٨٩ - محمد حامد السناني الجهني.
٩٠ - محمد عبد الحميد الصيدلاني الجهني.
٩١ - إبراهيم عبد الرحمن صالح الحمدي الجهني.
٩٢ - سعد مسعد السناني الجهني.
٩٣ - مفلح صيَّاح سعد العنيم المرواني الجهني.
٩٤ - سليمان غيث الحمدي الجهني.
٩٥ - عبد الكريم علي عايد العلوني الجهني.
٩٦ - سليم سلمي الفايدي الجهني.
٩٧ - سالم بركة الفايدي الجهني.
٩٨ - مسلَّم سليمان الحبشي الجهني.
٩٩ - حامد عايش الحمدي الجهني.
١٠٠ - سلمان سليم الحمدي الجهني.
ومن شعراء جهينة في منطقة تبوك:
١ - الشاعر/ محمود بن دخيل الله الرفاعي الجهني.
٢ - الشاعر/ مبارك بن سلامة العرد الجهني.
وسنورد لهما بعض الأشعار في الفصل الأخير من بحث جهينة.
(انتهى ما ذكره موسى بن نويفع الحمدي الجهني).
стр. 10502
جهينة ج ١ ص ٣٦٧ - هامش (١)
عن نسب الرئيس الراحل جمال عبد الناصر حسين سلطان كما يذكر الكثير من المؤرخين أن نسبه إلى بني مر في أسيوط وبني مر كما تقدم ذكرها القلقشندي من بطون لخم القحطانية ونسبت البلدة إليهم كما تقدم بيانه في الحاشية.
والصحيح أن عائلة سلطان من سكان بني مر وليس منها أصلًا وقدم أجدادهم من شرق قنا وينتمون إلى بني سُليم العدنانية كما يرى العديد من الباحثين في صعيد مصر والذين التقيت بهم على مدار سنوات عديدة.
آل العبيدان من القضاة من جهينة ج ١ ص ٣٧٣
يذكر رواة العائلة الثقات منهم حسن بن محمد العبيدان، والدكتور موسى مصطفى العبيدان أن نسب العائلة حسب ما توصلوا إليه في بحوثهم بناءً على التواتر من كبار العائلة يعود إلما القضاة من قبيلة جهينة.
وكان موطن العبيدان في مدينة ينبع وهاجروا منها إلي الوجه ثم ضباء في فترة ما بين ١٢٧٠ - ١٢٧٥ هـ.
وكان سبب هجرتهم واستقرارهم في ضباء خلاف وقع بينهم وبين بني عمومتهم، والعبيدان يسكون حاليا في ضباء وتبوك والمدينة المنورة والدمام. والمؤسسون لعائلة العبيدان هما مصطفى وإبراهيم ابنا أحمد بن سليمان بن عبيدان.
والعبيدان من أكبر عائلات منطقة تبوك بالوقت الحاضر.
من أعلام العبيدان السابقين ﵏:
- عبد القادر بن مصطفى بن أحمد العبيدان، تاجر من كبار مدينة ضباء والمشهور بالإصلاح بين الناس وكان محترفًا للطب الشعبي.
стр. 10503
- محمد عبد القادر بن مصطفى العبيدان، تاجر ينقل البضاعة من ضباء إلى تبوك على ظهور الإبل (سابقًا قبل انتشار السيارات) وقد اشتغل في السلك الحكومي بالمملكة العربية السعودية كمأمور جمرك في محطة ذات الحاج ثم مأمور متجول في إمارة عرعر في المنطاقة الشمالية لجباية الأموال من الجمارك في صندوق المالية.
- محمد بن علي الأشدف العبيدان، من أكبر نوخذات السفن في البحر الأحمر كان يعمل بين ضباء والسويس.
- طاهر بن محمد بن إبراهيم العبيدان، رئيس سفينة أو نوخذة في البحر الأحمر.
- إبراهيم بن محمود أبو زبيب العبيدان، طبيب عن طريق الخبرة، كان من أعيان ضباء ومن المصلحين بين الناس وذا سمعة طيبة، وكان موظفًا بوزارة الصحة السعودية بضباء.
- مصطفى بن عبد القادر العبيدان، طبيب شعبي خاصة في تجبير الكسور والكي وكان موظفًا عسكريًا في شرطة عرعر.
- يسين بن محمود أبو زبيب العبيدان، مدرس بضباء، كان مدرسًا بضباء ثم انتقل إلى المدينة المنورة وكان أحد أئمة المساجد بها.
- محمد بن محمود أبو زبيب العبيدان، مدرس في مدينة العلا بمنطقة المدينة المنورة.
- علي بن أحمد بن عبد القادر بن أحمد بن مصطفى العبيدان، كان ضمن القوات السعودية المشاركة في حرب فلسطين عام ١٩٤٨ م.
- عيسى بن محمد العبيدان، كان مدير الأوقاف في ضباء.
стр. 10504
ومن أعلام العبيدان حاليا:
- حسن بن محمد بن عبد القادر العبيدان، متقاعد، كان يعمل بالجمرك بالجوف ثم رئيس بلدية الدمام بالمنطقة الشرقية.
- حسين بن محمد صابر بن عبد القادر العبيدان، متقاعد، يعمل حاليا في الأعمال الحرة، كان مساعدًا رئيس الديوان في إمارة عرعر ثم سكرتيرًا لصاحب السمو الأمير عبد الله بن جلوي آل سعود.
- عبد الرازق بني محمد بن عبد القادر العبيدان، متقاعد، كان يعمل مدير مالية القربات في منطقة الحدود الشمالية، ثم أصبح مدير جمرك الحديثة في نفس المنطقة، كما عمل في جمرك ميناء الدمام بالمنطقة الشرقية.
- الدكتور موسى بن مصطفى بن عبد القادر العبيدان، أستاذ (بروفسر) في كلية المعلمين بتبوك، وله اهتمامات أدبية وفكرية ولغوية وثقافية، كما له سبعة عشر مؤلفًا متنوعًا في اللغة والأدب والفكر والتاريخ، وهو نائب رئيس النادي الأدبي بتبوك.
- مصطفى بن إبراهيم بن محمود أبو زبيب العبيدان، يعمل في الخطط السعودية بوظيفة مشرف.
- عبد الوهاب بن محمد بن عبد القادر العبيدان، متقاعد، كان يعمل عميد بالجيش السعودي سابقًا.
- فيصل بن محمد بن عبد القادر العبيدان، متقاعد، كان يعمل مقدم في الجيش السعودي سابقًا.
- عبد العزيز بن عبد الرازق بن محمد العبيدان، طبيب استشاري عيون بالمستشفى العسكري بالظهران في المنطقة الشرقية، واستشاري في مستشفى الملك فهد الجامعي، وعمل مديرًا لمستشفى القطيف في المنطقة الشرقية.
стр. 10505
- محمد بن إبراهيم أبو زبيب العبيدان، مهندس تخصصي ميكنة زراعية ويعمل مديرًا لأحد الأقسام في مديرية الزراعة في تبوك.
- حمزة بن مصطفى العبيدان، متقاعد كان يعمل رقيبًا بالقوات الجوية السعودية.
- الدكتور سلطان بن عبد الرحمن العبيدان، أستاذ مساعد بكلية المعلمين في تبوك.
- الدكتور عبد العزيز بن عاشور العبيدان، أستاذ مساعد في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
- خالد بن إبراهيم بن محمود أبو زبيب العبيدان، عقيد في القوات البحرية السعودية.
- عبد الله بن حسين بن محمد، مهندس تخصص ميكنة زراعية ويعمل حاليا في شركة سابك في مدينة الجُبيل بالمنطقة الشرقية.
- ناصر بن حسن بن محمد العبيدان، مهندس معماري ورجل أعمال في المنطقة الشرقية.
- محمد بن طاهر بن محمد العبيدان، مدير مدرسة متقاعد.
- عبد القادر بن أحمد بن عبد القادر بن أحمد العبيدان، متقاعد، شغل عددًا من الوظائف آخرها في الملحقية الإعلامية (السفارة السعودية) بالقاهرة.
- عبد الله بن محمد الأشدف العبيدان، متقاعد، كان يعمل مدير لاسلكي في مدينة حقل.
- عبد الرحمن بن عبد القادر العبيدان، (متقاعد) كان وكيلًا لمدرسة ابتداتية في ضباء.
стр. 10506
- وائل بن محمد بن عبد الرحمن العبيدان، مدرس بمدرسة متوسطة في تبوك.
- خالد بن حسن بن محمد العبيدان مهندس معماري ورجل أعمال في مدينة الدمام بالمنطقة الشرقية.
- ياسين بن محمود بن مصطفى أبو زبيب العبيدان، مدير مدرسة في ضباء وإمام مسجد بالمدينة المنورة.
стр. 10507
تفصيلات عن ديار بني عطية في منطقة تبوك بالمملكة العربية السعودية ج ١ - ص ٢٥٧
تقع منازل بني عطية في شمالي غرب المملكة العربية السعودية في النصف الشمالي من حرَّة العويرض حتى حرَّة المواهيب، وتقطن عشائر بني عطية في تبوك وحالة عمَّار وحسمي وبئر ابن هرماس والقرية بقربها ومغيراء والقليبة وتيماء وجبل اللوز وحرَّة تبوك ووادي الأخضر وذات الحاج وشرفة بني عطية وفجر ومحطة الأوجرية ومحطة المصطبغة.
وذكر لي رواة القبيلة الثقات في صيف ١٤٢٧ هـ على رأسهم أبناء الشيخ سليم أبو دميك وهما: الشيخ سالم، والشيخ محمد، وأبناء الشيخ عيد بن حرب العطيات وعلى رأسهم الشيخ سعود، نبذة عن ديار بني عطية (١) في المملكة كالتالي:
تنتهي ديار ومساكن عشائر بني عطية من جهة الجنوب حتى شمال الدار الحمراء بحوالي ١٥ كم، والدار الحمراء قلعة عثمانية كان يتولاها الفقَّرا من عنزة، ومن الجنوب الغربي تحدهم مساكن أبو شامي من باب في قرية الجو. أما من الغرب فديارهم حتى أبو خشب وشريف مزيد وسويدا التهم، وفي نقب الخريطة تبدأ مساكن الحويطات.
وأما من الشرق فتنتهي مساكن بني عطية عند خبرا ابن فرحان شمال غرب مدينة تيماء بحوالي ١٥ كم.
стр. 10508
ومن الجهة الشمالية الشرقية حتى جبل الطبيق وخبرا بني عطية وشريف عطية ورجوم الزلع.
ومن الجهة الشمالية حتى تبيبات الشحم شمال قلعة المدورة بحوالي ٢٥ كم. وتقع مساكن قبيلة الشرارات من الشمال الشرقي ومساكن حويطات العلاوين من الشمال.
وأضاف مشايخ شمل بني عطية أن أجدادهم في العهد العثماني كانوا يأخذون صُرَّة مالية من الدولة العثمانية على قلاع كثيرة خاصة للدولة في منطقة تبوك مثل قلعة تبيبات الشحم، وقلعة المدورة، وقلعة الشعثاء (حالة عمار)، وقلعة حاج، وقلعة بير ابن هرماس، وقبانية عبيد، وقبانية الملح، وقلاع تبوك، وقلعة الأثيل، وقلعة برك، وقلعة قرنين غزال، وقلعة المصطبغة، وقلعة الأخضر، وقلعة خميسة (الهمص)، وقلعة خنزيرة، وقلعة المعظم، وقلعة صنعا.
