال العقود الثلاثة القادمة سوف يتقدم عالم الإسلام تقدمًا واسعًا في طريق النمو السكاني والثروة والطاقة، وبذلك يتمكن من السيطرة على مقدرات الحضارة العالمية. ومن هنا فلا بد أن تنمو هذه الثمار في إطار الإسلام ومنهجه ومسؤولياته، وفهمه لربه ولعطائه، ولإقامة مجتمعه وبناء حضارة الإنسانية الكريمة السمحة القائمة على العدل والعطاء والرحمة" (١).

стр. 334

التنوير: " العودة إلى المنابع: هي صلب دعوة مدرسة الأصالة التي حمل لواءها الإمام "أحمد بن حنبل" حين صاغها الإمامان "ابن تيمية" وابن القيم" في منهج أصيل، هذا المنهج لم يتوقف عن أن يحمله المجاهدون جيلًا بعد جيل، فلم يخل منه جيل حتى اليوم. وهناك من يطلق على هذه اليقظة كلمة: "التنوير". وكلمة التنوير كلمة صهيونية، تعني إخراج الفكر الغربي من صبغته المسيحية إلى طابع العلمانية والإلحاد، وهي المرحلة التي سيطر فيها اليهود على الفكر الغربي لإخراجه من سماحة المسيحية إلى "تآمر اليهود" على البشرية، والبدء في إخراج مخططهم الذي عرف من بعد باسم: "بروتوكولات صهيون"، والذي بدأ بتحريف دوائر المعارف الأوربية، وإخراج مادة (خزر) منها، وتشويه مواد: العرب، وفلسطين، واليهود، وإسماعيل وغيرها؛ وذلك في سبيل الادعاء بأن لليهود حقًا في فلسطين، وبأنه كان لهم وجود قبل العرب، (وهذا ما كشفت فساده الأبحاث العلمية والحفريات الأثرية). ويسجل المطران "إيليا خوري" أن الصهيونية هودت الديانة المسيحية، فيقول: "لقد تعايش المسلمون والمسيحيون أربعة عشر قرنًا، وتفاعلوا في الحياة الوطنية، فعاشوا في السراء والضراء مدافعين مناضلين عن الحق العربي، واليوم فهناك من يقولون بأن المسيحية الغربية هودت الديانة المسيحية، هذا ما يقلقني؛ لأن اليهودية والصهيونية العالمية استطاعت أن تؤثر على تلك القوة، فبدلًا من أن تجعلنا قوى فاعلة في سبيل الخير والسلام جعلت منا أمة تدعم أعداءها بالسلاح والمال".

стр. 335

ولذلك فإن الصحوة الإسلامية التي نعيشها الآن، والتي تتآمر القوى الثلاث على إجهاضها أو تدميرها إنما نشأت نشأة طبيعية من خلال مفهوم أصيل لليقظة والأصالة والعودة إلى المنابع، وقد مضت خلال عقود مختلفة حتى دخلت اليوم مرحلة "الرشد الفكري"، لقد صدرت الصحوة الإسلامية من "المنابع" الأولى وليس من أي مصدر آخر، وإن هذه المحاولة ترمي إلى صرفها وتحويلها وأحتوائها. لقد كان الإسلام قادرًا دائمًا على التجدد من الداخل، وعلى انبعاث النهضة من أعماقه حين تقع كل الأمة في أزمة التخلف. ومن الحق أن نؤمن أن كل نهضة غير متصلة بالمصادر الأولى فهي نهضة زائفة ويمكن أن تضل طريقها، وهذا ما يحاولة التغريب مع الفكر الإسلامي حين يحاول حجب الأدب والثقافة المعاصرة عن جذورها وأصولها الإسلامية تحت اسمٍ عازلٍ مثل: الفكر العربي، أو الثقافة العربية، والحضارة العربية، بديلًا عن الفكر الإسلامي، والثقافة الإسلامية، والحضارة الإسلامية، وهذه -ولا شك- أخطر التحديات، فلنحدد هذه النغمة الضالة المضلة، وعلينا أن نظل مرتبطين بأولياتنا الإسلامية وأصولنا التاريخية. ومن أشد المحاذير خطرًا: الفصل بين القيم، أو الفصل بين الفكر والتطبيق؛ فالإسلام منظومة جامعة للأدب والعلم والسياسة والاقتصاد والاجتماع، وإن من أخطر ما واجه الغرب فكرة "ديكارت" التي تفصل بين الفكر والتطبيق، ومفهوم الإسلام هو النظرة الجامعة بين الكون والحياة، والمجتمع والإنسان، وقيام المسؤولية الفردية، والنظام الأخلاقي، والجزاء

