السلبية تجاه بني سُلَيْم وبني هلال والعرب جميعًا، وأساس العقدة لديه - لما جاز إليها بنو هلال بنو سُلَيْم منذ أول العقد الخامس من المائة الخامسة بعد الهجرة، وتمرَّسوا بها لثلاثمائة وخمسين من السنين، قد لحق بها وعادت بسائطه خرابًا كلها، بعد أن كان ما بين السودان والبحر الرومي - البحر الأبيض المتوسط - كله عُمْرانًا، تشهد بذلك آثار الْعُمران فيه من المعالم، وتماثيل البناء، وشواهد القرى والمدر" (١).
ووقائع التاريخ والعمران العربي تهدم هذه النظرية، وإن شئت فَاقْرأ ما حواه مثلًا كتاب "حضارة العرب" لغوستاف لوبون، وغيره من الكتب المعتبرة التي تصف لنا العمران العربي في هذه الأرض كنخبة الدهر في عجائب البر والبحر، وكمعجم البلدان لياقوت الحموي، وغيرها وغيرها .. وأخيرًا كتاب "شمس العرب تسطع على الغرب" للمستشرقة الألمانية زيفريد هونكه.
ومع وَضْعنَا في حسابنا ما حدث للمغرب من قلاقل واضطرابات وتدهور منذ القرن الخامس الهجري، فإنه يجب أن نضع في حسابنا أيضًا - للإنصاف والعدل - أنه ليس كل ما اعترى المغرب العربي من ذلك، من صنع أيدى عرب بني سُلَيْم وبني هلال، وليس كل ما اعترى بلاد المشرق أيضًا من صنع ظُلَّام حكام العرب ولا من عبث أعرابهم، ولا من انتقاض بعضهم على بعض، يجب - في هذا الموقف - أن نضع في حسابنا أيضًا - تلك الغارات الخارجية المتواترة كالفيضانات أو كالسيول الجارفة على المشرق من التتر والإفرنج، كما أن للإفرنج يدًا في خراب ديار المغرب بغزواتهم البحرية الاستعمارية له، فبغداد حاضرة العالم المتمدين في عهد عظمتها الباهرة قد دمرتها معاول التتر قبل عصر ابن خلدون، وأغرقوا تراثها العلمي العظيم في نهر دجلة، وهم قد أغاروا كذلك على الشام ومصر وعاثوا في الأرض فسادًا، وجاء بعدهم الصليبيون الحاقدون على حضارة الإسلام فزادوا الدمار والخراب دمارًا وخرابًا، وابن خلدون العالم الاجتماعي الواسع النظر لا تخفى عليه هذه الحقائق فكان من الملائم لقواعد العلم الاجتماعي الذي عكف على استنباطه أن يضع كل هذا في ميزان حسابه قبل أن يصدر حكمه الصارم على العرب بأنهم أمة غير قابلة ولا مستعدة للعمران.
стр. 1612
ويمعن ابن خلدون في ركوب بُنيات الطريق فنراه يعقد فصلًا خاصًّا في مقدمته في: "أن العرب أبعد الأمم عن سياسة المُلك"، ويُعلِّلُ هذه النظرية التي قدم بها هذا القصل بأن ذلك لأنهم أكثر بداوة من سائر الأمم (١) ويزيد الطينة بلة حيث نراه يستشهد على صحة نظريته هذه بقول رستم قائد جيوش الفُرس إذ رأى المسلمين يجتمعون للصلاة: (أكل عمر كبدي، يُعلِّم الكلاب الآداب) (٢)، ورستم عدو مبين للإسلام، موتور أكل الحقد قلبه على المسلمين والإسلام - لو يعلم رستم - خيرٌ شامل له وللعالم أجمعه، وكلمته المذكورة هي "نفثة مصدور"، فما كان ينبغي لمن كان في مثل علم ابن خلدون وحصافته الاجتماعية والفكرية ومركزه الديني أن يتخذها مستندًا له في تقرير قاعدة اجتماعية حيوية تشمل العرب والمسلمين. ونعود إلى قوله السالف ذكره: إن السبب الذي جعل العرب أبعد الناس عن سياسة المُلك هو تغلغلهم في البداوة، فنرى أنها كلمة خرجت من فكر ابن خلدون عفويًّا وبدون تمحيص ولا تأمل ولا استقراء لحالة العرب الذين يتحدث عنهم وينتقدهم اجتماعيًّا وحضاريًّا، وليت شعري أية أمة متحضرة لم تمر قبل تحضرها على دور البداوة؟ هؤلاء الأوروبيون المتحضرون اليوم مرت بهم فترات بداوة غارقة إلى أذنيها في وحل البداوة وبأكثر من العرب، وقد وصف أواخرها أو أواسطها لنا المؤرخون من العرب والمسلمين الذين شاهدوا ديارهم واختلطوا بهم في ديارهم إبان الفتوحات الإسلامية، ومن يقرأ مثلًا (رحلة ابن فضلان) رئيس البعثة العلمية التي أرسلها المقتدر العباسي إلى بلاد الروس - روسيا - قبل ألف عام، يَرَ العجائب المدهشة والمذهلة في غرق الروس في حمأة البداوة والهمجية والجهل والتخريف المطبق بأكثر بكثير من بداوة العرب.
والعرب في جاهليتهم، قبل إسلامهم لم يكونوا كلهم بادية، كان منهم دول كبرى منظمة تنظيمًا حضاريًّا راقيًا بلغ ذروة الحضارة الإنسانية في الجنوب والشمال وفي الشرق والغرب من ديارهم، والذين نشروا أعلام الإسلام منهم في المعمورة كانوا أولوا الأمر فيهم وزعماؤهم وقادتهم وغالبية جيوشهم من أهل المدينتين
стр. 1613
العربيتين العريقتين: مكة والمدينة، فقد كان هؤلاء الحاضرة هم ضِئْضئ الإسلام، وقد أسلم بعدهم وبجهادهم تحت راية الرسول ﷺ من أسلم من البادية والحاضرة معًا، وكما أسلفنا فإنه كانت للعرب قبل الإسلام وقبل تَحَضُّرِ كثير من الأوربيين ممالكُ ومدائن حضرية في غاية التحضر والمدنية في الشمال والجنوب وفي الشرق والغرب .. في البحرين وفي اليمن وفي نجد، وحضارتهم - كما ثبت أخيرًا عن طريق البحوث الأثرية - هي من أقدم الحضارات، ويكفي العرب فخرًا أن يكونوا حاملي ألوية الحضارة الإسلامية الغلَّابة إلى أرجاء العالم، وقد جرت محاولات عديدة عبر الأجيال ولا تزال من أجل القضاء على هذا النور الساطع الفيَّاض، من مختلف أجناس الناس ومذاهبهم ومبادئهم، فباءت جهودهم الحربية والعلمية والسياسية بالإخفاق الذريع. فالإسلام ذو حيوية وطاقة جبارة، فلا يكاد يختفي بعضه في بقعة من الأرض حتى يسطع متوهجًا في بقاع أخرى، وهكذا دواليك، إن الإسلام شُعلة وضاءة من الخالق العظيم أهداها للبشرية لتنجو من متاهات الظلم والظلام، فهو لن ينطفئ نوره أبدًا بإذن الواحد الأحد: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢)﴾ [التوبة: ٣٢] وصدق الله العظيم.
ورستم الفارسي المجوسي مفترٍ مائق، فما عَلَّمَ عمرُ العربَ الآداب، والعرب من أكرم عناصر البشر، إن الذي علم عمر نفسه الآداب هو محمد رسول الله ﷺ إلى الناس كافة، ومحمد علمهُ رب الأرباب كل الآداب، فعلَّمها لعمر ولغير عمر من صحابته الكرام، وللناس كافة من بعدهم إلى يوم الناس هذا وإلى يوم الدين.
وعمر جندي من جنود الإسلام البررة الخيرة، وهو جندي باسل ومغوار حرب، وزعيم إدارة ومُخْتَطُّ حُكْم وسياسة في حرب وفي سلم، وكل ما قام به من ذلك وغيره هو مُسْتَمَدٌّ من "تعليم" رسول رب العالمين إلى العالمين.
وما كان ينبغي لابن خلدون أن يأخذ قول عدو للعرب مهزوم مأزوم في ساعات كربه ومحنته وهزيمته، حُجةً مُسلَّمة على قومه العرب والمسلمين، فالخصم في ساعات هزيمته وفي لحظات كربته يتقول على خصمه الهازم له كل ما لا يَصْدُقُ ولا يُصَدَّقُ، تنفيسًا من صدره الضيق مما يجثم عليه من أثقال الكبت والحقد والبغضاء والحرمان.
стр. 1614
ومن عَجَبٍ أن نَرى ابن خلدون بعدما اندفع بجرة قلم في تيه سلب العرب كل مقوماتهم من الحضارة والعمران - إلى آخر الشوط، يعود رأسًا على عقب، فيقرر عكس ما سبق أن قرره تمامًا .. إذ يقول ما نصه عن حضارة العرب أنفسهم: (وما كان في القديم لأحد من الأمم في الخليقة ما كان لأجيالهم - أجيال العرب - من المُلْكِ، ودُوَلُ عاد وثمود والعمالقة وحِمْير والتبابعة - شاهدة بذلك، ثم دولة مُضَر في الإسلام: بني أمية وبني العباس) - وهكذا تورط ابن خلدون في نفي باتٍ جازم لأمر معين وفي إثبات له بذاته إثباتًا جازمًا قاطعًا.
إني لتعروني الدهشة من تناقض آراء "مؤسس علم الاجتماع"، إنه في نظريته هذه الخاصة "متهافت" كل التهافت، فقد قضى أولا بحرمان العرب كل العرب من مقومات المُلك والحضارة، ورماهم بكل شنعاء في تخريب العمران الذي يجدونه قبلهم، وفي تقويض دعائمه حتى تعود الأرض المعمورة من قبلهم خرابًا يبابًا موحشًا ومقفرًا، ثم هو نفسه يعود كلية عن هذه النظرية - بدون أن يشير إليها - فيقضي ثانية بنقيض قضائه الأول تمامًا، ويقرر أنه ما كان لإحد من البشر ما كان لأجيال العرب من المُلك كَدُوِلَ عاد وثمود والعمالقة وحِمْير والتبابعة قبل الإسلام، وكَمُضَر بشقيها: الأموي والعباسي في الإسلام. فهذَا نقض تام شامل لما سبق أن قرره.
