← Ансаб

Ансаб · id 897

موسوعة القبائل العربية

محمد سليمان الطيب

Полный текст (10 849 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

وقد أُخذ منها كثير من الحجارة الأثرية المشار إليها، ومن بينها حجر الشاهد الذي أخذه مبارك بن عبد التواب من مقبرتها، وأتَى به إلى مدينة جدة حيث تمكن الأستاذ عبد القدوس الأنصاري من قراءته، ونشر عنه في كتابه: "بين التاريخ والآثار"، وكذلك وجدت بها جَرَّةٌ فخارية مملوءة بالعملة التي كانت مستعملة ومتداولة في وقتها، ومع الأسف الشديد لم أتمكن من الاطلاع عليها، وهي على ما وُصفت لي قطع معدنيَّة مستديرة ليست بذات أهمية اقتصادية، وإنما ترجع أهميتها إلى كونها تحدد شيئًا من معالم تلك المدينة المطمورة). وقد أبدى محمد بن صامل العليَّاني السُّلَمي أن جبلة الآن لا يسكنها إلا القليل من المزارعين الذين استصلحوا أرضها الزراعية، وهي مع ضيقها خصبة للغاية)، وقال: (إنها تقع على طريق الجادة المُسمى بدري الزائر، الذي يسلكه قديمًا زوار المدينة المنورة مشيًا على الأقدام قبل وجود السيارات والطرق المعبدة). وأضاف: (والمنطقة على العموم أثرية، وآثارها تنبئ عن عِظَم المنطقة وكثرة سكانها إبان اردهارها، والمدينة - جبلة - صناعية فقد تقدمت بها صناعة صقل المعادن وضرب السكة، ولا تخلو المنطقة المحيطة بها من المعادن والثروات الجوفية) (١). ومن قرى سُلَيْم أيضًا: (شعب القرية) أو (قرية الشعبة) وهي كما يظهر من اسمها موضع قرية قديمة مندرسة، لم يبق إلا رسومها وأطلالها، وبعض الأطم البسيطة والمتهدمة جوانبها وأطرافها، وآثارها كثيرة منها كتابات قديمة قد تكون عادية، ومنها صور لوحوش وحيوانات كانت في هذه المنطقة (٢). ومن قراهم المهمة حتى اليوم (قرية السُلَيم)، ويصفها محمد بن صامل العليَّاني بأنها كبيرة جدا، وبأن عينيها تسقيان حاليًا ما يزيد على عشرة آلاف نخلة؛ وقال: إن الأراضي البيضاء التي قصَّرت العين عن سقايتها أكبر من ذلك

стр. 1542

بكثير، وبها القصر الأثري العظيم المبْنيَّ بالحجارة، والبالغ ارتفاعه نخو أربعة أمتار، وهو مربع الشكل يبلغ طول كل ضلع منه سبعين مترًا، وبداخله ثلاثون حُجرة تتوسطها أرض فسيحة فيها بئر مطوية للشُّرب، ثم مَبْنىً يطوف على الغُرف وبه فتحات لفوهات البنادق، وليس له إلا مخرج واحد ذو ثلاثة أبواب، واحدٌ بعد الآخر، وهو في ربوة القرية ونزْلتها، وبالقرب منه آثار حصون قديمة عليها كثير من الكتابات الأثرية المنقوشة على الصخور، ويقابله في قرية الشعبة علي طرف الحرَّة حصنٌ عظيم البناء، صغير الحجم ليس به غُرف متعددة ولا ماء، وهو متهدم بقي منه الجانب المواجه له، وبالقربة أكثر من عشر مقابر بعضها مندرس مما يدل على كثرة سكانها قديمًا (١). ولست أدري (قرية السُلَيْم) هذه هي التي قال عنها عرَّام السُّلَمي: (ثم خيف السلَّام - بتشديد اللام وتخفيفها - والخيفُ ما كان مجنبًا عن طريق الماء يمينًا وشمالًا متسعًا، وفيه منبر، وناس كثير من خُزاعة، ومياهها فُقُرٌ أيضًا، وباديتها قليلة، وهي جُشَمُ وخزاعة وهذيل، وسلَّام هذا رجل من أغنياء هذا البلد من الأنصار (٢) وقد علق محقق كتاب عرَّام: الأستاذ عبد السلام محمد هارون على ما ذكر بقوله: ويقال -سلَام- بتخفيف اللام في قولٍ، ذكره ياقوت في رسم (لُوَيَّة). وبمراجعتنا لمادة (لوية) في معجم البلدان لياقوت وجدناه بقول: (لُوَيَّةُ): تصغير (لَيَّة) من لوى يلوي: موضع بالغور من قرب مكة دون بستان ابن عامر في طريق حج الكوفة كان قفراً - مقفراً - فلما حج الرشيد استحسن فضاءه فبنى عنده قصراً، وغرس نخلاً في خيف الخيل، وسماه «خيف السلام» وفيها يقول بعض الأعراب: خليليَّ مالي لا أرى بِـ «لُوَيَّةٍ» … ولا بفنا البستان نارا ولا سُكْنا تحمل جيراني ولم أدر أنهم … أرادوا وبالأ من «لُوَيَّةَ» أو طعنا أسائل عنهم كل ركب لقيته … وقد عْمِّيَت أخبار أوجههم عنَّا فلو كنتُ أدري أين أمُّوا تبعتُهم … ولكن سلام الله يتبعهم مناً ويا حسرتي في إثر «تُكْنَا» ولوعتي … وو اكبدي! قد فَتَّتَت كبدي «تُكْنَا»

стр. 1543

وقد لاحظت أن هناك "تباينًا" بين كلام عرَّام وكلام ياقوت في أصل "خيف السلام"، فعرَّام يقول: إنه منسوب إلى "سلام" رجل من الأنصار، وياقوت يقول: إنه اسم وضعه على الخيف بانيه وباني قصره: هارون الرشيد وسماه خيف السلام. وكل واحد من قرية جبلة والسُلَيْم وشعب القرية تقع في وادي ستارة، وكلها قريبة من خط الأسفلت السريع بين مكة والمدينة المنورة. وفي قرية السُّلَيْم أقيمت أوَّلُ مدرسة في ديار بني سُلَيْم، وبها قصر للإمارة، ومستوصف صحي. ومن قرى بني سُلَيْم في وادي ستارة: قرية الْبَرْهَميَّة، وقرية المخمرة، وقرية المُسَمَّاة، وقرية المديد، وقرية المعالي، وقرية الأبيار، وقَرية الدبيسية ذات البساتين الجميلة وحقول المزارع والخضروات. وبوادي ستارة ثلاث مدارس ابتدائية: نهارية وليلية. ويقدر سكان وادي ستارة بنحو عشرين ألف نسمة، ويعملون في الزراعة والرَّعْي. وكان أمير عامة بني سُلَيْم في أوائل العهد السعودي الحاضر: عبد الله بن يابس، وكانت إقامته بمكة المكرمة ومنها يدير شئون الإمارة، ولعله لبعد مقامه عن مكان إمارته لم يتمكن من إصلاح شؤونهم أو إدارتها على النحو المرضي، ثم أتبعَت منطقتهم لإمارة مدركة ردحًا من الزمن، إلى عام ١٣٧٥ هـ حيث أنشئت لهَم إمارة مستقلة بداخل منطقتهم. وتُعرف الآن ديار بني سُلَيْم رسميا بإمارة منطقة الكامل، نسبة إلى أكبر قرى وادي ساية؛ أقرب أوديتهم ومنازلهم إلى مدينتي جُدَّةَ ومكة. ومن قراهم: قرية الحجر، ذكرها القاموس المحيط في مادة (حجر). تقسيم حديث لديار بني سُلَيْم: أولا: منطقة وادي ساية، أقرب المناطق إلى مكة وجُدة، وفيها أكثر من أربعين قرية، وكثير من العيون والآبار التي تسقي حدائق النخيل؛ وتقدر نخيلها

стр. 1544

بنحو ١١٥ ألف نخلة، ويُقدَّر سكان وادي ساية بنحو ٣٠ ألف نسمة يشتغلون بالزراعة والتجارة، وتمور وادي ساية من أحسن التمور وهي بيضاء اللون يابسة. وتزرع في وادي ساية كافة الخضروات، وبه من الفواكه: الموز والليمون، وبوادي ساية ثلاثة فروع مملوءة بالقرى والمزارع وهي: وادي شوَان، ووادي الشبعان، ووادي وِبْح، وعاصمة منطقة بني سُلَيْم كلها الآن (قرية الكامل) كما قدمناه. ثانيًا - منطقة وادي ستارة: وادي ستارة وادِ طويل، ينبع من أواسط حرَّة بني سُلَيْم، ولكل جزء منه اسم يعرف به، ويعرف أسفلُ الوادي (بقُدَيدٍ على وزن عُمَير)، وفي ستارة أكثر من عشرين قرية، أسفلها قرية (الفُلَيتَة) وأعلاها قرية (البَرهَمِيَّة)، وأهمها الآن (قرية السُلَيم)، وهي مركز قرى وادي ستارة، وهناك قرى أخرى هي: قرية المخمَّرة، وقرية الفُروف، وقرية المُسَمَّاة، وقرية المعالى، وقرية الشعبة، وتقابل من الشمال قرية السُّنَيْم، وقرية الدبيسية بقرب قرية الشُّعبة، وقرية الأبيار، وقرية المديد. وفي قرية السُّلَيْم وحدها ما ينيف على عشرة آلاف نخلة، وقد تقاصرت عينها عن إرواء الأراضي البيضاء الواسعة هناك، فأصبحت هذه الأراضي الخصبة بورًا. وبقرية السُلَيم آثار مر ذكرها، ومن أهمها القصر الأثري المبني بالحجارة، وقد كنت قبل أن أطَّلع على ما أورده ياقوت الحموي عن بناء الرشيد في حجه قصرًا بأرض بني سُلَيْم سماه (خيف السلام) كنت قدَّرت وسخلت في مسوَّدة هذا الكتاب أن القصر الذي وصفه محمد بن صامل بقرية السُلَيْم قد يكون قصرًا بُني في عهد العباسيين، ثم أدخلت عليه تحسينات فيما بعد، ومنها هذه الفتحات لفوهات البنادق التي قدَّرتُ أنها - بدون ريب - مما وضع بعد عهد العباسيين في الزمن الذي استعملت فيه البنادق في الحروب، وذلك عهد جاء بعد انقضاء عهد العباسيين بعدة قرون. ثالثًا - منطقة ذَرَة: سبق أن عرَّفنا (ذَرَة) حسب ما أفادنا به عرَّام، وفي ذرة من الشجر: العفار، والقرظ، والطلح، والسدر، والنشم، والتألب. وتُعمل القسيُّ والسهام قديمًا من شجر النشم وهو خيطان لا ورق له، (ومعنى "الخوط" لغة: الغصن الناعم)، والإثرار له ورق الصعتر وشوك كشوك الرمان، ويقدح ناره إذا كان يابسًا فيقتدح سريعًا، والعفار وورده أبيض طيب الرائحة كأنه السوسن.

