← Акыда

Акыда · id 895

المستدرك على معجم المناهي اللفظية

سليمان الخراشي

Полный текст (423 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

خرَّج بعضهم على ذلك قاعدة: "المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا"، ولعل هذا الربط بين دلالة مصطلح الثقافة ومصطلح العرف -إن صح وجاز- يعطي ثقافة المجتمع موقعًا شديد الحساسية والخطورة في الوعي الإِسلامي المعاصر، ويكشف الغطاء عن محاولات التزوير والتخدير الَّتي تمارس ضد العقل الإِسلامي لحرمانه من ممارسة واجبه المشروع في حماية ثقافته من عمليات الاختراق الأجنبي المتنوعة؛ حيث شاعت في العقود الأخيرة الكتابات الَّتي تهزأ من الحديث عن (الغزو الثقافي)، وتحاول أن تربط ذلك بالتشدد أو التطرف الديني، أو العنصرية القومية، أو ما شابه ذلك من اتهامات وتلويحات؛ يحدث ذلك على الرغم ممَّا تحمله لنا التقارير والأخبار من حالات سخط واستنفار في دوائر المثقفين والأجهزة الرسمية في بعض الدول الأوروبية -مثل فرنسا- ضد ما يسمونه: "الغزو الثقافي الأمريكي"؛ وذلك من خلال المسلسلات والأفلام والمطاعم الأمريكية وغيرها الَّتي تصبغ المجتمع بصبغة غربية وطارئة، وتمزق العرف العام في المجتمع وتشوه الأجيال الجديدة، وهذا كله صحيح بالنسبة لفرنسا، ولكنه أكثر صحة وخطرًا بالنسبة لنا نحن المسلمين؛ وذلك أن أواصر القربي بين الثقافتين الأمريكية والفرنسية أكثر من أن تحصى، فإذا كان الفرنسيون يفزعون من الغزو الثقافي الأمريكي، وهم على هذا الوجه من القربي؛ فكيف بنا ونحن على النقيض من الثقافة الأمريكية قيمًا وأخلاقًا، ونظام حياة وسلوكًا أسريًا، ودينًا وحضارة؟! إن (الثقافة) أو (العرف) -إن شئنا الدقة- هو البوتقة الَّتي تنصهر فيها

стр. 72

فعاليات البشر في المجتمع، وهي ماء الحياة فيه؛ لأنها تمنح النَّاس الحساسية الإنسانية تجاه الذوق الاجتماعي، وتجاه محددات (العيب)، و (الجائز وغير الجائز) من السلوك. إن النَّاس قد ينسون الأصل الشرعي لحرمة الفعل أو عيبه أو نكرته، ولكنه يبقى في وعيهم أن هذا عيب أو حرام أو منكر. وعندما يقع التشتت والتمزق في الوعي الثقافي يتبعه التمزق في النسيج الاجتماعي، والتمرد على القيّم والتقاليد الحافظة لتواصل المجتمع ونقائه ومجمل أخلاقه؛ ولذا فلا غرو في أن الغزو الثقافي يؤثر جوهريًا في الأصل العام في الإسلام؛ ألا وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"؛ وذلك أن (المعروف والمنكر) رغم أنهما ينبعان من الأصل الديني مباشرة إلَّا أنهما -في السلوك الاجتماعي- وعي ثقافي عند العامة بشكل أساس، وعرف عام تغلغل في نسيج المجتمع، وعندما يضعف إلمام النَّاس بالشريعة وعلومها وحججها يبقى هذا العرف الاجتماعي أو "الثقافة" الَّتي تصبغ نسيج المجتمع وعفويته تبقى هي الحافظة المعنى المنكر والمعروف. صحيح أن بعضًا من الخلط والانحراف يقع، وهذا أمر محتوم، ولكن يبقى أن النسيج العام للمجتمع يعرف المعروف وينكر المنكر. ولعل القرآن الكريم قد ضرب لنا مثلًا واضحًا في خطورة التخريب الثقافي الَّذي يصل إلى حد الانقلاب في العرف العام في المجتمع من خلال قصة "قوم لوط" ومقولتهم العجيبة: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ

стр. 73

أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (١)، ولعلنا نرى الآن في بعض الدول الأوروبية كيف أن العرف قد انتكس بالفطرة الإنسانية إلى قريب من هذا الدمار الَّذي حَدَثَ مع قوم لوط في أخلاق النَّاس وفوضى السلوك الاجتماعي، وينبغي أن نتذكر جيدًا أن هذه الانتكاسات لم تأت عبر خطب أو بيانات أو إقناعات مباشرة أو منطق مفترض، وإنَّما أتت عبر عمليات التآكل المستمرة في القيم والأعراف، والتي تؤدي مع الوقت إلى اختراق "ثقافة المجتمع" وإفقادها مناعتها وحصانتها، وبذلك تخرج أجيال جديدة متمردة ومفرغة من كل قيمة أو وعي رشيد؛ فإنَّ استمر هذا التفريغ انتهى الأمر إلى انتكاسة الفطرة بكاملها، أو أن يقيض الله للمجتمع من يوقف هذا الانهيار ويجدد عهد النَّاس بالقيم والدين منبع العرف في المجتمع الإِسلامي والبوتقة الَّتي تنصهر فيها كل فعاليات المجتمع المسلم على مر التاريخ، لتتحول إلى وعي ثقافي عام يطبع نسيج المجتمع بطابعه، بل يصبح هو نسيج المجتمع ولُحمته. ويبقى أن نشير إلى باب آخر من أبواب الغزو الثقافي ينبغي التحذير منه في هذا السياق؛ ألا هو الحديث الشيق الطريف عن العالم الَّذي أصبح قرية واحدة"، وهي المقولة الَّتي تتسرب الآن في المقالات والكتابات -حتَّى الإِسلامية منها مع الأسف- غير متنبهة إلى أنَّها مزلق يُستغل لتخدير الوعي الإِسلامي وشله عن المقاومة للغزو الثقافي، بل لإصابته باليأس أصلًا باعتبار أن الطوفان التغريبي قدر مقدور، ولأن العالم أصبح قرية واحدة؛ فكيف نستطيع أن نتحوط منه ونتحصن ثقافيًا وقيميًا؟! ورغم أننا في هذا العالم الَّذي أصبح قرية

стр. 74

واحدة نجد في أمريكا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا العديد من حالات مصادرة الكتب أو المحاكمات على أفكار نشرت، وحظر برامج تلفزيونية أو حتَّى حجب مواقع على الإنترنت، وهذا يعني أن العالم لم يكن قرية واحدة ولن يكون، صحيح أن قدرات التواصل مع ما يدور في العالم أصبحت أكثر وأوفر، ولكن تبقى هناك حواجز مهمة وخنادق يمثلها قوة العرف في المجتمع وحيويته الثقافية بما في ذلك حضور الدين حيًا وفاعلًا في ضمير أجياله الجديدة" (١). المسجد الأقصى ثالث الحرمين: سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: "هل يُطلق على المسجد الأقصى اسم الحرم؟ وما تعليق فضيلتكم على كلمة: المسجد الأقصى ثالث الحرمين؟ ". فأجاب ﵀: "أمَّا المسجد الأقصى فإنَّه لا يطلق عليه حرم، وليس محرم. وقولهم: (ثالث الحرمين) توهم أنَّه منها. وليس كذلك" (٢). رجم الجمار: قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ ضمن فتوىً له في أحكام الحجّ: " .. ولكن عندي ملاحظة على قولها (ترجم)؛ لأن الأولى أن لا يكون التعبير بترجم، وإنما يكون التعبير بالرمي. فيقال: رمي الجمار. ولا يقال: رجم الجمار". (٣).

