← Ансаб

Ансаб · id 897

موسوعة القبائل العربية

محمد سليمان الطيب

Полный текст (10 849 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

لا معنا منهم لا حجا ولا دراء … إلا شخص العين قبأ نقودها قَلِيبنَا غَزِيرَة الجَمّ عَيْلَم … ما يَنْشِدُونَ صدُورها من ورُودها طُولها ثمانِ مع ثمانِ مع أربع … قِبلِي (وَاسط) في مَلاوِي نفودِها وهي قَلِيبِ بِحَدّ الحَاذْ من الغضَا … مَا دَارَها الزَّرَّاع يَبذِر امدُودها ألفَيْنْ بيْتِ نازلِينٍ جِبَاهَا … والفَين بَيتٍ بالمضامِي ترُودها تَخَالَفُوا في يَوم تِسعِين لحيَهْ … على شَان وقفَ الاجنبِي في نُفُودها دارٍ لِنا ما هي دَارٍ لِغيرنا … تِحِدَّها الرَّملَة لِمَوَارد عدُودها قلت: هنا ملاحظة هامة، إذ إن قبول الزعبيون في الحجاز التحدي مع حاكم مكة نابع من أنهم في مكانة وشرف نسب تعادل حاكم مكة، فهم من نفس أرومته حسنيون من آل البيت، إذ لا تجرؤ قبيلة من العرب من سُلَيم أو غيرها وتقوم بتحدي حاكم مكة، حيث إن قبائل العرب جميعا في هذا الوقت كانت تحمل له الطاعة والاحترام لشرف نسبه. ولو أن زعب ليست من الاشراف الهاشميين ما سوَّلت لهم أنفسهم الوقوف في وجه حاكم مكة الشريف الهاشمي المُطاع من الورى، فقد اعتبروا أن من العار عليهم وهم من أهل البيت وقدوة للبشر أن يتركوا جارهم الحربي فريسة لحاكم مكة حتى ولو كان من نفس أرومتهم، وإن أي قبيلة خلاف زعب الهاشمية ما كانت لتقبل الفناء والشتات في سبيل (حماية نياق جارهم) مع حاكم البلاد والعباد وقتئذ، ولكن زعب في موقفها هذا تستند على نسب عتيد من آل البيت الهاشمي، وترى لذلك أنها أهلا لمقارعة الشريف في مكة ورد ظلمه مهما كانت النتيجة ولم تهادن أو تلن لها قناة كما عُرف أو كما عرفنا في ملحمة زعب التي خلدتها بنت ابن غافل الزعبية في قصيدتها المشهورة كما تقدم ذكرها، تلك القصيدة التي حفظها أهل الجزيرة والشام حاضرة وبادية، وقد ذكرت تلك الحروب الضارية بين

стр. 1507

زعب وبين قوات حاكم مكة والتي كانت من نتائج هذه الحروب هو فناء الكثير من فرسان زعب، ومن ثم انتقال هذه القبيلة من الحجاز موطن أجدادها إلى أماكن متفرقة من الجزيرة العربية، ثم انتشار فروع من زعب في نجد وشرق جزيرة العرب، في المملكة العربية السعودية، حيث إن تمركزهم في المنطقة الشرقية السعودية، في ديار قبيلة رعب الحسي وفيها مركز الإمارة، وامليحة، وأبرقيه، وقصوان، وهي من أعمال الدمام، كما توجد فروع من قبيلة زعب في الدمام، والخفجي، والنعيرية، والخبر، والظهران، ورأس تنورة، وإبقيق، والإحساء، وحرض، كما يوجد فروع أخرى من أبناء هذه القبيلة في الرياض، والخرج، والطائف وغيرها من مدن وقرى المملكة العربية السعودية المترامية الأطراف، ثم في دول الخليج العربي مثل الكويت وقطر والبحرين وغيرها، كما نزح كثير من أبناء قبيلة زعب إلى بلاد الشام في سوريا والأردن ولبنان وفلسطين، وكذلك إلى العراق وتركيا وغيرها. وهم منتشرون في عدة مناطق من بلاد الشام، ففي سوريا بحوران، ودرعا وحمص، وتدمر، وفي عدة قرى منها قرية عندان بحلب، وقرية المسيفرة، والطيبة، وقرى دير البُخت، والرحبة من أطراف بلاد الشام وغيرها، وفي الأردن بالرمثا، وإربد، والسلط، وجبل عجلون، وجرش، ومادبا، وفي عدة قرى منها: الشجرة والذنيبة، وخرجا، وحريما، ونحلة، والكورة، وكفر الماء، وجُفين وعلَّان، وأم العمد وغيرها، وفي لبنان بطرابلس الشام، وعكار، وفي عدة قرى منها العتيقة، ومشيلحة، وعندقت، وحيزون، وفي فلسطين بالناصرة وقراها، في يافا، وحيفا، وطوباس، وغيرها، وفي العراق في عانة وحديثة وغيرها من المدن والقرى العراقية، وفي تركيا وغيرها. أما عن الزعوب (الزعبية) المتواجدون في بلاد الشام (سوريا ولبنان والأردن وفلسطين) منذ أن نزحوا من الجزيرة العربية إلى هذه البلدان فقد تكاثروا وانتشرت

стр. 1508

فروعهم في هذه البلاد العربية، ولم يعتر نسبهم في أرومة الأشراف أي التباس وقد سُجِّل نسبهم في نقابات الأشراف من عهود قديمة في طرابلس الشام وغيرها (من عهد دولتي المماليك والأتراك العثمانيين). وقد تبوأ أبناء قبيلة زعب في الشام مكانة مرموقة وبرز دورهم عند سلاطين العثمانين على مدى عدة قرون (إبان الحكم العثماني)، وقد مُنحوا الامتيازات من المعافاة من الضرائب والرسوم س إلى الإعفاء من التجنيد في الجيش العثماني بجانب التمتع بحصص كبيرة من الأوقاف (العقارات والأراضي الزراعية الخصبة) خلاف الإنعامات السلطانية من إسطنبول على العديد من شيوخهم. كما برز رجالات من زعب (الزعبية) في بلدان الشام وخاصة سوريا والأردن ولبنان وذلك في عهد الأتراك يصعب حصرهم، وقد تولى بعضهم رئاسة نقابة السادة الأشراف في طرابلس الشام وهي المركز الرئيسي لهم. وتطبيقا لقاعدة أن الناس مأمونون على أنسابهم فمن الظلم الفادح أن نسير وراء نصوص قليلة متناقضة أكثرها غلب عليه التصحيف مع وجود نصوص أخرى ضدها هي الأكثر والأوثق كما تقدم ذكره. وعن زغب (بكسر الزاي وسكون الغين المعجمة وفي آخرها باء موحدة) فهي بطن مشهور من العهد الجاهلي من بني سُلَيم ارتحلوا إلى مصر ثم إلى شمالي إفريقيا (بلاد المغرب) مع من ارتحل من بطون سُلَيم في القرن الخامس الهجري، وقد ذكر العلَّامة عبد الرحمن بن خلدون والمقريزي أن زغب بن مالك بن سُلَيْم كانوا بين الحرمين فصاروا إلى إفريقيا في جوار إخوانهم بني ذباب بن مالك، ثم صاروا في جوار بني هيب من سُلَيم في برقة. كما ذكرت قبيلة زغب في الجزيرة العربية في بعض المخطوطات لمؤرخي نجد، وهم البقية من هذه القبيلة السُّلَمية في بلادها الأصلية.

стр. 1509

أما عن زعب الهاشمية (بالعين المهملة) في الجزيرة العربية، فهي قبيلة متماسكة حافظت على اسمها وهي أقل عددًا؛ لأنها تكونت في عهد الإسلام، أي بدأ تكوينها في القرن السادس الهجري، خلاف قبيلة زغب (بالغين المعجمة) من سُلَيْم التي تكونت منذ الجاهلية وقبل الإسلام بعدة قرون، وبالطبع تكون سلالتها أكبر وأغزر، وهو ما قد تبين لنا من سياق نصوص ابن خلدون الذي رأى هذه القبائل وعاينها. وخلاصة القول أنه بعد التمحيص والتحقيق للعديد من النصوص الواردة في كتب النسب الموثقة لكبار النسابين والمؤرخين وبعد الاطلاع على العديد من المشجرات والوثائق التاريخية الكافية عن قبيلة زعب (بالعين المهملة) فقد ثبت أن هذه القبيلة العريقة المتواجدة في المملكة العربية السعودية في الجزيرة العربية وبلاد الخليج العربي وبلاد الشام والعراق وتركيا وغيرها هي من السادة الأشراف روحا ودما، ومن ذرية الشيخ الإمام عبد القادر الجيلاني من سلالة الإمام السبط الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄ من بني هاشم من قريش من العدنانية. ومما يجدر به أن نوضح أن الجد الأعلى لقبيلة رعب هو الشريف علي نور الدين الزعبي ومنه اشتقت الاسم، ولا توجد قبيلة متشابهة معها في الاسم قديمًا أو حديثًا في الوطن العربي، وسلسلة نسب الشريف علي نور الدين الزعبي، هو: الشريف علي نور الدين الزعبي وهو أول من لقب بالزعبي والجد الجامع للأشراف قبيلة زعب، وجاءت هذه التسمية نسبة له ومنه انحدرت هذه القبيلة وتكاثرت وانتشرت في أماكن متفرقة من الجزيرة العربية وبلاد الشام والعراق وتركيا وغيرها (وذريته يعرفون بزعب، الزعبية، آل الزعبي، الزعوب، الزعبيين) ابن عبد العزيز ابن شيخ الإسلام وإمام الحنابلة الشيخ الإمام عبد القادر الجيلاني الحسني بن موسى بن عبد الله بن يحيى الزاهد ابن محمد بن داود بن موسى الثاني ابن

стр. 1510

عبد الله أبي الكرام بن موسى الجون ابن عبد الله المحض ويقال له الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن السبط ابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وابن السيدة فاطمة الزهراء البتول بنت سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ونسب زعب المذكور ثابت ومشهور، وفي نقابات الأشراف مسطور وإلى قيام الساعة غير منكور. ولما سبق بعد أن زال الالتباس عن قبيلة زعب الحسنية الهاشمية القرشية في الجزيرة العربية وبلاد الشام، قررنا بقناعة تامة حذف السرد عن تاريخها ضمن قبائل سُلَيْم وسوف نذكرها من ضمن قبائل الأشراف الحسنيين - إن شاء الله تعالى - في مجلد آخر بالموسوعة سيخصص لهذا الغرض، والله من وراء القصد. وقد أوضحنا عن قبيلة زعب، وقمنا بإزالة الالتباس عن نسبها في كتابنا عن شيخ الإسلام إمام الحنابلة وتاج الأولياء الشيخ العلامة عبد القادر الجيلاني الحسني الهاشمي القرشي ﵁ (١).

стр. 1511

ما ذكره الكاتب والأديب السعودي عبد القدوس الأنصاري ﵀ في كتاب "بنو سُلَيم " (١) ديار بني سُلَيم الأصلية قال عبد القدوس الأنصاري: إذا أردنا أن نحدد الأماكن التي استوطنتها بنو سُلَيم - عبر التاريخ - قديمًا وحديثًا، فإن لنا أن نقول: أولًا - إن الموطن الأول لهم كان بأعالي الحجاز بينه وبن نجد، شرقي مدينة جدة الشمالي، وشرقي المدينة المنورة الجنوبي. وكانت بعض القبائل العربية هوازن - إخوة سُلَيْم -، ولحيان من هُذَيْل تجاورها. وكان استقرار سُلَيْم في هذا المكان في فترة الجاهلية الأخيرة القريبة من صدر الإسلام، وقد استمر مقامهم به حتى العصر الحاضر، مع تقلُّص في بعض المواقع، ولا تزال أسماء الكثير من أماكن هذه الرقعة في جبالها وأوديتها وقراها على ما كانت عليه قبل الإسلام. ثانيًا - في زمن - لا نستطيع تحديده الآن - انتقلت جالية أو أُسرٌ من بني سُلَيْم إلى الحيرة، في الشرق الشمالي من بلاد العرب، بأرض العراق، فقد ذكر اليعقوبي أن الحيرة هي من منازل آل بقيلة وغيرهم، وأن علية أهل الحيرة نصارى، منهم من قبائل العرب من (بني تميم) و (سُلَيم) و (طيئ) وغيرهم (١). ثالثًا - وفي فترة لا نستطيع تحديدها الآن حدث "تمدد" في منازل سُلَيْم الأصلية، فنزلوا شمالًا عنها وادي القِري وخبير وما حولها بمن حرار وجبال وأودية وقرى، منها منطقة مدائن صالح.

