← Ансаб

Ансаб · id 897

موسوعة القبائل العربية

محمد سليمان الطيب

Полный текст (10 849 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

١١ - غنث: اختطوا بالفسطاط (١). ولابد أنهم كانوا كثيرين بمصر فقد حضر سبعمائة منهم غزوة إفريقيا سنة ٢٧ هـ (٢). ١٢ - ميدعان: كان منهم سبعمائة جندي كذلك في غزوة إفريقية سنة ٢٧ هـ وكان على مقاسمها شريك بن سُمي (٣). ١٣ - بنو الحارث بن زهران: إما أن يكونوا فرع من بني زهران من أرد مزيقياء، وإما أن يكونوا من بني زهران من أزد شنوءة (٤). وكان منهم على كلّ حال ناشر الأزدي ممن حضر فتح مصر (٥). ومن أحفاد ناشر هذا كان فتح بن الصلت المساعد الأكبر لدحية بن مصعب الأموي في ثورته بالصعيد سنة ١٦٩ هـ. وتد بدا نجم دحية في الأفول بعد مقتل فتح في هذه الثورة (٦). ١٤ - بنو بحر: هم قوم من الأزد. كانت خطتهم بالحمراوات الثلاث (٧). ومما يذكر أن دار عطاء بن دينار الفقيه المصري (ت ١٢٦ هـ) كانت في خطتهم (٨). ١٥ - ثراد: بطن من الأزد نزلوا مصر عند الفتح، واختطوا بها وذكرهم القضاعي في خططه (٩). كانت خطتهم في الحمراوات الثلاث على ما يبدو من ظاهر كلام ابن دقماق (١٠).

стр. 982

١٦ - بنو شبابة الأزد: اختطوا بالفسطاط، وكان لهم المسجد الذي له المنارة (١). ١٧ - خثيم: اختطت بالفسطاط (٢). ١٨ - مازن: اختطت بالفسطاط (٣). وهكذا نفرغ من قبائل الأزد جميعًا، ولكننا نحب قبل أن نتركها أن نلحظ أن الأزد أقاموا بمصر منذ الفتح حتى أواخر القرن الثالث، وكانوا طوال تلك المدة ظاهرين على مسرح الحياة المصرية يقومون عليه بأهم الأدوار إذ كان منهم ومن مواليهم الولاة وأصحاب الشرط والقضاة والفقهاء والرواة، فأتيح لهم بذلك أن يؤثروا في الحياة المصرية من نواحيها المختلفة. ولا ريب في أن كثرة الأزد العددية قد ساعدتهم على التفوق والسيطرة في مصر، فقد رأينا كيف كان جيش الفتح يتكون منهم بصفة عامة أول الأمر. ثم إن هجرتهم إلى مصر قد استمرت بعد ذلك فجاء منهم العراقيون الذين نفاهم زياد، ثم جاءت طائفة من أهل خراسان مع المهالبة، ثم جاءت طائفة من خُزاعة (المطلبية) مع أحد الولاة. وبالرغم من أن الأزد كانوا أهل حرفة وصناعة في ماضي أيامهم، أي أنهم كانوا يمارسون الحياة المدنية، فإنهم كانوا في مصر أميل إلى التمرد على السلطة الحاكمة. ويلاحظ أنهم كانوا بوجه عام ضد العمانيين والأمويين باستثناء بني سلامان. ولما جاء العباسيون وثاروا عليهم مرّة عندما تألبت العناصر العربية في مصر ضد المأمون سنة ٢٠٢ هـ بدافع من العصبية فيما يبدو. ننتقل الآن إلى القسم الثاني من قبائل مالك.

стр. 983

٢ - بنو عمرو بن الغوث عاش منهم بمصر أفراد من القبيلتين الآتيتين: (أ) بُجيلة (١): ليس هناك ما يدلُّ على قدومها إلى مصر كقبيلة. ولكن يبدأ ظهور البجليين فيها بولاية أحدهم مصر (مسلمة بن يحيى ١٧٢ - ١٧٣ هـ) (٢). ومن المهم أن نلحظ أنه دخل مصر في عشرة آلاف من الجند (٣). ولنا الحق في أن نعتقد أن عددًا كبيرًا منهم كان من قبيلة بُجيلة. وقد ظلوا ظاهرين بمصر طوال مائة عام بعد ذلك التاريخ فكان منهم عدد من أصحاب الشرط بخاصة: عبد الرَّحمن بن مسلمة (١٧٢ - ١٧٣ هـ) (٤)، وحبيب بن أبان (١٧٣ هـ) (٥)، وسليمان بن غالب (١٩٢ - ١٩٦ هـ) (٦). وابنه محمد بن سليمان (٢٣٦ - ٢٣٨ هـ) (٧). كما كان منهم إبراهيم ابن البكاء قاضي مصر (١٩٥ - ١٩٦ هـ) (٨). بل إن اشتراك سليمان بن غالب صاحب الشرط في الحوادث العنيفة الدائرة حينذاك، واستيلاءه على حكم مصر بإرادة الجند وتأييدهم سنة ٢٠١ هـ، ثم اشتراكه في الثورة العربية ضد المأمون (٢٠٢ - ٢٠٤ هـ) (٩) - أن هذا كله لَمْ يكن ليتم لولا وجود جماعة قوية من بُجيلة بمصر.

стр. 984

ويبدو أن البجليين انتشروا بمصر، فقد أقام بشر بن بكر (ت ٣٠٥ هـ)، من صغار أتباع التابعين، بتنيس ونسب إليها (١). وفي شواهد القبور دليل جديد على إقامة البجليين بمصر وانتشارهم بها في القرن الثالث (٢). (ب) خَثْعم: لَمْ تأت إلى مصر في حورة قبيلة كذلك، وإنما هم أفراد ظهروا منها أولهم عثمان بن أبي نسعة من قواد مروان الحمار، وقد قتله العباسيون لما فتحوا مصر (٣). أما المثنى بن زياد (١٣٦ هـ) فكان من قواد العباسيين أو موظفيهم الكبار (٤). في حين ولي مصر سنة ١٦٧ هـ موسى بن مصعب مولي خَثْعم الذي انتهى به ظلمه وسوء سلوكه إلى أن قتله أهل الحوف سنة ١٦٨ هـ (٥). ثم ننتقل إلى القسم الثالث من قبائل مالك في مصر. ٣ - همدان همدان قبيلة كبيرة، كانت بلادها إحدى مراكز الحضارة في بلاد العرب القديمة، وقد تصدت للحاكم الحبشي أبرهة عندما حاول تدمير الكعبة في عام الفيل. ومع ذلك كانت من أخريات القبائل التي اعترفت بالنبي ﷺ . وقد نزلت الكوفة وحارب اثنا عشر ألفًا منها في جانب الخليفة علي في العراق سنة ٢٧ هـ (٦)، فإن همدان كانت شيعة على عند وقوع الفتن بين الصحابة (٧).

стр. 985

شهدت همدان فتح مصر، ويبدو أنَّها بذلت في الهجوم على حصن بابليون جهدا ملحوظا سجله عمرو في رجزه: يوم لهمدان ويوم للصدف … والمنجنيق في بلِّي تختلف عمرو يرقل أرقال الشيخ الخرف (١) ولما عادت من فتح الإسكندرية أمرها عمرو أن تعسكر في الجيزة هي وقبائل أخرى من الأزد وحِمْيَر والحبشة لتحمي جيش المسلمين من ناحية الغرب. ورفضت هذه القبائل العودة إلى الفسطاط، وأقامت بصفة دائمة بالجيزة، واختطت بها (٢). ومن شخصيات همدان وقت الفتح أحمد بن عجيبان الصحابي (٣). وفي القرن الثاني يقابلنا منها عُقبة بن مسلم الذي تولى القصص بالمسجد الجامع (٤). وتشير شواهد القبور وأوراق البردي إلى إقامة همدان بالفسطاط والأشمونين في القرن الثالث (٥). وكان ناعم بن أحيل التابعي المصري الشهير (٦). وأزهر بن عبد الله بن سالم الجيزي (ت ٢٢٠ هـ) (٧) من مواليهم. وهذه بطون همدان في مصر: ١ - حران: منها عبد الرَّحمن بن أوس من محدثي مصر في القرن الثاني (١٢٦ هـ)، كان في ثلاثين من العطاء (٨).

стр. 986

٢ - الأحروج: منها ثمامة بن شفي (ت قبل ١٢٠ هـ) من محدثي مصر (١). ٣ - بكيل: إحدى مجموعتي همدان القويتين. وكانت تسكن القسم الشرقي من بلاد همدان باليمن. وهي كثيرة البطون. ومن بلادها كان يبتاع السم الذي يقتل به الملوك (٢). شهدت بكيل فتح مصر، وعسكرت بالجيزة ثم أقامت بها واختطت في جنوبها الشرقي (٣). وكان من بكيل في مصر البطنان الآتيان: (أ) أرحب: قبيلة كبيرة تنسب إليها الإبل الأرحبية (٤)، شهد منهم فتح مصر بنو عوف أو بنو حجر الذين عسكروا بالجيزة ثم اختطوا في قبليها (٥). (ب) الحياوية: وهم من بني عامر بن بكيل. شهدوا فتح مصر، وعسكروا بالجيزة، ثم اختطوا في قَبَليها (٦). وكان منهم مزاحف بن عامر صاحب مسجد جامع همدان بالجيزة. ويبدو أن همدان كانت تعبر النيل وتذهب لصلاة الجمعة في جامع عمرو بالفسطاط حتى كان عُقبة بن عامر (٤٤ - ٤٧ هـ) فأمرهم بأن يجمعوا في مسجد مزاحف هذا (٧).