стр. 75

وقال ﵀ في فتوى أخرى: "أحب أن يكون تعبيره عن رمي الجمرات بلفظ (الرمي) لا (الرجم)؛ وذلك لأن هذا هو التعبير الَّذي عبر به النَّبِيّ ﷺ في قوله: "إنَّما جعل الطَّواف بالبيت، والسعي بين الصَّفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر الله". وكلما كان الإنسان في لفظه متبعًا لما في الكتاب والسنة كان أولى وأحسن" (١). العلوم الحديثة: وقد وصل الأمر أنَّه حينما طالب بعض العلماء بدراسة بعض العلوم الَّتي أهملت دراستها وقرر الأَزْهَر إضافتها إلى مناهج الدراسة، أن أطلق عليها اسم (العلوم الحديثة). وفي رأينا هذه التسمية خاطئة ومضللة. فهي خاطئة لأنها تعكس الحقيقة التاريخية الثابتة؛ فكل هذه العلوم الَّتي سميت خطأ "حديثة" ليست حديثة إطلاقًا على الحضارة الإِسلامية، فالعلوم الإِسلامية الَّتي لا تزال المؤلفات فيها باقية، وطبعته ونشرت، تشتمل على جميع فروع العلوم من هندسة وطب وزراعة وكيمياء، ممَّا كانت تدرسة الجامعات الأوربية في بدء عصر النهضة ولقرون تالية (٢). وهذه التسمية مضللة لأنها توحي إلى الدارسين في المعاهد والجامعات الإِسلامية وغيرهم بأن هذه العلوم حديثة بمعنى أن علماء المسلمين الأوائل

стр. 76

لم يعرفوا عنها شيئًا، وإنما تم نقلها حديثًا من العلوم الغربية الحديثة، مع أن "علم الجبر" لا يزال يسمى باسمه العربي في اللغات الأوروبية (١). ومن الثابت تاريخيًا أن عبد اللطيف البغدادي (٥٥٧ - ٦١٩ هـ) "كان يلقي دروسه في الطب بالأزهر ظهر كل يوم"، كما يقول الدكتور عبدالحليم منتصر (٢). فلا يجوز -والحال هذه- أن تطلق معاهد التعليم الإسلامية اسم "العلوم الحديثة" على علوم كان للعلماء المسلمين القدامى فضل ترجمة ونقل أسسها عمن سبقهم في المشرق، من الهنود والفرس، أو في المغرب من اليونان، والزيادة فيها وإضافة قواعد ونظريات ابتكروها، وأضافوها إليها، أو علوم كان لهم فضل ابتكارها كعلم الجبر" (٣). القرآن مُنْتَج ثقافي: يقول الدكتور محمد سالم محمد: "بدأت تشيع في عبارات بعض الباحثين أن القرآن منتج ثقافي -بفتح التاء في منتج- وذلك حين يقول الدكتور نصر حامد أبو زيد في كتابه مفهوم النص: "إن النص في حقيقته وجوهره منتج ثقافي، والمقصود بذلك أنه تشكل في الواقع والثقافة … الخ" (ص ٢٤)

стр. 77

وكذلك ما يقوله المستشار محمد سعيد العشماوي بإن نصوص القرآن مرتبطة بأسباب النزول. والحقيقة أن مذهب هؤلاء في ربط القرآن بأسبابه يجعل القرآن منتجًا (بفتح التاء) ثقافيًا هو تطبيق للنظرية التي عرفتها فلسفة التنوير الغربي العلماني في القرن السابع عشر والثامن عشر باسم "تاريخية النصوص المقدسة" .. فإذا كان الإسلام تاريخيًا، ونصوصه مرتبطة بأسباب النزول، ومرتبطة كذلك بحوادث تاريخية، فهدف هؤلاء محو الإسلام وتفريغه من محتواه" (١). النظام العالمي الجديد: ويقال "النظام العالمي المعاصر"، "وهو كلمة أعلنها الرئيس الأمريكي "بوش" بعد أزمة الخليج ١٤١١، وليس له لائحة معلنة ذات مواد! وإنما حقيقته من خلال القوى العاملة في "المؤسسات الدولية" مثل: "مؤتمر وحدة الأديان" و "مؤتمر المرأة والإسكان" و "مؤتمر التعليم الدولي" فهو: نظام استعماري غربي من وجه جديد ضد أمم وحضارات وديانة الجنوب، وفي مقدمتها "الأمة الإسلامية"؛ يهدف إلى سلب الدين والأخلاق، وفرض التقاليد والتبعية لهم في خصوصيات حضارتهم في الدين والأخلاق، ونشر الإلحاد والإباحية" (٢).

стр. 78

مفاهيم (تسمية العقيدة بهذا الاسم): قال الشيخ بكر أبو زيد -سلمه الله-: "غلط من ألف في التوحيد من نصوص الكتاب والسنة بما جرى عليه الصحابة ﵃ فمن بعدهم من سلف هذه الأمة؛ ثم سمي مؤلفه في العقيدة الإسلامية والتوحيد بقوله: "عقيدتنا" أو "عقيدة فلان"؛ لأنه لا اختصاص لأحد فيها؛ بل هي العقيدة الإسلامية التي أجمع عليها سلف الأمة وصالحها، وفلان من الأئمة مبلغ لها. نعم إذا ألف مخالف لها صح أن يقصرها على نفسه من تابع أو متبوع؛ لأنها ليست العقيدة الإسلامية بصفائها. بل لو سماها: "العقيدة الإسلامية" وفيها ما فيها من مخالفات لكانت تسمية ينازع فيها؛ لما فيها من التدليس واللبس -إلى أن قال- وأما من كتب في العقيدة الإسلامية وسماها "مفاهيم" فهو غلط من وجهين: الوجه المذكور. والثاني: أن أسس العقيدة ليست مفاهيم؛ بل هي نصوص قطعية الدلالة؛ كقطعيتها في الثبوت. والله أعلم" (١). تغير الأحكام: قال الشيخ بكر أبو زيد -سلمه الله-: "حصل من بعض المعاصرين خطأ في قوله: تغير الأحكام؛ فالحكم ثابت لا يتغير؛ وإنما الفتوى به حسب المقتضى الشرعي؛ كما في سهم المؤلفة قلوبهم. والله أعلم (٢).

стр. 79

الوسطية: " وسطية الإسلام بدهية لا تحتاج إلى كثير بيان، وكيف يحتاج إلى بيان ما أوضحه محكم التنزيل بأجلي بيان؛ كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (١). وقد أفاض أهل العلم من السلف والخلف في بيان وسطية هذا الدين وبراءته من كل إفراط أو تفريط، ومن ذلك ما قاله الإمام الطبري ﵀: "وأرى أن الله تعالى ذِكْرُه إنما وصفهم بأنهم وسط لتوسطهم في الدين، فلا هم أهل غلو فيه غلوّ النصارى الذين غلوا بالترهب وقبلهم في عيسي ما قالوا فيه، ولا هم أهل تقصير فيه تقصير اليهود الذين بذلوا كتاب الله وقتلوا أنبياءهم وكذبوا على ربهم وكفروا به، ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه، فوصفهم الله بذلك إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها" (٢). ويقول الإمام ابن القيم: "ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه، كالوادي بين جبلين والهدى بين ضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين؛ فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له فالغالي فيه مضيع له؛ هذا بتقصيره عن الحد، وهذا بتجاوزه الحد" (٣). وكما أن أهل الإسلام وسط بين أهل الملل، فإن أهل السنة والجماعة وسط بين فرق الأمة: "فهم وسط في باب صفات الله بين أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة، وهم وسط في باب أفعال