والله تعالى يعلم حيث يجعل رسالتهُ، ولولا علمه بأن العرب أهلٌ لحمل هذه الرسالة المقدسة الشاملة للبشر كافة ما حَمَّلها الرسول العربي الكريم، وما تحمل أعباء نشرها العربُ إلى أمم الأرض كافة، أما القتل والتخريب فهما أمران ملازمان وشاملان لكل البشر في كل العصور، وناهيك بما حدث للروم وروما واليونان وأثينا، وما بناه العرب من مدن لا يزال باقيًا الكثير منه مزدهرًا بالعمران، موصول الحبل بسالف الزمان، برغم توالي النكبات عليهم وعليه، وَخُذِ القاهرة وبغداد والبصرة والطائف وصنعاء وعدن، وجُدَّة ومكةَ والمدينة، وغيرها مثلًا وشاهدًا مُشَاهَدًا، وليس الخبر كالعيان، وما خططوه ورتبوه من تراتيب سياسة المُلك والعمران، وما شيدوه من مدارس وجامعات كالأزهر وجامعة الزيتونة وجامعة القرويين - في كل ذلك دليل ناهضٌ على أن نظرية ابن خلدون السلبية حيالهم في هذه الشئون لا ترتقي إلى مستوى نظرياته الاجتماعية الأخرى بحال من
стр. 1615
الأحوال، هي فلتة من فلتات الفكر البشري الذي لا يخلو من ضعف ومن وقوع تحت سيطرة عوامل عواطفه وانفعالاته أحيانًا.
وربما كان السبب الذي دفع ابن خلدون للقول بهذه النظرية يعود إلى هذه الهوة النفسية التي هبط إليها فكره وهو يحرك حجارة شطرنج عرب بني سُلَيْم وعرب بني هلال تبعًا لعواطفه وانفعالاته في ذلك الجو المغربي السياسي المضطرب الملتهب، فقد كان لابن خلدون مطامعه ومطامحه، وكانت له رغباته وأهدافه، وكانت له سياسته ومراميه ونزعاته، وكان في سياسته المغربية متقلبًا، وكان قد ساق عرب بني سُلَيْم وعرب بني هلال إلى حومة هذا التقلُّب ردحًا من الزمن فانساقوا له طائعين، فلما اكتشفوا - واقعيًّا - إن ابن خلدون لم يكن ذا سياسة قويمة حكيمة في تنظيم شئون الدولة، ولم يكن ذا ثبات، فهو اليوم مع الحفصيين وغدًا مع غيرهم نفضوا أيديهم منه، فأحفظه ذلك، فنسج عليهم خيال نظريته هذه حيال نرهم الفوضى والاضطراب والخراب والدمار في البلاد تشنيعًا عليهم، وهو - والحق يقال - وغيره من زعماء المغرب كانوا هم الأساس والقادة والرادة في بث هذه الفوضى وهذه القلاقل، وربما كانت سُلَيْم في عصر ابن خلدون إحدى ضحايا سياسات الزعماء المتفرقين المتنابذين الذين يكيد بعضهم لبعض ما وسعهم الكيد، ويستعين كل منهم بكل ما يمكنه، ومن يمكنهُ الاستعانة به ضد خصمه، فيكيل له الضربات، ويطارده سرًّا وجهرًا حتى يُقْضى على أحدهما.
وقد قدَّم لنا أحد شهود الإثبات ممن لا يرتقي إليهم الشك - قدم لنا دلائل وشواهد واضحة المعالم على أن ابن خلدون كان بنفسه أحد عوامل الاضطراب والخراب اللذين حَلَّا بديار المغرب مما سنأتي بتفصيله إن شاء الله. وهذا الشاهد الحصيف هو الشيخ مبارك الهلالي الميلي، مؤرخ الجزائر، في كتابه: (تاريخ الجزائر في الماضي والحاضر).
ومن آثار العقدة النفسية المتغلغلة في شغاف ابن خلدون حيال بني سُلَيْم وبني هلال خاصة قوله عنهم في كتابه (العبر): "وليس لهم الآن - أي في القرن الثامن الهجري - عَدَدٌ ولا بقية في بلادهم" (١). إن واقع الحال لا يثبت هذا القول،
стр. 1616
فلا تزال بنو سُلَيْم تستوطن بلادهم الأصلية في هذه المملكة بين الحرمين الشريفين، ولهم فيها قراهم القديمة والحديثة ومزارعهم ومياههم، وابن خلدون نفسه ناقَض نفسه حيال هذه النظرية، فقد ذكر في (العبر) في مكان آخر أن (بجهة المدينة من بني ذباب السُّلَميين خلقًا منهم يؤذون الحاج ويقطعون الطريق) (١). وابن خلدون أفادنا من حيث يشعر أو لا يشعر بأن بني سُلَيْم المقيمين في عهده هنا هم من بني ذباب، وربما كان الموجودون منهم الآن من بني ذباب أو من غيرهم من بني سُلَيْم بن منصور.
ويتحدث لنا ابن خلدون عن "بني ذباب" بن مالك السُّلَميين، ويذكر لنا منازلهم، بإفريقية في القرنين السابع والثامن الهجريين، وهي تقع بين قابس وبرقة، ويجاورون مواطن "هيب"، ولم يكتف بذلك بل تجاوزه إلى القول بما يناقض قوله السابق بأنهم انقرضوا من مواطنهم الأصلية في هذه البلاد فقال كما قدمنا آنفًا: "وبجهة المدينة خَلْق منهم يؤذون الحاج ويقطعون الطريق" وتنكيره لكلمة: "خَلْقٍ" يدل دلالة لغوية واضحة على أنهم في هذه البلاد كثيرون في زمنه، وإذن فبنو سُلَيْم في عهد ابن خلدون هم "خلقان عظيمان": خلق عظيم منهم بأفريقية، ومثلهم في الكثرة من ظلوا مقيمين في ديارهم بين الحجاز ونجد، وَقطعُ بنو سُلَيْم للطريق على الحجيج يرتقي إلى عهد آل قتادة الأشراف من حكام مكة، ما بين عامي (٥٩٧ - ٨١٩ هـ)، وأول خَيْطِ هذا التاريخ (٥٩٧ هـ) بينه وبين عهد ترحيل بني سُلَيْم المقيمين بمصر إلى بلاد المغرب الذي كان بسنة ٤٤٠ هـ بينهما (١٥٦) سنة.
وابن خلدون خبير بموافع بني سُلَيْم في بلاد المغرب، فها نحن أولاء نراه يتتبع منازلهم .. فبنو سُلَيْم منهم مَواطِنْهم كانت فزان وودان وكلاهما من أرض ليبيا، وقد أعطانا أسماء رؤسائهم في عهده فقال: رؤساء بني ذباب لهذا العهد في الجواري ما بين طرابلس وقابس وبيتُهم بنو صابر، والمحاميد (٢) بنواحي طرابلس وبيتُهم في بني رحاب بن محمود. ومن بني سُلَيْم بنو عوف بن بُهثة ما بين قابس
стр. 1617
وبلد العُنَّاب من أفريقية، وهم جذميين: مرداس وعلَّاق، فأما مرداس فرئاستهم في بني جامع لهذا العهد، وأما علَّاق فكان رئيسهم الأول في دخولهم أفريقية رافع بن حماد، ومن أعقابه: بنو كعب (١) رؤساء سُلَيْم في عهد ابن خلدون بأفريقية.
والمستوطنون بأجدابية وجهاتها من سُلَيْم - على ما أفادنا به ابن خلدون - هم بنو هيب بن بُهثة إخوة بني عوت بن بهثة، وهم ما بين السدرة من برقة إلى العدوة الكبيرة ثم الصغيرة من حدود الإسكندرية، فأول ما يلي المغرب منهم بنو أحمد لهم أجدابية وجهاتها، وهم عدد يرهبهم الحاج ويرجعون إلى شماخ؛ وقبائل شماخ لها عدد وأسماء متمايزة، ولها العز في هيب لكونها جازت المُخصَّب من بلاد برقة، مثل المبرج وطلميثا ودرنا.
ويعزو ابنُ خلدون وَهنَ المغرب إلى أمور منها وفي مقدمتها: سلوك أعراب بني سُلَيْم وبني هلال في تلك البلاد، فهو متأثر منهم من هذه الناحية، يحاول جاهدًا أن يغرس في أذهان قُرَّائه رأيه هذا حيالهم بأنهم أصل كل ما حدث للمغرب من رزايا وانتكاسات.
وقد سبق لنا أن أشرنا إلى "العُقَد العْرقيةِ والنَّفْسَّية" التي ربما كانت تتحكم في توجيه آرائه حيال بني سُلَيْم وبني هلال، فلا حاجة لتكرارها هنا، وقد نسيَّ أو تناسى ابن خلدون في خضم حوادث اضطراب أمور المغرب أنه هو وأضرابه من كبار ساسته هم صانعو هذه القلاقل، وكان بنو سُلَيْم وبنو هلال أدوات يحركها هو وأضرابه من دهاقنة السياسة المغربية كما يشاؤون، تارة إلى اليمين وتارة إلى الشمال، مما جعل بني سُلَيْم وبني هلال آخر الأمر يفطنون إلى أنهم أصبحوا مجرد "لُعبٍ ودُمىً" بيد زعماء السياسة المحترفين المتناحرين المتقلبين ذات اليمين وذات الشمال وفي مقدمتهم عبد الرحمن بن خلدون، فنفضوا أيديهم منهم آخر الأمر، واتخذوا لهم سياسة شبه مستقلة، لا نقول: إنها حكيمة، فالإنسان ابن بيئته، وقد
стр. 1618
أحفظ ابن خلدون تملصهم من انتهاج سياسته والاندفاع وراءه فيما يندفع فيه من تحزبات وتقلبات ناجمة عن عواطفه وميوله الخاصة، فكتب عنهم ما كتب.
وقد كشف لنا الشيخ مبارك الهلالي الميلي الجزائري ﵀ في كتابه: (تاريخ الجزائر في القديم والحاضر) السر الذي جعل ابن خلدون يحمل على عرب بني سُلَيْم وبني هلال في أقطار المغرب فيقول: (وكانت بطانة الحفصيين يستعملون نفوذهم مع رياح وغيرها في مصالحهم الخاصة وحسب أهوائهم، فربما دَعَوُا القبيلة اليوم إلى طاعة ملك وَدَعَوْهَا غدًا إلى حربه، وهذا عبد الرحمن بن خلدون كان مع الحفصيين، فدعا رياحًا - ورياح من بني هلال - لطاعتهم، ثم فارقهم، فدعاها لأبي حَقُوا الثاني سنة ٧٦٩ هـ، ثم حملها على حربه ومحالفة عدوه عبد العزيز بن أبي الحسن سنة ٧٧٢ هـ، ومع هذا التلاعب الذي لم يسلم منه فيلسوفنا نراه يؤنب العرب أن جرؤوا على الدولة) (١).