стр. 1512

وكون أصل موطن سُلَيْم شمال المدينة المنورة هو افتراض مني، سببه ما ذكرته آنفًا، وهو أمر يحتاج إلى مزيد من الدراسة الأثرية، والتنقيب في منطقة مدائن صالح شمال المدينة المنورة ومنطقة ديار سُلَيم جنوب شرقي المدينة المنورة. رابعًا - ازداد انتشارهم، فانفصل من انفصل منهم عن سكنى "الوطن الأمّ" دفعة واحدة وذلك حينما تدفَّقوا مع المجاهدين من العرب في سبيل الله، في خلافة عثمان بن عفان ﵁، وكانت وجهة هؤلاء المجاهدين فتوح شمال إفريقية ثم الأندلس، وقد استقر منهم جماعات هنالك بعد الفتوح وبعد استقرار الإسلام في شمال إفريقية وفي الأندلس (٢) مع إخوانهم الذين استوطنوا تلك الديار النائية. خامسًا - وحينما تم تأسيس مدينتي البصرة والكوفة قبل ذلك في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ رأينا جالية من بني سُلَيم تستقر هنالك .. وربما كان في أوائل من استقروا بالبلدتين الإسلاميتين الحديثتين المذكورتين من كان من بني سُلَيم مع المجاهدين في تلك الجهة، وقد استوطن فريق من بني سُلَيم المدينة ومكة أيضًا. وربما كانت لهم أسرٌ سابقة فيهما .. كما نرى أنه ربما يكون بعضهم دخل ديار نجد واتخذها مقرًّا له إذ ذاك. سادسًا - ثم ارتأت سياسة الدولة الأموية - في عهد هشام بن عبد الملك - أن تُرحِّل أُسرًا كاملة من بني سُلَيْم من ديارهم الأصلية إلى القطر المصري، لحفظ التوازن هناك بين شطري الشعب العربي: بني قحطان، وبني عدنان، فقد لاحظ

стр. 1513

له أمير القطر المصري رجحان الجانب القحطاني على العدناني في استيطان مصر. وقد نفذت هذه الخطة السياسية فعلًا بدقة متناهية، فقدَّمت لهم الدولة الأموية كل أسباب الاستقرار في مصر، ووفرت لِنْزَّاحهم إليها نفس الجو والبيئة والأعمال والحياة التي كانوا يعيشون فيها بموطنهم الأصلي، وبذلك ضمنت لهم الاستقرار في مصر، وربما كان وراء إجلاء هشام لبني سُلَيم من بلادهم هدف سياسي آخر ولعله منع تكتلهم في ديارهم لئلا يقوموا بعمل ليس من مصلحة الدولة. سابعًا - وحينما استفحل أمر القرامطة الملحدين واحتلوا بعض المدن والأقطار الإسلامية، حاملين معهم مبادئهم الهدَّامة، انضم اليهم بنو سُلَيم - سياسيا وحربيا، لا عقائديا - وذلك بغية اكتساب المغانم السياسية والحربية، وقد نص المؤرخون على أن السُّلَميين لم يعتنقوا مبادئ القرامطة إبان وجودهم معهم. ثامنًا - وعندما تم إجلاء القرامطة عن ديار الشام - عنوة - انكفئوا إلى البحرين، فانضمت إليهم سُلَيم ثانية، وحينما تسرب الوهن إلى القرامطة في البحرين احتل بنو سُلَيم البحرين كحكام، وأقاموا بها شبه حكم سُلَمي، ردحًا من الزمن، وربما لا تزال بقايا منهم هنالك اندمجت في بقية السكان. تاسعًا - أما في القطر المصري الذي اتخذوا - ناحية بلبيس - منه موطنًا في عهد هشام بن عبد الملك الأموي، فقد عَرَّفنا التاريخ بأنهم قاموا باستثمار الأراضي الخصبة التي مُنِحوها، وقاموا بتربية الخيل والإبل، وقاموا بالزراعة فيها، وأسهموا في الاقتصاد المصري بمجهوداتهم .. فلما لاح لهم النجاح وضمنوا الاستقرار، واستدعوا بعض بني عمومتهم من ديارهم الأصلية في هذه البلاد، وأوضحوا لهم ما ينعمون به من خير وافر، فوفدت إليهم أسر من بني عمومتهم، وشاركوهم فيما يضطربون فيه من عملٍ واستصلاح وتنمية موارد خاصة بهم، واستقروا معهم في مستقرهم بمصر. عاشرًا - وفي سنة ٤٤٠ هـ - ١٠٤٨ م دفعت (السياسة العُبيدية - الفاطمية -) الحاقدة على عامل العبيديين بإفريقية: المعز بن باديس الذي خلع طاعتهم، ومال

стр. 1514

إلى العباسيين في بغداد - دفعت تلك السياسة المحبوكة ببني سُلَيْم وأبناء عمومتهم بني هِلَال من هوازن إلى الهجرة الجماعية إلى شمال إفريقية من مصر بقضهم وقضيضهم، فتفذوا - حرفيًا - مخططات هذه السياسة، وطبقوا برامجها بكل دقة وتصميم .. والعربي صريح في ولائه وعدائه .. وقد نال شمال إفريقية منهم عنت بالغ فترة من الزمن، ولكنهم مع ذلك تمكنوا من نشر راية اللغة العربية في بلاد المغرب وإرساء قواعدها بين جماهير من البربر المسلمين. حادي عشر - وفي أوائل العصر الحديث رأينا جَوَاليَ سَلَميَّة تنزح عائدة من شمال إفريقية إلى مصر، التي سبق لها أن نزحت منها إلى شمال أفريقية في أواسط القرن الخامس الهجري، وقد استقرت - ثانية - هذه الجوالي في مصر واعتبرت من أهلها الأعراب، ولا يزالون مقيمين فيها حتى اليوم. تلك "خلاصة" وافية لمواطن بني سُلَيْم، ما كان أصليا وما كان فرعيا، في أقطار المعمورة وستأتي التفصيلات. ومن كل ما ذكر آنفا ندرك مدى نشاط هذه القبيلة التي وصفت منذ عهد الجاهلية بأنها قبيلة عظيمة من قبائل العرب العدنانية، فقد كانوا في الجاهلية والإسلام حركة قوية وذوي نشاط حربي واقتصادي واداري مرموق. في الجاهلية كانت العرب تُقدِّرهم وتُقدِّر شجاعتهم ومواهبهم، وتفيد من ثرائهم وثراء بلادهم، فتتاجر معهم وتشاركهم في استثمار مزارعهم وتجاراتهم ولذلك لا غرو أن نرى أفرادًا منهم ذوي مكانة بمكة وبغير مكة؛ ولذلك لا بدع أن نرى بعض رجالات العرب يُصهرون إليهم، ويسهمون معهم فيما يسهمون فيه من استثمار معادنهم الذهبية الثرية والإتجار بناتجها الثمين، وديارهم الأصلية في وسط بلاد العرب، ولكنها مع ذلك حصينة حصانة طبيعية، مما مكن لهم وأثل لهم المجد، ووقاهم إلى حد ما من استباحة حماهم، وكانت لهم خيول وافرة، والخيل خير مطايا الحرب في ذلك العهد وإلى عهد غير بعيد.

стр. 1515

وفي الإسلام كانوا حركة دائبة، ونشاطًا حربيا وإداريا متقدًا وذكاءً ولماحية، وقدرة على تحمُّل أعباء الحكم الذي يضطلعون به نتيجة تولية رعمائهم ورجالاتهم الحكم من قبل الخلافة في شرق وفي غرب، وقد بدأت تحركاتهم الجماعية في الإسلام، بأن قَدِمَ ألف منهم شاكي السلاح، جاءوا دفعة واحدة مسلمين إلى المصطفى ﷺ عقب فتح خيبر، بعد ما اقتنعوا بصدق الإسلام وبمزاياه الروحية والنفسية والمادية والدينية والدنيوية، وكانوا إذ ذاك مستعدين لخوض غِمار المعارك لنصرة دينهم الحق الذين دخلوا فيه زرافات عن إيمان واقتناع، وكان طليعة أعمالهم البطولية أن شاركوا بحماسة في فتح مكة، وكانت لهم رايتهم الحمراء وقوادهم الأبطال، وكان لدخولهم الجماعي في دين الإسلام، واقتحامهم ساحة الوغى تحت رايته الوضاءة - رنَّة فرح وغبطة لدى إخوانهم المسلمين، ودويٌ هائل في أنحاء شبه جزيرة العرب لدى المشركين، فقد كانوا معروفين بشدة البأس والمراس، وقوة الشكيمة وبالبطولة والإقدام. وحينما دعا داعي الفتوح الإسلامية إلى خارج الجزيرة كان السُّلَميون من أوائل من لَبَّى النداء، فأسهموا في فتح مصر وشمال إفريقية والأندلس، كما سرى نشاطهم الحربي إلى حروب الردة قبل ذلك في خلافة أبي بكر الصديق، فرأيناهم فريقين: فريقًا مرتدا يحارب المسلمين بعنف وضراوة، وفريقًا يحارب مرتديهم بعنف وضراوة، وأخيرًا، اتحد شملهم المتفرق تحت راية الإسلام. وفي حروب شرق الجزيرة بفارس كان السُّلَميون مع المجاهدين، وفي الفتوح بشمال العراق كانوا هناك أيضًا مع المجاهدين .. ويذكر المؤرخون أن "نصر بن حجاج" السُّلَمي الفتى الجميل الذي نفاه عمر بن الخطاب إلى البصرة حيث تقيم جالية سُلَمية من بني عمومته، حَنَّ إلى الجهاد فدخل في زمرة المجاهدين إلى الأراضي التي تقع بشمال العراق، وامتشق الحسام، فغسل ما قد يكون قد علق به من أوضار الشباب، وحينما أشِبَ - اختلط - الأمر على العرب المسلمين، واختلفوا أشد اختلاف وأمَرَّةُ فيمن هو أولى بمنصب الخلافة: أعبدُ الله بن الزبير بن العوام في مكة ﵄، أو مرشحوا بني أمية من الأمويين في دمشق؟ رأينا بني سُلَيْم العدنانيين ينحرفون عن حلفائهم الأمويين، ويرشحون للخلافة عبد الله