стр. 80

العباد بين الجبرية والقدرية وغيرهم، وفي باب الوعد والوعيد بين المرجئة والوعيدية من القدرية وغيرهم، وفي باب أسماء الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة وبين المرجئة والجهمية، وفي أصحاب رسول الله ﷺ بين الرافضة والخوارج" (١). بيد أن مفهوم الوسطية في الإسلام قد تعرض كما تعرض غيره من المفاهيم إلى قدر غير يسير من الخلط والتشويه؛ إن بحسن نية وإن بسوء نية. فتحت دعوى وسطية الإسلام تميعت كثير من القضايا الإسلامية واختلط فيها الحق بالباطل، وضل عن معرفة الحق الكثيرون. فنحن نجد بين الإسلاميين مثلًا من ينادي بالديمقراطية نظامًا للحكم، ثم لا يخجل من أن ينسب ذلك إلى الإسلام، بل يعتبر ذلك من وسطية الإسلام، وأنه لا يخالفه في ذلك إلا من شذ عن مجمل الخطاب الإسلامي العام، ونجد بعض أهل العلم المعاصرين يفتي بأن الإسلام لا يحرم النهج الديمقراطي، بل يقول إنه إن وصل الإسلاميون إلى الحكم ثم اختار الشعب غيرهم من انتخابات تالية فعليهم أن يتنازلوا طواعية عن الحكم لمن يحكم الناس بالعلمانية أو الشيوعية أو غيرها من المذاهب الأرضية! ويوم أن أعلن أن تركيا قد سحبت أعترافها بجامعة الأزهر، لم يجد رئيس جامعة الأزهر دفاعًا عن جامعته إلا أن يقول إنها تمثل الوسطية وتنبذ التطرف، هذا مع أن الحكومة التركية لم تقدم على قرارها المذكور خوفًا مما

стр. 81

يسمونه بالتطرف، وطلبًا للوسطية والاعتدال، بل القاصي والداني يعلم أنها إنما فعلت ذلك تنفيذًا لمبادئ علمانيتها العادية لكل ما هو إسلامي. وليس من غرضي في هذه العجالة أن أستقصي مظاهر الخطأ في فهم قضية الوسطية، وإنما أريد هنا أن أُذكر بعدة حقائق أرى أنها لا بد من أن تكون مائلة في الأذهان عند كل حديث عن قضية الوسطية: الحقيقة الأولى: أن الوسطية من الناحية اللغوية مصدر صناعي من الوسط وهو العدل الخيار؛ قال في القاموس: "الوسط محركة من كل شيء"، وقال في النهاية: "يقال: هو من أوسط قومه؛ أي من خيارهم"، ومنه قول الصديق ﵁ يوم السقيفة عن قريش: (هم أوسط العرب نسبًا ودارًا) (١). وعلى هذا المعنى اللغوي ينبغي أن تُفسر وسطية الإسلام، وبهذا التفسير جاءت السنة المطهرة؛ ففي الصحيح عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "يجيء نوح وأمته، فيقول الله تعالى: هل بلغت؟ فيقول: نعم، أي رب. فيقول لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: لا ما جاءنا من نبي، فيقول لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد ﷺ وأمته. فنشهد أنه قد بلَّغ، وهو قوله جل ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (٢). والوسط العدل" (٣). والشاهد من ذلك قوله: (والوسط العدل)، وقد بين الحافظ في الفتح أن قوله:

стр. 82

(والوسط العدل) من كلام النبي ﷺ ، وليس مدرجًا كما توهم البعض (١). وأيضًا فهذا التفسير هو المتسق مع كون هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس؛ قال الشنقيطي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾: "أي خيارًا عدولًا، ويدل لأن الوسط الخيار العدول قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (٢) " (٣). ثم إن تفسير الوسطية بالعدالة والخيرية هو المتفق مع مرتبة الشهادة التي نالتها هذه الأمة؛ فالشاهد لا بد أن يكون عدلا، وفي فتح الباري: "وشرط قبول الشهادة العدالة، وقد ثبت لهم هذه الصفة بقوله وسطا، والوسط العدل" (٤). وهذا التفسير مروي عن جمع غفير من السلف؛ منهم: ابن عباس ومجاهد وقتادة وعطاء وغيرهم (٥). وقد قال الطبري ﵀: "فمعنى ذلك: وكذلك جعلناكم أمة وسطًا: عدولًا لتكونوا شهداء لأنبيائي ورسلي على أممهم بالبلاغ … " (٦). وقال الحافظ ابن كثير: "والوسط ههنا: الخيار والأجود؛ كما يقال: قريش أوسط العرب نسبًا ودارًا؛ أي خيرها، وكان رسول الله وسطًا في قومه؛ أي أشرفهم نسبًا" (٧)، ثم استدل ﵀ بحديث أبي سعيد السابق.

стр. 83

الحقيقة الثانية: أن هذا الذي ذكرناه من أن الوسطية هي الخيرية لا ينافي ما صدرنا به الكلام من كون الوسط هو الجزء بين طرفين؛ إذ قد ظهر بالاستقراء صحة هذا المعنى أيضًا، لكنا نقول -والله أعلم-: إن هذا المعنى للوسطية هو كالنتيجة لكون الإسلام وسطًا بالمعنى الأول؛ ذلك أن الله تعالى قد جعل شريعته الغراء هي الحق في مقابل أهواء البشر وضلالاتهم؛ كما قال تعالى لرسوله الكريم: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾ (١)، ولما كانت الأهواء متناقضة يميل بعضها إلى الغلو وبعضها إلى التقصير، فإن الحق الذي هو شريعة الله لا بد أن يكون وسطًا بين هذه الأهواء المتضاربة. والمقصود من ذلك بيان أنه وإن كان الغالب أن يوجد في كل قضية طرفان مذمومان بينهما وسط ممدوح، إلا أن ذلك ليس بحتم لازم، ولا يقدح ذلك في فكرة الوسطية؛ لأن معناها الأصلي وهو الخيرية موجود على كل حال. ولذلك فإن ما يقرره أهل الفلسفة من أن الفضيلة وسط بين رذيلتين ليس صحيحًا على إطلاقه؛ فلئن صح أن تكون الشجاعة وسطًا بين الجبن والتهور، وأن يكون الكرم وسطًا بين الإسراف والبخل، إلى آخر ما ذكروه، فإن قاعدتهم لا تنطبق على مثل فضيلة الصدق وفضيلة العدل؛ فالصدق يقابله الكذب، ومثله العدل يقابله الظلم، وليس أي منهما وسطًا بين رذيلتين. وربما يجد الناظر وسطا بين باطلين، ومع ذلك فليس هو بالحق بل هو

стр. 84

باطل مثلهما؛ ألا ترى أن المعتزلة قد توسطوا في باب الإيمان بين الخوارج القائلين بتكفير أهل الكبائر، وبين المرجئة القائلين بأن مرتكب الكبيرة مؤمن كامل الإيمان؛ حيث قال المعتزلة: إن مرتكب الكبيرة فاسق خرج من الإيمان لكنه لم يدخل في الكفر، فوسطية المعتزلة في هذه الجزئية ليست مما يمدح لما اقترن بها من الباطل مثل الحكم على أهل الكبائر بالخلود في النار، فهي وسطية تخالف الوسط الذي بمعنى الخيرية، وهو الذي جاءت به نصوص الشرع الحنيف. الحقيقة الثالثة: أن وسطية الإسلام ليست بمعنى الوسط الحسابي الذي يُعرِّفونه في علم الإحصاء المعاصر بأنه: ناتج قسمة مجموع القيم على عددها، ولا هو بمعنى الوسيط؛ وهو القيمة التي تقسم المجتمع إلى قسمين بحيث يكون ما قبلها مساويًا لما بعدها؛ أي أن الإسلام ليس وسطًا بمعنى أنه يحتوي على نسبة متساوية من كل من الطرفين، أو أنه يقف في نقطة تبعد بنفس المسافة عن كل من الطرفين. فنحن نعلم مثلًا أن أهل السنة والجماعة وسط في باب الصفات بين الشبهة والمعطلة، ومع ذلك فمسافة ما بين أهل السنة وأهل التعطيل أبعد من مسافة ما بين أهل السنة وأهل التشبيه؛ قال في شرح الطحاوية: "وشبهة النفي أردأ من شبهة التشبيه؛ فإن شبهة النفي رد وتكذيب لما جاء به الرسول ﷺ ، وشبهة التشبيه غلو ومجاوزة للحد فيما جاء به الرسول ﷺ " (١). وفي واقعنا المعاصر كان يقال دائمًا: إن الإسلام وسط في باب المال