стр. 336

الأخروي. وفي مجال التربية تقوم التربية على الترابط بين بناء الشخصية والنفس والجسم والعقل جميعًا، وتقوم حركة الترجمة الإِسلامية على أساس تقديم إطار كامل لكل فكر يقدم، ومعرفة ظروفه وعصره، وتحديات عصره، ومدى التقائه بفكرنا الإِسلامي أو اختلافه عنه. والأمة الإِسلامية اليوم يجب أن تكون يقظة، لا تقبل الأمن الخادع، ولا بد من إنماء فكرة أن يكون قومنا في رباط دائم واستنفار مستمر، ويقظة لا تعرف الاسترخاء؛ فالعالم الإِسلامي مستهدف من أعداء البشرية وخصوم الإنسانية، فأمتنا يجب أن تكون قادرة على الردع والدفاع والحماية، كذلك فإنَّ من أخطر المحاذير أن نفسر تاريخنا الإِسلامي بمفاهيم علمانية أو قومية أو مادية، وهي محاولة فاشلة ولن تجد في هذه المرحلة من حياة الأمة الإِسلامية أي قبول لها، كذلك فإنَّ القول بأن الحروب الصليبية هي صراع بين العرب وأوربا هو قول باطل تمامًا ولا دليل عليه، فمتى كانت هناك عروبة تصارعها أوربا في هذه الفترة؟ وكلمة العروبة كلمة حديثة لم تستعمل إلَّا منذ سبعين عامًا على الأكثر. وغاية الأصالة والعودة إلى المنابع تنصب على رفض مقولة كتاب التَّغريب بأن أسلوب الغرب هو المنطلق الَّذي يستطيع به المسلمون أن يحفظوا كيانهم، ويحققوا وجودهم ويقيموا مجتمعهم، وقد كانت هذه دعوي خدعت المسلمين والعرب سنوات طويلة منذ أثارها "طه حسين"، "ومحمود عزمي" وغيرهم، وقد تكشف بطلانها منذ انتُزِعَتْ (القدس) من أيدي المسلمين، وثبت فشل المنهج الليبرالي الغربي بعد الحرب العالمية الأولى،

стр. 337

كما ثبت فشل المنهج الماركسي الاشتراكي بعد الحرب العالمية الثانية. إن ما ظنوا أنَّه عامل موصل للنهضة تبين أنَّه عامل عازل؛ يسلم المسلمين والعرب إلى الاحتواء الكامل والانصهار في بوتقة الأممية العالمية". إن كلمة التنوير نفسها كلمة يهودية؛ فالتنوير في الغرب هو عصر الإلحاد، والإعداد لحصار المجتمع المسيحي، وتغليب نفوذ اليهود عليه، وصراع القوميات مع الكنيسة، فإذا كانوا هم دعاة التنوير بهذا المعنى في الفكر الإِسلامي فذلك رأيهم فيهم، أمَّا نحن فلا نؤمن بكلمة التنوير" (١). وقال الدكتور محمد يحيى: "مصطلح "التنوير" هو النموذج الأشهر أو (الكلاسيكي) في هذه الفترة الأسلوب عهدناه في عملية التعاطي مع الغرب ومفاهيمه الفكرية ومصطلحاته، ألا وهو انتزاع المفاهيم والأفكار والمصطلحات من بيئتها الثقافية وسياقها التاريخي والحضاري المخصوص الَّذي نبتت فيه ويحدد دلالاتها، ثمَّ زراعتها تعسفًا في بيئة ثقافية وسياق اجتماعي وعقيدي مغاير لها، إن لم يكن مناقضًا. والحق أن كشف هذا الأسلوب في النقل قد يكون أكثر أهمية في تصوري من محاولة وضع التعريفات لمصطلح التنوير أو غيره؛ لأننا سنظل ندور في حلقة مفرغة من التعريف، ثمَّ إعادة التعريف إلى ما لا نهاية إن لم ندرك السياق الأوسع الَّذي تجري فيه التعريفات، وكيف يتحكم هذا السياق في تعريف المصطلحات ورسم ظلالها ودلالاتها، وتحديد مضامينها الخاصة والدقيقة والمتغيرة، وتغيير هذه المضامين، وتحديد النظرة السلبية أو الإيجابية لتلك المفاهيم؟

стр. 338

والأسلوب الذي أعني هو أن الفكرة أو المفهوم الذي هو ابن البيئة التاريخية والثقافية في الغرب، والمتمثل في رد فعل لأوضاعها وتجاربها الخاصة يعد في فكر الفلاسفة المدققين عندهم اصطلاحًا خاصًا ونسبيًا تقتصر انطباقيته على أوضاعهم. غير أن الناقلين عندنا من أوساط العلمانيين والمتغربين يأخذون الفكرة والمفهوم والمصطلح الغربي المنشأ ليحوِّلوه أولًا إلى كيان مطلق عالمي الصلاحية والانطباق، ثمَّ يفرضونه ثانيًا على السياق الإِسلامي الحضاري، ويزيحون به ويطردون مفاهيم وأفكارًا ومصطلحات إسلامية هي بنت العقيدة والتاريخ والأمة، بعد أن يصِمُوها بالنسبية والتاريخية والمحدودية. وهكذا تنعكس الأمور في لعبة فكرية تُدهش من وقاحتها وانكشافها؛ فالمتغير والنسبي والتاريخي عند الغرب (لأنَّه نابع من خصوصيات حضارتهم، ومنزرع وسط أوضاعها، وردُّ فعل على تطوراتها) يصبح هو المطلق والعام والثابت عندنا بعد أن تُنزع من بيئتنا الثقافية والحضارية مفاهيم وأفكار ومصطلحات (منها المطلق والثابت)، بعد وَسْمِها بعدم الصلاحية، وبأنها نسبية تاريخية متغيرة؛ إنها عملية غريبة تختلط فيها المبادئ، ويحلو اللعب بتغيير النسبي إلى المطلق والعكس بالعكس مجرد زرع الفكر الغربي داخل الوسط الإِسلامي، وطرد الإسلام من بين أهله وعشيرته، ومصطلح "التنوير" -كما قلت- هو أحد النماذج الكبرى لهذه العملية. فالتنوير مصطلح يطلق في الفكر الغربي على مجموعة واسعة من الكتابات ظهرت بدءًا من أواسط القرن الثامن عشر الميلادي وإلى نهايته في