стр. 987

٤ - حاشد: تمثل المجموعة الثانية من همدان، وكانت تسكن القسم الغربي من بلاد همدان باليمن. ولم يكن هذا يعني انفصال حاشد وبكيل فالواقع أن بطون كلّ منهما كانت تعيش في منازل بطون الأخرى (١). وشهدت حاشد فتح مصر، وعسكرت مع همدان بالجيزة، ثم اختطت بها ولكن في شمالها الغربي (٢). بذلك تنتهي قبائل مالك التي يتكون منها القسم الأول من كهلان ننتقل إلى القسم الثاني. ثانيا - عريب قبائل عريب أربعة أفرع: مُرّة، مَذْحِج، طيئ، الأشعر. مُرَّة تتفرع مُرّة فرعين: عدي، ومالك. (أ) عدي تنقسم إلى قبائل كبيرة هي: ١ - كِنْدة وتدعى أيضًا كندة الملوك. غير كثيرة العدد فيما يحتمل. كانت تقيم في الوقت السابق لظهور الإسلام في البلاد الواقعة غربي حضرموت. والواقع أنَّها هاجرت وقت مولد النَّبِيّ ﷺ تقريبًا إلى حضرموت في أكثر من ثلاثين ألف رجل وألحقت نفسها بالصدف الذين كانوا سبقوها إلى الإقامة ببلاد حضرموت. وكان

стр. 988

من أهم بطونها عند ذاك تجيب. وتذكر لأول مرّة في التاريخ في القرن الرابع من العصر المسيحي. وقد حكمت القبائل العربية المختلفة المقيمة في وسط شبه جزيرة العرب: أسد، وبكر، وتغلب، وقيس، وكنانة، وغيرها. وكان الدين اليهودي يسودها في الجاهلية. فلما ظهر الإسلام قاوموه أول الأمر، ثم شغلوا مناصب بارزة في البلاط كنبلاء ذوي أهمية كبيرة في وقت متأخر في العصر الإسلامي. وأطلق اسم كندة على مقاطعة في الشام وخطة (حي) في البصرة لإقامة جانب منها هناك طبعًا (١). وقد تفرقت كندة في البلاد، وكان لأبنائها الصدارة في كلّ بلد انتقلوا إليه حتى صرخ هشام بن عبد الملك: يا لكندة! عندما لاحظ أن سادة فلسطين وحمص والجزيرة كلهم من كندة (٢). شهدت كندة فتح مصر، في عدد كبير فيما يبدو فقد ظلت مهرة - من قُضاعة من حِمْير - تتبعها في الديوان حتى سنة ١٠٢ هـ (٣). ويبدو أنه كان لها هي وغافق مقابر واحدة هي التي دفن فيها الكندي (٢٨٣ - ٣٥٠ هـ) صاحب كتاب الولاة والقضاة (٤). وأول من نقابل من كندة بمصر هو غرفة بن الحارث الصحابي، شهد فتح مصر وسكنها وحدث بها (٥). وكان حجر بن عدي رسول محمد بن أبي بكر أمير مصر سنة ٣٧ هـ إلى الثوار من أنصار عثمان الذين اعتصموا بخربتا (٦). وكانت ليلي، أم عبد العزيز بن مروان، كندية (٧). وهناك كذلك جعفر بن ربيعة (ت ١٣٦ هـ) زميل يزيد بن أبي حبيب في النظر في الفتيا بمصر (٨). ويحيى بن عبد الله بن العباس من وجوه قواد يزيد بن حاتم في إخماد حركة العلويين بمصر

стр. 989

سنة ١٤٥ هـ (١). وكان أبناء كندة يأتون إلى مصر ويقيمون بها إقامة مؤقتة أو دائمة فولي إسماعيل بن اليسع الكوفي قضاء مصر (١٦٤ - ١٦٧ هـ) (٢)، كما نزل حسان بن عبد الله بن سهل الواسطي (ت ٢٢٢ هـ) مصر وحدث بها حتى وفاته (٣). وهكذا كان الكنديون في مصر ما بين قائد وفقيه وقاض ومحدث. ولم يكن مواليهم بأقل منهم، فقد لعب عبَّاد بن محمد بن حيَّان دورا بارعا في سياسة مصر حتى وليها من قبل المأمون (١٩٦ - ١٩٨ هـ) (٤). وكان يحيى بن زكريا من الشهود عند القضاة في النصف الأول من القرن الثالث (٥). ومن الواضح أن كندة ظلت حية بمصر منذ الفتح حتى القرن الثالث. وشواهد القبور تؤيد ذلك بالنسبة إلى القرنين الثاني والثالث (٦). وكان لكندة بطون في مصر هي: (أ) السكاسك: جدهم سكسك ملك (٧). وكانوا ممن ساعدوا معاذا الذي بعثه رسول الله ﷺ حتى أجاب أهل اليمن إلى الإسلام، فدعا النَّبِيّ ﷺ بالمغفرة، وعدَّهم في خير القبائل (٨). قدموا الشام رمن عمر بن الخطاب ونزلوا وادي السكاسك بالأردن (٩). وشهدوا فتح مصر، واختطوا في المعافر. ولكن لَمْ يظهر منهم أحد بمصر (١٠).

стр. 990

(ب) بريح: بطن من كندة، من بني الحارث بن معاوية. نعرف منهم أبا القاسم بن عبيد الله، من التابعين، أدرك عبد الله بن عمرو بن العاص (١). (ج) السكون: من القريب جدًّا أنَّها كانت تعتنق اليهودية التي كانت تسود كندة كلها في الجاهلية. ومن المهم أن نلحظ في هذا الصدد أن محمد بن أبي بكر سب معاوية بن حديج، زعيم السكون في مصر، بعد موقعة المسناة سنة ٣٨ هـ بقوله: "يابن اليهودية النساجة" (٢). ولكن لما ظهر الإسلام ساعدت في إدخاله إلى اليمن، فعدها الرسول ﷺ في خير القبائل التي مدحها (٣)، وإن كان عدم قيام الملوك منها جعلها في مركز أدنى بالنسبة إلى سائر القبيلة (٤). ثم اشترك منها في فتح فارس فرقة حربية كبيرة يحتمل أنَّها أو جزءًا منها قد انضم بعد ذلك إلى جيش عمرو الذي سار لفتح مصر (٥). ومن الواضح لدينا أن لَمْ يحضر من هذه القبيلة إلى مصر - باستثناء تجيب - عدد كبير، فإن كلّ من ظهر منها بمصر هم الحديجيون ذرية معاوية بن حديج (ت ٥٢ هـ) الذي لعب في فتنة عثمان دورا غيَّر مجرى التاريخ في مصر إن لَمْ يكن في العالم الإسلامي كله، فبفضله خرجت مصر من سلطان علي إلى سلطان معاوية (٦).

стр. 991

ونحب أن نلحظ أولًا أن معاوية بن حديج هذا غالبًا ما يذكر منسوبًا إلى تجيب ولا ينسب إلى السكون إلَّا نادرًا. وهذا من باب الخطأ المشهور. وقد نبه ابن الأثير الجزري (١). إلى ما في نسبه من اختلاف ونص على أنَّ النسبة إلى السكون هي الصواب. بمراجعة تاريخ الحديجيين في مصر يتضح في الحال أن أسرتهم كانت من أهم أسر الأشراف أو الطبقة الأرستقراطية في المجتمع المصري طوال الفترة التي ندرس، فقد ظهر بعد عميدهم معاوية ابنه عبد الرَّحمن (ت ٩٥ هـ) الذي كان من كبار رجال الدولة إلى جانب كونه من أئمة مصر المجتهدين (٢). ولعلَّ عبد الواحد بن عبد الرَّحمن هذا الذي ولي قضاء مصر (٨٩ - ٩٠ هـ) من أندر القضاة الذين عرفهم التاريخ، فقد ولي القضاء وعمره خمس وعشرون سنة فما تعلق عليه بشيء (٣). وولي أخوه عبد الله بن عبد الرَّحمن إمرة مصر (١٥٢ - ١٥٥ هـ) بعد أن تقلب في مناصب الشرطة ابتداء من ١١٩ هـ وأخمد الحركة العلوية التي تزعمها خالد بن سعيد الصدفي في الفسطاط سنة ١٤٥ هـ (٤). وكان أخوهما محمد بن عبد الرَّحمن من أشراف مصر وقوادها وكبار موظفيها، وقد انتهى إلى أن ولي إمرة مصر سنة ١٥٥ هـ (٥). أما هشام بن عبد الله بن عبد الرَّحمن، فإنه إلى جانب كونه من كبار الموظفين (٦). قد لعب دورًا مهما في قضية أهل الحرس (١٨٥ - ١٩٤ هـ) (٧) وفي الدعوة إلى خلع الأمين (١٩٥ - ١٩٨ هـ) (٨) وكان أخوه محمد بن عبد الله (ت ٢٢١ هـ) - وكان يعرف بزنين - صاحب دربين بالفسطاط وضيعة بالجيزة (٩). وبدأ هبيرة بن هشام بن عبد الله

