شُدِّي عليَّ العَصْبَ أم سيار … فقد رزُيتِ فارسًا كالدينار
يطعن بالرمح أمام الأدبار
فقالت أمه:
إنَّا بنو ثعلبة بن مالكْ … مرور أخبار لنا كذلكْ
من بين مقتول وبين هالكْ … ولا يكون الرزء إلا ذلكْ
وَشَدَّت عليه عصابة، فاستقاقها ماءً، فقالت: إن شربتَ الماء مُتَّ!، فَكَرَّ راجعًا يشتد على القوم، وينزفه الدم حتى أثخن، فقال للظُّعُن: أوْضِعْنَ ركابكنَّ - أي احثثن ركابكن على السير السريع - حتى ينتهين إلى أدنى البيوت من الحي، فإني لما بي سوف أقف دونكنَّ لهم على العقبة، فأعتمدُ على رمحي، فلا يقدمون عليكن لمكاني، ففعلن ذلك … وهكذا حمى ربيعة بن مكدم الأظعان حيًّا وميتًا، ولم يفعل ذلك غيره فيما قاله عمرو بن العلاء، وإنه يومئذ غلام له ذؤابة، وقد اعتمد على رمحه - كما قال - وهو واقف لَهُنَّ على متن فرسه، حتى بلغن مأمنهن، وما يقدم القوم عليه.
ورآه نبيشة بن حبيب وهو على وضعه ذلك فلاحظ أنه مائل العنق، فأبدى مُلَاحَظَتَهُ هذه الذكية، وعطف عليها بقوله: (وما أظنه إلا قد مات)، وأمر رجلًا من خُزاعة كان معه أن يرمي فرسه، فرماها، فقمصت - رفعت يديها، وطرحتهما معًا - فمال عنها ميتًا.
ثم لحق بنو سُلَيْم، الحارث بن مكدم الكِنَاني فقتلوه، وألقوا على أخيه ربيعة أحجارًا، فمر به رجل من بني الحارث بن فهر (قريش)، فنفرت ناقته من تلك الأحجار التي أُهيلت على ربيعة، فقال يرثيه ويعذر أن لا يكون عقر ناقته على قبره، وحضَّ على قَتَلَتِهِ، وعَيَّر من فر وأسلمه من قومه:
مرت (١) قلوصِيَ من حجارة حَرَّةٍ … بُنِيَتْ على طَلْقِ اليدين وَهُوبِ
لا تنفري يا ناق منه فإنه … سَبَّاءُ خمر مِسْعَرٌ لحروب
لولا السِّفار، وبُعْدُ خَرْقٍ مَهمهٍ … لتركتها تحبو على العرقوب
стр. 1577
فرَّ الفوارسُ من ربيعة بعدما … نجاهُمُ من غمرة المكروب
لا يَبْعدَنَّ ربيعةُ بن مُكَدَّمٍ … وسقى الغوادي قَبْرَهُ بِذَنُوبِ
ويقال: إن قائل هذا الشعر هو ضرار بن الخطاب بن مرداس، أحد بني محارب بن فهر، وقيل إن قائله هو حسان بن ثابت.
وقال عبد الله بن جذل الطَّعَّان، متوعدًا بني سُلَيْم:
وَلأَطْلُبَنَّ ربيعة بن مكدم … حتى أنالَ عُصَيَّةَ بن معيصٍ
و"الكديد" الذي حصلت فيه المعركة: موضع أو ماء على اثنين وأربعين ميلًا من مكة في شمالها بين عسفان وأمج، وقد أفطر فيه النبي ﷺ قدومه من المدينة إلى مكة بشهر رمضان، ومعنى الكديد - بفتح الكاف - لغة: البطن الواسع من الأرض.
يوم بُرْزَة
كان يوم بُرْزَة يومَ نصر لبني فِراس (من كنانة) علي بني سُلَيْم، وبُرْزَةُ اسم موضع، وقد ذكر الرواة أنه بعد أن قتلت بنو سُلَيْم، ربيعة بن مكدم فارس كنانة (بيوم الكديد) رجعوا وأقاموا ما شاء الله، ثم إن مالك بن خالد بن صخر بن عمرو بن الشريد - وكان بنو سُلَيْم توجوه ثم ملكوه عليهم - بدا له أن يغزو بني كنانة، فأغار علي بني فراس بَبُرْزَةَ، ورئيس بني فراس يومئذ عبد الله بن جِذلٍ، ومن بني فراس هؤلاء ربيعة بن مكدم قتيل سُلَيْم.
ولما التقى الجمعان دعا عَبدُ الله بن جذل إلى البراز، فبرز إليه هندُ بن خالد بن صخر، فقال له عبد الله: من أنت؟ فقال: أنا هند بن خالد بن صخر، فقال عبد الله: أخوك أسَنُّ منك - يريد مالكًا المتوَّج، فرجع وأحضر أخاه، فبرز عبد الله، وجعل يرتجز ويقول:
اقتربوا قِرْفَ الْقِمَعْ … إني إذا الموت كنعْ
لا أتوقى بالجزعْ
وَشَدَّ على مالك فقتله، فبرز إليه أخوه كُرز بن خالد بن صخر، فشد عليه عبد الله فقتله أيضًا، فخرج إليه أخوهما عمرو بن خالد، فتخالفا طعنتين، فجرح كلُّ واحد منهما صاحبه وتحاجزا، فقال عبد الله بن جِذْلٍ:
стр. 1578
تجنبتُ هندًا رغبة عن قتاله … إلى مالك أعشو إلى ضوء مالكِ
فأنفذته بالرمح حين طعنته … معانقة ليست بطعنة باتكِ
وأُثْنِي لِكُرْزٍ في الغبار بطعنة … علت جِلْدَهُ منها بأحمر عاتكِ
قتلنا سُلَيْمًا غثَّها وسمينها … فصبرًا سُلَيْمًا قد صبرنا لذلكِ
فإن تك نسواني بَكَيْنَ فقد بكت … كما قد بكت أمٌّ لكرز ومالكِ
كما قال قصيدة أخرى يفتخر فيها بما افتخر به في هذه القصيدة (١).
يوم الفيفاء
بعد يوم برزة الذي كان لبني كِنانة علي بني سُلَيْم حَرَّمَ بنو سُلَيْم النساء والدهن على أنفسهم، حتى يدركوا ثأرهم من خصومهم القَبَليِيِّنَ: (بني كنانة) فأغار عمرو بن خالد بن صخر علي بني فِراس، فقتل منهم نفرًا، منهم عاصي بن المعلى، ونضلة، والمُعَارِك، وعمرو بن مالك، وحصن، وشريح، وسبي سَبْيًا فيهم ابنة مكدم، فقال عباس بن مرداس في ذلك يرد على عبد الله بن جِذْلٍ شعره الذي قاله يوم برزة:
ألا أبلغنْ عني ابن جِذْلٍ ورَهْطَهُ … فكيف طلبناكم بكُرْزٍ ومالكِ
غداة فجعناكم بحصن وبابنه … وبابن المعليَّ: عاصم والمُعارِك
ثمانية منهم ثأرناهمو به … جميعًا وما كانوا بَوَاءًا (٢) بمالكِ
نذيقكُم - والموتُ يبني سُرَادقًا … عليكم - شَبَاَ حدِّ السُّيوف البَوَاتِكِ
تلوح بأيدينا كما لاح بارق … تَلأْلأَ في داجٍ من الليل حالكِ
وقال هند بن خالد بن صخر بن عمرو بن الشريد:
стр. 1579
قتلتُ بمالك عمرًا وحِصنًا … وخَلّيتُ القتام على الخدود
وكُرْزًا قد أبأتُ به شُرَيْحًا … على أثر الفوارس بالكَديِدِ
جزيناكم بما انتهَكوا، وَزدنا … عليه ما وجدنا من مزيدِ
جلبنا من جنوب الفرد جُرْدًا … كَطَيْرِ الماء غلَّسَ بالورودِ (١)
يوم بئر معونة
قدم أبو بَراءِ عامرُ بن مالك ملاعب الأسنة الكلابي من بني عامر (هوازن) في السنة الرابعة من الهجرة على رسول الله ﷺ في المدينة وقارب الإسلام، وطلب من النبي أن يبعث رجالًا، من أصحابه إلى أهل نجد، ليدعوهم إلى الإسلام، وقال: أنا جار لهم. فبعث النبي ﷺ المنذرَ بن عمرو في أربعين رجلًا من أصحابه، فساروا حتى نزلوا بئر معونة - وتقع بين أرض بني عامر وَحَرَّة بني سُلَيْم - فقام حرام بن مِلْحَان حتى أتى حوَاءً - مجتمع بيوت الحي - منهم فاحتبى أمام البيوت وقال: يا أهَلَ بئر معونة!، إني رسول محمد إليكم، إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، فآمِنُوا بالله ورسوله. فخرج إليه عامر بن الطفيل الكلابي من كِسْر البيت - جَاَنِبِه - برمح، فضرب به في جنبه حتى خرج من الشق الآخر، فقال حرام بن ملحان: فُزْتُ ورب الكعبة، واتبعوا أثرهُ حتى أتوا أصحابه، واستعانوا عليهم بقبائل من بني سُلَيْم: عُصُيَّة ورِعْلٍ وذكوان، وخرجوا جميعًا حتى غَشَوُا القوم فأحاطوا بهم في رحالهم، وقاتلهم المسلمون قتالًا عارمًا حتى قُتلوا عن آخرهم، ما عدا كعب بن زيد النَّجَّاري، فإنهم تركوه وبه رمق، فارتُثَّ من بين القتلى - أي سلم وهو مثخن بالجراح - وعاش حتى قُتل يوم الخندق، وما عدا عمرو بن أمية الضمَّري من كنانة الذي أُسر وأطلَق عامر بن الطفيل سراحه لأنه من مُضَر. وقد شق على أبي براء - مُجِيرِ البعثة النبوية - ما حدث من عامر بن الطفيل وحرضه حسان بن ثابت الأنصاري شاعر رسول الله ﷺ على عامر بن الطفيل في شعر منه قوله:
стр. 1580
بني أم البنين ألم يَرُعْكُمْ … وأنتم من ذوائِب أهلَ نجْدِ
تَهَكُّمُ عامر بأبي بَرَاءٍ … ليخفره، وما خَطَأُ كَعَمْدِ
فلما بلغ قولُ حسان مسامعَ أبي براء حمل على عامر بن الطفيل فطعنه، فأخطأ مقتله ووقع عن فرسه. وقد تأثر الرسول ﷺ ، من هذه الحادثة تأثرًا عميقًا، وكان متخوفًا مما حدث (١)، وكان يوم بئر معونة في صفر سنة أربع للهجرة.
يوم مرج راهط
عندما مات يزيد بن معاوية حدثت بيعتان بالخلافة، وكانت إحدى البيعتين بالشام لمعاوية بن يزيد، والأخرى كانت بمكة والحجاز لعبد الله بن الزبير ﵁.
اختار أهل الشام للخلافة معاوية بن يزيد. ولكنه رفضها واستقال منها عندما رأى المسلمين مختلفين أشد اختلاف، ولم ير في نفسه القدرة على إعادة الوحدة لهم بعد أن تصدَّعت، وبذلك أصبحت الشام بدون خلافة.
واختار أهل مكة والحجاز عبد الله بن الزبير، وحينما علم الحُصين بن نمير قائد حملة يزيد بن معاوية على ابن الزبير في مكة - بموت يزيد حاول أن يجتذب إليه عبد الله بن الزبير فيوليه الخلافة في الشام، على أن يُؤمِّن الناس ويهدر الدماء التي كانت بين ابن الزبير وابن نمير، فأبى عبد الله بن الزبير ذلك بإصرار وإعلان، وقام - في العراق - عبيد الله بن زياد بحملة دعائية له، فبايعه أهل البصرة ظاهرًا ثم بايعوا ابن الزبير، ولما شعر بضعفه بينهم هرب إلى الشام، وهكذا دخل أهل البصرة وأهل الكوفة في بيعة ابن الزبير مع أهل مكة والحجاز.
وكان الضحَّاك بن قيس أميرًا في الشام، والنعمان بن بشير أميرًا لحمص، وزفر بن الحارث أميرًا لقنسرين، وكان هوى هؤلاء جميعًا مع عبد الله بن الزبير، وكان حسان بن مالك الكلبي أميرًا لفلسطين وهواه مع بني أمية، وسبب ذلك أن بني كلب كانوا أخوال يزيد بن معاوية، لأن أمه (ميسونُ الكلبية) وكانت بطون كلب بن وبرة القُضاعية اليمانية قد انتشرت في أراضين واسعة، شملت دومة
стр. 1581
الجندل وبادية السماوة، والأقسام الشرقية من بلاد الشام، ولما أخْرَجَ العرب المسلمون الرومَ من الشام قامت هذه البطون بدَوْرٍ بارز في السياسة، إذ أيَّدت الأمويين (١)، وقد تدرج الخلاف بين الفريقين من الكلام إلى الخطابة إلى المضاربات إلى القتال والمناجزة حيث كان كل فريق من الفريقين المتنازعَيْنِ يريد أن يكسب المعركة السياسية بكل الوسائل الممكنة. وحدث ذات يوم بعد ما استحكمت حلقات الخلاف أن قام "ثور بن مَعْنٍ السُّلَمي" فأشار على الضحَّاك بن قيس الفهري بأن يُظْهرَ ما كانوا يخفونه من بيعة عبد الله بن الزبير بالخلافة ولم يكن هذا الرأي مُوَفَّقًا ولا حازمًا، فإن الأمر لم ينضج بَعْدُ، على ما كان يهدف إليه الضَّحَّاكُ، ويفتلُ له في الذروة والغارب، وفي الوقت نفسه اجتمع حسان وبنو أمية بالجابية وتشاوروا في الخليفة، واتفقت كلمتهم على تولية مروان بن الحكم، فبايعوه بالخلافة. هذا ومع ما كان لدى الضحَّاك من جَلد ومن عزم فإنه لم يتملكْ أعصابه هذه المرة، فاستجاب - كما يبدو لنا - إلى مشورة ثور بن معن السُّلَمي المرتجلة، فكانت (معركةُ مرج راهط) بين الجانبين الثمرة المباشرة لهذه الاستجابة بعد مبايعة مروان بالخلافة - وقد انتصرت بنو كلب فيها على القيسية نصرًا حاسمًا، وكانت هذه المعركة التي وقعت سنة ٦٤ هـ أو ٦٥ هـ ذات عقابيل ونتائج وخيمة على العرب والمسلمين فيما بَعْدُ، بما فرَّقَتْ من وحدة العرب المسلمين وبما أوهنت من قواهم المعنوية والمادية في ذلك الجيل وفي الأجيال اللاحقة (٢).