стр. 339

أوساط الفلاسفة والمفكرين في فرنسا أساسًا، ثمَّ إلى درجة أقل في بريطانيا وألمانيا. وهذه الأفكار ظهرت وسط بيئة متشابكة من ردود الأفعال على الحكومات والطبقات المستبدة (الملكية) في تلك الحقبة، وعلى الأفكار الكنسية المصاحبة لها والمعضدة لها، كما ظهرت متأثرة بنضوج الفكر العقلاني (كما أسموه) الراجع بجذوره إلى عصر النهضة الأوروبية، والمزدهر في القرنين السابع عشر والثامن عشر كذلك. وظهرت تلك الأفكار على أعقاب التغيرات الكبرى الَّتي حدثت في أوروبا (ومهدت لها) في القرن التاسع عشر فيما عرف بعصر العلم، وعصر الثورة الصناعية، وعصر صعود الطبقة البورجوازية، وعصر الثورات الكبرى (الأمريكية والفرنسية)، وعصر الفكر الحر، وعصر المذاهب الفلسفية الرئيسية (الهيجلية والماركسية)، وتحدد مضمون الكم الفكري المؤسس لحركة التنوير في الأساس بالموقف من الدِّين وفكره - (وهو هنا المسيحية) - كما رسم الفكر العقلاني الإنساني السابق على حركة التنوير والمصاحب لها، ولهذا اتسم فكر التنوير بعداء شديد ورفض للدين مسوَّغ بالعقلانية الَّتي ترفض الغيبيات، وتجمع بين الدِّين وبين الخرافة والخزعبلات في وعاء واحد. وفكر التنوير يرفض أن تكون الكنيسة وسيطًا بين الإله والبشر، كما يرفض عقائدها المعروفة، ويرفض كتابها المقدس بعد عرضه على مقياس العقل النقدي المادي التشككي النزعة، وعلى معيار علم التاريخ المادي النزعة. ويستخدم فكر التنوير مفهوم العقل بمعنى التوجه المادي والتشككي على وجه الخصوص، ليوجه النقد إلى الدين (المسيحية)، والكنيسة،

стр. 340

ومؤسسات الحكم، والطبقية في الغرب في ذلك الوقت، كما يُستخدم ليدخل مفاهيم جديدة تحل محل العقائد المرفوضة؛ مثل مفهوم (الإنسانية) ككيان عام، و (الإنسان) ككيان مطلق يحدد وحده معايير حياته وقيمها وأهدافها انطلاقًا من إعمال العقل - (بمفهومه كحس عام مطلق موضوعي) - في شتى شؤون الحياة، وهكذا تتحدد وترتسم الملامح والمحددات والمفاهيم الكبرى لفكر التنوير، وهي: إعلاء شأن العقل بمفهومين هما: العقل المادي والتشككي من ناحية، والمطلق العام الموضوعي المشترك بين البشر من ناحية أخرى باعتباره وحده - (لا الدِّين ولا الوحي ولا الكتاب المقدس ولا الكنيسة الَّتي أسقطها النقد الموضوعي العقلي) - مناط الهداية والتوجيه والسلوك، ورسم القيّم والأهداف العامة في الحياة لذلك الكائن العام وهو الإنسان أو الإنسانية، الذي أصبح وحده - (وليس الإله) - معيار كل شيء، وواضع القيِّم والأهداف؛ بل هو هدف كل نشاط ومقصده. ومع العقل والإنسان تصبح الدُّنْيَا هي المحور الأساس لكل نشاط وعمل، بل تصبح هي الوجود الوحيد ولا وجود غيره (الآخرة مثلًا). هذا اختصار شديد لمجمل فكر التنوير، ركَّزنا فيه على جانب الموقف من الدِّين، وهو الجانب الرئيسي فيه، كما أنَّه الجانب الأكبر في دعوى التنوير الَّتي بدأ بعض العلمانيين والتغريبيين في العالم الإِسلامي في الترويج لها في الفترة الأخيرة، والواقع أننا عندما نسمع في هذه الآونة الحديث المتكرر عن ضرورة وضع كل عقائد الإسلام وشريعته وكتابه وتاريخه على محك ما يسمى بالعقل - (وهوفي الحقيقة عقل خاص يتعلق بأصحاب الدعاوي