وعدد هذه القلاع العثمانية سبعة عشر قلعة مازالت آثارها حتى الآن في منطقة تبوك شمال غرب المملكة العربية السعودية.
فصل من تاريخ بني عطية في شمال غرب الحجاز وجنوب الشام في العصر العثماني والعهد السعودي الميمون:
قال اللواء/ عبد الله بن كريم (١):
في القرن الحادي عشر الهجري اشتدت سطوة قبيلة بني عطية حسب ما ذكره العديد من رحالة الحج، لذلك خصص لها حكام مصر، وسوريا، والحكومة المركزية
стр. 10509
في الدولة العثمانية (١) مبالغ مالية تسمى (الصُّرة) تقدم للشيخ سالم بن فرج وابنه عبيد بن سالم سنويًا (٢) مقابل ضمان ولائهما لأولئك الحكام وللحاناظ علي سلامة طريق الحج والمستودعات التي كانت تقام علي هذا الطريق لتموين القوافل بالماء، وظل درك العقبة (أيلة) لبدنات من قبيلة بني عطية كما ورد في كتاب "الدرر الفرائد المنظمة" لرحالة الحج المصري عبد القادر الجزيري.
وتعهدت قبيلة بني عطية بنقل ورعاية الحجيج القادمين من مصر وبلاد الشام أثناء مرورهم بديار بني عطية لقاء مخصصات نقدية ترد إليهم من حكام مصر والشام والباب العالي في تركيا.
وفي عام ١٧٩٠ م الموافق ١٢٠٤ هـ استولى الأمير سعود بن عبد العزيز المُلقَّب سعود الكبير (٣) على الجوف، وانتشر نفوذه في المنطقة الشمالية الغربية ودانت له قبيلة بني عطية في عهد الشيخ فرج بن عيد بن عطية الجد الثالث للشيخ كريم بن عطية، وفي عام ١٨٠٤ م تعرضت ديار قبيلة بني عطية والقبائل المجاورة لقحط شديد، جعلها عاجزة عن دفع الزكاة لجباة الأمير سعود الكبير، وامتنعت قبيلة بني عطية عن دفع الزكاة -وقتئذ- أسوة ببقية قبائل المنطقة، مما حدا بالدولة السعودية إلى إرسال حملة لإرغامهم دفع الزكاة عام ١٨٠٩ م الموافق ١٢٢٣ هـ ولكنها تراجعت بعد أن وصلت إلي الزيريب في حوران (٤).
ومما يذكر أنه أثناء تقدم هذه الحملة اضطرت قبيلة بني عطية إلى التوجه إلي فلسطين بقيادة الشيخ سالم بن فرج بن عيد بن عطية (من العطيات) الجد الثاني للشيخ كريم.
стр. 10510
وقد روى لي نصار بن ظاهرة العطوي (١) أنه عندما تقابل قائد الحملة مع الشيخ فرج بن عيد بن عطية في المضارب أعطاه ذلول وطلب منهم الحاقه بولده سالم تقديرًا لمنزلته، واحتلت القبيلة سهل الفرعة أخصب أراضي بئر السبع في فلسطين وهي سهول مترامية الأطراف، ولكن قبيلة التياها لم يعجبها ذلك وأعلنت الحرب علي قبيلة بني عطية واستطاعت أن تستميل قبائل أخرى لمحاربة بني عطية مثل الترابين، والحناجرة، والعزازمة، ودارت بينهم معارك متوالية كان أشهرها معركة زنه، ولم تمنع الحرب بني عطية من حفر الآبار في المناطق التي احتلتها مثل المشاش، وعرعرة، والفرعة، وكان حداء بني عطية أثناء الحرب وحفر الآبار:
حمراء عليها الذارع (٢) … تشرب والدم دارع
وقد قال شاعر الترابين في هذه المعارك:
دارك تبوك ودارنا ساحل الخان … حجرك وطنا ما يعقب محنَّه
الخوخ والرمان دونه خشب زان … وخيل تحسك باللجم والأعنه
وقال شاعر بني عطية شتيوي النواقي:
يا راكبا حمراء هجين .... ترقد أرقاد القطاه
لشافت زولًا يبين … لذة الراكب قداه
تلفي أبو محيسن (٣) سيد العارفين … كم فارس من يده رماه
قله شيخنا سالم (٤) ما يلين .... عد ما يركوه السناه
стр. 10511
عقب مزيد (١) حاضرين … سنان الحرب لطول مداه
وأنا أبو مساعد موجبين .... مثل السيف يأكل في جواه
وقد امتدت الحرب إلى مناطق أخرى من فلسطين حتى شملت أبو التلول ورحمة، ثم تم صلح على أثر ذلك أوقفت هذه المعارك في وجه كل من سالم بن فرج بن عيد بن عطية شيخ بني عطية وابن محيسن شيخ التياها وأبي شلحة من العلامات التياها، وحمود الصوفي من شيوخ الترابين وبناء على ذلك الاتفاق سُمح لبني عطية بارتياد الديار الفلسطينية لغرض الرعي وأصبح الحد الفاصل بين الطرفين خط وادي عربة، ولكن بعض عشائر بني عطية استوطنت بعض قرى فلسطين ويطلق عليهم "المعازة"، وربما يعرفون الآن باسم اخر نتيجة لتزواجهم من قبائل المنطقة، ويقال أن عائل النتشة (٢) في غزة فلسطين من بني عطية.
ويعود استيطان بني عطية شمال مدينة الكرك في جنوب الأردن وما حولها إلى أن قبيلة بني عطية في النصف الأول من القرن التاسع عشر أخذت تتجه شمالًا مستهدفة قبيلتي الحويطات وبني صخر لغرض توسيع مراعي القبيلة وكان أفراد القبيلة يرتادون وادي عربة الفاصل بين فلسطين والأردن في أيام الشتاء.
وعندما تولى محمد بن عبد القادر المجالي رئاسة عشيرة المجالية في الكرك بعد أبيه ابتدأ التطاحن ثانية بين المجالي وبني صخر، فاستنجد محمد المجالي بشيخ بني عطية (٣) عبيد بن سالم بن عطية، ونظم الأبيات التالية:
يا ولد دنى لي الذلول … حمراء برسنها تقادي
حمراء قصير وبرها … ترمي للظبي ميعادي
يا محمد يشكي لمحمد … يا شكوى ترعبا إرعابي
стр. 10512
عدوها لعبيد (١) العطيات … ينسف على الهجن شدادي
يجينا عجلًا بالأقبال … بأمر الله نرد المعادي
وقد هبت قبيلة بني عطية لمؤازرة المجالية، لأنه لم يكن في الكرك عشائر أخرى يركن عليها المجالي لمؤازرتهم غير بني عطية. وابتدأ الاقتتال بين الفريقين عندما قامت جماعة المجالي بنهب مخازن حبوب بني صخر في القطرانة وأسروا حارسها، فما كان من بني صخر إلا أن أغاروا على الكرك ونهبوا ماشية عشيرة الصرايرة الكركية، ونتيجة لذلك أغار بنو عطية والمجالي على بني صخر وغنموا كثيرًا من حلالهم وأجبروهم على الجلاء عن أراضي الكرك إلى البلقاء، وأصبح المجالي سادة الكرك بلا منازع ولقبيلة بني عطية مشاريق الكرك (الفج والفجيج) وقرية القطرانة وقصور بشير.
وسكنت بدنات من بني عطية الكرك بمباركة المجالي ليكونوا لهم عونًا ونصيرًا في كفاحهم المقبل مع بني صخر وأطلق عليهم اسم العطاونة أو المزايدة.
وقد سطع نجم زعل بن عبيد العطيات -والد الشيخ كريم- في هذه الفترة حيث أصبح عقيد بني عطية في عهد أبيه عبيد وقام بغارات عديدة تكللت بالنجاح، على مضارب بني صخر في أشهرها أسر زعل (لعقيلة) العطيان أحد شيوخ بني صخر وصحبه وعددهم ٧٠ فارسًا، وقد قال بهذه المناسبة الشاعر مطير بن حمالس الشراري من قبيلة الشرارات:
سلو عقيلة وبن لقين الأفراس … حين روح به عقلي عند المساء يغنّي
لا تسند الفوهة (٢) يا معفن الراس … ترى فيها ذيابة الخلاء يضحكَّني
هاضل مزايدة ساس على ساس … ومن دون بلهم مكرمَّات تعَّني
أرع الرجوم مبنيات على ناس … كم واحد فيها علومه قدَّني
стр. 10513
هذا زعل (١) بالمناعير بجاس … ومضربا للكون من قبل ينِّي
كم هجمة قادها حين الأدماس … وحياضنها عقب الملى دفقَّني
وقد توفي زعل عام ١٣١٧ هـ تقريبًا في عهد أبيه الشيخ عبيد بن سالم بن فرج بن عيد بن عطية، وفرح بنو صخر بذلك وقال أحد شعرائهم في الدحة (٢):
يا لعليا (٣) عودي مفلاكي … زعل بن عطية يفداكي
ويقول السائح ترستدام في كتابه أرض معاب (٤) عندما زار منطقة الكرك عام ١٨٧٢ م أن قبيلة بني عطية كانت تشن الغارات على المناطق الشمالية وتغزوها إلى عهد قريب، وكان قصدهم في ذلك التفتيش عن اراضي في الشمال لرعي إبلهم وماشيتهم، ولا شك أن محمدًا شيخ المجالية الذي دعا بني عطية للوقوف إلى جانبه ومؤازرته في قتاله مع بني صخر، قد شجع حركة بني عطية في الارتحال شمالًا، والتي كانت في مهدها، حينذاك ومنذ ذلك العهد والأدلة تتوافر على هجرة بني عطية من الجنوب إلى الشمال.
وقد ذكر الرحالة الإنجليزي ريتشارد بورتون في كتابه "أرض ومناجم مدين" أنه أثناء مروره عام ١٨٧٨ م في ديار بني عطية ذاهبًا إلى مدين، قابل شيخ قبيلة بني عطية عبيد بن سالم (٥) في حسمى غرب تبوك ودفع له الجزية مقابل مروره بأراضي بني عطية.