وهكذا أماط لنا اللثام مؤرخُ الجزائر في القرن العشرين، عن السر الكامن وراء تحامل ابن خلدون على عرب بني سُلَيْم وبني هلال في بلاد المغرب، وإذا ظهر السبب بطل العجب .. وربما نستطيع أن نضيف إلى هذا السر الخفي سرًّا أخفى منه وأعمق وأقدم ساكنًا بين ضلوع ابن خلدون، كتُراث يحمله عقله (الباطن) عن أسلافه القحطانيين، فقد شاهد بعينيه صعود نجم بني سُلَيْم وبني هلال العدنانيين في الوقت الذي كان فيه نجم القحطانيين آفلًا من المغرب، ولابد أن هذا العامل الأخفى أثره من دبيب النمل قد جرح أيضًا كبرياء ابن خلدون، وعمل عمله مع العامل السياسي الذي ذكرناه آنفًا.
إزاحة شبهة علمية
جاء في "مقدمة الكتاب" ما نصه: (وقد بحثتُ فيما لديَّ من المراجع، لعلي أعثر على كتاب، أُلِّفَ قديمًا أو حديثًا في تاريخ هذه القبيلة فلم أعثر على ذلك، اللهم إلا ما ورد من أن أبا لقاسم بن بشر الآمدي المتوفي سنة ٣٧٠ هـ ألف دواوين قبائل العرب، ومنها دويان شعراء بني سُلَيْم، وقد فقد هذا الديوان).
стр. 1619
وواقع الحال يطابق ما ذكر، وذلك في قد كنت وجدت في كتاب: "مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية" للدكتور ناصر الدين الأسد، فصلًا كاملًا عنوانه: "الفصل الثاني في دواوين القبائل" وقد جاء في هذا الفصل: أن أبا القاسم الحسن بن بشر الآمدي المتوفي سنة ٣٧٠ هـ ألف ستين ديوانًا من دواوين القبائل، قال المؤلف عنها: "هي في ترتيبنا لها على حروف الهجاء كما يلي" .. ثم ذكر المؤلف بجانب الرقم المتسلسل الذي هو: [٢٤]- كتاب بني سُلَيْم، وسيبدو لك جليا أنه ليس المقصود من هذا الديوان كونه "كتابًا" بالمعنى المفهوم لدينا للكتاب كما يتبادر إلى الذهن، وإنما الغرض من صيغة (كتاب) هذه هو "الديوان"، بدلائل منها قوله في أول هذا الفصل: (الفصل الثاني دواوين القبائل)، ثم قوله فيما بعدُ عن هذه الدواوين من أشعار العرب التي بلغت [٦٠] ديوانًا: (ولم ينسب الآمدي شيئًا من هذه الدواوين إلى جامع أو صانع من الرُّواة العلماء، بل أرسلها هكذا غفلًا، إلا ديوانين منها) (١)، وبدليل قوله في الصفحتين ٥٥١ و ٥٥٢ من كتابه الآنف ذكره: (إن هذه الدواوين أو هذه الكتب هي أشعار القبائل)، وبدليل قوله: (وأول ما نلحظه في هذه الدراسة هي تسمية الديوان، فقد كانوا يطلقون على ديوان القبيلة أشعار بني فلان أو شعر بني فلان أو كتاب بني فلان، فالآمدي مثلًا يذكر في موطن من كتابه "شعر فزارة"، ويذكر في موطن آخر "كتاب فزارة"، وهما بمعنىً، ويذكر "كتاب بني يشكر" و "شعر بني يشكر"، ويذكر "كتاب بني عُقيل" و"شعر بني عُقيل"، و "كتاب بني أسد" و"أشعار بني أسد"، و"كتاب طيئ" و"أشعار الطائيين"، وكتاب "بني سُلَيْم" و"أشعار بني سُلَيْم" وهكذا" هـ.
وبدليل قوله بعد ذلك ما ملخصه: "إن في كتاب القبيلة أو في ديوانها فضلًا عن بيان حادثة تاريخية ذكرت في الشعر، أو في توضيح المناسبة التي قيلت فيها القصيدة، أو في تفسير بيت من أبياتها - فإنه يحوي نسب القبيلة أيضًا، وكل الأخبار والأحاديث والقصص الواردة في ديوان القبيلة أو كتابها أو شعرها - لم يذكر لذاته، وإنما ذكر لذكر الشاعر نفسه وشعره"، وقوله أخيرًا: إن "كُتُبَ القبائل
стр. 1620
في جوهرها مجموعات شعرية، تضم بين دفَّتيها قصائد كاملة مقطوعات صغيرة، وأبياتًا متفرقة لشعراء تلك القبيلة أو لبعض شعرائها، وربما ضمت أكثر شعر هؤلاء الشعراء، وربما ضمت جميع شعر شاعر منهم وديوانه كاملًا، وتضيف إلى ذلك من الأخبار والنسب والقصص والأحاديث ما يتصل بالشاعر نفسه أو ببعض أفراد قبيلته، وما يوضح مناسبات القصائد ويفسر بعض أبياتها ويبين ما فيها من حوادث تاريخية، فيجئ كتاب القبيلة بذلك سِجلا لحوادثها ووقائعها، وديوانًا لمفاخرها ومناقبها، ومعرضًا لشعر شعرائها" [ص ٥٥٤ و ٥٥٥ من الكتاب المذكور].
وأخيرًا، يقول ناصر الدين الأسد عن دواوين القبائل هذه أو شعرِها أو كِتبها: (إن الآمدي لا ينسب شيئًا من هذه الدواوين إلى جامع أو صانع من الرواة العلماء، بل أرسلها هكذا غفلًا، إلا ديوانين منها: الأول: أشعار بني تغلب، والثاني: أشعار الرباب - ص ٥٥٤ و ٥٥٥ - .
ثم تعرض لمحل الشاهد، وهو قضية وجود شيء من هذه الدواوين أو الأشعار أو الكتب، وبقائها حتى اليوم من عدمه، فقال: (فإذا كان ذلك كذلك فما أشد حسرة الباحث في دواوين القبائل وروايتها إذا علم أن صروف الدهر لم تبق لنا إلا على ديوان واحد فقط من هذه الدواوين الكثيرة التي زخرت بأسمائهم المصادرُ العربية، وهي ليست إلا جزءًا مما قاله شعراء القبائل - هذا الديوان الوحيد الذي بقي لنا هو ديوان هُذَيل - ص ٥٤٨ - .
وبهذا يتضح جليا أنه لم يؤلَّف كتاب مستقل بمعنى الكتاب المعروف لدينا علميا عن تاريخ بني سُلَيْم، فيما أورده الدكتور ناصر الدين الأسد، وإنما الذي أُلِّف هو ديوان يحوي أشعارهم ويتضمن بعض أخبارهم وقصصهم وأسباب نظم هذه القصائد، وحتى هذا اللون من "الجمع" عصفت به صروف الدهر فلم تبق لنا على ما يقوله الدكتور ناصر الدين الأسد، اللهم إلا ديوانًا واحدًا هو ديوان هُذَيْل لا ديوان سُلَيم، على أنه لو لم يفقد ديوان شعر سُلَيْم هذا فيما فقد من أمثاله لكان في ذلك كسب لنا ولتاريخهم بالإلمام بأغلب شعرهم وشعرائهم، فمن دراسة ذلك دراسة واعية وعميقة وشاملة ومقارنة يمكننا أن نخرج بفوائد جمة عن تاريخهم القديم، فعسى أن يعثر عليه أو على بعضه في بعض رفوف المكتبات الخاصة أو العامة، ثم عسى أن يُنشر - إذا عُثر عليه - نشرًا علميا محققًا موفقًا.
стр. 1621
الأنسابُ العربيةُ في العصور الإسلامية
يلاحظ المتتبع لمراجع التاريخ الإسلامي والعربي عبر القرون الإسلامية، وأخيرًا - اختفاء أسماء الأعلام من بني سُلَيْم - إلا ما قل وندر - ولعل هذه الظاهرة ذات علاقة بما يلي تبيانه:
أولًا - انصراف أغلب أبناء هذه القبيلة عن أسباب البروز، وأعني بهؤلاء من يقطنون ديارهم الأصلية خاصة، وذلك منذ أرسل إليهم الواثق جيشًا عرمرمًا من بغداد لتأديبهم، وللحيلولة بينهم وبين العدوان على الجيران، وربما على حجاج بيت الله الحرام وعابري السبيل أيضًا، ولذلك لم نرَ منهم أعلامًا تاريخيين كما - كان عليه حالهم من قبل ذلك، خاصة وقد نفضت الحكومات المتعاقبة أيديها من مهمة تعليمهم وتثقيفهم وإصلاح شئونهم، وهكذا ظلوا متجمدين أو مُجمَّدين إلى عهد انبعاثهم في العهد السعودي الزاهر الذي ضمن تكافؤ الفُرص لكل المواطنين بدون تمييز.
وثانيًا - ما لاحظه المَقري التلمساني بالقرن الهجري الحادي عشر، ومن قبله ابن سعيد، قال المقري: (وأما بنو أمية فمنهم خلفاء الأندلس، قال ابن سعيد: ويعرفون هنالك إلى الآن بالقريشيين، وإنما عَمَّوا - أي أخْفَوْا - نسبهم إلى أمية في الآخر لما انحرف الناس عنهم، وذكروا أفعالهم في الحسين ﵁ (١).