стр. 1545

رابعًا - (منطقة شمال المدينة المنورة) منها برْمةُ، قال معجم البلدان أنها من بلاد بني سُلَيْم وحددها ابن حبيب بأنها (عرض من أعراض المدينة قرب بلاكث بين خيبر ووادي القرى). هذا، ومما تحسن الإشارة إليه - تاريخيا واجتماعيا - أن الأمن والاطمئنان كانا مفقودين في ديار بني سُلَيْم قبل العهد السعودي الحاضر، فقد كان الاغتيال والقتال معتادين فيها لأسباب موجبة وغير موجبة، كما أن مرض حمى البرداء - الملاريا - منتشر فيها بكثرة، لكثرة المستنقعات المتكونة من كثرة مياه المنطقة وعدم تصريفها أو تعقيمها صحيا، كما أن الطرق إلى بلادهم وبداخلها كانت في منتهى الوعورة لأنها بين حِرار وجبال، وكانت الأمية سائدة في ربوعهم فلا مدارس ولا متعلمين ولا معلمين. وقد عُنيت الحكومة السعودية بإصلاح أحوالهم، فأزالت عوامل الفتن والشغب فيما بينهم وبين بعضهم، وفيما بينهم وبين جيرانهم، وعُنيت بالأسباب الصحية فأنشأت لهم مستوصفات صحية، وعبَّدت الطريق الرئيسي إلى بلادهم بالمداحل "الدركترات" حتى قرية الكامل، وفتحت لهم المدارس ليتعلم فيها أبناؤهم وكبار السن منهم، وأوجدت لديهم مقر شرطة لاستتباب الأمن، وكونت لهم إمارة خاصة بهم وفي منطقتهم، فساد الهدوء وانصرف الناس إلى ما يصلح شؤونهم ومعاشهم، وأنشأت لديهم هيئة الأمر بالمعروف تهديهم وترشدهم إلى ما فيه خير دينهم ودنياهم. وقد أعطانا شاعر بني سُلَيْم المعاصر: (محمد الجبرتي) صورة شعرية ناطقة لعدوان البعوض الناشئ والمتنامي من البرك والمستنقعات التي تُخلفها الأمطار والسيول والعيون - عليه، وذلك في قوله من الشعر العامي الملحون المعروف بـ "الحمينيّ" والنبطي: البارحَ الناموس سرى عليَّه … جاني بقواتُه وقومْ لظيَّهْ سهرانْ حتى الصُّبح توحي يَديَّهْ … وأصبحتْ من فعل النواميس سهران و (الناموس) هنا بمعنى (البعوض)، ومن لازمه البعوض طيلة ليلته فلا غرو أن لا ينام وأن يقلق للسعاته ولذعاته، ثم لا يأمن أن تزوره بعد ذلك حُمى

стр. 1546

البرداء والعياذ بالله، فعسى أن تزول هذه الأسباب المؤذية فيرتاح سكان ديار سُلَيْم من لذعات البعوض، بتصريف مياه المستنقعات لديهم وتعقيمها والفتك بها بمبيدات الحشرات والمطهرات بصفة مستديمة. آثار في ديار بني سلَيم ديار بني سُلَيْم الأصلية، من أقدم الديار المعروفة في جزيرة العرب منذ الجاهلية القريبة من الإسلام حتى اليوم، وقد وصفت هذه الديار بالخصب في التربة وبالآثار العمرانية، ففي جَبَلة ذكروا أنه كانت حصون منكرة، وفي قرية السُّلَيْم، وفي غيرها كذلك. وقد كنتُ كتبت في كتاب: "بين التاريخ والآثار" عن بعض الآثار التي عُثر عليها في ديارهم وهي عبارة عن صخور منقورة بخط عربي إسلامي قديم، وأحد هذه الصخور - وهو أهمها - أمرٌ من الخليفة العباسي المقتدر إلى وزيره علي بن عيسى بن داود، وهو حجر بيت الله الحرام، ويرجع تاريخه إلى سنة ٣٠٤ للهجرة، وبمطابقتي لما في هذا الأثر مع ما ورد في التاريخ وجدتُ التاريخ المكتوب على الأوراق مطابقًا لما ورد في الحجر المنقور بالأزميل، وقد قرأت هذا الحجر وشرحت هدفه، ونشرت كل ذلك في كتاب: (بين التاريخ والآثار) من الصفحة ٥١ إلى الصفحة ٥٩، ولا بأس من إعادة نشر حله هنا مرة أخرى: "أمر عبد الله جعفر الإمام المقتدر بالله أمير المؤمنين أطال الله بقاه، إلى الوزير أبا الحسن علي بن عيسى أدام الله عزه، بعمارة طريق الجادة لحجاج بيت الله، لما رجا من جزيل ثواب الله، وجرى على يد القاضي محمد بن مرتضى أعزه الله، وثق له ذلك أحمد بن عبد العزيز العقبي، ومصعب بن جعفر سنة أربع وثلاثمائة للهجرة". وقد كنت قد ذكرت في الكتاب. المشار إليه آنفًا أن هذا الحجر وجد بمنطقة بني سُلَيْم، وأخيرًا اطلعت على صورة لهذا الحجر نفسه في كتاب تويتشل الموسوم بـ "المملكة العربية السعودية" ترجمة الأستاذ شكيب الأموي، وهي مماثلة للصورة

стр. 1547

التي كنت أخذتها له تمامًا، وقد أيد تويتشل ما ذهبتُ إليه من أن الحجر قد وجد بمنطقة بني سُلَيْم فقال ما نصه: (وجدت هذه اللوحة الحجرية - وجد هذا اللوح الحجري - بما عليها - عليه - من نقوش كوفية في نفايات منجم "مهد الذهب" القديم). كما أيد بطريق إجمالي موجز الحلَّ الذي حللت به النقوش، فقال عنها: (وكانت عبارة عن أمر تنفيذي لبناء طريق رئيسي للحجاج للتنقل بين بغداد ومكة (١). كذلك هناك أثر آخر جاء به إلى جدة الأخ (مبارك عبد التواب السُّلَمي) من مقبرة جبلة الكبيرة التي يقول عنها عرَّام السُّلَمي: (ويزعمون أن جبلة أول قرية اتخذت في تهامة، وبجبلة حصون منكرة مبنية بالصخر لا يرومها أحد) (٢). وهناك آثار نقدية ومعدنية وأوان ومجاري مياه تحتاج إلى مزيد من التحقيق، ولابد أن باطن أرض المنطقة مليء بالآثار المتخلفة عن السكان والحفر عنها يكشف أسرارها، وربما كشف أسرارًا أخرى ذات أهمية كبيرة للحضارة الإسلامية لا تخطر لنا الآن على بال.

стр. 1548

بنو سُلَيْم أصولًا وفصولًا وهجرات وتنقلات يقول محمد بن مكرم بن منظور الأنصاري في كتابه: (لسان العرب) ما نصه: "والنسبة إلى بني سُلَيْم وإلى سَلامَة: سَلاميّ" - راجع مطبوعتي بولاق بمصر سنة ١٣٠٣ هـ، ودار صادر في بيروت (١). - ومعنى ما ذكر أن النسب إلى صيغتي "سُلَيْم" و"سَلامة" هما شيء واحد: (سلامي) لا "سُلَمي"، و"سلامي" كما يتبادر إلى الذهن ويتفق مع سير القواعد والوضع اللغوي المعروف نسبة إلى "سلامة" لا إلى "سُلَيْم". ويبدو لي أن ربما كان هناك "بَتْرٌ" في مطبوعتي لسان العرب المشار إليهما، وآية ذلك هي النص الذي أنقله لك من "تهذيب اللغة" للأزهري، قال: "وينسب إلى بني سَلَمةَ: سَلَميٌ، وإلى سُلَيْم: سُلَميٌ، وإلى سَلامة سَلامي" (٢). ومحل البتر المرجح وقوعه في مطبوعتي "لسان العرب" هو بعد قوله: "والنسبة إلى بني سُلَيم"، وإذا صح هذا التقدير المدعوم بما ورد في "تهذيب اللغة" يكون الناسخ أو الطابع الأول الذي نقل عى النسخة الخطية قد حذف كلمة "سُلَمي" عقب جملة: "والنسبة إلى بني سُلَيْم" .. كما حذف بعدها: والنسب إلى سلامة) .. وبهذين الحذفين تداخلت نسبتا "سُلَيْم" و"سلامة" فصارتا: "سلامي" حسب النص المطبوع، وكان من المناسب أن تتميز صيغتا النسب إلى "سُلَيْم" وإلى "سلامة" فيفرد "لسُلَيْم" صيغة النسب التي هي: (سُلَمي) ويفرد لسَلامة صيغة النسب الأخرى التي هي: "سلامي"، ومع وضوح هذا الأمر ووجود ما يدعمه في موسوعة "تهذيب اللغة" للإمام أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري فإني لست بجازم بوقوع الغلط النسخي أو المطبعي المذكورين آنفًا، وأرى أن يقوم بتحقيق أوسع لهذه المسألة - العلماءُ اللغويون لإثبات بما يميط اللثام عن الموضوع من كل نواحيه.

стр. 1549

وقبيلة سُلَيْم بن منصور، تنتمي إلى قيس عيلان بن مُضَر، وقد ظهرت على صفحات التاريخ العربي كقبيلة ذات كيان مرموق ومكانة مقدرة في نحو منتصف القرن السادس الميلادي (١). ويعطينا "ابن حزم" في كتابه: (جمهرة أنساب العرب) تعريفًا لنسب بني سُلَيْم، وتراجم موجزة لكبار رجالاتهم في الجاهلية وصدر الإسلام، مع سلاسل أنساب بطونهم وعماراتهم، وأحداثهم الكبيوة وزعمائهم وصحابتهم وشعرائهم وأبطالهم وقادتهم (٢). هذا، وقد ذكر الدكتور جواد علي، بني سُلَيْم في كتابه: "تاريخ العرب قبل الإسلام" ونسبهم كما نسبهم ابن حزم الأندلسي في "جمهرته" وقال: (كان لهم صنم يقال له "ضماد" كان عند مرداس والد عباس بن مرداس، فلما توفي مرداس وضعه العباس في بيت يتعبَّد له، فلما ظهر الإسلام أسلم وأحرق ذلك الصنم) (٣). وقد نزل بالأندلس، كثير من قبائل قيس عَيْلان من مُضَر من العدنانية، ومن هؤلاء من ينتسب إلى سُلَيْم بن منصور، كعبد الملك بن حبيب السُّلَمي، وكالقاضي أبي حفص بن عمر السُّلَمي قاضي قرطبة (٤). كما نزل بإفريقية من بني سُلَيْم: بنو الشريد، وكانت لهم صولة وشوكة. وبنو زِغْب بن مالك بن بُهثة كانوا بين الحرمين، فصاروا إلى إفريقية في جوار إخوانهم بني ذُباب بن مالك، ثم صاروا في جوار بني هيب. ومنازل بني ذباب من بني سُلَيْم (٥) في أفريقية بين قابس وبرقة، وهم ببرقة بجوار بني هيب، ومنهم بنو سليمان بن ذباب في جهة فزَّان وودَّان.

стр. 1550

ورؤساء بني ذباب في عصر المقريزي - القرنين: الثامن والتاسع الهجريين - كانوا ما بين طرابلس وتابس وبَيتُهم - رياستهم - بنو صابر، والمحامد بنواحي قابس وبيتهم في بني رحاب بن محمود. وبنو عوف بن بُهثة السُّلَميون منازلهم ما بين قابس وبلد العناب، وهم: مِرْداس، وعلَّاق. وبنو هيب بن بُهثة، إخوة عوف بن بُهثة، منازلهم في إفريقية، ما بين السدرة من برقة إلى حدود الإسكندرية، وبنو أحمد منهم بإجدابية ولهم عدد ويرجعون إلى شِماخ، ولها العز في هيب. ومن هيب: شماخ ومحارب ورياستهما في عزاز. ولهيب في سُلَيْم عزة، لاستيلائها على إقليم طويل، خَرَّبَتْ مُدُنَه، وصارت ولايته لأشياخهم، وتحت أيديهم خلق كثير من البربر واليهود، وفيهم طائفة الأبطال الأنجاد، والإمارة فيهم في أولاد عزاز بن مقدم، وكان مزيد بن عزاز جليل القدر معظمًا في الدولة. وبنو زيد، وحمدان، وزيدان - كلهم كرام أماجد. وبنو مُعز، وعمير ومنهم عَلَوِيُّ بن إبراهيم بن عزاز، وسلطان بن زيان بن عزاز، وعمر بن مشعل بن عزاز، وجماعة بن مليح المنصوري، أصحاب غازي بن نجم، وعليان بن عريف، وبليوش - وكان قد هرب من السلطان الملك الظاهر بيبرس، فلحقه الجيش وأخذوه أسيرًا، فاعتقله مدة ثم أفرج عنه، وهو والد زيد بن بليوش. وعربان البحيرة في الأيام الناصرية (مجمد بن قلاوون) فيهم فايد بن مقدم، وخالد بن سليمان، وكانا أميرين سيدين ذَوَي كر وأمن (وأمر) وشجاعة (١). أما بنو سُلَيْم في مصر، فقد مر بنا أنهم استوطنوا - في زمن هشام بن عبد الملك الأموي ببلبيس وتكاثروا بها. ويروي لنا الدكتور عبد المجيد عابدين أن بني سُلَيْم بعد ما أقاموا في بلاد المغرب إثر نزوحهم الجماعي إليه، أخذوا بعد بضعة قرون يعودون إلى مصر في موجات متتالية حيث قال:

стр. 1551

"وتُعدُّ هجرتهم في القرن الثامن عشر الميلادي الموافق للقرن الثاني عشر الهجري من أكبر الهجرات العربية التي وفدت إلي مصر من طريق الغرب، فملأوا الصحراء الغربية، وبعض جهات من وادي النيل، وإلى الآن ينتسب جميع العرب الساكنين على الساحل غربي الإسكندرية، إلى بني سُلَيْم هؤلاء". ثم فصل لنا بطونهم بمصر فقال "ومعظم فروع بني سُلَيْم تنتمي إلي السعادي، وهم من أولاد أبي الليل، من سُلَيْم بن منصور، من القبائل العربية القيسية، ويتفرع السعادي إلى بطون أهمها: (أ) البراغيث (أبناء بغوث) ومنهم الفوائد، (ومنهم أسرة لملوم) والرماح (ومنهم أسرة الباسل) والجبارنة (ومنهم الجوازي أولاد أبي جازية)، وقد انتشرت هذه البطون من غرب الإسكندرية إلى مديريات الفيوم والمنيا وبني سويف. (ب) العقاقرة (أبناء عقَّار) ومنهم الحرابي، وأولاد محلي، والهنادي، وبنو عونة، والجبالية، وقد انتشروا في أرض الدلتا شرقًا وغربًا، وبعض مناطق الصحراء الغربية، وكان بين الهنادي وأولاد علي معارك في البحيرة. وفي زمن الاحتلال البريطاني حيل بين عرب مصر في البادية وبين مناطق المناجم، ومُنعوا من الوصول إلى مناطق النفط في الصحراء، وأخيرًا فُتحت الصحراء للمشروعات المعدنية والزراعية (١). هذا، وقد عدَّ لنا أبو العباس أحمد الفزاري القلقشندي أفخاذَ بني سُلَيْم المقيمين في عهده ببرقة، فقال: (أخبرني مخبرون من غيرها بعدة أحياء منهم وهي: أولاد حرام، وأولاد سلَّام، والبركات، والبشَرة، والبلابيس، والجواشنة، والحدادة، والحوَّتة، والدُّووع، والرفيعات، والزوَازير، والسوالم، والسبوت، والشراعبة، والصويرات، والعواكلة، والعلاونة، والموالك، والنبِّلة، والندُّوة، والنوافلة، والرعاقبة، والبواجنة، والقبايص، وقطَّاب، والقصاص (٢).

стр. 1552

أما عرب سُلَيْم في بلاد الجزائر: فكانت عوف من سُلَيْم تجاور رياحًا (من هلال) على حدود عمالة قسنطينة وتبلغ ناجعتها نواحي بونة (عنابة)، ولها بطنان: مِرْداس، وعلَّاق. ومن علَّاق: حِصْن ويحيى، ومن حِصْن: حكيم وبنو علي، ومن يحيى: الكعوب (بنو كعب)، ومن الكعوب: أولاد مهلهل، وأولاد أبي الليل، ومن أولاد أبي الليل: الأعشاش، واشتهر من شيوخ حكيم: أبو زيد بن عمر بن يعقوب، وابنه خليفة، ومحمد بن مسكين، وخليفة ابن أخيه، وكان منهم أول القرن التاسع الهجري الشيخ المرابط أحمد بن صعنونة بن عبد الله بن مسكين (١). ويُفهم من فحوى أبيات لأشجع السُّلَمي أن جالية سُلَمية كانت تقيم ببغداد في أيامه وكان ركنها ومرجعها هو أحمد بن يزيد السُّلَمي الذي توفي في جرجان. وبعد فإن من ذكرناهم فيما سلف، هم أحياء قبيلة بني سُلَيْم في الجاهلية والإسلام، حتى القرن الرابع عشر الهجري الذي نعيش الآن في عقده الأخير وجميعهم ممن نزحوا عن ديارهم الأصلية بين الحرمين مكة والمدينة. وفيما يأتي نثبت أسماء أحيائهم المقيمين اليوم ومن قبل اليوم فيها صُعُدًا، إلى وقتٍ لا نعلمه الآن بالدقة. وهناك ظاهرة اجتماعية لابد لي من الإشارة إليها هنا، وقد تكشفت لي أثناء دراستي بسلاسل أنساب بني سُلَيْم وغيرهم من القبائل العربية، وتلك الظاهرة هي أنه بطول الزمن وتتابع القرون وتعاقب الأجيال كثيرًا ما يحدث "تَغَيُّرٌ" في أسماء الأفخاذ والأحياء والبطون القَبلية، فينتسب كل جيل أو أجيال متقاربة في الزمن

стр. 1553

إلى الجد أو العم الذي هو أقرب إلى المنتسبين إليه ممن سبقوه من الأجداد أو الأعمام، وذلك حسب المتعارف عليه، وحسب الظروف والمناسبات .. وتستمر النسبة إلى هذا الجد أو العم أو غيره إلى ما شاء الله، حتى يأتي من الأسباب والظروف ما يُحِلُّ محله شخصًا آخر، فيُعْزَى إليه الفخذ أو البطن أو الحي .. وهكذا دواليك، فمتتبع أنساب العرب أو الأعراب بأدق تعبير يجب عليه أن يضع في ذاكرته هذه الظاهرة وأن يلاحظها فيما يُدوِّنه من أنسابهم، حيث يجد "تغيرًا" ملحوظا واضحًا في أسمائهم الشاملة لهم، بين كل فينة وأخرى، على أن اسم القبيلة الأصلي التي ينتمي إليها الجميع يبقى معروفًا لديهم وينتسبون إليه جميعًا، وبه تعرف مجموعاتهم المختلفة في الأسماء الفرعية. وهناك ظاهرة اجتماعية أخرى لابد لنا أيضًا من ذكرها، وهي أنَّ كثيرًا من سلاسل أنساب العرب، خاصة في القرون التي تلت القرن الهجري الخامس - في تقديرنا الخاص - كثيرًا ما يعتريها السهو والبتر والنقصان، لأسباب عديدة، منها صعوبة محافظة الأجيال على تدوين أسماء الأباء بدقة كاملة، وفي سمط متسلسل كامل الحلقات طيلة القرون المتوالية، وتحت وطأة تقلبات الظروف والهجرات والأزمات العنيفة، والاضطرابات الداخلية والخارجية التي تهب أعاصرها بين كل حين وآخر، وهَبْ أن بعضهم تمكن مع ذلك كله من تدوين سلسلة نسبه كاملة وبدقة، فإن الاضطرابات والحروب والمعارك قد تجتاح المستندات وتفقدها، فيضيع بذلك كل الجهد الذي بُذِلَ في المحافظة على عمود النسب، وهذه الظاهرة قد حدثت لرائد علم الاجتماع: (ابن خلدون) فسجَّل على نسبه هذا النقص الذي لاحظه فيه حيث قال عن نسبه: (عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن محمد بن جابر بن محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن خلدون - لا أذكر من نسبي إلى ابن خلدون غير هؤلاء العشرة ويغلب على الظن أنهم أكثر،

стр. 1554

وأنه سقط مثلهم عددًا، لأن خلدون هذا هو الداخل إلى الأندلس، فمان كان أول الفتح فالمدة لهذا العهد سبعمائة سنة، فيكونون زهاء العشرين، ثلاثة لكل مائة) كما سيأتي بيانه (١). وأعتقد أن هذه الظاهرة قد شملت أيضًا نسب عبد الرحمن الأنصاري، مؤلف كتاب "تحفة المحبين والأصحاب في معرفة ما للمدنيين من الأنساب"، فهو من أهل القرن الهجري الثاني عشر، وقد سلسل نسبه حتى وصل به إلى أنس بن مالك الأنصاري الخزرجي النجاري خادم رسول ﷺ ، وقد عد آباءه إليه واحدًا وعشرين أبًا فقط (٢)، وحيث إن الزمن الذي بين عبد الرحمن وأنس بن مالك هو أحد عشر قرنًا، فعلى قاعدة (أبي علم الاجتماع) عبد الرحمن بن خلدون - التي طبقها على سلسلة نسبه: يُحسب لكل مائة عام ثلاثة آباء، وهذا أقل ما يحتمل، وعلى هذا الترتيب يكون بينهما ثلاثة وثلاثون أبًا، لا واحد وعشرون أبًا فحسب كما ذكر. وأسماء أحياء بني سُلَيْم وبطونهم المقيمين اليوم في بلادهم الأصلية بين الحرمين الشريفين قد كنت تلقيتها من حسين بن هندي السُّلَمي، رئيس "قرية الكامل" أم قرى بني سُلَيْم الآن، ومقر الإمارة في منطقتهم، والتي هي أقرب قراهم وديارهم إلى مكة وجدة اليوم. كتب لي حسين بن هندي السُّلَمي، أسماء أحياء هؤلاء السُّلَميين وبطونهم المعاصرين في ورقة وقعها بيده باسمه، ثم تلوتها عليه زيادة في التوثق والتأكد، فأقرها، وهذه هي أسماء أحيائهم وبطونهم بموجب ما حوته تلك الوثيقة:

стр. 1555

أولا - بنو نَوال (١): يتفرعون إلى أربع عشائر: هي المطاردة، والصُّدَّر، والأذَنَات، والزَّحمة. ثانيًا - بنو سَري: يتفرعون إلى سبع عشائر: العَبَدة، والنَّقريْن، والعطاطيف، والمدَاهين، والشُّنُونة، والحِسْنَان، والنُّمران. ويسكن هؤلاء في "القُريَّة" و"شُوان" و"السِّبعان" و"العياب" و"الحُجْرة". وتجمع ربيعةُ بني نوال، وبني سري، والفُقها الذي سيرد ذكرهم فيما بعد. ثالثًا - البِقَلة: ويتفرعون إلى عشائر هي: ذوو بنات، وذوو مستور، والجوامع، وذوو علي. ومنازلهم: ذَرَة، وقرى وادي ساية، ويختلطون مع غيرهم من بطون سُلَيْم، ويجتمعون في بني راشد. رابعًا - حُلَيْل: وتتفرع إلى عشائر هي: بني عَطَا، وذوي (وذوو) جبرين، والموسى، والوعارى. ومنازلهم بقرى وادي ستارة وتوابعها، وهم مختلطون مع غيرهم من بطون سُلَيْم. خامسًا - السَّوالم: وتتفرع إلى: العِصَوي، والذبيبات، والدّيسي، والقُويسمي. ومنازلهم في المَرواني وضواحيه، ويشتركون في بعض قرى ساية وستارة. سادسًا - بنو بُركة: ويتفرعون إلى: الفُقها، والجبَاريت، والخُضَرة، والرَزم، والمساريح. وتجمعهم بنو بُركة: أما الفُقها فكما قدمنا من ربيعة وتنضم مع بني نوال وبني سري. وجميع الأحياء المذكورة آنفًا هم من بني نوال، إلى بني بُركة، والفقها، وتجمعهم (فُتَيَّة). ومساكن ربيعة بجبل شمنصير.

