← Ансаб

Ансаб · id 897

موسوعة القبائل العربية

محمد سليمان الطيب

Полный текст (10 849 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

يؤخذ من كلام المؤرخين أن لخما فنيت في جُذام بحيث أصبحتا شيئًا واحدًا يطلق عليه اسم جُذام فقط (١). والواقع أننا نلحظ في مصر الاشتراك التام بين القبيلتين ولكن في حورة عكسية تستقل فيها لخم بالكثرة والسيطرة والزعامة، مع ملاحظة أن هذا الاشتراك لَمْ يلغ شخصية أي منهما إلى الحد الذي تفنى عنده في صاحبتها. ويذكر المؤرخون كذلك أن القبيلتين قد كانتا في صف معاوية بما. هما من قبائل الشام (٢). وفي مصر لا يستقيم هذا القول على علاته. فقد رأينا أن لخما ظلت علوية الهوى حتى مجيء مروان على الأقل. ثم رأينا القبيلتين كلتيهما تعملان على إسقاط الدولة الأموية، وإن كان يبدو أنهما آثرتا الهدوء طوال العهد المرواني، ونستطيع الآن بعد معرفتنا لأماكن ارتباع لخم وجذام والمنطقة التي أقام فيها بعضهم إقامة دائمة أن ندرك أنهم كانوا من أحل الحوف، وأنهم هم اليمانية الذين يعنيهم المؤرخون حين يتحدثون عن يمانية أهل الحوف وتحالفهم مع قيس. بذلك ننتهي من قبائل عدي جميعًا التي تمثل الفرع الأول من مُرّة، وننتقل إلى الفرع الثاني: (ب) مالك تنقسم إلى قبيلتين كبيرتين هما: ١ - المعافر المعافر قبيلة كبيرة قوية. ويبدو أنهم كانوا يقيمون من اليمن في مكان ممتاز وكانوا أهل جد ونجدة، فكانوا أقوياء منأضلين مثلما كانوا مهرة ينتجون الثياب المعافرية التي اشتهروا بها (٣). شهدوا فتح مصر، واختطوا إلى جنب عمرو بن العاص حول الجامع، فآذاهم البعوض زمن الفيضان، نقلهم عمرو إلى الجبل المشرف على البركة التي

стр. 1017

أطلق اسمهم عليها. وبذلك أصبحوا في موقع ممتاز يشبه في ارتفاعه مسكنهم القديم باليمن، كما أصبحوا يشرفون على قبائل مصر - وفيها قريش - التي كانت تسكن تحت أقدامهم حول الجامع. ولكنهم لَمْ يكونوا وحدهم في مسكنهم هذا في كلّ حال، فقد كان معهم قبائل من حِمْيَر (١). كانوا يتحركون سنويا إلى مرتبعهم في أتريب، وسخا (كورة عاصمتها هي مدينة سخا الحالية بكفر الشيخ) (٢)، ومنوف (٣). ولكن يبدو أن جانبا منهم أقام بالإسكندرية (٤)، يؤيد هذا كثرة من سنقابل منهم بها بعد لحظات. وليس تعدد مرتبعات المعافر هو الدليل الوحيد على كبر عددها، فقد ذكر القضاعي أنَّها كانت في حرب ابن جحدم ضد مروان ٦٤ - ٦٥ هـ "أكثر قبائل أهل مصر عددًا، كانوا عشرين ألفًا" (٥). ومع ما في هذا الرقم من مبالغة واضحة فإنه يصور ضخامة هذه القبيلة في مصر. ولا تكاد المعافر تظهر في عصر الفتح حيث لا نصادف منها سوى عبيد بن عمرو الصحابي الذي شهد الفتح، ويقال أنه أول من أقرأ - أو قرأ - القرآن بمصر (٦). وعامر - رجل نكرة - كان أول من دفن بالقرافة (٧). ويبدأ ظهور المعافر الفعلي في الحياة العامة في حركة ابن جحدم التي اشتركوا فيها اشتراكا يدلُّ على أهمية الرقم الذي ذكرناه منذ لحظة، إلى جانب الصورة القوية التي سجلها عبد الرَّحمن بن الحكم في قوله: وسدت معافر أفق البلاد … بمرعد جيش لها مبرق (٨)

стр. 1018

وهذا الاشتراك دليل على ميولهم المعادية للأمويين، ويعطينا الحق في اعتبارهم إما علويين في ما خوارج. وهم على كلّ حال قد حملوا نصيبا ضخما من هذا الصراع، وقتل منهم جمع كبير، ولذلك فإنه من العجيب أن يكون أحدهم (عبد الرَّحمن بن موهب) من بين الأشراف الذين قاموا في الصلح بين أهل مصر وبين مروان (١). ولكن جزءًا من القبيلة رفض ذلك الصلح، فقد اضطر مروان إلى قتل ثمانين رجلًا منها أبوا أن يخلعوا بيعة ابن الزبير ليبابحموه هو (٢). ومما له أهميته ما يقال من أن مروان إنما قتلهم لأنهم رفضوا إعلافي البراءة من علي (٣). وسوف نرى بعد قليل ما يشير إلى ميول المعافر العلوية. وكما لفتت المعافر الأنظار بهذه الحوادث في القرن الأول عادت فلفتتها في القرن الثاني (سنة ١١٧ هـ) عندما تحدث الخليفة نفسه إذ رفضت استعمال المدى الذي أراد توحيد المكيال به في بلاد خلافته، مؤثرة عليه المكيال المحلي من الويبة والأردب (٤). وقد أثبتوا بهذا السلوك أنهم ظلوا على ما اشتهروا "مشاقين للملوك، لقاحا، لا يدينون لأحد" (٥). وقد افتخر شاعرهم بتعصب قومه وتمردهم على الخليفة. من بعد ما ذلت له … أعناق يعرب بل مُضَر (٦) تعطينا هذه الحوادث الحق في أن نحكم على المعافر بأنها ظلت تعادي الأمويين طوال حكمهم. ولكن يبدو أن جزءًا منها كان خارجا على هذه السياسة. ومن هذا الجزء عبد الرَّحمن بن وهب الذي سبق ذكره، ويزيد ابن أبي أمية الرجل الوحيد الذي خالف إجماع أهل مصر على خلع مروان بن محمد لما دعاهم إلى

стр. 1019

ذلك الثوار اليمانيون سنة ١٢٧ هـ (١)، وعبد الرَّحمن بن عتبة الذي أخمد ثورة يحنس القبطي بسمنود سنة ١٣٢ هـ ثم ثورة أبي مينا بها كذلك سنة ١٣٥ هـ (٢). ولسنا نعرف موقف المعافر في حركة التسويد بمصر، ولكننا نعرف أنهم ظلوا محتفظين بميولهم العلوية، فإن أحدهم (عامة بن عمرو) استقبل في منزله علي بن محمد بن عبد الله أول علوي قدم مصر سنة ١٤٤ هـ يدعو لبني الحسن، وزوجه ابنته وأخفاه عنده لما فشلت حركته. وحبس عسامة لهذا السبب، ثم عفا عنه المهدي، وأصبح حتى مات سنة ١٧٦ هـ من كبار رجال الدولة (٣): ومما يدلُّ على قوة المعافر الحربية والسياسية من جهة وعلى ميولهم العلورة من جهة أخرى أن أمير مصر اطمأن لما عرف أن أبا حزن المعافري لَمْ ينضم إلى الحركة العلوية التي ظهرت سنة (٤). وفي ثورة المدلجي (٢٥٢ - ٢٥٣ هـ) انضم ابن عسامة المعافري إلى ابن الأرقط العلوي في محاربة قوات الدولة، ولكنه استسلم ولبس السواد لما فشلت الثورة (٥). ومع هذا ظهر من المعافر عدد من رجال الدولة في العصر العباسي منهم، بكار بن عمرو الذي قتل وهو يحارب دحية بن مصعب سنة ١٦٨ هـ (٦). ومحمد بن عسامة الذي ولي الشرط لأربعة من أمراء مصر (١٩٠ - ٢٠١ هـ) (٧). وأبو بكر بن جنادة الذي ولي الإسكندرية سنة ١٩٩ هـ وولي الشرط سنة ٢٠١ هـ (٨)، وغيرهم. بل ظهر من المعافر نفر من العلماء منهم بكار بن عمرو الذي سبق ذكره وسعيد بن عبد الله بن أسعد من كبار أصحاب مالك (ت ١٧٣ هـ