стр. 992

حياته العامة بالاشتراك مع أبيه في الدعوة إلى خلع الأمين سنة ١٩٥ هـ، ثم ولي الشرط ثلاث مرات (١). وربما كان موقفه الرائع إلى جانب إبراهيم الطائي الذي استجاره سببًا في وصوله إلى مركز الزعامة بين المصريين، هذه الزعامة التي انتهت بقتله سنة ٢٠٠ هـ في الصراع بين المصريين والخرسانيين (٢). وولي حديج بن عبد الواحد الإسكندرية سنة ١٩٨ هـ (٣). ووليها عمر بن هلال سنة ١٩٩ هـ كذلك (٤)، ثم عاد فوثب عليها لصالح عبد العزيز الجروي، واشترك في الحوادث العنيفة التي قام بها الأندلسيون هناك وقتذاك، وانتهى الأمر بقتله على صورة تجمع بين البطولة والمأساة (٥). أما معاوية بن عبد الواحد فولي الإسكندرية (٢٠٢ - ٢٠٣ هـ)، ثم كان الرئيس العام لأهلها في ثورة أسفل الأرض سنة ٢١٦ هـ (٦). وولي معاوية بن معاوية بن نعيم الشرط مرتين (٢٢٦ - ٢٢٨ هـ)، (٢٣٤ - ٢٣٥ هـ) (٧). أما مواليهم فيكفي أن كان منهم إسحق بن الفرات (ت ٢٠٤ هـ)، أول من ولي قضاء مصر من الموالي (٨). هذا العرض لشخصيات الحديجيين في مصر يبين أهمية هذه الأسرة، فقد حفلت بعدد كبير من رجال الدولة والحرب والعلم وأثرت في مختلف نواحي الحياة المصرية. أما من الناحية السياسية فقد أشرنا منذ قليل إلى الدور الخطير الذي لعبه معاوية بن حديج فحول مصر إلى ولاية أموية، والواقع أن رجالات السكون قد ظلوا منذ ذلك التاريخ حتى نهاية الدولة الأموية يرسون قواعد الحكم العربي في مصر ويثبتون دعائمه ويدافعون عن سلطان الدولة بعامة، وذلك عن طريق الوظائف الكبرى التي تولوها ونهضوا بأعبائها في كفاءة وإخلاص. ولا شك في

стр. 993

أن العباسيين كانوا يعلمون قدر رجال هذه الأسرة الذين كانوا "من أكابر المصريين من أعوان بني أمية" (١). فأبقوا عليهم بالرغم من هذا، وأعطوهم الأمان عندما طلبوه منهم (٢). لما فتحوا مصر سنة ١٣٢ هـ. ويبدو أن الحديجيين كانوا، نتيجة لممارستهم الحياة المنظمة منذ أمد طويل، يتمتعون بوعي سياسي رفيع جعلهم يفوقون غيرهم من العرب في إدراك معنى الدولة ووجوب إقامة سلطانها، فقد ظلوا على حالهم في الدولة العباسية يلون المناصب الكبرى في كفاءة وإخلاص ويتعرضون للموت في سبيل الدولة. وفي الصراع بين الأمين والمأمون وقفوا في الناحية الأخرى المقابلة للعنصر الفوضوي المعادي للدولة (أهل الحروف). ولا شك أن من آيات الثقة بالنفس والإيمان بسلطة الدولة إقدامهم على ولاية الإسكندرية التي كانت تعج بالفتن في أواخر القرن الثاني. ثم كان اشتراكهم في ثورة أسفل الأرض - وهي ثورة كان لها مبرراتها من فساد أداة الحكم في مصر باعتراف الخليفة المأمون نفسه (٣). مظهرًا جديدًا لحرصهم على سلامة الدولة. لَمْ يكن أثر الحديجيين في الحياة الاجتماعية أقلّ بروزا من أثرهم السياسي فقد ظلوا طوال حياتهم يحافظون على تقاليد الأرستقراطية العربية، وهي تقاليد النبالة بعامة. فقد حرص عميدهم معاوية على الثأر لعثمان، كما حرص على حفظ روح الفروسية الحقيقية في أولاده الذين لَمْ تكن لسروجهم ركب إنما يثبون على الخيل وثبا (٤). أما تحرش هاشم بن عبد الله بأهل الحرس وتمسكه بإلغاء نسبهم المزور فدليل على حدة عصبيته الطبقية والجنسية معا. أما تفضيل هبيرة بن هاشم الموت على تسليم جاره الطائي فمثل من أروع أمثلة الخلق العربي الأصيل الذي يعيد إلى الأذهان قصة السموأل على نحو ما التفت سعيد بن عفير الذي أعجب بهذا الصنيع - وهو الشاعر العربي القح - إعجابا شديدًا (٥). ولا يقل روعة عن هذا حمية عمر بن هلال الذي آثر هو وأقاربه الرجال أن يدلوا أنفسهم

стр. 994

من القصر، وهو غير منيع، إلى أعدائهم على أن يقاوموا فيدخل الأعداء القصر ويفضحوا حرمهم. وكان لهذا السلوك صدى عميق سجله ابن عفير كَذلك في شعره مقرونا بالإعجاب والتمجيد (١). (د) تجيب: بطن من السكون (٢). وقد ذكرنا عند الحديث عن كندة أن تجيب كانت من أهم بطونها عندما هاجرت إلى حضرموت وقت مولد النبي ﷺ تقريبًا. ويبدو أنها سارعت إلى الإسلام فقد وصفها النبي ﷺ في حديث له بأنها "أجابت الله ورسوله" (٣). وأغلب الظن أنها كانت جزءا من الفرقة الحربية المكونة من السكون والتي شاركت في فتح فارس. ثم سارت تجيب من هناك إلى غزو مصر. ومن الواضح أنها كانت إحدى الوحدات الكبرى في الجش العربي الذي فتح به عمرو مصر (٤). ويبدو أنها قامت بنصيب كبير في الاستيلاء على بابليون دعا شاعرها إلى الفخر: وبابليون قد سعدنا بفتحها … وحزنا لعمر الله فيئا ومغنما (٥) لم تكتف تجيب بالإقامة في مصر فقد اتجهت نحو الغرب، فكان منها قوم في جبل برقة الغربي مع غيرهم من بطون العرب اليمنيين (٦). ثم ساروا إلى إسبانيا حيث أصبح لهم نفوذ كبير في فترة ملوك الطوائف وفي عهد الخلفاء الأمويين سواء بسواء (٧).

стр. 995

كانت تجيب في كلّ حال من أوليات القبائل التي أقامت بمصر واختطت بها (١). ولما كانوا هم أخوال الحضارمة فقد أقام هؤلاء معهم أول الأمر (٢). ولكبر تجيب كان لها مرتبعان: الأول - وكان لمعظمهم - في تمي (تمي الأمديد، مركز السنبلاوين محافظة الدقهلية حاليًا) (٣). وبسطة ووسيم. والثاني - لطائفة منهم مع مراد - في البدقون (٤) (كانت هذه الكورة تقع في محافظة البحيرة الحالية شاغلة جزءًا من جعيف والجزء الشمالي من مركز إيتاي البارود والجزء الجنوبي من مركز شبراخيت) (٥). والذي يلفت النظر هنا، سوى تعدد أماكن ارتباع تجيب، تباعدها، فهي متناثرة في محافظات الدقهلية والشرقية والجيزة والبحيرة. ومن الطبيعي أن نلتقي بشخصيات تجيب منذ اللحظات الأولى. فهناك أبو قبان الشاعر (٦)، وعمار بن سعد التابعي (ت ١٠٥ هـ) (٧)، وبجاد الذي تولى إحراق محمد بن أبي بكر سنة ٣٨ هـ (٨)، وسليم بن عتر قاص مصر وقاضيها (ت ٧٥ هـ) (٩). وهؤلاء جميعًا من شخصيات الفتح. ومن شخصيات القرن الأول عياض بن غنم أمير الإسكندرية سنة ٨٤ هـ (١٠)، وابن أبي أرطأة أحد شراة الإسكندرية الذين حاولوا اغتيال قرة بن شريك سنة ٩١ هـ (١١)، وأبو عمران التابعي كان الأمراء يقترضون منه (١٢)، وشريح بن صفوان الذي قاد القراء في ثورتهم على أمير مصر سنة ١١٧ هـ (١٣)، وابنه