стр. 341

وحدهم) - نلمح فيه بسرعة الكلام الذي كان يتردد في أوروبا في القرن الثامن عشر عن المسيحية وكنيستها وكتابها بدون تغير يذكر، وهكذا تطير بجرة قلم كل الفروق العقدية والتاريخية والزمنية والسياقية، لنجد أن كلامًا قيل في دنيا أخرى يُجلب ليكرر تقريبًا في عالم مختلف، وبدون مراعاة لكل عوامل النسبية والتاريخية والتغير والسياقية والبيئية والخصوصية الَّتي يقول الغربيون وأتباعهم عندنا إنَّه يجب مراعاتها في مثل هذه الأمور، بل يدَّعون أنَّهم يراعونها طيلة الوقت عندما يضربون عرض الحائط بالكثير من الأحكام التشريعية الإِسلامية تحت شعارات مراعاة العصر والاجتهاد وما أشبه. ومن هنا فالتنوير السائر هوفي حقيقته ليس تنويرًا على الإطلاق، بل محاكاة وتقليدًا وجمودًا على أفكار غربية سقطت حتَّى من سياقها التاريخي والثقافي الخاص، إلى حد أننا أصبحنا اليوم نقرأ لقلة من مفكري الغرب تنعي هذا السقوط، وتدعو عبثًا لإعادة إحياء التنوير؛ وهيهات. وفوق هذا فالتنوير الذي يُروِّج له بعض النَّاس الآن ليس تنويرًا بالمفهوم الذي قد يتبادر إلى الذهن من نشر للعلم والفكر والتأمل العقلي، بل هو لا يعدو -كما قلنا- إطلاق شعارات عامّة غامضة موجهة كلها ضد الدِّين (الإسلام)، في إطار خطة لا تنويرية ولا عقلية ولا علمية بل سياسية محضة، هي ما اصطلح على تسميته بسياسة: مكافحة التطرف والإرهاب المزعومين والمنسوبين إلى الحركات الإِسلامية وإلى دعاة الإسلام. وإذا كان من صدق في نية الحديث عن التنوير فكان يجب أن يكون كذلك عن الإسلام، وفي إطاره وخدمة لدعوته" (١).

стр. 342

العقلانية: " العقلانية نزعة غربية الطابع مستمدة من الاعتماد على العقل وبراهينة ومعطياته، واتخاذه مصدرًا وحيدًا للمعرفة، وهو مفهوم لا يقبله الإسلام الذي يقرر أن هناك مصادر عِدَّة للمعرفة منها العقل، ولكنه ليس المصدر الوحيد، فالعقل هو مناط التكليف في الإسلام، ولكنه يتحرك دائمًا تحت ضوء الوحي ونور الفطرة؛ ذلك أن الإسلام يؤمن بالنظرة الجامعة الَّتي توازن وتوائم وتمزج بين الروح والمادة، والعقل والوجدان. ولكن هناك من يحاول اليوم أن يتحدث عن (العقلانية الإِسلامية) ويقررها وحدها بالاعتبار، وهذه معاودة لتجربة قديمة مر بها المسلمون بعد ترجمة الفلسفة اليونانية، وهي تجربة المعتزلة الذين اعتبروا العقل مصدرًا للمعرفة، وأعلوه على الوحي (النقل)، ودعوا إلى أنَّه في حالة الخلاف بين العقل والنقل يخضع النقل للعقل. ومن هنا ظهرت فكرة التَّأويل؛ وهي فكرة لها حدودها الَّتي يجب أن لا تخرج بها عن النص القطعي، وقد كانت هذه إحدى المحاذير الَّتي وقع فيها الفلاسفة. ولقد حاول البعض (أمثال أحمد أمين وغيره) الادعاء بأن سقوط الاعتزال كان عاملًا من عوامل تأخر المسلمين، والحقيقة أن سقوط الاعتزال بعد استعلائه وادعائه أنَّه هو المنطلق الوحيد للمعرفة الإِسلامية كان طبيعيًا، (وهو نفس الموقف بالنسبة للقائلين باتخاذ الحدس سبيلًا واحدًا للمعرفة، أو الذين يعتمدون على الوجدان وحده).

стр. 343

والقرآن الكريم ليس معجزة عقلية فحسب، ولكنه معجزة متعددة الجوانب في فنون المعرفة وأساليب مخاطبة الإنسان من ناحية فكره ووجدانه، ومن ناحية التاريخ، والحكمة، والمعجزة، والغيبيات. فلا تناقض في أسلوب المعرفة الإِسلامي بين النقل والعقل؛ إذ إن النقل في حقيقته هو (القرآن والسنة)، وهما مصدران ربانيان لا يتصل بهما الزيف، وهذا يختلف عن موقف المسيحية من اللاهوت القديم الذي هو من صنع البشر. وهذا المفهوم وحده الجامع بين النقل والعقل هو الذي أعطى المسلمين -دون غيرهم من الأمم- القدرة على تقديم منهج التجريب الإِسلامي، ومناهج المعرفة وسنن الحضارات والأمم" (١). قال الأستاذ عمر محمد أبو عمر: "هذه لفظة لم ينطقها أحد من الأوائل نابزًا بها غيره، إنَّما كان الأئمة يسمون أهل البدع أهل الأهواء، نعم يحاول المبتدعة تسمية ما هم عليه بالعقلانية، وأن أدلتهم هي أدلَّة العقول البرهانية، ولكن هيهات أن تنطلي هذه الشعارات على الخبير الخريت بمسالك النَّاس في تزوير الشعارات وقلب الأسماء والألقاب، ثمَّ كيف يكون العقل بدعة، وهو حجَّة الله تعالى على خلقه، وهو مناط التكليف الذي لا تصح عُبَادَة قلبية أو عملية إلَّا به، لكن تكرير أهل البدع أنَّهم يتابعون العقل وأدلته، وأنهم يقفون معه ويرجعون إليه جعل بعض أهل العلم والسنة ينكر هذا الدَّليل، بل يُتَابَعُ هذا الإنكار بالحط من قيمة هذا