стр. 1020

بالإسكندرية (١). وعبد الله بن يحيى من صغار أتباع التابعين بمصر (ت ٢١٢ هـ) (٢). وضمام بن إسماعيل من مشاهير محدثي مصر (ت ١٨٥ هـ الإسكندرية) (٣). ظلت المعافر حية بمصر إذن طوال الفترة التي ندرس. ومن الواضح أن نشاطها كان يزداد بتقدم الزمن، فالواقع أن العصر العباسي بخاصة كان المسرح الذي لعبت عليه شخصياتها المختلفة في الحياة المصرية. وكان الولاة يترضونها. فقد بنى أمير مصر لهم فسقية خاصة بهم (حوالي ١٤٦ هـ) لما شكوا إليه بعد الماء عنهم (٤). ثم حفر ابن طولون عينا كانت تمر بأرضهم كذلك ذكرها سعيد القاص وهو يبكي الدولة الطولونية بقوله: يمر على أرض المعافر كلها … وشعبان والأخمور والحي من بشر قبائل لا نوء السماء يمدها … ولا النيل يرويها ولا جدول يجري (٥) وشواهد القبور وأوراق البردي تسجل وجودهم في مصر في القرنين الثاني والثالث (٦). وهذه بطون المعافر في مصر: (أ) بنو موهب: اختطوا في المعافر (٧). منهم عمارة بن الحكم المحدث (٢٤٧ هـ) من أهل الإسكندرية (٨).

стр. 1021

(ب) - بنو كاسر المدى: كاسر المدى هو عبد الرَّحمن بن حيويل بن ناشرة أطلق عليه هذا اللقب لما كسر مدى هشام سنة ١١٧ هـ وصار نسبًا لبنيه (١). أما والده حيويل فهو من رجال الفتح، كان ممن وكل إليهم عمرو بن العاص تقسيم الخطط سنة ٢١ هـ (٢). وكان مُرّة بن عبد الرَّحمن (ت ١٥٧ هـ) عن محدثي مصر (٣). (ج) بنو خليف: منهم صل بن عوف أحد أشراف أهل مصر في وفد عتبة بن أبي سفيان على أخيه معاوية سنة ٤٣ هـ (٤). (د) شعبان: كانت تمر بها العين التي تسقي المعافر (٥). منها شعبة شهد فتح مصر (٦). وسعيد بن يعقوب ولي الحرس والأعوان لعبد العزيز بن مروان (٧). وعبد الرَّحمن بن زياد المحدث (ت ١٥٦ هـ) (٨). (هـ) بشر: هي القبيلة المذكورة في شعر سعيد القاص (٩). ولعلها من المعافر.

стр. 1022

(و) القرافة: بطن من المعافر، أطلق اسمهم على موضعين نزلوا بهما: الأول بالإسكندرية، والثاني بالقاهرة وهو الذي أصبح المقبرة المشهورة (١). منهم علقمة بن عاصم المحدث (القرن الثاني)، وأبو دجانة (ت ١٩٩ هـ) محدث كذلك (٢). (ز) بنو سريع: كان لهم مسجد في القرافة يقال له المسجد العتيق (٣). أشهرهم أبو قبيل (ت ١٢٨ هـ) من أئمة مصر المجتهدين (٤). (ح) الأخمور: كانت في خطة المعافر، وكان عندها كوم الزينة (٥). وذكرها سعيد القاص في الشعر الذي سبق (٦). لَمْ يبق منهم سوى زيد بن شعيب بن كليب (٧). (ط) الأعموق: كان منها بطن يقال له: لبوان، منهم عقبة بن نافع المحدث (ت ١٩٦ هـ) بالإسكندرية (٨). (ي) الأهجور: كان لهم مسجد في خطة المعافر.

стр. 1023

منهم أبو الفرج بهد بن منصور (١٤٨ هـ) كان يحدث في مسجد الأهجور (١). (ك) ثوجم: منهم عمرو بن مُرّة، من أهل مصر، من رجال القرن الأول (٢). (ل) فوى: منهم سفيان بن هانئ بن خير (٣). (م) بنو كمونة: جرت دعوتهم في المعافر، فلعلهم منهم. منهم علي بن الحسن الكموني (ت ٢٩٨ هـ) (٤). وننتقل إلى القبيلة الثانية من مالك: ٢ - خولان امتازت بلادهم في اليمن بالعمران وكثرة الحبوب. وكانت صعدة، أكبر مدنهم، مركزا مهما للدباغة في الجاهلية، واعتنقوا الإسلام سنة ١٠ هـ، وعدَّهم النَّبِيّ ﷺ في خير القبائل، ولكنهم ارتدوا ثم أعادهم أبو بكر إلى الإسلام (٥). وقد افترقت خولان في الفتوحات (٦). فنزل كثير منهم الشام (٧)، ولعب آخرون منهم دورًا مهما بين العرب الجنوبيين الذين اشتركوا في فتح مصر وأقاموا فيها (٨).

стр. 1024

فهم في مصر منذ الفتح، واختطوا بالفسطاط وكانوا يرتبعون في قرى إهناس، والبهنسا، والقيس (١). (هي نفس القيس الحالية في مركز بني مزار محافظة المنيا، وكانت فيما مضى جزءًا من إقليم البهنسا) (٢). وهم أصحاب مصلى خولان الشهيرة (٣). وكانوا كثيرين بمصر. وعلى شواهد القبور أسماء عدد ضخم منهم من القرن الثالث بخاصة (٤). كما أنهم مذكورون بكثرة في أوراق البردي (٥). وعمرو بن قحزم وذريته ممن اشتهر من الخولانيين في مصر. أما عمرو نفسه فمن أهل الفتح، وأحد من أشرفوا على تخطيط الفسطاط، وكان من وجوه شيعة عثمان الذين اعتزلوا ابن أبي حذيفة سنة ٣٥ هـ (٦). وكان ابنه عبد الرَّحمن من رجال الدولة في العهد المرواني (٧). ولما قامت الدولة العباسية كانوا من رجالها كذلك. فكان عكرمة بن عبد الله بن عمرو يلي الشرط ويستخلفه الأمراء (١٣٣ - ١٤١ هـ) (٨). وفي فتنة الأمين والمأمون وقفوا ضد العنصر العربي فكان زرعة بن معاوية بن عبد الرَّحمن وابنه الحارث ممن دعوا إلى خلع الأمين سنة ١٩٥ هـ (٩). ومن غير آل عمرو بن قحزم نجد من خولان في مصر أروى بنت راشد إحدى زوجتي مسلمة بن مخلد أمير مصر (٤٧ - ٦٢ هـ) وقد شفعت في قومها عنده لما أمر القبائل ببناء المنار في جميع المساجد سنة ٥٣ هـ فاستثناهم مسلمة (١٠). وكان عبد الرَّحمن بن حجيرة (٦٩ - ٨٣ هـ) من أفقه النّاس، جمع له القضاء

стр. 1025

والقصص وبيت المال (١). وكان ابنه عبد الله قاضيًا لمصر كأبيه (٩٠ - ٩٨ هـ) (٢). وكان مالك بن شراحيل (ت ٨٥ هـ) من أهم رجال الدولة بمصر، فكان يقود بعث البحر الذي سيّره عبد العزيز بن مروان من مصر إلى مكة سنة ٧٢ هـ لقتال ابن الزبير، ثم ولي القضاء سنة ٨٣ هـ. وكان الحجاج بن يوسف يبعث في كُلّ سنة إليه بحلة وثلاثة آلاف درهم (٣). وكما حفلت خولان بالقادة والقضاة ورجال الدولة ظهر فيها الشعراء. منهم مسرور الخولاني الذي رثى حفص بن الوليد ورجاء بن الأشيم لما قتلهما الحوثرة بن سهيل سنة ١٢٨ هـ (٤). ويحيى الخولاني كان متخصصًا في الهجاء، ومن الدعاة إلى العصبية العربية (٥). ويبدو أن خولان كانت تتمتع بموهبة الشعر، فمنها رجل لَمْ يعن التاريخ بتسجيل اسمه قام بالرد على شاعر يدعى ابن جذل الطعان عرض بخولان في شعر له (٦). وحتى في القرن الثالث كانت هذه الموهبة لا تزال حية لديهم فعندما مات أحد الأطفال غرقا سنة ٢٥٩ هـ أبى أبواه إلَّا أن يسجلا رثاءهما إياه على شاهد قبره شعرًا (٧). وقد رأينا أن خولان كانت ترتبع بالصعيد، ويبدو أنَّها أقامت هناك فقد ظهر من مواليها عمران بن أيوب السمسطائى (ت ٣٠٤ هـ) ينسب إلى سمسطا وهي قرية من قرى صعيد مصر الأدنى (٨) (والأرجح أنَّها سمسطا الحالية مركز ببا محافظة بني سويف) (٩). أما إنصنا (الشيخ عبادة حاليًا، مركز ملوي، محافظة المنيا) (١٠). فقد خرج منها جماعة من أهل العلم كان منهم: علي بن عبد الله بن محمد بن