стр. 996

حيوة الفقيه (ت ١٥٨ هـ) (١) وخالد بن يزيد (ت ١٦٨ هـ) كان من رجال الدولة المستبدين (٢) وبينما كان يوسف بن نصير (ت ١٦٨ هـ) (٣) من قواد دحية الثائر الأموي كان بحر بن شراحيل (٤). في جيش الدولة ضد دحية. ومحمد بن مسروق قاضي مصر القاسي (١٧٧ - ١٨٤ هـ) (٥)، ودراج بن السمح التابعي (١٢٤ - ١٨٢ هـ) (٦). أما موالي تجيب فمنهم سعيد بن شريح (٧) وأبو شبيب (٨). وهما من شعراء القرن الثاني، وإبراهيم بن عبد الله الخفاف المحدث (ت ٢٠٥ هـ) (٩) ومحمد بن رمح الحافظ (ت ٢٤٢ هـ) (١٠). والآن نتحدث عن بطون تجيب في مصر. المعروف أن قبيلة تجيب تتكون من أبناء سعد وعدي ابني أشرس (١١) وليست بطون تجيب في الواقع سوى الأسر التي تفرعت إليها ذرية سعد وعدي هذين. وهذه الأسر هي التي نتكلم عنها الآن. ١ - بنو سعد: شهدوا فتح مصر واختطوا بها (١٢). وكانت لهم مرحلة باسمهم في الطريق إلى الفسطاط. وبهذه المرحلة نزل سعد بن أبي وقاص عندما قدم إلى مصر سنة ٣٥ هـ رسولا من عثمان إلى الثوار المصريين. وذهب إلى ابن أبي حذيفة زعيم

стр. 997

الثوار، يصحبه مائة منهم، فقابله مقابلة عنيفة أرغمت ابن أبي وقاص على العودة إلى المدينة ساخطا (١). وكان بنو عتاهية أهمهم وأظهرهم بمصر. منهم مالك بن عتاهية الصحابي شهد الفتح (٢). وعبد الرَّحمن بن حسان صاحب شرط عبد العزيز بن مروان (٧٦ - ٨٤ هـ) (٣)، وأخته أمينة والدة زرعة بن معاوية الخولاني أحد أشراف مصر (٤)، وحفيده حسان بن عتاهية الصغير الذي ولي مصر سنة ١٢٧ هـ، ح وضرب العباسيون عنقه لما فتحوا مصر إذ كان من أمراء بني أمية (٥). ومن الواضح أهميتهم ومكانتهم بمصر. ٢ - آل أيدعان بن سعد: بطن من تجيب، شهدوا فتح مصر واختطوا بها (٦). أهم من ظهر منهم بمصر كِنَانة بن بشر (ت ٣٦ هـ). كانت له خطة وكان يملك "المقلد" أحد سيفي تجيب. وكان من أبرر الثائرين على عثمان في مصر، فقد كان "رأس الشيعة الأولى" كما كان أحد القواد الستة للجيش المصري الذي سيره ابن أبي حذيفة إلى عثمان سنة ٣٥ هـ (٧). وقد ظلوا مقيمين بمصر، ولكن دون أن يبرز منهم أحد بعد ذلك سوى أبي شجرة المحدث (ت ٢٦٨ هـ) (٨). والواقع أن موالي أيدعان هم الم ثر أهمية والأبقى أثرًا في الحياة المصرية. وقد لمعت منهم أسرة سليمان بن برد الشاهد الفقيه (٩). طوال القرن الثالث. وظهر

стр. 998

منهم بعد سليمان ابنه أحمد (ت ٢٥٧ هـ) (١). وحفيده القاسم بن حبيش (ت ٢٤٥ هـ) (٢)، وحفيده أيضًا أحمد بن الرقاع (ت ٢٨٦ هـ) (٣). وكلهم من أهل الرواية والعلم والشهادة. ٣ - خلاوة: وتذكر بالحاء المهملة. من بني سعد كذلك (٤). ظهر منهم بمصر زياد بن حناطة (ت ٧٥ هـ). كان له قصر باسمه في خطة تجيب. وكان من شيعة بني أمية، وأحد الأشراف الذين قاموا في الصلح بين أهل مصر وبين مروان في ثورة ابن جحدم سنة ٦٥٠ هـ. وكان من كبار موظفي عبد العزيز بن مروان (٥). وهناك كذلك ابن أخيه سعد بن مالك المحدث (٦)، وقيس بن الأشعث (ت ١٢٤ هـ) من كبار الموظفين بمصر (٧). ٤ - بنو الأعجم: من بني سعد. وقد شهدوا الفتح. واختطوا بالفسطاط (٨). ولسنا نعرف منهم سوى مواليهم الذين كان منهم أبو المهاجر البلهيبي من الموالي الأشراف وعريف موالي تجيب رمن معاوية (٩). وعبد العزيز بن سويد (ت ٢٠٤ هـ) كان شريفا ومن كبار الموظفين (١٠). وعبد رب بن خالد (ت ٢٥٩ هـ) من الرواة (١١).

стр. 999

٥ - بنو سوم: من بني عدي، الفرع الآخر لتجيب (١). شهدوا فتح مصر واختطوا بها. وكانوا يملكون اثنين من أشهر خيل مصر: الدعلوق والخطار (٢). أشهرهم قيسبة بن كلثوم الذي جاء مع جيش الفتح في عدد كبير من أهله وعبيده وخيله. ثم تنازل بلا مقابل عن المكان الذي احتله بجوار الحصن ليبني فيه المسلمون مسجدهم الجامع. وكان هذا الصنيع سخاء استحق لأجله هو وابنه مدح الشعراء (٣). ومع أنهم وقفوا مع ابن جحدم ضد مروان بن الحكم سنة ٦٥ هـ (٤). فإن أحدهم (إبراهيم بن الأومر) كان في جيش الدولة ضد دحية بن مصعب الثائر الأموي سنة ١٦٩ هـ (٥). وكان مواليهم من أهل العلم والفقه، منهم سليمان بن يحيى بن وزير (كان ظاهرا في أواخر القرن الثاني) (٦)، وأبو زرعة المحدث الذي قيل أنه قتل في فتنة القراء سنة ٢١٧ هـ (٧)، وأحمد بن يحيى بن وزير (١٧١ - ٢٥٠ هـ) من فقهاء مصر وعلمائها الكبار (٨). ٦ - بنو اندي: والأرجح أنهم هم الذين ذكر السمعاني اسمهم مصَحَّفًا إلى أبذو (٩). وهم من بني عدي في كلّ حال (١٠).

стр. 1000

منهم أبو سويد بن قيس كانت له من عبد العزيز بن مروان منزلة (١) وكان عُقبة بن مسلم (ت ١٢٠ هـ) القاص حليفًا لهم (٢). أما مواليهم فكان منهم عبد الرَّحمن بن يحنس الذي قتل عبد الله بن الزبير سنة ٧٣ هـ فكافأه عبد العزيز بن مروان بسخاء (٣). وسالم بن غيلان (ت ١٥٣ هـ) كان من قواد مصر البحريين (٤). ٧ - بنو فهم: يذكر الكندي أنهم بنو "اذاة" - والأرجح أنه تحريف اندي - ابن عدي بن تجيب (٥). فهم على هذا بطن من عدي كذلك. كان منهم قيس بن سلامة من أعوان محمد بن أبي بكر (٦). والمهاجر بن أبي المثني زعيم الشراة الذين تعاقدوا بالإسكندرية على قتل قرة بن شريك سنة ٩١ هـ. (٧) ٨ - بنو عامر: من بني عدي. شهدوا الفتح واختطوا شرقي الحصن بمصر (٨). وكان عبد الله بن المهاجر الذي أخمد ثورة القبط سنة ١٥٦ هـ حليفًا لهم (٩). ٩ - زميلة: بطن من تجيب، يذكرون أحيانًا باسم زميل (١٠).

стр. 1001

يبدو أنهم كانوا من شيعة عثمان ثم الأمويين من بعد، فإن سلمة بن مخزمة الذي شهد فتح مصر منهم، وعميد أهم أسر هذا البطن، أبى أن يأخذ عطاء من ابن أبي حذيفة لما اغتصب حكم مصر، وذهب إلى عثمان رسولا من قبل شيعته بمصر ليخبره بأمرهم وبصنيع ابن أبي حذيفة (١). أما عبد الله بن قيس فقد استخلفه عتبة بن أبي سفيان على مصر سنة ٤٤ هـ، وكانت فيه شدة على بعض أهلها (٢). وكان سعيد بن سلمة بن مخزمة (ت ١٥٢ هـ) من محدثي مصر (٣). أما موالي رميلة فأهمهم أسرة حرملة بن عمران المحدث المصري (٨٠ - ١٦٠ هـ) (٤). وكان ولاؤها لأسرة سلمة. ومنهم حفيد حرملة يحيى بن عبد الله صاحب مسائل العمري قاضي مصر (١٨٥ - ١٩٤ هـ) (٥). أما حرملة بن يحيى الفقيه الكبير صاحب الشافعي (١٦٦ - ٢٤٣ هـ) فلم يكن أهم أفراد هذه الأسرة فقط بل كان من أهم الشخصيات العلمية المصرية (٦). وكان عبد الوهاب بن خلف المحدث المصري (ت بعد ٢٧٠ هـ) من مواليهم أيضًا (٧). ١٠ - قتيرة: هم من تجيب. الأرجح أن مقسم بن بجرة، أحد وجوه شيعة عثمان بمصر سنة ٣٥ هـ، وشيعة بني أمية سنة ٦٤ هـ، واحد منهم (٨). ومنهم كذلك حبيب بن الشهيد (ت ١٠٩ هـ) (٩). ومن أئمة مصر المجتهدين وفقيه طرابلس والمغرب كذلك (١٠).