стр. 1556

سابعًا - بنو محمد: يتفرعون إلى: الهِمْعَان، والتراجمة، والحِجَرة، والعُجفان، والقُوَعَة، والمِرنة. هؤلاء (أي بنو محمد) مساكنهم بقرى وادي ساية. ثامنًا - الجِلاه: يتفرعون إلى: السرِّحة، والشُّكْرية، والنجاجرة، وذوي حمود، والمقاعيَّة، والزَّراكنة، والصوابر، والزَّوانيَة. ومساكنهم: قرى وادي ساية، وهم مختلطون مع غيرهم من بني سُلَيْم. تاسعًا - وَديعةُ: تتفرع إلى: ذوي عيد، والبِسَسَة، والعِلوان، والمُضيفرات. ومساكنهم: الحنْو، ومهايع، والخُدُدُ، ويشتركون مع بعض بني سُلَيْم في وادي ساية. عاشرًا - قُريش: تتفرع إلى: الفَهايِدة، وذوي عوَّاض، والعكاليَة. مساكنهم: مهايع، والشُّعبة. حادي عشر - الضبَّاعين، ليس لهم فروع. ومساكنهم: قرية مَلَح. وهؤلاء من بني محمد إلى الضباعين، تجمعهم حَبَش. حلقات مفقودة هذا، وبإيرادنا لأصول قبيلة بني سُلَيْم وفروعها في الجاهلية الأخيرة وفي صدر الإسلام، وبإضافة فروعهم إليهم في القرن الهجري الحاضر - الرابع عشر - الموافق للقرن العشرين الميلادي تبقى أمامنا حلقاتٌ مفقودة في التسلسل النَّسبيِّ الرابط لهؤلاء بأصولهم القديمة، ثم منابع ارتباط بني سُلَيْم المقيمين هنا في المملكة عبر القرون الخالية بأبناء عمومتهم النازحين إلى أقطار العالم العربي في هجراتهم إلى ديار الشام، فالبحرين (الإحساء)، فمصر، فبلاد المغرب، فمصر أخيرًا في القرن الميلادي الثامن عشر - الثاني عشر الهجري، ولربما أماط لنا اللثامَ عن ذلك جله البحثُ العلمي المطرد المتتابع، فالحقيقة بنت البحث كما يقولون.

стр. 1557

ملامح بني سُلَيْم أغلبُ ملامح (الأعرابي العربي) تتمثل في أنه: رشيق القوام قليل اللحم ووجهه معروق قليل اللحم كسائر جسمه، وله ذقن بارر وأنف دقيق وعينان براقتان وفم ظاهر، ورشاقة جسمه تجعله نشيطًا خفيف الحركة (١). ووجه الأعرابي في المناطق الحارة من بلاد العرب أسمر - وأكثرُ مناطق بلاد العرب حار. وتقع بلاد بني سُلَيْم في المنطقة الحارة، لأنها من تهامة، وهي ذات وهاد وأنجاد وجبال وحِرار. والصفات والسمات المتقدم بيانها تنطبق - من وجه عام - على من تسنَّتْ لي رؤيتهم من بني سُلَيْم .. في ديارهم بأعالي الحجاز، وفي غيرها من هذه البلاد. ولا يعني ما سبق لي تقريره أنه لا يوجد فيهم أفراد بيض الوجوه، أو ذوو لون قمحيٍّ يميل إلى السُّمرة أو إلى البياض .. ومن أمثلة أصحاب هذا اللون خاصة: "حسين بن حيا السُّلَمي" أحد كبار قرية مهايع السُّلَمية في ديار بني سُلَيْم. وكذلك يوجد بين سكان الجبال الباردة الطقس بأنحاء المملكة أفراد ذوو لون قمحي وأبيض، لأسباب عامة أو خاصة، ويوجد عكس ذلك في المناطق الحارة. وقلنا "إن اللون الغالب - قديمًا وحديثًا - على العرب هو السُّمرة" بالنظر إلى ما سبق بيانه من أن أغلب مناطق بلاد العرب حار، وبالنظر لما أورده الدكتور جواد علي، نقلًا عن علماء اللغة العربية الذين بحثوا خصائص العرب، ووصفوا حيواتهم ومجتمعاتهم من خلال بحوثهم اللغوية، يقول الدكتور جواد علي: (ويذكر علماء اللغة أن العرب تصف ألوانها بالسواد، وتصف ألوان العجم بالحمرة (٢)، وقد افتخر الشعراء بذلك في الجاهلية وفي الإسلام، من ذلك يقول الفضل بن عباس بن عتبة اللهبي:

стр. 1558

وأنا "الأخضر" (١) من يعرفني … أخضر الجلدة في بيت العرب يقول: أنا خالص، لأن ألوان العرب، السُمرة، ومن ذلك قول مسكين الدارمي من تميم: أنا مسكين لمن يعرفني … لوني "السُّمرة" ألوان العرب قال الجاحظ: (والعرب تفخر بسواد اللون، وقد فخرت "خُضْر محارب" بأنها سود، والسود عند العرب: الخضر، ثم ذكرت أمثلة افتخار بعض القبائل والأشخاص بكونهم "خُضرًا"، ثم قال: وخُضرُ غسان بنو جَفْنة الملوك؟ قال الغساني: إن الخضارمة الخضر الذين وَدَوْا … أهل البريص ثماني منهم الحكم وقد ذكر حسان أو غيره، الخُضْر من بني عُكَيْم، حين قال: ولست من "بني" (٢) هاشم في بيت مكة … ولا بني جُمح الخضر الجلاعيد قالوا: وكان ولد عبد المطلب العشرة دُلمًا ضُخمًا، نظر إليهم عامر بن الطُفَيْل الكلابي العامري من هوازن، يطوفون كأنهم جمال جُونٌ فقال: بهؤلاء تمتنع السدانة!، وكان عبد الله بن عباس أدلم ضخمًا، وآل أبي طالب أشرف الخلق، وهم سود وأدمٌ ودلم، والدلم: الرجل الشديد السواد (٣). ويقول المبرَّد: (وقول العرب: ما يخفى ذلك على الأسود والأحمر، يريد العربي والعجمي) (٤). ووصف الطبري في تاريخه، محمد بن عبد الله بن حسن (النفس الزكية) بأنه (كان آدم شديد الأُدمة أدلم جسيمًا عظيمًا وكان يُلقَّب بالقاريِّ من أُدمته (٥).

стр. 1559

وكما قلنا آنفًا فإنه يوجد أشخاص بيض الوجوه من العرب، أو ذوو لون دون البياض، ومن أولئك وهؤلاء سكان جبال السراوات بجنوب المملكة العربية السعودية،. والمعروف أنه كلما ارتفع موطن السكان ازداد لونهم صفاءً وبياضًا، وكلما انخفض موطنهم ازدادت سمرتهم، وقد أشار إلى ذلك الدكتور جواد علي في كتابه (المفصَّل في تاريخ العرب قبل الإسلام) قال: "وقد عُرفت بعض القبائل العربية ببياض بشرتها، واشتهرت نساؤها ببياض البشرة، وقد ورد في الحديث: أنه لما خرج النبي ﷺ من مكة قال له رجل: "إن كنت تريد النساء البيض والنوق الأُدْمَ، فعليك ببني مدلج من كِنانة"، ويقال للمرأة التي يغلب على لونها البياض: "الحمراء"، وجاء في الحديث النَبويّ: (بُعِثتُ إلى الأحمر والأسود) أي إلى العجم والعرب كافة. ويقول جواد علي: إن أجسام سكان السواحل من العرب أقصر من أجسام أبناء الجبال والنجاد، وإن أهل التهائم والسواحل الجنوبية لجزيرة العرب أقصرُ قامة من أهل نجاد اليمن، أو أهل نجد (١). وبنو سُلَيْم هم تهاميون كما قدمنا، وهم بين جبال وحِرار في تهامة. وديارهم الأصلية تقع بين مجموعة متلاصقة من الجبال والحِرار، وأوديتهم عميقة تعلوها الحِرار والجبال وتضايقها، وأغلب قاماتهم تميل إلى الاعتدال .. ولكأنَّ البيئة الجبلية رفعت قاماتهم عن ضآلة القصر، ولكأنَّ البيئة التهامية جعلت أغلبهم غير فارع الطول، ولا يمنع ذلك أن يكون فيهم القصير الدحداح، أو الطويل الفارع الطول، ومن أمثلة طوالهم المعاصرين: حسين بن حيا - أو يحيى - أحد كبار قرية مهايع؛ وهو أبيض اللون أو أحمر اللون على حد التعبير اللغوي الفصيح الذي سبق ذكره، وحسين بن حيا - أو يحيى - نحيل الجسم وذو عينين نجلاوين براقتين، كأغلب من شاهدناهم من رجال بني سُلَيْم المعاصرين، وأغلب من رأيناه من السُّلَميين يميل إلى الاعتدال، وهو الذي يوصف لُغويا بأنه "رَبْعةٌ"، و"مربوع" صيغة لا تزال سائدة في هذا المعنى لدى عامة الحجازيين، وقد نُعِتَ رسول الله ﷺ بأنه (ربْعة).

стр. 1560

أسماء بني سُلَيْم عبر التاريخ قبيلة بني سُلَيْم من القبائل العدنانية التي نالت شهرة واسعة في الجاهلية والإسلام، وقد كانت مواطنها الأصلية تحميها من شن الغارات عليها، فهي "حصنٌ حصين" دون اقتحامها، وبنو سُلَيْم كانوا في الجاهلية وصدر الإسلام ذوي ثروة طائلة بما في بلادهم من "المعادن" وبما فيها من الماء الوفير والخصب، وكل هذا أكسبها كيانًا مرموقًا وجاهًا ومكانة، وقد أكسبتهم طبيعة أرضهم الجبلية خشونة وشجاعة وصلابة، وأكسبتهم أرضهم الخصبة رقة وطموحًا وتجارة وزراعة ناجحة رابحة. وقد هيأ لي تتبعُ تاريخهم ودراسته الألمامَ بأنهم كانوا يؤثرون تسمية أبنائهم بأسماء - أغلبها مُعينٌ، فيكثر دوران هذه الأسماء بينهم، وبعضها موغل في القدم يرتفع إلى زمن ثمود، وربما كان لمجاورة بني سُلَيْم للثموديِّين بقرب مدائن صالح أثر في هذا، ولربما كانت التجارة التي يديرونها فيما بينهم وبين ثمود أثر في ذلك أيضًا، ولربما أفاد السُّلَميون من براعة الثموديين الزراعية والتجارية والصناعية، ومن الأسماء الثمودية (حُباب) بضم الحاء، ومعناه في اللغة: الحية، وهذا الاسم كان موجودًا في ثمود، كالحُباب بن عمرو الثمودي (١) الذي رثى قومه بقصيدة عقب هلاكهم بالصيحة، ومن ذلك يبدو أنه لم يكن من بين من أهلكوا بالصيحة، ومعنى ذلك أنه كان من المؤمنين الذين أنجاهم الله من عذابه بسبب إيمانهم برسالة صالح ﵇. وليس مستبعدًا أن يسمي الثموديون بعض أبنائهم بالحُباب - أي الحيَّة - فالحيات مؤذية وسامة وتفتك بمن يتعرض لها، وهي متوافرة نجي بلادهم الغزيرة المياه الكثيرة المغاور والكهوف والأودية، وطبيعة أرض بني سُلَيْم من هذه الناحية مماثلة لطبيعة أرض ثمود. وكان السُّلَميون وما زال بعضهم حتى اليوم يقيمون في منطقة مدائن صالح فلا بدع إذن أن يشيع اسم (الحباب) لديهم، فالجوار ذو أثر ما على المتجاورين.

стр. 1561

واسم الحباب ظل شائعًا لدى بني سُلَيْم عبر الأجيال وفي مختلف الأمكنة، ويُطلق على من سكنوا منهم الأندلس وإفريقية وسورية وغيرها، وفي قرية "الكامل" بديار بني سُلَيْم واحد منهم اسمه (حامد بن حُباب) ويشغل وظيفة رئيس هيئة الأمر بالمعروف هنالك، ومقامه بقرية (مهايع). ومن الأسماء الشائعة لدى بني سُلَيْم اسم: (العباس) واسم (مِرْداس)، فهذا عباس بن أنس بن عباس بن مرداس، وهذا العباس جد محمد نقاش الفضة وهو محدث مُترجمٌ، وهذا عباس بن الوليد بن صبح المحدث أيضًا، وعباس بن رعل كان أحد القادة السُّلَميين في حرب الفجار. والعباس: مبالغة في (عابس)، ومعنى (عابس): الطالح المكروه لقاؤه، وقد سمت العرب عباسًا وعابسًا (١). أما (مرداس) فمن سُمِّي به: مرداس والد العباس بن مرداس، ومرداس والد عُتبة، ومرداس بن علَّاق وغيرهم، ومعنى (مرداس) لغة: ما يُدَكُّ به من مِدَكٍّ صلب عريض، ولعل هذا المعنى هو الذي جعل هذا الاسم يشيع بين السُّلَميين لما فيه من معنى الصلابة والدَّكِّ والدَّقٌ، وفي "الاشتقاق" لابن دريد أن (مرداسًا) من الردس: ضربك الحجر بحجر مثله (٢). ومن الأسماء الشائعة لدى بني سُلَيْم: (قَيْسٌ)، وممن سُمي به في الجاهلية عند سُلَيْم: (قيس بن خُزاعي) الذي أمَّرهُ قيصر الروم على فلسطين، وقيس بن شبيبة التاجر بمكة في أواخر الجاهلية، وقيس بن نسيبة الصحابي. وكان اسم قيس شائعًا لدى العرب قبل الإسلام وبعده. و (القَيْسُ) في اللغة: التبختر والشدة. وهما من الصفات المحمودة لدى عرب الجاهلية، وفي (الاشتقاق) لابن دريد أن (قيسًا) مصدر قاس يقيس قيسًا (٣).