стр. 1026

حيون (ت ٢٨٧ هـ) والحسين بن أحمد بن حيون (ت ٢٩٨ هـ) وهما من موالي خولان (١). وكان لخولان بطون في مصر هي: (أ) الجديدة: هم ولد رزاح بن مالك بن خولان (٢). يبدو أنهم شهدوا الفتح. وقد ظلوا محتفظين ببقائهم في مصر حتى عهد السمعاني صاحب الأنساب. ومن المهم ملاحظة أنهم ينسبون إلى هذه القبيلة بقولهم: الجدادي (٣). ظهر منهم بمصر عبد الله بن الأسد ممن شهد الفتح (٤). ولكن يبدو أن آل عاصم بن العلاء هم أهمهم. أما عاصم نفسه (ت ١٧ هـ) فكان على قصص مصر سنة ١٧٤ هـ (٥). وكان الليث ابنه إمام جامع مصر زمن الرشيد (١٧٠ - ١٩٤ هـ) (٦). وتولى أخوه العلاء بن عاصم إمامة جامع مصر كذلك، وكان من أشراف مصر الذين سعوا حتى ألغوا أنساب أهل الحرس العربية المزورة (١٩٤ - ١٩٦ هـ) (٧). وكان رازح بن رحب (ت ٢٣٠ هـ) يروى عن عمه عاصم بن العلاء (٨). (ب) سعد: هم سعد خولان (٩).

стр. 1027

ظهر منهم عبيد الله بن سعيد، كان من وجوه أهل مصر في عهد عبد العزيز بن مروان (١). وكان من مواليهم عمر بن أبي مدرك البربري (ت ١٢٧ هـ) من الرواة ومن موظفي حكومة عبد العزيز بن مروان (٢). وبحر بن نصر بن سابق (١٨٠ - ٢٦٧ هـ) من رواة مصر (٣). (ج) بنو عبد الله: بطن من خولان، والنسبة إليه: العبدلي (٤). ويبدو أنهم أقاموا في الصعيد وفي بركوت - قرية من كورة الشرقية - بالذات. بقي لنا منهم ذكر علي بن محمد بن عبد الرَّحمن المحدث (ت ٣٢٩ هـ) (٥). (د) بنو جعل: يبدو أنهم شهدوا الفتح، فلهم مكان معروف باسمهم في الفسطاط عده ابن دقماق من الأماكن المهمة (٦). منهم حيي الخولاني، يروي عن أبي ذر فهو من أهل الفتح (٧)، وكان مَعْد ابنه يروي عنه (٨). واحتفظت شواهد القبور باسم واحد منهم توفي بالفسطاط سنة ٢٠٠ هـ (٩)، مما يدلُّ على استمرارهم بمصر حتى ذلك الوقت.

стр. 1028

(هـ) الأديم: ظهر منهم أبو سعيد بن عبد العزيز (ت ٢٨٨ هـ)، كان أفقه أهل مصر في أيامه (١). ومن مواليهم عبد الله بن أبي رفاعة (ت ٢٠٠ هـ بالإسكندرية) من محدثي الإسكندرية (٢). (و) الحيا: بطن من خولان (٣). بقي لنا منهم ذكر رائم بن ثعلبة، ويبدو أن نسبه كان موضع مناقشة (٤). (ز) حدس: هو بطن من خولان، وقد قيل بطن من لخم (٥). منه إبراهيم بن أحمد بن أسد المحدث (٦). نستطيع بعد هذا أن نلخص السمات البارزة لقبيلة خولان بمصر في أنَّها كانت كثيرة العدد، وظلت محتفظة ببقائها طوال الفترة التي ندرس، وتحركت إلى الصعيد الأدنى وأقامت به، وكانت ميولها أموية، كما كانت في جملتها تميل إلى السلم وتتجه اتجاها مدنيا. ويبدو أن هذا الاتجاه من الخصائص الأصلية في خولان فمثلما ظهر جماعة من الزهاد والعلماء ممن نزل منها الشام (٧). ظهر منها بمصر جماعة من القضاة والعلماء، كما رأينا.

стр. 1029

ومن المهم أن نلحظ ميل خولان إلى الشعر كذلك. ولا شك في أن ميول خولان المدنية تعود إلى حياتها الأولى قبل الإسلام في اليمن إذ كانت تعرف الاستقرار والزراعة والصناعة، كما قلنا من قبل. بذلك تفرغ من مالك، فنفرغ أيضًا من مُرّة الفوع الأول الكبير من قبائل عريب وننتقل إلى الفرع الكبير الثاني. مَذْحِج كانت مَذْحِج في حرب مع عامر بن صعصعة حوالي الوقت الذي ظهر فيه النَّبِيّ ﷺ ، وانتقل جانب منها إلى الكوفة حيث كانت أسر منها ذات سيطرة مع أسر كندة وهمدان (١). أما بالنسبة إلى مصر فمذحج من قبائل الفتح. واختطت بين خولان وتجيب (٢)، ويبدو أنَّها لعبت دورا خطيرا في السياسة المصرية. فكانت ميولها علوية، وكان منها الأشتر النخعي أمير مصر لعلي، الذي سُمّ عند جسر القلزم في أول رجب سنة ٣٧ هـ قبل أن يدخل مصر (٣). كما كان منها حجر بن الحارث بن قيس، الذي كان علويا أول الأمر شهد صفين مع علي، ثم صار من الخوارج وحضر مع الحرورية النهروان، ثم خرج وصار إلى مصر برأي الخوارج، وكان أول من قدمها برأيهم وظل فيها حتى خرج منها إلى ابن الزبير في إمارة مسلمة بن مخلد على مصر (٤٧ - ٦٢ هـ) (٤). وأغلب الظن أن حجرًا هذا جعل ينشر مبادئ الخوارج بين المصريين طوال إقامته بينهم، وأنه كان يفعل ذلك في الخفاء، وأن المصريين أقبلوا على دعوته تلك إقبالا شديدًا. وكانت قبيلته ممن اعتنق مبادئه، فإنها اشتركت مع ابن جحدم ضد مروان بن الحكم، وسجل عبد الرَّحمن بن الحكم ذلك لها في قوله: وأحياء مَذْحِج والأشعرين … وحِمْيَر كاللهب المحرق (٥) ونتحدث الآن عن القبائل التي مثلت مَذْحِج في مصر.

стр. 1030

(أ) مراد احتفظت مراد دائما بطابع بدوي نموذجي بالرغم من أنَّها كانت تجاور حضارة جنوبي الجزيرة. ويبدو أن بلادهم الجرداء المجدبة كانت مسئولة عن سمعتهم السيئة وكونهم قطاع طرق. وفي نفس العام الذي وقعت فيه غزوة بدر (سنة ٣ هـ) تكبدت مراد على يد همدان هزيمة ساحقة أصابتها بالضعف الشديد. واشتركت مراد في حركة الردة ولكن أبا بكو هزمهم وعفا عن زعيمهم فلعبوا دورهم في الفتوح ببسالة. وخرج من مراد خلق كثير، ولكن الجزء الأكبر منهم أقام في الكوفة حيث ظهر منهم عبد الرَّحمن بن ملجم، قاتل علي بن أبي طالب (١). واشتركت مراد في فتح مصر. واختطت بها. وكانت تأخذ مرتبعها في منف والفيوم. كما كانت طائفة منهم ترتبع مع تجيب البدقون (في محافظة البحيرة حاليًا) (٢). ويبدو أن عددًا كبيرًا منهم قد انتقل إلى أتريب حيث كان يقيم في منتصف القرن الثاني (٣). وبرزت مراد في مصر بوجه خاص عندما حاربت قبيلة يحصب لما اختلفتا بسبب سباق أجري بين فرسين لهما (١٨٣ - ١٨٧ هـ) (٤). ولا شك في أنهم كانوا كثيرين في مصر، فعلى شواهد القبور أسماء طائفة من القرنين الثاني والثالث (٥)، كما أن النسبة "المرادي" كثيرة الاستعمال في أوراق البردي (٦). ومن الطبيعي أن تظهر شخصيات مراد منذ اللحظات الأولي، فهناك شراحيل بن حجية الذي نصب سلمًا. آخر على حصن بابليون غير سلم الزبير بن