стр. 1002

١١ - عبَّاد: بطن من تجيب نزل مصر (١). نعرف منهم يحيى بن السائب روى عن مالك. وابنه شعيب (ت ٢١١ هـ)، كان رجلًا صالحا غلبت عليه العبادة (٢). ومن مواليهم سليمان بن أبي صالح كان من عمال الخراج بمصر زمن ابن الحبحاب. وابنه سلمة كان عاملا كذلك في أيام المنصور (٣). ١٢ - بنو القرناء: بطن من تجيب، ومن الغريب أن يذكر السمعاني النسبة إليهم على أنَّها القرماني. والأرجح أن هذا تصحيف لكلمة: القرناني (٤). وكان منهم شريك بن سويد شهد فتح مصر (٥). وعميرة بن تميم ابن جزء صاحب الجب المعروف بجب عميرة، وهو قريب من القاهرة يبرز إليه الحاج والعساكر. ومن المهم أن نلحظ أن الفرسان المصريين الذين اشتركوا في معركة الخندق التي دارت بين ابن جحدم ومروان بن الحكم كانوا من جب عميرة هذا، مما يدلُّ على إقامة بعض بني القرناء هناك .. وكان عميرة نفسه من بين هؤلاء الفرسان وقد قتل في تلك المعارك (٦). ١٣ - بنو الفصال: يؤخذ من كلام الكندي أنهم من تجيب (٧). منهم العباس بن عبد الرَّحمن صاحب شرطة مصر سنة ١٥٥ هـ (٨). ١٤ - بنو فردم: بطن من تجيب (٩).

стр. 1003

منهم أبو الدهمج، رياح بن ذوابة، الذي كان تحرشه هو وآخرين من أشراف العرب بأهل الحرس من أسباب إقدام أولئك على تزوير نسب عربي لأنفسهم (١٨٥ - ١٩٤ هـ) (١). نستطيع الآن أن نرى في وضوح إلى حياة تجيب بمصر، أن كثرة عدد بطونها دليل بارز على ضخامة عدد من جاء منها. ولم تكن تجيب متفوقة من حيث العدد فحسب، فإن امتلاكها المقلد وعريض بني حديج، وهما من أشهر سيوف العرب، وامتلاكها الخطار والذعلوق من أشهر خيلهم (٢) .. كان ذلك يهيئ لها تفوقا من نوع آخر. وكان إعفاء مسلمة بن مخلد إياها من الأمر الذي أصدره سنة ٥٣ هـ إلى القبائل ببناء منار المساجد كلها آية أخرى من آيات تميزها (٣). ولكن تفوق هذه القبيلة يظهر في أحسن صورة في تلك الحياة القوية المنتجة الفعَّالة التي ظلت تجيب تمارسها في مصر طوال القرون الثلاثة الأولى. تقابل منها ومن مواليها في تلك الفترة حشدا كبيرًا من الصحابة والتابعين والأمراء والموظفين الكبار والقادة والقضاة والفقهاء والرواة والشعراء والثوار. وشواهد القبور تشير في سخاء إلى كثرتهم بمصر في القرن الثالث (٤)، مما يدلُّ على أنَّهم أفلحوا في الاحتفاظ ببقائهم على نحو قوي حتى ذلك الحين. ولكن مما يلفت النظر أن مشاهير القرن الثالث هم في الواقع من مواليها. من الطبيعي إذن أن تتمتع تجيب بالشهرة بين القبائل الأخري، حتى أنَّها كانت قريبة إلى ألسنة الشعراء حين يتحدثون عن مصر. وقد رأينا عمران بن حطان يذكرها وهو يرحب بالخوارج من أهل العراق الذين نفاهم زياد إلى مصر (٤٥ - ٥٣ هـ) (٥). وذكرها جميل وهو يتحدث عن بثينة حين سكنت مصر. مجاورة بمسكنها تجيبا … وما هي حين تسأل من مجيب (٦)

стр. 1004

كما ذكرها عبد الرَّحمن بن الحكم وهو يصف هول المعارك بين أخيه وبين ابن جحدم سنة ٦٥ هـ: وجاشت لنا الأرض من نحوهم … بحيي تجيب ومن غافق (١) وقد اتصلت تجيب بالحياة في مصر اتصالا قويا منذ البداية. فهي قد اشتركت بقسط كبير في الفتح. ولما كانت فتنة عثمان سنة ٣٥ هـ لعبت تجيب دورا رئيسيا. فكان منها كِنَانة بن بشر الأيدعي أحد كبار زعماء الفتنة. وكان في زقاق زويلة بالفسطاط المسجد الذي يقال أن تجيب تعاقدت فيه على قتل عثمان (٢). ووقف بنو سعد موقفا سلبيا من اعتداء ابن أبي حذيفة جملى ضيفهم سعد بن أبي وقاص. وكان أحدهم (قيس بن سلامة، من بني فهم بن أندى) من أعوان محمد بن أبي بكر (٣٧ - ٣٨ هـ). وفي سنة ٦٥ هـ اشتركت تجيب بحييها كليهما: سعد وعدي، على ما ذكر عبد الرَّحمن بن الحكم في قصيدته، مع ابن جحدم ضد مروان بن الحكم. أما الشراة الذين تآمروا على اغتيال أمير مصر قرة بن شريك بالإسكندرية سنة ٩١ هـ فكان زعيمهم المهاجر بن أبي المثني وأحدهم، ابن أبي أرطاة، كلاهما من تجيب. ولما قتل الوالي الوليد بن رفاعة وهيبا الشاري سنة ١١٧ هـ ثار القراء عليه وحاربوه يتزعمهم واحد من تجيب هو شريح بن صفوان. وكان من ضحايا هذه الثورة أبو زرعة المحدث مولى تجيب. وفي ١٢٩ - ١٣٠ هـ بايع ناس منها للثائر الأباضي عبد الله بن يحيى طالب الحق، وكان نصيبهم القتل (٣). ومما لا يتفق مع اتجاهها العام انضمامها إلى السرى بن الحكم سنة ٢٠٢ هـ ضد الثائرين على المأمون وولي عهده العلوي، ولكنها سرعان ما تخلت عنه (٤). وإلى جانب هذا الاتجاه الثوري نجد اتجاها مدنيا مثله سلمة بن مخزمة الزميلي الذي وقف ضد ابن أبي حذيفة ومقسم بن بجرة الفتيري الذي كان من

стр. 1005

وجوه العثمانيين (٣٥ - ٦٤ هـ). في حين كان زياد بن حناطة الخلاوي (ت ٧٥ هـ) من شيعة بني أمية وكبار موظفيهم. وكان بنو عتاهية السعديون من كبار أتباع الأمويين. بل كان عبد الرحمن بن يحنس قاتل ابن الزبير (٧٣ هـ) من مواليهم. نفهم من هذا أن تجيب، شأنها شأن معظم القبائل المصرية، ثارت على عثمان متأثرة بدعاية الجماعة التي كان ينتمي إليها ابن أبي حذيفة، والواقع أن الأمر انتهى بأهل مصر جميعًا إلى أن أصبجوا من شيعة علي فيما عدا أنصار عثمان الذين اعتصموا بخربتا (١). ولكن معاوية، زعيم العثمانيين في العالم الإسلامي حينذاك، لَمْ يلبث أن انتزع مصر من سلطان علي سنة ٣٨ هـ وانتقم من أهلها، وقتل ثمانين من تجيب، وبذلك تعادل العلويون والعثمانيون فيها، فكان جندها وأهل شوكتها عثمانية، وكثير من أهلها علوية (٢). والأرجح أن تجيب ظلت في معظمها محتفظة بميولها العلوية. وجعلت فكرة الخوارج تتسرب بعد ذلك إلى مصر، ويبدو أن نشاطها اشتد فيما بين ٤٧ - ٦٢ هـ (٣). ولم يكن ابن الزبير يظهر ويدعو لنفسه حتى استعلن خوارج مصر المستترون وانضموا إلى ابن الزبير وهم يظنونه من مذهبهم، واشتركت قبائل مصر، ومن بينها تجيب مع ابن جحدم والي مصر من قبل ابن الزبير، ضد مروان بن الحكم. والحق أننا لا نستطيع أن نعين ما إذا كان اتجاه تجيب علويا أو خارجيا حينذاك. فالاتجاهان كلاهما كان بارزا ومتحدا في مقاومة الاتجاه العثماني الذي كان يمثله مروان وعدد من أشراف مصر كان بعضهم من تجيب. وبذلك صار أهل مصر حينذاك ثلاث طوائف متعادلة: علوية وعثمانية وخوارج (٤) ولكن انتصار مروان أخلى السبيل للعثمانية فغلبت على مصر، وانكفت السنة العلوية والخوارج (٥). ويبدو أن تجيب سايرت الوضع الجديد وإن ظل جزء محتفظا بميوله الخارجية ليثور على الدولة بين الحين والحين.