стр. 1562

ومن الأسماء الشائعة لدى بني سُلَيْم: اسم (حكيم) وهو من (الحكمة)، والعرب في جاهليتهم كانوا يتعشقون الحكمة، ويقدرون من يتصف بها في أعماله وأقواله، و (الحكمة) من الصفات الرئاسية الحميدة لديهم، ولعل هذا المغزى هو الذي حبب إليهم التسمية باسم (حكيم)، وممن سمي باسم (حكيم) منهم: حكيم والد الجَحَّاف، وحكيم جد محمد بن أحمد المحدث، وحكيم بن أمية، وحكيم بن حِصْن بن علَّاق وغيرهم. ومن أسمائهم الشائعة أيضًا: يزيد، وهو فعل مضارع مشتق من (الزيادة) ولعل المقصود منه أن المولود الذي يسمى به يزيد الأسرة مكانًا ونماءً وكفاية، وممن سمي باسم يزيد من بني سُلَيْم: يزيدُ بن الأخنس الصحابي، ويزيد بن أُسيد، ويزيد بن هارون (مولاهم) الذي كان من العلماء. ومن الأسماء ذات الذيوع لديهم مالك، ومالك مشتق من المِلْكِ - بكسر الميم - وهو فأل حسن للمُسمَّى به أن يكون ذا مِلْكٍ، وممن سُمِّي به منهم: مالك والد معاوية الشاعر الجاهلي، ومالك ذو التاج، ومَالك بن عمير، ومالك بن أمية بن عمرو الصحابي، ومالك بن الحارث التابعي المحدث الثقة. ومن الأسماء الشائعة عندهم: معاوية، ومعاوية صيغة من معانيها: الكلبة وجرو الثعلب، وقال بن دريد في (الاشتقاق): واشتقاق معاوية من قولهم تعاوى القوم إذا تداعوا إلى حرب وغيرها، واستعوى بنو فلان بني فلان: إذا استنصروهم، واستعوى الرجل إذا بات في القفر، واستعوى الكلاب ليُسْمع نُبَاحها، فَيُعْلَمُ أنه قريب من ماء أو حلة (١). واسم معاوية على أية حال متفق مع فلسفة العرب في جاهليتهم حيال وضع أسماء أبنائهم، فهو اسم خشن يدل على التهاوش والتعارك والمناوشة، ومعاوية اسم قديم لدى العرب وممن سُمي به من سُلَيْم: معاوية بن مالك الشاعر الجاهلي، ومعاوية بن عمرو أخو الخنساء الشاعرة المخضرمة، ومعاوية بن قُرَّة.

стр. 1563

ومن أسمائهم: (سفيان) وأصله من (السَّفَي)، ومن معاني السفي: كل شجر له شوك وواحدته: (سَفَاة)، ويقول ابن دريد: إنه (مشتق من "السافي" وهو ما سفته الريح من تراب وغيره) (١). واسم سفيان على هذا التفسير يطابق فلسفة العرب التقليدية في جاهليتهم إزاء وضع أسماء أبنائهم، فهو تفاؤل بأنه سيسفي الريح على جثث أعدائه بأن يرديهم، أو أنه سيصير شجرًا شائكًا بالنسبة لهم، وممن سُمِّي منهم باسم (سفيان): والد الضحَّاك الصحابي، فهو الضحَّاك بن سفيان السُّلَمي. ومن أسمائهم: "عمرو"، والعَمْرُ: بفتح العين وسكون الميم: الشجر الطوال، والحياة. والأشجار الطوال فأل حسن في التسمية باسمها - بأن تطول قامة المسمى بالاسم، (وإنَّ أعزاء الرجال طوالها)، وفأل حسن أيضا بطول العمر، لأن العَمر من معانيه: الحياة. وممن سُمي باسم "عمرو" منهم: عمرو بن عَبسة الصحابي الجليل ذو السابقة في الإسلام، إذ لقد كان رابع المسلمين، وعمرو بن الشريد، وعمرو بن عبد العُزَّى (أبو شجرة السُّلَمي)، وأحمد بن عمرو (أخو أشجع السُّلَمي) وكان شاعرًا مثل أخيه. ويدخل تحت ضِبْنِ اسم عمرو: عُمَرُ، وعمارٌ، وعُمَيْرٌ، وعامِرٌ، وعمران .. فاشتقاقها كلها من (العمر). ومن أسمائهم الذائعة: (مَعْن)، والمَعْنُ: الطويل والقصير، والقليلُ والكثير، وهذا التناقض والتضاد في معاني (المَعْنِ) جعل لها مكانة خاصة في مفاهيم العرب، فمعن: طويل النجاد، ومعن ماء فياض كثير زلال ومنه (المعين) للماء، ومَعْنٌ: قصير بالنسبة لذويه وقليل بالنسبة لهم أيضًا ولكنه طويل وكثير بالنسبة لأعدائهم، وقد راق للعرب التسمية باسم (معن) لما تحتويه الصيغة من معانٍ طيبة من أهمها: الماء الفياض، والماء عماد الحياة، وإذن سيكون من سمى بمعن عمادًا للحياة في القبيلة جوادًا فياضًا بالمكارم، وممن سُمي من بني سُلَيْم بمعن: مَعْنُ بن أبي عاصية، ومعن بن يزيد الصحابي وغيرهما.

стр. 1564

ومن الأسماء الشائعة لديهم: (الضحَّاك)، ومن معاني (الضحَّاك): كثير الضحك، ولربما كان من الأسباب المغرية على التسمية بهذا الاسم ذيوع شأن الضحَّاك الذي يزعمون (أنه ملك الأرض، وكانت أمه جنية) وإعجابهم بشأنه، فيتفاءلون لأبنائهم المُسمَّيْنَ باسمه أن يحكموا ويسود نفوذهم بشكل من الأشكال، وبقدر من الأقدار. وممن سُمي منهم باسم (الضحَّاك): الضحَّاك بن عبد الله، والضحَّاك بن سفيان الصحابي. ومن الأسماء الشائعة لديهم اسم (حبيب)، وإنك لتجد في هذا الكتاب عدة رجال من بني سُلَيْم سُموا بهذا الاسم في الجاهلية وفي الإسلام. و (حبيب) مشتق من (الحُبَّ) بضم الحاء، ويتفاءل بالتسمية به بأن يكون المسمى به (حبيبًا) إلى الناس، وقد وجد الدكتور منصور الحازمي في النقوش المنقورة في جبال (أَلَابٍ) بفتع الهمزة واللام. وتخفيفها وبعدها ألف فباء تحتية موحدة - وَجَدَ في رحلته إلى موطن قبيلته بين المدينة ورابغ، نقشًا منحوتًا هناك بالخط الثمودي، كما فسره الدكتور عبد الرحمن الأنصاري المتخصص في علم الآثار وقد قرأه هذا، فإذا هو (حبيبة) وقال عنه: إنه علم على شخص، وهو اسم شائع بين السُّلَميين، تذكيرًا وتأنيثًا، فقد وجد الاسم على صيغة التذكير: (حبيب) لدى السبئيين والنِّبطيين والعبرانيين والتدمريين والصفويين والثموديين، وقد استعمل هذا الاسم بكثرة بعد الإسلام، وعزا هذا القول إلى (جمهرة الأنساب) لابن حزم (١). هذا، ويحسن أن يعزب عن البال، أن جميع الأسماء المتقدمة ليست خاصة بقبيلة بني سُلَيْم، بل يشاركهم فيها العرب، وإنما ذكرتُها في معرض أسمائهم لشيوعها لديهم في الجاهلية وبعد الإسلام.

стр. 1565

سُلَيْم وديارهم في الشعر العربي حفلت قصائد الشعرالعربي بذكر سُلَيْم وذكر ديارهم، سواء أكان ذلك في الجاهلية أم في الإسلام، ومن روائع الشعر العربي الذي ذُكِرُوا فيه أو ذكرت ديارهم فيه تلك القصيدة الهمزية التي أوردها لنا الحسن الهمداني عن أبي الحسن الخزاعي، وقد حَدَث - على روايته - قحط شديد عامٌ شامل أصاب بلاد العرب قاطبة، شرقها وغربها وجنوبها وشمالها، فَجَأَرَ العرب بدعاء الله تعالى وقدموا شعراء ثلاثة لهم ليقوموا بهذا الدعاء شعرًا طلبًا للاستسقاء، وهم الخزارة العامري النجدي الذي نظم قصيدته الهمزيَّة التي صارت أنموذجًا يحتذى في وزنه وقافيته ومعانيه بالنسبة لشاعري الحجاز وتهامة الذين هما: العجلاني وأبو الحياش الحجري، وإذا صحت نسب القصائد الثلاث لهم فتكون من الشعر "الجغرافي" النادر لبلاد العرب في جاهليتهم، ومحل الشاهد في قصيدة الخزارة العامري الهوازني هو قوله متفائلًا أو مذكرًا بنعم الله: رَوِيَتْ حرَّتَا سُلَيْمٍ وسالت … شُعَبُ المعدنين فالأَحْفَاءُ وحينما اشتهرت قصيدة الخزازة وتناقلتها ألسنة الرواة في كل مكان من بلاد العرب قام أهل تهامة فطلبوا من شاعرهم (أبي الحياش الحجري) أن ينظم على غرارها في طلب السقي من الله ، ففعل، وقد استعرض الحجري التهامي قي قصيدته الهمزية أزمة الأمطار في جزيرة العرب تمامًا كما فعل الخزارةُ، ولكن في ديار تهامة، وقد طَلَب رحمة الله وسقياه لهم على غرار الخزازة أيضًا، وقد استهل قصيدته الهمزية أيضًا بقوله: رَبِّ ما خاب مَن دَعَاك ولا يُحجَـ … ـبُ يا ذا الجلال عنك الدعاءُ ووصف الأزمة الشاملة المتمثلة في توقف الأمطار عامة عن النزول على بلاد العرب بقوله: إنَّ هَانا لأَزْمَةٌ عمت النا … س ومسَّتْهُمُ لَها بأساءُ وعلى نمط الخزازة في استجلاب رحمة الله ودفع غضبه وسخطه عنهم قال في حرارة: فَلَكَمْ ثُمَّ كَمْ سَقَيْتَ لَنَا الأَرْ … ضَ غُيُثًا أتَتْ بِهَا الأنْواءُ