وهكذا كان ابن سعيد من أوائل من قرعوا باب "أثر السياسة في اختفاء الأنساب"، وقد وضع لنا الأستاذ ناجي معروف النقط على الحروف حيال هذه الظاهرة - حينما قال في مقدمة كتابه النفيس:
(وقد توصلنا في هذا البحث إلى أن كثيرًا من هؤلاء المنسوبين أو المضافين إلى مُدنٍ أعجمية إنما كانوا من أصل عربي خالص، وسنبرهن في هذه الرسالة على هذه الحقائق العلمية التي لا ريب فيها، وعلى مدى تغلغل العرب في البلاد الإسلامية واستقرارهم في مدنها، هم وذراريهم وتصاهرهم مع أهلها، وتوطنهم فيها أجيالا طويلة حتى اليوم) (٢)، وقال أيضًا: (ينسب عدد لا يحصى من العلماء
стр. 1622
العرب إلى مختلف المدن الأعجمية، فتقرأ مثلًا: الأصفهاني، والنيسابوري، والفيروز آبادي، والرازي، والطبرستاني، إلخ. ويظن الكثيرون من الناس أنما هم من الفُرس أو الأتراك أو الهنود أو المغول أو غيرهم من الأمم التي دخلت في الإسلام، ويعتقدون أنهم أعاجم وليسوا عربًا، باعتبار أن العرب لا ينتسبون إلى المدن أو القرى أو المحال أو الأماكن المختلفة الأخرى، ولم يُسمع أن أحدًا من العرب في الجاهلية وصدر الإسلام وعهد الأمويين انتمى أو انتسب إلى مكة أو المدينة أو الطائف أو صنعاء أو عدن. إلخ، وإنما كانوا ينتسبون إلى قبائلهم وعشائرهم، وإلى أفخاذها وبطونها، فتسمع على الدوام: القرشي، والمخزومي، والزهري، والسهمي، والتيمي، والتميمي، والباهلي، والأسدي. وأما الأعاجم فينتسبون إلى المدن والقرى والأماكن، ولا يَعْتَزُّونَ كالعرب بانتسابهم إلى الآباء أو الأمهات، أو القبائل وبطونها وأفخاذها) (١).
ثم أوضح المؤلف أن هذه الظاهرة بدأت تبرز في العالم العربي والإسلامي عندما أصبحت بغداد مدينة أُمَمِيَّةً كبيرة تضم أناسًا من كل الأجناس والقوميات ومن مختلف الملل والنحل، فصار عندها وفي ذلك الظرف، العرب الصُّرَحَاءُ ينتمون مثل الأعاجم إلى المدن والقرى والْمَحَالِ والأماكن المختلفة، وبخاصة أولئك العرب الذين عاشوا بين ظهراني المسلمين من غير العرب، وهكذا صار المنتسبون إلى المدن من عرب وغير عرب، كثيرين جدا، فكان من المنتسبين إلى بغداد مثلًا كثرةٌ من كل جنس وفن، كما يقول السمعاني - في كتابه في الأنساب - ص ٢٦٩ ج ٢ (٢).
وزاد المؤلف هذا الموضوع وضوحًا وتعريفًا حينما قال:
(وإذا علمنا أن عدد أصحاب الرسول ﷺ الذين انتشروا في هذه البلاد إبان الفتوح الإسلامية وَحَمَلُوا إليها مشاعل العلم، كان عددهم اثني عشر ألف صحابي (٣) أدركنا عِظَمَ التأثير العربي على هذه البلاد وتعريب الثقافة فيها، هذا
стр. 1623
عدا الجيوش العربية الفاتحة من المهاجرون والأنصار، وعدا أولئك الذين انتقلوا من القبائل والأُسَر العربية إلى بلاد المشرق والمغرب من مختلف الأقطار العربية، وعدا أولئك الذين ظلت الجزيرة العربية تُغَذِّي بهم هذه البلاد طوال العصور في هجرات مستمرة نحو الغرب والشرق)، وزاد الموضوع تحليلًا وإيضاحًا حينما تحدث وضرب مثلًا لاستعجام العرب وأسباب إخفائهم لأنسابهم عمدًا، خوفًا من سيف الانتقام المُصْلَتِ على رقابهم، بما حدث في دولة "المغول" في عهد جنكيز خان، إلى احتلال هولاكو لبغداد، حيث مَحَوْا أكثر بلدان الشرق وأقطاره محوًا تامًّا وأزالوا مُدُنًا لم تقم لها قائمة، وقتلوا علماءها وأهلها ولم يَنْجُ منها إلا أفراد قلائل. وتعاقب على الحكم بعد المغول أمم لا تَمُتُّ إلى الثقافة العربية ولا إلى النسب العربي بصلة، وكان أثرهم كبيرًا في طمس معالم الحضارة العربية، وفي إظهار الألقاب الأعجمية للعرب في مكان الألفاب العربية لهم. ثم ساق المؤلف أمثلة كثيرة من الألقاب الأعجمية التي تطلق على أفراد عرب معروفة عروبتهم في التاريخ، إمَّا جريًا على سَنَنِ أولئك الأعاجم، أو خوفًا وحَذَرًا من بروز أنسابهم العربية فيتعرضون للمهانة، وما هو أكبر من المهانة في أجواء لا تتفق واتجاهاتهم، وذكر أنسابهم الصحيحة الكامنة.
وبعد أن ساق عشرات الأمثلة على نظريته هذه، دخل إلى صلب الموضوع فأشبعه تحليلًا وإيضاحًا وتركيزًا، قال: (وقد ساعد الانتساب إلى المدن الأعجمية أو الإسلامية وحتى العربية، أو الحرف والصناعات والوظائف أو الفرق الدينية أو الطوائف المذهبية، أو إلى الرجال والنساء، على تحاشي النسب الحقيقي عند الأزمات الحادة، أو في أثناء بعض الظروف السياسية الحرجة التي كانت تواجه الأمة)، إلى أن قال: (وكان طبيعيًّا أن يخفي الناس أنسابهم في مثل هذه الظروف القاسية، ويحاولو الاختفاء في المدن النائية، وينتسبون إلى المدن أو الْحِرَفِ أو الصناعات إلخ) (١).
ولقد كان إظهار النسب العربي في عهد ساد فيه الأتراك والبويهيون من الأمور الصعبة التي تُعرِّض أصحابها إلى المطاردة، أضف إلى ذلك أن البويهيين
стр. 1624
الذين بَنَوُا الطائفية في العراق، وحاربوا مناوئيهم كان لهم أثر كبير في إخفاء الأنساب العربية سواء أكانت عباسية أم بكرية أم عمرية أم أموية إلخ، وفي انتحال أنساب علوية لينالوا الحظوة عندهم، وقُلْ عكس ذلك في زمن السلاجقة).
ثم ذكر أن هذه الظاهرة اشتدت جدا في زمن الصفويين، حتى إن الناس عمدوا إلى تغيير أسماء المشاهد والأضرحة، مخافة نبشها أو العبث بالأموات، إذا كانوا ينتسبون إلى العباسيين أو الأمويين (١) إلخ).
وهكذا شرح لنا المؤلف أبْعَاد هذه الظاهرة التي لابد أنها عملت على طمس كثير من معالم أنساب العرب الذين وقعوا تحت طائلتها، ليتمكنوا من أن يعيشوا في إطارها بأمان واطمئنان بين الشعوب التي تحيط بهم والتي يساكنونها، ولابد أن حالتهم المعيشية لو سلكوا غير هذا السَّنَن ستكون صعبة ومرتبكة ومضطربة، خاصة مثل بني سُلَيْم الذين شرَّقوا وغرَّبوا، وأسهموا في حوادث ومعارك مَصِيريَّةٍ وغير مصيرية أثمرت لهم عداوات وحزازات وضغائن في الأمم التي أقاموا بين ظهرانيها بعد انتهاء صولتهم وقوتهم.
ولعل السببين المذكورين في أوائل هذا الفصل كانا قد تضافرا على اختفاء أسماء كثير من رجالات سُلَيْم في الأجيال التي سبقت جيلنا الحاضر.
ومعلوم أن رئيس الأسرة إذا عمد إلى إخفاء حقيقة نسبه لأسباب ملجئة، فإن الجيل الثالث من نسله على أقل تقدير ينسى أصله.
وقد تتبعتُ - بقدر استطاعتي وجهدي - الأسْفَار التي أُلِّفَتْ في القرن العاشر - مثلًا - وما بعده، فما وجدت تراجم لرجالات سُلَيْم في علم أو أدب أو إدارة، اللهم إلا قلة ضئيلة … وهذا مع ملاحظتنا للسهو الذي وقع فيه الشيخ عبد الرازق البيطار حينما ترجم لمنصور بن عمار السُّلَمي الذي كان يعيش في عصر الليث بن سعد الفهميّ وهو القرن الهجري الثاني، وكان صديقًا لليث ونزيله في مصر، في ظرف من ظروف الزمن، فقد اعتبره الشيخ عبد الرازق البيطار من أهل القرن الثالث عشر الهجري، وترجم له على هذا الأساس ترجمة حافلة، بالصفحة
стр. 1625
١٥٦٢ من كتابه القيِّم: (حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر). ولست أدري من أين استقى ترجمته كما وردت في ذلك الكتاب؟!!
على أني وجدتُ في كتاب محمد خليل المرادي، ترجمتين لشخصين وصفهما المرادي بأنهما (سُلَيميان)! (هكذا)، وهما دمشقيان، ولكني - والحق يقال - لم أتَأكَّدْ ما إذا كانا من بني سُلَيْم بن منصور، أم من غير هذه القبيلة؛ لأن المؤلف لم يتعرض لشيء من التفصيلات عن ذلك.
والشخصان هما:
١ - الشيخ أسعد المجلد بن عبد الرحمن بن محيى الدين بن سليمان الشهير بالمجلِّد، لكون والده في مبدأ الأمر مشتغلًا بتجليد الكتاب - الحنفي السليمي الدمشقي) إلخ (١).
٢ - علي السليمي بن محمد بن علي بن سليم الشافعي الدمشقي الصالحي الشهير بالسليمي) (٢).
ومع أني أعرف أن بني سُلَيْم بن منصور قد بقيت منهم أُسَرٌ في الشام، وبدمشق بالذات بعد إجلائهم عن الشام، ولعل ئلك الأُسَرَ من نسل من جاءوا إليها مع غزاة القرامطة في احتلالهم للشام، وذلك مثل سلطان العلماء (الْعِزُّ بن عبد السلام) - فإني لم أستطع الجزم مطلقًا بحقيقة نسبة هذين الشخصين الدمشقيين اللذين نَعَتهُما "المرادي" بأنهما "سليميان"، على أَنه مما بدا لي أثناء بحث حالتهما على ضوء ما ورد في ترجمتيهما في الكتات الآنف ذكره، أن الثاني منهما ربما يكون (سَليِميًّا) بفتح السين المهملة، إذا صح هذا التأويل فيكون قد وابتعد عن محيط نسب (بني سُلَيْم)، لأن اسم جدهم (سُلَيْم) بضم السين، وهو أي (علي السلمي) حفيد (سَليم) بفتح السين - فنسب إليه وقد أورد المؤلف أنه (صُلِّيَ عليه بجمع حافل في السِليمية)، وبقي الأول منهما مُحَاطًا بدائرة الشك في
стр. 1626
حقيقة انتمائه لسُلَيْم، إذ ليس هناك قرينة صالحة للاستناد عليها تفتح النوافذ المغلقة حيال حقيقة هذا الانتماء، أهو لبني سُلَيْم - بضم السين - أو هو لِجَدٍّ له اسمه (سليم) بضم السين أيضًا أو بفتحها، والجزم بشيء ما حيال نسب هذا الرجل رهن بالوقوف على ترجمة له واضحة وصريحة فيما لا يزال غامضًا من نسبه. وفي "صبح الأعشى" للقلقشندي ذكر للعربان بالدرب المصري إلى مكة، وعدَّ منهم بني سُلَيْم فقال: "ومن الجحفة على قديد وما حولها إلى الثَّنيَّةِ المعروف بعقبة السويق لسُلَيْم" (١).