стр. 1031

العوام (١)، وسالم بن عامر أول من عُرِّف على المؤذنين بجامع عمرو، وكان الأذان في ولده حتى انقرضوا (٢). وشرحبيل بن عامر أخوه (ت ٦٥ هـ) كان عَرِّيف مؤذني مصر كذلك في عهد مسلمة بن مخلد (٣). وابن مسلمة أمير تنيس الذي قتله الروم في جمع من الموالي في هجومهم الكبير على المدينة سنة ١٠١ هـ (٤). وابن شجرة الذي حاول اغتيال صاحب خراج مدينة أتريب سنة ١٤٤ هـ لما أساء معاملة أهلها الذين يبدو أنهم كانوا من قبيلة مراد (٥). وكان فراس المرادي من شعراء مراد في القرن الثاني (٦). ويبدو أن بعضهم سكن رشيد، فإن عبد الوارث بن إبراهيم بن فراس - أحدهم - من أهل رشيد، وكان قاضيها، ويعد من المحدثين الذين خرجوا منها (٧). وامتاز موالي مراد بظهور بعض ذوي الأهمية منهم. فكان عبد الأعلى بن الهجرس عريف الموالي بالإسكندرية، ويبدو أنه سود بها سنة ١٣٢ هـ ولذلك قتله الكوثر قائد مروان الحمار، بعد أن انتصر على المسودة ودخل الإسكندرية سنة ١٣٢ (٨). وكان عطاء بن شرحبيل من كبار الموظفين في الشئون المالية في أوائل الدولة العباسية (١٣٥ - ١٤١ هـ) (٩). ومن موالي مراد كذلك الربيع بن سليمان (١٧٤ - ٢٧٠ هـ) التلميذ العظيم للشافعي (١٠). وهذه بطون مراد في مصر:

стр. 1032

١ - رضا: هو رضا - كسدى - بن زاهر بن عامر (١). صاحب منامة - لعلها بمعنى فندق - مراد بالفسطاط (٢). ويبدو أن رضا هذا ترك ذرية كثيرة بمصر كانت كافية لاعتبارهم بطنا من بطون مراد. وليس لدينا خبر عن أحد من هؤلاء الرضائيين، ولكننا نعرف من مواليهم عبد الله بن كليب بن كيسان الفقيه (١٠٠ - ١٩٣ هـ) وعمر بن ثواب بن عمران (ت ٢٠٧ هـ)، وأحمد ومحمد ابناه، وكانوا جميعًا من الشهود المقبولين عند القضاة (٣). ٢ - زوف: هو زوف بن زاهر بن عامر (٤) والمفهوم أن خطتهم ومرتبعهم كانا مع مراد (٥). كما يفهم من شعر يحيى الخولاني أنهم أصحاب الزعفران فرس مراد الذي سرقت يحصب سبقه (٦). ويظهر هذا البطن في مصر منذ الفتح. ومن المهم أن نعرف أن أحدهم (رشد بن يزيد) كان فيمن وفد إلى علي بن أبي طالب ﵁ من أهل مصر، وقد قطع يده عبد العزيز ابن مروان لسبب نجهله (٧). ومما يلفت النظر أن جميع من بقي لنا خبرهم من هذا البطن من رجال الرواية والحديث. منهم: عبد الله بن أبي مُرّة من رجال الفتجي، وأحمد بن شعيب بن سعيد (ت ١١٨ هـ)، وأحمد بن سوار (من رجال القرن الثاني)، وأحمد بن عمرو بن شجرة (ت ٢٦٣ هـ)، وإبراهيم بن عمرو بن ثور (ت ٣٠٣ هـ) (٨).

стр. 1033

٣ - عبس: هم عبس بن زوف، عبس مراد، وهم غير عبس قيس، ولا ينسب إليهم فالأشهر الانتساب إلى عبس غَطَفان (١). شهدوا فتح مصر، واختطوا في مراد، وكانوا يرتبعون مع مراد في منف والفيوم (٢). وهم أصحاب رقاق بني عبس بالفسطاط. وقد غلط بعض النّاس في هؤلاء العبسيين وقال: هم عبس قيس، وليس كما قال (٣). ظهر منهم بمصر ليث بن قيس، وأمين بن مسلم، وهما من محدثي القرن الثاني (٤). أما الحسن بن يزيد بن نافع (ت ٣٠٩ هـ) فهو من مواليهم (٥). ٤ - غطيف: ذكرهم السمعاني خطأ في باب القاف والظاء باسم قطيف (٦). وهم بطن من مراد كان لهم مخلاف باسمهم من مخاليف اليمن. نزل أكثرهم مصر (٧). واختطوا هم ووعلان في مراد (٨). ظهر منهم بمصر عدد من الشخصيات المهمة فكان منهم شريك بن سمي الذي كان على مقدمة عمرو يوم الفتح، وهو الذي سُمي كوم شريك باسمه (٩). وسهل بن سعيد الصحابي (١٠). وعلقمة بن يزيد من رجال الفتح وأحد كبار القواد

стр. 1034

طوال عهد الفتح (١). وعابس بن سعيد الذي ظل منذ سنة ٤٩ هـ حتى وفاته سنة ٦٨ هـ يتقلب في مناصب الشرطة والقضاء. وكان من شيعة بني أمية بمصر (٢). وكان عبد العزيز بن سهل بن سعد المحدث (ت ٢٢٠ هـ) من مواليهم (٣). ٥ - بنو جمل: هم من بني ناجية بن مراد (٤). ويبدو أن معظمهم نزل الكوفة مع سائر مراد، فإن السمعاني ذكر كثيرين منهم من أهل تلك المدينة (٥). ولم يكن منهم بمصر كثير في كل حال، فلسنا نقابل سوى يزيد بن عروة الذي كان من جند عبد العزيز بن مروان (٦). والواقع أن مواليهم هم الذين ظهروا بمصر ظهورا فعليا. وأهم هؤلاء الموالي عامر جمل الذي كان من رجال عمرو بن العاص، وبشر معاوية بقتل محمد بن أبي بكر. ومما يدل على أهميته أنه كان عريف موالي مذحج جميعا (٧). بل كان له هو نفسه مواليه، ومنهم محمد بن سلمة من محدثي القرن الثالث وكان يقوم بالكتابة للحارث بن مسكين قاضي مصر (٢٣٧ - ٢٤٥ هـ) (٨). وكان ابنه إبراهيم (ت ٢٨٥ هـ) من محدثي مصر كذلك (٩). ٦ - وعلان: اختطت بالفسطاط مما يلي القصر (حصن بابليون) ثم مضوا ينازلون خولان وتجيب هم وبنو غطيف (١٠).

стр. 1035

ويبدو أنها كانت قليلة الأهمية إذ لم يبق لنا منها سوى مولاهم إبراهيم بن نشيط (ت ١٢٣ هـ) كان من الثقات (١). وكانت مولاته زوجة لعبد الله بن عبد الرحمن بن حجيرة الخولاني قاضي مصر (٩٠ - ٩٣ هـ) (٢). ٧ - تدؤل: لهذا البطن شهرة تاريخية لكون عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي بن أبي طالب منه (٣). وقد شهد عبد الرحمن هذا فتح مصر، واختط بها خطتين، وكان له مسجد معروف، وكان فارس تدؤل المعدود فيهم بمصر (٤). وربما كان هذا البطن ظل مقيما بمصر بعد ذلك، إذ تقابل في القرن الثالث أحد مواليهم: النضر بن عبد الجبار (ت ٢١٩ هـ) الزاهد العابد الذي استكتبه ابن المنكدر قاضي مصر (٢٠٢ - ٢١٤ هـ) (٥). ٨ - سلهم: سلهم كجعفر، لهم خطة بمصر (٦). ظهر منهم عمار بن سعد، كان هو وابنه عبد الكريم من محدثي القرن الثاني بمصر (٧). وكان حجاج بن ريان مولاهم (ت ٢٠٥ هـ) من محدثي مصر أيضا (٨).