стр. 1516

ابن الزبير ويصرون على ذلك، وكانوا في ذلك ضد الكلبيين اليمانيين الذين كانوا إلى جانب خلافة بني أمية على طول الخط، وقد نشبت فيما بين الفريقين بعد مصاولات سياسية حامية - معركةُ "مرج راهط" الضاربة، وحدث أن هُزِم القيسيون ومنهم بنو سُلَيْم في هذه المعركة الاهلية، وانتصر عليهم الكلبيون انتصارًا حاسمًا، وهكذا تسلَّم "مرشحهم" الأموي منصب الخلافة، وكان نصيب مرشح القيسيين للخلافة: (عبد الله بن الزبير) ما هو معروف في التاريخ. ولم يُسَلم "السُّلَميون" بنتائج الهزيمة الساحقة، فسرعان ما استردوا اعتبارهم السياسي، وقد رأينا مِنْهُم مَن تُوليهم الخلافة الأموية المناصبَ الرفيعة في العهد الأموي، في مشرق ومغرب كما كانوا يولونها خصومهم السياسيين والحربيين المنتصرين في مرج راهط سواء بسواء. وقد رأينا فيما بَعْدُ من أنسال الجوالي السُّلَمية في مصر والشام والمغرب والأندلس من كان في مرتبة الإمامة في العلم. والحديث والفقه والدين، مثل الإمام الترمذي، والعز بن عبد السلام، وعبد الملك بن حبيب. ونعتقد أن بني سُلَيْم كانوا مع الجيوش الإسلامية التي غزت أوروبا، ولابد أن منهم من كان في جنوب إيطاليا وسويسرة مع الفاتحين، وكذلك شأنهم في حروب الشرق الأقصى، وفي حروب الهند والسند، وأرمينية وما وراءها. وفي عصرنا الحاضر رأينا منهم من كان في جيش الملك عبد العزيز آل سعود ﵀ على أثر الخلاف الذي نشب بينه وبين الإمام يحيى حميد الدين في اليمن. وبما تجدر الإشارة إليه ونحن في معرض هذا البحث، أن عشائر كبيرة من سُلَيم حافظت على البقاء في موطن أسلافهم بأعالي الحجاز، وفي نواحي خيبر ومدائن صالح، وليس بصحيح ما قرره ابن خلدون في كتابه (العبر)، من أنه لم تبق باقية من بني سُلَيْم في ديارهم الأصلية في زمن ابن خلدون، وقد رأينا ابن خلدون نفسه ينقض ذلك، فثبت ما نفاه أولًا، ويذكر أنه بقى منهم أناس في

стр. 1517

موطنهم الأول يقطعون الطريق على الحجيج! وقد رأينا القلقشندي يعتمد على ابن خلدون فيقع في الغلط الذي وقع فيه من اعتمده. وجدير بالذكر أيضًا أن نقرر بصفة إجمالية هنا أن بني سُلَيْم الجنوبيين المقيمين بجبال السراة بمنطقة عسير والذين ربما انتشر بعضهم إلى اليمن، ليسوا من بني سُلَيْم الشماليين في قبيل ولادبير، من قبائل زهران فأولئك أزديون قحطانيون، وهؤلاء قيسيون عدنانيون. وكل ما في الأمر أن جامعة العروبة والإسلام تجمع الجانبين معًا. تحديد ديار سُلَيْم الأصلية: يبدو لي أن تحديد ديار بني سُلَيْم الأولى يقتضي سعة نظر، فحدود بلادهم هذه مَرِنَةٌ مطاطة، تتسع وتضيق حسب الظروف والأحوال الاجتماعية السائدة لديهم ولدى من يجاورهم ويُصاليهم من العرب المماثلين. ومن أوائل من قدَّموا لنا تحديدًا واضحًا لديارهم، الحسن الهمداني .. قال: (فمن وادي القِرَى إلى خيبر إلى شرقي المدينة، إلى حد الجبلين، إلى ما ينتهي إلى الحرَّة: حرة بني سُلَيْم - لا يخالطهم إلا صِرَمٌ - جماعات - من الأنصار سيّارةُ، وقد يحالون طيئا) (١). وعند الهمداني أن "السوارقية" و"صُفينة" داخلتان في ديار بني سُلَيْم (٢) .. وقد تغير ذلك فيما بعد في العصور المتأخرة فقد حدثنا محمد بن بليهيد - وهو مؤرخ ورحالة سعودي معاصر - بأن "السوارقية" و"صُفينة" تغلِّبت عليها بنو عبد الله بن غَطَفان، كما تغلَّبت على جميع الحِرار بهما (٣). وقدمت لنا "دائرة المعارف الإسلامية" تعريفًا لديارهم فضفاضًا حينما قالت: "وتقوم منازل سُلَيْم على طول حدود نجد والحجار، ويتاخمها من الشمال أرض المدينة، ومن الجنوب أرض مكة، وكان جيرانها من الشرق قبيلتي غَطَفان، وهَوَارِن بن منصور، وهما من بني عمومتها من قيس عيلان.

стр. 1518

وأضافت إلى ذلك وصف ديارهم بالرخاء الوافر حتى نهاية العهد الأموي، فقد كانت مركز تعدين وتلال (وتلالًا) حافلة بالغابات، وواحات استغلت استغلالًا حكيمًا رشيدًا". وجعلت "الرَّبذة" من هذه الواحات، وكذلك "فِرّان" و"معدن البُرَم" وصفينة وسوارقية (السوارقية) وغيرها، وقالت: إن واحة سوارقية (السوارقية) تمتد مرحلة عدة أيام؟، وهي عامرة بأشجار الموز والرمان والأعناب، ناهيك بأحراج النخيل. وتحدثت عن خصائص بلاد سُلَيْم فقالت: إنها كانت تملك المصادر المعدنية، وتشرف على الطريق الموصل إلى المدينة، وينفذ منها من يريد بلوغ نجد والخليج الفارسي (الخليج الحربي). وأضافت أن كثيرًا من الأُسَرِ المكية تحالفت مع سُلَيْم، واشتركت معها في استغلال ثروات البلاد الزراعية والمعدنية، وأهم ثرواتها المعدنية هي - هو - الذهب والفضة، وقد استؤنف النشاط في ناحية التعدين بسُلَيم في خلافة أبي بكر، واستمر استغلال مناجمها في عهد الأمويين، وكانت موردا له قيمته من موارد الدولة. ووصفت بني سُلَيْم بأنهم كانوا يملكون جيادًا كثيرة، ويُعَدُّ ذلك آية من آيات النعيم الأخرى في الصحراء (١). وجاء في كتاب عرَّام السُّلَمي ما يؤيد رأي دائرة المعارف الإسلامية من ناحية امتلاكهم لكثير من الجياد وغير ذلك قال: (ولهم خيل وإبل وشاء كثير) .. وأضاف قوله: (وهم بادية إلا من ولد بها، فإنهم ثابتون بها، والآخرون بادون حواليها، ويميرون طريق الحجاز ونجد في طريقي الحاج) (٢). ومنازل بني سُلَيْم في رأي الدكتور جواد علي: "تقع في مواطن حِرار، ذات مياه ومعادن، عرفت بمعدن سُلَيْم، وكانوا يجاورون عشائر غَطَفان، وهَوَازِن، وهُذَيْل، وخَثْعم، وثَقْيف، وقد صارت سُلَيْم من القبائل الغنية بسب خيرات أرضهم ووقوعها في مَنطقة مهمة تهيمن على طرق التجارة. وقال: إن صلاتها

стр. 1519

كانت حسنة ببلاد يثرب، كما كانت صلاتُها وثيقة بقريش، وقد تحالف عدد كبير من رجالات مكة مع بني سُلَيْم، واشتغلوا معهم في الاستفادة من المعادن والثروة في أرض سُلَيْم (١). وهذا الذي يقوله جواد علي، لا يخرج عما ورد في دائرة المعارف الإسلامية. حسب ما ذكرناه آنفا. وسيرد في الفصل الذي عقدناه بعنوان: (أمراء ومحتسبون وفرسان وقادة وولاة وموظفون من بني سُلَيْم) سيرد الحديثُ عن (قيس بن خُزاعي السُّلَمي) الذي ذكرت رواية أجنبية اسمه ووصفته بأنه شخصية عربية مرموقة، وبأن نظر القيصر وقع عليه فاختاره عاملًا على قبائل معد كلها، وأنَّ حكمه كان على أرض فلسطين، فهل انتقلت قبيلة سُلَيْم آنذاك فحكمتها تحت رعاية قيصر الروم؟ ويذكر لنا الأمير شكيب أرسلان منازل بني سُلَيْم فيقول: (ومن منازلهم حرَّة سُلَيْم، وحرَّة النار، بين وادي القِرَى وتيماء (٢)). تلك التحديدات متعددة متقاربة لبلاد بني سُلَيْم في العهد القديم، تناقلها الرُّواة والمؤرخون بحسب عهودهم أو عهود سبقت عهودهم. أما تحديد ديارهم الحاضرة، فيختلف عما سلف، ويبدو لي أنها تقلَّصت عما كانت عليه فيما مضى، حسب الظروف والحروب والأحوال الاجتماعية والاقتصادية السائدة لدى عرب المنطقة، فقد وصفها لنا كل من (حسين بن هندي السُّلَمي) رئيس قرية الكامل أمِّ قرى بني سُلَيْم ومركز الأمارة فيها الآن، و (عبيد بن محمد السُّلَمي) الموظف بشركة الزيت العربية الأمريكية بجُدَّة، حسب ما يأتي: قال حسين بن هندي: يحد بلادَ بني سُلَيْم الآن من ناحية الشرق: الْقَرَى - بفتح القاف والراء المهملة - وهي حرَّة مرتفعة يسيل منها الماء إلى الغرب والشرق معًا.

стр. 1520

ومن ناحية الغرب: الخُوَار. ومن ناحية الجنوب: رُهاط. ومن ناحية الشمال: جبالُ الحقو، بشَمال وادي تمرة الواقع شمال وادي ستارة. وأضاف حسين بن هندي السُّلَمي أيضًا: إن أرضهم الآن لا تقل طولًا: عن ثلاثمائة كيلو مترًا تقريبًا من الجنوب إلى الشمال، وعرضًا: لا تقل عن مائتي كيلو متر، من الشرق إلى الغرب تقريبًا. أما عُبَيْدُ بن محمد السُّلَمي، فإنه يقول: يحد بلادَنا غربًا: وادي حُلَيْفَة. وشرقًا: رأس الْقَرَى على جبل شمنصير. وجنوبًا: وادي رُهاط. وشمالًا: واديي ستارة، وذَرَة. والتعريفان غير متباعدين، وقد أيد لي ذلك مبارك بن عبد التواب السُّلَمي. وكان الشريف شرف عبد المحسن البركاتي المكي حدد بلاد بني سُلَيْم بقوله: "تلي جنوبًا منازل قبيلة بني عبد الله المشهورة بمُطَيْر". وكان قد حد منازل مُطيْر بأنها: "تقع في الشرق شمالًا، وتمتد إلى نجد" (١). وبلاد بني سُلَيْم قسمان: قسم طبعِيٌّ، وقسم صنعي. والقسم الطَّبِعي منها يشمل الحِرَار، والجبال، والمنابع، والمعادن، والأودية. والقسم الصنُّعيُّ يشمل: القُرى، والحصون، والحدائق، والحقول، والعيون، والآبار، والعمارات، والآثار. وفيما يلي بيانٌ واستعراض للقسم الطبعي من تلك الديار، بالقدر الذي توصلنا إليه:

стр. 1521

فأولًا - الحِرَارُ (*): (حرَّة بني سُلَيْم) .. يقول عنها الحسن الهمداني: "وعرض حرَّة بني سُلَيْم ثلاثة وعشرون جزءًا ونصف" (١). وحرَّة بني سُلَيْم تحت قاع النَّقيع، وفيها رياض وقيعان، ويدفع ذلك في النقيع. وقال الهجري في تحديد حرَّة بني سُلَيْم: (تبتدئ هذه الحرَّة من ذات عِرق ورهاط، ثم تنقطع حبس عوال، وراء تَيْب، إلى قرب الطرف: المنزل الذي قبل المدينة، وتليها حرَّة ليلى وتنقطع بجنفاء من ضغن عدنة وخيبر بحرَّة النار). وقال الثعالبي: (حرَّة النار) لبني سُلَيْم، وتسمى أم صبَّار، وفيها معدن الدهنج وهو حجر أخضر يُحْفَرُ عنه كسائر المعادن، وهو في عالية نجد. ومن حِرَارِهم: (حرةُ الحذرِيَّة). وعد ابن خلدون حرَّة النار من حِرارهم (٢)، و (منيحة)، وهي لجسر من قُضاعة وبني سُلَيْم. وثانيًا - الجبال: من جبال بني سُلَيْم: (برْمة)، قال عنه البكري أنه: موضع مذكور محدد في رسم بلاكث، وبمراجعتنا لمادة بلاكث وجدناه يقول ما ملخصه: (بلاكث موضعان، فبلاكث الواحدة بين المر وشبكة الدوم قرب برمة فوق خيبر عن طريق مصر، وهي عرض من أعراض المدينة، وبلاكث الأخرى بين عنزة ومدين، وكلاهما على طريق مصر) (مادة بلاكث في معجم ما استعجم). ومن جبالهم: (ثَرْوان) أو (ثَرْواء)، وجبل (النِّمار)، وجبل (واهب)، وجبل (شمنصير)، وكنت قد كتبت عنه قبل أحد عشر عامًا فقلت: "وأشهر جبال وادي ساية: جبل شمنصير الذي لا يزال محتفظًا باسمه العربي التاريخي (٣) "، وعن جبل