كما وردت إشارة عابرة عن إسهام بني سُلَيْم - بصفة شاملة لهم ومن غير تَخْصيص أحد أو ذكر اسمه - في حراسة (الدرك) الذي تبتدئ حدوده من بستان القاضي إلى الحدرة والمضيق آخر وادي العميان، وأول وادي مر الظهران، على ما ذكره عبد القادر بن محمد الأنصاري الجزيري أحد علماء القرن العاشر الهجري، وصاحب كتاب (درر الفرائد المنظمة في أخبار الحاج وطريق مكة المعظمة).
وحراسة (الأدراك) أو (المدارك) كما أدركناه في أول العهد السعودي الحاضر، وظيفة عمومية للبادية يشترك في مسئوليتها والقيام بها جميع أفراد من جعلتها الدولة في أعناقهم، مقابل مكافآت أو رواتب محدودة أو معلوم مقرر لهم.
وقد سمى لنا الجزيري أسماء أشخاص من أهل تلك المدارك من غير بني سُلَيْم: مهادف بن مالك بن رومي وجماعته - وبعد ذلك قال: "وكان الدرك قديمًا مقسمًا بين جماعات بمعاليم معلومة، منهم البِشْريون، والعصيفيون، وبنو سُلَيْم، ثم صار الدرك والمعلوم العائد له بيد زبيد اليمن، وهم في طاعة السيد الشريف أمير مكة المشرفة الآن - القرن الهجري العاشر - (٢) فهذا ذكر عام لبني سُلَيْم في
стр. 1627
القرن الهجري العاشر، وربما كانت إناطة ذلك الدرك بهم قبل القرن المذكور؛ لأن المؤلف يقول لنا: إن الدرك كان قديمًا مقسمًا بين جماعات من الأعراب منهم بنو سُلَيْم، وتحديد معالم هذا الدَّرك يدل على أنه أو بعضه على التعبير الأدق داخل في ديار بني سُلَيْم، ولذلك عُهِدَ إليهم - قديمًا - بحراسته.
وهناك أيضًا محمد بن حمدون المرداسي السُّلَمي، أحد علماء مدينة فاس بالمغرب الأقصى، وهو من أهل القرن الهجري الثالث عشر.
كما أن الأمير شكيب أرسلان، وهو العليم بأحوال البلاد الإسلامية وسكانها - أفادنا بأن (في عربان مصر كثيرًا من بني سُلَيْم بن منصور، وبأن مشايخ الأحامدة الذين هم من مشايخ حرب في الحجاز يقال إنهم من سُلَيْم، وإن جدهم العباسُ بن مرداس السُّلَمي. كما أنبأنا بأن أكثر عرب برقة والجبل الأخضر من بني سُلَيْم بن منصور، وهم الذين ابتلاهم الله بالطليان في هذا العصر ولم يزالوا يجاهدون عن دينهم ووطنهم منذ عشرين سنة) (١).
صعود فهبوط، ثم بداية صعود
بدأ عصر الصعود الاجتماعي لبني سُلَيْم، في أواخر الجاهلية الثانية القريبة من الإسلام، واستمر صعودهم الاجتماعي في صدر الإسلام، إلى الثلث الثاني من القرن الهجري الأول، ثم أصابتهم نكسة خطيرة في معركة مرج راهط سنة ٦٤ أو ٦٥ هـ بدمشق الشام، ثم استعادوا مكانتهم بعض الشيء، فرأينا منهم الولاة والأمراء، في عهد الدولة الأموية في إفريقية وغيرها، وأخذ الخليفة هشام بن عبد الملك الأموي بِضبْعهم، فرحَّل الكثير من أُسرهم من ديارهم الأصلية المستكنة في إطار حِرارهم وجبالهم وأوديتهم المنعزلة - رَحلَّهم منها بموافقتهم إلى القطر
стр. 1628
المصري الفيَّاض بالخيرات لهدف سياسي هو أن يحفظون التوازن بين القبائل القحطانية الكثيرة التي نزلت أو أُنزلت بمصر في أيام الفتح الأولى، وبين القبائل العدنانية القليلة النزوح إلى هنالك، ثم تجمَّد وضعهم حتى رأيناهم في القرن الهجري الثالث في عهد الخليفة الواثق العباسي يهبطون إلى دركات العبث والإخلال بالأمن في ديارهم، ويعودون إلى شنَّ الغارات من ديارهم الأصلية على جيرانهم ويفتكون بهم، فيجرد الواثق عليهم حملة كبيرة من بغداد تقضي على إخلالهم بالأمن، وتفتك بالكثير من رجالهم، ومن ثم تُعنى الدولة العباسية بإعادة الاطمئنان والاستقرار إلى ربوعهم فتُعمِّرها لهم، فتزدهر ازدهارًا لا نعلم من أبعاده إلا ما تشير إليه في غموض بالغ لمحاتُ المؤرخين، وإلا ما تحدثنا به الآثار المستكشفة حديثًا في بلادهم، مما فصَّلناه في مكانه.
وما إن يبدو الضعف في الدولة العباسية حتى نرى بنو سُلَيْم يعودون إلى امتشاق الحسام وشنِّ الغارات، وقد خاضوا غمار معارك مع قبيلة حرب اليمانية النازحة من أرض اليمن إلى جوارهم، كما وُجهت لهم حملة تأديبية من ابن ملاحظ أمير مكة، وكانوا مع القرامطة وقد احتلوا معهم ديار الشام، فلما وهن أمر القرامطة انسحبوا معهم إلى البحرين وانكمشوا هنالك، ثم اشتد ساعدهم في البحرين، وقد نص التاريخ على أن انضمام بني سُليُم إلى القرامطة كان انضمامًا شَغَبَيًا نفعيًّا مجردًا، ولم يكن لانضمام هؤلاء البدو إلى حركة كهذه أثر يذكر في عقائدهم، اللهم إلا ما ظهروا به من رغبة الشغب وخضوع لإرادة غير موجَّهة، وكان منهم جماعة تنتشر في طريق الحج المؤدي إلى مكة لقطع الطريق والإغارة (١)، فلما تغلب بنو الأصفر على البحرين (الإحساء) في سنة ٣٧٨ هـ باسم العباسيين وطردوا منها بني سُلَيْم الذين كانوا أعوانًا للقرامطة حينئذ، رأى الفاطميون - العبيديون - عندها أن يسمعينوا بهؤلاء الأعراب الأشداء، فشجَّعوهم
стр. 1629
على الهجرة إلى مصر، ونَقلهم العزيز بالله هم وبنو هلال من هوازن إلى الصعيد بمصر بالعدوة الشرقية من نهر النيل فأقاموا هناك (١)، ثم عاد أمرهم إلى التجميد، وربما إلى الشغب أيضًا وشنِّ الغارات والإخلال بالأمن، مما حمل العُبيديين على استغلال طاقتهم الكبيرة في القضاء على دولة ابن باديس بالقيروان والمهدية على أثر إعلانه الانفصال عن دولة العبيديين وخلع طاعتهم.
وفي إفريقية انتشروا انتشارًا كبيرًا، وكانت لهم أحداث جسام ومثيرة هنالك ذكرها المؤرخون (٢)، ولم يتمكن السُّلَميون ولا الهِلَاليون من إقامة دولة لهم في أرض المغرب، ولكنهم تمكنوا من نشر لواء اللغة العربية وثبَّتوا لهم مكانة مرموقة في الأوساط الاجتماعية، واندمج كثير منهم في الأهلين فيما بعد، ونبغ فيهم العلماء وربما كبار التجار والمزارعين والصناع، كما نبغ مثل ذلك منهم في الشام وغير ديار الشام، ولا ندري ما هي البواعث التي دفعتهم في أوائل القرن الثاني عشر الهجري أو دفعت بالكثير منهم إلى الهجرة مرة أخرى من بلاد المغرب إلى مصر بصفة جماعية، كما نزحوا من مصر إلى أقطار المغرب سابقًا في منتصف القرن الخامس الهجري، وفي مصر بعد ذلك كانت منهم قبائل عديدة منها أسر معروفة، وخاصة في الشرقية وناحية الفيوم والمنيا في الصعيد.
أما بنو سُلَيْم في مساكنهم الأصلية في الحجاز فقد ظل الانكماش ملازمًا لهم بعد ضربة الواثق لهم بأمد لا نعرف مداه، واستمر هذا الانكماش أو هذا الهبوط الاجتماعي طيلة دويلات الطوائف، وطيلة عهد الأشراف، وأخيرًا بدأ فجر اليقظة والانفتاح لبني سُلَيْم في عهد الدولة السعودية الحاضرة.
وثيقة سُلَمية تحدد بعض ديارهم
حينما شرعتُ في تأليف هذا الكتاب، جعلت نصب عيني تضمينه بعض وثائق بني سُلَيْم الخاصة بديارهم، وكنت قد علمت من بعض كبارهم خلال رحلتي إلى بلادهم، عدم وجود حجج شرعية بالمعنى الرسمي المفهوم لدينا، وهو
стр. 1630
يعني الوثائق الشرعية الصادرة من محاكم شرعية رسمية منصوبة من قبل الدولة لفض المنازعات وإثبات الأملاك أو نفيها وما إلى ذلك من الحقوق.
وأخيرًا، وبعد بحث عميق وجدتُ هذه "الوثيقة" وهي تحدد الجزء الخاص من الأرض ببني عَلَا من بني سُلَيْم، وكان "تجديدها الرابع" في عام ١٣٧٧ هـ، أما صدورها لأول مرة فقد كان في سنة ١٩٥ هـ وهذا التاريخ يوافق بالضبط السنة التي أعلن فيها الأمين محمد بن هارون الرشيد خلع أخيه المأمون من ولاية العهد، وخلع المأمون لأخيه الأمين من الخلافة (١).