стр. 1036

٩ - كعب: بقى ذكر اثنين منها من شخصيات الفتح. وهما جديع خادم النبي ﷺ الذي شهد الفتح (١) وقيس بن الحارث كان يفتي الناس في زمانه وتزعم الرواية أنه فتح القرية بصعيد مصر المعروفة بالقيس فنسبت إليه (٢). ولكن أملينو قد رد اسم هذه القرية إلى أصله الهيروغليفي (٣). ١٠ - ونبة (بفتح الواو وكسر النون) (٤): منهم ثابت بن طريف، شهد فتح مصر وحدث بها (٥). وعمار بن صفوان (ت ٢٠٧ هـ) من أهل مصر، وله ابن يقال له سالم الشاعر. وعبد السلام بن محمد بن بكر (ت ٢٦٠ هـ) من محدثي مصر (٦). نستطيع الآن أن نرى في وضوح أن مرادا ظلت محتفظة بقبائلها في مصر طوال الفترة التي نعني بها. وأنها كانت من القبائل متوسطة العدد. وكانت ميولها أموية. وقد انتشرت بمصر فسكنت الفسطاط وأتريب والإسكندرية ورشيد والصعيد. وغلب عليها الاشتغال بالعلم والدين. وظهر من مواليها بعض النابهين. وننتقل إلى القبيلة الثانية من مذحج في مصر. (ب) سعد العشيرة يبدو أنهم كانوا قليلين جدا بمصر وكان بعضهم يمثل جزءا من العتقاء أي من هؤلاء الذين كانوا يقطعون الطريق على من يأتي النبي ﷺ فبعث إليهم فأتي بهم أسرى فأعتقهم. ومن كان من سعد العشيرة من هؤلاء العتقاء كان من أهل الراية (٧).

стр. 1037

وكان منهم بمصر بطن واحد في كل حال هو: زبيد: كانت زبيد تعيش في اليمن مع الأشعريين في مخلاف واحد اسمه الحصيب (١)، وقد شهدت فتح مصر. وكل من بقي لنا من شخصياتها من أهل الفتح، منهم حومل الذي بارز البطريق الرومي وقتله (٢)، وزياد بن جزء (٣)، ومحمية بن جزء الصحابي حليف بني جمح (٤)، وعبد الله بن الحارث بن جزء الصحابي (ت ٨٦ هـ) لأهل مصر عنه عشرون حديثا (٥). ويبدو أن عبد الله بن عبد الرحمن - أحد سبي بلهيب - قد والى زبيدا وأصبح عريف مواليهم بعد أن اعتنق الإسلام (٦). أما القبيلة الثالثة من مذحج في مصر فكانت قبيلة. (ج) جلد وظهر منها بمصر البطون الآتية: ١ - بنو الحارث بن كعب: هناك بطنان بهذا الاسم، أحدهما من تميم من عدنان (٧)، والثاني من مذحج من قحطان (٨). ونحن نرجح أن بني الحارث بن كعب المذكورين في الولاة ص ١٦٩، ومنهم أبو بجاد الحارثي الشاعر، هم ذلك البطن من مذحج. وذلك لأن شعر أبي بجاد الذي يسخر فيه من ميمون بن السرى لما قتل في معركة شطنوف ضد عبد العزير الجروي سنة ٢٠٣ هـ يدل على يمنيته (٩).

стр. 1038

٢ - النخع (١): قبيلة كبيرة، وقد نزلت الكوفة (٢). والواقع أن ليس لدينا ما يدل على أنها دخلت مصر بصورة قبلية سواء وقت الفتح أو بعده. وكل ما نعرف عنها هو أن الأشتر النخعي الذي أرسله علي ليحكم مصر سنة ٣٧ هـ مات قبل أن يدخلها (٣). ولكن يبدو أن أفرادا، أو أسرا دخلوا مصر فيما بعد، فعلى شواهد القبور أسماء أفراد منهم من أهل القرن الثالث (٤). ٣ - جنب: هم الإخوة الستة الذين جانبوا أخاهم، وحالفوا سعد العشيرة (٥). شهدت جنب الفتح، واختطت بمصر (٦). وتشير شواهد القبور إلى وجودهم بمصر في القرن الثالث (٧). ولكن يبدو أنهم كانوا قليلين جدا. فلسنا نقابل منهم سوى عبد الله بن علي الذي بعث به والي مصر في جمع كثير لقتال دحية بن مصعب وأهل الواحات سنة ١٦٧ - ١٦٩ هـ (٨). ومن مواليهم عبد الملك بن نصير (ت ٢١١ هـ) كان مفرض أهل مصر في زمانه (٩).

стр. 1039

(د) بديعة كل ما نعرف عنها أنها قبيلة من مذحج اختطت بمصر (١). والأرجح أنها أحد البطون. بذلك نفرغ من قبائل مذحج الفرع الثاني الكبير من عريب، وننتقل إلى الفرع الثالث. ٣ - الأشعريون كانت تعيش مع زبيد في مخلاف الحصيب باليمن كما قلنا (٢). وقد أسلم جماعة منهم مبكرين وشاركوا في نشر الإسلام باليمن فاستحقوا ثناء النبي ﷺ (٣). شهد الأشعريون فتح مصر. وكانت خطتهم جزءا من خطة المعافر (٤). وكانت ميولهم ضد الأمويين فقد اشتركوا مع ابن جحدم في حربه ضد مروان سنة ٦٥ هـ. وقد سجل عبد الرحمن بن الحكم لها ذلك في قوله: وأحياء مذحج والأشعرين … وحِمْيَر كاللهب المحرق (٥) ولكن يبدو أنهم كانوا قليلين جدا بمصر، ولم يظهر منهم أحد في الحياة العامة بها. وكان منهم البطنان الآتيان: ١ - بنو صنم: بطن من الأشعريين في المعافر (٦). منهم ربيعة بن سيف الإسكندراني المحدث (ت ١٢٠ هـ) (٧).

стр. 1040

٢ - الأكنوع: كل ما نعرفه عنهم أنهم من الأشعريين، واختطوا معهم في المعافر (١). والذي يهمنا أن نلحظه في هذا المقام، هو اختلاط الأشعريين بالمعافر، اختلاطا يكاد يجعلهم بطنا منهم، فقد كانت خطتهم جزءا من خطة المعافر، وكان ديوانهم مضموما فيما يبدو إلى ديوان المعافر، فالسمعاني يقول عن ربيعة بن سيف الذي تقدم ذكره أن "اسمه في ديوان المعافر بمصر في بني صنم" (٢). ويضيف إليه هو والسيوطي النسبة: المعافري (٣). أما الفرع الأخير من عريب في مصر فهو: طيئ لم تكن من قبائل الفتح، ولم تظهر في مصر إلا في أواسط القرن الثاني. ونحن نعرف أن حميد بن قحطبة الطائي لما ولي مصر سنة ١٤٣ هـ دخلها في عشرين ألفا من الجند (٤)، فأغلب الظن أن قبيلته كانت ممثلة في هذا الجيش. والواقع أنها تظل ظاهرة على المسرح منذ ذلك التاريخ حتى القرن الثالث الذي تدل شواهد القبور على وجود هذه القبيلة بمصر في أثنائه (٥). وكل من ظهر من طيئ بمصر كانوا من الشخصيات البارزة فهناك بعد حميد بن قحطبة، يزيد بن عمران كان صاحب البريد سنة ١٧٤ هـ (٦). وفي سنة ١٩٥ هـ ولي مصر والٍ آخر من طيئ هو جابر بن الأشعب (٧). ومن المهم أن نعرف أن جابرا استخلف أحد أبناء قبيلته المقيمين بمصر (عبد الله بن إبراهيم) إلى أن

стр. 1041

جاء (١). وشارك إبراهيم بن نافع، باعتباره من وجوه مصر، في السياسة المصرية مشاركة كلفته حياته سنة ١٩٩ هـ (٢). وكان معلى بن العلي الطائي - الشاعر الذي لا مبدأ له - من أظهر شخصيات طيئ في مصر في أواخر القرن الثاني وأوائل الثالث (٣). وكان هناك في الوقت نفسه الشاعر الناشي أبو تمام (ت ٢٣١ هـ) الذي قضى صدر حياته في مصر ثم تركها ليصبح أحد الشعراء الخالدين (٤). وكان في مصر من طيئ البطن الآتي: الغوث: وكان منهم عمار بن مسلم بن عبد الله الذي ولي الشرطة عدة مرات فيما بين سنتي ١٦٥، ١٨١ هـ (٥). بذلك تنتهي قبائل كهلان جميعا التي تكون القسم الأول من قحطان أي عرب الجنوب. وننتقل إلى القسم الثاني.