وعندما خلف محمد المجالي ابنه الأكبر صالح بن محمد بن عبد القادر المجالي انخرطت البلاد في حرب أهلية طاحنة سببها المجالية أنفسهم، حيث دفعوا بحلفائهم
стр. 10514
بني عطية ليضعوا أيديهم على أرض الشراة التي تملكها قبيلة الحويطات، ونجم عن ذلك انقسام المنطقة إلي فريقين قويين الأول يضم المجالي وبني عطية والفايز والحامد، وهما بطنان من بني صخر، والعليين من الحجايا والسلايطة، ومعان الشامية، والشوبك. والثاني يضم الحويطات، والمناعين بطن من الحجايا، والترابين، والطفيلة، ووادي موسى، ومعان الحجازية، وقد التقى الفريقان بالقرب من وادي موسى وأسفرت المعركة عن قتل عدد كبير من الطرفين، ثم استمرت الحروب بين بني عطية وقبيلة الحويطات في عدة مواقع، ومنها موقعة الرصيف في الشراة، ثم موقعة الجديد ثم موقعة القرنة حيث يقول الشاعر:
طاوعت ابن هرماس (١) يا بن عطية … وخليت بالقرنة حماة الخواوير
ثم موقعة ذبحة المنقية (دبش المعازة) (٢)، والتي قُتل فيها قسم كبير من رجال بني عطية، وأخيرًا موقعة البرقا التي قال فيها الشاعر الحويطي:
ضيعة الموفاة لقيت لها لقية … على مثل الجيش يوم أقفى هريبه
عائلين الرأي قوم ابن عطية .... يحسبون المال في البرقاء بريده
لو لحق عفنان والربع الشفية … ما بقي لهم على الدنيا شريده
وبعد هذه المعركة تصالح الفريقان وانتهى النزاع علي الأرض بين الحويطات وبني عطية وأصبح لشيوخ بني عطية علاقة حسنة بالحويطات. إلا أن المجالي اختلفوا مجددًا مع بني صخر فجردوا عليهم مع حلفائهم من بني عطية وبني حميدة ٣٠٠٠ مقاتل (٣)، وبينما هم في ذبيان في طريقهم إلى الثمد، منازل بني صخر، تخلف عنهم فريق بني حميدة، والسبب كما فسرته زوجة خليل المجالي، الحمدية الأصل، أن أهلها لم ينسوا بعد الويل الذي صبه عليهم المجالي وبنو عطية في موقعة قدوما.
стр. 10515
وفي العام التالي أغار سطام بن شعلان، شيخ قبيلة الروَّلة (من عنزة)، على بني صخر وفتك بهم، واستغل المجالي فرصة ضعف عدوهم اللدود بني صخر وانضموا إلى صفوف الرولة. فما كان أمام بني صخر إلا أن يستعينوا بالحكومة العثمانية التي كانت تنتظر هذه اللحظة بفارغ الصبر للإمساك بزمام الأمور في شرق الأردن، فجردت عام ١٨٩٢ م، الموافق ١٣١٠ هـ، جيشًا نحو الكرك. وقد خرج المجالي للقاء الجيش والترحيب به في محطة المزيريب برئاسة إبراهيم بن خليل المجالي، واستقبلوا الأتراك استقبالًا باهرًا ودخل الجيش العثماني الكرك وجعلوها متصرفية بقيادة المتصرف حلمي باشا (١) وجعلوه على ارتباط مباشر بوالى دمشق. وكانت متصرفية الكرك تضم قضائي معان والطفيلة ومديرية ناحية تبوك التي أنشئ فيها محجر صحي.
وهكذا نجد أنه في بداية القرن العشرين أصبحت بطون قبيلة بني عطية تستوطن ثلاثة أقطار عربية، ففي شمال غرب المملكة العربية السعودية تتواجد قبيلة بني عطية -الأصل- في مدينة تبوك التي تملكها بدنات من القبيلة مثل العطيات، والرويعيات، والعليين، ما عدا عين تبوك الأثرية وبعض البيوت والمزارع الصغيرة المجاورة التي تملكها عشيرة الحميدات (٢)، أما هجر ومساكن بقية بطون القبيلة فهي منتشرة في منطقة رعوية واسعة من السفوح الجنوبية حرَّة الرهاة (٣) ومحطة الحمراء جنوبًا، حتى المدورة وعلقان شمالًا، ومن جبال الطبيق والفرول شرقًا، حتى المنحدرات الغربية لسلسلة جبال حسمى غربًا.
وقد شاركت هذه البطون من قبيلة بئي عطية بفعالية في الثورة العربية الكبرى (٤)، وتولت طرد الأتراك من المعاقل التركية المتواجدة في أرض القبيلة المتحصنة في المحطات، ومنها المدورة، وذات الحاج، وبئر ابن هرماس، والحزم، والمحتطب، وتبوك، والأخضر، والمعظم.
стр. 10516
واستوطنت أيضًا بطون من قبيلة بني عطية سيناء والصحراء الشرقية في مصر، وفلسطين كما ذكرنا سابقًا ويعرفون باسم المعازة.
أما في شرق الأردن فقد استقرت بعض بدنات قبيلة بني عطية منذ القرن التاسع عشر الميلادي، ويعرفون باسم العطاونة المزايدة وحاضرتهم القطرانة، وهم يزاولون الزراعة والرعي في مشاريق الكرك، وقد دأبت قبيلة بني عطية على إرتياد الأراضي الأردنية في رحلات متتابعة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين وذلك عندما تجدب أراضيهم في شمال غرب المملكة العربية السعودية.
وبنو عطية قوم ذو بأس وشدة، وفيهم من الشيم الفاضلة والمزايا الحسنة ما يجعلك تحكم بأنهم صفوة ممتازة وأناس بررة وعرب عريقو الأصول وطاهروا المنبت، مصلحون ومحبون للخير والإنسانية، وصفاتهم تدل على محاسنهم، وقد جبلوا على إكرام الضيف ونصرة المستجير وإعانة كل من يلجأ إليهم، وهم بأفعالهم وتصرفاتهم وما يصدر عنهم مضرب الأمثال، كما أنهم أثبتوا على مر العصور بأنهم من أشد القبائل بأسًا وأقواها في الحروب مراسًا.
بنو عطية والدولة العثمانية:
بحلول القرن العشرين الميلادي أخذت سيطرة الإمبراطورية العثمانية على شبه جزيرة العرب تضعب بسبب فساد إدارتها وعجزها الاقتصادي وحروبها في البلقان مما جعلها تتخبط وتعتمد على الغرب في مجمل شئونها الاقتصادية، فكثر نشاط القناصل الغربيين في الديار التي كانت تحكمها وركزت بريطانيا على تعزيز معاقلها بتوفير وسائل الاتصال لربط الخليج العربي والبحر الأحمر والمحيط الهندي وإقامة شبكة من العلاقات مع الحكام المحليين، في حسين أنها حرصت على الاحتفاظ بعلاقات طيبة مع اسطنبول.
وللهيمنة غير المباشرة على المنطقة أبرمت بريطانيا العديد من المعاهدات مع الحكام المحليين. وبحلول عام ١٩١٣ م زادت بريطانيا من نفوذها في منطقة الخليج
стр. 10517
بشكل كبير، وعندما بات واضحًا أن الحرب مع العثمانين أصبحت وشيكة ازداد تدخل بريطانيا في شبه الجزيرة العربية من خلال مظهرين متداخلين من مظاهر السياسة البريطانية يعتبران ذوي أهمية خاصة في إحداث تغيير في المنطقة،
أولهما عدم وجود تنسيق في محاولات رسم السياسة البريطانية في المنطقة، بمعنى أن السياسات غالبًا ما كانت تصيغها وتنفذها أجهزة مختلفة وكثيرا ما جاءت متعارضة.
وثانيهما أسلوب تشجيع الحكام المحليين علي محاربة العثمانيين وحلفائهم وقطع الوعود لهم بالحصول على الاستقلال بهدف جرهم للوقوف إلى جانب بريطانيا، وكانت السياسة البريطانية تمليها ظروف عملية، فقد كانت بريطانيا بحاجة إلى حلول قصيرة الأجل لمواجهة تقلبات الحرب. وكان هدفها السياسي الأهم الذي حدده رجال مخابراتها في القاهرة المكتب العربي وساندته وزارة الخارجية والحربية في لندن هو إعلان الثورة العربية (١) بزعامة الشريف حسين بن علي وقد نصبوه لهذا الغرض حاميًا لحمى الديار المقدسة حتى لا يقتصر هدف الثورة علي مقاومة العثمانيين عسكريًا فحسب بل أيضًا إقامة دولة عربية تحميها بريطانيا. وقد حظيت تلك الأهداف بتأييد القوميين العرب في سوريا وهكذا بدأ التدخل غير المسبوق من قبل الدول الكبرى ولا سيما بريطانيا في المنطقة إبان الحرب العالميه الأولى، إذ جاءت هذه الدول بحقائق استراتيجية واقتصادية جديدة إلى شبه جزيرة العرب وشنت حملة تمهيدية كبيرة لتقطيع أواصل الإمبراطورية العثمانية التي أسموها تركة الرجل المريض، الذي مات فعلًا بعد الحرب الكونية الأولى تقاسموا ثروته واذكوا المنافسة بين الحكام المحليين.
وكانت القوات التركية المتمركزة في قطاع تبوك بعد بدء الحرب العالمية الأولي تحت قيادة محمد جمال باشا (٢) ومركزها الرئيسي تبوك وكانت تتكون من ٥٠٠٠ مقاتل وهو قطاع تمتد مسئوليته من تبوك إلى العلا وحسب ما جاء في تقرير القائد الفرنسي
стр. 10518
ساتنكان (١) بتاريخ ٢٤ تشرين الأول عام ١٩١٧ م، فإن القوات التركية المتمركزة في تبوك والمحطات التابعة لها تتألف من أربعة طوابير وبطاريتين ويبلغ مجموعها ١١٠٠ بندقية و ١٢ مدفعًا و ١١ رشاشًا و ٢٢٠ جوادًا وجملًا و ٣٠٠٠ مقاتلًا احتياطيًا.
وقد ذكر ناجي الكاشف (٢) في مذكراته في الفترة من عام ١٩١٦ - ١٩١٨ م أن مفرزة من قبيلة بني عطية بقيادة عيد بن بنيَّة العطيات (٣) قامت بتاريخ ١١ ديسمبر عام ١٩١٧ م بنسف القطار القادم من تركيا بالقرب من محطة الأخضر التي تقع جنوبي تبوك على مسافة ٧١ كم، وكان ضمن ركاب القطار شيخ مشايخ قبيلة بلي، الباشا سليمان بن رفادة (٤) والشيخ شهاب الفقير أحد مشايخ قبيلة الفقراء من عَنزة. وقد قتل في الحادث عشرة من العساكر الأتراك وجرح ستة آخرين واستولى بنو عطية على حمولة القطار من ذهب وخيول وتمكنوا من النجاة رغم وصول امدادات تركية إلى مكان الحادث.
أما في تبوك، فقد زادت الاستعدادات والتدابير وتم منع دخول وخروج البدو إلى تبوك خلال هذه الاستعدادات ووضعت المدينة حت الحصار بواسطة المشاة وأسلحتهم الأوتوماتيكية وفي هذه الأثناء قاد الشيخ كريم مفرزة من قبيلة بني عطية تتكون من ثلاثمائة (٥) هجان وهاجم حامية الشعتاء (حالة عمار حاليا) واستولى عليها بقصد قطع الإمدادات عن تبوك وخسرت القبيلة في هذه الموقعة ٢٥ فردًا بين قتيل وجريح، وبعد ذلك تمت الإغارة على قلعة المدورة حيث قتل ٢١ تركيا وأسر ١٢٠ (٦) جنديا.
стр. 10519
وقد ذكر الكاشف أنه رغم الاستعدادات التي قام بها القائد التركي أمين بيك للدفاع عن تبوك إلا أن الأمر أفلت من يديه، فسمع دوي الطلقات في الصباح الباكر والناس نيام إيذانًا ببدء الهجوم، وقد استخدم الشيخ كريم ومن معه من بني عطية أسلوب الكر والفر مع حامية تبوك تلافيًا للخسائر. وتم الاستيلاء علي تبوك وقلعتها وحسب ما ذكر السير روجنلد ويجنت (١) في وصفه حرب الحجاز في جريدة المقطم، فقد تم الاستيلاء على تبوك من قبل بني عطية وبعض المتطوعين العرب في ٢١ تشرين الأول عام ١٩١٨ م وأسر فيها أكثر من ٣٠٠ جندي تركي، وبذلك تم إنهاء الوجود التركي في منطقة تبوك، من قلعة المدورة شمالًا حتى محطة المعظَّم جنوبًا.