والوثيقة في حد ذاتها كتبت بلهجة عامية محضة، ولكن ما أشير إليه فيها من تجديدات لها وما ورد فيها من أن أصلها مكتوب بسنة ١٩٥ هـ واعتمادها من قبل بني سُلَيْم يدلنا على أن لها أصلًا فصحيحًا.
وكان التجديد الأول للوثيقة السلمية المذكورة، في سنة ٣١٠ هـ وكان ذلك في خلافة المقتدر بالله العباسي، وفي عام اشتد فيه بلاء القرامطة بقيادة أبي طاهر على العراق (٢).
أما التجديد الثاني للوثيقة فقد كان بسنة ١٢٥٨ هـ، ويتفق هذا العام مع السنة الثالثة لسلطنة عبد المجيد (الأول) ابن محمود العثماني (٣).
وكان التجديد الثالث للوثيقة في عام ١٣١٠ هـ، ويوافق ذلك عهد سلطنة عبد الحميد (الثاني) ابن عبد المجيد العثماني (٤).
وكان تجديدها الرابع في سنة ١٣٧٧ هـ، ويوافق ذلك عهد الدولة العربية السعودية في الوقت الحاضر.
وقد ظهر لي بعد تأمل "نص" الوثيقة أنها غير "النص الحرفي" لها في عام ١٩٥ هـ وفي عام ٣١٥ هـ، وإنما نقلت بالمعنى وبلهجة بني سُلَيْم العربية العامية إما
стр. 1631
في سنة ١٢٥٨ هـ أو بعدها في سنة ١٣١٠ هـ، والذي دعاني إلى هذا الرأي أن عرب بني سُلَيْم الواغلين في داخل الجزيرة العربية بين الجبال والحِرار كانت لغتهم سليمة من اللحن فصيحة بالسليقة في عام ١٩٥ هـ وفي عام ٣١٥ هـ كما هو معروف وقلما يلحنون، فهذا عرَّام بن الأصبغ السُّلَمي المتوفي في نحو ٢٧٥ هـ - ٨٨٨ م هو أعرابي سُلَمي ذو لغة فصيحة بالسليقة، وقد ألف كتابًا صغيرًا يعتبر (وثيقة من أهم الوثائق البلدانية وأُمًّا من أمهات المراجع الأصلية) (١).
وهذا الأزهري الإمام اللغوي المعروف المتوفي سنة ٣٧٠ هـ أي بعد كتابة أصل الوثيقة السُّلَمية بمائة وخمس وثمانين سنة، يفيدنا بأنه وقع في أسر الأعراب وهو في طريقه إلى الحج أيام فتنة القرامطة سنة ٣١٢ هـ بعهد المقتدر العباسي، وكان الذين أسروه من الأعراب من هوازن - (أبناء عمومة سُلَيْم) المجاورين لهم، ويصف لنا هؤلاء الأعراب الذين وقع في أسرهم يقوله: (يتتبعون مسياقط الغيث أيام النّجع، ويرجعون إلى أعدادِ المياه في محاضرهم زمان القيظ، ويرعون النَّعم ويعيشون في ألبانها، ويتكلمون بطباعهم البدوية وقرائحهم التي اعتادوها، ولا يكاد يقع في منطقهم لحْنٌ أو خطأ فاحشٌ)، ويقول بعد ذلك: (وكنا نتشتى الدهناء ونتربع الصمَّان ونتقيَّظُ الستَّارين، واستفدت من مخاطباتهم ومحاورة بعضهم بعضًا ألفاظًا جمة ونوادر كثيرة، أوقعت أكثرها في مواقعها من الكتاب، وستراها في موضعها إذا أتت قراءتُك عليها إن شاء الله) (٢).
ومحل الشاهدان هنا أمران: أحدهما إثبات الأزهريُّ أن أعراب بادية الحجاز ونجد في سنوات أَسْرِه: ٣١٢ هـ وما بعدها وفي إحداها: (٣١٥) كان التجديد الأول للوثيقة السُّلَمية ومن قبلها كانت كتابتها لأول مرة أي بسنة (١٩٥ هـ) كانوا فصحاء بالسليقة، واللحق فيهم نادر قليل. والأمر الثاني اعتماد الإمام الأزهري النقل عنهم، واتخاذ لغتهم مرجعًا عربيًّا فصيحًا معتمدًا، ونحن نلاحظ "بَدَاهةً" في نص الوثيقة السُّلَمية التي بين أيدينا أنها غير فصيحة العبارات، وعباراتها كلها عامية ملحونة تقريبًا وفيها لحن فاحش، ومع ذلك نرى فيها بعض أسماء وكلمات
стр. 1632
فصيحة لم تتغير عن أصولها الفصحى، كما نرى في بعضها تحريفًا عن تلك الأصول، هذه الملاحظة هي التي جعلتنا نقرر أن "المعنى" فقط هو المنقول، ونُقل وجُدِّد بلهجة القوم حينما انحرفت عن خط الفصاحة العربية السليقية التي كانت سمةً وطابعًا ملازمًا ملازمة الظل لأسلافهم في سنة ١٩٥ هـ وفي سنة ٣١٥ هـ.
وهنا سنُفصِّل ما أجْملنَاهُ آنفًا عن حقيقة هذه الوثيقة حسب ما ترآى لنا فنقول: إننا إذا رجعنا إلى متن الوثيقة السُّلَمية، لنناقش ما إذا كانت ذات أصل قديم يرجع إلى سنة ١٩٥ هـ أم لا؟ فإننا سنجد ما قد يبرر لنا التسليم بوجود هذا الأصل العربي السليم في أساسها، وذلك يتمثل - أولا - في ذكر تاريخ كتابتها الأول في تجديدها الرابع، وتاريخ كتابتها الأول كان بسنة ١٩٥ هـ وفي ذكر تجديدها الثاني والثالث فلو لم يكن قد سبق لها أصل وتجديدات ثلاثة قبل التجديد الرابع الأخير، لما ذُكر هذا التجديد معطوفًا على التجديدات الثلاث التي سبقته في قرونٍ بعضها متقارب وبعضها متباعد. وثانيًا - إن ارتضاء قبيلة سُلَيْم لما في هذه الوثيقة يدلنا على أنها ذو أرومة قديمة. وثالثًا - ذكر في الوثيقة بعض أسماء الأماكن القديمة لبعض ديار بني سُلَيْم كما هي، ويلوح لي أن هذا التحريف العامي الملحون الموغل في لهجة البادية العامية، والذي يشمل عبارات الوثيقة تقريبًا حدث في التجديد الثالث لها أي بسنة ١٢٥٥ هـ، لأن القوم يومئذ كانوا في تأخر فكري وعلمي مطبق، إذ لم تكن لهم أية عناية بالتعليم في عهد الدولة العثمانية، بل ربما كانت الدولة لا تعرف إلا القليل من أحوال ديارهم ومجتمعهم القَبَلي. وكان الأشراف حكام الحجاز كذلك لم يوجهوا إليهم العناية المرومة، ونلمح في بعض أبيات لبعض شعرائهم في مطلع هذا القرن الهجري أنَّهةَ شكوى من عدم فتح أبواب المراجعة لهم في شئونهم ومطالبهم من قبل الشريف عون باشا، ونحن نجد ذلك في قصيدة لـ مطلق بن عُضَيْبٍ المطرودي النوالي (العلاري) السُّلَمي الذي عاش في القرن الثالث عشر الهجري وكانت قبل وفاته فبل نحو ثمانين عامًا أثناء حكم الشريف عون الرفيق (١٢٥٦ - ١٣٢٣ هـ) (١٨٤١ - ١٩٠٥ م)، قال مطلق يخاطب الشريف عون الرفيق:
стр. 1633
يا (عَوْنْ باشا) دُونَكْ أرْبَعْ قبائلْ … لنا يرومون الشَّرَكْ والحبايلْ
والِلِّي ذَبحْنَا لُهْ عَليْنَا دَلَائلْ … والِلِّي يجيِنَا لُهْ دَلَائلْ تَغَديَّهُ
إلى أن يقول - وهو محل الشاهد -:
إنْ جيِتْ أطْلِعْ لِسِيدي شَكيَّهْ … دُونُهْ مَراقِصْ خَيْلْ ومَلاحْميَّهْ
وَأَحْرابْ دُونُهْ وَقوْمْ لَظِيَّهْ … تحُولْ مِنْ دُونُهْ وتَقْطَعْ ببِاغيهْ (١)
ومما أفادتنا به "الوثيقة" وجود من يُلقَّبون بلقب "الشيخ" بين ظهراني بني سُلَيْم ومعهم في ديارهم، وآية ذلك أن تجديدها الثاني والثالث كان على يد اثنين منهما وهما: (بُقَيَّان الشيخ) و (مبارك بن عبد الغني الشيخ)، وقد علَّق على ذلك حسينُ بن هندي السُّلَمي بأن هذا اللقب معروف لديهم أنه لقب (الأنصار) المقيمين مع بني سُلَيْم في بعض ديارهم حتى الآن، وهم معروفون بأنصاريتهم ولهم أملاك ومكانة لديهم، وإذا رجعنا إلى المصادر التاريخية عن "وجود الأنصار" مع بني سُلَيْم في ديارهم هذه فإننا سنجد عرَّام بن الأصبغ السُّلَمي - (من أهل القرن الهجري الثالث) يقول في كتابه: "أسماء جبال تهامة وسكانها" عن خيف سلَّام بقرب مهايع السُّلَمية، (وسلام هذا رجل من أغنياء هذا البلد - أي بلد خيف سلام - من الأنصار) (٢)، وفي المغرب بالصحراء الكبرى عرب من الأنصار يسمون هنالك أيضًا بالشيوخ، تمامًا كما في ديار بني سُلَيْم.