стр. 344

الدَّليل، وأهل البدع على الحقيقة لا يملكون دليلًا عقليًا واحدًا يسلم لهم، كما هم لا يقفون مع النُّصوص الصحيحة ولا يقيمون لها شأنًا؛ فهذا عَمْرو بن عُبَيْد في مناظرة معه يُذكر له حديث يخالف هواه، رواه الأَعْمَش عن زَيْد بن وَهْب عن عبد الله بن مسعود عن النَّبِيّ ﷺ ، فقال عَمْرو: لو سمعت الأَعْمَش يقول هذا لكذبته، ولو سمعته من زَيْد بن وَهْب لما صدقته، ولو سمعت ابن مسعود يقوله لما قبلته، ولو سمعت رسول الله ﷺ يقول هذا لرددته، ولو سمعت الله يقول هذا لقلت: ليس على هذا أخذت ميثاقنا!! "ميزان الاعتدال للذَّهَبِي". فانظر لهذا المجنون؛ هل زاد أن يكون مثل إبليس حين قال: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ (١) فهل هذا هو العقل الذي يزعمونه ويروجون أنَّهم من أهله؟!. ولذلك من خطأ بعض الكتبة اليوم أن يطلقوا على أهل البدع أو الزنادقة "العقلانيين"، فهذا خطأ ولا شكَّ كبير يفسد الحقيقة الواقعة" (٢). العصرية: " هنالك دعوة مضللة تتحدث دائمًا عن روح العصر والاستسلام له، وعلى الإنسان أن يجعل نفسه جزءًا من عمره، وقد غاب عن الدعاة إلى هذا المذهب أن روح الأمة أعظم من روح العصر، وأن روح العصر هي طائفة من التقاليد اعتنقها النَّاس في عصر معين دون البحث عما إذا كانت صالحة أم فاسدة، وهل هي نافعة أم ضارة؟

стр. 345

والإسلام يقرر مبدأ العصرية، ولكنه لا يقر الاستسلام لروح العصر إذا كان ذلك من شأنه أن يتجاوز القيِّم الأساسية له؛ ذلك أن هناك قيمًا أساسية لا يمكن تجاوزها، وأن هناك حدود وضوابط يجب أن يتحرك المسلم في دائرتها، وأن لا يضحي بها في سبيل الحصول على أي قدر من التقدم المادي. وأن هذا التحفظ على روح العصر لا يحول مطلقًا دون قدرة المسلم على التقدم والتطور والتغيير، ومجاراة تحولات العصر والمجتمع، وأن الإسلام له من قواه المذخورة ما يمكن المسلمين من الخروج من الأزمة دائمًا، ومن الاستجابة للتقدم الجامع بين شطريه المادي والروحي. ومن شأن الإسلام أن لا يخضع لانحراف المجتمعات، ولكنه قادر على ردها إلى طريقها الأصيل الطبيعي. ونحن الآن نمر بمرحلة خطيرة في حياة المجتمعات والحضارات؛ وهي مرحلة الانحراف الخطير الذي وقعت فيه الحضارة الحديثة في تحولها المادي وغياب عنصرها الديني والأخلاقي، وانحرافها عن طريق الله إلى طريق الاستعلاء بالعرق والفساد الخلقي. ومن هنا فإنَّ الإسلام لا يقر قبول فكرة الاستسلام (لروح العصر)؛ لأنها تعني الاندفاع في الطريق الخطأ. لقد انحرف هذا العصر عن طريق الأخلاق والدين والعلم إلى طريق الفلسفة المادية، والانحرافات سواء في المذهب الرأسمالي الليبرالي أو الماركسي الاشتراكي، ووصلت البشرية من خلال هذين المذهبين إلى صراع

стр. 346

رهيب، ولم يتحقق لها أملها في بناء المجتمع الرشيد، وهي الآن تتطلع إلى مذهب جديد، وليس غير الإسلام. إن روح العصر تدخل في باب المتغيرات، ولكن روح الأمة تدخل في باب الثوابت، ولا بد أن تخضع المتغيرات للثوابت، وأحيانًا تكون روح العصر مجموعة من الأهواء والاندفاعات يختلط فيها الصحيح بالخطأ. الاستجابة لا تكون للعصر وإنَّما للحق، للمنهج، لمنهج الله ﵎. والإسلام قادر على الاستجابة للعصر، وقادر على استيعاب المتغيرات دون أن يخرج عن قيمة الأساسية وقواعده الصحيحة، والإسلام يقر التقدم ولكنه يجريه في قنوات ثابتة محكمة. كما أنَّ الإسلام أعطانا القدرة على مواجهة الأحداث متى كانت متعارضة مع منهج الله، فليس علينا أن نستسلم للأوضاع المنحرفة تحت اسم التبرير أو قبول الواقع أو التَّأويل أو الرخص، ودعاة التبرير هؤلاء أعداء التقدم الحقيقي، والإيمان بالمنهج الحق والإسلام لا يقر دعاة اللامنتمي. وإذا خرج الإسلام من ضوابطه وثوابته فقد انتهت فاعليته، ويجب أن نقدر تمامًا أن الإسلام ليس شأنه شأن المذاهب والأيدلوجيات البشرية؛ فهو منهج اجتماعي عمراني شامل يتجاوز كل الفلسفات الَّتي ابتكرتها العقول البشرية قبله وبعده، ومن باب أولى كل الأديان السابقة له والتي احتواها كمرحلة نحو وحدته وتكامله.