وقد وقعت خلال هذه التفرة التاريخية وقائع وغزوات وحملات كثيرة كان أبطالها فرسان وشيوخ قبائل وأبناء حمايل لم يذكرهم التاريخ إلا لمامًا، لكنهم نالوا نصيبهم من الشعر الشعبي الذي يرصد وقوع الأحداث ويؤرخ لها ويعدد صفات الفرسان ومناقبهم مفتخرًا بهم حينًا ومستاءً من تصرفاتهم أحيانًا تبعًا نلشاعر والقبيلة التي ينتمي إليها وموقفه من هذا الفارس أو ذاك.
المشاركة في قمع حركة سلطان بن عدوان في الأردن:
لم يكن سلطان بن عدوان زعيمًا لقبيلته فحسب، بل كان زعيمًا تقليديًا لمنطقة البلقاء بما فيما بلدة السلط، والقى المحيطة بها، والعشائر النازلة حولها ومنها عشائر بني حسن، وبني حميدة، والعجارمة، والبلقاوية، والدعجة، ومن هنا كان سلطان العدوان يشعر أن زعامته تخوله إبداء الرأي في الأمور العامة للبلاد.
وبسبب المنازعات العشائرية القديمة بين بني صخر وبين العدوان، فقد كان سلطان العدوان يعتقد بأن الشريف عبد الله بن الحسين يقرب مشايخ بني صخر إليه أكثر منه. فأخذ يجهر بمعارضته للأوضاع القاتمة، ويتبنى مطالب أبناء المنطفة؛ وعندما بلغت الأمير عبد الله استعدادات ابن عدوان أرسل في طلبه، فحضر إلي
стр. 10520
عمان على رأس حشد من رجاله لا يقل عن ألف خيال، ودخلوا العاصمة على شكل مظاهرة، مشهرين سيوفهم وينشدون الأناشيد الحماسية متجهين إلى مقر الأمير في رابية ماركا (١).
واختلى الأمير بسلطان وولده ماجد، وبعد المداولة وعدهما بزيارة عربانهم، حيث كانوا يقيمون، في حسيان يوم ٨ أيلول ١٩٢٣ م، وفي يوم ٦ أيلول اجتمع مجلس النظار الجديد في مقر الأمير وبحث الموقف، ورأى المجتمعون أن يعدل سموه عن زيارة ابن عدوان في حسيان لئلا تفسر هذه الزيارة بأنها من قبيل الضعف، وتقرر أن تتخذ الحكومة أسلوب الحزم والقوة ضد العدوان. وعندما بلغ العدوان هذا التحول في الموقف، في الوقت الذي كان يستعد فيه لاستقبال الأمير، قرر أن يتصرف بسرعة. فسار من حسيان يوم ٦ أيلول بمن اجتمع لديه من البدو المناصرين لقضيته متجهًا، عن طريق ناعور، إلى صويلح، وبنيته الهجوم على العاصمة الأردنية من الغرب.
وأثناء مرورهم بهذه المناطق نهبوا مخفري ناعور، وصويلح واستولوا على خيول الجند وتجهيزاتهم، وقضوا ليلتهم في صويلح وفي الصباح اتجهوا نحو عمان، وقد تولى الأمير عبد الله بنفسه الدفاع عن عمان ضد تقدم ابن عدوان. وكان الشيخ كريم في هذه الأثناء يقيم في الأردن مع بعض رجاله، وطبقًا للخطة التي اتبعها الأمير، فقد تم استدعاء الشيخ كريم الذي انضم إلى القوة التي يقودها الأمير مباشرة في عمان. وروى الشيخ كريم ما تلا ذلك من أحداث، حيث أرسل الإنجليز سيارة واحدة من سياراتهم المصفحة وفيها أحد المسئولين لتواكب تقدم القوة، والتقى الجمعان وحدثت المواجهة في شمسان على مسافة ٦ كم غرب عمان، وحلقت إحدى الطائرات البريطانية فوق المكان، ولم تكن المواجهة اشتباكًا متلاحمًا، غير أنه من اْبرز الأحداث أنه خرج من قوة ابن عدوان أحد الفرسان شاهرًا سلاحه وهجم على السيارة المصفحة وأطلق أعوانه الرصاص على عجلاتها فتوقفت عن السير، وعندئذ قفز الفارس عن ظهر جواده على المصفحة، غير أن طاقمها عاجلوه بإطلاق النار عليه فأرده قتيلًا.
стр. 10521
وقد تبين أن الفارس هو صايل الشهوان (١) شيخ عشيرة العجارمة الذي كان أحد أركان حركة ابن عدوان. وبمقتل صايل لاذ الباقون بالفرار قبل أن يتاح للقوة النظامة الاصطدام معهم. وهكذا انتهت حركة العدوان. ولا شك أن اشتراك السيارة المصفحة وتحليق الطائرة كان لهما أثرًا معنويًا كبيرًا في تثبيط عزائم العدوان وأنصارهم ومسارعتهم للتفرق، فقد خيل لهم أن الإنجليز مصممون على التدخل ضدهم، مما بعث اليأس في نفوسهم. وقد وصف الأمير عبد الله (أمير شرق الأردن) هذه الحادثة وقتئّذ بأنها حادث مكدر ومدسوس.
نصرة المجالي في الكرك:
لقد سبق لقبيلة بني عطية أن قامت بنصرة عشيرة المجالي في حربها مع بني صخر في عهد الشيخ عبيد بن عطية جد الشيخ كريم، وذلك في النصف الأول من القرن التاسع عشر الميلادي، وأصبح هناك حلف غير مكتوب بين بني عطية والمجالي، حيث حرص المجالي على تواجد قبيلة بني عطية في منطقة الكرك لنجدتهم عند الحاجة إليهم، وشجعوا بني عطية على احتلال منطاقة الشراة لهذا الغرض، وقد اعتاد الشيخ كريم وقبيلته بني عطية على ارتياد الأراضي الأردنية كلما أجدبت أراضيهم في منطقة تبوك، وفي الأحيان يستمر هذا التواجد إلى أكثر من سنة حسب ظروف نزول الأمطار. وأثناء تواجد الشيخ على الأراضي الأردنية، قامت قبيلة بني حميدة بقيادة شيخها عبد الله بن طريف بتضييق الخناق على عشيرة المجالي في الكرك، وذلك بقصد استعادة الأراضي التي سبق وأن استولى عليها المجالي. وبدأ الاقتتال بين الجانبين وتمكنت قبيلة بني حميدة في بداية المواجهة من التغلب على المجالي، فاستنجد المجالي بالشيخ كريم الذي قاد قبيلة بني عطية للاشتراك في المعركة إلى جانب المجالي، واستطاعوا مجتمعين كسر شوكة هجوم بني حميدة وهزيمتهم والاستيلاء على قرية الرية الحميدية والاستيلاء على أعداد كبيرة من حلالهم (٢). بذلك، ثبت الشيخ كريم وضع عشيرة المجالي وكأن التاريخ يعيد نفسه عندما هب جده عبيد لنجدة المجالي
стр. 10522
ضد بني صخر، ولكن الشيخ كريم عندما كان يتذكر ذلك الموقف بعد سنين من حدوثه كان يقول أنه لم يندم فى حياته على شيء مثل ندمه علي المشاركة في هزيمة عبد الله بن طريف شيخ بني حميدة لصالح المجالي.
وقد أنشد أحد شعراء بني عطية:
يوم الحميدي كد بخيول ميات … ورجال فرسان يخوف لقاها
سرتوا بوجهه كالطيور الخفيفات … وخيولكم راحت تبارق حذاها
وقلتم بأعلى صوت وبين العطيات … وين الشيوخ وين جمع تلاها
لبو نداكم في النفوس العزيزات … وخيول وجيوش طويل خطاها
عليهن من يلقى العدى كل الأوقات … وبما فعل كل الليالي تباها
ما نحب ذبح اللي علومه قصيرات … ما نذبح إلا من كريمة لحاها
اللي لهم وسط الدواوبن كلمات … وإلى قصدوا الطيب جزل عطاها
وبنيت بيوت العز بصدق وإثبات … بوديانها وسهالها مع نباها
والله عليم وعالم بالخفيات … يعلم عدد نجومها في سماها
تمت على روح النبي بالصلوات … إعداد حصو الأرض واللي وطاها
ظهور المنقذ (١):
إن المتأمل في سيرة البطل عبد العزيز منذ أن فتح مدينة الرياض عام ١٣١٩ هـ/ ١٩٠٢ م يدرك ما حبا الله به هذا القائد الفذ من صفات قيادية كقدرته على استنتاج العبر من التاريخ واستخلاص الدروس من التجارب التي مر بها، فقد أدرك هذا الزعيم الملهم أن أحد أهم أسباب نجاح أسلافه من آل سعود هو نصرتهم للعقيدة الإسلامية الصحيحة وتطبيقهم للشريعة الغراء. لقد زادته تجاربه الخاصة
стр. 10523
خلال السنوات الأولى من مسيرة توحيد البلاد اقتناعًا بأن البدو الرحل ليسو من السهل صرفهم عن أمور درجوا عليها منذ مئات السنين، كالقيام بالغزوات ومهاجمة قوافل التجارة، وأن من الصعب السيطرة عليهم أمنيًا، ولذا جاءت فكرته الرائدة الذكية لإطلاق ما عُرف تاريخيا بحركة الإخوان. فقد انبعث تلك الانطلاقة ببعث الدعاة إلى القبائل لإرشاد زعمائها وأبنائها إلى دين الله وحثهم على التخلي عن كل ما لا يتفق مع أحكامه، وأتت تلك الجهود ثمارها بأن استجاب كثير من القبائل مثل: حرب، ومطير، وعتيبة لهذه الدعوة، وأطلق عليهم أسم الإخوان، وهي تعني إن ما يربط المنتسبين إلى هذه الحركة ليس رباط القبيلة بل رباط الأُخوة الدينية المقتبسة من قول الله تعالى: (إنما المؤمنون إخوة)، ومن فرطة تحمسهم لحياتهم الجديدة أصبحوا يعارضون من لم ينضم إليهم عن قبائلهم، ناهيك عن القبائل الأخرى.
لقد مكنت الصراعات التي وقعت في الفترة ما بين فتح الرياض في عام ١٣١٩ وعام ١٣٣٩ هـ، في وسط وشرق وشمال شبه الجزيرة العربية الملك عبد العزيز - طيب الله ثراه، من أن يتبوأ مكانة مرموقة في الجزيرة العربية، وكان من فوائد حركة الإخوان في مسيرة توحيد البلاد القضاء علي اعتداءات بعض القبائل على بعضها البعض وتكوين وحدات قتالية تجمع بين التجربة القتالية والحماس الديني مما جعلها تستبسل في سبيل الهدف الذي اقتنعت به، ولعل جهود الإخوان بين عام ١٣٣٦ - ١٣٤٤ هـ لأكبر دليل على ذلك. وبدأ اضمحلال الولاء القَبَلي لزعماء القبائل لحساب الزعامة الدينية ممثلة بالحكومة المركزية.