دراسة للوثيقة في بعض عباراتها
فأولًا - جاءت في ختام الوثيقة صيغة (القُرمِيَّة)، وفي تجديدها الأول بسنة ٣١٠ هـ والثاني بسنة ١٢٥٨ هـ والثالث بسنة ١٣١٠ هـ والرابع في سنة ٣٧٧ هـ، والمراد بصيغة (القرمية) هنا (الوثيقة القديمة)، والقُرْمِيَّة بضم القاف وسكون الراء بعدها ميم مكسورة فياء مشددة مفتوحة فتاء مربوطة تؤدي - كما يبدو من العبارة - لدى بني سُلَيْم منذ سنة ١٢٥٨ هـ حتى الآن معنى (الأصل والقدم) وهي مأخوذة من صيغة عربية فصيحة هي (الأرومة)، وتستعمل في عامية المدينة المنورة كما تستعمل في عامية بني سُلَيْم، وهناك كتاب كان مخطوطًا في أنساب المدنيين
стр. 1634
لعبد الرَّحمن الأنصاري من أهل القرن الثاني عشر الهجري، سماه مؤلفه باسم (تحفة المحبين والأصحاب في معرفة ما للمدنيين من الأنساب) ولكن هذا الاسم الطويل أُهمل لدي عوام المدينة وبعض خواصها فصار اسمه المعروف لديهم في أكثر الأحيان هو (القُرْميَّة) باعتبار أنه يتحدث عن أرومات النّاس في المدينة وأحوالهم وأنسابهم، ووجود هذه الصيغة في "التجديدات الثلاثة للوثيقة" التي تبدأ من سنة ١٢٥٨ هـ يدلنا على صحة ما ذهبنا إليه من أن "النصر" الذي بين أيدينا منها الآن هو "منقول من التجديد الأول بالمعنى لا بالألفاظ، ولابد أن الأصل الأول بـ ١٩٥ هـ و ٣١٠ هـ قد فقد أو هو شبه مفقود.
وثانيًا، إن الوثيقة تعطينا تحديدا مقبولًا لدى الجانب السُّلَمي الخاص به: "بني عَلا" ولدي من يُصالونهم فيه من قبيلة حرب واعتمادها من قبلهم يدلنا على علمهم واعترافهم بأنها قديمة وعليها المعول، ومفهومنا هذا الذي يقول بأنها معتمدة لديهم، هو بحسب منطوقها الذي بين أيدينا ليس غير.
وثالثًا - تذكر الوثيقة أن الأراضي المحدودة بموجبها هي تخص "بني عَلا"، وبنو علا من سُلَيْم، وقد ذكرهم الشاعر السُّلَمي مطلق بن عُضيب في قصيدته المنشورة في الفصل الذي عقدناه لشعراء الشعر النبطي من بني سُلَيْم في أواخر هذا الكتاب، ويفيدنا حسين بن هندي السُّلَمي بأنهم قدماء وأن نسلهم لا يزال موجودًا حتى اليوم.
ورابعًا - ورد في الوثيقة اسم "الشُّعْبَة"، وقد سبق لنا في فصل (ديار بني سُلَيْم الأصلية) أن (الشُّعْبَة): (موضع قرية قديمة مندرسة لَمْ يبق إلَّا آثارها وبعض الأطُم البسيطة والمتهدمة جوانبها وأطرافها، وآثارها كثيرة منها كتابات قديمة قد تكون عبادية، ومنها صُور لوحوش وحيوانات كانت في هذه المنطقة).
وخامسًا - ورد اسم (الزُّبَيْري) في الوثيقة، وربما كان هؤلاء السُّلَميون ينتسبون إلى جد لهم اسمه الزُّبَيْر، وصحة النسب الجماعي إلى الزبير (زُبيريون).
كما ورد فيها اسم "الرَّبَعي" نسبة إلى ربيعة، ويعنون بالربعي: الربعيين، والربعي في نسبة المفرد إلى ربيعة صحيحة مثل بُجيلة وبَجَلِي، وحنيفة وحنفي.
стр. 1635
وورد فيها (العِسْمِيُّ) نسبة إلى العوم، فإذا كان أصل العسمي عِسْمًا، فالنسب الجماعي إلى هذه الصيغة هو (عِسْميُّون).
وهم يقولون أيضًا: (العسوم)، والعسميون أو العسوم من قبيلة حرب (١) التي ذكرت الوثيقة أنَّها تحادُّ أراضي بني عَلا من سُلَيْم، وهم من زبيد.
وكذلك ورد فيها (العَصَوي) ويراد به (العصريون)، ولعلَّ العصوي أو العصويين ينتمون إلى بني (عُصية) بن خفاف بن امرئ القيس بن بُهْثة السُّلَمي.
و (المُعَبَّدي) يعنون به المُعَبَّديين أي قبيلة معبد من حرب.
ووردت فيها: (الظاهرة) حرَّة سُلَمية سوداء معروفة لديهم بهذا الاسم إلى اليوم.
سادسًا - ذكر في الوثيقة لقب (الشيخ)، وقد أفادني حسين بن هندي السُّلَمي بأن هذا اللقب بالذات يطلق عندهم على من هو (أنصاري) لديهم.
و (جَدَّيَّةٌ) المذكورة في الوثيقة يُعْنَى بها: الأراضي المحدودة.
و (المهد) الوارد في الوثيقة يدلُّ على (جبل صغير)، والمهد لغة الأرض المرتفع.
стр. 1636
وإذا ذكر (الحديد) في الوثيقة فمعناه (المحدود).
و (أبو درب) يقصد به: الطريق.
و (يَنْقَضُّ) من الانقضاض يقصد بها معني: بيدخل، أو يفيض أو يميل أو ينحدر.
و (أَجَيْمِعٌ) الوارد في الوثيقة هو اسم وادٍ صغير بعينه لبني سُلَيْم وورد فيها عبارة مكررة هي: (يقطعه قطع الحبل)، والمراد بها يقطعه عرضًا.
وصيغة (يَعْطِي) بمعنى (يمشي).
و (القِرْوَالُ) على وزن (الغربال): حزم مرتفع بعينه.
وجاءت في الوثيقة: (حقة اجيمع) بمعنى التابعة لأجيمع.
وجاءت فيها صيغة (الهظبة) المعروفة بالظاء المشالة، وهو لحنٌ عامي أعرابي من باب قلب بعض الحروف القريبة في المخرج إلى بعض.
وتستعمل الوثيقة صيغة (الذي) في موضع (التي).
و (المَهَدُّ) بفتح الميم والهاء وتشديد الدال المهملة: غير المَهْد بسكون الهاء. فالمهدُّ المفتوح الهاء يعني به: (مفيض السيل) لأنَّ السيل يَهُدُّ ما يعترضه، في مفيضه.
وفيها كلمة (ضبَع)، وهو وادٍ لسُلَيْم بعينه.
و (يَظْهَر) في الوثيقة بمعنى (يطلع).
و (السَّلْعُ) اسم أو وصف الطريق الجبلي المرتفع.
و (الغُلَيْثِيَّةُ) اسم موضع لعل فيه نبات الغُلَيْثَي السَّامَّ فنسبت إليه.
و (ضبيعة) اسم وادٍ بعينه، وقد مر بنا اسم وادي (ضَبَع).
و (درب كبيدة) درب معروف بعينه يقع في فلاة كبيدة السُّلَمية.
و (خُرْمَةُ يَهِرْ): ريع يهر، ويهر واد ينزل من جبل شمنصير.
و (مقراة مَلَحْ) بمعنى: وادي مَلَحٍ.
стр. 1637
و (الجفجف): حرَّة سُلمية بعينها.
و (لِبْنَة) وادٍ لسُلَيم بعينه.
و (الحجيلة) وادٍ صغير بعينه.
و (زريبة القَنَّاص) بمعنى: حَجَر مجموع من حجارة الوادي بحرَّة سوداء.
و (رأس المعْزَة): رأس وادي المعْزَة، وهو وادٍ بعينه.
و (البَعْصُوصُ): وادٍ بعينه.
و (قَفْوُ محْوِيِّةْ): ظهر حزم معروف بهذا الاسم لبني سُلَيْم.
و (مجمر الخَنْفَسة): جبل أسود يخالف لونْهُ لونَ ما يجاوره من جبال وهو جبل بعينه، والحنفسية التي ينسب إليها: مَوْرِد ماء للنعم معروف بعينه.
و (نَبْطُ الشامي): وادٍ معروف بعينه.
و (يَنْقَضُّ لِينْ يِلَايِمْ): يهبط حتى يوافق، (لين) - بإمالة اللام -: تحريف كلمتي: (إلى أن).
و (ثَرِيرْ): وادٍ صغير معروف.
و (العمار): وادٍ صغير معروف.
و (الشَّدَخُ): قرية الشدخ هي لِمُعَبَّد من حرب.
و (يقطع على صدر شِعْبِ النَّمِر): يقطع رأس وادي شعب النمر الصغير المعروف بعينه.
و (ضَها): وادٍ صغير معروف لبني سُلَيْم.
و (يظهر على ضَها الآخر): يفهم منه أن ضها اسم مشترك يطلق على واديين.
و (درب المِخْوَاع): طريق معروف لديهم.
و (أُمْ عظام): وادٍ معروف.
(وعلى ما يذكر من التحديد ويمين): أي إن ما ذكر من التحديد وما يقع على يمين المُحدَّد كلّ ذلك للعلاوين من سُلَيْم.
стр. 1638
و (اللُّصُب أبو حليفاء): اللُّصُب: مضيق الوادي، وأبو حليفاء وادٍ لسُلَيْم سلكناه في طريقنا إلى ديارهم.
و (إلى أن يَجيِهِ الدَّرْب) أي إلى أن يدخل المحدود في الطريق المسلوك (الذي يَقْطَعَ مَهَدَّ القُفَيْلَةِ)، المهدّ المصب، والقفيلة وادٍ صغير سُلَميّ.
(ويظهر مع الرِّيع أبو زربان الذي يظهر على صدر مِصْيَان): أي يطلع المحدود أو الحد من القفيلة المذكورة آنفًا ويمشي مع الرِّيع - طريق بالجبل - الذي هو أبو زربان الذي يطلع بِدَوْرِه على رأس وادي مصيان.
(ويعطي من عنده ويحتوي المهادّ الصفر) أي يستمر الحد الفاصل بين أراضي العلاوين وأراضي حرب من وادي مصبان السابق ذكره ويدخل إلى المهاد صفر.
والمهاد الصفر اسم لأماكن غليظة من الأرض.
و (عِجْلَة): وادٍ صغير، و (البناية): اسم مشترك لمسيلين صغيرين، و (أُمُّ السَّمَرْ): مسيل صغير.
و (يَحَدِّرْها): ينزل منها مع مسيل وادي السمر.
و (يَلاقِفْ الدَّرْب) أي يلاقي الطريق.
و (لِيا) بمعنى: (إلى)، وهو تحريف عامي ظاهر للحرف: إلى.
و (الحصاة الراكبة) صخرة معروفة، تقع بين بلاد سُلَيْم وبلاد حرب في وادي أبو حليفاء.
و (هي فَيَّتْها من العَشِيِّ علاوية سُلَمية، وفَيَّتْها من الصبح عِسْمِيَّة زبيدية)، هذا تحديد ساذج دقيق على الطبيعة، وتوضيحه: إن فَيْئ - ظِلَّ - الصخرة المذكورة في الأصائل يمتد على أراضي العُسُوم من زبيد من حرب.