وفي رواية (الاستيعاب) لابن عبد البر في ترجمة الضحَّاك بن قيس الفهري هذا تفصيل للواقعة وأسبابها بشكل آخر، وقد حدد وقت الواقعة بأنه نصف ذي الحجة من عام ٦٤ هـ. (انظر مادة الضحَّاك بن قيس القرشي الفهري في الاستيعاب ص ٧٤٤ و ٧٤٥ القسم الثاني).
يوم البِشْر
كان هذا اليوم من أيام بني سُلَيْم، بعد معركة مرج راهط، وقد انتقمت فيه بنو سُلَيْم القيسية من خصومهم السياسيين والحربيين - بني تَغْلِب - وروافد هذه
стр. 1582
الحرب الضروس منبثقة من معركة (مرج راهط) فمنها جذورها ومصادر اندفاقها.
وقد ذكر المؤرخون أنه بعد مقتل عبد الله بن الزبير ﵁ بسنة ٧٢ هـ هدأت الفتنة بين القبائل القيسية والتغلبية، واجتمع الناس على عبد الملك بن مروان، وتكافَّتْ قيس وتغلب عن المغازي فيما بينهما، ولكنه تكافٌّ على دَخَلٍ، ولكل شيء سبب، فقد حدث - لسوء حظ بني تغلب - أن أنشد الشاعرُ التغلبيُّ "الأخطل" عَبدَ الملك بن مروان - وكان لديه ساعتئذ وجوه قيس وصناديدها، ومن بينهم الجَحَّافُ بن حكيم السُّلَمي - أبياتًا من قصيدة له كان مدح بها بعض بني أمية، وقد تعرض فيها لبني سُلَيْم تعرضًا مُزرِيًا بهم، فانزعج لهذا الصنيع السُّلَميون الحاضرون وعلى رأسهم الجحَّاف، وبدأ الغضب يتطاير من عينيه، ثم مضى إلى قومه واحتال عليهم - حتى أطاعوه - لحرب بني تغلب، فأقبل علي بني تغلب مع قومه وبنو تغلب لا يعلمون، وكانوا مجتمعين في (البِشْر) فقتل السُّلَميون منهم فيه خمسمائة رجل، وتجاوزوا قتل الرجال إلى قتل النساء والأطفال، وهكذا كانت معركة البشر أو يوم البشر معركة أخذ فيها بنو سُلَيْم ثأرهم من بني تغلب بالكيل الوافي الطافح، لقد ثأروا منهم حيال قتلهم لأحد رجالاتهم: عمير بن الحباب السُّلَمي، وهكذا أطفأ الجحَّاف جمرة غضبه في دماء بني تغلب، ورد ردا فعليا بليغًا وعميقًا على تحدي الأخطل له أمام الخليفة.
وقد تَثَعْلَب النمر الذي كان يصول ويزمجر بين جوانح الأخطل بعد هذه الواقعة الحاسمة على ما فصلناه في ترجمة (الجحَّاف بن حكيم السُّلَمي) في الفصل الخاص بتراجم "الأمراء والمحتسبين والقادة والولاة للسُّلَميين" من هذا الكتاب.
وعلى عادة العرب عقب غزواتهم نرى الشعر يدخل ميدان المعركة، مجسمًا ومقدِّرًا وواصفًا انتصار بني سُلَيْم على تغلب، وواضعًا انكسار شوكة بني تغلب وانهزام شوكتهم أمام التيار الجارف الهابط عليهم من خصومهم السُّلَميين.
يوم الحرَّة
وقعت هذه المعركة المنسوبة إلى "الحرَّة" بين بني حرب من خولان القحطانية من صعدة باليمن وبني سُلَيْم، في عصر الهمداني أو قريب منه، وربما في
стр. 1583
القرن الهجري الثالث (١)، وقد قُتل في ذلك اليوم سبعون رجلًا من بني سُلَيْم، قتلهم بنو حرب. كما قُتل من حرب جماعة من رجالهم منهم أربعة من بني محمود من ولد عمرو بن زياد من سعد بن سعد بن خولان، وهؤلاء الأربعة المقتولون في تلك المعركة على يد السُّلَميين هم الإخوة: محمد وأحمد والحسن وحسين (٢).
يوم الرغامة
وقد بقي أثر هذه المعركة التي قُتل فيها أربعة من أبناء أحد رؤساء حرب: محمود المذكور آنِفًا عالقًا في نفسه، فأزمع الانتقام من سُلَيْم، ومن ثَمَّ جمع لهم جموعًا من قومه وسار إليهم، فَصَبَّحَهُمْ يوم الرغامة فقتل منهم مائة رجل ويقول الحسن الهمداني روايةً عن أبي جعفر المجالي: (وكانت عليهم أي بني سُلَيْم يومئذ عمائمُ خَزٍ زُرْقٌ، فلم يلبس سُلَميٌّ بعدها عمامة زرقاء (٣).
وما أورده الحسن الهمداني هنا من أن بني سُلَيْم كانوا يومئذ بعمائم خَزٍ زرق، يضع أمامنا شيئًا من نوع "زيِّ" بني سُلَيْم في القرن الهجري الثالث، ونستطيع أن نقول انطلاقًا من هذه العبارة: إن بني سُلَيْم كانوا في ذلك الزمن يَعْتَمُّونَ بالعمائم المنوعة، فقد لبسوا - للحرب - عمائم خَزٍ زُرْقًا، إبرازًا لشجاعتهم وتمييزًا لهم عن غيرهم .. والعمائم تيجان العرب.
يوم شرف الأثاية
وهذا يوم من أيام بني سُلَيْم ذكره الهمداني في كتاب "الإكليل" بمناسبة ذِكْرِهِ ليومي الحَرَّة والرغامة، اللذين غزت فيهما حرب بني سُلَيْم "وفي يوم شرف
стр. 1584
الأثاية كان الغازي لهم (ابن ملاحظ) وقد لقَّبه الهمدانى: بـ (سلطان مكة) مع أنه أحد أمرائها من قبل بعض خلفاء بني العباس - ولعل إمْرَتَهُ لمكة كانت في أواخر القرن الثالث (١) وقد انتصروا على جيشه وقتلوا أصحابه وأسروه، فأقام عندهم وقتًا، ثم مَنَّوا عليه وخلوا سبيله (٢) و"الشَّرَفُ" - لُغَةً - من معانيه: المكان العالي، فلعل موضع المعركة كان شَرَفًا عاليًا في أثاية و"أثاية" بفتح الهمزة - عرفها لنا ياقوت في معجم البلدان بأنها: "موضع طريق الجحفة بينه وبين المدينة خمسة وعشرون فرسخًا" (٣).
و (أُثاية) وردت في (معجم ما استعجم) للبكري مضمومة الهمزة، ونَصَّ على ذلك بالتعريف الحرفي، وقد عرفها لنا البكري بقوله (في مادة الرويثة): (وهي بئر دون العَرْج بميلين عليها مسجدٌ للنبي ﷺ ، وبالأثاية أبيات وشجر أراك، وهناك ينتهي حد الحجاز، وهناك وجد رسول الله ﷺ الظبيَّ الحاقف - أي النائم المنحني في نومه - في ظلٍ، وفيه سهم، فقيل: إن رسول الله أمر رجلًا أن يقف عنده لا يريبه أحد من الناس حتى يجاوزه) (٤)
وهكذا اتضح لنا مكان المعركة، فإنها وقعت بقرب الْعَرْج الذي نزل فيه بنو حرب لأول مرة في هجرتهم الجماعية من صعدة باليمن إلى الشمال.
هذا، وقد أفادنا الهمداني بامتداد منازل حرب بين مكة والمدينة بعد هجرتهم الجماعية من اليمن، فقد ذكر له محمود - وهو أحد رؤسائهم أنهم نزلوا بقُدُس من الحجاز، وبها عَنَزة ومُزَيْنة وبنو الحارث وبنو مالك من سُلَيْم، وقد ناصبتهم عَنَزةُ الحرب، فأجلوا عَنَزة من قُدَس إلى الأعراض من خيبر بعد معركة ضارية، ثم ناصبتهم مُزَيْنَةُ الحربَ، وكانت أهل ثروة زهاء خمسة آلاف، فقتلوا من مُزَيْنة مقتلة عظيمة وأُجْلوا إلى الساحل من الجار - الْبُرَيْكَة - والصفراء، وأرض جُشَم من هوازن أخوة سُلَيْم فهم بها إلى اليوم - أي إلى يوم كتب الهمداني كتابه الإكليل، لا يدخلون الفُرْع إلا بجوار وذمامٍ من بني حرب وبقية سُلَيْم، فناصبتهم بنو الحارث
стр. 1585
وبنو مالك من سُلَيْم وهم زهاء أربعة آلاف، وهم أهل الحرَّتين والبقيع (١)، فحاربوهم دهرًا فأجلوهم عن الحرَّتين والبقيع، وقتلوا منهم عددًا كثيرًا، وصارت بنو الحارث وبنو مالك "السُّلَميون" لا يدخل منهما، الحرَّتين والبقيع داخل إلا بذمام من بني حرب، وقد يُبقي عليهم محمود (رئيس من رؤساء حرب) لأن أمه جُشَمِيَّةٌ من هوازن بن منصور إخوة سُلَيْم بن منصور.
هذا، وقد أفادنا الهمداني بملابسات تَغَلُّب حَرب بعدئذ على طريق المدينة إلى مكة، فقال: (فلما غلبت بنو حرب على تلك البلاد، وقَهَرَتْ، تعلقت قريش بأصهارهم وأسند إليهم كلٌّ، وألْقى أزمة أمره في أيديهم، وغلبوا على طريق المدينة إلى مكة فلم يسرها أحد منهم إلا بخفارتهم، وكان المقتدر العباسي يبعث إليهم طول حياته بالمال في خفارة الطريق، وإلى اليوم وهم على ذلك) (٢) ويذكر لنا الإصطخري صاحب كتاب المسالك والممالك: أن طائفة من اليمن يعرفون ببني حرب استولت - في عصره - على ضياع أولاد جعفر بن أبي طالب الهاشميين بودان القريبة من الجُحْفَة (٣).
وقد أطنب رحَّالة الحج المصري محمد بن عبد القادر الأنصاري الجزيري من أهل القرن الهجري العاشر في ذكر أحوال أدراك (مدارك الأعراب) في طريق الحاج وقال عن عَنَزة: (إن حدودهم من طرف الحنك من الجهة القبلية إلى المدينة الشريفة إلى آبار علي - ذي الحليفة - إلى جبل مفرح - المفرِّحات - وذكر أحوال مدارك غيرهم وأفادنا بأن (بدرًا) كانت مدينة بها عيون ومزارع، وبأن (الجار) فرضة المدينة فيرد الحاج ماءها (٤).
стр. 1586
كما أطنب إبراهيم باشا رفعت في وصف ما لاقاه وهو أمير الحج المصري سنة ١٣٢٦ هـ - من أهوال إخلال قبائل حرب بالأمن بين المدينة ومكة أثناء عودة المحمل المصري من المدينة إلى ينبع، وقد اضطرهم القتال الذي نشب بينهم وبين بعض قبائل حرب بعد آبار درويش إلى العودة الإجبارية إلى المدينة بعد ما خسروا بعض القتلى من الجند وبعد أن نفقت بعض ركائبهم، نتيجة تبادل إطلاق النيران الحامية بينهم وبين أولئك الأعراب (١).
كما أنه ذكر في بيان خاص مفصَّل مكافآت أعراب حرب في طريق المدينة - مكة، أو مرتباتهم التي كانت تؤدى من مصر، لتأمين سلامة المحمل أثناء عبوره لديارهم إلى مكة (٢)، ولم ألحظ بين هؤلاء اسمًا لبني سُلَيْم.
ونحمد الله تعالى ومن حق قبائل حرب أن تحمده معنا، فقد انتشلتهم الحكومة السعودية من هذه الأوضار وأزالت معالم إخلالهم بالأمن، وعوضتهم اعمالًا وتعليمًا لأبنائهم ووظائف في الدولة وصناعات يقومون بها، فتدر عليهم رزقًا حلالًا وافرًا، يرفع من مستواهم الاجتماعي والصحي والاقتصادي، ويجعل منهم أعضاءً نافعين في جسم الأمة.