стр. 85

والاقتصاد بين الرأسمالية والشيوعية، ومع ذلك فالرأسمالية مع فسادها وخلالها أقرب منهجًا إلى الإسلام من الشيوعية، ولا يصح أن يقال إن الإسلام يقف في المنتصف تمامًا بين الرأسمالية والشيوعية. الحقيقة الرابعة: أن الوسطية وصف ثبت هذه الأمة بالجعل الإلهي القدري؛ كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ﴾. أي أن الوسطية ليست منهجًا في استنباط الأحكام، ولا هي حتى طريقة من طرق الترجيح التي قد يلجأ إليها المجتهد عند تعارض الأدلة، أو عند تناقض الأقوال الواردة عن السلف في مسألة ما. ومعني ذلك أنه ليس على طالب الحق أن يسعى إلى الرأي الوسط في كل أمر يعرض له، وإنما الواجب عليه أن يسعى لمعرفة حكم الشرع عن طريق الأدلة الشرعية، فإذا وصل إليه كان هذا هو الوسط الذي أراده الل سمة من سمات هذه الملة. وبعد؛ فلعله قد استبان من هذه الحقائق التي ذكرناها بطلان ما يدعيه دعاة العصرية، الذين ينهجون نهجا توفيقيًا يحاولون فيه المواءمة بين حقائق الإسلام وبين ما يفد إلينا من ثقافة الغرب وحضارته، ولعله قد أستبان أيضًا عدم صحة ما يبديه بعض الإسلاميين من تنازلات وتساهلات في الأحكام الشرعية بدعوى الحفاظ على مبدأ الوسطية. وعلى ذلك فلا يصح أن يجعل البعض من قضية الوسطية سيفًا مسلطًا على كل من خالفه، فيرميه بأنه قد غلا وخالف الوسطية والاعتدال، وقد

стр. 86

يكون الحق أن ذاك المتهم بالغلو هو الأقرب إلى الصواب، وأن هذا الذي يدَّعي الوسطية هو التساهل المفرِّط. وإذا كنا قد لا نجد حيلة في إقناع أولئك الذين يريدون أن يُخضعوا الدين لمقتضيات العصر، فإن واجب النصيحة يلزمنا أن ننصح المتساهلين من المنتسبين للعلم والدعوة بأن يراجعوا مواقفهم، وأن لا يسمحوا لضغط الواقع المرير الذي تعيشه الأمة بأن يؤثر على الرؤية الشرعية التي يجب أن تحتكم إلى مقتضى الدليل الشرعي، فما قضى الدليل بأنه غلو يخالف الوسطية فهو كذلك وما لا فلا. وليعلم هؤلاء أن مما يعدونه مخالفة لمبدأ الوسطية ما قد وقع الإجماع على أنه الحق الذي ما بعده إلا الضلال، وأكتفي هنا بذكر مثال واحد يبين صحة ما أقول؛ وهو ما يتعلق بالموقف من أهل الكتاب في ديار المسلمين: فإن الشريعة المطهرة قد جاءت بأحكام واضحة في شأن معاملة أهل الكتاب المقيمين في دار الإسلام منها: وجوب إلزامهم بأحكام الإسلام فيهم، وعلى رأسها دفع الجزية؛ كما قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (١). ومنها: أنه يجب على المسلمين بغضهم وعدم موالاتهم كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى

стр. 87

أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (١) وقال: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٢). لكن هذه الأحكام القطعية صارت عند بعض المنتسبين للعلم والدعوة في بعض بلاد المسلمين غلوًا، وصار القائل بها متطرفًا مخالفًا لوسطية الإسلام تجب البراءة منه، إن لم نقل يجب تحريض السلطات عليه! فها هو شيخ الأزهر (الشيخ طنطاوي) يزور كاتدرائية النصارى في القاهرة ليهنئ (الأنبا شنودة) بما يسمونه عيد الفصح، ويصرح طبقًا لما أوردته جريدة الحياة بتاريخ ٢٤/ ١٢/ ١٤١٨ هـ بأن "اللقاء مع شنودة وقيادات الكنيسة يعبر عن الإخاء الصادق، والمحبة الخالصة لوجه الله"، ويقول: "إننا دائمًا نلتقي حيث لا عداوة ولا بغضاء بين أي مسلم وأي مسيحي في مصر، والقيادات الإسلامية والمسيحية متحابة، بل وأصدقاء"!! أما المفتي (الشيخ نصر فريد) فقد قال في نفس اللقاء: "إن لقاءنا مع البابا وقيادات الكنيسة هو تجسيد لوحدة هدف المصريين جميعًا، ونموذج عملي للعالم كله على تسامح مصر الديني، ونبذها بل وتحريمها التعصب والفرقة والانقسام بسبب العقائد". وكذلك قد اعتادت إحدى الجماعات الاسلامية بمصر أن ترسل إلى الكنيسة وفدًا في كل عيد من أعياد النصارى لتهنئتهم به، وقد أصدرت تلك الجماعة منذ سنوات بيانًا تبين فيه موقفها من الأقباط، فكان مما جاء فيه أن

стр. 88

الجماعة ترى: "أن المواطنة أو الجنسية التي تمنحها الدولة لرعاياها حلَّت محل مفهوم أهل الذمة، وأن هذه المواطنة أساسها المشاركة الكاملة والمساواة التامة في الحقوق والواجبات … " (١). وهذا الذي يزعمون أنه من وسطية الإسلام واعتداله -باطل بيِّن البطلان، يرده ما أوردناه من الآيات وغيرها من أدلة بغض الكافرين وإلزامهم بدفع الجزية وعدم مساواتهم بأهل الإسلام، وقد جاء في فتاوي اللجنة الدائمة (١/ ٥٤١): "وأما من لم يفرق بين اليهود والنصاري وسائر الكفرة وبين المسلمين إلا بالوطن، وجعل أحكامهم واحدة فهو كافر". بل إن مجرد تهنئته أولئك النصارى بأعيادهم مما وقع الاتفاق على تحريمه كما ذكر الإمام ابن القيم ﵀، كما بين أن فاعله إن سلم من الكفر فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يهنئهم بسجودهم للصليب (٢)، فإنا لله وإنا إليه راجعون" (٣). البساط أحمدي: قال الشيخ فكري الجزار في "مختصر النبراس" (٤): "يقولونها لمن رأوا

стр. 89

منه تحرجًا أو تكلفًا أو تشددًا في أمر ما. ويقصدون بها: طرح التكلف والاحتشام بين الحاضرين. ولكنها نسبة غير شرعية: ١ - لأنها نسبة إلى "أحمد البدوي" الصوفي صاحب الطريقة الصوفية المبتدعة. ٢ - ولأنه كما ذكر الأستاذ تيمور في كتابه عن الأمثال العامية: قد كان لهذا البدوي الصوفي بساط صغير على قدر جلوسه، ولكنه -لكرامة هذا الصوفي! - يسع كل من جلس عليه ولو كان ألف شخص!! كعادة الصوفية في خرافاتهم التي يريدون بها ترويج مذهبهم المبتدع". اتصفوا بصفات الله: " من عبدالعزيز بن عبدالله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم الشيخ عبدالله السليمان الحميد سلمه الله وتولاه. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد. كتابكم الكريم المؤرخ ٢٣/ ٣/ ٨٦ وصل وصلكم الله بهداه، وما تضمنه من السؤال عما قاله بعض الخطباء في خطبة الجمعة من الحثِّ على الاتصاف بصفات الله، والتخلق بأخلاقه هل لها محمل؟ وهل سبق أن قالها أحد .. إلخ؟ كان معلومًا. والجواب: هذا التعبير غير لائق، ولكن له محمل صحيح، وهو الحث على التخلق بمقتضي صفات الله وأسمائه وموجبها؛ وذلك بالنظر إلى الصفات التي يحسن من المخلوق أن يتصف بمقتضاها، بخلاف الصفات