стр. 1566

وحينما شاع أمر القصيدتين وذاع في أطراف الجزيرة تقدم أهل الحجاز أيضًا إلى شاعرهم: (العجلاني) فطلبوا منه أن ينظم قصيدة استسقائية لهم يدعو الله فيها لبلادهم بإنزال الغيث المغيث عليها، فقال على غرار زميليه السابقين: رَبِّ إيَّاك نحنُ نَدْعُو ونرجو … ولنا أنْتَ ذا الجلال، الرجاءُ فاستجب ربنا فإنك لا يُحْـ … ـجَبُ للسائلين عنك الدعاءُ أسْقِّنا الغيث كيْ يُفارقنا المحْـ … ـلُ له والسُّنيهةُ الَّلأواءُ! ويستعرض العجلاني الشاعر في قصيدته أمكنة الحجار المصابة بالظمأ الكارب والتي كانت منحت غيثًا غدقًا شاملًا مكانًا مكانًا حتى يقول: طبَّق الضَّاحيات من أمَجَ الرّيُّ … وأحيت قُديدُها الفيحاءُ فالكُليَّات فالستارة فالجحفة … فالقدس علَّ فالأبواءُ وأمجٌ هو وادي ساية، وواديا ساية والستارة هما من أودية العرب المشهورة في ديار بني سُلَيْم قديمًا وحديثًا. والقصائد الثلاث طوال واضحة المعاني سلسة المباني، وهن من بحر الخفيف وقافيتهن الهمزة، وأسلوبهن من السهل الممتنع، ولولا أن ثمة ما هو مماثل لهن في السلاسة والسهولة من الشعر العربي الثابت - ألَا وهو معلقة الحارث بن حلزة اليشكري - لجزمنا جزمًا باتًّا بأنهن من الشعر المنحول، يقول الحارث في معلقته: وأتانا من الحوادث والأنبا … ءِ خطبٌ نُعنى به ونُساءُ أنَّ إخوانتا الأراقم يغلُو … نَ علينا في قِيلهم إحفاءُ يخلطون البريء منا بذي الذنب … ـب ولا ينفع الخليَّ الخلاءُ زعموا أنَّ كلَّ من ضرب العيـ … ـرَ موالٍ لنا وأنَّا الولاءُ أجمعوا أمرهم عِشاءً فلما … أصبحوا أصبحت لهم ضوضاءُ منْ منادٍ ومِنْ مجيبٍ ومِنْ … تصهالِ خيلٍ خلال ذاك رُغاءُ ولسنا نجزم بأن القصائد الثلاث لم يدخلها شيء من الشعر الإسلامي، ولكن إقرار الهمداني بها، وتدوينه لها ولناظميها وتزكيته لراويها (أبي الحسن الخُزاعي)

стр. 1567

ثم سَوْقُهُ لها (١) واحدة بعد أخرى على طولها، مع أنه رجل مطَّلع واسع الاطلاع ونقَّاده عميق النقد كل ذلك يجعل في أيدينا دليلًا مقبولًا على صحتها، وما ورد فيها من تكرار الألفاظ والمعاني، ولزومِ الوزن الواحد والقافيةِ الواحدة لا يطعن في صحتها، لأننا نجد من أمثال كل ذلك في الشعر العربي الجاهلي الشيء الكثير. وأهمية القصائد الثلاث - إذا ثبتت جاهليتها - أنها استعرضت أمكنة شبه جزيرة العرب بالتتبع والاستقصاء، وقد سجلتها في خفة وزن وجمال وانسجام. على أن وجود معلقة الحارث بن حلزة اليشكري المتوفي نحو (٥٠ ق. هـ - ٥٧٠ م) (٢) ومماثلة هذه القصائد الثلاث لها في الوزن والقافية وسهولة الألفاظ، ووضوح المعاني، وتعداد الأمكنة - هو مما يُقوي مركز تلك القصائد ويدعمه. وكما قلنا في مستهل هذا الفصل: فإن الشعر العربي الجاهلي حافل بذكر سُلَيْم وديارهم، لما لهما من مكانة بين القبائل العربية وبين ديارهم. ومن أمثلة ذلك - وهي كُثْرٌ مشحونة بها المراجع - قول أبي قيس بن الأسلت من قصيدة ينهى فيها غَطَفان عن مناجزة الخزرج: وإن تابوا فإن بني سُلَيْم … وإخوتهم هَوَازِنَ قد أنابوا والشعر العربي إنما تتفجر أنهاره من ينابيع انفعالات الشاعر وعواطفه؛ فإن كان راضيًا مبتهجًا جاء شعره خميلة مدح بهيجة نضرة فواحة بالأزاهير، وإن كان الأمر بالعكس كانت نارًا تحرق وموجًا عارمًا يُغْرِق. ومن أمثلة ذلك أنه في حالة رضا حسان بن ثابت شاعر الأنصار عن أحد بني سُلَيْم وهو "صالح بن علاط السُّلَمي" مدحه مدحًا مُصَفى جميلًا، ومدح معه قومه بني سُلَيْم مدحًا رائعًا عطرًا .. قال: رُبَّ لَهوٍ شهدتهُ، أُمَّ عَمْرو! … بينَ بيضٍ نواعِم في الرباطِ مع ندامى بيض الوجوهِ كِرامٍ … نبهوا بعد خفقةِ الأشراطِ

стр. 1568

إلى أن يقول: فاحتواها فتىً يُهينُ لها الما … لَ ونادمت "صالحَ بن عِلاطِ" وحينما تجهَّم جَوُّه النفسي حيالهم وعلاه ضباب التألم منهم لأمر ما عكس الآية فهجاهم بقوله: لقد غضبتْ جهلًا (سُلَيْمٌ) سفاهةً … وطاشت بأحلامٍ كثيرٍ عثورُها إلى آخر الأبيات التي تدل هي ونقائضها الصادرة منه - على أن الشاعر يسير وراء انفعالاته وعواطفه، فتقوده إلى حيث تشاء، فشعره رياض غناء إذا كان راضيًا، أو صحاري جرداء ملتهبة إذا كان ساخطًا، ولله في خلقه شئون. أيام بني سُلَيْم في الجاهلية والإسلام كل من كان ذا نباهة وشأن من قبائل العرب في جاهليتهم، لابد أن يكون مستعدًّا لخوض غمار الحروب التي تُشَنُّ من بعض العرب على بعض، ولو كانوا ذوي قربى أو جوار، وذلك إما لمطمع في نهب يُنهب، أو لأخذ ثأر، أو لإثبات مكانة يُراد لها أن تُهان في نظر الثائر أو المغير. تلك كانت طبيعة أوضاع العرب إبان الجاهلية. ومن ثمَّ لابد أيضًا من قصائد تُنظم وأبيات تُقال، إما لوصف ما حدث، أو للتنفيس، أو للتحميس أو التفخيم أو التقليل، وقد تتلى القصائد في المجامع ويتناقلها الرواة، وتسير بها الركبان شرقًا ومغربًا. ولابد من أيام نصر، ولابد من أيام هزائم،، والأمر كما وصف أحدهم: فيوم علينا ويوم لنا … ويوم نُسَاء ويوم نُسَرّ وبنو سُلَيْم في مركز القوة من عرب الجاهلية، ولديهم ثراء واسع، ومجد باذخ، وكثرة في النفوس كاثرة، فلابد أن يلاقوا من الغارات الهجومية والدفاعية ما يلاقيه أضرابهم من عرب الجاهلية، وهكذا كانت لهم "أيام" نقلها الرواة إلى المؤرخين، ودونها هؤلاء عنهم. ومن أيامهم:

стр. 1569

يومهم مع جيش النعمان بن المنذر كان هذا اليوم من أبرز أيامهم، وهو يوم دفاعيٌّ محض بالنسبة لبني سُلَيْم، اجتمع فيه عليهم جيشان: جيش النعمان بن المنذر، وجيش غَطَفان، فهزموا الجيشين معًا. وتفصيل ذلك أن النعمان وَجِدَ علي بني سُلَيْم في أمور فأراد أن يخضد شوكتهم، فبعث لهم جيشًا لتأديبهم، ومر هذا الجيش بإيعاز منه على غَطَفان، جيران بني سُلَيْم وأبناء عمومتهم من قيس عيلان، فقبلوا مزاملتهم لهم في هذه الحرب الهجومية. ووقعت المعركة الحاسمة بين الجانبين، فانتصرت بنو سُلَيْم انتصارًا مؤزرًا، وأسرت عمرو بن فَرتَنى مقدم جيش النعمان بن المنذر، فبعثت غطفان إلى بني سُلَيْم يطلبون منهم إطلاق سراح الأسير الكبير، وناشدوهم بالرحم التي بينهم إلَّا ما أطلقوا سراحه، فلم تستجب سُلَيْم لهذه المناشدة، وأجابت غطفان: بأنهم لم يراعوا هذه الرحم، كما لم يراعوا الجوار والصداقة التي هي بينهم، حينما أعانوا عليهم جيش النعمان بن المنذر القادم للتنكيل بهم، وسَبَيْ نسائهم وذراريهم، وقتل رجالهم وأبطالهم، وإهانة حرماتهم، وإذلالهم وإرغامهم، وإذن فلا صداقة بينهم ولا قرابة (١)، وقد قال في هذا المعنى أبو عامر جد العباس بن مرداس أبياتًا هي: لا نسب اليوم ولا خلة … اتسع الفتق على الراتق لا صلح بيني فاعلموه ولا … بينكم ما حملت عاتقي سيفي وما كنا بنجد وما … فرفر قمر الواد بالشاهق يوم ذات الرمرم وهذا يوم آخر من أيام بني سُلَيْم، وكان يومًا أسود عليهم، لقد انتصرت فيه عليهم بنو مازن، والحرب سجال، وبنو مازن أخوة سُلَيْم مثل هوازن فجميعهم من منصور بن عِكْرمة بن خَصفَة بن قيس عيلان بن مُضَر بن نزار بن معد بن عدنان.

стр. 1570

يوم تثليث كانت سُلَيْم غزت مع زعيمها العباس بن مرداس، مُرادًا من مَذْحِج القحطانية، فجمع لهم عمرو بن معد كرب، فالتقى الجمعان بتثليث، فصبر الفريقان، ثم وقفت رحا الحرب بينهما، على قاعدة: لا نصر ولا انكسار، وفي ذلك اليوم صنع العباس بن مرداس قصيدته السينية إحدى القصائد "المُنصِفَات" (١) ومطلعها: لأسماء رسم أصبح اليوم دارسا … وأقفر منها رحرحان فراكسا يوم بني نصر أغارت بنو نصر بن معاوية من هوازن، على ناحية من أرض بني سُلَيْم، فنهض لمقاومتهم العباسُ بن مرداس في جمع من قومه، وقابلهم فأكثر فيهم القتل، وكان النَّصر في هذا اليوم حليفًا لبني سُلَيْم. حرب الفجار بعث النعمان بن المنذر لطيمة له، إلى سوق عكاظ للتجارة، وأجارها له الرَّحالُ عروة بن عتبة بن جابر بن كلاب من عامر بن صعصعة من هوازن، فنزلوا على ماء يقال له "أوارة"، فوثب البراض بن قيس أحد بني بكر بن عبد مناة بنِ كنانة - وكان خليعًا - على عروة، فقتله وهرب إلى خيبر فاستخفى بها، ولقى بِشر بن أبي خازم الأسديَّ الشاعر، فأخبره الخبر، وأمره أن يُعلم بذلك عبد الله بن جُدعان، وهشام بن المغيرة، وحرب بن أمية من قريش، ونوفل بن معاوية الديلي، وبلعاء بن قيس من كنانة، فوافى "بشر" عكاظًا فأخبرهم، فخرجوا موائلين منكشفين إلى الحرم، وبلغ هوازن ومن آزرها من قبائل قيس عيلان وخاصة بني سُلَيْم الخبر آخر ذلك اليوم، فخرجوا في آثارهم فأدركوهم قد دخلوا الحرم، وتواعدوا مثل هذه الليالي من العام القابل، ومكثت قريش ومن معها من القبائل