стр. 1522

شمنصير يقول عرَّام بن الأصبغ السُّلَمي: (هو جبل ململم، مستدير، مجموع بعضه إلى بعض، لم يَعْلُه قط أحد، ولا أدري ما على ذروته، بأعلاه القرود. ويقال: أن أكثر نباته النبع والشوحط، والمياه حواليه ينابيع، عليها النخيل والحماط). ويضيف قوله: ويطيف بشمنصير من القرى: قرية كبيرة يقال لها: "رُهاط" بضم الراء، وهي بوِادٍ يقال له: غُرَّان - بضم الغين المعجمة، وأنشد: فإن غُرانا بطن وادٍ أحبه … لساكنه عهد عليَّ وثيق وبغربيه قرية يقال لها الحديبية ليست بالكبيرة (١). وقد أخبرنا حسين بن هندي السُّلَمي، وعبيد بن محمد السُّلَمي بأن الناس الآن يرتقون ذروة جبل شمنصير، وقد رقاه أحدهما أو كلاهما كما علاه مبارك بن عبد التواب السُّلَمي فليس الأمر فيه على ما قال عرَّام بالنسبة لهذا إلزاما .. وأقول إذن: لربما كان عرَّام سمع هذا القول المبالغ فيه من بعض بني سُلَيْم في عصره، فنقله من غير أن يتحرى الواقع من غير الذي حدثه بهذا القول، وهذا للتوفيق بين قوله والواقع؛ لأنه إذا كان المعاصرون يرتقونه فإن الأولين بإمكانهم أن يرتقوه. هذا، وقد مر بنا أن قرية (رُهاط) تحد ديار بني سُلَيْم الآن جنوبًا، فيما اتفق عليه السُّلَميان المعاصران؛ حسين بن هندي، وعبيد بن محمد. وتسكن بجبل شمنصير الآن، ربيعةُ من سُلَيْم. وجبال (أُبْلى) منْ جبال سُلَيْم، وهي قريبة من صَمَةَ - بالتخفيف، وليس لها ماء، وإنما هي مفازة بين قرن وصمة (٢). وكذلك (عقر) هو جبل ضخم من جبالهم، يشرف على معادن الماوان، قبل الربذة بأميال لمن كان مُصعدًا، وهو جبل في ديار بني كلاب من عامر بن صعصعة من هوازن. و (صَمَةُ) جبال في ديار بني سُلَيْم، ليس لها ماء، وإنما هي مفازة أيضًا (٣).

стр. 1523

و (أروم) و (آرام) هما جبلان يقعاد في قِبْلَةِ الربذة بأرض بني سُلَيْم، والحفائر بناحيتها، قال الشاعر: ألا ليت شعري هل تَغَيَّرَ بعدنا … أروم وآرام فشابةُ والحضر و (شَرَوْرَى) من جبالهم وتسمى اليوم (شَرَوْرَة) بالتاء المربوطة، قال الأعشى السُّلَمي وكان حبِسَ بالمدينة: هاجك رَبْعٌ من شَروْرى ملبد وتقع جبال شرورى بين قران والثمال. و (ذَرَةُ) جبال كثيرة متصلة، ضعاضع - أي صغار، لا تسمى في ذَرَاها - أي في كِنَّها وظلها - المزارع والقرى، وهي لبني الحارث بن بُهْثَة بن سُلَيْم. و (هضيب القليب) جبل بناحية من بلاد سُلَيْم، وقال العامري: هضيب القليب نصف مع بني عامر من هوازن، والآخر لبني سُلَيْم حاجز فيما بيننا وبينهم. والقليب الذي ينسب إليه هَضيبٌ لهم - أي لبني سُلَيْم. و (اليعملة) جبال بها مياةٌ كثيرة، في واد يقال له: اليعملة، وهي في أرض بني سُلَيْم وناحية أرض مُحارب (١). ومياهها مشتركة بين الحيين، وبين الربذة واليعملة ثلاثة عشر ميلا. و (الشراة): جبل شامخ تأوي إليه القرود، وينْبتُ فيه الشوحط والنبع والقرظ، ويشترك فيه بنو ليث من كنانة وبنو ظفر من سُلَيْم، يقع دون عسفان في يسارها. و (الخريطة) تلي الشراة، وهي جبل صَلْدٌ أجرد، ومنه يُصْعَدُ إلى "ساية" وفيه قرى. و (جماجم أو حماحم، والوساء): جبال لبني سُلَيْم، وهي قِنَانٌ متصل بعضها ببعض. و (الكبوانة) متعشى يقع شمال المسلح يميل نحو الشرق بغرب حرَّة كشب وشرق حرَّة بني سُلَيْم.

стр. 1524

و (ذو الموقعة) جبل بحذاء (أبْلى) من شرقيها، وهو جبل معدن بني سُلَيْم، يكون فيه الأرْوَى كثير. وربما كانت كلمة (اللازورد) الواردة في معجم البلدان لياقوت الحموي - مُحرَّفة عن كلمة (الأروى). وقد نقل الأستاذ رشدي ملحس ﵀ في كتبه: (بحث المعادن) ما ورد في معجم البلدان وذلك الصفحة ٤٢ من الكتيب المذكور، باعتبار أن (ذا الموقعة) من جبال المعادن و (جبل ملحان) لسُلَيْم أيضًا وتنسب إليه معركة وقعت بينهم وبين غَطَفان. و (جبل ميطان) لسُلَيْم أيضًا، وتشاركها فيه مُزَيْنة، ويقع جبل ميطان حذاء شوران. و (الستار): جبل بالعالية هي ديار سُلَيْم. و (قنة الحجر) جبل غير شامخ، وهو بحذاء قرية الحِجْر الخاصة ببني سُلَيْم. و (شعر) بالفتح ممنوعًا: جبل لبني سُلَيْم أو بني كلاب من هوازن. ثالثًا - المياه: والمياه تشمل العيون، والنبوع، والآبار، والقلوت (١). فمن عيونهم: (عيون الحجْر). والحجر: اسم مشترك؛ كثرت التسمية به في بلاد العرب، والحِجر هنا قرية أو أرض بها مياه وعيون لبني سُلَيْم. ومن عيونهم: (عين النازية) وهي عين كانت بالصَّعْبِيَّة التي هي أرض واسعة، وهي ببن بني خُفَاف من سُلَيْم وبين الأنصار، فتضارَبوا فسدوها، وهي عين عذبة الماء وكثيرته، وقد قُتل ناس بسبب ذلك، وطلبها سلطان البلد مرارًا بالثمن الكثير فأبوا ذلك. ومن الغدران - (غدير الحواق)، وهو غدير في أصل جبل (الحَراس)، الذي هو جبل أسوَّد ليس به نبات حسن، والحواق هذا يمسك الماء من السماء كثيرًا، وهو لبني سُلَيْم.

стр. 1525

ومن مياههم: (صمة) - وهي ماء دون جبال صمة، في إقبالها. و (ماء الهَدَّار) هو ماء حِسي في جبل مغار، وهو يفور بماء كثير، ويقع في سبخ، بحذائه حاميتان سوداوان. و (الرَّفدةُ) ماءة ملحة في جوف إحدى الحرَّتين السوداوين اللتين بحذاء السبخ الذي يقع فيه حِسْيُ الهدَّار بوادي عريفطان، وعليها نخيلات وآجام - جمع أُجُم بضمتين - بمعنى الحصن يستظل فيهن المارُّ، وهي - أي الآجام - شبيهة بالقصور، وحواليها حموض وهي لبني سُلَيْم، وتقع على طريق زبيدة، يدعوه بنو سُلَيْم: "منقا أو مغار زبيدة". و (ألَيَةُ): ماء من مياه بني سُلَيْم، وقال البكريُ في محجمه: إنه موضع، قال الشاعر: كأنهمُ ما بين أليَةَ عدُوةً … وناصفةِ الغراءِ هديٌ محلل (١) و (مُبِهل): ماء لبني سُلَيْم، ومبهل الأجرد: واد لعبد الله بن غَطَفان (٢) فلعل مُبِهلًا الذي هو ماء لبني سُلَيْم خاص بهم دون بقية الوادي الذي هو لعبد الله بن غَطَفان. و (التويمة) ماء لبني سُلَيْم أيضًا (٣). و (سبي): ماءه لبني سُلَيْم كذلك (٤). و (المُريَرْ): من مياه بني سُلَيْم، قال الشاعر: هو "المُريَر" فاشربيه أو ذري … إن المرير قطعة من أخضر (٥) و (النَّقِيشَة): ماء لبني الشريد وبنو الشريد من سُلَيْم، قال الشاعر: خليليَّ قومًا في العلاليّ فانظرا … أبالخيم من وادي النقيشة حاضره؟ (٦)

стр. 1526

و (أُفيْعيةُ): منهل ماء يقع فوق (فران)، بينه وبين مكة، ويطؤه الطريق. و (قَلَهي) ماء أو موضع به ماء بينهم وبين مُزَينة، قال الشاعر: نحن بنو ذو التاج والقرم اللهَمْ … المانعين قلهي وهي طُمسَمْ ومن آبارهم: (بئر معونة) (١) و (ذو ساعدة) و (جماجم) أو (حماحم) و (الوسباء)، والوسباء قنان متصل بعضها ببعض والماء ماء لهم فيها، و (الشقيقة) أو (الشفيقة)، وهي بئر في أسفل ذي الموقعة الذي هو جبل معدن بني سُلَيْم من شرقيه، و (آبار الهدبيَّة) وهي ثلاث آبار ليس عليهن مزارع ولا نخل ولا شجر، و (آبار سوارق) - وتقع في وادي سوارق، وآبار (الصعيبة) وهي آبار ينزع عليها، وهي ماء عذب في أرض عذبة، و (ذات الغار): بئر عذبة كثيرة الماء تسقي بوادي سُلَيْم. قال عزيزة بن قطَّاب السُّلَمي: لقد رعتموني يوم ذي الغار روعة … بأخبار سوء، دونهن مشيبي نعيتم فتى قيس بن عيلان غدوة … وفارسها تنعونه لحبيب وتقع (بئر معونة) في أرض سُلَيْم، وأرض بني كلاب من عامر بن صعصعة (هوازن) بناحية المعدن - معدن بني سُلَيْم، ويقول الزمخشري: إنها تقع بين أرضي بني عامر بن صعصعة وحرَّة بني سُلَيْم (٢). و (آبار كُلَيَّة) - هي آبار على ظهر الطريق، وبهن يسمى وادي كلية (٣). و (المَسْلحُ) منهل لبني سُلَيْم. و (غمْرة) منهل فوق المسلح لبني سُلَيْم أيضًا، وغَمْرةُ تقع بوادٍ يقال له العقيق (٤). وأما (المعادن) فمنها: (معدن بُحرْان)، وبحران: موضع بناحية الفرع، وكان هذا المعدن مِلْكًا للحجاج بن علاط البهزي السُّلَمي الصحابي، وهو معدن ذهب.