ولم يكن غريبًا أن يتخذ الملك عبد العزيز -وقتئذ- موقفًا حازمًا تجاه إمارة جبل شمَّر، في ضوء وضعه العسكري الذي أصبح قويًا جدًا وقد برهن على ذلك ما حدث في تَربَة عام ١٣٣٧ هـ ثم نجاحه في منطقة عسير عام ١٣٣٨ هـ، لذلك رأى ضرورة إنهاء إمارة آل الرشيد في جبل شمَّر وعاصمتهم (حائل)، للحيلولة دون قيام تحالف بينهم وبين الأشراف الذين يحيطون به في الحجاز والأردن والعراق وقتئذ.
стр. 10524
وهكذا توافرت الأسباب لبدء العمليات العسكرية ضد تلك الإمارة وبالتالي ضمها إلى ما تم توحيده سابقًا، وقد فضل الملك عبد العزيز أن يحاصر مدينة حائل تجنبًا لسفك الدماء، وظل الحصار مضروبًا على تلك البلدة حتى استسلمت في ٢٩/ ٢/ ١٣٤٠ هـ الموافق ٣١/ ١٠/ ١٩٢١ م، وبهذا توحد إقليم جبل شمَّر مع ما سبق توحيده من أقاليم البلاد ومناطقها، وقد أسفر سقوط حائل عن نتاتج من أهمها أن الملك عبد العزيز لم يبرهن على القدرة القتالية لقواته فحسب لكنه حقق سيادة استراتيجية علي وسط وشمال شبه الجزيرة العربية بأسرها علي ضوء موقع حائل المهم، وكانت الجوف مصدرًا لحاجة قواته من التمر، وهي إحدى المناطق التي سيطر عليها بسرعة، وفي أواخر عام ١٩٢١ م أصبحت المنطقة تشكل بالنسبة للملك عبد العزيز مساحة عازلة تفصل بين بلاده وشرق الأردن، ومن ثم أصبحت الأوضاع في الجوف تمثل أهمية بالغة بالنسبة له. فقد أظهر الملك عبد العزيز أنه علي دراية تامة بالسياسات القَبَلية في كل ساحات المعارك. فكان يبذل جهدًا خارقًا لتجنيد القبائل أو هزيمتها إذا ما فشل في تجنيدها مثل ما حدث في حائل، وأبها، والجوف، وكان لصورة الملك عبد العزيز الساحرة والمؤثرة عظيم الأثر في ضم القبائل إلى الدولة السعودية الآخذة في التوسع. كما برهن على أنه مرن بالقدر الذي مكنه من الاستجابة لطبيعة القبائل المتغيرة الولاء. وهكذا استطاع أن يبرز في صورة الزعيم المفكر الذي يستطيع التحكم في مشاعره وأن يتصرف بأسلوب واقعي. وانتشرت أخبار انتصاراته وأهدافه السامية في المنطقة الشمالية الغربية من الحجاز ما جعل الأفئدة تتطلع إليه، ورغم بعد ديار قبيلة بني عطية عن عاصمة الملك إلا أن أبناء هذه القبيلة ازدادوا به ولعًا وتولدت لديهم رغبة عارمة في الانضمام إلى هذا الكيان العظيم، إلا أن كون منطقتهم خاضعة لنفوذ شريف مكة إداريًا وجغرافيًا فقد حال ذلك دون التوجه إلى الملك عبد العزيز مبكرًا وجعل الشيخ كريم في حيرة من أمره، فالمجازفة خطيرة والثمن فادح خصوصًا وأن هناك من يتربص به سوءًا في القبيلة وانكشاف أمره في هذه المرحلة المبكرة يعني هلاكه، لأن عيون الشريف منتشرة في منطقتهم. ورغم استعداده للتضحية الشخصية في سبيل الانضمام إلى الملك عبد العزيز ولثقته بأنه سيكون المنقذ لجزيرة العرب من
стр. 10525
التشرذم، فقد حالت الظروف الصعبة السائدة في منطقتهم دون تحقيق المغامرة الشهيرة التي قام بها الشيخ كريم حتى عام ١٣٤٢ هـ.
في عرين الأسد (١):
عقدت الجلسة الأولى في مؤتمر الكويت في ٧ جمادي الأولى عام ١٣٤٢ هـ (الموافق ١٧ كانون الأول عام ١٩٢٣ م) لفض المنازعات بين نجد والعراق، وترسيم الحدود بين نجد وشرق الأردن، والبحث في مشاكل نجد والحجاز، وقد تلا الجلسة الأولى ثلاث جلسات لم تؤد جميعها إلى نتائج، وتوقفت المحادثات. وفي كتاب من القصيم مؤرخ في ١٤ رمضان ١٣٤٢ هـ، أصدر (عظمة السلطان) (٢) عبد العزيز أمره المتضمن: (قد جئنا القصيم لأمور لابد منها ومنها الاستعداد للطوارئ، فقد عينا عبد العزيز بن مساعد بن جلوي آل سعود أميرًا في حائل وجعلنا المنطقة الشمالية بما فيها القصيم والجوف وخيبر تحت إمرته وزودناه بالتعليمات الكاملة، والقوة الكافية، والصلاحية الواسعة، وبدلنا أيضًا أمير الجوف فعينا مكانه عبد الله بن محمد بن عقيل وأصحبناه بما يلزم من القوة) (٣) ومن خلال الفراسة، رأى الشيخ كريم أن المستقبل سيكون لذلك البطل (عبد العزيز) وأن نجم الشريف حسين بن علي بدأ في الأفول، وقد شجع ذلك الشيخ علي القيام بالمجازفهّ والتوجه لمقابلة الملك عبد العزيز رغم خطورة ذلك وقبل نهاية ذلك العام عزم أمره وأسرّ بذلك لشقيقه محمد وبعض المخلصين من شيوخ وأعيان القبيلة.
وخشية من أن يصل الخبر إلى قوة الشريف المتواجدة في منطقتهم، كتم الشيخ كريم أمر الرحلة، وأشاع بأنه سيقوم بغزو على ضواحي الجوف، وغادر مضارب القبيلة فجرًا في كوكبة من الأعيان تقدر بخمسة عشر هجانًا، وكان بعضهم من خارج القبيلة، وهم عودة بن زعل أبو تايه، ونصير بن جويعد أبو تايه، وعيد بن جازي
стр. 10526
الأربش أبو تايه، وكلهم من الحويطات بجنوب الأردن، وبمغادرتهم المضارب بدأت رحلة مجهولة النتائج محفوفة بمخاطر عدة منها احتمال انكشاف أمر الرحلة من قبل قوات الشريف، ودسائس الواشين، والخوف من أن تصادفهم قي الطريق قوة من الإخوان المنتشرين في وسط الجزيرة العربية فتقضي عليه وعلى صحبه، ثم ماذا سيكون مصير كريم لو ساور الملك عبد العزيز شك في نواياه، ولكن الشيخ كريم بنى اليقين على ما يصله من أخبار وعلى دهائه وثبات عقيدته، وهو الذي امتطى صهوة جواده لقيادة جيوشه من نصر إلى آخر، على خلاف خصومه القابعين في بروجهم العاجية، وهو القائل بن البادية "يجيئوننا في السلم فنعطيهم كل ما يحتاجون إلية من كسوة ورزق ومال، ولكنهم في أيام الحرب لا يطلبون منا شيئًا، يتمنطق الواحد منهم بحزام بندقيته ويركب ذلوله إلى الحرب ومعه شيء من الماء والتمر القليل عندنا يقوم مقام الكثير عند غيرنا، كنا نمشي ثلاثة أيام بدون طعام، كان يأخذ الواحد منها تمرة من حين إلى حين يرطب بها فمه".
ويستحث الشيخ كريم وصحبه الخطى في مسيرتهم وكلهم نشوة وشوق عارم إلى مقابلة الملك ونسوا أن رواحلهم بحاجة إلى شيء من الراحة. وقطعوا المسافة من ديارهم إلى عرين الأسد (الرياض) في زمن لم يتجاوز خمسة وأربعين يومًا، وعندما لاحت لهم الرياض، موطن المجد، ازداد الشيخ ثقة بنفسه، وأصبح في مأمن من نفوذ الشريف وبيارق الإخوان. وأنها لمجازفة حقًا من الشيخ أن يأتي من أطراف جزيرة العرب الشمالية الغربية إلى أواسط نجد وهو غير معروف لدى الملك، وليس هناك معطيات لنجاح هذه الرحلة سوى نبل الهدف المقصود "مبايعة الملك" وتقديم الولاء والطاعة باسمه، ونيابة عن قبيلته بني عطية، لعظمته، والفوز بالانضمام إلى هذا الكيان الذي سوف يوحد جزيرة العرب تحت راية الإسلام، لم لا وجيوش الملك تجوب الجزيرة شمالًا وجنوبًا، شرقًا وغربًا، متسلحة بالإيمان والعقيدة الراسخة والهدف السامي، وهو توحيد الجزيرة في كيان واحد وإخراج العرب من حالة التشرذم إلى قوة مهابة الجانب.
стр. 10527
وعند وصول الركب إلى مناخ الملك، تم تسجيل المركبة حسب التقليد المتبع باسم الشيخ كريم بن عطية وحدد لهم موعد للسلام عليه. وقد اختلج في نفس الشيخ شعور بالهيبة من اللقاء الذي لم يبق دونه سوى سويعات قليلة، وبقى في سهاده تلك الليلة حتى ارتفع آذان الصباح مبددًا السكون ومعلنًا دخول صلاة الفجر، وعندما حان الوقت للسلام علي الملك تقدم الشيخ برجاله فاستقبله رجال الملك المسئولين عن شئون السلام واحتفوا به لا سيما عندما علموا أنه من شيوخ بني عطية الكبار وأنه قادم من تبوك الخاضعة لنفوذ شريف مكة والتي لم تصلها إلى حينه جيوش الدولة السعودية. وكبر في نظرهم هذا الشاب القادم من الشمال الغربي ليبايع وقبيلته (سلطان نجد) رغم أن دياره -وقتئذ- تحت سلطة حاكم آخر وأجلسوا الشيخ الذي أصبح متحفزًا لسماع النداء لمقابلة الملك. وفي هذه الأثناء طرق مسامعه ما كان ينتظره: تفضل يا كريم بن عطية، فنهض متقدمًا صحبه ودخل الصيوان ليرى الملك عبد العزيز ذا القامة الطويلة والهامة العالية منتصبًا لاستقباله وصحبه، فسلم عليه وعرفه بنفسه قائلًا: "يا مولاي كريم بن عطية أمير بني عطية، أتيت مبايعًا باسم قبيلتي" فالتفت إليه الملك قائلًا: "تكفل بني عطية يا كريم بن عطية؟ فأجاب في الحال: "نعم". وعندما جلس الملك جلس الحضور لتناول القهوة، انتهت المقابلة، ونزل الشيخ وصحبه ضيوفًا على الملك وبعد مضي يومين، تم إبلغ الشيخ بأن جلالته قبل المبايعة وأمر له ببيرق أسوة بأمراء القبائل الأخرى وبروة (١) عبارة عن ثمانية بنادق وأربعة سيوف وشرهة مالية. وعندما طلب الشيخ مقابلة الملك ﵀، لاستئذانه بالرحيل وتوديعه، أخبره بأنه مربوط بالأمير عبد العزيز بن مساعد بن جلوي أمير حائل، نظرًا لقربها من تبوك فتقبل الشيخ ذلك بالسمع والطاعة.