стр. 90

المختصة بالله، كالخلّاق، والزراق، والإله، ونحو ذلك؛ لأن هذا شيء لا يمكن أن يتصف به المخلوق، ولا يجوز أن يدعيه، وهكذا ما أشبه هذه الأسماء. وإنما المقصود الصفات التي يحبُّ الله من عباده أن يتصفوا بمقتضاها، كالعلم، والقوة، والرحمة، والحلم، والكرم، والجود، والعفو، وأشباه ذلك. فهو -سبحانه- عليم يحب العلماء، قوي يحب المؤمن القوي أكثر من حبه للمؤمن الضعيف، كريم يحب الكرماء، رحيم يحب الرحماء، عفو يحب العفو، إلخ. لكن الذي لله -سبحانه- من هذه الصفات وغيرها أكمل، وأعظم من الذي للمخلوق، بل لا مقارنة بينهما؛ لأنه -سبحانه- ليس كمثله شيء في صفاته وأفعاله، كما أنه لا مثل له في ذاته، وإنما حسب المخلوق أن يكون له نصيب من معاني هذه الصفات يليق به، ويناسبه على الحد الشرعي؛ فلو تجاوز في الكرم الحد صار مسرفًا، ولو تجاوز في الرحمة الحد عطّل الحدود والتعزيرات الشرعية، وهكذا لو زاد في العفو على الحد الشرعي وضعه في غير موضعه. وهذه الأمثلة تدل على سواها، وقد نص العلامة ابن القيم ﵀ على هذا المعنى في كتابيه (عدة الصابرين) و (الوابل الصيب)، ولعله نصَّ على ذلك في غيرهما؛ كالمدارج، وزاد المعاد، وغيرهما، وإليك نص كلامه في العدة والوابل: قال في العدة صفحة ٣١: "ولما كان -سبحانه- هو الشكور على الحقيقة، كان أحب خلقه إليه من اتصف بصفة الشكر، كما أن أبغض خلقه إليه من

стр. 91

عطَّلها، أو اتصف بضدها، وهذا شأن أسمائه الحسنى أحب خلقه إليه من اتصف بموجبها، وأبغضهم إليه من اتصف بأضدادها؛ ولهذا يبغض الكفور، والظالم، والجاهل، والقاسي القلب، والبخيل، والجبان، والمهين، واللئيم، وهو -سبحانه- جميل يحب الجمال، عليم يحب العلماء، رحيم يحب الراحمين، محسن يحب المحسنين، ستِّير يحب أهل الستر، قادر يلوم على العجز. والمؤمن القوي أحب إليه من المؤمن الضعيف، عفو تحب العفو، وتر يحب الوتر، وكلما يحبه من آثار أسمائه وصفاته وموجبها وكلما يبغضه فهو مما يضادها وينافيها ا. هـ". وقال في الوابل الصيب صفحة ٥٤٣ من مجموعة الحديث: "والجود من صفات الرب ﷻ فإنه يعطي، ولا يأخذ، ويطعم ولا يُطعَم، وهو أجود الأجودين، وأكرم الأكرمين، وأحب الخلق إليه من اتصف بمقتضيات صفاته؛ فإنه كريم يحب الكرماء من عباده، وعالم يحب العلماء، وقادر يحب الشجعان، وجميل يحب الجمال" انتهى. وأرجو أن يكون فيما ذكرناه كفاية وحصول للفائدة، وأسأل الله -سبحانه- أن يوفقنا جميعًا للفقه في دينه، والقيام بحقه؛ إنه سميع قريب والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته" (١). الأديان أفكار: قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "الأديان ليست أفكارًا، ولكنها

стр. 92

وحي من الله ، ينزله على رسله ليسير عباده عليه، وهذه الكلمة -أعني كلمة فكر- التي يقصد بها الدين، يجب أن تحذف من قواميس الكتب الإسلامية؛ لأنها تؤدي إلى هذا المعنى الفاسد، وهو أن يقال عن الإسلام: فكر، والنصرانية فكر، واليهودية فكر، فيؤدي إلى أن تكون هذه الشرائع مجرد أفكار أرضية يعتنقها من شاء من الناس، والواقع أن الأديان السماوية أديان من عند الله يعتقدها الإنسان على أنها وحي من الله تعبّد بها عباده، ولا يجوز أن يطلق عليها فكر" (١). قال رسول ال ﷺ على لسان الله: سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ عن هذه اللفظة فقال: "لا يجوز هذا" (٢). فلان ما فيه خير أبدًا: وسئل عن قول "فلان ما فيه خير أبدًا" فأجاب: "في الخير أبدًا عن المؤمن لا يجوز؛ لأن المؤمن خيِّر. وإذا كان عاميِّا؛ فإن فيه خيرًا وشرًا" (٣). أسجد لعظمة الله: وسئل عن قول: "أسجد لعظمة الله، أو أسجد لكبرياء الله" فأجاب: "لا يجوز: إنما يقال: أسجد لله" (٤).

стр. 93

الله لا يُدرك بالحواس أو (الله لا يدركه العقل بحواسه): قال الشيخ بكر أبو زيد: "هي من عبارات الجهمية، يرمون بها إلى قصد نفي الرؤية، وإلى نفي سماع كلام الله لمن كلمهم الله -سبحانه- من أنبيائه" (١). التصور الإسلامي: قال الشيخ بكر أبو زيد: "أطلق سيد قطب -رحمه الله تعالى- لقب التصور الإسلامي" على "علم التوحيد"، وطُبع كتاب له بذلك باسم "خصائص التصور الإسلامي"، وهو خطأ لغة وشرعًا؛ لأن التصور ما يقبل الصواب والخطأ، والصدق والكذب، وهو من مصطلحات المناطقة، ثم ليس له ما يؤيده شرعًا، وقد غلط بعض من كتب مدخلًا إلى العقيدة الإسلامية فذكره مصطلحًا مسلمًا في تطور أسماء هذا العلم الشريف، فليتنبه" (٢). اللهم رب القرآن: قال الشيخ بكر أبو زيد: "النهي عن: اللهم رب القرآن: عن عكرمة قال: كان ابن عباس في جنازة فلما وضع الميت في لحده قام رجل فقال: اللهم رب القرآن أوسع عليه مدخله، اللهم رب القرآن اغفر له. فالتفت إليه ابن عباس فقال: "مه: القرآن كلام الله وليس بمربوب، منه خرج وإليه يعود" رواه البيهقي والضياء بسند ضعيف" (٣) أ. هـ

стр. 94

قلت: وهذا الأثر وإن لم يصح فإن اللفظ السابق لا يجوز إطلاقه لمخالفته العقيدة أهل السنة من أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وكلامه سبحانه صفة من صفاته. اللهم انصر المجاهدين في سبيلك في كل مكان أو فوق كل أرض وتحت كل سماء: قال الشيخ بكر أبو زيد منبهًا على بعض الأخطاء التي تقع في دعاء القنوت في الوتر: "ويُترك زيادة ألفاظ لا حاجة إليها، في مثل قول الداعي: "اللهم انصر المجاهدين في سبيلك فيزيد "في كل مكان" أو يزيد "فوق كل أرض وتحت كل سماء" ونحو ذلك من زيادة ألفاظ لا محل لها، بل بعضها قد يحتمل معنى مرفوضًا شرعًا" (١). النساء ناقصات عقل ودين (على سبيل السخرية بالنساء): هذه العبارة يتفوه بها -كثيرًا- بعض الجهلة من الرجال، منتقصين بها النساء على سبيل التهكم والسخرية، وأنهن حمقاوات وقليلات دين، زاعمين بأن هذا مراد قوله ﷺ في النساء: "ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن … " (٢). وقد سئل الشيخ ابن باز ﵀: "دائمًا نسمع الحديث الشريف (النساء ناقصات عقل ودين) ويأتي به بعض الرجال للإساءة للمرأة، نرجو من سماحتكم توضيح معنى هذا الحديث؟ " فأجاب ﵀ بقوله:

стр. 95

"معني حديث رسول الله ﷺ (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن، فقيل: يا رسول الله: ما نقصان عقلها؟ قال: أليست شهادة المرأتين بشهادة رجل؟ قيل: يا رسول الله ما نقصان دينها؟ قال: أليست إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟) بيَّن ﵊ أن نقصان عقلها من جهة ضعف حفظها، وأن شهادتها تجبر بشهادة امرأة أخرى؛ وذلك لضبط الشهادة بسبب أنها قد تنسى فتزيد في الشهادة أو تنقصها كما قال سبحانه: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ (١). وأما نقصان دينها فلأنها في حالة الحيض والنفاس تدع الصلاة وتدع الصوم ولا تقضي الصلاة؛ فهذا من نقصان الدين، ولكن هذا النقص ليست مؤاخذة عليه، وإنما هو نقص حاصل بشرع الله ، هو الذي شرعه رفقًا بها وتيسيرًا عليها؛ لأنها إذا صامت مع وجود الحيض والنفاس يضرها ذلك، فمن رحمة الله شرع لها ترك الصيام وقت الحيض والنفاس والقضاء بعد ذلك. وأما الصلاة فإنها حال الحيض قد وجد ما يمنع الطهارة، فمن رحمة الله جل وعلا أن شرع لها ترك الصلاة، وهكذا في النفاس. ثم شرع لها أنها لا تقضي؛ لأن في القضاء مشقة كبيرة؛ لأن الصلاة تتكرر في اليوم والليلة

стр. 96

خمس مرات، والحيض قد تكثر أيامه، فتبلغ سبعة أيام أو ثمانية أيام أو أكثر، والنفاس قد يبلغ أربعين يومًا، فكان من رحمة الله لها وإحسانه إليها أن أسقط عنها الصلاة أداءً وقضاءً، ولا يلزم من هذا أن يكون نقص عقلها في كل شيء، ونقص دينها في كل شيء، وإنما بين الرسول ﷺ أن نقص عقلها من جهة ما قد يحصل من عدم الضبط للشهادة، ونقص دينها من جهة ما يحصل لها من ترك الصلاة والصوم في حال الحيض والنفاس. ولا يلزم من هذا أن تكون أيضًا دون الرجل في كل شيء، وأن الرجل أفضل منها في كل شيء؛ نعم جنس الرجال أفضل من جنس النساء في الجملة لأسباب كثيرة؛ كما قال : ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (١) لكن قد تفوقه في بعض الأحيان في أشياء كثيرة، فكم لله من امرأة فوق كثير من الرجال في عقلها ودينها وضبطها، وإنما ورد عن النبي ﷺ أن جنس النساء دون جنس الرجال في العقل وفي الدين من هاتين الحيثيتين اللتين بينهما النبي ﷺ . وقد تكثر منها الأعمال الصالحات فتربو على كثير من الرجال في عملها الصالح، وفي تقواها الله ، وفي منزلتها في الآخرة، وقد تكون لها عناية في بعض الأمور فتضبط ضبطًا كثيرًا من ضبط بعض الرجال في كثير من المسائل التي تعنى بها وتجتهد في حفظها وضبطها، فتكون مرجعًا في التاريخ الإسلامي وفي أمور كثيرة، وهذا واضح لمن تأمل أحوال النساء في

стр. 97

عهد النبي ﷺ وبعد ذلك، وبهذا يعلم أن هذا النقص لا يمنع من الاعتماد عليها في الرواية، وهكذا في الشهادة إذا انجبرت بامرأة أخرى، ولا يمنع أيضًا تقواها لله وكونها من خيرة عباد الله ومن خيرة إماء الله إذا استقامت في دينها، وإن سقط عنها الصوم في الحيض والنفاس أداءً لا قضاء، وإن سقطت عنها الصلاة أداءً وقضاءً؛ فإن هذا لا يلزم منه نقصها في كل شيء من جهة تقواها الله، ومن جهة قيامها بأمره، ومن جهة ضبطها لما تعتني به من الأمور، فهو نقص خاص في العقل والدين كما بينه النبي ﷺ فلا ينبغي للمؤمن أن يرميها بالنقص في كل شيء وضعف الدين في كل شيء، وإنما ضعف خاص بدينها، وضعف في عقلها فيما يتعلق بضبط الشهادة ونحو ذلك، فينبغي إنصافها وحمل كلام النبي ﷺ على خير المحامل وأحسنها والله تعالى أعلم" (١). العقد شريعة المتعاقدين: سئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: "كتب أحد الكُتاب في إحدى الجرائد اليومية في دولة الإمارات العربية المتحدة مقالًا ذكر فيه أن الرسول ﷺ قال: "العقد شريعة المتعاقدين إلا عقدًا حرم حلالًا أو أحل حرامًا"؟ ونظرًا لأن المحفوظ عندي هو: "المسلمون عند شروطهم إلا شرطًا. . ." الخ الحديث أو "المؤمنون عند شروطهم" كما في الرواية الأخرى، أخذت أبحث عن هذا الحديث في كتب الحديث التي تحت يدي فلم أجده، أرجو من

стр. 98

سماحتكم إفادتنا عن مدى صحة هذا الحديث بالنص الذي ذكره الكاتب. فأجابت: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه، ويعد: ما نسب إلى النبي ﷺ أنه قال: "العقد شريعة المتعاقدين … " لا نعلم حديثًا عن النبي بهذا اللفظ، وإنما هو مما فهمه بعض المتعلمين من نصوص الشريعة؛ كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (١)، وقوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٢) الآية. فعبر عن فهمه من عند نفسه بالعبارة المذكورة. وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" (٣). أبغض الحلال إلى الله الطلاق: يعتقد بعض الناس أن هذا اللفظ مما لا يجوز إطلاقه، مستشكلين أن يكون الطلاق حلالًا ومبغوضًا في وقت واحد، وهذا تناقض حسب فهمهم. وقد سئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: "ما مدى صحة الحديث: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق"؛ لأن هناك من يضعفه (٤) ويقول:

стр. 99

إنه مرسل، وكذلك متنه؛ يقولون: هل يبغض الله شيئًا ويحله؛ فإن الله لا مكره له؟ ". فأجابت: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه، وبعد: جاء في مختصر السنن لأبي داود عن محارب بن دثار عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق" (١) قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه، والمشهور فيه المرسل، وهو غريب، وقال البيهقي: وفي رواية ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمر موصولًا، ولا أراه يحفظه (٢). وفي رواية عن محارب بن دثار قال: قال رسول الله: "ما أحل شيئًا أبغض إليه من الطلاق" وهذا مرسل. قال ابن القيم: وقد روى الدارقطني من حديث معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ : "ما أحل الله شيئًا أبغض إليه من الطلاق" وفيه حميد بن مالك وهو ضعيف. ونقل المناوي في فيض القدير أن ابن حجر قال: ورجح أبو حاتم الدارقطني الإرسال في حديث: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق". وأورده ابن الجوزي في العلل بسند أبي داود وابن ماجه، وضعفه بعبيد الله الوصافي، وقال يحيى: ليس بشيء، وقال النسائي: متروك الحديث،

стр. 100

لكن رواه أبو داود ﵀ بإسناد متصل صحيح عن معروف بن واصل عن محارب بن دثار عن ابن عمر مرفوعًا، وليس فيه عبيد الله بن الوليد الوصافي الذي أعله به ابن الجوزي، وبذلك يتضح لك صحة الحديث متصلًا لا مرسلا، ويكون المرسل حينئذ مؤيدًا للمتصل لا قادحًا فيه، أما متنه فليس فيه نكارة؛ لأنه ليس في إحلال الطلاق وبغضه تنافٍ؛ لأن الله سبحانه حكيم عليم أحله للعباد عند حاجتهم إليه وكرهه لهم عند عدم الحاجة إليه، ومن هذا الباب قوله ﷺ : "أحب البلاد إلى الله مساجدها وأبغض البلاد إلى الله أسواقها". خرجه الإمام مسلم في صحيحه (١). وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" (٢). الإسلام انتشر بالسيف: هذه المقولة أطلقها المستشرقون نكاية بالإسلام وأهله، زاعمين بأن الإسلام دين لا يقوم على الحجة والبرهان، إنما على السيف والسنان، وإكراه الناس على الدخول فيه. وقابل غلو هؤلاء المستشرقين طائفة من كتاب المسلمين أرادت أن تدفع عن الإسلام هذه الفرية التي ألصقها به أعداؤه، لكنها غلت في الجانب الآخر، وطمست بعض أحكام الإسلام، وتحايلت على بعضها الآخر لتلائم هذا الدفاع، فقصروا جهاد المسلمين لأعدائهم على جهاد الدفع لا جهاد