стр. 1006

كان لتجيب أثرها كذلك في الجانب العلمي من الحياة في مصر، فأسرتان من مواليها - أسرة حرملة بن عمران (القرن الثاني والثالث)، وأسرة سليمان بن برد (القرن الثالث) - حفلتا بالفقهاء والشهود. كما أنَّها شاركت في الحياة الفنية بشعراء ثلاثة: أبو قبان، سعيد بن شريح، وأبو شبيب. وهكذا نستطيع أن نجزم بأن تجيب كانت من قبائل مصر البارزة التي أثرت في مجرى الأمور بها وتركت طابعها في كثير من جوانب حياتها. بهذا تفرغ من القبيلة الأولى من عدي. ٢ - لَخْم كانت لخم قد انتشرت قبل الإسلام بقرنين فوق الأراضي الواقعة شمالي شبه الجزيرة في الشام وفلسطين والعراق (١)؛ ولذلك كانت قبائل منها تقيم، في الوقت الذي سار فيه عمرو إلى مصر، في جبل الحلال الواقع دون العريش من ناحية الشامء ولما مر عمرو بهذا الجبل في طريقه إلى مصر انضم إليه بعض هذه القبائل (٢). وهكذا دخلت لخم مصر منذ أول لحظة مع جيش الفتح. ومن الثابت أن لخما كانت كثيرة العدد، فإن خطتها تبدو في وصف ابن عبد الحكم كبيرة جدًّا. والواقع أنَّها كانت ثلاث خطط و لا واحدة (٣). وقد جعلوا يتحركون - اعتمادا على كثرتهم وقوتهم - من خطتهم الأصلية وهي في جبل، متجهين نحو الأرض الخصبة "أرض الحرث والزرع"، مصطدمين في أثناء ذلك بالقبائل الأخرى ويحصب بالذات (٤).

стр. 1007

ومما امتازت به لخم أول الأمر أن كان منها نفر من اللفيف (١). وكان لها فرس يقال له "أبلق لخم" من خيول مصر المشهورة (٢). ومن آيات كثرتها أن كانت ترتبع في كور ثلاث: الفيوم وطرابية وفربيط (٣). أن قبيلة خشين - من قُضَاعة، من حِمْيَر - ظلت تتبعها في الديوان حتى سنة ١٠٢ هـ (٤). وكانت لخم كثيرة الحركة، فقد نزلت طائفة منها هي وجُذام وخشين مناف صان (الكورة التي تحمل عاصمتها اسم صان الحجر الحالي بمركز فاقوس محافظة الشرقية) (٥) وأبليل (كورة مجاورة لصان وتذكر معها دائما) (٦) وطرابية. ويبدو أنهم اندمجوا في المصريين، فانقطعت صلتهم بزملائهم العرب، فإنهم "لَمْ يحفظوا" (٧). وأقام جانب ضخم منهم بالإسكندرية حيث لعبوا أخطر الأدوار في تاريخها وتاريخ مصر بعامة في أواخر القرن الثاني وأوائل الثالث (٨). كما أقام قوم منهم بصعيد مصر بالبر الشرقي (٩). وسوف يتضح هذا عند الحديث عن بطون لخم. بل إنهم زحفوا غربًا فأقاموا في جبل برقة الشرقي مع آخرين من أهل اليمن (١٠). ظهرت شخصيات لخم على مسرح الحياة بمصر منذ اللحظة الأول، فكان هناك لقيط بن عدي الصحابي من قواد عمرو (١١). والقائد عمرو بن قيس الذي قتل "في جمع من النّاس كثيرًا لما نزلت الروم البرلس سنة ٥٣ هـ (١٢).

стр. 1008

وكانت لخم علوية الهوى. فكان منها قيس بن حرمل من قادة ابن أبي حذيفة (١). وحمام بن عامر الذي حضر الدار وحكم مصر نيابة عن الأشتر النخعي سنة ٣٧ هـ (٢). أما الأكدر ابنه، سيد لخم وشيخها، فقد حضر الدار مع أبيه وقاوم مروان بن الحكم مقاومة عنيفة جعلت مروان يبدأ بالتخلص منه بمجرد فراغه من أمر ابن جحدم سنة ٦٥ هـ (٣). وكان للخم شعراؤها. ومنهم زياد بن قائد من المخضرمين، شهد الفتح وعاش حتى رثى الأكدر (٤). ولما فتح مروان مصر استسلمت لخم وأصبحت - ولا سيما مواليها النصيريين - من أنصار الأمويين. فلما بدأت الدعوة العباسية تهز أركان الدولة الأموية شاركت لخم في إسقاط الأخيرة. فكان أيوب بن برغوث من رؤساء فتنة خلع مروان بمصر (١٢٧ - ١٢٨ هـ) (٥). ووالوا العباسيين، فكان الضحاك بن محمد - أحد أشراف أهل مصر - من أعوان العباسيين وقادتهم (١٢٦ - ١٣٧ هـ) (٦). ويبدو أن العباسيين قد استحضروا عددًا منهم إلى مصر من فلسطين سنة ١٦٩ هـ (٧). وظلت لخم طوال ربع القرن المحصور بين أواخر القرن الثاني وأوائل الثالث تلعب دورا ثوريا عنيفا بمصر وبالإسكندرية بالذات التي كانت لخم أعز من في ناحيتها. فقد استولوا (١٩٦ - ١٩٨ هـ) على الإسكندرية. ولما. نزل الأندلسيون الإسكندرية حالفتهم لخم ثم عادوا فانقلبوا عليهم وحاربوهم سنة ٢٠٠ هـ. وكان أبو ثور اللخمي زعيم العرب المقيمين في محلة أبي الهيثم من شرقيون (مدينة بحوف مصر (٨)، يضعها كست في كورة سخا بأسفل الأرض)، واشترك في ثورات

стр. 1009

ابن الجروي (٢٠٥ - ٢٠٦ هـ) ثم في ثورة أسفل الأرض سنة ٢١٦ هـ، التي اشترك فيها اللخميون المقيمون بالإسكندرية كذلك (١). هذا، وقد كان قوم من لخم ثاروا بالحوف سنة ٢١٥ هـ فهزمهم والي الحوف (٢). وبالرغم من الطابع العربي الذي ساد لخما ظهر فيها بعض رجال الفكر مثل طليب بن كامل (ت ١٧٣ هـ) من أئمة مصر المجتهدين وقد سكن الإسكندرية (٣). وطلق بن السمح النفاط (ت ٢١١ هـ بالإسكندرية) محدث ومن رجالي الأسطول المصري، وابنه إبراهيم، روى عن أبيه وكان من رجال الأسطول كذلك (٤). وكما كانت لخم من قبائل مصر القوية كان مواليها كذلك. وكان النصيريون - أولاد موسى بن نصير - أهم هؤلاء الموالي. أما موسى نفسه (٩٧ هـ) فقد أقام بمصر زمنا مع عبد العزيز بن مروان وزيرا له ومشيرا ثم انطلق إلى المغرب يفتتحه (٥)، بينما ظل أحفاده بمصر يلعبون بها أهم الأدوار. فولى عبد الملك بن مروان خراج مصر، ثم ولي صلاتها سنة ١٣٢ هـ (٦) في تلك الفترة الدقيقة عندما كانت الأمور تتسرب من أيدي الأمويين إلى العباسيين. وولي أخاه معاوية الشرط (٧). كما استعان بموسى بن المهند القائد لإخماد ثورة القيسية في الحوف الشرقي سنة ١٣٢ هـ ضد الأمويين (٨). وقد بلغ هؤلاء النصيريون من الكفاءة والملهارة مبلغا جعل العباسيين يبقون عليهم ويحفظون عليهم مكانتهم الرفيعة في الدولة. على نحو ما فعلوا مع الحديجيين (٩). وكان للنصيريين مواليهم شانهم شأن

стр. 1010

الأشراف أهل الطبقة الأرستقراطية في المجتمع العربي. وكان لموالي النصيريين زقاق باسمهم في الفسطاط (١). والآن نتحدث عن بطون لخم في مصر. (١) راشدة: من أبرز القبائل التي انضمت إلى جيش عمرو عندما مر بجبل الحلال (٢). وشهدت الفتح من أوله طبعًا. واختطت بمصر. ويبدو أن خطتها كانت بظاهر، أي خارج، الفسطاط حيث كان مسجد راشدة المنسوب إليهم (٣). ويبدو أنَّها كانت كثيرة العدد، إذ كان منها في مصر عدد كبير من البطون. وكانت تمثل جانبا كبيرًا من القسم الذي عاش من لخم بالصعيد فقد أقامت بطونها بالبر الشرقي من صعيد مصر فيما بين مسجد موسى وأسكر من عمل أطفيح (٤)، وهي المنطقة التي كان الأمويون يكثرون من التردد عليها. وانضمت راشدة، شأنها شأن لخم كلها، إلى علي بن أبي طالب، وحاربت مع محمد بن أبي بكر ضد جيوش معاوية العثمانية. فلما انهزم المصريون في المسناة سنة ٣٨ هـ لجاوا إلى حصن بابليون وولوا أمرهم واحدًا من راشدة (قيس بن عدي بن خيمة) (٥). (ب) بنو القشيب: يبدو أنهم أقاموا منذ وقت مبكر جدًّا في بركوت من شرقية أرض مصر (٦).