وغادر الشيخ وصحبه الرياض قافلين إلى ديارهم وهم فرحين ومبتهجين بالعهد الجديد، وراية التوحيد (البيرق) ترفرف فوق رواحلهم، وهي كفيلة بتجنيبهم وقبيلتهم ويلات الحرب مع "الإخوان" وعندما اقترب الشيخ من مضارب بني عطية أخذ يتدبر الأمر لأن القبيلة والديار خاضعة لنفوذ الشريف
стр. 10528
الذي سيبلغه حتمًا خبر حصول كريم على البيرق من الملك عبد العزيز، والأوضاع بين السلطتين متوترة، والعهد الذي قطعه علي نفسه، لا يمكن الرجوع عنه ومكرمة الملك ثروة لا يمكن التفريط بها، وتستحق التضحية مهما كان الثمن باهظًا. لذلك، عزم الشيخ أمره على أن لا يحيد عن هذا العهد حتى لو تطلب الأمر المواجهة المباشرة مع قوة الشريف في تبوك، واتخذ قرارًا بتلافي المواجهة مع قوة الشريف مؤقتًا، حتى يشرح لقبيلته نتائج وفوائد العهد الجديد، وبذلك يضمن التفافهم حوله تحت راية التوحيد إلا أن ردة فعل قائد حامية الشريف في تبوك أتت مبكرة عندما علم بحصول الشيخ على البيرق وقبل وصول الشيخ إلى المضارب كما سنرى لاحقًا، وعندما اقترب من مضارب القبيلة في شرقي تبوك أرسل شقيقه محمد مستفسرًا عن سيرة الأوضاع في المضارب وطلب منه إعداد العدة لكل طارئ، وعند وصول الركب تم جمع شيوخ العشائر وشرح الشيخ كريم لهم نتائج الرحلة. وأطلعهم على وجهة نظره حيال مستقبل القبيلة في ظل العهد الجديد، وطلب منهم مباركة البيعة. وقد بارك الجميع ذلك معلنين الولاء للملك عبد العزيز، مستبشرين بعهد مشرق زاهر، فشكرهم الشيخ على ذلك ووزع عليهم البنادق والسيوف موضحًا لهم إنها لن تكون سوى بداية الهبات والمكارم التي سينالونها مستقبلًا، وهكذا دخلت قبيلة بني عطية في مرحلة تاريخية جديدة.
انتشار خبر البيرق:
عندما بلغ قائد حامية الشريف في تبوك عواد أفندي الجهني أن الشيخ كريم قادم وهو يحمل بيرق الملك عبد العزيز، قرر مهاجمة مضارب الشيخ، وسلب مواشيه قبل وصوله. لذلك قام بتجهيز تجريده مكونة من ثلاثين فردًا وهاجم مضارب الشيخ كريم وأبناء عمومته في ضواحىِ تبوك، وقد تولى الدفاع عن المضارب نفر من أبناء القبيلة المتواجدين هناك بقيادة سعود بن عيد العطيات، أحد أبناء عمومة الشيخ، وقد تمكن هذا الحشد القليل العدد من صد هجوم عواد أفندي وإلحاق الهزيمة به وبقواته وقفل راجعًا إلى تبوك بعد أن فقد خمسة من رجاله مقابل أحد مماليك الشيخ واثنان
стр. 10529
من عشيرة السبوت من بني عطية. وكانت هذه المواقعة أول ردة فعل من جانب حامية الشريف حيال حصول الشيخ علي البيرق من الملك عبد العزيز وبناء على هذه المواجهة قرر الشيخ حصر نفوذ الشريف في منطقة تبوك داخل المدينة فقط، أما ما حولها فقد أصبح تحت سيطرة الشيخ وقبيلته وهم يدينون بالولاء للعهد الجديد، ولم يكن باستطاعة حامية تبوك اتخاذ أي إجراء إزاء ذلك نظرًا لضعفها وقلة حيلتها أمام هيمنة بني عطية، وأصبح الشيخ يترقب التوجيه من الملك للانقضاض على الحامية وإنهاء وجودها من تبوك.
وفي بداية عام ١٣٤٣ هـ، وبناء على العهد الذي قطعه الشيخ على نفسه أمام الملك عبد العزيز، حضرت مجموعة المزكية بقيادة ابن بيوض إلى الشيخ، وتوجهوا جميعًا إلى عشائر بني عطية وبعض القبائل الأخرى الذين ينتشرون في السنانيات وينهلون من موارد العسافية (١) لجمع الزكاة المقررة شرعًا لعام ١٣٤٢ هـ، وقد تسنى لهم جمع زكاة حلال (٢) العشائر بدون أية مشاكل نظرًا لوجود الشيخ بصحبة المزكية. وفي بداية عام ١٣٤٤ هـ، حضرت مجموعة المزكية مرة أخرى لجباية زكاة عام ١٣٤٣ هـ بقيادة ابن بيوض، وقد أمر الشيخ قبيلة بني عطية بالتجمع على منهل المعظَّم (٣) استعدادًا لدفع الزكاة ولكن حاولت بعض عشائر القبيلة رفض دفع الزكاة لخدام ابن سعود بحجة أنهم يتبعون الشريف وكانوا يقطنون ماء العبينية (٤) شمال غرب تبوك، فتوجه إليهم الشيخ حاملًا البيرق وبرفقته شقيقه محمد وأحد شيوخ الفقراء من عَنَزة ويدعى الدريعي الفقير وأنذرهم بأنه في حالة عدم التوجه مع باقية عشائر القبيلة إلى ماء المعظم ودفع الزكاة لخدام الملك
стр. 10530
عبد العزيز أسوة ببقية عشائر القبيلة فإنه سيغير عليهم وينهب حلالهم ويقتل رجالهم. وهنا خضعوا للأمر الواقع واتجهوا إلى مورد المعظَّم ودفعوا الزكاة المقررة عليهم أسوة بعشائر بني عطية الأخرى، وقد قالت امرأة من إحدى تلك العشائر بهذه المناسبة البيت التالي محذرة رئيس العشيرة بأن لا يبيع فرسه فلربما يحتاجها لملاقاة خيل الشيخ:
يا خي يا سليم لا تبيع المهرة … خيل كريّم مكمنة بالثغرة (١)
فتح الحجاز وآثاره على سكان تبوك:
عندما كان الملك عبد العزيز ﵀، في الأحساء يراقب مؤتمر الكويت منتظرًا نتائجه كان الشريف حسين بن علي قد وصل إلي عمان بالقطار الذي يحمله إلي العاصمة في ٨ جمادي الثانية عام ١٣٤٢ هـ الموافق ١٧ كانون الثاني سنة ١٩٢٤ م ليشرف -كما قال- على جميع البلاد المقدسة ويزور الأماكن التي يوجد فيها مراكز للحكومة ويوطد السيادة العربية في الشرق العربي. وقد نودي بالشريف حسين خليفة للمسلمين، وأميرًا للمؤمنين، حيث بايعه السوريون، والفلسطينيون، ورؤساء القبائل في الأردن وفريق من العراقيين والحجازيين الذين كانوا معه. وفي غرة ذي القعدة عام ١٣٤٢ هـ عقد في الرياض اجتماع برئاسة الإمام عبد الرحمن الفيصل آل سعود (والد الملك) حضره العلماء ورؤساء القبائل والملك عبد العزيز، وقد أطلق في هذا المؤتمر يد الملك عبد العزيز فيما يراه مناسبًا لصيانة حقوق نجد وفتح الطريق إلي مكة وقد خطب عبد العزيز في هذا المؤتمر مخاطبًا العلماء والإخوان" "نحن لا نود أن نحارب من يسالمنا ولا نمتنع عن موالاة من يوالينا، ولكن شريف مكة كان دائما تعلمون يزرع بذور الشقاق بين عشائرنا، وهو الوارث من أسلافه بغضنا، ومع ذلك بذلت كل ما في وسعي لحل المشاكل التي بيننا وبين الحجاز بالتي هي أحسن، وكنت كلما دنوت من الحسين تباعد، وكلما لنت له تجافى، إي ورب الكعبة لست أرى في تطور الأمور ما ينعش الأمل. بل أرى الأمور تزداد شدة وارتباكًا، ولا يحسن الاستمرار في
стр. 10531
خطة لا تعزز حقوقنا ومصالحنا" (١) ووقف عند هذه النطقة فهتف الجميع: "توكلنا على الله، إلى الحجاز".
وهكذا يتضح بأن أهم نتاتج المؤتمر كان اتخاذ قرار الحرب علي الحجاز، والاستعداد للحرب. وفي الشهر الأول من عام ١٣٤٣ هـ الموافق لشهر آب ١٩٢٤ م تم تجهيز ثلاثة جيوش، توجه أحدها إلى الحدود العراقية، والثاني إلي الحدود مع شرق الأردن، والثالث توجه إلى الحدود مع الحجاز. ولكن السلطان عبد العزيز -لغرض حربي- أمر بغزو الشرق العربي "الأردن" قبل الزحف على الحجاز. ومشى الإخوان من أطراف وادي السرحان وعددهم ألفان إلى ثلاثة آلاف ووصلوا إلى القسطل وكادوا أن يصلوا إلى العاصمة عمان، لولا تدخل الطائرات والمدرعات الإنجليزية (٢) التي أبادت قرابة أربعمائة من الطرفين ولولا القوة التي كان يقودها الإنجليزي لاكتسح النجديون الشرق العربي "الأردن" ورفعوا فوق عمان علم ابن سعود. وهكذا بدأت الظروف تتغير في منطقة قبيلة بني عطية وبدأت القوات السعودية تقترب من هذه المنطقة.
القضاء على حامية الشريف في تبوك:
بينما كان الملك عبد العزيز يحاصر جدة عام ١٣٤٣ هـ، أرسل في شهر ذو القعدة من نفس العام عدة سرايا لحصار المدينة المنورة بقيادة صالح العذل الذي كان يعسكر في الحناكية، والتحق به لواء قادم من حائل بقيادة إبراهيم النشمي، ورابط هو الآخر حول المدينة المنورة ولم يؤمر بدخولها. وقد أكمل الإخوان الحصار بالمرابطة حول المدينة المنورة في الوجه، وينبع، وينبع النخل، والعوالي، والحناكية.
وبعد انقضاء حج عام ١٣٤٣ هـ، وبالرغم من أن المدينة المنورة كانت محاصرة إلا أن الحصار لم يكن شديدًا، إذ وصلت إليها أسلحة وأطعمة من شرق الأردن
стр. 10532
والشريف حسين في العقبة، وكان لذلك أثرها في تشجيع حاميتها علي الخروج ومهاجمة المحاصرين؛ لذا فقد أرسل أمير حائل عبد العزيز بن مساعد إلى الشيخ كريم أحد رجاله ويدعى مناور العتيبي وهو يحمل رسالة للشيخ تتضمن رغبة ابن مساعد في القضاء على حامية تبوك لمنع وصول الإمدادات القادمة من الأردن، وقد كان الشيخ في انتظار هذه اللحظة للوفاء بالعهد الذي قطعه على نفسه للملك على المبايعة بالرياض، والانتقام من قائد الحامية عواد الجهني.