يمتنعون ثم يقتنعون
حينما ظهر الإسلام في جزيرة العرب كانت قريش في مكة تكيد له جهرًا وسرًّا، وتقف منه موقف العداء السافر، وحاولت أن يمتد هذا الموقف من الإسلام إلى سائر قبائل العرب في شبه جزيرة العرب، وكان من الميسور لهم أن يقوموا بالدعاوة السلبية ضده؛ لأنَّ سِدانة الكعبة ومشاعر الحج كانت بأيديهم، فهم ذوو مكانة دينية مرموقة لدى عرب الجاهلية، يضاف إلى ذلك مكانتها التجارية والاجتماعية.
وكانت بنو سُلَيْم من أحلاف بني أمية وقريش في جاهليتهم، وكان بعضهم شركاء لبعض في تجاراتهم، وقد تصاهر بعضهم مع بعض، فلا غرو إذا سَرَت
стр. 1587
إليهم من قريش عدوى المناهضة الأولى للإسلام، ولا بدع إذا تألَّبُوا على عداوته والنكاية بأهله، وقد رأينا بعض عرب الجاهلية في بئر معونة يفتكون بالبعثة النبوية الإسلامية المرشدة فتكًا ذريعًا، نتيجة الحقد العميق الذي يحملونه في صدورهم لمعتنقي الدين الجديد.
تقول (دائرة المعارف الإسلامية) البريطانية الأصل، في ترجمتها العربية بمصر: (إن السُّلَميين وأهل مكة من قريش تجمعهم مصالح مشتركة، ولذلك عادوا النبي ﷺ أول الأمر، فلما تبين لهم أن انتصار الإسلام أمر لا شك فيه أخذ هؤلاء البدو الذين يقيسون الأمور بميزان الواقع يفاخرون بإسلامهم) (١). ومع أننا نلمح في قولها هذا لونًا من الدس على إسلام بنو سُلَيْم فيما يتعلق بربط إسلامهم بقياسهم للأمور بواقع الميزان المصلحيِّ ومفاخرتهم - بمقتضى هذه المصلحة المادية - بدخولهم الإسلام، فمما لا ريب فيه أن انتصار الإسلام قبيل دخولهم الإسلام كان ظاهرة تلوح في كل أُفُقٍ من آفاق جزيرة العرب، ولكن دخول بني سُلَيْم في الإسلام - على ما هو الواقع - لم يكن نتيجة مصلحة مادية لاحت لهم، فرجحوها على ما هو أدنى منها، وإنما كان عن اقتناع وإيمان وتصديق ضمائرهم بأن الإسلام هو دين صدق وحق وسيمحو كل ما يعارضه في طريقه إلى كل ناحية، يدلنا على ذلك أمور وإرهاصات، فإن من رجالاتهم من دخلوا في دين الإسلام أول ظهوره بمكة، حتى قال عن نفسه هذا البعض بحقٍّ: إنه "رُبُعُ الإسلام"، لأنه كان رابع ثلاثة دخلوا فيه أول وجوده بمكة، قبل أن تبدو فيه أية مصالح مادية، وقد تابع البعض من سُلَيْم غير هذا أيضًا النبي ﷺ ، وظلوا في بلادهنم يكتمون إيمانهم، وكان مع ذلك - كما يبدو لنا - يحاولون أن يُدخلوا معهم في حظيرة الدين الجديد كل من يأمن بوائقه من قومه، وما كان ليخفى مطلقًا على المشركين بطبيعة الحال حالُ المسلمين إذا تعايشوا مع المشركين، ولابد أن من قوم هؤلاء المسلمين من كانوا شاعرين باعتناقهم لدين الإسلام ومفارقتهم للأوثان عارفين بذلك، ويتهامسون به في مجالسهم الخاصَّة وربما العامة، وكانت دعوة مُسلميهم السرية قد بدأت تظهر عندما لاحت بوارق انتصار الإسلام، فصاروا يدعون قومهم أو من يرجون منهم قرب الاستجابة لدعوتهم جهرًا، وهكذا كانت نفوس بني سُلَيْم مهيأة للإسلام
стр. 1588
مستعدة لدخوله، بدون النظر إلى مطامع أو مصالح قبيل فتح مكة، بدليل اشتراك ألف فارس منهم مع النبي، فلما فتحت مكة أقبلوا جماعات بخيلهم ورجلهم إلى الرسول ﷺ فآمنوا به، مصدقين من قلوبهم برسالته الإلهية، موحدين لربهم، مرتفعين عن أوضار الشرك وأغلاله التي كانت تحيط بهم فتحطُّ من مستواهم الروحي؛ ولذلك سرعان ما رأيناهم يجردون سيوفهم، ويبيعون نفوسهم رخيصة في الغزوات والمعارك الإسلامية التي تلتْ فتح مكة والتي خاضوها بكل بسالة وإقدام لرفع راية الدين الحنيف.
موقف بني سُلَيْم في رِدَّة العرب
حينما ارتدَّ بعض العرب في خلافة أبي بكر ﵁، كان موقف بني سُلَيْم حيال الإسلام، وحيال الردة متفاوتًا ومختلفًا، فبعضهم ثبت على الإسلام، وبعضهم سار في تيار الردة. وقد ضرب أبو بكر الصديق مرتديهم بالذين ثبتوا منهم على الإسلام، فكان قائدًا راشدًا بالغ الحكمة، فلا يفل الحديد إلا الحديد.
وكان أبو بكر قد ولَّى خالد بن الوليد مهمة إعادة المرتدين من العرب إلى حظيرة الإسلام، فقام بهذه المهمة العظيمة خير قيام.
جاء خالد "جو قراقر" وأتى "النقرة" ووجد جمعًا من بني سُلَيْم، يرأسهم أبو شجرة بن عبد العُزَّى السُّلَمي الذي أمُّه الخنساء الصحابية الشاعرة المشهورة، فقاتلوا خالدًا، واستشهد رجلين من المسلمين، ثم فضَّ الله جمع المرتدين وركب المسلمون أكتافهم.
وقدم في أيام الردة - الفجاءةُ السُّلَمي إلى المدينة عاصمة الخلافة الإسلامية الأولى، فقال لأبي بكر ﵁: احملني وقوَّني أُقاتل المرتدين، فحمله أبو بكر وأعطاه سلاحًا، فخرج من المدينة يعترض الناس، فيقتل المسلمين ويقتل المرتدين معًا، وجمع جمعًا!. فكتب أبو بكر إلى "طُريفة بن حاجزة السُّلَمي" أخي معن بن حاجزة السُّلَمي، وكان هو وأخوه ممن ثبت من سُلَيْم على الإسلام، وأمره أبو بكر بفتال الفجاءة، فنفذ ما أمره به الخليفة، وأُسر الفجاءة؛ فلما جاء الفجاءةُ
стр. 1589
إلى أبي بكر عاقبه بأن أمر بإحراقه في ناحية المُصلَّى (١) - مسجد الغمامة بالمدينة - جزاء ما سبق أن اقترفه من إحراق المسلمين.
وفي هذا المعنى يقول أبو جعفر الطبري:
(كانت سُلَيْم بن منصور قد انتفض بعضهم فرجعوا كفارًا، وثبت بعضهم على الإسلام مع أمير كان لأبي بكر عليهم، يقال له: معن بن حاجز (ة) أحد بنى حارث، فلما سار خالد بن الوليد إلى طُليحة الأسدي وأصحابه كتب (أبو بكر) (٢) إلى معن بن حاجز (ة) أن يسير بمن ثبت معه على الإسلام من بني سُلَيْم مع خالد، فساروا، واستخلف معني بن حاجز (ة) على عمله أخاه طُريفه بن حاجز (ة)، وقد كان فيمن لحق من بني سُلَيْم بأهل الردة - أبو شجرة بن عبد العُزَّى، وهو ابن الخنساء كما قدمنا آنفًا، فقال:
فلو سألتْ عنا غداة مُزامرٍ … كما كنتُ عنها سائلًا لو نأيْتُها
لِقاءَ بني فهر وكان لقاؤهم … غداة الجوِاءِ حاجةً فَقَضيتُها
صبرتُ لهم نفسي وعَرَّجتُ مُهرتي (٣) … على الطَّعْنِ حتى صار وَرْدًا كمُيتُها
إذا هي صَدَّت عن كمِيٍّ أُريده … عَدَلتُ إليه صَدرَها فَهَديتُها
وقال حين ارتد عن الإسلام:
صحا القلبُ عَنْ مي هَوَاه وأقصرا … وطاوع فيها العاذلين فأبصرا
وأصبَحَ أدْنَى رائد الجهل والصِّبِىَ … كما وُدَّها عنَّا كذلك تغيَّرا
إلى آخر الأبيات التي أوردناها في ترجمته كشاعر من شعراء سُلَيْم، وذلك في الفصل الخاص بشعرائهم.
وقال الطبري بعد ذلك: (ثم إنَّ أبا شجرة أسلم ودخل فيما دخل فيه الناس، حتى قدم المدينة في زمن عمر بن الخطاب، (وهنا أورد الطبري قصة دخوله على عمر مستجديًا، وقد ذكرنا هذه القصة في ترجمة أبي شجرة كشاعر من شعراء سُلَيْم) (٤).
стр. 1590
أحد عشر دورًا لبني سُلَيْم في الأحداث العربية والإسلامية
ليس من ريب في أن لبني سُلَيْم دَورًا ما في كثير من الأحداث العربية والإسلامية منذ بزغ فجر الإسلام، ومنذ كانوا مقيمين في ديارهم الأصلية بين الحرمين، ثم منذ فارقوها - أو فارقها أكثرهم، في الفتوحات الإسلامية إلى شرق وغرب، وإلى شمال وجنوب.
وهذ الدَّور الذي استمروا في القيام به على مسرح الأحداث الإسلامية والعربية طيلة قرون متتالية يؤكد أنهم قبيلة ذات حيوية.
وفي هذا الفصل نستعرض أهم تلك الأحداث عبر شريط الزمن الدَّوَّار:
في أول قائمة أدوار بني سُلَيْم في الإسلام قيامهم على البعثة النبوية، أو كما يقول أصحاب السيرة: قيامهم على السرية التي بعثها النبي ﷺ وعلى رأسها المنذر بن عمرو إلى بئر معونة: موضع ببلاد هُذَيْل بين مكة وعسفان في صفر على رأس أربعة أشهر من غزوة أحد، وكان مُلاعبُ الأسنَّة الكلابي العامري قدم على رسول الله فعرض عليه الإسلام، فلم يسلم ولم يبعد، وطلب من الرسول أن يبعث رجالًا من أصحابه إلى أهل نجد يدعونهم ومن معهم إلى الإسلام رجاء أن يستجيبوا له. فبعث الرسول تلك السرية التي أكبر ما قيل عن عددها: إنه كان سبعين رجلًا، وأقل ما قيل عنه: إنهم كانوا ثلاثين وكان فيهم بعض من أسلموا من سُلَيْم، فلما نزلوا بئر معونة بعثوا أحدهم بكتاب إلى عامر بن الطفيل، فعدا على رسول رسول الله وقتله ثم استصرخ عليهم بني عامر من هوازن فأبوا أن يخفروا ذمة طالب قدوم البعثة: أبي براء ملاعب الأسنة، فاستصرخ قبائل رِعل وذكوان وعُصيَّة من سُلَيْم فأجابوه إلى ذلك، وأحاطوا بالبعثة في رحالها، وجالدتهم البعثة الإرشادية المؤمنة حتى قُتلت كلها ما عدا واحدًا، وقد وَجدَ النبي ﷺ على أصحاب بئر معونة وجدًا عميقًا (١).
وثاني الأدوار التي قامت بها بنو سُلَيْم استجابتها لدعوة زعماء مكة في غزوة الأحزاب، مع من استجاب لهم من العرب المؤازرين للشرك على الإسلام ولقريش
стр. 1591
على رسول الله ﷺ ، وكن قائدُ بني سُلَيْم في هذه الغزوة الجماعية للإسلام هو: سفيانَ بن عبد شمس السُّلَمي، لقد طابق اسمه اسم القائد العام للجيش المشترك في هذه الغزوة: سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس، وسفيان السُّلَمي هو والد أبي الأعور السُّلَمي؛ الذي ستمر بك ترجمته في هذا الكتاب ضمن تراجم فصل: (الأمراء والقادة والولاة السُّلَميين).
وثالث الأدوار السُّلَمية، في مسرح الحياة الإسلامية، انحيازهم الكُليَّ إلى جانب الخليفة عثمان بن عفان ﵁ في أول فتنة ضروس نجمت في العالم الإسلامي، وكان من الثمار التي اقتطفها بنو سُلَيْم من هذا الانحياز إلى الخليفة المظلوم ﵁، أن اكتسبوا عطف بني أمية منذ تولي معاوية الخلافة، إلى أن انشقوا عن بني أمية حينما رُشِّحَ للخلافة مروانُ بن الحكم. وقد ولى معاويةُ أحد بني سُلَيْم أبا الأعور بن سفيان بن عبد شمس السُّلَمي قائد بني سُلَيْم في معركة الخندق بالمدينة - ولَّاهُ القيادة أيضًا، فكان قائدًا في الإسلام كما كان أبوه قائدًا ضد الإسلام، كما ولى هشام بعد استتباب الأمر لبني أمية عبيدةَ أو (عُبيدَ) بن عبد الرحمن السُّلَمي الذي نرى أنه ابن أخي أبي الأعور - ولَّاهُ على إفريقية.