стр. 101

الطلب (١)، وتبنوا الأقوال الضعيفة التي تتوافق مع أقوالهم (بل أهوائهم)؛ كأخذ الجزية من المشركين وعدم قتلهم، خشية أن يزعم زاعم أن الإسلام انتشر بالسيف (٢)!! وتوسط أهل العلم من المحققين، فلم ينساقوا خلف هذه المقولة الجائرة، بل أنكروها، ولكنهم لم يقابلوها (بتمييع) أحكام الإسلام إرضاء للآخرين. فقد سئل الشيخ ابن باز ﵀: "ما رأيكم في قول من قال: إن الإسلام انتشر بالسيف ونريد أن نرد عليهم ردًا منطقيًا؟ فأجاب: هذا القول على إطلاقه باطل؛ فالإسلام انتشر بالدعوة إلى الله وأيد بالسيف، فالنبي ﷺ بلغه بالدعوة في مكة ثلاثة عشر عامًا ثم في المدينة قبل أن يؤمر بالقتال، والصحابة والمسلمون انتشروا في الأرض ودعوا إلى الله، ومن أبى جاهدوه؛ لأن السيف منفذ، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا

стр. 102

تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (١) فمن أبي قاتلوه لمصلحته ونجاته، كما يجب إلزام من عليه حق لمخلوق بأداء الحق الذي عليه ولو بالسجن أو الضرب، ولا يعتبر مظلومًا، فكيف يستنكر أو يستغرب إلزام من عليه حق الله بأداء حقه؟ فكيف بأعظم الحقوق وأوجبها وهو توحيد الله سبحانه وترك الإشراك به؟ ومن رحمة الله سبحانه أن شرع الجهاد للمشركين وقتالهم حتى يعبدوا الله وحده ويتركوا عبادة ما سواه، وفي ذلك سعادتهم ونجاتهم في الدنيا والآخرة" (٢). وقال أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري: "حكي أبو الحسن محمد بن يوسف العامري المتوفى سنة ٢٨١ هـ في كتابه: (الإعلام بمناقب الإسلام) شبهة انتشار الإسلام بالسيف ورد عليها، وحكاها ابن تيمية في كتابه: (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح) ورد عليها، وقال أبو العلاء المعري: وهل أبيحت نساء الروم عن عرض … للعرب إلا بأحكام النبوات وبهذا تعرف أن هذه الفكرة أسبق من حملة الاستشراق، ولكنها كانت مسيحية المنبت، ولقد بدت ظاهرة الانهزام في نفوس المفسرين في ظلال النهضة الحديثة، ولهذا قال (فييت) المدير السابق لدار الآثار العربية: "إن فكرة محمد عبده في قصر الحروب الإسلامية على الدفاع فكرة عصرية تمثل تطورًا في وجهة نظر المسلمين" (٣).

стр. 103

ولقد انثالت المباحث الإسلامية من لدن محمد عبده تقرر أن حروب الرسول كانت دفاعية، واستكرهوا واقع التاريخ وقواطع الظواهر من النصوص التقرير هذا الظن، وانتبه عالمان فاضلان لهما الإمامة بين شارحي وجهة النظر الإسلامية اليوم وهما: سيد قطب، وأبو الأعلى المودودي، فقررا خطأ هذا الظن، بيد أني رأيت استدلالًا للفريقين في غير محل النزاع، فمن يقول إن الإسلام لم ينتشر بالسيف غير ممايز بين المسائل الداخلة في محل النزاع، فهو مخطئ لأنه عمم الحكم السالب على مجمل تختلف أفراده، ومن قال: بل انتشر بالسيف غير ممايز بين تلك المسائل فهو مخطيء أيضًا لأنه عمم الحكم الموجب على مختلف الأفراد، وهذه الأفراد المتعددة ثلاث مسائل متغايرات: فمسألة (سيطرة الإسلام على الحكم بالسيف) هي غير مسألة (إرغام الناس على الإيمان بالسيف)، وهاتان المسألتان غير مسألة (بواعث سيطرة الإسلام على الحكم). وإليك التفصيل: فأما مسألة سيطرة الإسلام على الحكم بالسيف فأقول: ظل رسول الله ﷺ ينافح بالحجة عن حقيقة الألوهية حتى لم يوجد من يدفع ببرهان، وحقيقة الألوهية تعني أن الله وحده المدبر لهذا الكون المتصرف فيه بره وأرضه وسمائه ونجومه وكواكبه وما ذرأ فيه وما برأ، فمن باب أولى من ناحية العدالة أن خالق هذا الوجود ومدبره كونًا هو الأحق بتدبيره حكمًا بالتشريع والتنظيم. ومن باب أولى -من ناحية البرهان- أن خالق هذا الوجود ومدبره كونًا هو الأحق بتدبيره أيضًا حكمًا بالتشريع والتنظيم؛ لأن خالق الكون أعلم بما يصله.

стр. 104

ومن ناحية أخرى فثمت فارق -ولله المثل الأعلى- بين الكامل اللا متناهي في علمه وقدرته وإحاطته، وبين مخلوق محدود العمر ومحدود المكان في وسطه من هذه القشرة الأرضية، مهما امتدت آفاقه في المعرفة فيعتريه السهو والنقص وحب الذات ونوازع الهوى، فأيهما أولى بالتشريع: خالق الكون المحيط به أم من لا يخلق ذبابة، ولا يدرأ عنه نفسه الموت، ولا مخلص له من حتميات القدر؟ فإذ قد بدت هذه الحقيقة، وبدت حقيقة أخرى لا ينكرها التاريخ؛ وهي أنه لم يعاصر الإسلام نظام يؤسف عليه، وإذ قد كانت أمتنا خير أمة أخرجت للناس قيادة وريادة: فلا بد لكل مسلم من أي جنس ومن أي بقعة أن تكون له القوامة على هذا الدين؛ والله قادر على نصر دينه، ولو شاء لانتصر منهم ولكنه سبحانه أراد أن يبلونا، إذا تقرر هذا كله: فالحاكمية حق الله، والمسلمون حملتها وسيوفها، ففرض ولا بد أن ينتزعوها من الجاهلية بظبا سيوفهم وبآخر قطرة من دمائهم. فما الذي يحملنا على طمس هذه الحقيقة كما طمست اليهود آية الرجم من توراتها؟ أفهان علينا ديننا الحق إشفاقًا من المغالطات؟ أم لأن واقعنا السياسي -معشر المسلمين في كل أرض- لا يسمح بكلمة حق؟ وأيضًا فالحقيقة هي الحقيقة لا يطمسها واقع الناس مهما كانت مرارتها: وليس بصحيح على الإطلاق أن الرسول ﷺ فتح مكة، وقاتل الروم، وفتح أبو بكر وعمر ﵄ بلاد الروم والفرس دفاعًا. إن هذا تحوير للتاريخ، واستخفاف بعقول الناس. إن محمدا ﷺ نبي رسول أوحى الله إليه الشرع وأمر بتبليغه، والتبليغ لا يكون إلا بحماية حرية