стр. 1011

وأهم - إن لَمْ يكن كلّ - من عاش منهم بمصر هم رباح بن قصير (١). وذريته الذين كان منهم علي بن رباح (ت ١١٤ هـ) كان من علماء زمانه (٢). أما ولده موسى بن علي (ت ١٦٣ هـ) فكان من مشاهير أتباع التابعين بمصر إلى جانب كونه من كبار رجال الدولة، وقد حكم مصر (١٥٥ - ١٦١ هـ) وكان من سكان الإسكندرية (٣). مما يدلُّ على وجود صلة مستمرة بين أهل الصعيد وأهل الإسكندرية من لخم. وكال ابنه عبد الرحمن بن موسى (١٦٨ - ١٨٦ هـ) من رجال الدولة البارزين في العصر العباسي كذلك (٤). (ج) يشكر: شهدت فتح مصر. وإليهم ينسب جبل يشكر الذي بني عليه جامع أحمد بن طولون فيما بعد (٢٦٣ هـ)، لأنهم اختطوا عليه. وكانت خطتهم تلك تقع عند ذاك في الحمراوات الثلاث وهي خطط القبائل من غير الجنس العربي (٥). (د) بنو حدير: بطن من بني جعد، من لخم. مساكنهم بالأطفيحية بالبر الشرقي (٦). (هـ) بنو عدي: مساكنهم بساحل أطفيح كذلك (٧). وننتقل إلى القبيلة التالية من عدي.

стр. 1012

٣ - جُذام كانت جُذام عصبة من البدو يحتلون الصحاري الواقعة فيما بين الحجاز والشام ومصر. وكانوا يرتزقون من إرشاد القوافل في الطرق التجارية التي تربط ما بين جزيرة العرب والشام ومصر. وأدى اختلاطهم المستمر بالشام ومصر إلى انتشار الأفكار المسيحية بينهم منذ زمن مبكر. وفي السنين الأولى للهجرة نجدهم على رأس المستعربة أو العرب المتنصرة حلفاء البيزنطيين. وكانت مسيحيتهم في كلّ حال سطحية. وكانت علاقاتهم الأولى بالإسلام غير ودية على الإطلاق، ولكنهم أثبتوا بعد إحراز المسلمين النصر النهائي على البيزنطيين أنهم حلفاء مخلصون للعرب، وساعدوهم مساعدة عظيمة في إكمال فتح الشام. وكان نتيجة ذلك أن عوملوا كمهاجرين (١). وجُذام من قدماء عربان مصر، قدموا مع عمرو بن العاص (٢). وهم يتفقون مع لخم في أمور كثيرة بحكم الصلة القديمة القوية بينهما فقد كان نفر منهم معها في خطتها (٣). وكان نفر منهم في اللفيف مثلها (٤). وكانوا يرتبعون في طرابية وفربيط (٥). وهما جزء من مرتبع لخم. وكذلك نزل قوم منهم أكناف صان وأبليل وطرابية مع خشين ولخم فلم يحفظوا (٦). ويذكر الكندي أن نفرا منهم اختصموا إلى عبد الله بن سعد أمير مصر فحولهم إلى عثمان بن قيس يقضي بينهم (٧). وقد تحركوا من مصر نحو الغرب فاقام بعضهم في جبلي برقة الشرقي والغربي، كما كان بعضهم يسكن العريش (٨).

стр. 1013

ليس لدينا معلومات عن جُذام مصر وقت الفتح وطوال القرن الأول أكثر من تلك ولكن الصلة القوية القديمة بينها وبين لخم تعطينا الحق في أن نفترض أنَّها سلكت نفس الطريق الذي سلكت لخم، بمعنى أنَّها كانت علوية الهوي، اشتركت في التخلص من عثمان وقاومت الأمويين حتى عاد مروان ففتح مصر سنة ٦٥ هـ. ومن المهم أن نلحظ أن روح بن زنباع، زعيم جُذام بفلسطين والشام وأحد كبار رجال الدولة الأموية، كان في جيش مروان الذي غزا به مصر وقتذاك (١). ويبدو أن روحا هذا خلف عددًا من بنيه بمصر كانوا يؤيدون السياسة الأموية بها. وكانت الصلة قائمة وقوية بين من بفلسطين ومن بمصر من جُذام فلما ثار ابن نعيم الجُذامي على مروان الحمار بفلسطين سنة ١٢٧ هـ دعا المصريين إلى مشاركتهم وأرسل إليهم رسولا حرضهم على خلع مروان. فلما فشلت حركته أراد الالتجاء إلى مصر (٢). ولما ثار ابن ضبعان الجذامي سنة ١٣٧ هـ بفلسطين كذلك يبدو أن الجذاميين بمصر أيدوه فإن العباسيين تتبعوا ذرية روح بن زنباع بمصر حينذاك وأبادوهم (٣). ومنذ أواخر القرن الثاني جعلت جُذام تلعب نفس الدور الثوري الفوضوي الذي لعبته لخم في مصر. فظهر منها (١٩٠ - ١٩١ هـ) المنذر بن عابس قاطع الطريق (٤). وقاد أحدهم (عثمان بن مستنير) أهل نتوتمي في ثورتهم على الدولة سنة ١٩٤ هـ (٥). كما اشترك عثمان هذا في مقاومة الدعوة إلى المأمون بمصر سنة ١٩٦ هـ (٦). وحرضوا عبد العزيز الجروي على أن يجرب حظه في السياسة المصرية ووقفوا وراءه في جميع أدواره العنيفة الماكرة التي مثلها على مسرح الحياة في مصر (١٩١ - ٢٠٥ هـ) (٧). كما اشتركوا في الفتن التي ظلت تضطرم في الإسكندرية منذ

стр. 1014

سنة ١٩٦ هـ حتى ثورة أسفل الأرض الكبرى سنة ٢١٦ هـ (١). ثم عادوا فاشتركوا مع يحيى الجروي في ثورته سنة ٢١٨ هـ بسبب قطع العطاء عن العرب (٢). وبالرغم من الطابع العنيف الذي وَسْم حياة جُذام بمصر، ظهر منها بكر بن سوادة (ت ١٢٨ هـ) (٣) وعثمان بن الحكم (ت ١٦٣ هـ) (٤) من أئمة مصر المجتهدين. أما مواليهم فكان أشهرهم ابن سندر الخصي، قدم مصر سنة ٢٢ هـ، وأقطعه عمر بن الخطاب أرضًا واسعة ودارا (٥). وعاش من جُذام في مصر البطون الآتية: (أ) جرَي: ويسمون عرب القاطع كذلك، كانوا يقيمون بالفرما والبقارة والورادة (٦). ظهر منهم بمصر معاوية بن مالك الذي رأس قيسا واليمانية في حلفهم ضد الوالي سنة ١٦٨ هـ (٧). ولكن لا شك في أن عبد العزيز بن الوزير - ملك الساحل (٨) - وذريته هم - أهم هذا البطن إن لَمْ يكونوا أهم جُذام جميعًا. وقد ظل عبد العزيز من ١٩١ هـ حتى ٢٠٥ هـ العامل الرئيسي في السياسة المصرية (٩). وظل - ابنه علي حتى ٢١٦ هـ يواصل سياسة أبيه (١٠). وثار أخوه يحيى بن الوزير على الدولة لما قطع العطاء عن العرب سنة ٢١٨ هـ. ومن العجيب أن ابنه الحسن بن عبد العزيز (ت ٢٥٧ هـ) كان من حفاظ الحديث ونقاده، كما كان من أهل الورع

стр. 1015

والفقر والعبادة (١). ومن أهم شخصيات جري، عبد السلام بن أبي الماضي الذي ظل يتزعم ثورات اليمانية من أهل الخوف طوال سنة ٢١٤ (٢). (ب) سعد: في جُذام خمس سعود (٣). ولسنا نستطيع تحديد من أقام منها بمصر، وإن كان المقريزي (٤). يذكر أنَّها كلها اختطت بمصر، ولكنه يتحدث عن وقت متأخر. وفي كلّ حال شهدت سعد جُذام فتح مصر، وكانت ترتبع في بسطة وفربيط وطرابية (٥)، أي في المرتبع العام للخم وجذام. وظلت سعد محتفظة ببقائها في مصر منذ الفتح حتى اشتركت في الأدوار التي قامت بها جُذام ممثلة في الجروين، وسجل الشعراء ذلك (٦). وكان ابن غصين السعدي من قواد علي بن عبد العزيز الجروي سنة ٢١٠ هـ (٧). (ب) وائل: حضروا الفتح، واختطوا بمصر (٨). وقد نزل الفرس بناحيتهم (٩) وكانوا يرتبعون مع سعد في مرتبعها (١٠). ويبدو أنَّها اشتركت في فتنة خلع مروان بمصر (١٢٧ - ١٢٨ هـ) فقد كان أحد أفرادها (محمود - أو عمرو - بن سليط) من رؤسائها ووجوهها (١١). كما كان معروف بن سليط، من رواة القرن الثاني، منها (١٢).