وبمناسبة تولية أبي الأعور وعبيد بن عبد الرحمن السُّلَمي نقول: إن مبدأ مشاركة رجالات بني سُلَيْم في إدارة دفة شئون الدولة الإسلامية، وفي مناصب الولاية خاصة كانت له سابقة منذ عهد عمر بن الخطاب، حيث رأيناه يولي عُتبة بن فرقد السُّلَمي إمارة بعض فتوحات العراق، كما رأينا أيضًا المغيرة بن شعبة أميز البصرة لعمر بن الخطاب، يُوَلَّي مجاشعًا - بالنيابة عنه - إمارة البصرة، وما كان له أن يفعل ذلك إلا بموافقة من عمر بن الخطاب، كما رأينا عثمان بن عفان الخليفة الثالث بعد عمر، يُوَلِّي عبد الله بن خازم السُّلَمي - ولاية خراسان، ورأينا من بعده عبد الله بن الزبير يستبقيه على ولاية خراسان، لمَّا آلت إليه الخلافة في مكة المُشرَّفة.
ورابع الأدوار كان حينما نجم الخلاف المستشري بين عبد الله بن الزبير الذي بويع في الحجاز وغيره من بلاد الإسلام بالخلافة، وبين مُرشح بني أمية للخلافة خالد بن يزيد، افترق عرب الشام إلى حزبين حزب مع ابن الزبير، وكان من هؤلاء القيسيةُ الذين منهم بنو سُلَيْم، وحزب مع بني أمية، وقد قفزت بنو سُلَيْم إلى مسرح الحوادث في هذه المعركة السياسية، فرأينا أحدهم (ثور بن معن السُّلَمي)
стр. 1592
ينهض إلى رئيس القبائل القيسية الضحَّاك بن قيس الفهري الأمير في الشام، ويقول له - وهو في طريقه إلى الجابية ليبايع الناس من يرتضونه للخلافة من الأمويين بعدما اتفق مع بني أمية على هذه الخطة - رأينا ثور بن معن السُّلَمي وهو يقول إذ ذاك للضحَّاك: "دعوتنا إلى ابن الزبير فبايعناك على ذلك، وأنت تسير إلى هذا الأعرابي من كلب تستخلف ابن أخته خالد بن يزيد، فقال له الضحَّاك: فما الرأي؟ قال معن: الرأي أن تُظهرَ ما كنا نكتم، وتدعو إلى ابن الزبير (١)، ويبدو أن الضحَّاك - مع ثقوب رأيه ودهائه وحذره - قد تفاعل مع رأي معن، فكان ذلك الإسفينَ الكبير الذي دقته يد الخلافات القَبَلية العارمة في صرح الوحدة الإسلامية بين ناشري لوائه على المعمورة: العرب المسلمين، وقد استمر - فعلًا - تأثيرُ معركة (مرج راهط) التي وقعت بين الفريقين المتخاصمين من العرب على (مُرَشَّحي الخلافة) فسقطت ضحايا منهم بلغت عشرات الألوف على ما يرويه لنا المؤرخون، وكان الأحرى بهم أن يصرفوا هذه القوة الضاربة التي دمرتها أيديهم بسبب خلافاتهم القبلية - في الفتوح الإسلامية، بضرب أعداء الإسلام المحيطين بهم يومئذ في كل مكان، ويذكر لنا ابن عبد البر في كتابه (الاستيعاب) أن رجالًا من قيس عيلان لم يضحكوا بعد يوم المرج حتى ماتوا (مادة الضحَّاك).
وكانت مساهمة بني سُلَيْم الفعَّالة في المعركة السياسية والحربية الدائرة بين عبد الله بن الزبير وأنصاره من جهة، وبين بني أمية وأنصارهم من جهة أخرى، هي الدور الرابع الذي قامت به بنو سُلَيْم على مسرح الأحداث الإسلامية.
ومن بعد الدور السابق يأتي الدور الخامس، وكان هذا الدور اقتصاديا سياسيا مزدوجًا سببه المباشر أو غير المباشر ما لاحظه هشام بن عبد الملك ولاحظه من قبله عبد العزيز بن مروان من أن القحطانيين في القطر المصري كانوا أغلبية العرب في مصر وأن القيسية أي العدنانية في مصر كانوا قلة، مما أفقد عرب مصر التوازن بين العنصرين الرئيسيين اللذين يتألف منهما الشعب العربي (٢). وهكذا
стр. 1593
شاهدنا انتقال (مائة بيت) من سُلَيْم وبني عمومتهم القيسيين من ديارهم الأصلية إلى مصر، وقد أنزلوا في بلبيس. وأمرهم الأمير عبيد الله بن الحبحاب بالزرع، ونظر إلى الصدقة من العشور، فصرفها إليهم، فاشتروا إبلًا، فكانوا يحملون الطعام إلى بحر القلزم - البحر الأحمر - فكان الرجل منهم يتحصل له في الشهر العشرة دنانير وأكثر وأقل، ثم أمرهم باشتراء الخيول، فجعل الذي يشتري المهر فلا يمكث إلا شهرًا حتى يركب، وليس عليهم مئونة في علف إبلهم ولا خيولهم لجودة مرعاهم. فلما بلغ ذلك عامة قومهم من القيسية، تحمل إليهم خمسمائة أهل بيت من البادية فكانوا على مثل ذلك، فأقاموا سنة، فأتاهم نحوٌ من خمسمائة أهل بيت ومات هشام وببلبيس ألف وخمسمائة أهل بيت من قيس، حتى إذا كان في زمن محمد بن مروان، وولَّى الحوثرة بن سهل الباهلي - مصر، ثم توالد القيسيون المصريون، وقدم عليهم من بادية هذه البلاد من قدم، فأُحْصوا في ولاية محمد بن سعيد، فوُجِدُوا خمسة آلاف ومائتين ما بين صغير وكبير.
ويلوح من الأمر الذي أصدره عبيد الله بن الحبحاب أمير مصر وأحد موالي قبيلة سَلُول من هوازن القيسية بشراء المُرحَّلين إلى مصر للخيول - أنه كان اجتماعيا بعيد النظر.
ويقول محمد بن أحمد بن تميم القيرواني المتوفي سنة ٣٣٣ هـ - ٩٤٤ م: "خرج من بني سُلَيْم أربعمائة وخمسون رجلًا لفتوح إفريقية" (١) وكان ذلك في عهد عثمان بن عفان (٢).
وفي عصر الولاة (١١٠ - ٢٥٤ هـ) كان في معادن التبر بأسوان قوم من بني سُلَيْم وغيرهم (٣).
стр. 1594
أما الدور السادس من أدوار بني سُلَيْم في الإسلام فيتمثل في القصة التي رواها أحدهم: عبد الله بن معروف أحد بني رياح بن مالك بن عُصية بن خفاف - وقد شَهد القصة - قال: جاءت محمدًا (النفس الزكية) بنو سُلَيْم على رؤسائها فقال متكلمهم جابر بن أنس الرياحي: يا أمير المؤمنين نحن أخوالك وجيرانك، وفينا السلاح والكراع، والله لقد جاء الإسلام والخيل في بني سُلَيْم أكثر منها بالحجاز، لقد بقي فينا منها ما إن بقي مثله عند عربي تسكن إليه البادية، فلا تُخندقِ الخندق، فإن رسول الله خندق خندقه لما الله أعلم به، فإنك إن خندقته لم يحسن القتال رجاله، ولم يوجه لنا الخيل بين الأزقة، وإن الذين يخندق دونهم هم الذين يقاتلون فيها، وإن الذين يُخندق عليهم يحول الخندق دونهم. فقال أحد بني شجاع: خندق رسول الله فاقتد برأيه أو تريدُ أنت أن تدع رأي رسول الله ﷺ ، لرأيك قال: إنه والله يا ابن شجاع ما شيء أثقلَ عليك وعلى أصحابك من لقائهم، ولا شيء أحبَّ إليَّ والى أصحابي من مناجزتهم. فقال محمد: (النفس الزكيه): إنما اتبعنا في الخندق أثر رسول الله ﷺ فلا يردني عنه أحد، فلست بتاركه، ولما تيقن محمد (النفس الزكية) أن محمد بن عيسى قائد حملة أبي جعفر المنصور لقتال محمد (النفس الزكية) بالمدينة قد أقبل، حفر الخندق: خندق النبي ﷺ الذي كان حفره للأحزاب، ولما أزمع حفره ركب إليه وعليه قباء أبيض ومنطقة وركب الناس معه فلما أتى الموضع نزل فيه فبدأ هو فحفر بيده، فأخرج لبنة من خندق النبي ﷺ فكبر وكبر الناس معه، وقالوا: أبشر بالنصر، هذا خندق جدك رسول الله ﷺ (١).
أما الدور السابع من أدوار تحركات بني سُلَيْم التي كانت وبالًا عليهم، فقد كان في أوائل القرن الهجري الثالث وبالدقة في سنة ٢٣٠ هـ، وهذا التحرك كان في عقر دارهم الأصلية بين الحجاز ونجد، فقد كانوا تطاولوا على الناس حول المدينة بالشهر، وكانوا إذا أرادوا سوقًا من أسواق الحجاز أخذوا سعرها كيف شاءوا، ثم ترقى بهم الأمر إلى أن أوقعوا بميناء الجار (ميناء المدينة المنورة) - بناس من بني كِنَانة وباهلة فأصابوهم وقتلوا بعضهم، وكان ذلك منهم في جمادي الآخرة سنة ٢٣٠ هـ وكان رأسهم - في هذا التحرك - عُزَيْزة بن قطَّاب السُّلَمي، وكان عاملُ
стр. 1595
المدينة - أميُرها - يومئذ محمدَ بن صالح بن العباس الهاشمي، فوجه إليهم حماد بن جرير الطبري، وكان الواثق بالله الخليفة العباسي في بغداد قد علم بعَبْثِ هؤلاء الأعراب حول المدينة، فوجه حمَّادًا هذا في قوة مسلحة للمدينة لئلا يتَطرقها الأعراب، وكان معه ٢٠٠ فارس من الشاكرية (١)، فتوجه حماد إلى بني سُلَيْم في جماعة من الجند ومن المتطوعين للخروج معه من قريش والأنصار ومواليهم وغيرهم من أهل المدينة، وسار إليهم فلقيته طلائعهم، وكانت بنو سُلَيْم كارهة للقتال، فأمر حماد بقتالهم، وحمل عليهم بالروُّيثة: موضع على ثلاث مراحل بين مكة والمدينة - وكان بنو سُلَيْم وأمدادهم من البادية (٦٥٠) رجلًا، وكان قُوَّادُهم: أشهَبَ بن دُوَيْكل بن يحيى بن حمْيَر العوفي من علَّاق بنو عوف بن بُهْثَة بن سُلَيْم، وعَمُّه سَلَمَةُ بن يحيى، وعَزْيزةُ بنُ قطَّاب اللبدي من بني لبيد من سُلَيْم، وكانت خيلهم (١٥٠) فرسًا، وجاءت إلى بني سُلَيْم أمداد أخرى بلغت (٥٠٠) رجل سُلَمي، وافَوْهُمَ في موضع يُسمى "أعلى الرويثة" بينه وبين موضع القتال - الذي هو "الرويثة" - أربعة أميال، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فانهزمت سودان المدينة بالناس، وثبت حمَّاد بن جرير الطبري وصحبه وقريش والأنصار، وقُتِلَ حَمَّادٌ قائد الجيش العباسي، وعامة أصحابه ومن ثبت معه من قريش والأنصار، وحازت سُلَيْم الكراع والسلاح والثياب، وغلظ أمرهم فاستباحوا القرى والمناهل فيما بين المدينة ومكة، حتى امتنع سلوك ذلك الطريق على الناس، ولم يكتف بنو سُلَيْم بعدوانهم على الطريق العام، بل تطرقوا من يليهم من قبائل العرب، وبلغ الأمر الواثقَ بالله فاهتم به، فوجه إليهم "بغا الكبير" أبا موسى التركي في الشاكرية والأتراك والمغاربة، وقدم بغا المدينة في شعبان من السنة المذكورة، وشخص إلى حَرَّة بني سُلَيْم لأيَّام بقين من شعبان، ليخضد شوكة بني سُلَيْم وكان على مقدمته طردوش التركي، فلقيهم ببعض مياه الحرَّة، وكانت الوقعة الفاصلة بينه وبينهم بشق الحرَّة من وراء السوارقية التي هي قرية من قراهم والتي كانوا يأوون إليها - والسوارقية حُصُونٌ - وكان أغْلَبَ من لقيه بغا منهم، بَنُو عوف، وفيهم عُزيزة بن قطَّاب والأشهب اللذان هما رأسا القُوَّاد يومئذ، وقَتَل بغا منهم نحوًا من (٥) رجلًا وأسر مثلهم، فانهزمت بقيتهم وانكشفوا، ثم أمنهم بغا على حكم أمير المؤمنين الواثق، وأقام بالسوارقية فأتوه واجتمعوا لديه، وهربت خفاف من بني
стр. 1596
سُلَيْم إلا أقلها، وهي التي كانت تؤذي الناس بالطريق، وقد احتبس بغا عنده زهاء ألف رجل من بني سُلَيْم وهم الذين وُصِفُوا بالشر والفساد، وَخَلَّى سبيل سائرهم، وسار بمن معه من الأسرى صوب المدينة في ذي القعدة سنة ٢٣٠ هـ، فحبسهم بها في الدار المعروفة بيزيد بن معاوية، ثم حج في ذي الحجة، وتجول في بعض ديار الأعراب الذين اعتادوا العبث في البلاد، ثم انصرف إلى المدينة وحبس من أخذه من بني هلال بن عامر من هوازن في دار يزيد بن معاوية أيضًا مع السُّلَميين، وسار بغا إلى بني مُرة وفزارة من غطفان بحرَّة فَدَك وفي حبس المدينة نحو من (١٣٠٠) رجل من بني سُلَيْم وهلال، فنقبوا دار الحبس فعرف الناس في المدينة بصنيعهم وتجمعوا عليهم، وكان عاملُ المدينة - أميرُها - يومئذ هو عبدَ الله بن أحمد بن داود الهاشمي، وحاصروهم حول الدار حتى أصبحوا، وكان وثوب السُّلَميين عشية الجمعة؛ وذلك أن القائد السُّلَمي عُزيزة بن قطَّاب قال لهم: إني أتشاءم بيوم السبت، واعتقب أهل المدينة قتالهم وقاتلتهم بنو سُلَيْم، فظهر عليهم أهل المدينة وقتلوهم جميعًا، وكان عُزيزة يرتجز ويقول:
لابُدَّ من زَحْمٍ وإن ضاق البابْ … إني أنا عُزيزةُ بنُ قَطَّابْ
للْموْتُ خير للفتى من العَابْ … هذا وَرَبِيّ عمل للْبَوَّابْ
ويقال: إنَّ بواب الحبس أخذ منهم رشوة لإطلاق سراحهم، وهذا ما يشير إليه البيت الأخير من رجز عُزيزة، وقد فك عُزيزة قيده فرمى به رجلًا فخر صريعًا، وكان عُزيزة بعد أن قُتِل أصحابه صار إلى بئر فدخلها فدخل عليه رجل من أهل المدينة فقتله، وَصَفَّ بغا قتلى بني سُلَيْم على باب مروان بن الحكم بعضها فوق بعض!