وعلى إثر ذلك، قام الشيخ كريم بتجهيز حشود كبيرة من قبيلة بني عطية واتجه بها إلى تبوك، وكانت الحامية قد تحصنت في الهضيبة التي تبعد عن قلعة تبوك ومحطة القطار ما يقارب ٢ كيلًا جنوبًا، وهي هضبة مرتفعة ومعزولة وتحيط بها السهول من كل جانب مما يجعلها موقعًا حيويًا في الدفاع عن تبوك. وقد نصب قائد الحامية الأسلحة الثقيلة المتوفرة لديه من مدافع ورشاشات في موقع دفاعي على الهضيبة وأنشأ بعض التحصينات كالطوابي وحفر الأفراد.
وعندما وصل الشيخ وقوته إلى مورد أبا العجيجات (١) جنوب غرب الهضيبة نزل عليه ووضع خطة الهجوم على الحامية واحتلال البلدة. وقد خصص مجموعة من الرماة لمناوشة القوة المدافعة لمشاغلتهم، وتولى بنفسه قيادة كوكبة من فرسان القبيلة لمهاجمة الموقع من جهة الشرق حيث سكة الحديد. وقد نجحت الخطة، حيث استطاعت مجموعة الرماة تشتيت انتباه الحامية التي اضطرت إلى توجيه الأسلحة إليها، وهنا هجم الشيخ وفرسانه واستطاعوا الوصول إلى مواقع المدافعين من الطوابي في الهضيبة وقتل ستة عشر من أفراد الحامية.
وبحلول الظلام تراجع الشيخ كريم وفرسانه إلى مواقع القبيلة استعدادًا لمعاودة الهجوم في الغد، ونظرًا لكون الهجوم وقع يوم الخميس، فقد قرر الشيخ عدم معاودة الهجوم يوم الجمعة، وبذلك استغل قائد الحامية عواد الجهني ذلك وجمع
стр. 10533
رجاله الذين حملوا ممتلكاتهم الشخصية ووضعوها في فراقين واستعانوا بسكان البلدة في دفع هذه الفراقين علي سكة الحديد باتجاه الحاميات التابعة لإمارة شرق الأردن. وقد عرف بذلك أحد سكان تبوك ويُدعى عبد العزيز المغربي، وهو صديق للشيخ، وعندنا اندفع متسللًا عبر مواقع بني عطية قاصدًا مقابلة الشيخ لإبلاغه بالخبر، إلا أنه احتجز من قبل عشيرة المصابحة عن بني عطية الذين ظنوا أنه عين لعواد الجهني، وبعد التأكد من صدق نيته تم إيصاله إلى الشيخ حيث أخبره بانسحاب الحامية شمالًا. وفي الصباح تقدم الشيخ ورجاله إلى قلعة تبوك فوجد أن ما ذكره المغربي صحيحًا، وقد قابله أحد أهالي البلدة وأخبره أن الرجال قد أجبروا على مرافقة الحامية لدفع الفراقين وطلب منه ضمان سلامة العوائل وقد تعهد لهم بذلك، وكتب خطابًا لأمير حائل، حمله إليه أحد عبيده ويدعى مناحي بن سلمان يبلغه فيه خبر القضاء علي حامية الشريف، وانتهاء عهدهم في هذه المنطقة، وطلب إرسال من يراه الأمير مناسبًا. وقد غنم الشيخ مدفعًا ورشاشين. وكان ابن مساعد قد حمل نفس الساعي رده بأنه سيرسل شخصًا ليكون مسئولًا في القريب العاجل. وعلى ضوء ذلك أبلغ أمير حائل الملك عبد العزيز آل سعود بذلك في جدة، ووقع الاختيار من القوة المحاصرة للمدينة المنورة على محمد بن شهيل.
وقد روي لي -وهذا القول للواء عبد الله بن كريم- الأمير محمد بن شهيل (١) في منزله بالرياض عام ١٤١٤ هـ، وبحضور الشيخ عناد الغريض (٢)، أنه كان في بداية عام ١٣٤٤ هـ ضمن الحملة التي حاصرت المدينة المنورة بقيادة الأمير محمد بن عبد العزيز، وكان هو تحت قيادة ابن نويصر المباشرة في حصار العلا. وبعد الاستيلاء على قلعة العلا تم تكليفه بالتوجه إلى تبوك حيث رافقته سرية من الإخوان حتى ماء المعظم من ديار بني عطية. وعن هناك توجهت السرية إلى الوجه، أما هو ومرافقه فقد نزلا على الشيخ كريم على عين الأخضر من ديار بني عطية جنوب تبوك، وأخبر الشيخ
стр. 10534
أنه مرسل من قبل الملك عبد العزيز لاستلام تبوك، فرافقهما الشيخ إلى تبوك. وبعد استضافة الأهالي لهما بدأ ابن شهيل في تأسيس الإمارة، فشيد منزلًا له وشرع في تنظيم وضع الإمارة وتعيين الاخوياء. ونظرًا لعدم استقرار الأوضاع في المنطقة ولقربها من نفوذ إمارة شرق الأردن المنشأة حديثًا، ونشاط الإنجليز في خلق الاضطرابات، طلب ابن شهيل من أمير حائل إرسال قوة لدعمه ومساعدته في ردع القبائل الخاضعة لشرق الأردن. وقد استجاب ابن مساعد لذلك وأرسل عامٍ ١٣٤٤ هـ قوة على تبوك بقيادة عيسى وهي مكونة من مائة هجان وخمسة عشر خيالًا أطلق عليها اسم القوة الضاربة، وهي مرتبطة قياديًا بأمير حائل. وبلغ عدد أخوياء الإمارة سبعة أفراد.
مقتل محمد بن زعل:
عندما استقرت أوضاع الشيخ كريم بن زعل وشقيقه محمد وأصبحت القبيلة والمناطق المحيطة بها خاضعة للملك عبد العزيز وانتهت فترة زكاة بني عطية على مورد (المعظَّم) كما أسلفنا، توجه الشيخ كريم وشقيقه في رحلة إلى تيماء لم يكن يرافقهما فيها أحد. وعندما وصلا إلى الجبل المسمى غنيم تيماء (١) قابلتهما قافلة مكونة من بلي وبني عطية، وقبل أن يحصل التعارف بين الطرفين نزل بعض رجال القافلة وأخذوا يطلقون النار على الشيخ كريم وشقيقه اعتقادًا منهم بأنهما غزاة، وعندما اندفع محمد بن زعل نحوهم كعادته وهم يطلقون النار -وكان يتقدم الشيخ- فلاحظ الشيخ أن توازن محد قد اختل ونزل من ذلوله (٢) ببطء على غير عادته، عندها عرف الشيخ أنه أصيب، فترك القوم ونزل ليطمئن على شقيقه فوجده يلفظ أنفاسه، وحاول إنقاذه ولكنه سرعان ما فارق الحياة. أما أفراد القافلة فأخذوا يشهدون بعضهم البعض للتبرئ من مقتل محمد بن زعل، وتحامل الشيخ على نفسه وحمل شقيقه الوحيد على راحلته والحزن والأسى يعصران قبله على عضيده الوحيد، ولكنها إرادة الله، وتوجه به إلى تيماء وهناك قام بدفنه، ونحر ذلوله ووزع لحمها على المحتاجين في القرية. وهكذا
стр. 10535
فقد الشيخ شقيقه وسيفه الذي ترهب سطوته الفرسان القاصي منهم والداني، وعاد إلى مضاربه وحيدًا، ولكنه ظل مشغول البال بمعرفة قاتل أخيه، وبعد البحث تبين من عناصر القافلة (١) أن القاتل هو أحد أفراد عشيرة الهروف من قبيلة بلي. وكان مقتل محمد محض صدفة وغير مقصود لأن الشيخ وشقيقه لم يكونا غزاة وإنما تبادلا إطلاق النار مع القفل من سبيل الدفاع عن النفس، وبالرغم من كل هذا فقد تصافت نفوس قبيلتي بلي وبنو عطية، وأصبحوا في هذا العهد أخوة متحابين وأصبحت تلك الأحداث شيئًا من الماضي وأمانة للتاريخ.
ترسيخ الدولة السعودية في منطقة تبوك والصعوبات التي اعترضتها:
منذ أن عيَّن الملك عبد العزيز محمد بن شهيل أميرًا على تبوك عام ١٣٤٤ هـ بدأت سلطة الدولة، وانتقل حل المنازعات من سلطة القبيلة إلى سلطة الدولة. إلا أن الوضع تطلب مزيدًا من الوقت للتخلص من رواسب الماضي الاجتماعية التي كانت سائدة بين القبائل، حيث سلطة القبيلة هي المهيمنة. وكان من الطبيعي أن تقع بعض الأحداث بين الشيخ كريم الذي يمثل الزعامة القبلية وبعض المسئولين الذين يمثلون السلطة ويجهلون اعتماد أفراد القبيلة على شيخهم باعتباره الملاذ المباشر الذي يلجأون إليه لحل مشاكلهم. ومن منطلق قول الرسول ﷺ "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته" فقد اضطر الشيخ إلى التصادم مع مسئولي الدولة لرفع الضيم عن أفراد القبيلة وفاء بالمسئولية تجاه الله أولًا ثم تجاه والي المسلمين الملك عبد العزيز.
وقد حاول صغار موظفي الدولة في تبوك استغلال ذلك بنقل الصورة مغلوطة إلى جلالة الملك عبد العزيز وقتئذ بغرض إضعاف مركز الشيخ كريم وإخضاعه ومنعه من الوقوف ضد رغباتهم الشخصية. إلا أن الملك عبد العزيز وقف سدًا منيعًا أمام هذه المحاولات وأبقى الشيخ على منزلته. وكلما لجأ الشيخ إليه مستجيرًا ومستنجدًا وجد منه العون والإكرام لما يتمتع به جلالته من بعد نظر في معاجلة أمور رعيته. ونعم الشيخ وأمثاله من أمراء القبائل بالحلم والرحمة من جلالته، وما ذلك بغريب
стр. 10536
من عبد العزيز المؤمن القوي العامل بتعاليم الدين الإسلامي على نصرة هذه التعاليم ونشرها في جميع أرجاء شبه جزيرة العرب حيث جاهد جلالته من أجل ذلك قرابة اثنين وثلاثين عامًا.
وتوج هذا القائد الفذ ذلك بأعظم معجزة تشهدها جزيرة العرب في القرن العشرين عندما أعلن عام ١٣٥١ هـ اسم المملكة العربية السعودية مما جعل المملكة محل إعجاب الدول الكبرى وجعلها تتسابق إلى صداقة هذا الملك المعجزة والتقرب إلى هذه الدولة الفتية. وما المقابلة الشهيرة بين جلالته والرئيس الأمريكي روزفلت على ظهر إحدى سفن الأسطول الأمريكي إلا إقرارًا بعظمته وتقربًا لكسب رضاه. وعاش الشيخ كريم وقبيلته بنعيم في عهد المؤسس العظيم الذي عاصر حياتهم وعايشها وعرف طباعهم عن قرب وآمن بصدقهم وشجاعتهم في قول الحق، وكان ذلك شفيعًا لهم عنده وأصبح ملاذهم عندما يتعرضون للنوائب وكان الشيخ يتخطى صغار المسئولين المحليين في تبوك في ذلك الحين، ويراجع الملك مباشرة لحسم كثير من الأمور المتعلقة بالقبيلة.