стр. 347

ومن ثمَّ فهو لا يقبل الخضوع لانحراف المجتمعات نحو الإباحة، وانحراف الحضارات نحو المادة. وكل دعوة في العصرية يجب أن تكون ذات أصالة بارتباطها بالمنهج والتاريخ، وتنقية الفكرة من الانحرافات الَّتي تضعها الفلسفات في طريقها التعود إلى المنابع أولًا، ولتستمد أصالتها من الرشد الفكري، ولقد كانت دعوة العصرية الَّتي قامت بها المدرسة العلمانية منذ أوائل القرن الميلادي دعوة منحرفة مضللة، حاولت احتواء الفكر الإِسلامي وتغريبه قبل أن تجيء حركة اليقظة الإِسلامية لتصحيح الطريق. لقد ذهبت الدعوة العصرية إلى آخر الشوط في فرض نفوذها، فهدمت الخلافة، وحطمت الوحدة الإِسلامية، وحجبت الشَّريعة الإِسلامية، وفرضت النظام السياسي الغربي، والمنهج الربوي الاقتصادي، والمنهج العلماني التعليمي؛ ومع ذلك فإنَّ حركة اليقظة الإِسلامية كانت قادرة على أن تكشف زيف ذلك كله. لا يقر الإسلام فلسفة اللحظة، ولا الفردية المفرقة، ولا الجماعية الَّتي تأكل الأفراد، ولا يقبل انحراف الفنون والآداب، ولا وسائل الكسب الحرام، أو الاندفاع نحو أهواء الجنس والجريمة، وإذا انحرف المجتمع فالإسلام يدعوه مجددًا إلى العودة إلى الله" (١). الثورة: " اتخذ مصطلح الثورة عِدَّة تفسيرات فرضها الكتاب تحت تأثير الدعاية

стр. 348

لمرحلة من مراحل الحياة السياسية والاجتماعية للأمم، ومنهم من بالغ في هذا وتصور الثورة اتجاها دائمًا متصلا، ومنهم من غالى في وصف التغيير على أنَّه ثورة، ومنهم من وصف حركات الجيوش الَّتي تقوم على تغيير قيادات البلاد على أنَّها انقلاب أو ثورة. ولا ريب أن الثورة هي حركة جماعية تضم مختلف عناصر الشعب أو الأمة في حركة خروج عن الأوضاع القائمة المضطربة والمنهارة. وهو مصطلح غربي دخيل على المفاهيم الإِسلامية الَّتي تقر كلمة "الإصلاح"، وتصور رسالات الأنبياء أنَّها دعوة إلى الإصلاح، وإلى تغيير الواقع الفاسد: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ (١). وقد أشار القرآن الكريم إلى التغيير ووضع قاعدته: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (٢). والإسلام يدعو إلى أن تغيير المجتمع لا يتم إلَّا بعد أن يغير النَّاس ما بأنفسهم؛ بمعنى أن يسلموا أنفسهم لله ويطبقوا أحكامه، ويقيموا شريعته، ويبنوا المجتمع الرباني الذي يقوم على العدل والرحمة والإخاء. والمسلمون مطالبون بالخروج من الأزمة، وتحرير أنفسهم من التبعية، وأن يظلوا قادرين على امتلاك إرادتهم، وأن يظلوا مرابطين على الحدود، محافظين على قواهم وأسلحتهم، مستعدين للمواجهة، قادرين على الردع

стр. 349

لمن يحاول تجاوز حدودهم، أو دخول أرضهم، أو فرض سلطانه عليهم، ولكن هذا المفهوم الإِسلامي في القدرة على امتلاك الإرادة لا يسميه الإسلام ثورة، ولكن هو يعني في الحقيقة العودة إلى المنابع، وتحرير الإرادة، والتماس الأصول الحقيقية للنهضة. ولقد اتُخِذَتْ فكرة (الثورة) أكثر من مرَّة في العصر الحديث لإخراج المجتمع الإِسلامي من أصالته والقضاء على طابعه الإِسلامي؛ حدث هذا في الحركة الَّتي قام بها مصطفى كمال أتاتورك في تركيا، والحركة الَّتي قام بها عبد الناصر في مصر؛ فقد كانت كلتاهما محاولتان تغريبيتان لإخراج المجتمع الإِسلامي من طريقه الإِسلامي إلى التَّغريب والإقليمية والتبعية تحت أسماء الثورة والتحرير والاشتراكية، وقد جرت الحركتان على طريق فتح الطريق أمام المخططات الصهيونية الطامحة في السيطرة على فلسطين وبيت المقدس، وإقامة وطن لها من النيل إلى الفرات" (١). الفلكلور (الأدب الشَّعبي): " يطلق اسم الفلكلور على الكتابات العامية الشعبية المستقاة من المجتمعات الريفية والبدوية، وهي عبارة عن ترنيمات وفكاهات قيلت في مناسبات، وجرت مجرى الأمثال، تصدر عن العقلية البسيطة الساذجة الَّتي لم تصل إليها الثقافة العربية الَّتي اتصلت بالقرآن الكريم والحديث النَّبويّ وشعر الشعراء الفحول، وهي تمثل طفولة البشرية وسذاجة المجتمعات قبل تحضرها واتصالها بالأدب الرفيع، ولم تكن هذه الكتابات أهمية تذكر لولا