وكان مُؤذن أهل المدينة قد أذَّن ليلة حراستهم لبني سُلَيْم بِلَيَّلٍ، ترهيبًا لهم بطلوع الفجر وأنهم قد أصبحوا، فجعل بنو سُلَيْم يضحكون ويقولون: "يا شَرَبَةَ السَّوِيق! تعلموننا بالليل ونحن أعلم به منكم"، فقال رجل من بني سُلَيم:
متى كان ابن عباس أميرًا … يَصِلُّ لِصَقْل نابيه صَريفُ
يَجُورُ ولا يَردّف الجَوْرَ عنه … ويسطو ما لِوَقْعَتِهِ ضعيفُ
وقد كنا نَرُدُّ الجور عنَّا … إذا انْتُضِبَتْ بأيدينا السُّيوفُ
стр. 1597
أميرُ المؤمنين سما إلينا … سُمُوَّ الليث سار من الغريف
فإن يَمنُنْ فَعَفْوَ الله نرجو … وإن يَقتُل فَقَاتِلْنا شريف (١)
والدور الثامن من أدوار تحركات بني سُلَيْم، هو دور اضطراب أمرهم وهبوط مكانتهم الاجتماعية حينما اتصلوا بالقرامطة وآزروهم، وساروا معهم في احتلالهم لديار الشام، كان هذا الدور من أسباب متاعبهم في الداخل والخارج، إذ أغضب عليهم حاكم مصر، وربما أغضب غيره من الحكام آنذاك، وزاد، الطينة بَلةً، انتِقالُهُم مع القرامطة في عودتهم الإجبارية إلى البحرين، بعدما أُجْلُوا عنوةً عن بلادَ الشام بحد الحسام (٢). وكان بنو سُلَيْم ذوي عدد كبير، ربما كان يفوق عدد بني هلال (٣)، وقد اجتمع عليهم بنو عُقيْل بن كعب من بني عامر من هوارن، وبنو تغلب، فأخرجوهم من البحرين بأخرَةٍ، وإذا أخذنا بالرأي القائل: إن العُبيديين بمصر قد رأوا استغلال طاقة عربان بني سُلَيْم، وبني هلال (هوازن) الحربية الكبيرة في مشروعاتهم السياسية والحربية، فأوعَزوا إليهم بالنزوح من البحرين إلى مصر، بعد انتهاء أمر القرامطة، وقبل إخراج بني عُقيل، وبني تغلب لمن تبقى منهم في البحرين - فإننا نرى في ذلك ثغرة فتحها العبيديون و إيسفينًا دقوه لإضعاف شوكتهم وشوكة خصمهم السياسي "المعز بن باديس" في أفريقية الشمالية معًا. وهكذا صَادَ العبيديون - بضربتهم هذه البارعة المزدوجة - عصفورين بحجر واحد، وأثبتوا براعتهم السياسية وحنكتهم ودهاءهم، ولله در المتنبي حين يقول:
الرأيُ قبل شجاعة الشجعان … هو أولٌ وهي المحل الثاني
ونلمح الدور التاسع من أدوار تطورات حياة بني سُلَيْم في ديارهم الأولى، إذ يبدو أنهم بعد حملة التأديب البغدادية الكبرى راجعوا أنفسهم، وأقلعوا فترة من الزمن عن أعمال السلب والنهب وقطع طريق الحاج المار بديارهم، ولعل ذلك كان بضغط شديد أو بتوجيه حكيم من دار الخلافة، فازدهرت بلادهم بعض الشيء وعمرت وأصلحت، واتسعت جوانبُ الحياة في مدنهم وأمَّها الناس للتجارة
стр. 1598
والاستثمار من كل صوب، وربما ضُربت بها السكة الذهبية وغيرها لوجود المعادن لديهم، وقد ظهر لنا أثر هذا العمران الطارئ من قراءتنا للحجر الأثري الذي جلبه من بلادهم مباركُ بن عبد التواب السُّلَمي حيث ورد فيه ما يومئ إلى بعض ذلك، وقد كان هذا الحجر على ما يبدو - منصوبًا في طريق الحاج في داخل ديار بني سُلَيْم (١).
ويأتي الدور العاشر لهم ممثلًا في نقلهم بصورة جماعية من الديار المصرية إلى الديار المغاربية هم وبني عمومتهم بني هلال (٢)، وهي قصة مسرحية محبوكة أجاد حبك فصولها وإخراجها الوزير الداهية (محمد الحسن بن عبد الرحمن اليازوري) الفلسطيني وزير المستنصر العبيدي، المتوفي سنة (٤٥٠ هـ - ١٠٤٨ م) قتيلًا، وخلاصة هذه القصة أن (المعز بن باديس) واليَ إفريقية البربري، من قبل الدولة العبيدية مال بِكُلِّيَّته إلى أهل السُّنة، وإلى الدولة العباسية، وخلع شعارات الفاطميين فأحفَظَ ذلك عليه المستنصر العبيدي بمصر، فشاور وزيره (اليازوري) في الأمر، فأشار عليه بأن يأذن لبني سُلَيْم وبني هلال المقيمين بمصر بالسفر إلى إفريقية، وأن يكرمهم ويغدق عليهم الأموال ليُقوِّضوا دولة المعز بن باديس في إفريقية (٣)، وذلك بأن يوعز إليهم بأنه قد ولَّاهم شئون إفريقية ووكلهم عليها وكالة مطلقة، ويتصرفون فيها تصرف المُلَّاكِ في أملاكهم (٤)، وقد تفاهم الرجلان على
стр. 1599
ذلك وعلى كيْفِيَّة تنفيذ هذه الخطة البارعة، وعهد المستنصر العبيدي إلى "اليازوري" بأمر تنفيذها بحكمة وإصرار. وهكذا انطلق بنو سُلَيْم ومن معهم من الأعراب صوب إفريقية، يَقتُلُون ويقاتلون حتى وصلوا إلى "المعز بن باديس" فحاول استمالتهم بأن أصهر إليهم فزوج بعض بناته لبعضهم، ولكن هذه الحيلة لم تنطل عليهم، فاستمروا في تنفيذ المخطط الذي رُسم لهم حرفيًّا، وخاصة أن فيه ما يتفق ورغباتهم في السيطرة والحكم، وكان أن شددوا القبضة على المعز وأرهقوه من أمره عُسْرًا، ثم أجلوه آخر الأمر عن القَيْرَوان سنة ٤٤٩ هـ ودخلوها متتصرين، وتم ذلك لهم على ما خططه اليازوري وقدَّره، ثم استولوا في مدة وجيزة على ضواحي إفريقية، ونازلوا أمصارها وأخذوا الإتاوة من أهلها.
ويعلل الدكتور حسن إبراهيم حسن ما عمله المستنصر مع المعز بن باديس من نكاية، بأنه انتقام مقصود من بني زيري الذين خرجوا عليه برغم ما أسداه آباؤه لهم من مَكَارِم، فأطلق عليهم قبائل الرياحية والزغبية من بني هلال وبني عوف من سُلَيْم، وقد أوقعوا بالمعز بن باديس في موقعة حيدران سنة ٤٤٣ هـ، ومعنى ذلك أن زحف العرب استغرق أربع سنوات (٤٤٠ - ٤٤٣ هـ) ودخلوا القيروان وخربوها وأتوا على تراثها الزاهر، وضعف مُلكُ بني زيري بعد ذلك حتى لم يعد يجاوز أسوار مدينة المهدية، وقد سُرَّ المستنصر لهزيمة الزيريين، إذ استطاع أن ينتقم لنفسه منهم، وعبر عن سروره في الرسالة التي بعث بها إلى علي بن محمد الصليحي صاحب اليمن (١).
ويذكر قول ابن خلدون أن بني سُلَيْم استولوا على برقة، كما يذكر أن منهم بالصعيد والفيوم والبحيرة خلقًا كثيرًا، وكان ذلك على ما يظهر في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الهجريين.
وفي هذا الدور العاشر الذي تعاظم فيه شأن بني سُلَيْم كان لهم "وزن سياسي مرموق" في إفريقية، فيذكر التاريخ أن الأمير أبا يحيى زكريا بن الأمير أبي العباس أحمد بن اللحياني الحفصي، بعث بعد انصرافه من الحج عام ٧١١ هـ - محمد المزدوري - بين يديه - مع أشياخ من الكعوب من علَّاق بن عوف بن بُهْثَة
стр. 1600
من بني سُلَيْم، فتم له الأمر وخُطبَ له يوم الجمعة ٩ جمادى الأولى ٧١١ هـ على منابر تونس خطبة لم يُذكر فيها سلطان معين، ثم وصل تونس وبويع له بالمحمدية البيعة التامة في ثاني رجب ٧١١ هـ (١)، فلولا مكانة الوفد السُّلَمي الذي بعثه قبله ليبرم له الأمر ويحل له المشاكل ما تم له الأمر.
وفي هذا الدور العاشر نرى السُّلَميين يأخذون مكانهم تحت الشمس في أفريقية، فقد كانت لهم استطالة على الدول هنالك، واعتزاز بمركزهم القوي، فكان ملوك الحفصيين يتألفونهم بالولايات والإقطاعات ونحو ذلك، وقد نشب خلاف بينهم وبين السلطان أبي الحسن المريني، فوفد إليه من رجالهم: خالد بن حمزة أمير بني كعب من سُلَيْم، وأخوه أحمد، وخليفة بن عبد الله من بني مسكين، وابن عمه خليفة بن أبي زيد من أولاد القوس، فأكرم وفادتهم، ثم رفع إليه عبد الواحد اللحياني من أولاد الملوك الحفصيين أن بني سُلَيْم بعثوا إليه مع بعض حاشيته، يطلبون منه الخروج معه لينصَّبوه للأمر في إفريقية، وأنه خَشِيَ على نفسه بادرة السلطان فتبرأ إليه من ذلك، فغضب السلطان وسجن الوفد السُّلَمي الذي كان موضع إكرامه قبل هذا الحدث، ثم إن بني سُلَيْم تآمروا وتعاهدوا على قتال السلطان، فتوافت أحياؤهم من بني كعب وبني حكيم من علاق بتوزر، من بلاد الجريد في وسط البلاد التونسية، وتبايعوا على الموت، وولَّوْا الأمر رجلًا من بني عبد المؤمن اسمه أحمد بن عثمان بن أبي دبوس، وأقاموا له رسم السلطان، وهاجمهم السلطان في عام ٧٤٨ هـ، وبعد مصاولات بينهم انهزم السلطان أمامهم هزيمة شنعاء وبادر إلى القيروان، وكانت الهزيمة يوم الإثنين سابع المحرم ٧٤٩ هـ وحاصروُه ثم جنحوا لمسالمته والمفاوضة معه، فأطلق سراح المسجونين السُّلَميين الذين كانوا في سجنه، ثم هادنوه وأطاعوه آخر الأمر، ثم عقد الصهر مع أحدهم وهو عمر بن حمزة السُّلَمي وهو من الكعوب من علَّاق بن عوف، فزوج ابنة عمر، بابنه أبي الفضل (٢).
стр. 1601
ونصل إلى الدور الحادي عشر من أدوار انطلاقات بني سُلَيْم، وكانوا في هذه المرة بليبيا، فيذكر لنا الأمير شكيب أرسلان: أن أكثر عرب برقة والجبل الأخضر، من بني سُلَيْم بن منصور، وهم الذين ابتلاهم الله بالطليان في هذا العصر، ولم يزالوا يجاهدون عن دينهم ووطنهم منذ عشرين سنة (١).
قلت: وإكمالا لهذا الفصل أذكر بعض النصوص في كتاب دولة الإسلام لشمس الدين الذهبي المتوفي عام ٧٤٨ هـ: (٢)
- في سنة ٧١ هـ قُتل بخراسان متوليها عبد الله بن خازم السُّلَمي أحد الأمراء الأبطال، وله فتوحات.