стр. 1042

القسم الثاني: قبائل حِمْيَر تتفرع حمير فرعين: مالك، والهميع. وقبل أن نتناولهما بالبحث نتحدث عن حِمْيَر بوجه عام. عرفت حِمْيَر الحياة المدنية منذ زمن بعيد وكان منها ملوك اليمن من التبابعة إلا من تخلل في خلال ملكهم في قليل من الزمن (١). وعندما دخلت المسيحية بلادها في القرن الرابع الميلادي كانت هناك مجامع يهودية عديدة، وقد غزاها الأحباش في القرن الثالث، وظلوا يحكمونها حتى بداية الثلث الأخير من القرن السادس عندما سقط حكمهم وقام الاحتلال الفارسي العسكري الذي قضى عليه الإسلام. وعلى كل حال فالنبي ﷺ لما أرسل رسوله الأول إلى اليمن كانت مملكة حِمْيَر قد دالت منذ زمن بعيد، وتقبل زعماء حِمْيَر الدين الجديد بغير معارضة جديرة بالذكر (٢). واشتركت حِمْيَر في فتح مصر، واختطت بالفسطاط قبلي خولان وشرقيها. ومن المهم أن نلحظ أنها سكنت مع المعافر في موقعها الممتاز فوق الجبل. وكانت تذهب إلى الصعيد الأدني ترتبع في بوصير وقرى أهناس. في حين ذهبت طائفة منهم إلى خربتا فأقامت بها مع مدلج وحالفتهم فيها فهي منازلهم (٣). ووقفت حِمْيَر، شأنها شأن معظم القبائل اليمنية، مع ابن جحدم ضد مروان بن الحكم. ويبدو أنها قاتلت بعنف جعل عبد الرحمن بن الحكم يقول عنها أنها "كاللهب المحرق" (٤).

стр. 1043

وهم يظهرون في مصر طوال فترة البحث. ولكن كان أهمهم الغطريف الشاعر (١٢٧ هـ) (١)، وعبد العزيز بن ودعة (١٣٣ هـ) من وجوه المصريين (٢)، وابن هشام صاحب السيرة النبوية (ت ٢١٨ هـ) (٣). وتدل شواهد القبور على أنهم كانوا ما يزالون كثيرين بمصر في القرن الثالث (٤). ونتحدث الآن عن فرعي حِمْيَر. أولا - مالك إن الأقسام الرئيسية التي تنقسم إليها القبائل المنتسبة إلى مالك هي في الواقع فروع لقضاعة بن مالك. فلكي نتحدث عن مالك يجب أن نتحدث عن قضاعة بما هي الممثل الفعلي لمالك. قُضَاعة شهدت قُضَاعة فتح مصر واختطت بها. وبالرغم من أن عمر بن الخطاب حول قبيلة بلِّي - وكانت تمثل ثلث قضاعة بالشام - إلى مصر (٥) ظلت قضاعة قليلة العدد إلى حد بصوره أنها لم تكن صاحبة دعوة مفردة في الديوان، أي لم تكن ذات سجل خاص بها يشتمل على أسماء الأفراد الموجودين منها في مصر، وإنما كانت موزعة في القبائل الأخرى، بمعنى أن كل بطن منها كان ملحقا بديوان قبيلة من القبائل. فكانت مهرة مثلا مسجلة في ديوان كندة. وتنوخ في الأزد، وجهينة في أهل الراية .. إلخ، وظلت قضاعة على هذا الوضع حتى حكم مصر أحد أبنائها (بشر بن صفوان الكلبي) فأعاد تنظيم الديوان بأن استخرج بطون

стр. 1044

قضاعة من القبائل الملحقة بها وجعلهم دعوة مفردة. وكان هذا هو التدوين الرابع للعرب المقيمين في مصر، وقد تم في سنة ١٠٢ هـ (١). ويبدو أن جانبا من قضاعة أقام في بلاد الحوف حيث كان لهم، قبل منتصف القرن الثالث على كل حال، بلدة باسم (مسجد قضاعة) على الطريق - طريق الصيف - من الفرما إلى مصر. وكانت في منتصف المسافة بين فاقوس وبلبيس (٢). وفي القرن الثاني كانت قضاعة بارزة على مسرح الحياة المصرية يتحدث عنها الشعراء (٣). والآن نتحدث عن أقسام قضاعة وبطونها في مصر. تنقسم قضاعة ثلاثة أقسام رئيسية: عمرو ، وعمران، وأسلم. ونتحدث الآن عن كل قسم وما كان من بطونه في مصر. ١ - عمرو كان من هذا القسم بمصر القبائل الآتية: مهرة: المهربون شعب قديم من شعوب جنوبي الجزيرة، يتكلم لغة تختلف اختلافا أساسيا من اللغة العربية. وقد ارتدوا عن الإسلام، ولكن أبا بكر أخضعهم بسهولة فعادوا إلى الإسلام واشتركوا في حركة الفتح الكبرى التي بدأت في عهد عمر بن الخطاب (٤). وتظهر مهرة في معارك فتح مصر. ويبدو أنها امتازت بالبراعة في القتال امتيازا نجعل عمرو بن العاص يصف المهريين بأنهم "قوم يَقتلون - بفتح الياء - ولا

стр. 1045

يُقتلون" (١). كما أن تمسكهم بأن ينال أحدهم (تميم بن فرع) نصيبه من الغنائم بعد فتح الإسكندرية تمسكا أوشك أن يجرهم إلى النزاع الفعلي مع قريش دليل على اعتدادهم بأنفسهم (٢). وقد اختطت مهرة على سفح جبل يشكر، ثم نقلهم عمرو بن العاص إلى جانبه (٣). وكان لهم بالفسطاط مسجد ذو قبة سوداء (٤). وكانوا يرتبعون في توتمي (٥). وظلت مهرة مضمومة إلى كندة في الديوان شأنها شأن كل قبائل قضاعة حتى استخرجت سنة ١٠٢ هـ في التدوين الرابع (٦). ويبدو أن مهرة كانت قبيلة كثيرة العدد قوية الجانب بمصر فقد عدها عمرو بن العاص من القبائل المصرية. هذا إلى أنه قد اشترك منهم وحدهم ستمائة رجل في غزو إفريقية سنة ٢٧ هـ بقيادة عبد الله بن سعد (٧). وتشهد شواهد القبور بأن مهرة احتفظت ببقائها في مصر حتى القرن الثالث (٨). ومن شخصيات الفتح نرى من مهرة تميم بن فرع الذي سبقت الإشارة إليه (٩)، وبرح بن حسكل الذي اعترض على خروج مال مصر إلى معاوية (١٠). ونرى منهم بعد ذلك شريح بن ميمون كان من قادة الأسطول المصري سنة ٩٨ هـ (١١) وكان ابنه محمد من رؤساء فتنة خلع مروان الحمار بمصر (١٢٧ - ١٢٨ هـ) (١٢).