стр. 350

أن المستشرقين ودعاة الغزو الفكري كانوا قد تنبهوا إلى ذلك منذ وقت بعيد؛ رغبة منهم في إعزاز العامية وخلق تراث لها يمكنهم من الادعاء بأن العامية هي لغة مستقلة تختلف عن اللغة العربية الفصحى، وقد وصف الفلكلور بأنَّه كل ما يتصل بالسذاجة والانحطاط في الحس الجمالي والفني. ومصطلح الفلكلور لا يشمل في مفهومه فنون القول فحسب، وإنَّما هو يشمل كل الفنون والمصنوعات والعادات والتقاليد والمناسبات الخاصة، والاحتفالات المتعاقبة بها، والتي يتبعها شعب من الشعوب البدائية، وما يتعلق بعطاءات البيئة وحياة الأمم، وإعادته مرة أخرى بعد أن عدت الشعوب والأمم هذا التطور ودخلت في الإسلام الذي قدم لها أرقي المفاهيم وأصح القيم في مختلف مجالات الميتافيزيقا (الغيب) والحضارة، فهي ردة إلى المثل العامية الساذجة الَّتي قالها النَّاس في عهود السذاجة والضعف والعجز عن فهم الكون الواسع. والهدف ماكر خبيث من حيث إحياء النكات والأمثلة والرقص، ومفاهيم الخوف من الطبيعة والأساطير، وتقديم الذبائح للآلهة. وكل هذا يهدف إلى إعلاء شأن العاميات الَّتي لا تستطيع أن تعبر إلَّا عن أدنى المشاعر، وهل يمكن أن يوضع هذا في صف أدب الفصحى ومفاهيم الحضارة الَّتي نشرها الإسلام بتحرير العقل البشري من عبادة الأوثان وكل ما يتعلق بالخرافات والعرافين؟! إن الهدف هو الردة إلى القديم البالي في عصر الوثنية، وحجب المسلمين عن مفاهيم الحضارة الإِسلامية الَّتي قدمتها للبشرية.

стр. 351

ولقد تحدث الباحثون في هذا الصدد فأشاروا: أولًا: إلى أن الأساطير والسير الشعبية، وألف ليلة، ومجموعة الأمثال العامية؛ لا يمكن أن تقدَّم تصورًا صحيحًا للمجتمعات الإِسلامية. ثانيًا: أن هناك انقطاعًا حضاريًا قد تم بين عصور ما قبل الإسلام وعصر الإسلام نفسه، وأن هذا الفلكلور ليس هو تراث مجتمعاتنا الإِسلامية الحقيقي الذي تكون منذ أربعة عشر قرنًا. وعندنا أن إحياء الفلكلور لا تتحقق به المحافظة الشخصية للأمة، ولا يمكنها من أن تنمو وتزدهر وتتمكن من الحفاظ على ذاتيتها الخاصة، ولا من رد أي عدوان عليها، وإنَّما الذي يستطيع ذلك هو الميراث الإِسلامي الحقيقي: (القرآن والسنة)، واللغة الفصحى، وتاريخ الإسلام؛ ذلك أن الفلكلور يقوم على أوهام الشعوب وأهوائها، وعلى أدنى قدر من العواطف والمشاعر التى تتعلق بها النفوس الضعيفة المحدودة الأفق، التى لم تصل إلى قدر من الثقافة التى يقدمها الإسلام من حيث تحرر النفس والعقل من الوثنيات والماديات. وفرق عميق بين التاريخ وبين الفلكلور وبين التراث، بل إن الفلكلور نفسه إنَّما يستهدف إحياء الإقليميات والوثنية والتقاليد والعادات التى انحرفت عن مفهوم العقائد الصحيحة، ممَّا صنعه الإنسان البدائي الساذج في حالات الفرح والحزن، وفي خلال مراحل الالتقاء الاجتماعي العام، وهي في مجموعها خارجة عن أصول الدِّين الحق الذي هدينا إليه، ولذلك فإن إحياء هذا النوع من التراث هو إحياء لدعوة التفرقة والجهل والتمزق، ذلك

стр. 352

أن قدرًا كبيرًا من هذا التراث يتعارض مع القيم الأساسية التى بناها الإسلام في نفوس أهله. والمعروف أن المواويل والأغاني هي مجموعة خواطر ساذجة، سواء في الأفراح أو الأحزان، وهي في مجموعها تعارض المفهوم الإِسلامي الذي يرتقي عن الندب واللطم إلى قبول أمر الله، والرضا به، والإيمان بكل قدر الله. وهذا كله يصل بنا إلى أن نشجب القول بأن التراث الشَّعْبِيّ للمجتمع هو المرأة التى تعكس ما استقر في الوجدان الاجتماعي من توهمات عرفتها طفولة البشرية عبر العصور والأجيال، هذا الوجدان وجدان زائف مبطل، ولا يصح القياس عليه لأنَّه انحرف عن مفهوم الإسلام. وهذا كله كذب، والقول بأن المواويل والأغاني والفكاهات والنكات هي تراث شعبي يصور نفسية الأمة ويدل عليها وهم باطل، وإنَّما الحقيقة أن هذا كله ركام زائف ممَّا عرفته الأمم في عصر بداوتها، وفي مرحلة طفولتها قبل أن تدخل مرحلة الرشد الفكري الذي أدخلها إليه الإسلام" (١). نهاية التاريخ: هذه اللفظة أطلقها المفكر الأمريكي "فوكوياما" سنة ١٩٨٩ م، ويعني بها: "أن نهاية التاريخ بمعني نهاية الصراعات الإنسانية قد تكون قد حلَّت بهيمنة الرأسمالية الحديثة التى حلت مشكلة الفقر والصراع الطبقي .. "؛ فالرأسمالية الحديثة -في نظره- هي أقصى ما سيبلغه البشر، فلا يتعبوا