- وفي سنة ٩٦ هـ مات عُتبة بن عبد السُّلَمي، وهو صحابي نزل حمص بالشام.
- وفي سنة ١١٢ هـ غزا أشرس السُّلَمي فرغانة، فأحاطت به الترك (الروم) وأخذ الخزر أردبيل بالسيف، فجهَّز هشام بن عبد الملك جيشًا التقوا الخزر فهزموهم واستنقذوا سبيًا كثيرًا ولطف الله.
- وفي سنة ١٣٦ هـ مات حُصين بن عبد الرحمن السُّلَمي الحافظ وله ثلاث وتسعون سنة، يروي عن الصحابة والكوفيين.
- وفي سنة ١٧٧ هـ مات الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة السُّلَمي الترمذي مصنف الجامع في رجب بترمذ، وهي مدينة كبيرة على نهر جيحون من جانبه الشرقي.
- وفي سنة ٢٨٠ هـ مات حافظ بغداد أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل السُّلَمي الترّمذي.
- وفي سنة ٣٥٥ هـ أخذت العرب البادية من بني سُلَيْم ركب مصر والشام وهلك الناس في البرية.
стр. 1602
قصصٌ من ماضي بني سُلَيْم
هذه قصص واقعية أخذناها من مصادر التاريخ العربي، بعضها كان في الجاهلية وبعضها كان في الإسلام، ومن طبيعة القصص - وخاصة الواقعية منها - الشفوفُ والكشف عن طبائع أبطالها، وإبراز خصائصهم وأهدافهم في الحياة.
وقد اخترنا من بين مجموعة قصص بني سُلَيْم المتَّسمة بطابع الواقعية، هذه القصص السبع التي حدث أولها في أواخر عهد بني سُلَيْم بالجاهلية، وحدث أخيرها في ضحى الإسلام وربما في أوائل القرن الهجري الرابع.
القصة الأولى
تَنافس في الجاهلية العباسُ بن مرداس وخُفَافُ بن عمير السُّلَميان، وكانا من رجالات بني سُلَيْم المعدودين فيهم، ثم تهاجيا بالشعر، ثم تقاتلا، وجرَّا قبيلة بني سُلَيْم إلى "حرب أهلية ضروس"، ثم دخل بعض رؤساء بني سُلَيْم من ذوي الرأي والحكمة فيما شجر بين الجانبين، بغية التوصل إلى فض النزاع الدامي وكف إراقة الدماء المهدورة في القبيلة، وإعادة المياه إلى مجاريها بين المتنافسين البطلين الشاعرين، وقد أدرك الندمُ العباس بن مرداس على ما فرط منه، فأظهر أسفه وأماط اللثام عن أمنيته أن لم يكن شيء مما حدث، ولكن خصمه خُفافًا كان على العكس من ذلك، كان نقيضه تمامًا في رأيه المستبصر المتراجع، وكان "خُفاف" عكس اسمه تمامًا في هذه القضية، كان "ثقيلًا" بمعنى الكلمة على منافسه وخصمه (عباس)، في الوقت الذي كان (عباس) عكس اسمه أيضًا في هذا الشأن، حيث كان (بَسَّامًا) يود أن تندمل الجروح فلا تُنْكأ، وأن يُسوَّى الخلاف فلا يُثار، وأن تحل "البسمات" محل "العبسات"، و"السلام والوئام" محل "الخصام والحسام"، وقد تمادى "خفاف" في ثقل عداوته لعباس، وردَّ على "عباس" ردًا شعويا قاسيًا أليمًا، وربما كان سبب ذلك (مركب النقص) الذي تحرك في نفسه بسبب لونه وخؤولته. وجاء الإسلام فدخل الرجلان في حماه، فتركا كل ما كانا فيه، وصارا من جنده وأبطاله وبذلك انحسم الداء وأسدل الستار على شحنائهما، بعد أن لم تُجدِ الوساطات القوية في جمع شملهما والتأليف بين قلوبهما، والإسلام هو طريق الإصلاح الشامل لذات النفوس وذات البين.
стр. 1603
القصة الثانية
حينما شق على معاوية بن أبي سفيان، سقوط مقادم فمه، وكان عنده يزيد بن معن السُّلَمي قال له يزيد مُسليًا له: "والله ما بلغ أحد سنك إلا كره بعضه بعضًا، ففوك أهونُ علينا من سمعك وبصرك"، فطابت نفس معاوية بهذه الحكمة العفوية تخرج من فم هذا السُّلَمي الصديق الجريء المنطيق.
القصة الثالثة
هاجت الفتنة شعواء سنة ١٧٥ هـ في دمشق عاصمة الخلافة الأموية، فيما بين المُضَرية واليمانية، وكان سببها أن اليمانية قتلوا قيسيًّا، فلم تُنجدهم سُلَيْم، وإنما أنجدتهم قُضَاعْة اليمانية، لقد اعتصمت سُلَيْم هذه المرة بالحكمة وعدم الانحياز، وتجنبت الوقوع في كوارث هي في غنى عن خوض غمارها، وكان أن امتدت هذه الفتنة حتى سنة ١٨٠ هـ وقد استطالت وغلظت في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد، فندب جعفر بن يحيى البرمكي إلى الشام لإطفاء هذا اللهب المستشري ففعل، وعاد إلى بغداد (١).
القصة الرابعة
قصد الشاعر ثابتٌ الرقي أحد بني أسد مع يزيد بن أسيد السُّلَمي، في ديات وجبت على ربيعة وقومه، فلم يعد منه بطائل، ومن ثم رحل إلى سميه: "يزيد بن حاتم المهلبي" وهو بالقيروان بإفريقية، فأعطاه عشر ديات ووصله وأحسن إليه إحسانًا عظيمًا، فأنشأ قصيدته التي مطلعها:
ألا طرقتنا باللِّوى أمُّ عاصم … وقد زارنا فيها خيال مجاشم
وفيها يقول - مفضلًا يزيد بن حاتم المهلبي، على سميه: يزيد بن أسيد السُّلَمي:
حلفتُ يمينًا غيرَ ذي مثنويَّةٍ … يمين امرئ آلى وليس بآثم
لشتَّان ما بين اليزيدين في الندى: … يزيد سُلَيْم والأغرَّ ابن حاتم
فَهَمُّ الفتى الأزدي إتلافُ ماله … وهَمُّ الفتى القيسيِّ جمعُ الدراهم
فلا يحسبِ التمتامُ أني هجوته … ولكنني فَضَّلْتُ أهل المكارم (٢)
стр. 1604
وسارت قصيدة ثابت الرقيُّ، في شتى الآفاق، وتداولتها الألسنة، حتى صارت كالمثل السيار على الأفواه قديمًا وحديثًا.
وقد اتفق أن نَخَّاسًا، عَرَض جاريتين على الأمير أحمد بن يزيدَ السُّلَمي - ابْنِ الذي قيلت فيه الأبيات المارةُ -، فقال أحمد بن يزيد السُّلَمي للنَّخَّاس: أيهما أحسن: هذه، أو هذه؟ فما كان من النخاس إلا أن أجابه - لسوء حظه - بقوله: بينهما - أعز الله الأمير - ما قال الشاعر:
لشتان ما بين اليزيدين في الندى: … يزيد سُلَيْم والأغرَّ ابن حاتم
فقال الأمير أحمد بن يزيد السُّلَمي: "خذوا بيد ابن الفاعلة"، لقد اغتم بما سمع، واغتم أكثر بسيرورة الشعر في مختلف الأوساط حتى تمثل به هذا "النخاس" أمامه ولم يكن يدري فيمن قيل ولا فيما قيل، ولا درى أن الأمير أحمد بن يزيد هو ابن الذي قيل في هجائه ذلك الشعر.
وبلغ هذا الشعرُ أبا الشمقمق، فقال يمدح يزيد بن مزيد الشيباني من بكر بن وائل:
لشتان ما بين اليزيدين في الندى: … إذا عُدَّ في الناس المكارمُ والمجدُ
يزيدُ بني شيبان أكرم منهما … وإن غضبت قيس بن عيلانَ والأزد (١)
ومن الجدير بالذكر في هذه القصة أن ولاية يزيد بن حاتم لإفريقية كانت من قبل أبي جعفر المنصور العباسي، في أواسط القرن الثاني الهجري، وكانت وفاته بسنة ١٧٠ هـ في خلافة هارون الرشيد.
وحكاية رمي الشاعر ثابت الرقيُّ، يزيد بن أسيد السُّلَمي بالشَحِّ البالغ ربما تعتبر في نظر الواقع من منسوجات خيال الشعراء، المنبثقة من عواطفهم وانفعالاتهم وتأثراتهم، فهم إذا رضوا أطنبوا في المدح وبالغوا فيه كما فعل ثابت مع ممدوحه يزيد بن حاتم، وإذا غضبوا أو لم تُستَجَبْ مطالبهمُ أعلنوا سخطهم وبالغوا في هجائهم، وحاولوا أن يكسو شعرهم في ذلك ما يجعله سَيَّارًا بين مختلف الأوساط، زيادة في النكاية بمن حرمهم من عطائه ومبالغة في تقدير من أكرمهم بإعطائهم.
стр. 1605
القصة الخامسة
ارتحل القاضي أبو بكر بن العربي المعافري الإشبيلي المولد، من المهدية بتونس قاصدًا السواحل المصرية، وهاج البحر الأبيض المتوسط عليهم في السفينة، وقد غرقوا فيه، فأخرجهم الله منه خروج الميت من القبر، وانتهوا بعد خطب طويل إلى بيوت بني كعب (١) من سُلَيْم، وهم في مسغبة وعطب وعُرْي، إذ قد قذف البحرُ زقاقَ زيت مزقت الحجارة جلدها، فاحتزموا الجلود بعد النجاة من الغرق واشتملوها، فعطف عليهم أمير سُلَيْم فآواهم وأكرم مثواهم وأطعمهم وكساهم، وكانت عنايته بهم ناتجة عن معرفتهم بمعرفة القاضي أبي بكر بن العربي منذ صباه للعبة الشطرنج التي يتعشقونها إذ ذاك، فقد حضر إليهم ابن العربي وهم يلعبون الشطرنج وعلى رأسهم أميرهم، فكشف لهم عن مهارته فيه، فأعجبوا به، وحدث أن حرك أمامهم بعض حجارة الشطرنج مُساعَدةً للأمير حتى غلبهم، وفي أثناء تلك التحريكات ترنم ابن عم الأمير منشدًا قول أبي الطيب المتنبي:
وأحلى الهوى ما شَكَّ في الْوَصْلِ رَبُّه … وفي الهجرِ فهو الدهْرَ يَرجُو ويَتَّقي
فقال الأمير: لَعَن الله أبا الطيب، أوَيَشُكُّ الرَّبُّ؟ وهنا لم يستطع القاضي أبو بكر أن يسكت، فبادره قائلًا: إنه لم يفهم مقصد الشاعر، فالمتنبي إنما أراد بالرب هنا: (صَاحبَ الهَوَى) لا (المَوْلى) جل وعلا، وغَرَضُ المتنبي أن أحلى الهوى ما يَشُكُّ المُحِبُّ فيه في وصال محبوبه له، فهو طيلةَ عمره بين حالتي رجاء الوصال وخوف الهجران، كما قال:
إذا لم يكن في الحب سُخْطٌ ولا رِضىً … فأيْنَ حَلَاوَاتُ الرَّسَائِلِ والْكُتْبِ؟
وعندما أدرك القوم أن ضيفهم عالم كبير من علماء المسلمين، وأديب كبير من أدباء العرب، وحدثهم بأن أباه معه، استدعوا أباه، وأكرم السُّلَميون مثواهما، وخلع عليه الأمير خِلَعَهُ، وجاد لهم بجفان الطعام، ومن ثم ساروا حتى انتهوا إلى مصر (٢).
стр. 1606
وتَرَنُّمُ ابن عم الأمير - أمير بني كعب السُّلَميين، ببيت أبي الطيب المتنبي، وإن أخطأ فهم مراده كل الخطأ ففيه دليل ضمنيٌّ على بقاء صلة هؤلاء الأعراب المنعزلين بالفصاحة، وتعلقهم بالشعر العربي وحفظهم لدُرره وغُرره، وربما يعود عدم فهمه للمقصود من كلمة (الرَّبُّ) في بيت المتنبي، إلى الجهل الذي كان يسودهم حينئذ، لانعزالهم في مضاربهم النائية في برية قفراء بساحل البحر الأبيض المتوسط، ولربما لم يكن لديهم معلمون مُثَقَّفونَ يدلونهم على مقاصد الشعراء الذين يحفظون الكثير من أشعارهم، والمسألة موكولة إلى الفهم السليقي، وللسليقة حدود إذا تجاوزتها ارتطمت بصخور الغلط والزلل والالتواء عن النهج القويم، وانهِمَاكُهُمْ في لعبة الشطرنج يدلنا على وجود (فراغ) في أوقاتهم، كما يدلنا على تفضيلهم لهذه اللعبة التي تمثل ميادين الحروب والمعارك التي يهفون إليها منذ نزلوا أو أُنزلوا في أفريقية.
هذا، وقد أفادنا ابن خلدون بأن السُّلَميين الذين نزل عليهم القاضي أبو بكر بن العربي هم من بني كعب من علَّاق بن عوف بن بُهْثَة بن سُلَيْم بن منصور. وكانوا عند إجازتهم إلى إفريقية - على أثر الهلاليين - ما زالوا مقيمين ببرقة، وقد أكرمه شيخهم كما ذكر ابن العربي في رحلته (١).