стр. 1046

ويبدو أنهم أقاموا بالحوف فإن واحدا منهم (مهدي بن زياد) هو الذي قتل موسى بن مصعب أمير مصر في معركة العريرار ذكرها ياقوت باسم الغريراء بالغين المعجمة وقال إنها موضع بحوف مصر) (١). التي دارت بينه وبين أهل الحوف سنة ١٦٨ هـ (٢). ومثلما ظهر من مهرة رجال الحرب ظهر منها رجال العلم ورجال الدين مثل خالد بن حميد الإسكندراني (ت ١٦٩ هـ بالإسكندرية) من مشاهير أتباع التابعين بمصر (٣)، ورشدين بن سعد (ت ١٨٨ هـ) لم يكن محدثا دقيقا (٤)، وسليمان بن داود (ت ٣٥٢ هـ) من أصاغر أتباع التابعين بمصر (٥). وهكذا نرى أن مهرة كانت قبيلة على حظ من القوة والشهرة بمصر، واستطاعت أن تظهر على مسرح الحياة العامة وتؤثر فيها حربيا وسياسيا وعلميا. بلِّي: بلِّي قبيل عظيم فيه بطون كثيرة. وكانت مساكنها على حدود الشام بين أراضي جهينة وجذام. وكانوا قبل ذلك جنوبي جزيرة العرب (٦). وظلت بلي تقاوم الإسلام منضمة إلى هرقل حتى تمكن المسلمون من هزيمتها هي واليونانيين في معركة اليرموك ١٥ هـ ولكن هذا لم يمنع أنها - أو جزءا منها - قدم خضوعه للنبي ﷺ بعد فتح مكة سنة ٩ هـ، وإن كانوا حاولوا التمرد بعد وفاة النبي ﷺ (٧). وقد نزل أكثرهم مصر بعد معركة اليرموك بإذن الخليفة عمر (٨). وقد قاموا في عمليات الفتح بدور مهم، إذ يبدو أنهم تولوا ضرب حصن بابليون بالمنجنيق، فسجل عمرو ذلك لهم في رجزه المشهور:

стр. 1047

يوم لهمدان ويوم للصدف … والمنجنيق في بلِّي تختلف (١) ويبدو أن عمرا كان يحابي بليا لأن أمه وأباه كانا منهم، فكانت بلي تقف في المعارك عن يمين رايته (٢). بل زعم قوم أن عمرا كان يقف تحت رايتهم هم (٣). ثم أنه وصف بليا بأنها تمتاز من بين قبائل مصر بكثرة من ظهر من أبنائها من الصحابة والفرسان الممتازين (٤). ولا شك في أن بليا كانت كثيرة العدد بمصر، فقد عدها عمرو من بين القبائل المصرية (٥)، كما أنها اختطت بالفسطاط خطة كبيرة (٦)، وكانت هذه الخطة في الحمراوات الثلاث (٧). وقد تنازعوا في أول إقامتهم بمصر مع جهينة الذين تبعوهم إلى هنا، ولكن سرعان ما اتفقوا اتفاقا أقامت بلي بمقتضاه في البلاد الواقعة بين مصر وميناء عيذاب (شرقي أسوان) (٨). وكانوا يرتبعون في منف وطرابية (٩). ولم تستقر بلي بمصر استقرارا تاما، فقد ذهب قوم منهم إلى معادن التبر في أقصى الجنوب يبحثون عن الثروة (١٠). كما أقام بعضهم في الرمادة من لوبية مع آخرين من جهينة وبني مدلج (١١). وكان من بلي من الصحابة بمصر مسعود بن أوس (١٢)، وجبارة بن زرارة (١٣)، شهدا الفتح واختطا بها. ولا شك في أن بليا كانت علوية الهوى فكان

стр. 1048

منها ابن الجثما من رجال ابن أبي حذيفة سنة ٣٦ هـ (١)، وعبد الرحمن بن عديس الذي قام بالدور الرئيسي في مصرع عثمان (٢). ثم كان عبد الله بن أبي حرملة صاحب الشرطة لمحمد بن أبي بكر الصديق (٣). واستمرت ميول بلي ضد الأموين فكان زهير بن قيس من قواد ابن جحدم في حربه ضد مروان سنة ٦٥ هـ (٤). وكان عايذ بن ثعلبة (ت ٥٣ هـ) (٥)، ووحوح بن ثابت من أشراف أهل مصر (٦). ومن شعراء بلي أبو المصعب صاحب القصيدة المشهورة التي هجا فيها أشراف أهل مصر (٧). وكان من موالي بلي شعيب بن حميد من أصحاب الشرط (١٠١ هـ) (٨)، وأبو الندى قاطع الطريق الرهيب (١٩١ - ١٩٢ هـ) في الصحراء ما بين مصر والحجاز والشام (٩). وكان من بلي بمصر البطون الآتية: (أ) فاران: هو فاران بن بلي. منه فرح بن سهيل (ت ٢٣٨ هـ) من محدثي مصر (١٠). (ب) عترة: عترة اسم لبطون في قبائل كثيرة منها بلي (١١).

стр. 1049

وعترة بلي منها عبد الرحمن بن عديس الصحابي، شهد فتح مصر واختط بها، وكان أحد فرسان بلي المعدودين بمصر، وكان القائد العام للجيش المصري الذي سيّره ابن إبي حذيفة إلى عثمان سنة ٣٥ هـ (١). (ج) بلي جزاء: من بلي. لهم خطة بالفسطاط (٢). (د) بلي أهل الراية: يبدو أنهم هم الجزء الذي أقام مع أهل الراية من بلي (٣). (هـ) الوحاوحة: قوم من بلي كانت لهم خطة بمصر. بني في خطتهم عبد العزيز بن مروان قيسارية الكباش (٤). من الواضح الآن أن الدور الرئيسي الذي قامت به بلي في الحياة المصرية يكاد ينحصر في عملية الفتح نفسها ثم في الثورة على عثمان .. ومنذ ذلك التاريخ عاشت بلي بمصر في خمول يكاد يكون مطلقا بالرغم من العدد الكبير الذي أقام منهم بمصر. وننتقل في كل حال إلى القسم الثاني من قضاعة. ٢ - عمران كان من هذا القسم بمصر القبائل الآتية: سليح: ويبدو أنها كانت قليلة الأهمية. ولم يظهر منهم سوى عبد الملك بن مليل المحدث (٥).

стр. 1050

كلب: مجموعة من القبائل الرعوية الشامية، جعلهم فتح الشام في المقدمة بسبب التحالف الوثيق الذي عقده معاوية مع قبيلتهم. وقد سما بهم هذا التحالف إلى مرتبة عالية في البلاط والجيش. وقد ظلوا إلى جانب الامويين يمدونهم بالمساعدات الحربية الفعالة في المناسبات المختلفة حتى أصبح اسم الكلبي مرادفا للمتعصب للأمويين. وكانوا في أثناء ذلك كله يناصبون قبيلة قيس العداء التقليدي المستحكم (١). ولم تظهر كلب في مصر إلا في وقت متأخر على كل حال، وإذا استثنينا دحية بن خليفة مبعوث النبي ﷺ الديبلوماسي الذي يبدو أن إقامته بمصر كانت قصيرة (٢)، كان بشر بن صفوان والي مصر (١٠١ - ١٠٢ هـ)، وصاحب التدوين الرابع المشهور، هو أول الكلبيين ظهورا بها (٣). وبناء على ما مر بنا من سوابق نستطيع أن نفترض قدوم عدد من قبيلة كلب إلى مصر مع ذلك الوالي. والواقع أننا نجد أخاه حنظلة يلي له الشرط سنة ١٠١ هـ ثم يحكم مصر نفسها مرتين (١٠٢ - ١٠٥، ١١٩ - ١٢٤ هـ) (٤). وكذلك عياض بن حريبة صاحب شرط حنظلة هذا (١١٩ - ١٢٢ هـ)، الذي ظل مقيما بمصر حتى قامت الدولة العباسية وخرج مع صالح بن علي العباسي في عشرة من أهل مصر سنة ١٣٣ هـ (٥). بل إن جانبا من كلب أقام في الحوف الشرقي مع القبائل اليمانية الأخرى المقيمة به، حيث ظهر منهم شرحبيل بن مذيلفة الذي قاد حركة التسويد بالحوف الشرقي سنة ١٣٢ هـ (٦). ويصبح وجود الكلبيين مألوفا بمصر بعد ذلك فنرى منهم أبا كندة بن عبيد من القواد (١٤٥ هـ) (٧)، وأبا الصهباء من أصحاب الشرط القساة (١٥٥ - ١٦١ هـ) (٨)، ويزيد بن الخطاب أحد زعماء الحوف في فتنة الأمين والمأمون. ومن

стр. 1051

المهم أن نلحظ أن يزيدا هذا كان له مال - ولعل ذلك المال كان أرضا - في بنا وسنهور وسندفا من مدن الدلتا الشمالية (١). ولعل أبا الكروس (١٦٨ - ١٦٩ هـ) كان شاعر كلب بمصر (٢). وتشير شواهد القبور إلى إقامة الكلبيين بمصر في القرن الثالث (٣). وكان من كلب بمصر البطن الآتي: بنو عامر: اشتهر هذا البطن بأن كان منه كلثم بن المنذر الذي اشترك مع خالد بن سعيد في حركته العلوية سنة ١٤٥ هـ لخصومة شخصية بينه وبين والي مصر حينذاك (٤). نرى من هذا أن كلبا بالرغم من تأخر إقامتها بمصر قد ساهمت في الحياة السياسية بها مساهمة فعالة طوال القرنين الأخيرين من الفترة التي ندرسها. تنوخ: تنوخ قبيلة من قضاعة (٥). والواقع أنها ليست قبيلة واحدة، وإنما هم عدة قبائل اجتمعوا قديما بالبحرين وتحالفوا على التآزر والتناصر وأقاموا هناك (٦)؛ ولذلك عدهم ابن حزم من بين القبائل التي لا ترجع إلى أب واحد (٧). هذا، وتنوخ إحدى القبائل التي هي نصارى العرب (٨). وشهدت تنوخ فتح مصر، وكان نفر منهم من اللفيف (٩). ويبدو أن خطتهم كانت مع اللفيف، فإن عقبة تنوخ التي كانت من عقبات مصر المشهورة كانت من