стр. 1571

والأحلاف سنة يتأهبون لهذه الحرب، وتأهبت لها قيس عيلان، ثم حضروا من قابل ومعهم رؤساء قريش وقادتهم من جانب، ورؤساء قيس وقادتها من الجانب الآخر، وكان من هؤلاء: عباس بن رِعْل السُّلَمي، وكانت راية قيس إلى أبي براء عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب من بني عامر من هوازن، فسوى صفوفهم، فالتقوا، فكانت الدبَّرة أول النهار لقيس على قريش وكنانة ومن ضوى إليهم، ثم صارت الدَّبرة آخر النهار لقريش وكنانة على قيس، فقتلوهم قتلًا ذريعًا، ثم تنادوا بالصلح، وتصالحوا، ووضعت الحرب أوزارها، وعدَّوا القتلى، وَوَدَت قريش قتلى قيس، فضلًا عن قتلاهم، وانصرفت قريش وقيس. وقد حضر الرسول ﷺ هذه المعركة بين قبائل مُضَر وذكر الفجار فقال: "قد حضرته مع عمومتي ورميت فيه بأسهم، وما أحب أني لم أكن فعلت"، وكان يوم حضر ابن عشرين سنة (١). يوم عكاظ هو يوم من أيام الجاهلية، احتربت فيه كنانة وقريش، مع قيس التي منها بنو سُلَيْم، وذلك في اليوم الرابع من أيام عكاظ، وحمل عبد الله بن جدعان القُرشي يومئذ ألف رجل من بني كنانة على ألف بعير، وخشيت قريش أن يجري عليها ما جرى يوم العبلاء، فقيَّد حرب وسفيان وأبو سفيان: بنو أمية بن عبد شمسٍ أنفسهم، وقالوا: لا نبرح حتى نموت مكاننا، أو نظفر. وكان علي بني هاشم: الزبير بن عبد المطلب، ومعه رسول الله ﷺ ، وأعمامه: أبو طالب وحمزة والعباس، وعلي بني أمية وأحلافها: حرب بن أمية، وعلي بني عبد الدار: عكرمة بن هاشم، وعلي بني أسد: خويلد بن أسد، وعلى بني مخزوم: هشام بن المغيرة (والد أبي جهل)، وعلي بني تيِّم: عبد الله بن جدعان، وعلي بني جُمَح: معمر بن خبيب، وعلي بني سهم: العاص بن وائل، وعلي بني عدي: زيد بن عمرو، وعلي بني عامر بن لؤى: عمرو بن عبد شمس (والد سهيل بن عمرو)، وعلي بني فهر: عبد الله بن الجراح (والد أبي عبيدة)، وعلي بني بكر بن عبد مناة بن كِنَانة: بلعاء بن قيس، وعلي بني أسد بن خزيمة (٢): بشر بن أبي خازم. وعلي بني فراس بن غنم من كِنَانة: عمير بن قيس.

стр. 1572

ودخل القوم في معركة حامية الوطيس، وانهزمت قيس هزيمة ساحقة ومعهم بنو سُلَيْم، وقيل - كالعادة - في هذا اليوم شعر يصف المعركة، ومنه قول ضرار بن الخطاب: ألم تسل الناس عن شأننا … ولم يثبت الأمر كالخابر غداة عكاظ إذا استكملت … هوازن في كفها الحاضر وجاءت "سُلَيم" تهز القنا … على كل سلهبة ضامر وجئنا إليهم على المضمرات … بأرعن ذي لجب زاخر فلما التقينا أذقناهم … طعانا بسمر القنا العاثر ففرت "سُلَيْم" ولم يصبروا … وطارت شعاعًا "بنو عامر" وفرت "ثقيف" إلى لاتها … بمنقلب الخائب الخاسر وقاتلت "العَنْسُ" شطر النها … وثم تولَّت مع الصادر (١) يوما حوزة: الأول والثاني وهو لسُلَيْم على غَطَفَان، وباعثه أنه كان بين معاوية بن عمرو بن الشريد من سُلَيْم، وهاشم بن حرملة أحد بني مُرَّة من غطفان كلام في عكاظ، فقال معاوية: لوددتُ والله أني قد تَرَّبْتُ الرَّطبة، وهي جُملة معاوية، وكانت الدهر تنطف ماءً ودهنًا، وإن لم تدهن - فلما كان بعدُ، تهيأ معاوية ليغزو هاشمًا، فنهاه أخوه صَخْرٌ، فقال: كأني بك إن غزوتهم علق بجمتك حَسَكُ العرفط: (شجر من العضاة) فأبى معاوية وغزاهم يوم حوزة، فرآه هاشم قبل أن يراه معاوية، وكان هاشم ناقهًا من مرض أصابه، فقال لأخيه دريد بن حرملة: إن هذا إن رآني لم آمن أن يشدَّ عليَّ، وأنا حديث عهد بشِيكةٍ، فاستطرِدْ له دوني حتى نجعله بيني وبينك، ففعل، فحمل عليه معاوية وأردفه هاشم، فاختلفا طعنتين، فأردى معاوية هاشمًا عن فرسه "الشمَّاء". وأنفذ هاشم سنانه من عانة معاوية، وكر عليه دريد فظنه قد أردى هاشمًا، فضرب معاوية بالسيف فقتله، وشدَّ خفاف بن عمير على

стр. 1573

مالك بن حارث (حمار الفزازي)، وعادت فرس هاشم حتى دخلت في جيش بني سُلَيْم فأخذوها، وظنوها فرس الفزازي الذي قتله خُفاف، ورجع الجيش حتى دنوا من صخر أخي معاوية، فقالوا: أنعم صباحًا، فقال: حُييتم بذلك، ما صنع معاوية؟ قالوا: قُتل، قال: فما هذه الفرس؟ قالوا: قتلنا صاحبها، قال: إذن أدركتم ثأركم، هذه فرس هاشم بن حرملة. هذا، وفي (معجم ما استعجم) للبكري أن (حوزة) هي (حورة) بالراء المهملة سواء في ذلك يوم حوزة الأول أم الثاني التالي: (مادة حورة) وقيل أنها (الجورة) أيضًا). ولمقتل معاوية أزمع صخر أخوه أن ينتقم، وأن يثأر لأخيه القتيل من قاتليه، فأغار عليهم في يوم حوزة الثاني، وتمكن من قتل دُريد بن حرملة أخي هاشم بن حرملة رئيس بني مُرَّة، ثم قام رجلٌ من بني جُشَم من هوازن هو عمرو بن قيس الجُشمي، بقتل هاشم بن حرملة، فاستراحت بذلك بنو سُلَيْم، وسُرَّت الخنساء بمقتل المُرِّي، ولها شعر كثير في ديوانها ترثي به أخويها: معاوية وصخرًا، ولها أبيات ميميةٌ قدرت فيها بسالة الفارس الجُشَمي قاتل هاشم بن حرملة (١). هذا، وقد علل كتاب "أيام العرب في الجاهلية" غزو معاوية السُّلَمي لبني مُرَّة بأنه عشق امرأة أحدهم وهو هاشم بن حرملة - فامتنعت وأخبرت زوجها بذلك، وقال: إن اسم هذه المرأة هو "أسماء" المُريَّة. وكان لقاؤه لها في سوق عكاظ، في موسم من مواسم العرب، وقد أضافت إلى امتناعها منه أن قالت له: (أما علمتَ أني عند سيد العرب: هاشم بن حرملة؟) فأحفظه ذلك، فقال: (أما والله لأقارعنَّهُ عنكِ!) قالت: (شأنك وشأنه) ورجعت إلى هاشم فحدثته بما قال معاوية، وما قالت له، فقال هاشم: (فلعمري لا نريم أبياتنا حتى ننظر ما يكون من جهده)، ثم التقيا، فقال معاوية: (لوددت والله أني قد سمعت بظعائن يَنْدُبْنَك)، فرد عليه هاشم بما أحفظه، فلما انصرم

стр. 1574

الشهر الحرام وتراجع الناس عن عكاظ، خرج معاوية غازيًا في فرسان قومه من بني سُلَيْم، يريد هاشم بن حرملة في قومه من بني مُرَّة وفزارة - ومرةٌ وفزارة في ذبيان من بني غَطَفَان - فنهاه أخوه صخر، وقال له: كأني بك إن غزوتهم عَلِقَ بك حَسَكُ العرفط، فأبى معاوية أن يتراجع، وسار بقومه إلى حوزة، وقد قيلت في ذلك أشعار أهمها وأشهرها قصائد الخنساء في رثاء أخيها القتيل على ما سبقت إليه الإشارة (١). و (حوزة) على ما في معجم البلدان لياقوت كأنه مصدر حاز يحوز حوزة واحدة: واد بالحجاز كانت عنده هذه الوقعة، وقد مر بنا أن البكري جعلها (حورة) بالراء. يوم ذات الأثل بعد يوم حوزة الثاني غزا صخر بن عمرو بن الشريد السُّلَمي، بني أسد بن خُزيمة من مُضَر، واكتسح إبلهم، فأتى الصريخ بني أسد، فركبوا حتى تلاحقوا بذات الأثل - في بلاد تيم الله بن ثعلبة، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وطعن ربيعة بن ثور الأسدي صخرًا في جنبه، وفات القوم بالغنيمة، وجرى "دم" صخر من الطعنة، فمرض قريبًا من الحول، حتى مَلَّهُ أهله، فلما طال عليه البلاء، وقد نتأت قطعة من جنبه مثل اليد في موضع الطعنة، قالوا له: لو قَطَعْتَها لرجونا أن تَبْرَأَ، فقال: شأنكم، فقطعوها فمات، فرثته أخته الخنساء رثاءً حارًّا صادرًا من أعماق قلبها، كما رثت منْ قبله أخاها معاوية الذي قُتل قبله في حرب كان هو مُشعل نارها. يوم عَدْنِيَّة وهو يوم ملحان، وكان قبل يوم ذات الأثل، فيما قاله أبو عبيدة؛ وذلك أن صخرًا غزا بقومه وترك الحي خِلوًا، فأغارت عليهم غَطَفَان، فثارت إليهم غلمانهم ومن كان تخلف منهم، فقُتلَ من غطفان نفر وانهزم الباقون، فقال في ذلك صخر:

стр. 1575

جزى الله خيرًا قومنا إذ دعاهم … بِعَدْنِيَّةَ الحيُّ الخُلُوف المُصبَّحُ وغلمانُنا كانوا أسُودَ خفية … وحَقَّ علينا أن يُثابُوا ويُمدحوا همُ نَفَّرُوا أقرانهم بِمُضَرَّسٍ … وسَعْرٍ وذادوا الجيش حتى تزحزحوا كأنهم إذ يُطْرَدُون عشية … بِقُنَّةِ مِلْحَانٍ، نعام مروَّح (١) ومِلْحَانُ الذي تُنسب إليه هذه المعركة هو جبل في ديار بني سُلَيْم. يوم الكَديِد وقع نزاع بين نفرِ من سُلَيْم، ونفرٍ من بني فِراس بن مالك بن كِنانة، فقتلت بنو فِراس رجلين من بني سُلَيْم، ثم إنهما وَدَوْهما - أعطوا ديتهما - ثم ضرب الدهر ضربته، فخرج نبيشة بن حبيب السُّلَمِى غاريًا، فلقى ظُعُنًا - نساءً في الهوادج - من بني كِنانة بالكديد، ومعهنَّ قَوْمُهُنَّ من بني فِراس، وفيهم عبد الله بن جِذل الطَّعَّان، والحارث بن مكدم، فلما رآهم الحارث قال: هؤلاء بنو سُلَيْم يطلبون دماءهم، فقال أخوه ربيعة: أنا أذهب حتى أعلم علم القوم، فآتيكم بخبرهم، وتوجه نحوهم، فلما ولَّى قال بعض الظُّعنِ: هرب ربيعة، فقالت أخته عزة بنت المكدم: أين ترة - نفرة - الفتى؟ فعطف - وقد سمع قول النساء - فقال: لقد عَلِمْنَ أنني غير فَرِقْ … لأَطْعَنَنَّ طعنةً وأعتنقْ أُصْبِحُهُمْ صاح بمحمر الحدقْ … عَضْبًا حُسامًا وسِنانًا يأْتَلِقْ ثم انطلق يعدو به فرسه، فحمل عليه بعض القوم، فاستطرد - تقهقر - له في طريق الظُّعنِ، وانفرد به رجل من القوم فقتله وتبعه، ثم رماه نبيشة أو طعنه، فلحق بالظُّعُنِ يستدمي حتى انتهى إلى أمه أم سنان (٢) فقال: اجعلي على يدي عصابة، وهو يرتجز:

стр. 1576

شُدِّي عليَّ العَصْبَ أم سيار … فقد رزُيتِ فارسًا كالدينار يطعن بالرمح أمام الأدبار فقالت أمه: إنَّا بنو ثعلبة بن مالكْ … مرور أخبار لنا كذلكْ من بين مقتول وبين هالكْ … ولا يكون الرزء إلا ذلكْ وَشَدَّت عليه عصابة، فاستقاقها ماءً، فقالت: إن شربتَ الماء مُتَّ!، فَكَرَّ راجعًا يشتد على القوم، وينزفه الدم حتى أثخن، فقال للظُّعُن: أوْضِعْنَ ركابكنَّ - أي احثثن ركابكن على السير السريع - حتى ينتهين إلى أدنى البيوت من الحي، فإني لما بي سوف أقف دونكنَّ لهم على العقبة، فأعتمدُ على رمحي، فلا يقدمون عليكن لمكاني، ففعلن ذلك … وهكذا حمى ربيعة بن مكدم الأظعان حيًّا وميتًا، ولم يفعل ذلك غيره فيما قاله عمرو بن العلاء، وإنه يومئذ غلام له ذؤابة، وقد اعتمد على رمحه - كما قال - وهو واقف لَهُنَّ على متن فرسه، حتى بلغن مأمنهن، وما يقدم القوم عليه. ورآه نبيشة بن حبيب وهو على وضعه ذلك فلاحظ أنه مائل العنق، فأبدى مُلَاحَظَتَهُ هذه الذكية، وعطف عليها بقوله: (وما أظنه إلا قد مات)، وأمر رجلًا من خُزاعة كان معه أن يرمي فرسه، فرماها، فقمصت - رفعت يديها، وطرحتهما معًا - فمال عنها ميتًا. ثم لحق بنو سُلَيْم، الحارث بن مكدم الكِنَاني فقتلوه، وألقوا على أخيه ربيعة أحجارًا، فمر به رجل من بني الحارث بن فهر (قريش)، فنفرت ناقته من تلك الأحجار التي أُهيلت على ربيعة، فقال يرثيه ويعذر أن لا يكون عقر ناقته على قبره، وحضَّ على قَتَلَتِهِ، وعَيَّر من فر وأسلمه من قومه: مرت (١) قلوصِيَ من حجارة حَرَّةٍ … بُنِيَتْ على طَلْقِ اليدين وَهُوبِ لا تنفري يا ناق منه فإنه … سَبَّاءُ خمر مِسْعَرٌ لحروب لولا السِّفار، وبُعْدُ خَرْقٍ مَهمهٍ … لتركتها تحبو على العرقوب

стр. 1577

فرَّ الفوارسُ من ربيعة بعدما … نجاهُمُ من غمرة المكروب لا يَبْعدَنَّ ربيعةُ بن مُكَدَّمٍ … وسقى الغوادي قَبْرَهُ بِذَنُوبِ ويقال: إن قائل هذا الشعر هو ضرار بن الخطاب بن مرداس، أحد بني محارب بن فهر، وقيل إن قائله هو حسان بن ثابت. وقال عبد الله بن جذل الطَّعَّان، متوعدًا بني سُلَيْم: وَلأَطْلُبَنَّ ربيعة بن مكدم … حتى أنالَ عُصَيَّةَ بن معيصٍ و"الكديد" الذي حصلت فيه المعركة: موضع أو ماء على اثنين وأربعين ميلًا من مكة في شمالها بين عسفان وأمج، وقد أفطر فيه النبي ﷺ قدومه من المدينة إلى مكة بشهر رمضان، ومعنى الكديد - بفتح الكاف - لغة: البطن الواسع من الأرض. يوم بُرْزَة كان يوم بُرْزَة يومَ نصر لبني فِراس (من كنانة) علي بني سُلَيْم، وبُرْزَةُ اسم موضع، وقد ذكر الرواة أنه بعد أن قتلت بنو سُلَيْم، ربيعة بن مكدم فارس كنانة (بيوم الكديد) رجعوا وأقاموا ما شاء الله، ثم إن مالك بن خالد بن صخر بن عمرو بن الشريد - وكان بنو سُلَيْم توجوه ثم ملكوه عليهم - بدا له أن يغزو بني كنانة، فأغار علي بني فراس بَبُرْزَةَ، ورئيس بني فراس يومئذ عبد الله بن جِذلٍ، ومن بني فراس هؤلاء ربيعة بن مكدم قتيل سُلَيْم. ولما التقى الجمعان دعا عَبدُ الله بن جذل إلى البراز، فبرز إليه هندُ بن خالد بن صخر، فقال له عبد الله: من أنت؟ فقال: أنا هند بن خالد بن صخر، فقال عبد الله: أخوك أسَنُّ منك - يريد مالكًا المتوَّج، فرجع وأحضر أخاه، فبرز عبد الله، وجعل يرتجز ويقول: اقتربوا قِرْفَ الْقِمَعْ … إني إذا الموت كنعْ لا أتوقى بالجزعْ وَشَدَّ على مالك فقتله، فبرز إليه أخوه كُرز بن خالد بن صخر، فشد عليه عبد الله فقتله أيضًا، فخرج إليه أخوهما عمرو بن خالد، فتخالفا طعنتين، فجرح كلُّ واحد منهما صاحبه وتحاجزا، فقال عبد الله بن جِذْلٍ:

стр. 1578

تجنبتُ هندًا رغبة عن قتاله … إلى مالك أعشو إلى ضوء مالكِ فأنفذته بالرمح حين طعنته … معانقة ليست بطعنة باتكِ وأُثْنِي لِكُرْزٍ في الغبار بطعنة … علت جِلْدَهُ منها بأحمر عاتكِ قتلنا سُلَيْمًا غثَّها وسمينها … فصبرًا سُلَيْمًا قد صبرنا لذلكِ فإن تك نسواني بَكَيْنَ فقد بكت … كما قد بكت أمٌّ لكرز ومالكِ كما قال قصيدة أخرى يفتخر فيها بما افتخر به في هذه القصيدة (١). يوم الفيفاء بعد يوم برزة الذي كان لبني كِنانة علي بني سُلَيْم حَرَّمَ بنو سُلَيْم النساء والدهن على أنفسهم، حتى يدركوا ثأرهم من خصومهم القَبَليِيِّنَ: (بني كنانة) فأغار عمرو بن خالد بن صخر علي بني فِراس، فقتل منهم نفرًا، منهم عاصي بن المعلى، ونضلة، والمُعَارِك، وعمرو بن مالك، وحصن، وشريح، وسبي سَبْيًا فيهم ابنة مكدم، فقال عباس بن مرداس في ذلك يرد على عبد الله بن جِذْلٍ شعره الذي قاله يوم برزة: ألا أبلغنْ عني ابن جِذْلٍ ورَهْطَهُ … فكيف طلبناكم بكُرْزٍ ومالكِ غداة فجعناكم بحصن وبابنه … وبابن المعليَّ: عاصم والمُعارِك ثمانية منهم ثأرناهمو به … جميعًا وما كانوا بَوَاءًا (٢) بمالكِ نذيقكُم - والموتُ يبني سُرَادقًا … عليكم - شَبَاَ حدِّ السُّيوف البَوَاتِكِ تلوح بأيدينا كما لاح بارق … تَلأْلأَ في داجٍ من الليل حالكِ وقال هند بن خالد بن صخر بن عمرو بن الشريد:

стр. 1579

قتلتُ بمالك عمرًا وحِصنًا … وخَلّيتُ القتام على الخدود وكُرْزًا قد أبأتُ به شُرَيْحًا … على أثر الفوارس بالكَديِدِ جزيناكم بما انتهَكوا، وَزدنا … عليه ما وجدنا من مزيدِ جلبنا من جنوب الفرد جُرْدًا … كَطَيْرِ الماء غلَّسَ بالورودِ (١) يوم بئر معونة قدم أبو بَراءِ عامرُ بن مالك ملاعب الأسنة الكلابي من بني عامر (هوازن) في السنة الرابعة من الهجرة على رسول الله ﷺ في المدينة وقارب الإسلام، وطلب من النبي أن يبعث رجالًا، من أصحابه إلى أهل نجد، ليدعوهم إلى الإسلام، وقال: أنا جار لهم. فبعث النبي ﷺ المنذرَ بن عمرو في أربعين رجلًا من أصحابه، فساروا حتى نزلوا بئر معونة - وتقع بين أرض بني عامر وَحَرَّة بني سُلَيْم - فقام حرام بن مِلْحَان حتى أتى حوَاءً - مجتمع بيوت الحي - منهم فاحتبى أمام البيوت وقال: يا أهَلَ بئر معونة!، إني رسول محمد إليكم، إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، فآمِنُوا بالله ورسوله. فخرج إليه عامر بن الطفيل الكلابي من كِسْر البيت - جَاَنِبِه - برمح، فضرب به في جنبه حتى خرج من الشق الآخر، فقال حرام بن ملحان: فُزْتُ ورب الكعبة، واتبعوا أثرهُ حتى أتوا أصحابه، واستعانوا عليهم بقبائل من بني سُلَيْم: عُصُيَّة ورِعْلٍ وذكوان، وخرجوا جميعًا حتى غَشَوُا القوم فأحاطوا بهم في رحالهم، وقاتلهم المسلمون قتالًا عارمًا حتى قُتلوا عن آخرهم، ما عدا كعب بن زيد النَّجَّاري، فإنهم تركوه وبه رمق، فارتُثَّ من بين القتلى - أي سلم وهو مثخن بالجراح - وعاش حتى قُتل يوم الخندق، وما عدا عمرو بن أمية الضمَّري من كنانة الذي أُسر وأطلَق عامر بن الطفيل سراحه لأنه من مُضَر. وقد شق على أبي براء - مُجِيرِ البعثة النبوية - ما حدث من عامر بن الطفيل وحرضه حسان بن ثابت الأنصاري شاعر رسول الله ﷺ على عامر بن الطفيل في شعر منه قوله:

стр. 1580

بني أم البنين ألم يَرُعْكُمْ … وأنتم من ذوائِب أهلَ نجْدِ تَهَكُّمُ عامر بأبي بَرَاءٍ … ليخفره، وما خَطَأُ كَعَمْدِ فلما بلغ قولُ حسان مسامعَ أبي براء حمل على عامر بن الطفيل فطعنه، فأخطأ مقتله ووقع عن فرسه. وقد تأثر الرسول ﷺ ، من هذه الحادثة تأثرًا عميقًا، وكان متخوفًا مما حدث (١)، وكان يوم بئر معونة في صفر سنة أربع للهجرة. يوم مرج راهط عندما مات يزيد بن معاوية حدثت بيعتان بالخلافة، وكانت إحدى البيعتين بالشام لمعاوية بن يزيد، والأخرى كانت بمكة والحجاز لعبد الله بن الزبير ﵁. اختار أهل الشام للخلافة معاوية بن يزيد. ولكنه رفضها واستقال منها عندما رأى المسلمين مختلفين أشد اختلاف، ولم ير في نفسه القدرة على إعادة الوحدة لهم بعد أن تصدَّعت، وبذلك أصبحت الشام بدون خلافة. واختار أهل مكة والحجاز عبد الله بن الزبير، وحينما علم الحُصين بن نمير قائد حملة يزيد بن معاوية على ابن الزبير في مكة - بموت يزيد حاول أن يجتذب إليه عبد الله بن الزبير فيوليه الخلافة في الشام، على أن يُؤمِّن الناس ويهدر الدماء التي كانت بين ابن الزبير وابن نمير، فأبى عبد الله بن الزبير ذلك بإصرار وإعلان، وقام - في العراق - عبيد الله بن زياد بحملة دعائية له، فبايعه أهل البصرة ظاهرًا ثم بايعوا ابن الزبير، ولما شعر بضعفه بينهم هرب إلى الشام، وهكذا دخل أهل البصرة وأهل الكوفة في بيعة ابن الزبير مع أهل مكة والحجاز. وكان الضحَّاك بن قيس أميرًا في الشام، والنعمان بن بشير أميرًا لحمص، وزفر بن الحارث أميرًا لقنسرين، وكان هوى هؤلاء جميعًا مع عبد الله بن الزبير، وكان حسان بن مالك الكلبي أميرًا لفلسطين وهواه مع بني أمية، وسبب ذلك أن بني كلب كانوا أخوال يزيد بن معاوية، لأن أمه (ميسونُ الكلبية) وكانت بطون كلب بن وبرة القُضاعية اليمانية قد انتشرت في أراضين واسعة، شملت دومة
следующие страницы →