القصة السادسة
حينما ضاقت الأمور بإبراهيم بن عبد الله الحسني، واشتد الطلب عليه من العباسيين دخل البصرة في عام ١٤٥ هـ، وهي سنة مقتله بعد ظهور أخيه محمد في المدينة، وقد استقبله يحيى بن زياد بن حيان النبطي وأنزله بداره في بني ليث، فدعا الناس إلى بيعة أخيه محمد بالخلافة، وقد حوله الدعاة له في البصرة إلى وسطها، فنزل دار أبي مروان مولى بني سُلَيْم في مقبرة بني يشكر ليكون على مقربة من الناس، وولاه سفيان بن معاوية أمير البصرة على أمره، وكتب إليه أخوه محمد يأمره بالظهور.
وهكذا جعل أبو مروان السُّلَمي بالولاء من داره بالبصرة ملجأ سياسيا لهذا الزعيم الهاشمي الذي لم يقدر له إصابة مرماه، المتمثل في تولية أخيه (محمد)
стр. 1607
الخلافة، لأن الظروف لم تكن مواتية، ولأنَّ الخليفة العباسيَّ كان يقظًا وحازمًا، ولم يكن غافلًا عن الأحداث ولا نائمًا.
القصة السابعة
ظهر الْقُرْظُ في نواحي البحرين وعُمَانَ، سار إليها من الكوفة سنة ٢٧٩ هـ في أيام المعتضد العباسي، وانتسب الْقُرْظُ في دعوى كاذبة إلى بني إسماعيل ابن الإمام جعفر الصادق، وكان من أصحاب القرظ: الحسن الجمالي وزكرونة القاشاني، وقاموا بعده بالدعوة إلى عبد الله المهدي، وتغلبوا على البصرة والكوفة ثم انقطعوا عنهما إلى البحرين وعُمَان، وقامت لهم هناك دولة تغلَّب عليها - في المائة الرابعة للهجرة - بنو سُلَيْم، وبنو عُقَيل من هوازن، الذين كانوا مستوطنين في البحرين (الإحساء) بكثرة يومئذ (١).
العلَّامة عبد الرحمن بن خلدون وبنو سُلَيْم وبنو هِلَال - في بلاد المغرب -
عبد الرحمن بن خلدون، أحد مفاخر الحضارة العربية الإسلامية، وهو مستنبط "علم الاجتماع" وأبو بجدته، وقد ضمَّن مقدمته الفذة لتاريخه الكبير، هذا العلم نتيجة دراساته وتجاربه، ولكنه مع ذلك بشر من هذا البشر، له عواطفه ورغباته، ويضطرب فكره وضميره فيما يضطرب فيه سائر البشر، من حب وبغض وتقدير وتكدير، ويخطئ ويصيب، ومن هذه الناحية البشرية العامة يصح أن يوجه إليه ما يوجه إلى كل البشر - ما عدا الأنبياء - من النقد والتخطئة وتزييف الرأي وتحليل العاطفة، ومن هذه الناحية نوجه إليه ما سيأتي في هذا الفصل من النقد البنَّاء حيال مواقفه في تاريخه الكبير المسمى: (العبر) وفي مقدمته الفذة حيال العرب وحضارتهم. وقديمًا قال شاعرنا العربي الحكيم يُسجِّل لنا مواطن الضعف التي لابد أن تكون كامنة في تلافيف سجايا البشر، حتى ولو كانوا عباقرة أو أعلامًا أو عظامًا.
ومن ذا الذي تُرضى سجاياه كلها … كفى المرء نبلًا أن تُعدَّ معايبهْ
стр. 1608
يقول علماء النفس من العرب: العِرق دسَّاس، أفتوى "ابن خلدون" الذي ينتمي إلى "حضرموت من عرب اليمن - اليمانية" وإلى وائل بن حجر من أقيال العرب، القحطاني الأرومة" (١) أفترى هذا العرق قد أثر في العقل الباطن لابن خلدون، فأوجد في نفسه (عقدة) سلبية عميقةَ الجذور على عرب بني سُلَيْم وبني هلال، الذين هم من أرومة قيسية وعدنانية .. فقد ظلت رحى الحروب الداخلية دائرة أمدًا مديدًا من الزمن بين النزارية والقحطانية في الإسلام، وكلان منها بادئ ذي بدء حرب كلامية عارمة، أدت إلى قيام حرب أو حروب حُسامية ضارية.
ولربما كانت هذه النظرية التحليلية لآراء ابن خلدون في بني سُلَيْم وبني هلال خاصة وفي العرب عامة هي مصدر تلك الآراء المضطربة لهذا الرجل العظيم في عقله وحنكته السياسية وفي علمه وفكره، ولم يسبق لي أن رأيت من طرق هذا الجانب بهذه الصراحة، ولا بهذا الوضوح.
وآراء ابن خلدون في عرب المغرب خاصة وفي العرب عامة هي آراء سلبية أو مضطربة، بقوله فيها فيما يتعلق بعرب بني سُلَيْم وعرب بني هلال بالمغرب: إنهم ما كانوا إلا مصدر عبث وفساد لحضارة المغرب الممثلة في ملوكه من البربر، ويتجاوز هذه النظرية الخاصة كعالم اجتماعي يقيس العام على الخاص فيصدر حكمه بأن العرب بدون استثناء إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب، وقد عقد فصلًا مستقلًا لدعم هذه النظرية في مقدمته الرائعة، ولكن - والحق يقال - إن الصواب جانبه في تقرير هذه القاعدة، كما ستراه واضحًا مبرهنًا عليه في غضون هذا الفصل ومنقوضًا من كلامه وآرائه بذاته.
وربما كان ابن خلدون كما يترآى لنا، موفقًا في بعض ما أصدره من قرارات ونظريات مبنية على تجاربه الخاصة في أفريقية الشمالية فقط، لأنه خبير بأحوالها الاجتماعية، دارس لشؤونها الإدارية والفكرية والاقتصادية والدينية والسياسية، وهو في تجاربه مع بني سُلَيْم وبني هلال يرى أنهم لا ينصاعون لسياسة دول أفريقية الشمالية، وقد رآهم يلتزمون المقام في خيامهم، وكل حاجتهم إلى الحجارة هو نصب أثافي القدور عليها، ولذلك لا غرو أن يقوموا بتقويض المباني القائمة
стр. 1609
وتخريبها، كما أنَّ كل حاجتهم للخشب منحصرة في إقامة الأعمدة لخيامهم منه وتشذيب الأوتاد لها، ولذلك تراهم يخربون سقوف الدور؛ لأن طبيعتهم منافية للبناء الذي هو أصل العمران.
ومن طبائعهم - كما يرى ابن خلدون ويقرر - نهبُ ما في أيدي الناس، فكلما امتدت أعينهم إلى مال أو متاع أو ماعون انتهبوه، فإذا تم اقتدارهم على ذلك بالتغلب والملك بطلت السياسة في حفظ أموال الناس وخَرِبَ العمرانُ.
وحينما استوت له هذه التجربة في أبعادها وكما يراها هو، (عمم) هذه النظرية - كباحث اجتماعي مؤسس لقواعد علم الاجتماع عممها على العرب جميعًا بدون استثناء، لقد خاط من الجزئيات قباءً شاملًا للكليات.
وقد نسي ابن خلدون أو تناسى، أن بني سُلَيْم وبني هلال، هم قوم طارئون على بلاد المغرب، طرأوا فيها في وقت كان سوس الفساد ينخر دولهم، وعصا التفرقة والتحاسد والتباغض والتنافس تبدد شمل مجتمعاتهم ودولهم، وقد دخلوا أرض المغرب لمهمة سياسية معينة فرضتها عليهم السلطة ونقلتهم إلى المغرب من مصر لأجهلها خاصة، وهي دق الإسفينات بين تلك الدول، وطارئون مثلهم كثار ذوو عُدَدٍ وأنَفة ما كانوا ليرضوا بالدُّون، وما كانوا ليقبلوا إلا أن يكونوا رؤساء لا مرؤوسين، ومطاعين لا مطيعين، وسادة لا مسودين. ودول المغرب من جافبها ما كانت تقبل بسيادة الطُّرَّاء، فهي تقاومهم بكل ما يملكون، من ألوان المقاومة ولا تدع لهم منفذًا أو متسربًا لإقامة كيان أو لراحة من متاعب، لقد غرسوا كل ما أمكنهم من الشوك في طريقهم، وقاموا هم من جانبهم باكتساح كل من يتعرض لهم أو من يشتمُّون منه رائحة التعرض، ثم هم مأمورون لانتهاج خطة معينة لتغيير معالم وأوضاع دول أفريقية الشمالية المتناحرة ليصفو الجو أو ليزيد تلبده، فإذا صفا الجو أو زاد تلبده بعد قيامهم بمهمتهم الأساسية كان الربح في كلتا الحالتين لدولة العبيديين أولًا ولهم ثانيًا، وهم قوم صارمون وعارمون، وقد أدرك المعز سجاياهم وخصائصهم وشدة مراسهم، وتصميمهم على تنفيذ خطط من بعثهم من المشرق إلى المغرب، فحاول مهادنتهم وتقدم لمصاهرتهم، ولابد أن هذا كان له بعض الأثر في أنفسهم، لولا عوامل أخرى خفية نفترض وجودها كما يفترض رجل العصر
стр. 1610
الحاضر وجود الحيوان الجرثومي وهو لا يراه بالعين المجردة، لأن العلم أثبته ولأنه يُرَى بالمجاهر المكبرة في المختبرات العلمية، فلولا تلك الأمور الخفية - على ما نرى - لبردت حديدتهم إزاء المعز بن باديس والي إفريقية الشمالية ومن وراءه ومن جاء بعده، ولكن هذه الأمور الخفية ضاعفت من حماستهم وقوت من عزائمهم، ودفعت بهم دفعًا إلى خوض المعارك في كل اتجاه، حتى إذا استتب الأمر على النحو الذي فصله المؤرخون رأينا من بني سُلَيْم وبني هلال - بعد تلك الأعاصير المذهلة - جماعات من الزُرَّاع والصُنَّاع والعلماء ساهموا مع إخوانهم المواطنين المغاربة في الحياة وفي المرافق الخاصة والعامة، ولا يمنع هذا من وجود فئات منهم ظلوا على ما كان عليه أسلافهم من النهب والسلب والاعتداء، فلكل عام خاص.
وعجيب أن يستدل ابن خلدون على عدم صلاح الأمة العربية للعمران بظلم الحجاج بن يوسف الثقفي؛ فالحجاج بن يوسف - كما وصفه التاريخ العربي وكما وصمه العرب المعاصرون له ومن جاءوا بعدهم - هو ذو طبيعة متعطشة للدماء ومغرمة بالعسف، عنده مركب نقص كبير، هو (ظالم) والظلم كما هو معلوم مقوِّض للعمران ومرهق للإنسان، فقياس الكليات بالشواذ، ووضع الشواذِّ معايير للكليات فيهما مُنْزَلَقُ رأي ابن خلدون، ونقطة اختلال موازين قاعدته، فأين الحجاج مثلًا من عمر بن الخطاب منشئ مدينتي البصرة والكوفة؟ وأين هو من أبي جعفر المنصور منشئ مدينة بغداد التي لا تزال قائمة إلى اليوم؟ وأين هو من عبد الرحمن الناصر منشئ مدينة الزهراء في الأندلس؟ وأين هو من غيره من حكام العرب وملوكهم العادلين بُنَاةِ المدائن ومؤثلي الحضارة؟ والحجَّاج على ما فيه من شذوذ مقوِّض ومجحف فقد أسهم في تأثيل العمران ببنائه مدينة واسط في العراق، وهذا نفسه ينقض رأي ابن خلدون حتى في الحجاج نفسه، ولا نرتاب في أن "العقد النفسية" المركبة المتفاعلة لدى ابن خلدون هي التي جعلته يركب هذا المركب فتخرج به راحلته عن الجادة ويسلك بُنيات الطريق، يقول: "وانظر ما ملكوه - يعني العرب - وتغلبوا عليه من الأوطان، من لدن الخليفة كيف تقوَّص عُمرانه وأقفر ساكنه، وبُدِّلت الأرض فيه. غير الأرض، فاليمن قرارهم خراب، إلَّا قليلًا من الأمصار، وعراق العرب كذلك قد خرب عمرانه الذي كان للفُرس أجمع، والشام لهذا العهد كذلك، وإفريقية والمغرب - وهذا هما أساس نظريته
стр. 1611
السلبية تجاه بني سُلَيْم وبني هلال والعرب جميعًا، وأساس العقدة لديه - لما جاز إليها بنو هلال بنو سُلَيْم منذ أول العقد الخامس من المائة الخامسة بعد الهجرة، وتمرَّسوا بها لثلاثمائة وخمسين من السنين، قد لحق بها وعادت بسائطه خرابًا كلها، بعد أن كان ما بين السودان والبحر الرومي - البحر الأبيض المتوسط - كله عُمْرانًا، تشهد بذلك آثار الْعُمران فيه من المعالم، وتماثيل البناء، وشواهد القرى والمدر" (١).
ووقائع التاريخ والعمران العربي تهدم هذه النظرية، وإن شئت فَاقْرأ ما حواه مثلًا كتاب "حضارة العرب" لغوستاف لوبون، وغيره من الكتب المعتبرة التي تصف لنا العمران العربي في هذه الأرض كنخبة الدهر في عجائب البر والبحر، وكمعجم البلدان لياقوت الحموي، وغيرها وغيرها .. وأخيرًا كتاب "شمس العرب تسطع على الغرب" للمستشرقة الألمانية زيفريد هونكه.