الاستقرار:
أدرك الملك عبد العزيز مبكرًا أن للبداوة خطرها في شبه الجزيرة، فهي تشغل الحيز الأوسع فيما بين الخليج العربي والبحر الأحمر وما بين عدن وما يقابله في الشمال، والبدو ليسوا على مستوى واحد من الخلق والطبع. ففيهم الذين تكثر مجاورتهم للحواضر فيكسبون منها بعض المرونة، ومنهم الجفاة القساة من الأجلاف، وقد ذاق الملك عبد العزيز من هؤلاء الأمرين في صباه وفي حروبه وبعد استقراره. وبما أن الأكثرية المطلقة من سكان هذه البلاد تتكون من البدو الرحل الذي ينتقلون من مكان إلى آخر طلبًا للرعي ومياه الأمطار، وينقلون خيامهم وأنعامهم حيثماء ذهبوا. وحيث اعتاد هؤلاء البدو على حياة خاصة مملوءة بالمجازفات والرغبة في الغزو والحروب الدائمة وحب الحرية الواسعة مما جعل اخضاعهم لسلطة حكم مركزي من الأمور الصعبة. ومما يزيد في هذه الصعوبة كون البلاد كثيرة المفاوز قليلة
стр. 10537
المواصلات، قليلة المياه غير محدودة المجاهل، وكون البدو لا يستقرون في مكان معروف يمكن ضبطهم فيه أو حصرهم في حدوده لذلك عما إلى أربع وسائل منذ التأسيس وحتى بعد التوحيد.
الأولى: عمد إلى تحضير أوفر عدد ممكن من البدو واستكثر من آبار المياد الارتوازية.
الثانية: بث المطاوعة في القبائل، وأهم ما يقوم به المطوع: الإرشاد إلى الطاعات. وهو كالخطيب في القرية يصلي بأهلها ويُعلم أبنهائها ويفتي كبارها ويعقد لهم الزواج ويقسم مواريثها ويتوسط في حل مشكلاتها.
الثالثة: من مفاخر الملك عبد العزيز البارزة: إنشاء الهجر، فحيثما وجد الماء في قلب الجزيرة، كان على أقرب قبيلة بدوية منه أن تهجر بيوت الشعر، وأن تبني جوار الماء وتقتني الماشية وتزرع وتحصر وتستقر.
الرابعة: أحكم رابطة القبيلة بشيوخها واعتبر أفرادها جميعًا جند له رخص الشيوخ بمنح موسمية ثابتة.
ويمكن القول إن الملك عبد العزيز قضى بعد توحيد المملكة عام ١٣٥١ هـ علي آخر ما عرفته الجزيرة من أساليب الفروسية الأولى المتمثلة في غارات القبائل بعضيا على بعض غازية أو طالبة ثأر، أو باغية حمى أو ناصرة مستنصرة، وذلك بشجاعته ومنعه الغزو وجعله الفروسية جندية الإسلام يحرم ما يسمونه الغزو فلا غزو بعد اليوم.
لذلك انصاع الشيخ كريم بن عطية لهذه التوجيهات وأخذ يتخلص تدريجيًا من الاعتماد على الرعي والأنعام وذلك بزيادة جهوده في استصلاح الأراضي الزراعية التى يملكها في تبوك، وأخذ يحض أبناء القبيلة علي ذلك، فحذا حذوه جزء كبير من أبناء قبيلة بني عطية بالاستقرار في تبوك أو على موارد القبيلة المجاورة، والأخذ في تحويلها إلى هجر رعوية زراعية في آن واحد، بحيث يمارسون أعمال الرعي في الأماكن القريبة
стр. 10538
والمجاورة لها، ثم يعود الرعاة إلى الهجر كموطن ثابت مستقر، كما يتم امتهان الزراعة في الهجر التي تتوفر فيها المياه ولكن بشكل متواضع وحال دون التوسع في ذلك قلهَ الإمكانات وعدم الخبرة في هذا المجال، وهكذا أذعن الشيخ كريم وقبيلته لسلطة الدولة المركزية وتغير دوره من قيادة قبيلته كعقيد في المعارك مع القبائل الأخرى إلى مواقف أخرى في ظل سلطة الدولة وهي الحيلولة دون تجاوز الأمراء والموظفين ورؤساء المراكز المنتشرة حولى مدينة تبوك على أبناء قبيلته، وعندما تكون المواجهة مع الأمراء فكان الشيخ يبرق للملك عبد العزيز عما حصل، كما حدث عند مواجهته مع ابن خرينق في مبنى الإمارة ومنعه محمد عبد الكريم رئيس أحد المراكز التابعة لضباء من سوق عشيرة الشليبي من بني عطية ومنع محمد بن شلوان القحطاني أحد أخوياء إمارة تبوك من مطاردة رعايا بني عطية غرب تبوك وبقي متحملًا لمسئوليته كاملة في الولاء للملك وحماية حقوق أبناء القبيلة.
وأصبح أمير المنطقة هو المسئول الأول فيها عن تسيير الأمور وفض المنازعات وانتهت أصول المحاكمات العشائرية والقَبَلية التي كانت سائدة في القبيلة وحل محلها القضاء الشرعي الذي أصبح واحدًا في الحاضرة والبادية، وفي جميع درجات المحاكم أساسه الشرع الشريف وأوجد القاضي ورئيس الكُتَّاب. كما تولت الشرطة منع الاعتداءات وضبط الأمن وإحضار المطلوبين وتنفيذ الأحكام الشرعية، ولاكتمال مسيرة التقدم افتتحت مدرسة تبوك التحضيرية لتعليم الأبناء.
ومنذ عام ١٣٥٣ هـ تم الاستغناء عن النجابين لحمل المراسلات وسير البريد السيار من تبوك إلى ضباء ثلاثة أيام في الشهر وبالعكس مثل ذلك ومدة السفر أربعة أيام. ولتسهيل الاتصال اليومي المرتب بين أنحاء المملكة المترامية الأطراف التي كان يقتضي تبادل البريد بينها مدة شهر أنشأت شبكة لاسلكية منظمة وقد سهل ذلك للشيخ كريم مخاطبة الملك عبد العزيز دون تحمل عناء السفر كما هو المتبع سابقًا وهكذا أخذت قبيلة بني عطية تتقبل الاستقرار والابتعاد تدريجيًّا عن البداوة والتخلي
стр. 10539
عن مهنة الرعي كحرفة أساسية، والانخراط في الوظائف الحكومية أسوة ببقية أبناء هذا الوطن الكبير.
وفاة الملك عبد العزيز واستمرار ولاء قبيلة بني عطية لآل سعود:
كان الملك عبد العزيز (صقر الجزيرة) ﵀، يحب الحياة ويحب أن يتمتع بكل ما يستطيع المتعة به مما أحل الله له ولسواه. ومرض بتصلب الشرايين فلم يترك شيئا من عاداته في أعماله المنظمة مواعيدها.
وانتقل من الرياض إلى الحجاز بالطائرة في ٢٨ ذي الحجة ١٣٧٢ هـ فنزل في الحوية مصيفه المعتاد وتوجه بالسيارة إلى الطائف متجلدًا ليسلَّم عليه الناس ويروه. ولم يتمكن من ترؤس الحج ذلك العام، فناب عنه ولي العهد الأمير سعود بن عبد العزيز، وأمضى زهاء ثلاثة أشهر بين الحوية والطائف وقد اشتد عليه المرض إلى أن ابتدأت سكرات الموت، وكان إلى جانبه في حال النزع ولداه سعود وفيصل فكان لا يرفع بصره عن أحدهما حتى يرمق به الآخر، وآخر ما سمع عنه قوله: "لا حول ولا قوة إلا بالله، الحمد لله، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" وأسلم الروح إلى بارئها، وكانت وفاته ضحى الإثنين ربيع الأول ١٣٧٣ هـ وصُلى عليه في الحوية ونقل بالطائرة إلى الرياض فدفن في مقبرة أسلافه من آل سعود، ولا أحد يميز قبره عن بقية المدفونين من أبناء شعبه لأن قبره في سوية الأرض حسب الشريعة الممثلة بقوله ﷺ : "خير القبور الدوارس"، رحم الله مؤسس هذا الكيان وموحده وأسكنه فسيح جناته. وعند وفاة الملك عبد العزيز خلفهُ ابنه الملك سعود الذي قام بزيارة لمناطق المملكة بقصد التعرف على أحوال المواطنين فزار تبوك عام ١٣٧٣ هـ واستقبله المواطنون حاضرة وبادية بفرحة غامرة. وقد احتفت قبيلة بني عطية بجلالته حيث جهز الشيخ كريم ما يزيد عن ألف هجان وثلة من الفرسان تحت قيادته لمرافقة جلالته من مكان هبوط الطائرة إلى مقر إقامته في قصر الإمارة وطوقت مضارب القبيلة بيوتها السوداء (١) مدينة تبوك وأقيم سباق للهجن أمام منصة جلالته. واستجاب جلالته
стр. 10540
لدعوة الشيخ كريم له بتناول القهوة العربية في منزله الكائن في مزرعته أم قف جنوب غرب تبوك على مسافة ثلاثة كيلو مترات، وأثناء عودة جلالته مر بمضارب القبيلة وشرَّف شيوخها وأعيانها، وقد سعد الجميع بلقاء جلالته الذي أنعم عليهم بالهبات أسوة بعادة والده الموحد يرحمه الله. وبقي لهذه الزيارة عظيم الأثر في نفوس أبناء قبيلة بني عطية شيبًا وشبانًا.
معونة ملكية تقي القبيلة من الهلاك:
تعرضت منطقة تبوك إلى جفاف شديد عام ١٣٧٨ هـ هلكت الأنعام خلالها حتى سميت بسنة العظام لكثرة ما هلك من المواشي فيها، وقد ساءت حالة قبيلة بني عطية وازداد عدد أفراد القبيلة الذين اضطروا لقصد المدينة بحثًا عن أسباب الرزق وأذعن أغلبيتهم للاستيطان. وقد فطن الشيخ سليم أبو دميك لأوضاع القبيلة الصعبة وطلب العون من الله ثم مقام جلالة الملك سعود شارحًا ما حل بهم من حاجة وعوز، وكانت هذه الظروف شبه شاملة لمناطق المملكة فصدر أمر الملك بصرف معونة لقبيلة بني عطية والقبائل المجاورة، واستمر صرفها لمدة سنتين من المواد الغذائية والملابس وكانت هذه المعونة بمثابة الغيث أنقذ الله بها كثيرًا من الأسر من الفناء، وعندما توقفت كرر الشيخ كريّم الرجاء للملك مفيدًا أن الأحوال لا زالت صعبة فأمر الملك ثانية بصرف المعونة نقدًا وقد ساعد ذلك كثيرًا من الأسر على إقامة مساكن مؤقتة من الدشم ليقوا أبناءهم حر الصيف وبرد الشتاء.
وكما هو معروف فإن الكوارث تخلق المعجزات فقد تحمل أبناء القبيلة ما حدث وأذعن غالبيتهم للتوطن وانطلق التغيير الاجتماعي إذ بدأوا بطرق أبواب التعليم الذي هو مدخل الرقي والتحضر، وكافح الرجال والتحقوا بالوظائف الحكومية وأخذوا يعملون في عروض التجارة واستمرت أوضاعهم في التحسن وثبت للشيخ سليم أبو دميك والشيخ كريِّم بن عطية -رحمهما الله- أنهما كانا محقين عندما توجها إلى الرياض عام ١٣٤٢ هـ لمبايعة الملك عبد العزيز (طيب الله ثراه) باسم هذه القبيلة