стр. 1052

خطة اللفيف (١). وكانت تنوخ مضمومة إلى الأزد في الديوان حتى استخرجها بشر بن صفوان سنة ١٠٢ هـ وجعلها هي وسائر بطون قضاعة دعوة مستقلة (٢). ظهر منهم بمصر بطنان أو أسرتان هما: (أ) بنو علقمة: اختط جدهم بمصر (٣)، وورث كعب بن علقمة هذه الخطة ثم وهبها لعبد العزيز بن مروان الذي حولها إلى الحمام الذي كان يعرف بحمام زبان (٤). وقد اتهم عبد الحميد بن كعب بالقَدَر سنة ١٧٠ هـ (٥). (ب) آل كعب بن عدي: كان جدهم كعب من أهل الحيرة، أرسله عمر إلى المقوقس سنة ١٥ هـ، وشهد فتح مصر (٦). وانضم آل كعب إلى قريش في الديوان، وظلوا كذلك حتى التدوين الرابع سنة ١٠٢ هـ فانضموا مع سائر قضاعة (٧). لم تكن تنوخ على ما يبدو مما سبق من القبائل المهمة بمصر، ولكنها ظلت محتفظة ببقائها منذ دخلتها مع الفتح حتى الثلث الثانى من القرن الثاني على الأقل. خشين: ذكرها "كست" ناشر الولاة باسم خسين الذي عده من الأسماء المجهولة (٨) ولكن من الواضح أنها البطن من قضاعة رهط أبي ثعلبة الخشني (٩).

стр. 1053

وشهدت خشين الفتح، وانضمت إلى لخم في الديوان، وظلت كذلك حتى استخرجت سنة ١٠٢ هـ (١). ويبدو أنها كانت على صلة خاصة بلخم، فمثلما انضمت إليها في الديوان انضمت إلى طائفة منها ومن جذام فنزلوا أكناف صان وأبليل وطرابية وأقاموا هناك حيث ضاعت آثارهم (٢). ولم يبق لنا منهم بمصر سوى ابن أبي زمزمة الشاعر الذي أعجب بالسرعة التي تم بها حفر خندق ابن جحدم في حربه مع مروان سنة ٦٥ هـ (٣). والأرجح أنه هو نفسه زرعة بن سعد الله بن أبي زمزمة الذي هجا أمير مصر عبد الله بن عبد الملك سنة ٨٨ هـ (٤). ثم ننتقل إلى القسم الأخير من قضاعة. ٣ - أسلم كان من أسلم بمصر القبائل الآتية: عذرة: وهم المعروفون بشدة العشق، قوم جميل صاحب بثينة (٥). وليس لدينا ما يدل على قدومهم إلى مصر بصورة قبلية في أثناء الفتح أو بعده. وربما كان أبو بكر بن القاسم بن قيس - ممن لحق بابن الزبير من أهل مصر سنة ٦٤ هـ دليلا على إقامة بعضهم بمصر في أثناء القرن الأول (٦). ولكن الأمر الذي لا شك فيه هو أنهم جعلوا يفدون إلى مصر بصورة فردية أو جماعية منذ القرن الأول نفسه. فقد قدم جميل بثينة على عبد العزيز بن مروان فأكرمه، وظل بها حتى مات سنة ١٢٠ هـ (٧). وكان آل حوي بن معاذ أهم من أقام بمصر من بني عذرة على

стр. 1054

الإطلاق. كان منهم إبراهيم بن حوي الذي قتله اْهل الحوف في المعارك بينهم وبين الدولة ١٨٦ - ١٨٧ هـ (١). وكان حوي بن حوي (ت ٢٠٠ هـ) من أشراف أهل مصر، صاحب فندق حوي بالفسطاط، ولي أولاده الولايات بمصر (٢). فكان أحمد بن حوي من أصحاب الشرط (١٨٩ - ١٩٩ هـ) (٣)، وكان أبو الكرم بن حوي من القواد، قتله أهل الحوف سنة ١٩٧ هـ (٤). ويظهر بنو عذرة بمصر في القرن الثالث كذلك، فكان منهم أبو مجاهد عذرة بن مصعب (ت ٢٥٢ هـ) المحدث ومؤذن المسجد الجامع بمصر (٥). وقد احتفظوا ببقائهم في مصر زمنا طويلا بعد ذلك فإن الحمداني يذكر أن منهم جماعة بدمياط وما حولها بتنيس (٦). والواضح في كل حال من حياة بني عذرة بمصر أنهم كانوا من أشرافها أي من الطبقة الأرستقراطية بها. وأنهم كانوا في جانب الدولة دائما، فكانوا ممن يمثلون الاتجاه المدني المضاد للاتجاه البدوي. جُهينة: قبيلة عظيمة، فيها بطون كثيرة، اعتنقت الإسلام واندمجت في الجماعة الإسلامية بدون مقاومة. ولم يشتركوا في الردة، بل ظلوا معاونين أقوياء للخلافة الناشئة. ونزلت جهينة الكوفة والبصرة. ولكن جمهورها هاجر إلى مصر حيث نجدها عند الفتح مع أقسام أخرى وثيقة التحالف من قضاعة (٧)، ثم أخذوا يتقدمون بالتدريج من مصر السفلى نحو مصر العليا حيث لعبوا دورا ضخما في العصر الفاطمي عندما كانوا يقيمون في منطقة الأشمونين إلى أن طردتهم قريش

стр. 1055

منها بمساعدة الفاطميين ومن المهم أن نلحظ أن جهينة كانت عند الفتح من أهل الراية، وقد اختطت معهم حول عمرو والمسجد (١). ولم تشترك جهينة بسبب قلتها مع أهل الراية في المسكن فحسب، بل إنها ضمت إليهم في الديوان أيضا وظلت كذلك حتى التدوين الرابع سنة ١٠٢ هـ (٢). ولم تجمد جهينة في مساكنها الأولى بالفسطاط، بل إنهم أخذوا يتقدمون بالتدريج نحو مصر العليا، حيث نراهم في القرن الثالث من بين القبائل المقيمة على حدود مملكة النوبة والتي حطمت تدريجيا سلطان هذه المملكة المسيحية القديمة. وقد كانت جهينة على أية حال هي التي مهدت السبيل إلى تفكك مملكة النوبة وتحولها إلى الإسلام، وبذلك حطمت أقوى دفاع كان يقوم على أراضي أعالي النيل في وجه غارات العرب والإسلام (٣). ومثلما سجل اليعقوبي إقامتهم في الجنوب في معادن التبر مع أصدقائهم بلي سجل اتجاههم نحو الغرب وإقامتهم مع بلي وبني مدلج وغيرهم في الرمادة من عمل لوبية (٤). والواقع أن أهم تحركات جهينة هو ذلك الذي أدى إلى انتشارها في الصعيد. ولابد أن كثيرا من بطونها قد هاجر إلى مصر بعد الفتح وانضم إلى الفئة الأولى القليلة التي شهدت الفتح بحيث أصبحت جهينة من القبائل الكبيرة بمصر. ولا يمكن بغير هذا تفسير اشتراكهم في غزو بلاد النوبة الذي مر ذكره، ولا تفسير احتلالهم منطقة الأشمونيين وإقامتهم كأغلبية هم وبلي مع قريش التي كانت قليلة العدد بهذه المنطقة أول الأمر. فلما كان العصر الفاطمي زحفت قريش على الأشمونين واستأثرت بها دون هاتين القبيلتين على النحو الذي ذكرنا من قبل. فسارت جهينة إلى الصعيد الأعلى حيث نزلت في بلاد أخميم أعلاها وأسفلها (٥).
следующие страницы →