стр. 1016

يؤخذ من كلام المؤرخين أن لخما فنيت في جُذام بحيث أصبحتا شيئًا واحدًا يطلق عليه اسم جُذام فقط (١). والواقع أننا نلحظ في مصر الاشتراك التام بين القبيلتين ولكن في حورة عكسية تستقل فيها لخم بالكثرة والسيطرة والزعامة، مع ملاحظة أن هذا الاشتراك لَمْ يلغ شخصية أي منهما إلى الحد الذي تفنى عنده في صاحبتها. ويذكر المؤرخون كذلك أن القبيلتين قد كانتا في صف معاوية بما. هما من قبائل الشام (٢). وفي مصر لا يستقيم هذا القول على علاته. فقد رأينا أن لخما ظلت علوية الهوى حتى مجيء مروان على الأقل. ثم رأينا القبيلتين كلتيهما تعملان على إسقاط الدولة الأموية، وإن كان يبدو أنهما آثرتا الهدوء طوال العهد المرواني، ونستطيع الآن بعد معرفتنا لأماكن ارتباع لخم وجذام والمنطقة التي أقام فيها بعضهم إقامة دائمة أن ندرك أنهم كانوا من أحل الحوف، وأنهم هم اليمانية الذين يعنيهم المؤرخون حين يتحدثون عن يمانية أهل الحوف وتحالفهم مع قيس. بذلك ننتهي من قبائل عدي جميعًا التي تمثل الفرع الأول من مُرّة، وننتقل إلى الفرع الثاني: (ب) مالك تنقسم إلى قبيلتين كبيرتين هما: ١ - المعافر المعافر قبيلة كبيرة قوية. ويبدو أنهم كانوا يقيمون من اليمن في مكان ممتاز وكانوا أهل جد ونجدة، فكانوا أقوياء منأضلين مثلما كانوا مهرة ينتجون الثياب المعافرية التي اشتهروا بها (٣). شهدوا فتح مصر، واختطوا إلى جنب عمرو بن العاص حول الجامع، فآذاهم البعوض زمن الفيضان، نقلهم عمرو إلى الجبل المشرف على البركة التي

стр. 1017

أطلق اسمهم عليها. وبذلك أصبحوا في موقع ممتاز يشبه في ارتفاعه مسكنهم القديم باليمن، كما أصبحوا يشرفون على قبائل مصر - وفيها قريش - التي كانت تسكن تحت أقدامهم حول الجامع. ولكنهم لَمْ يكونوا وحدهم في مسكنهم هذا في كلّ حال، فقد كان معهم قبائل من حِمْيَر (١). كانوا يتحركون سنويا إلى مرتبعهم في أتريب، وسخا (كورة عاصمتها هي مدينة سخا الحالية بكفر الشيخ) (٢)، ومنوف (٣). ولكن يبدو أن جانبا منهم أقام بالإسكندرية (٤)، يؤيد هذا كثرة من سنقابل منهم بها بعد لحظات. وليس تعدد مرتبعات المعافر هو الدليل الوحيد على كبر عددها، فقد ذكر القضاعي أنَّها كانت في حرب ابن جحدم ضد مروان ٦٤ - ٦٥ هـ "أكثر قبائل أهل مصر عددًا، كانوا عشرين ألفًا" (٥). ومع ما في هذا الرقم من مبالغة واضحة فإنه يصور ضخامة هذه القبيلة في مصر. ولا تكاد المعافر تظهر في عصر الفتح حيث لا نصادف منها سوى عبيد بن عمرو الصحابي الذي شهد الفتح، ويقال أنه أول من أقرأ - أو قرأ - القرآن بمصر (٦). وعامر - رجل نكرة - كان أول من دفن بالقرافة (٧). ويبدأ ظهور المعافر الفعلي في الحياة العامة في حركة ابن جحدم التي اشتركوا فيها اشتراكا يدلُّ على أهمية الرقم الذي ذكرناه منذ لحظة، إلى جانب الصورة القوية التي سجلها عبد الرَّحمن بن الحكم في قوله: وسدت معافر أفق البلاد … بمرعد جيش لها مبرق (٨)

стр. 1018

وهذا الاشتراك دليل على ميولهم المعادية للأمويين، ويعطينا الحق في اعتبارهم إما علويين في ما خوارج. وهم على كلّ حال قد حملوا نصيبا ضخما من هذا الصراع، وقتل منهم جمع كبير، ولذلك فإنه من العجيب أن يكون أحدهم (عبد الرَّحمن بن موهب) من بين الأشراف الذين قاموا في الصلح بين أهل مصر وبين مروان (١). ولكن جزءًا من القبيلة رفض ذلك الصلح، فقد اضطر مروان إلى قتل ثمانين رجلًا منها أبوا أن يخلعوا بيعة ابن الزبير ليبابحموه هو (٢). ومما له أهميته ما يقال من أن مروان إنما قتلهم لأنهم رفضوا إعلافي البراءة من علي (٣). وسوف نرى بعد قليل ما يشير إلى ميول المعافر العلوية. وكما لفتت المعافر الأنظار بهذه الحوادث في القرن الأول عادت فلفتتها في القرن الثاني (سنة ١١٧ هـ) عندما تحدث الخليفة نفسه إذ رفضت استعمال المدى الذي أراد توحيد المكيال به في بلاد خلافته، مؤثرة عليه المكيال المحلي من الويبة والأردب (٤). وقد أثبتوا بهذا السلوك أنهم ظلوا على ما اشتهروا "مشاقين للملوك، لقاحا، لا يدينون لأحد" (٥). وقد افتخر شاعرهم بتعصب قومه وتمردهم على الخليفة. من بعد ما ذلت له … أعناق يعرب بل مُضَر (٦) تعطينا هذه الحوادث الحق في أن نحكم على المعافر بأنها ظلت تعادي الأمويين طوال حكمهم. ولكن يبدو أن جزءًا منها كان خارجا على هذه السياسة. ومن هذا الجزء عبد الرَّحمن بن وهب الذي سبق ذكره، ويزيد ابن أبي أمية الرجل الوحيد الذي خالف إجماع أهل مصر على خلع مروان بن محمد لما دعاهم إلى

стр. 1019

ذلك الثوار اليمانيون سنة ١٢٧ هـ (١)، وعبد الرَّحمن بن عتبة الذي أخمد ثورة يحنس القبطي بسمنود سنة ١٣٢ هـ ثم ثورة أبي مينا بها كذلك سنة ١٣٥ هـ (٢). ولسنا نعرف موقف المعافر في حركة التسويد بمصر، ولكننا نعرف أنهم ظلوا محتفظين بميولهم العلوية، فإن أحدهم (عامة بن عمرو) استقبل في منزله علي بن محمد بن عبد الله أول علوي قدم مصر سنة ١٤٤ هـ يدعو لبني الحسن، وزوجه ابنته وأخفاه عنده لما فشلت حركته. وحبس عسامة لهذا السبب، ثم عفا عنه المهدي، وأصبح حتى مات سنة ١٧٦ هـ من كبار رجال الدولة (٣): ومما يدلُّ على قوة المعافر الحربية والسياسية من جهة وعلى ميولهم العلورة من جهة أخرى أن أمير مصر اطمأن لما عرف أن أبا حزن المعافري لَمْ ينضم إلى الحركة العلوية التي ظهرت سنة (٤). وفي ثورة المدلجي (٢٥٢ - ٢٥٣ هـ) انضم ابن عسامة المعافري إلى ابن الأرقط العلوي في محاربة قوات الدولة، ولكنه استسلم ولبس السواد لما فشلت الثورة (٥). ومع هذا ظهر من المعافر عدد من رجال الدولة في العصر العباسي منهم، بكار بن عمرو الذي قتل وهو يحارب دحية بن مصعب سنة ١٦٨ هـ (٦). ومحمد بن عسامة الذي ولي الشرط لأربعة من أمراء مصر (١٩٠ - ٢٠١ هـ) (٧). وأبو بكر بن جنادة الذي ولي الإسكندرية سنة ١٩٩ هـ وولي الشرط سنة ٢٠١ هـ (٨)، وغيرهم. بل ظهر من المعافر نفر من العلماء منهم بكار بن عمرو الذي سبق ذكره وسعيد بن عبد الله بن أسعد من كبار أصحاب مالك (ت ١٧٣ هـ

стр. 1020

بالإسكندرية (١). وعبد الله بن يحيى من صغار أتباع التابعين بمصر (ت ٢١٢ هـ) (٢). وضمام بن إسماعيل من مشاهير محدثي مصر (ت ١٨٥ هـ الإسكندرية) (٣). ظلت المعافر حية بمصر إذن طوال الفترة التي ندرس. ومن الواضح أن نشاطها كان يزداد بتقدم الزمن، فالواقع أن العصر العباسي بخاصة كان المسرح الذي لعبت عليه شخصياتها المختلفة في الحياة المصرية. وكان الولاة يترضونها. فقد بنى أمير مصر لهم فسقية خاصة بهم (حوالي ١٤٦ هـ) لما شكوا إليه بعد الماء عنهم (٤). ثم حفر ابن طولون عينا كانت تمر بأرضهم كذلك ذكرها سعيد القاص وهو يبكي الدولة الطولونية بقوله: يمر على أرض المعافر كلها … وشعبان والأخمور والحي من بشر قبائل لا نوء السماء يمدها … ولا النيل يرويها ولا جدول يجري (٥) وشواهد القبور وأوراق البردي تسجل وجودهم في مصر في القرنين الثاني والثالث (٦). وهذه بطون المعافر في مصر: (أ) بنو موهب: اختطوا في المعافر (٧). منهم عمارة بن الحكم المحدث (٢٤٧ هـ) من أهل الإسكندرية (٨).
следующие страницы →