стр. 1527

و (فِرَانُ) هو معدن ذهب أيضًا لبني سُلَيْم ويقع بحذاء السليلة، وإذا كان هو ما يعرف لدينا الآن بمهد الذهب، فيكون قد أعيد فتحه واستغلاله في عهد الملك عبد العزيز آل سعود، وقد استخرج منه كميات من الذهب فعلًا، ثم أغلق، لما ظهر من أن إنتاجه غير تجاري. وكلمة (المهد) وردت في تاريخ بني سُلَيْم عَلَمًا على حصن لهم يقع في (جَبَلَة) إحدى قراهم الأثرية المهمة، روى لنا البشاري ذلك (١). و (المهد) - بفتح الميم وسكون الهاء - بمعنى الأرض، وبضم الميم وسكون الهاء: النَّشْزُ من الأرض أو ما انخفض منها في سهولة واستواء، وإذا تذكرنا ما قالته دائرة المعارف الإسلامية من أن في بلاد بني سُلَيْم تلالًا فيها الغابات، وأن بها منخفضات، وأن المهد بمعنى الأرض - أدركنا صحة إطلاقهم المهد على بعض أنحاء بلادهم. ويقول ياقوت في معجم البلدان: إن معدن (فِران) منسوب إلى فران بن بلِّي بن عمرو بن الحاف بن قُضَاعْة، نزلت على بني سُلَيْم، فدخلوا فيهم وصاروا منهم. ويقع معدن فران على طريق نجد، وسماه السمهودي: معدن بني سُلَيْم، ويقال له معدن فران، به قرية كبيرة بطريق نجد بها بِركٌ وآبار على مائة ميل من المدينة (٢). وتغيير أسماء أمكنة بلاد العرب سُنَّةٌ متبعة من قديم ومن حديث، فقد غيروا اسم العِرْض بالجرفِ في القديم، وغيروا اسم وادي ساية بوادي وبح في الحديث. وأما (الأودية) فمنها (وادي كُلية)، وهو وادٍ بالقرب من خُليص، وبه نحو سبع عيون، على كل عين قرية. وكان بيد سُلَيْم قَبل انكماش ديارهم وتقلصهم. يقول القلقشندي: إنه "قد خرب من مدة قريبة بعد الثمانين والسبعمائة. ويقول عرَّام بن الأصبغ السلمي عن كُليَّة: هو وادٍ يأتيك أيضًا من شمنصير وذَرَةَ، وكل

стр. 1528

هذه الأودية تنبت الأراك والمرخ - وهو شجر المُقل - والنخل، وليس هناك جبال (١). ووادي كُليَّة: سنة ١٣٩٠ هـ - ١٩٧٠ - ١٩٧١ م عامر وهو واد بالقرب من خُليص به نحو سبع عيون، ومعنى ذلك أنه عمر بعد خراب. وَقد جاء في "صبح الأعشى" للقلقشندي أن هذا الوادي كان بيد سُلَيْم وقد خرب من مدة قريبة بعد ٧٨٠ هـ (٢) ولعل من أسباب عمرانه في الوقت الحاضر انقطاع غارات الأعراب على بعضهم، واستتباب الأمن، فانصرفت البادية وتمكن أهل الريف منهم، من الانصراف إلى قضاء مصالحهم، واصلاح مزارعهم وقراهم، بدلًا من التناحر وتبادل الغزو، ولسنا ندري متى بدأ عمرانه الحالي. ومن أوديتهم: (وادي ساية) المعروف في كتب الأدب باسم: (وادي أَمَج) على وزن (أمَدٍ)، ويطلق عليه بنو سُلَيْم اليوم اسم وادي وِبْحٍ على وزن (عِلْمٍ) ولم نجد اسم (وِبح) هذا فيما لدينا من المراجع. وصف ياقوت الحموي وادي ساية فقال: "ساية اسم واد من حدود الحجاز، وهو واد بين حاميتين، وهما حرَّتان سوداوان، بهما قرى كثيرة مسماة، وطرق من نواح كثيرة". وربما كانت تسمية السُّلَميين له بوادي وبح، من باب المجاز المرسل أي تسمية المحل باسم الحال فيه، وذلك أن بطنًا منهم بهذا الاسم يقيم الآن في هذا الوادي، وتوجد قرية من قرى جبل آرة تسمى لديهم (وبعان). ومن أوديتهم (وادي لَحْف) بفتح اللام وسكون الحاء المهملة - وهو وادي كل من جبَلة والسِّتارة، واسم هذا الوادي: "لحف" على وزن (زحف) قديم ذكره عرَّام السُّلَمي، وقال عنه: "وبه عيون" (٣). و (وادي رخيم)، وبه قريتان هما: (القعْر) و (الشرْع)، وبأسفله قرية يقال لها

стр. 1529

(ضرعاء) بها قصور ومنبر وحصو، تشارك فيها هُذَيْلٌ، وعامر بن صعصعة من هوازن، وبني الحارث بن بُهْثَة السُّلَميين (١). و (وادي غُران) على وزن (غُراب)، وتقع قرية رُهاط في هذا الوادي حيث قال الشاعر: فإنَّ غُرانًا بطنُ واد أحبه … لساكنه عهدٌ عليَّ وثيق و (وادي تَضمُري) يعتبر من أهم فروع وادي ستارة. و (وادي النَّقيع) من منازل بني سُلَيْم. وقد حمى رسول الله ﷺ النقيع لخيل المسلمين وركابهم، وكان النقيع شديد الخصب ريَّان، ويبتدئ من بُرَام. و (وادي روذ) أو (ذو روذ) - من أودية بني سُلَيْم (٢). و (وادي ذات رفرف) من أوديتهم أيضًا. و (وادي الغِرنق) من أوديتهم كذلك، وقال ياقوت إنه: موضع بالحجار. و (الِلِّوى) من أوديتهم. ويقابل (وادي الستارة) في ديار بني سُلَيْم، وادي ساية، وعلى كل منهما قرى ومزارع، واسم وادي الستارة: (لَحْفٌ) على وزن (عَرْفِ)، ومر بنا أن وادي ساية يطلق عليه الآن اسم وادي (وبح)، وبوادي لحف عيون، وفيه قرية جَبَلة الأثرية التي وصفتها المراجع بأنها من أقدم القرى. وينقسم وادي الستارة اليوم إلى نصفين: نصف أعلى لبني سُلَيْم، ونصف أسفل لحرب، الأعلى هو الذي بالجهة الشرقية، والأسفل هو الذي بالجهة الغربية. ومن أوديتهم: وادي (حَقْلٍ) على وزن (عَقلٍ) وهو من منازلهم، وهو واد كثير العشب، قال العباس بن مرداس السُّلَمي:

стр. 1530

وما روضة من روض حقل تمتعت … عرارًا وطبَّاقًا ونخلًا توائما (١) و"حقل" اسم مشترك يُطلق على أماكن في بلاد العرب، فهو من هذه الناحية مثل (الحِجْر). ونلاحظ أن العباس بن مرداس جمع في أبياته التالية بين وادي حقل بديار سُلَيْم، ووادي حقل باليمن، وقال العباس هذه الأبيات في رثاء أخيه الذي قتلته خولان في نواحي صعدة بأرض اليمن: فمن مُبلِّغ عوف بن عمرٍو، رسالة … ويَعْلى بن سعد من ثَؤورٍ يراسله بأني سأرمي "الحقل" يومًا بغارة … لها منكب حافٍ تُدوي زلازله أقام بدور الغور في شرِّ منزل … وخَليَّ بياض "الحقل" تُزهى خمائله فعلى ما أفادنا به ياقوت: إن (الحقل) الأول في الأبيات المتقدمة هو (حقل صعدة) باليمن، الذي قُتل فيه أخو العباس بن مِرْداس السُّلَمي وقد تهدد أهله قاتلي أخيه بغارة شعواء لا تبقي ولا تذر .. فهل نفذ وعيده؟ والحقل الثاني في الأبيات هو: (حقل بني سُلَيْم) ذو الخمائل النضرة، الذي غادره أخوه القتيل وذهب لسوء حظه إلى حقل اليمن حيث لاقى حتفه. وفي حقل اليمن يقول الشاعر ابن الدمينة الخثعمي: وأشتاق للبرق اليماني إذا غدا … وأزداد شوقًا أن تهب جَنُوبُ وبالحقل من صنعاء كان مطافها … كذوبًا، وأهوال المقام كذوبُ ويقول الأستاذ محمد عبد الحميد مرداد: "حقل" يُطلق على قرية بها نخيل ومياه وبساتين، وهو بقرب أيلة خليج العقبة، تحت نفوذ المملكة العربية السعودية، بينه وبين أيلة مسافة قليلة، وكانت حقل ساحلًا لتيماء قديمًا، كما أثبته الكلبي.

стр. 1531

وكان لعزة صاحبة كثُير، بستان في هذه القرية، وأشار كثُير إلى ذلك بقوله من قصيدة: سقى دمنتين لم نجد لهما أهلا … بحقل لكم يا عزُّ قد زانتا حقلا وكان بهذه القرية علماء وفقهاء، منهم: (ابن أَعين الحقلي) مولى نافع ﵀، كما حققه ياقوت الحموي ﵀ (١). فهل (حقل) الوادي الذي كان من منازل سُلَيْم، وهو بقرب هذا الساحل؟ أو هو واد يصب في الساحل، أو هو غيرهما؟ أسئلة تحتاج الإجابة عليها إلى مزيد من التحقق العميق، على أن التاريخ قد ذكر لنا أن قيس بن خُزاعي السُّلَمي قد تأامر لقيصر على فلسطين. و (ذو رُولان) وادٍ عال لبني سُلَيْم، فيه قرى كثيرة تنبت النخيل، ويقال أيضًا: (ذو وِرْلان) بكسر الواو المتقدمة على الراء، على ما ورد في كتاب (معجم ما استعجم) للبكري، والوِرْلانُ: جمع وَرَلِ بالتحريك، وهو دابة على خلقة الضَّبِ إلا أنه أعظم منه (٢). و (وادي مَرْخ) هذا الوادي السُّلَمي قد استُصلح أخيرًا وحفرت به الآبار، وركبت عليها المضخات الرافعة للمياه من الأعماق، ويرى محمد بن صامل العليَّاني السُّلَمي - وهو معاصر - أنه ربما كان وادي مرخ هذا هو الذي عناه الحطيئة في قصيدته "الرائية" التي قدم بها أعذاره لعمر بن الخطاب حيال ما اقترفه من هجو بعض كرام الناس، ليعفو عنه، وليطلق سراحه من السجن، يقول الحطيئة العبسي يخاطب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: ماذا تقول لأفراخ بذي مَرَخٍ … زُغبِ الحواصل لا ماء ولا شجر ألْقَيتَ كاسبهم في قعر مظلمة … فاغفر عليك سلام الله ياعمر وقد ظهر لي بعد التأمل والمراجعة أن - ذا مرخ - الذي يقصده الحطيئة في أبياته السالف ذكرها من الراجح أن يكون غير (وادي مرخ) أحد أودية بني سُلَيْم، فما أكثر "اشتراك" أمكنة العرب في الأسماء وذلك للأسباب التالية:

стр. 1532

أولًا - إن حديث ياقوت في التعريف بـ "مرخ" لا يخلو من اضطراب وعدم تركيز، فقد جزم في مستهل كلامه بأنه "ذو مرَخٍ" بتحريك الراء، وبأنه وادٍ بين فدك والوابشية، خَضِرٌ نَضِرٌ كثير الشجر، ثم عاد عن هذا الرأي وشكك فيه، حيث قال بعد ذلك: "وقال الحفصي في كتابه: الخارجة قرية لبني يربوع باليمامة، وفيها يمر (ذو مرخ) وفيها يقول الحطيئة - وذكر البيت المتقدم: (ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ)، وأخيرًا نرى ياقوتًا يعرض عن كلا الرأيين وينبه على خطأ روايتهما أصلًا فيقول: (والرواية المشهورة: (بذي أمر) وذو أمر، فيما يظن ياقوت هو واد قرب فدك، وهو نفسه ذو مرخ. ثانيًا - إن وادي مرخ بديار بني سُلَيْم لم تكن قبله (ذو)، على أنه من الجائز أنها حذفت لكثرة الاستعمال. ثالثًا - إن ياقوتًا أورد في "معجم البلدان" أن (ذا مرخ) هو واد باليمن، واستشهد عليه بقول الشاعر: من كان أمسى بذي مرخ وساكنه … قرير عين، لقد أصبحتُ مشتاقًا أرى بعينيَّ نحو الشرق كل ضحى … دأب المقيد مَنَّى النفس إطلاقًا ويبدو أن هذا اسم واد آخر، فهو من ناحية الاشتراك في الاسم شبيه باسم (حقل)، وقال كُثير في (ذي المرخ) الآخر: بعزة هاج الشوق فالدمع سافح … مغانٍ ورسمٌ قد تقادم ما صح بذي المرخ من ودانَ غير رسمها … ضروب النوى ثم اعتقتها البوارح و (ودَّان) بلدة قرب الأبواء سكنها الصعب بن جثَّامة الوداني. وذو المرخ هذا قال عنه ياقوت: (قالوا في شرحه: ذو المرخ، من الحوراء، وهو في ساحل البحر قرب ينبع، والحوراء خارجة عن ديار بني سُلَيْم، فهي في ساحل البحر قرب ينبع. رابعًا - ومما يجعلنا نميل إلى أن "مرخًا" ليس في ديار بني سُلَيْم، أن البكريَّ في "معجم ما استعجم" يقول في مادة (مرخ): ذو المرخ - بفتح أوله وإسكان

стр. 1533

ثانيه، بعده خاء معجمة - موضع كثير شجر المرخ ينسب إليه، وهو مذكور محدد في رسم (حورة) فانظره هناك، ويقول في مادة (حورة): هذا الموضع فيه قُتل هاشم بن حرملة المُرِّي من غطفان، ومعاوية بن عمرو السُّلَمي، "ولية" موضع هناك فيه قبر معاوية بن عمرو السُّلَمي"، ثم يقول: "ثم غزا صخر السُّلَمي (أخو معاوية والخنساء) بني مُرَّة، وهو يوم (حورة الثاني) فأصاب منهم، وقَتل دريدَ بن حرملة، وقد قال نصيب في حورة والمرخ: عفا منقل من أهله فنقيب … فسرح اللوى من ساهر فمريب فذو المرخ أقوى فالبراق كأنها … بحورة لم يحلل بهن عريب خامسًا - يقول الحفصي: إن مرخًا لبني يربوع من تميم باليمامة، وفيها يمر ذو مرخ - أي الوادي - وفيها يقول الحطيئة: ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ (البيت) سادسًا - جاء في شرح ديوان الحطيئة لابن السكيت والسكري والسجستاني، (تحقيق نعمان طه) تعقيبًا على ما نقله ياقوت عن الحفصي: (ولعله أصاب، فإن أولاد الحطيئة كانوا حين أُتي به، في ديار غطفان، وفزارة) (١)، ومن هذا النص يستبين لنا أن "ذا مرخ" الذي عناه الحطيئة، يقع في ديار غطفان وفزارة، لا في ديار بني سُلَيْم، لأنه نصَّ على أنهم يقيمون بذي مرخ ساعة تقديمه قصيدته لعمر، وذو مرخ هذا في ديار غطفان وفزارة، وذلك على ما نص عليه شراح ديوانه المذكورون. ويقع وادي ساية الذي هو وادي أمج قديمًا، ووادي وبح حديثًا - بين حرار سود، ويشق قرية الكامل نصفين على ما شاهدناه في رحلتنا إلى ديار بني سُلَيْم، ويذهب إلى خُليص غربًا، فيروي خُليصًا، ثم يصب في البحر الأحمر - بحر القلزم، ومن هذا ندرك أن مدينة جُدة تفيد من مياه سيول وادي ساية في شرب سكانها، وأن وادي خُليص امتداد لوادي ساية. ويأتي وادي ساية من شرق (رأس القَرَى) بفتح القاف والراء بعدها ألف مقصورة - فالكامل وطوله نحو (٣٠٠) كيلو متر على ما قيل لنا.

стр. 1534

ويهبط وادي ساية من قنن حرَّة (بِثن) ومن سفوحها إلى قرية الكامل، ويفصل بين الحِرار والوادي، ومسيله عريض جدا، وهو قوي الجريان لأنه يهبط من أعالي الجبال، وقد خدَّد الأرض التي يجري فيها وهي حزَنٌ تخديدًا عميقًا، يجعل سير السيارات الكبيرة ذوات العجلات العالية الضخمة فيها في منتهى الصعوبة، أما السيارات الصغيرة فلا تستطيع السير في هذه الأرض المخددة المملوءة بالحجارة الصغيرة المستديرة التي تنطلق إذا ما وطئتها عجلاتها كالقذائف الصاروخية إلى السيارة، والتي تكون تلالًا ممتدة على طول الوادي وعرضه، مما يجعل إشادة جسور ضخام فوق مجرى الوادي، هذا أمر مهم جدًّا لتأمين اتصال سكان ديار بني سُلَيْم بمدن المملكة التي تقع جنوبًا عنها كجدة ومكة، ولتأمين تطور العمران وتقدمه لديهم. وبالجانب الشرقي من وادي وبح، ومن جوانب قرية الكامل معًا توجد سلسلة جبال ضعاضع - صغار - غير شامخة، وفي سفح أقربها إلى حدائق نخيل قرية الكامل يوجد نبع ماء فياض، وهو عذب زلال صاف، أحيط من قديم ببركة حجرية حمراء اللون، وقد عملت لها فتحتان، فتحة يدخل الماء إليها من النبع القادم من ناحية جبل شمنصير، وفتحة ثانية لخروج الماء الوارد وصرفه في حدائق النخيل المجاورة ومصالح أهل القرية. عمران ديار بني سُلَيْم: أما وقد انتهينا من استعراض القسم الطَّبَعي من ديار بني سُلَيْم الأصلية، فها نحن أولاء نستعرض القسم الآخر الذي هو "العمران" بأوسع معانيه (١) وهو الذي صنعه بنو سُلَيْم أو صُنع لهم حسب ما لدينا من معلومات ومصادر، وهذا القسم يتمثل في "القرى" و "المنازل". فمن القرى (قرية الكامل)، ولست أدري ولا يدري من سألتُهم بن السُّلَميين متى استحدث هذا الاسم لهذه القرية التي هي الآن أم قرى بني سُلَيْم، ومركز

стр. 1535

الإمارة ودوائر الحكومة السعودية؛ بل ولست أدري ولا يدري من سألتهم منهم متى أنشئت هذه القرية؛ ولا من الذي أنشأها على وجه التحقيق المركز؟، قال لي ضيف الله بن هندي السُّلَمي: ربما تكون هذه القرية هي (خيف ذي القبر) الذي يقول فيه عرَّام بن الأصبغ السُّلَمي: (وأسفل من ذلك - أي أسفل من خيف سلَّام أحد أغنياء الأنصار - خيف ذي القبر وليس به منبر، (ربما يقصد جامعًا ذا منبر تُصلَّى فيه الجمعة) لهان كان آهلًا وبه نخل كثير وموز وسكانه بنو مسروح وسعد وكِنانة وتجارٌ ألقاق، وماؤه فُقرٌ وعيون تخرج من ضفتي الوادي كلتيهما، وبقبر أحمد بن الرضا سُميَ خيف ذي القبر، وهو مشهور به (١). وبصرف النظر عن صحة وجود قبر أحمد بن الرضا به أو عدمها، وبصرف النظر عن كون اسمه (محمدًا) أو (أحمد) فإن هذا الاسم قد زال من الوجود ولم يعد معروفًا به هذا المكان أو غيره، وربما لو أجريت أحافير أثرية شاملة لجميع المنطقة لبرزت أسرار وحقائق مذهلة، على أنه من باب الاستنتاج غير المؤكد أقول: ربما كان اسم (الكامل) اسمًا لشخص معروف لدى الأوائل، نسبت القرية إليه فقيل عنها: (قرية الكامل) وبتوالي السنين، وبسبب الأمية المنتشرة هناك والفتن الدائرة والاضطرابات والقلاقل التي كانت تتوالى أعاصيرها على هذه المنطقة عبر القرون نسيَ السكان الاسم المنسوبة إليه القرية، وبقي الاسم عالقًا بالألسنة وحدها حتى اليوم، وربما لو درست "الوثائق" الموجودة لدى بني سُلَيْم دراسة وافية لظهر ما يفتح الطريق المسدود أمام البحث العلمي الذي به يُتوصل إلى معرفة سر هذا الاسم وتاريخه، وربما لو اطلعنا على مراجع أخرى ربما كتبها بعض رجال بني سُلَيْم في عهود انفتاحهم على العلم، لظهر لنا ما هو خفي عنا من أشياء كثيرة، منها سر تسمية القرية هذه بقرية الكامل، وموقع خيف ذي القبر لأنه حقيقة ثابتة إذ تحدث عنه بكل صراحة، عرَّام بن الأصبغ السُّلَمي في كتابه، فهو إذن خيف معروف مسكون في زمنه، مُسمَّى بهذ الاسم المجهولة لدينا حقيقته اليوم. ونذكر بالمناسبة أن (أشرس بن عبد الله السُّلَمي) قد ولي نيسابور سنة ١٠٩ هـ، وتوفي

стр. 1536

سنة ١١٢ هـ - ٧٣٠ م (١) كان يُلقَّب بالكامل، وعصره ليس بعيدًا جدًّا عن عصر عرَّام السُّلَمي، فإن عرَّامًا توفي سنة ٢٧٥ هـ - ٨٨٨ م، فليس بين وفاتيهما سوى نحو قرن ونصف القرن، ولست أدري: هل لأشرس الكامل علاقة باسم (قرية الكامل) وببنائها أم لا؟ وقرية الكامل كما شاهدتُها في ربيع الثاني سنة ١٣٩٠ هـ - الموافق ليونية ١٩٧٠ م، هي ذات خيف كبير مجاور لها من النخيل الباسقة الريَّانة الغارقة في مياه النبع المجاور لها، وإضافة إلى ذلك نقول: إن أرض قرية الكامل قريبة المياه، وفيها آبار جوفية ليست بعيدة عن سطح الأرض، وهي غزيرة عذبة المياه، وقيل لنا إنها لا تخلو من بعوض "الأنوفيل" ناقل حُمَّى البرْداء: (الملاريا) إلى السكان، وقد ارتوينا من ماء العين ومن ماءَ البئر، فلم نُصب بأذى ولله الحمد مدة مكثنا بقرية الكامل الذي كان يومًا إلا نحو خمس ساعات، وماء النبع بقرية الكامل متدفق إلى بركته الحجرية بقوة ودويَّ. وتقوم قرية الكامل على سفح جُبيل (المُجمر) وهو جبل ليس شامخًا، قائم هنالك، نحاسي اللون، أجرد، صلد الحجارة، حجارته من نوع حجارة الحِرار. وتوجد المستنقعات الكبيرة الرتيبة في داخل حدائق النخيل، حتى في الصيف الحار الذي قدمنا فيه إلى هذه القرية (٢). ويسكن قريةَ "الكامل" من بني سُلَيْم في الوقت الحاضر، وما قبله إلى أمد لا نعلمه - بنو نوالٍ - السُّلَميون وهي مقر أمير منطقة الكامل المنصوب من قبل الحكومة العربية السعودية، ومركز الشرطة، ومركز هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفيها مركز للبريد واللاسلكي، ومدرسة ابتدائية ومتوسطة للبنين، ومستوضف، ومحكمة شرعية.