стр. 353

أنفسهم في البحث عن غيرها! يقول الدكتور محمد هلال مبينًا تهافت هذه اللفظة وما يُعني بها: "نحن نقول صراحة وليس ضمنًا: إن الإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله للإنسان: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (١)، وهو الخضوع لله الناتج عن الإِيمان بأنَّه من عند الله خالق الإنسان الذي يشرع له ما يعلم أنَّه يصلح له: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ (٢)، ومحمد رسول الله وخاتم النبيين: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٣)، وشريعته خاتمة الشرائع: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (٤)، ومكتملة اكتمالًا ذاتيًا تامًا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٥). وعليه فالرسالة المحمدية هي خطاب الله الأخير للإنسان حتَّى يرث الله الأرض وما عليها، فهي دائمة دوام الإنسان، والشريعة الإِسلامية صالحة بذلك لكل زمان ومكان، وهذا لا يعني أن الشَّريعة قد قدمت أحكامًا مفصلة لكل ما يطرأ من أمور الحياة كلها، بل ولم يقصد في الأصل تأدية

стр. 354

هذا الغرض، ولهذا (فإن الشارع أراد منا نحن المسلمين أن نقوم بأنفسنا بوضع التشريعات الإضافية الضرورية عن طريق اجتهادنا، أي عن طريق التحليل العقلي المستقل؛ شرط أن يكون منسجمًا مع الإسلام وغاياته. وأي اجتهاد قد نقوم به في ظل القرآن والسنة سيظل دائمًا عرضة للنسخ والتعديل من قبل اجتهاد الأجيال التى تلينا. إن الشريعة لا يمكن تغييرها لأنها ناموس إلهي، بل إنَّه ليس هناك ضرورة تدعو إلى تغييرها؛ لأنَّ كل أحكامها صيغت بحيث لا يتعارض أحدها مع الطبيعة الأصيلة للإنسان والمطالب الجوهرية للمجتمع البشري في كافة الأزمنة والعصور. وهكذا فعندما يكون الحكم المنصوص عليه في الشريعة تفصيليًا مسهبًا فإننا سنجد أنَّه يتعرض لأمر يتعلق بوجودنا المستقل عن التأثر للتغيير الزمني؛ كالعناصر الجذرية للطبيعة البشرية، أو للعلاقات الأساسية بين النَّاس. لكن في الأمور التى لا بد وأن يشملها التغيير الزمني؛ كالشؤون المتعلقة بشكل الحكومة، أو الفنون الصناعية، أو ما شابه ذلك فإن الشريعة -كي لا تقف حجر عثرة في سبيل التقدم الإنساني- لا تنص على أحكام مسهبة، ولكنها تكتفي إمَّا بإرساء قواعد عامّة فحسب، أو تصمت إزاءها كل الصمت فلا تسن أي تشريع، وهذا هو الموضع الذي يجوز لنا أن نجتهد فيه) عن كتاب منهاج الإسلام في الحكم للأستاذ المرحوم محمد أسد ص ٣٧. وعليه فنحن لا نقول لا صراحة ولا ضمنًا بأن التاريخ انتهى بانتهاء الرسالات؛ لا بمعنى انتهاء الصراعات الإنسانية كما يقول "فوكوياما"، ولا بمعنى أنَّه سيوجد نظام عالمي مستمر ونهائي، والمقولتان قريبتان، بل إن الله

стр. 355

عزَّ وجلَّ يقول: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (١). وعليه فإن الصراع الذي أراده الله بين الحق والباطل قائم إلى قيام الساعة: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ (٢). كما وإننا لا نرى أن الليبرالية أو الديمقراطية الرأسمالية هي الحل النهائي لمشاكل الإنسانية، ولا نرى أيضًا أن الغرب قد تخلى عن الإمبريالية، بل ولا نرى أيضًا أن النازية. كانت انحرافًا عابرًا في التاريخ الغربي؛ فالنازية عنصرية قائمة على العرق، وإسرائيل -وهي وليدة الليبرالية الحديثة ومتبناتها- هي عنصرية قائمة على الدين، وجنوب إفريقيا -وهي وليدة أخرى لليبرالية- هي عنصرية قائمة على اللون، بل إن النظام العالمي الذي تهيمن عليه الليبرالية هو عنصرية قائمة على مزيج من الهوية التاريخية والغلبة العسكرية" (٣). الحرية الفكرية: هذا المصطلح يستعمله الشانئون للإسلام ولمذهب أهل السنة؛ يهدفون من ورائه إلى السماح بنشر البدع والكفريات والمذاهب الباطلة بدعوي الحرية الفكرية التى لا تقف عند ضوابط الشرع. يقول الشيخ ابن عثيمين ﵀: "إن الإسلام قد أعطى كل إنسانٍ حريته، لكن ما هي الحرية الصحيحة؟
следующие страницы →