ومع وَضْعنَا في حسابنا ما حدث للمغرب من قلاقل واضطرابات وتدهور منذ القرن الخامس الهجري، فإنه يجب أن نضع في حسابنا أيضًا - للإنصاف والعدل - أنه ليس كل ما اعترى المغرب العربي من ذلك، من صنع أيدى عرب بني سُلَيْم وبني هلال، وليس كل ما اعترى بلاد المشرق أيضًا من صنع ظُلَّام حكام العرب ولا من عبث أعرابهم، ولا من انتقاض بعضهم على بعض، يجب - في هذا الموقف - أن نضع في حسابنا أيضًا - تلك الغارات الخارجية المتواترة كالفيضانات أو كالسيول الجارفة على المشرق من التتر والإفرنج، كما أن للإفرنج يدًا في خراب ديار المغرب بغزواتهم البحرية الاستعمارية له، فبغداد حاضرة العالم المتمدين في عهد عظمتها الباهرة قد دمرتها معاول التتر قبل عصر ابن خلدون، وأغرقوا تراثها العلمي العظيم في نهر دجلة، وهم قد أغاروا كذلك على الشام ومصر وعاثوا في الأرض فسادًا، وجاء بعدهم الصليبيون الحاقدون على حضارة الإسلام فزادوا الدمار والخراب دمارًا وخرابًا، وابن خلدون العالم الاجتماعي الواسع النظر لا تخفى عليه هذه الحقائق فكان من الملائم لقواعد العلم الاجتماعي الذي عكف على استنباطه أن يضع كل هذا في ميزان حسابه قبل أن يصدر حكمه الصارم على العرب بأنهم أمة غير قابلة ولا مستعدة للعمران.
стр. 1612
ويمعن ابن خلدون في ركوب بُنيات الطريق فنراه يعقد فصلًا خاصًّا في مقدمته في: "أن العرب أبعد الأمم عن سياسة المُلك"، ويُعلِّلُ هذه النظرية التي قدم بها هذا القصل بأن ذلك لأنهم أكثر بداوة من سائر الأمم (١) ويزيد الطينة بلة حيث نراه يستشهد على صحة نظريته هذه بقول رستم قائد جيوش الفُرس إذ رأى المسلمين يجتمعون للصلاة: (أكل عمر كبدي، يُعلِّم الكلاب الآداب) (٢)، ورستم عدو مبين للإسلام، موتور أكل الحقد قلبه على المسلمين والإسلام - لو يعلم رستم - خيرٌ شامل له وللعالم أجمعه، وكلمته المذكورة هي "نفثة مصدور"، فما كان ينبغي لمن كان في مثل علم ابن خلدون وحصافته الاجتماعية والفكرية ومركزه الديني أن يتخذها مستندًا له في تقرير قاعدة اجتماعية حيوية تشمل العرب والمسلمين. ونعود إلى قوله السالف ذكره: إن السبب الذي جعل العرب أبعد الناس عن سياسة المُلك هو تغلغلهم في البداوة، فنرى أنها كلمة خرجت من فكر ابن خلدون عفويًّا وبدون تمحيص ولا تأمل ولا استقراء لحالة العرب الذين يتحدث عنهم وينتقدهم اجتماعيًّا وحضاريًّا، وليت شعري أية أمة متحضرة لم تمر قبل تحضرها على دور البداوة؟ هؤلاء الأوروبيون المتحضرون اليوم مرت بهم فترات بداوة غارقة إلى أذنيها في وحل البداوة وبأكثر من العرب، وقد وصف أواخرها أو أواسطها لنا المؤرخون من العرب والمسلمين الذين شاهدوا ديارهم واختلطوا بهم في ديارهم إبان الفتوحات الإسلامية، ومن يقرأ مثلًا (رحلة ابن فضلان) رئيس البعثة العلمية التي أرسلها المقتدر العباسي إلى بلاد الروس - روسيا - قبل ألف عام، يَرَ العجائب المدهشة والمذهلة في غرق الروس في حمأة البداوة والهمجية والجهل والتخريف المطبق بأكثر بكثير من بداوة العرب.
والعرب في جاهليتهم، قبل إسلامهم لم يكونوا كلهم بادية، كان منهم دول كبرى منظمة تنظيمًا حضاريًّا راقيًا بلغ ذروة الحضارة الإنسانية في الجنوب والشمال وفي الشرق والغرب من ديارهم، والذين نشروا أعلام الإسلام منهم في المعمورة كانوا أولوا الأمر فيهم وزعماؤهم وقادتهم وغالبية جيوشهم من أهل المدينتين
стр. 1613
العربيتين العريقتين: مكة والمدينة، فقد كان هؤلاء الحاضرة هم ضِئْضئ الإسلام، وقد أسلم بعدهم وبجهادهم تحت راية الرسول ﷺ من أسلم من البادية والحاضرة معًا، وكما أسلفنا فإنه كانت للعرب قبل الإسلام وقبل تَحَضُّرِ كثير من الأوربيين ممالكُ ومدائن حضرية في غاية التحضر والمدنية في الشمال والجنوب وفي الشرق والغرب .. في البحرين وفي اليمن وفي نجد، وحضارتهم - كما ثبت أخيرًا عن طريق البحوث الأثرية - هي من أقدم الحضارات، ويكفي العرب فخرًا أن يكونوا حاملي ألوية الحضارة الإسلامية الغلَّابة إلى أرجاء العالم، وقد جرت محاولات عديدة عبر الأجيال ولا تزال من أجل القضاء على هذا النور الساطع الفيَّاض، من مختلف أجناس الناس ومذاهبهم ومبادئهم، فباءت جهودهم الحربية والعلمية والسياسية بالإخفاق الذريع. فالإسلام ذو حيوية وطاقة جبارة، فلا يكاد يختفي بعضه في بقعة من الأرض حتى يسطع متوهجًا في بقاع أخرى، وهكذا دواليك، إن الإسلام شُعلة وضاءة من الخالق العظيم أهداها للبشرية لتنجو من متاهات الظلم والظلام، فهو لن ينطفئ نوره أبدًا بإذن الواحد الأحد: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢)﴾ [التوبة: ٣٢] وصدق الله العظيم.
ورستم الفارسي المجوسي مفترٍ مائق، فما عَلَّمَ عمرُ العربَ الآداب، والعرب من أكرم عناصر البشر، إن الذي علم عمر نفسه الآداب هو محمد رسول الله ﷺ إلى الناس كافة، ومحمد علمهُ رب الأرباب كل الآداب، فعلَّمها لعمر ولغير عمر من صحابته الكرام، وللناس كافة من بعدهم إلى يوم الناس هذا وإلى يوم الدين.
وعمر جندي من جنود الإسلام البررة الخيرة، وهو جندي باسل ومغوار حرب، وزعيم إدارة ومُخْتَطُّ حُكْم وسياسة في حرب وفي سلم، وكل ما قام به من ذلك وغيره هو مُسْتَمَدٌّ من "تعليم" رسول رب العالمين إلى العالمين.
وما كان ينبغي لابن خلدون أن يأخذ قول عدو للعرب مهزوم مأزوم في ساعات كربه ومحنته وهزيمته، حُجةً مُسلَّمة على قومه العرب والمسلمين، فالخصم في ساعات هزيمته وفي لحظات كربته يتقول على خصمه الهازم له كل ما لا يَصْدُقُ ولا يُصَدَّقُ، تنفيسًا من صدره الضيق مما يجثم عليه من أثقال الكبت والحقد والبغضاء والحرمان.
стр. 1614
ومن عَجَبٍ أن نَرى ابن خلدون بعدما اندفع بجرة قلم في تيه سلب العرب كل مقوماتهم من الحضارة والعمران - إلى آخر الشوط، يعود رأسًا على عقب، فيقرر عكس ما سبق أن قرره تمامًا .. إذ يقول ما نصه عن حضارة العرب أنفسهم: (وما كان في القديم لأحد من الأمم في الخليقة ما كان لأجيالهم - أجيال العرب - من المُلْكِ، ودُوَلُ عاد وثمود والعمالقة وحِمْير والتبابعة - شاهدة بذلك، ثم دولة مُضَر في الإسلام: بني أمية وبني العباس) - وهكذا تورط ابن خلدون في نفي باتٍ جازم لأمر معين وفي إثبات له بذاته إثباتًا جازمًا قاطعًا.
إني لتعروني الدهشة من تناقض آراء "مؤسس علم الاجتماع"، إنه في نظريته هذه الخاصة "متهافت" كل التهافت، فقد قضى أولا بحرمان العرب كل العرب من مقومات المُلك والحضارة، ورماهم بكل شنعاء في تخريب العمران الذي يجدونه قبلهم، وفي تقويض دعائمه حتى تعود الأرض المعمورة من قبلهم خرابًا يبابًا موحشًا ومقفرًا، ثم هو نفسه يعود كلية عن هذه النظرية - بدون أن يشير إليها - فيقضي ثانية بنقيض قضائه الأول تمامًا، ويقرر أنه ما كان لإحد من البشر ما كان لأجيال العرب من المُلك كَدُوِلَ عاد وثمود والعمالقة وحِمْير والتبابعة قبل الإسلام، وكَمُضَر بشقيها: الأموي والعباسي في الإسلام. فهذَا نقض تام شامل لما سبق أن قرره.
والله تعالى يعلم حيث يجعل رسالتهُ، ولولا علمه بأن العرب أهلٌ لحمل هذه الرسالة المقدسة الشاملة للبشر كافة ما حَمَّلها الرسول العربي الكريم، وما تحمل أعباء نشرها العربُ إلى أمم الأرض كافة، أما القتل والتخريب فهما أمران ملازمان وشاملان لكل البشر في كل العصور، وناهيك بما حدث للروم وروما واليونان وأثينا، وما بناه العرب من مدن لا يزال باقيًا الكثير منه مزدهرًا بالعمران، موصول الحبل بسالف الزمان، برغم توالي النكبات عليهم وعليه، وَخُذِ القاهرة وبغداد والبصرة والطائف وصنعاء وعدن، وجُدَّة ومكةَ والمدينة، وغيرها مثلًا وشاهدًا مُشَاهَدًا، وليس الخبر كالعيان، وما خططوه ورتبوه من تراتيب سياسة المُلك والعمران، وما شيدوه من مدارس وجامعات كالأزهر وجامعة الزيتونة وجامعة القرويين - في كل ذلك دليل ناهضٌ على أن نظرية ابن خلدون السلبية حيالهم في هذه الشئون لا ترتقي إلى مستوى نظرياته الاجتماعية الأخرى بحال من
стр. 1615
الأحوال، هي فلتة من فلتات الفكر البشري الذي لا يخلو من ضعف ومن وقوع تحت سيطرة عوامل عواطفه وانفعالاته أحيانًا.
وربما كان السبب الذي دفع ابن خلدون للقول بهذه النظرية يعود إلى هذه الهوة النفسية التي هبط إليها فكره وهو يحرك حجارة شطرنج عرب بني سُلَيْم وعرب بني هلال تبعًا لعواطفه وانفعالاته في ذلك الجو المغربي السياسي المضطرب الملتهب، فقد كان لابن خلدون مطامعه ومطامحه، وكانت له رغباته وأهدافه، وكانت له سياسته ومراميه ونزعاته، وكان في سياسته المغربية متقلبًا، وكان قد ساق عرب بني سُلَيْم وعرب بني هلال إلى حومة هذا التقلُّب ردحًا من الزمن فانساقوا له طائعين، فلما اكتشفوا - واقعيًّا - إن ابن خلدون لم يكن ذا سياسة قويمة حكيمة في تنظيم شئون الدولة، ولم يكن ذا ثبات، فهو اليوم مع الحفصيين وغدًا مع غيرهم نفضوا أيديهم منه، فأحفظه ذلك، فنسج عليهم خيال نظريته هذه حيال نرهم الفوضى والاضطراب والخراب والدمار في البلاد تشنيعًا عليهم، وهو - والحق يقال - وغيره من زعماء المغرب كانوا هم الأساس والقادة والرادة في بث هذه الفوضى وهذه القلاقل، وربما كانت سُلَيْم في عصر ابن خلدون إحدى ضحايا سياسات الزعماء المتفرقين المتنابذين الذين يكيد بعضهم لبعض ما وسعهم الكيد، ويستعين كل منهم بكل ما يمكنه، ومن يمكنهُ الاستعانة به ضد خصمه، فيكيل له الضربات، ويطارده سرًّا وجهرًا حتى يُقْضى على أحدهما.
وقد قدَّم لنا أحد شهود الإثبات ممن لا يرتقي إليهم الشك - قدم لنا دلائل وشواهد واضحة المعالم على أن ابن خلدون كان بنفسه أحد عوامل الاضطراب والخراب اللذين حَلَّا بديار المغرب مما سنأتي بتفصيله إن شاء الله. وهذا الشاهد الحصيف هو الشيخ مبارك الهلالي الميلي، مؤرخ الجزائر، في كتابه: (تاريخ الجزائر في الماضي والحاضر).
ومن آثار العقدة النفسية المتغلغلة في شغاف ابن خلدون حيال بني سُلَيْم وبني هلال خاصة قوله عنهم في كتابه (العبر): "وليس لهم الآن - أي في القرن الثامن الهجري - عَدَدٌ ولا بقية في بلادهم" (١). إن واقع الحال لا يثبت هذا القول،