стр. 1537

وأقرب قرى بني سُلَيْم الآن إلى عسفان قريةُ الكامل، وكان في عسفان - بزمن عرَّام السُّلَمي - والٍ خاص، وذلك لأهميتها الاقتصادية، وربما الاجتماعية أيضًا، ولا ندري ما إذا كانت ولايته تنسحب على منطقة بني سُلَيْم كلها أو بعضها، أو لا تنسحب. ومباني قرية الكامل الآن، ذات طرازين: طراز قديم ساذج، وهو عبارة عن مبان متواضعة بالحجر الدبش، وهي من طبقة واحدة، ساذجة التقسيمات الداخلية، وأكثرها متداع، وهي ما بين منازل ودكاكين ومساجد صغيرة، وطراز حديث مبني بالأسمنت المسلح، وقد بني به مسجد القرية الحديث بجوار مسجدها المتداعي، وأكثر ما استعمل هذا اللون من العمارات في الجزء الحديث الشمالي من قرية الكامل المبني على أكمة جبلية غير شديدة الارتفاع، ومن هذا اللون الحديث البناء هنالك مباني الإمارة والشرطة والصحة. والمباني القديمة مُبَيَّضٌ داخلها وخارجها بالنورة البلدية، وهنالك بيت مبني على هذه الطريقة، ولكن ظاهره قد زُخرف بالأصباغ المختلفة: أبيض وأصفر وأحمر وأزرق، وكل لون في مربعات منسجمة ومتداخلة بصفة فنية مع بقية مربعات الألوان الأخرى .. وهو أيضًا من دورٍ واحد، وربما لم يكن به سوى غرفتين أو ثلاث، وليس بين حجارة البناء القديم بقرية الكامل ملاطٌ، هو من نوع البناء بالرضم المتلاصقة حجارته مباشرة، بأن يُرصَّ بعضها فوق بعض بوضع محكم ثابت، على ما رأيناه في منطقة الباحة بمنطقة عسير في العام ذاته، ولعل ميل الجانبين إلى هذا اللون البسيط القوي الساذج يعود إلى عدة أمور منها سهولة جعل الحجارة مطابقة ملساء مستعرضة لديهم، وهناك مبانٍ بقرية الكامل قديمة الطراز أيضًا لكنها مبنية بالحجارة (الدبش) السود وبالطين وقد بُيِّضَ ظاهرها أيضًا بالنورة البلدية. وفي قرية الكامل، وبالقسم الشمالي المستحدث البعيد نوعًا ما وأكثر عن مجرى وادي وبح أو وادي ساية أو وادي أمج، شاهدنا طرازًا فريدًا من البناء الخشبي المجرَّد من الحجارة والطين والأسمنت أيضًا، في مقهى صاحبُه "مُنعِم السُّلَمي" وهو أخو ناعم السُّلَمي صاحب المقهى الحجري بعسفان على جانب

стр. 1538

الطريق المسفلت، وهذا المقهى بقرية الكامل سقفه من الخشب وهو مزدوج سقف خشبيٌ فوق سقف خشبي، وبين السقفين فتحة واسعة أوجدها صاحب المقهى، ليتسرب منها السموم اللافح في فصل القيظ الكاوي، فيدخل من أي جهة شاء إليها ليخرج منها من الجهة المقابلة، بحيث يُسمع دويه ورفيره وشهيقه المزعج وحده، وتذهب حرارته معه من داخل الفتحة إلى خارج المقهى، وهكذا يبقى المقهى في حالة متوسطة من الحرور بحيث لا يؤذي كثيرًا حرور الفصل الملتهب مَن يكون بداخل المقهى حتى في ساعات هيجان السموم المتقد وإلهابه لجو القرية بأجمعه، وقد نصبت عُمدٌ من أنابيب الحديد للمقهى لتحمل سقفيه بقوة واحتمال، أما فرش المقهى فهي من حصير سعف النخيل المنسوج محليا، وهو ناعم أملس ولطيف وأبيض ناصع البياض. ومقهى "مُنْعِم" السُّلَمي تتمثل فيه بعض مظاهر التطور الحديث، فهو يُضاء ليلًا بالكهرباء المنبثقة من ماكينة خاصة جلبها. لهذا الغرض، وفيه ثلاجة يُوقد عليها بالغار، وهو على نَشْزٍ من الأرض ملتصق بالجبيل الذي يسنده شمالًا منه، وفي هذا المقهى موقف للسيارات الكبيرة القادمة من جُدة ومن مكة إلى ديار سُلَيْم، والذاهبة من ديارهم إلى مكة وجدة، وهذه السيارات تنقل أمتعتهم والمنتجات الزراعية وما أشبه بالأجرة. وشباب قرية الكامل يمارسون لعبة كرة القدم في الأصائل، بالْبَرَاح الذي يقع بين منطقة المنشآت الحكومية الحديثة وشاطئ وادي ساية. وقد بدأ التعليم ينشط في سُلَيْم، ففي مدارس بلادهم وفي غيرها من مدارس الحكومة في المملكة كثيرون من أبنائهم متعلمين ومعلمين، حتى إن بعض كبارهم شغفوا بالتعليم فدخلوا المدارس الليلية لمحو الأمية عن الكبار. ومن قرى بني سُلَيْم الباقية منذ القدم على حالها واسمها قرية (مَهَايِع) على وزن (مَجَامِع)، ويصف لنا (مؤرخ بني سُلَيْم) عرَّام بن الأصبْغ السُّلَمي هذه القرية القديمة بقوله: "وهي قرية كبيرة غناء، بها ناس كثير، وبها منبر - أي جامع تُصَلَّى فيه الجمعة - ووالٍ ينتابه من قبل صاحب المدينة، وفيها نخل ومزارع، وموز ورمان

стр. 1539

وعنب، وأصلها لولد علي بن أبي طالب ﵁، وفيها من أفناء الناس - ألوانهم - وتجار من كل بلد" (١). ويدلنا على عدم "وحدة" الإدارة الحكومية في منطقة بني سُلَيْم في العهد العباسي أو بعضه الذي كان يعيش فيه عرَّام السُّلَمي، ما سجل لنا عنه من أن لعسفان القريبة من قرية خيف ذي القبر صوب الجنوب واليًا خاصًّا، وأن خيف ذي النعم بأسفل خيف ذي القبر، كان تابعًا لوالي عسفان، وأن قرية مهايع القريبة جدا منهما، كانت تابعة لصاحب المدينة (٢). ولأهمية قرية مهايع نرى الْبَشَّاريَّ (محمد بن أحمد المقدسي) يُعْنَى بوصفها فيقول: (مهايع نظير جبلة على أودية ساية) (٣)، والبشاري رحَّالة عربي دقيق الوصف والملاحظات، وقد طاف بالبلاد الإسلامية وألَّف عن رحلاته إليها كتابه المعروف: (أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم) وعاش بعد عرَّام بواحد وخمسين عامًا. وتقع قرية مهايع بأسفل وادي ساية، في الشمال من قرية الكامل، وبمقربة منها. ومن قرى بني سُلَيْم في وادى ساية: (قرية الفارع) بأعلى وادي ساية، يقول عنها محمد بن صامل العَليَّاني السُّلَمي: (روى لنا ياقوت الحموي أن الفارع قرية في أعلى وادي ساية، وما زالت تعرف بهذا الاسم إلى اليوم، ويها مدرسة ابتدائية) وينقل لنا محمد بن صامل قول ياقوت: (إن فيها - أي في الفارع - تجارًا من كل بلد) ويُعلِّق عليه بقوله: (ولا يزال فيها كثير من الحضارمة يمتهنون التجارة، وغيرهم من عشائر حرب الذين امتزجوا مع سكان هذه المنطقة). ونُعلِّق على تعليقه من ناحية المراجع، بأن عرَّامًا السُّلَمي كان قد سبق ياقوتًا إلى التعريف بقرية الفارع، حيث قال عنها: (فأعلاها - أعلى قرى وادي ساية -

стр. 1540

قرية يقال لها الفارع بها نخيل كثير، وسكانها من كل أفناء (ألوانِ) الناس، ومياهها عيون تجري تحت الأرض، فُقُرٌ كلها) (١). وهناك قرى أخرى في وادي ساية: (شَوان، والسبعان، والمضحاة، والمثناة، وخيف الجنة، وخيف السرحان، وخيف الزاجة، وخيف الزاجر، وخيف العقلة، وخيف العرقبة، وخيف اللصب)، وبهذه القرى بساتين النخيل والمزارع التي تثمر الفواكه من موز ورمان وعنب، وكلها تسقى من الآبار (٢). ومن قراهم في وادي ستارة: (قرية جَبَلَة) على ورن (عَربَة)، وجبلةُ من الأسماء المشتركة ببلاد العرب، وفي جبلة السُّلمية يقول عرَّام الأصبغ السُّلَمي: (ويطيف بذَرَةَ، قرية من القري التي يقال لها جبلة في غربيه، ويزعمون أن جبلة أول قرية اتُخذت بتهامة، وبجبلة حصون منكرة مبنية بالصخر لا يرومها أحد) (٣)، وقال عن ذَرَة: ذرةُ هي: جبال كثيرة ضعاضع ليست بشوامخ، في ذَرَاها المزارع والقرى، وهي لبني الحارث بن بُهْثَة بن سُلَيْم، وزروعها أعْذَاء، ويسمون الأعْذَاء: الْعثَرِيَّ، وهو الذي لا يُسقى، وفيها مدر وأكثرها عمود، ولهم عيون (ماء) في صخور لا يمكنهم أن يُجْروُها إلى حيث يننفعون (٤). ويصف (جَبَلَة) المواطنُ السُّلَمي المعاصر محمد بن صامل العليَّاني بقوله: (إنها تقوم على شعب منخفض ضيق يبعد عن قرية السُّلَيم بحوالي ستة كيلو مترات وتقوم به الأطم والحصون المتهدم بعضها فوق بعض، واكتشفت بها آبار عادية مطوية بالحجارة، ومياهها صالحة للشرب وهي نقية مائة بالمائة، والماء قريب من سطح الأرض، وفي موضع من شعبها يوجد الماء ظاهرًا على سطح الأرض، ولم يعهد أن غار في أيام القحط الشديدة، إذ تنضبُ العيون وتغور المياه في الآبار العميقة ويبقى هو على حاله)، ويقول: (وبحصون جبلة ومقبرتها الكبيرة التي تقدر بعشرات الآلاف من الأمتار آثار كثيرة منها الكتابية، وما عُثر عليه منها حتى الآن كله إسلامي، إذ تبدأ ببسم الله، والحمد لله، وشهد الله وهو خير الشاهدين،

стр. 1541

وقد أُخذ منها كثير من الحجارة الأثرية المشار إليها، ومن بينها حجر الشاهد الذي أخذه مبارك بن عبد التواب من مقبرتها، وأتَى به إلى مدينة جدة حيث تمكن الأستاذ عبد القدوس الأنصاري من قراءته، ونشر عنه في كتابه: "بين التاريخ والآثار"، وكذلك وجدت بها جَرَّةٌ فخارية مملوءة بالعملة التي كانت مستعملة ومتداولة في وقتها، ومع الأسف الشديد لم أتمكن من الاطلاع عليها، وهي على ما وُصفت لي قطع معدنيَّة مستديرة ليست بذات أهمية اقتصادية، وإنما ترجع أهميتها إلى كونها تحدد شيئًا من معالم تلك المدينة المطمورة). وقد أبدى محمد بن صامل العليَّاني السُّلَمي أن جبلة الآن لا يسكنها إلا القليل من المزارعين الذين استصلحوا أرضها الزراعية، وهي مع ضيقها خصبة للغاية)، وقال: (إنها تقع على طريق الجادة المُسمى بدري الزائر، الذي يسلكه قديمًا زوار المدينة المنورة مشيًا على الأقدام قبل وجود السيارات والطرق المعبدة). وأضاف: (والمنطقة على العموم أثرية، وآثارها تنبئ عن عِظَم المنطقة وكثرة سكانها إبان اردهارها، والمدينة - جبلة - صناعية فقد تقدمت بها صناعة صقل المعادن وضرب السكة، ولا تخلو المنطقة المحيطة بها من المعادن والثروات الجوفية) (١). ومن قرى سُلَيْم أيضًا: (شعب القرية) أو (قرية الشعبة) وهي كما يظهر من اسمها موضع قرية قديمة مندرسة، لم يبق إلا رسومها وأطلالها، وبعض الأطم البسيطة والمتهدمة جوانبها وأطرافها، وآثارها كثيرة منها كتابات قديمة قد تكون عادية، ومنها صور لوحوش وحيوانات كانت في هذه المنطقة (٢). ومن قراهم المهمة حتى اليوم (قرية السُلَيم)، ويصفها محمد بن صامل العليَّاني بأنها كبيرة جدا، وبأن عينيها تسقيان حاليًا ما يزيد على عشرة آلاف نخلة؛ وقال: إن الأراضي البيضاء التي قصَّرت العين عن سقايتها أكبر من ذلك