стр. 105

الدعوة، وهذا جانب من جوانب الجهاد. والسيطرة على الحكم وسيلة من وسائل الحماية والرعاية لحرية الدعوة حتى لا يحول دونها الحكم الجاهلي، وثمرة للتبليغ ليرى قسطاس الله المستقيم قائمًا في أرض الله، ومع الأمر بالتبليغ فلا بد من التطبيق العملي، وليس بصحيح قط أن الإسلام يبيح السكوت على باطل أو على حكم جاهلي في الأرض، إلا إذا كان المسلمون كلفوا من الأمر ما يطيقون، أو كان الدين خامد الجذوة في نفوسهم فهان عليهم وهانوا على الله. وما شرع القتال وهو كره، ولا حرم الفرار من الزحف أشد تحريم إلا لنكون أمة تعلو ولا يعلى عليها، ولو كان صحيحًا أن الجهاد لمجرد تبليغ الدعوة فقط لكان المسلمون يقبلون الجزية ويقيمون في كل بلد فتحوها دعاة ومبشرين ويتركون حكمها لأهلها، ولكن الواقع خلاف ذلك، بل كانت الجزية الدينونة الكاملة لحكم المسلمين. الحقيقة الناصعة الواضحة كل الوضوح أن أمة الإسلام لا تقر أي حكم جاهلي وهي تقدر على اجتثاثه، والجهاد لإحقاق الحق رتب حسب الطاقة: أعلاها جهاد باليد، فأي عيب يزوي وجوهنا عن مواجهة المستشرقين بالحق من ديننا؟ الشبهة: إن المسلمين حكموا البلاد وفتوحها بالسيف. ونحن نقول: متى كان الحمل على الحق مثلبة؟ ومتى كان الناس كلهم على مستوى فهم الحق وقبوله مبرئين من الهوى إن لم يكن للحق سيف يحميه؟

стр. 106

إنما يعاب الإسلام في إيجابيته لو كان دعوة لجنس، أو لو كان لا يحمل كل مبادئ الخير من عدل ومساواة ونظام ووازع. المنطق الصائب أن يقدر الناس أن هذا المبدأ حق، ثم يتدبروا مدى الأضرار الناجمة عن عدم تطبيقه، وعلى قدر الضرر يكون مقدار الإيجاب في الحمل على الحق. ونحمد الله أن التاريخ يحفظ لنا من سيرة الرسول ﷺ وأبي بكر وعمر وصدر الإسلام ما يتوج رؤوسنا من عدل ومساواة وحياة جادة. وبعدُ، فلا عيب على نصوص ديننا إلا أنها تأمر باجتثاث الحكم الجاهلي وبالقوامة على الحق، وهي مفخرة نحسها بعين الفطرة إذا ما أطل عليها الآخرون -علوًا واستكبارًا- بالمنظار الأسود. ومن يحاجنا نقول له: أيهما أحق: عدالة الإسلام أم كهانة شق وسطيح، أم جيروت كسري وقيصر؟ ونقول: السيف ضرورة حتمية لعمارة الأرض: وميزان الحق والباطل في الدعوة التي شهرته" (١). الله في كل مكان: سئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: "كيف نرد على القائلين بأن (الله في كل مكان) تعالى الله عن ذلك، وما حكم قائلها؟. فأجابت: أولًا: عقيدة أهل السنة والجماعة أن الله مستو على عرشه بذاته، وهو ليس داخل العالم بل منفصل وبائن عنه، وهو مطلع على كل

стр. 107

شيء، لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (١) الآية، وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٢)، وقال الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ (٣)، وقال تعالى: و الله الذي خلق السموات والأرض ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٤) الآية. وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ (٥). ومما يدل على علوه على خلقه: نزول القرآن من عنده، والنزول لا يكون إلا من أعلى إلى أسفل؛ قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (٦) الآية، وقال تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٧)، وقال تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٨) إلى غير ذلك من

стр. 108

الآيات الدالة على علو الله ، وفي حديث معاوية بن الحكم السلمي قال: "كانت لي غنم بين أُحد والجوانية فيها جارية لي، فأطلقتها ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب منها بشاة، وأنا رجل من بني آدم، فأسفت فصككتها فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فعَظَّم ذلك علي فقلت: يا رسول الله أفلا أعتقها؟ قال: ادعها، فدعوتها فقال لها: أين الله؟ فقالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة" (١)، وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءً" (٢). ثانيًا: من اعتقد أن الله في كل مكان فهو من الحلولية، ويرد عليه بما تقدم من الأدلة الدالة على أن الله في جهة العلو، وأنه مستو على عرشه بائن من خلقه، فإن انقاد إلى ما دل عليه الكتاب والسنة والإجماع وإلا فهو كافر مرتد عن الإسلام. وأما قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (٣) فمعناه عند أهل السنة والجماعة أنه معهم بعلمه واطلاعه على أحوالهم. وأما قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ (٤) فمعناه أنه سبحانه هو معبود أهل السماوات ومعبود أهل الأرض. وأما قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ (٥)

стр. 109

فمعناه أنه إله أهل السماوات، وإله أهل الأرض لا يعبد بحق سواه. وهذا هو الجمع بين الآيات والأحاديث الواردة في هذا الباب عند أهل الحق" (١). القرآن أول نظام عالمي: أنكر الشيخ بكر إطلاق (نظام) على القرآن؛ لأنه "إطلاق محدث لا عهد للشريعة به، وهو يلاقي النظام القانوني بأنواعه: الإداري والجنائي، وما إلى ذلك، فلا يسوغ أن يطلق على لفظ انتشر اصطلاحه على ما يضعه البشر من تعاليم وقوانين" (٢). قلت: وقد أنكرت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء هذا الإطلاق أيضًا، وأنكرت أيضًا زعم أن القرآن (أول) نظام فقالت: "الأولى أن يسمى القرآن بما سماه الله به في كتابه من كونه شريعة ومنهاجًا وذكرًا وموعظة، أما تسميته نظام فلم يرد ذلك في الكتاب ولا في السنة فيما نعلم، وإن كان قد اشتمل على تنظيم أمور المسلمين في دينهم ودنياهم، وكان الاقتصار على أسمائه التي سماها الله وسماه بها رسوله ﷺ أولى وأحوط، وليس هو (أول) نظام كما قال الإمام المذكور، بل قبله كتب سماوية أوضح الله فيها ما يحتاجه العباد المنزلة عليهم؛ كالتوراة والإنجيل والقرآن أشرفها وأعظمها وأكملها، وقد قال الله فيه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٣). وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصبحه وسلم" (٤).

стр. 110

أحكام الإسلام تتغير وتتبدل بتغير وتبدل الأزمان: هذه المقولة مما هجت به طائفة (العصرانيين) وغيرهم من المنابذين للشرع في هذا الزمان (١)، متخذين منها متكأ وذريعة لتغيير ما لا يوافق أهواءهم وعقولهم القاصرة من أحكام الإسلام؛ لاسيما في مجال العلاقات مع الكفار، ومجال أحكام المرأة وقد قام كثير من الباحثين بتوضيح الحق في هذا الباب، حائلين بين العصرانيين ومبتغاهم. قال الدكتور حسين الترتوري: "قد يظن إنسان أن أحكام الإسلام تتغير وتتبدل بتبدل الأزمان والبيئات، ويؤيد ظنه هذا بالقاعدة الفقهية: (لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان) (٢). وهذه القاعدة ليست على عمومها وإطلاقها؛ فالأحكام التي تتغير بتغير الأزمان هي الأحكام الاجتهادية التي لا نص فيها، بل دليلها القياس أو المصلحة. أما القواعد الكلية، والمبادئ العامة، والأحكام الجزئية التي ورد فيها نص فإنها لا تتغير ولا تتبدل؛ كوجوب أداء الأمانات إلى أهلها، ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووجوب رد المظالم إلى أهلها، وحرمة السرقة والغش والربا، وحرمة بيع المسلم على بيع أخيه؛ فإن هذا كله لا يدخله التغيير أو التبديل، لكن قد تتغير الوسائل وأساليب التطبيق.
следующие страницы →