стр. 1542

بكثير، وبها القصر الأثري العظيم المبْنيَّ بالحجارة، والبالغ ارتفاعه نخو أربعة أمتار، وهو مربع الشكل يبلغ طول كل ضلع منه سبعين مترًا، وبداخله ثلاثون حُجرة تتوسطها أرض فسيحة فيها بئر مطوية للشُّرب، ثم مَبْنىً يطوف على الغُرف وبه فتحات لفوهات البنادق، وليس له إلا مخرج واحد ذو ثلاثة أبواب، واحدٌ بعد الآخر، وهو في ربوة القرية ونزْلتها، وبالقرب منه آثار حصون قديمة عليها كثير من الكتابات الأثرية المنقوشة على الصخور، ويقابله في قرية الشعبة علي طرف الحرَّة حصنٌ عظيم البناء، صغير الحجم ليس به غُرف متعددة ولا ماء، وهو متهدم بقي منه الجانب المواجه له، وبالقربة أكثر من عشر مقابر بعضها مندرس مما يدل على كثرة سكانها قديمًا (١). ولست أدري (قرية السُلَيْم) هذه هي التي قال عنها عرَّام السُّلَمي: (ثم خيف السلَّام - بتشديد اللام وتخفيفها - والخيفُ ما كان مجنبًا عن طريق الماء يمينًا وشمالًا متسعًا، وفيه منبر، وناس كثير من خُزاعة، ومياهها فُقُرٌ أيضًا، وباديتها قليلة، وهي جُشَمُ وخزاعة وهذيل، وسلَّام هذا رجل من أغنياء هذا البلد من الأنصار (٢) وقد علق محقق كتاب عرَّام: الأستاذ عبد السلام محمد هارون على ما ذكر بقوله: ويقال -سلَام- بتخفيف اللام في قولٍ، ذكره ياقوت في رسم (لُوَيَّة). وبمراجعتنا لمادة (لوية) في معجم البلدان لياقوت وجدناه بقول: (لُوَيَّةُ): تصغير (لَيَّة) من لوى يلوي: موضع بالغور من قرب مكة دون بستان ابن عامر في طريق حج الكوفة كان قفراً - مقفراً - فلما حج الرشيد استحسن فضاءه فبنى عنده قصراً، وغرس نخلاً في خيف الخيل، وسماه «خيف السلام» وفيها يقول بعض الأعراب: خليليَّ مالي لا أرى بِـ «لُوَيَّةٍ» … ولا بفنا البستان نارا ولا سُكْنا تحمل جيراني ولم أدر أنهم … أرادوا وبالأ من «لُوَيَّةَ» أو طعنا أسائل عنهم كل ركب لقيته … وقد عْمِّيَت أخبار أوجههم عنَّا فلو كنتُ أدري أين أمُّوا تبعتُهم … ولكن سلام الله يتبعهم مناً ويا حسرتي في إثر «تُكْنَا» ولوعتي … وو اكبدي! قد فَتَّتَت كبدي «تُكْنَا»

стр. 1543

وقد لاحظت أن هناك "تباينًا" بين كلام عرَّام وكلام ياقوت في أصل "خيف السلام"، فعرَّام يقول: إنه منسوب إلى "سلام" رجل من الأنصار، وياقوت يقول: إنه اسم وضعه على الخيف بانيه وباني قصره: هارون الرشيد وسماه خيف السلام. وكل واحد من قرية جبلة والسُلَيْم وشعب القرية تقع في وادي ستارة، وكلها قريبة من خط الأسفلت السريع بين مكة والمدينة المنورة. وفي قرية السُّلَيْم أقيمت أوَّلُ مدرسة في ديار بني سُلَيْم، وبها قصر للإمارة، ومستوصف صحي. ومن قرى بني سُلَيْم في وادي ستارة: قرية الْبَرْهَميَّة، وقرية المخمرة، وقرية المُسَمَّاة، وقرية المديد، وقرية المعالي، وقرية الأبيار، وقَرية الدبيسية ذات البساتين الجميلة وحقول المزارع والخضروات. وبوادي ستارة ثلاث مدارس ابتدائية: نهارية وليلية. ويقدر سكان وادي ستارة بنحو عشرين ألف نسمة، ويعملون في الزراعة والرَّعْي. وكان أمير عامة بني سُلَيْم في أوائل العهد السعودي الحاضر: عبد الله بن يابس، وكانت إقامته بمكة المكرمة ومنها يدير شئون الإمارة، ولعله لبعد مقامه عن مكان إمارته لم يتمكن من إصلاح شؤونهم أو إدارتها على النحو المرضي، ثم أتبعَت منطقتهم لإمارة مدركة ردحًا من الزمن، إلى عام ١٣٧٥ هـ حيث أنشئت لهَم إمارة مستقلة بداخل منطقتهم. وتُعرف الآن ديار بني سُلَيْم رسميا بإمارة منطقة الكامل، نسبة إلى أكبر قرى وادي ساية؛ أقرب أوديتهم ومنازلهم إلى مدينتي جُدَّةَ ومكة. ومن قراهم: قرية الحجر، ذكرها القاموس المحيط في مادة (حجر). تقسيم حديث لديار بني سُلَيْم: أولا: منطقة وادي ساية، أقرب المناطق إلى مكة وجُدة، وفيها أكثر من أربعين قرية، وكثير من العيون والآبار التي تسقي حدائق النخيل؛ وتقدر نخيلها

стр. 1544

بنحو ١١٥ ألف نخلة، ويُقدَّر سكان وادي ساية بنحو ٣٠ ألف نسمة يشتغلون بالزراعة والتجارة، وتمور وادي ساية من أحسن التمور وهي بيضاء اللون يابسة. وتزرع في وادي ساية كافة الخضروات، وبه من الفواكه: الموز والليمون، وبوادي ساية ثلاثة فروع مملوءة بالقرى والمزارع وهي: وادي شوَان، ووادي الشبعان، ووادي وِبْح، وعاصمة منطقة بني سُلَيْم كلها الآن (قرية الكامل) كما قدمناه. ثانيًا - منطقة وادي ستارة: وادي ستارة وادِ طويل، ينبع من أواسط حرَّة بني سُلَيْم، ولكل جزء منه اسم يعرف به، ويعرف أسفلُ الوادي (بقُدَيدٍ على وزن عُمَير)، وفي ستارة أكثر من عشرين قرية، أسفلها قرية (الفُلَيتَة) وأعلاها قرية (البَرهَمِيَّة)، وأهمها الآن (قرية السُلَيم)، وهي مركز قرى وادي ستارة، وهناك قرى أخرى هي: قرية المخمَّرة، وقرية الفُروف، وقرية المُسَمَّاة، وقرية المعالى، وقرية الشعبة، وتقابل من الشمال قرية السُّنَيْم، وقرية الدبيسية بقرب قرية الشُّعبة، وقرية الأبيار، وقرية المديد. وفي قرية السُّلَيْم وحدها ما ينيف على عشرة آلاف نخلة، وقد تقاصرت عينها عن إرواء الأراضي البيضاء الواسعة هناك، فأصبحت هذه الأراضي الخصبة بورًا. وبقرية السُلَيم آثار مر ذكرها، ومن أهمها القصر الأثري المبني بالحجارة، وقد كنت قبل أن أطَّلع على ما أورده ياقوت الحموي عن بناء الرشيد في حجه قصرًا بأرض بني سُلَيْم سماه (خيف السلام) كنت قدَّرت وسخلت في مسوَّدة هذا الكتاب أن القصر الذي وصفه محمد بن صامل بقرية السُلَيْم قد يكون قصرًا بُني في عهد العباسيين، ثم أدخلت عليه تحسينات فيما بعد، ومنها هذه الفتحات لفوهات البنادق التي قدَّرتُ أنها - بدون ريب - مما وضع بعد عهد العباسيين في الزمن الذي استعملت فيه البنادق في الحروب، وذلك عهد جاء بعد انقضاء عهد العباسيين بعدة قرون. ثالثًا - منطقة ذَرَة: سبق أن عرَّفنا (ذَرَة) حسب ما أفادنا به عرَّام، وفي ذرة من الشجر: العفار، والقرظ، والطلح، والسدر، والنشم، والتألب. وتُعمل القسيُّ والسهام قديمًا من شجر النشم وهو خيطان لا ورق له، (ومعنى "الخوط" لغة: الغصن الناعم)، والإثرار له ورق الصعتر وشوك كشوك الرمان، ويقدح ناره إذا كان يابسًا فيقتدح سريعًا، والعفار وورده أبيض طيب الرائحة كأنه السوسن.

стр. 1545

رابعًا - (منطقة شمال المدينة المنورة) منها برْمةُ، قال معجم البلدان أنها من بلاد بني سُلَيْم وحددها ابن حبيب بأنها (عرض من أعراض المدينة قرب بلاكث بين خيبر ووادي القرى). هذا، ومما تحسن الإشارة إليه - تاريخيا واجتماعيا - أن الأمن والاطمئنان كانا مفقودين في ديار بني سُلَيْم قبل العهد السعودي الحاضر، فقد كان الاغتيال والقتال معتادين فيها لأسباب موجبة وغير موجبة، كما أن مرض حمى البرداء - الملاريا - منتشر فيها بكثرة، لكثرة المستنقعات المتكونة من كثرة مياه المنطقة وعدم تصريفها أو تعقيمها صحيا، كما أن الطرق إلى بلادهم وبداخلها كانت في منتهى الوعورة لأنها بين حِرار وجبال، وكانت الأمية سائدة في ربوعهم فلا مدارس ولا متعلمين ولا معلمين. وقد عُنيت الحكومة السعودية بإصلاح أحوالهم، فأزالت عوامل الفتن والشغب فيما بينهم وبين بعضهم، وفيما بينهم وبين جيرانهم، وعُنيت بالأسباب الصحية فأنشأت لهم مستوصفات صحية، وعبَّدت الطريق الرئيسي إلى بلادهم بالمداحل "الدركترات" حتى قرية الكامل، وفتحت لهم المدارس ليتعلم فيها أبناؤهم وكبار السن منهم، وأوجدت لديهم مقر شرطة لاستتباب الأمن، وكونت لهم إمارة خاصة بهم وفي منطقتهم، فساد الهدوء وانصرف الناس إلى ما يصلح شؤونهم ومعاشهم، وأنشأت لديهم هيئة الأمر بالمعروف تهديهم وترشدهم إلى ما فيه خير دينهم ودنياهم. وقد أعطانا شاعر بني سُلَيْم المعاصر: (محمد الجبرتي) صورة شعرية ناطقة لعدوان البعوض الناشئ والمتنامي من البرك والمستنقعات التي تُخلفها الأمطار والسيول والعيون - عليه، وذلك في قوله من الشعر العامي الملحون المعروف بـ "الحمينيّ" والنبطي: البارحَ الناموس سرى عليَّه … جاني بقواتُه وقومْ لظيَّهْ سهرانْ حتى الصُّبح توحي يَديَّهْ … وأصبحتْ من فعل النواميس سهران و (الناموس) هنا بمعنى (البعوض)، ومن لازمه البعوض طيلة ليلته فلا غرو أن لا ينام وأن يقلق للسعاته ولذعاته، ثم لا يأمن أن تزوره بعد ذلك حُمى
следующие страницы →