و (أبو مِسْكن): أرض معروفة بعينها.
و (أبو قَرْفة): اسم أرض هنالك.
و (رَقَبَةُ الخُوَار). الرقبة بمعني جهة المشرق عن الحوار، أي مصادر الخوار، والخوار قرية معروفة.
стр. 1639
و (الحديد العِسْمِيّ): بمعنى: والحدود أراضي العُسُوم من حرب.
و (يَعْطي الشريعة وَيَنْقَضْ على قفو الملاقي من بُرْم)، المعني: إن الحد ينزل على ظهر المسيل الصغير - الشريعة - ومنه يذهب إلى ظهر ملتقى الشِّعاب من وادي برم الكبير.
و (منها ويمين علاوية ويُسند ويظهر على قفو اليحاميم، يحاميم المظهر) يعني أن ما كان على يمين الأراضي المحدودة السابقة، كله علاوي، ويرتفع حد هذه الأراضي على سطح اليحاميم يحاميم المظهر، وهي جبال سود معروفة، والمظهر أراضي سُلَمية معروفة.
و (مِسِرْ): وادٍ معروف.
و (يَقْبَلَهْ مُسَنِّدٌ مع الدرب حق الأشن): سَنَّد في العربية الفصحي، بمعني طلع الجبل، وهي هنا تعني مجرد الطلوع إلى تل أو جبل، والمقصود أنَّ الحدود ترتفع مع درب الأشن، والأشن من ديار سُلَيْم.
و (النوَّرَة) اسم وادٍ معروف.
و (الحديد من الشام العَصَوِيَ) أي حد الأراضي العلاوية شمالًا أراضي فخذ العصوي السُّلَمي، أي العُصويين السُّلَميين.
و (يقطع الحِنْو قطع الحبل). الحنو: وادٍ معروف.
و (العيبة): وادٍ لهم صغير بعينه.
و (يقبل تَغَيِّ): تغي وادٍ لهم صغير.
و (الخَلَصَةُ والرِّيع): الخلصَة جبل بعينه، والريع: الدرب بين الجبال.
و (يحدرها تَغَي الآخر لِينْ يَنْقَضَّ على نَهَوَى). لين: تحريف لكلمتي: (إلى) و (أن)، ونهوى: وادٍ صغير بعينه.
و (وادي ساية) أحد أودية بني سُلَيْم الكبار المعروفة، وقد ذكرناه في فصل (ديار بني سُلَيْم الأصلية).
و (وِزَان مَهَدْ الشعبة): أي عند ملاقاتها المفيض الشعبة.
стр. 1640
وبعد فما سقناه لك آنفًا هو حلول لرموز هذه الوثيقة أو ألغازها، لك أن تسميها رموزًا، ولك أن تسميها ألغازًا، فهي ألغاز بالنسبة للهجة حاضرة المملكة العربية السعودية الحاضرة، وهي رموز بالنسبة للغة العربية الفصحي، وتلك هي لهجة بعض باديتنا اليوم، هي لهجة خاصة بهم يعرفها بعضهم عن بعض وكلهم عن كلّ تقريبًا، حالما يحتجب الكثير من عباراتها عن أفهام حاضرتنا المعاصرة.
(توضيح الوثيقة باللغة الفصحى)
وعلى ضوء تلك الحلول التي تلقفناها عن حسين بن هندي السُّلَمي مشافهة وبعد مراجعات معه للتثبت والتأكد من صحة الصيغ والنطق الجاري عليه لهجتهم السُّلَمية أو بالأحرى الأعرابية، تمكنتُ من إعطاء القارئ الصورة التوضيحية الكاملة التالية للوثيقة بنقل معانيها وأهدافها إلى اللغة العربية الفصحى:
(هذا بيان حدود أراضي بني عَلا، يحد أراضيَهم - شمالًا - قريةُ الشعبة ومرتفع الهرامة وتحدها الأراضي المرتفعة العائدة للزُّبيريين السُّلَميين، وحدود أراضيهم تستمرُّ حتى حزم القِرْوَال الذي هو طريق مسلوك، ومن ثَم تهبط حدودها على وادي أُجَيْمِعْ الذي يقطعه الحد من الْعَرْض ويستمر الحد إلى ما بين مرتفعي وادي أجيمع، ويهبط على ما بين هضبتي وديعة، والهضبة التي تحتها، ويرتفع الحد مع وادي ملح، ويهبط إلى حرَّة الظاهرة ويقبل على مرتفع وادي ضبيع، ويرتفع إلى وادي ضَبَعَ، ومن ثم يخرج مع طريق جبل السِّلْع ويهبط على وادي الفُلَيْتَة، ويذهب إلى طريق فلاة كبيدة، ويستمر إلى ريع وادي يَهِر، الذي يهبط من جبل شمنصير الكبير المعروف في ديار بني سُلَيْم، ويذهب الحد إلى الأرض المرتفعة في وادي مَلَحٍ، ويرتفع الحد على وادي لبنة حتى مرتفع الحجيرين، ومن ثم يتجه إلى درب الشويحطة، داخلا فيه، ويطلع على حرَّة الجفجف، ويطلع على ظهر كومة الحجارة المجموعة من الوادي المعروف بظهر زريبة القَنَّاص.
وحدود ديار بني عَلَا - شرقًا - هي ديار آل ربيعة، ويطلع حد ديارهم على رأس وادي المَغَرة، ويذهب مع طريق البعصوص، وعلى مرتفع ضَبَع، ويسير على
стр. 1641
ظهر الحزم (١) المعروف باسم "مَحْوِيَّة"، وينزل الحد أمام مجمر الخنفسة: (جبل أسود بعينه يخالف لونه الجبال المجاورة له).
وحدود أراضي بني عَلَا السُّلَميين - جنوبًا - هي: أراضي قبيلة مُعَبَّد من حرب. وتذهب حدودهم من هذه الناحية إلى أسفل وادي نَبْطٍ الشامي، وتهبط حتى تلائم وتلاقي مسيل وادي ثِرَيْر الصغير، ووادي العمار الصغير على ظهر قرية الشدخ العائدة لقبيلة مُعَبَّد الحربية، ويقطع الحد رأس الوادي الصغير المعروف بِشِعْب النَّمر، ومن ثم ينقض على وادي ضَهَا (٢). وحدود أراضي بني علا من هذه الناحية تطلع على ضها الآخر، مع درب المخواع، وتطلع على حرَّة الظاهرة حيث تهبط على وادي أم عظام، وكل ما مر من الحدود شرقًا وما على يمينها هو علاوي، وينزل حد أراضي العلاوين من وادي أم عظام إلى مضيق وادي أبو حُليفاء المعروف باللُّصُب (٣). ومن ثم يمشي الحد حتى يدخل الدرب الذي يقطع وادي القفيلة، ويسير الحد من وادي القُفَيَّلَة مع الريع المعروف بأبو زربان الذي يطلع على رأس الوادي الصغير المعروف باسم (مِصْيَان)، ومن وادي مصيان يذهب الحد ويحتوي المهاد (٤) الصفر، ويذهب قاطعًا وادي عجْلَة، إلى أن يدخل مسيل (البناية) ومسيل أم السمر بأسفل مسيل بناية، وينزل عن بناية قاطعًا ما يمر به حتى يلاقي الطريق، ويمشي معه إلى الصخرة المعروفة باسم الحصاة الراكبة الموصوف ظلها فيما سبق.
стр. 1642
وحدود أراضي بني عَلَا - غربًا - أراضي قبيلة الزُّبيدي، أي زبيد من حرب، وتطلع الحدود على أرض (أبو مِسْكِنْ)، وتنزل على مسيل البناية الآخر الواقع في أرض "أبو قَرْفَة" بأعلى قرية الخوار من جهة المشرق، والحدود العائدة للعسوم.
ويقطع الحد ذلك الوادي قطع الحبل - أي عرضًا - ويرتفع الحد مع الطريق، وينزل على أعلى ملتقيات المسائل المتفرعة من وادي بُرْم الكبير (١).
وكل الأراضي عَلَاوية من تلك الحدود وما على يمينها، وترتفع الحدود وتطلع على ظهر الجبال السود المعروفة باسم "يحاميم المظهر"، وتذهب الحدود إلى وادي مِسِر، مرتفعة مع درب الأشن، وتطلع الحدود على وادي المنورة.
وتُحد أراضي بني عَلَا - شملًا - بأراضي قبيلة العَصَوَيَّين السُّلَمين، وتقطع حدودها وادي الحِنْو قطع الحبل، أي عرضًا، ويطلع الحد على وادي العُصَيبَةِ الصغير، ومنه يتجه الحد إلى وادي تَغَيّ الآخر، حتى يهبط على وادي نَهَوَي الصغير، وينزل منه على وادي ساية في موازاة التقاء الشعبة بوادي ساية.
وعلى هذا تم تحرير حدود أراضي بني عَلَا، وقام بتحديد هذه الحدود على ما دُوِّن في هذه الوثيقة حمودُ بن عذيب، وهو يقرُّ بأن المحادين لبني عَلَا في أراضيهم حضروا هذا التحديد وأقروه، وشهد على ذلك شهودهم عايض بن ديسة الديسي (السُّلَمي) وحضر لحضوره وشهادته وشهد معه بما ذكر آنفًا، الأصم أحد الصُّمَّان من بني ضُبيب وذوي حسين، وهؤلاء الشهود شهدوا على العدد، وعلى الإقرارات من الجيران المحادين لبني عَلَا بحدودهم المذكورة في هذه الوثيقة. وكتب هذه الحجة وشهد عليها الصنعاني، والله خير الشاهدين سنة ١٩٥ هـ، وجدد كتابتها من أصلها السابق: الشريف الثقبيُّ من الثقبة بدون زيادة ولا نقص سنة ٣١٠ هـ، وجددها بعده بُقيان الشيخ بدون زيادة ولا نقص سنة ١٢٥٨ هـ، وكان تجديدها على يد مبارك بن عبد الغني الشيخ بدون زيادة ولا نقص سنة ١٣١٠ هـ وجددها أخيرًا وللمرة الرابعة حامد بن حباب الحجيري بدون زيادة ولا نقص سنة ١٣٧٧ هـ. (انتهى).
стр. 1643
ملاحظات على الوثيقة
هذا، ومما يُلاحَظ على نص الوثيقة أن كاتبها الأول سنة ١٩٥ هـ وسماها "حجة" ثم سميت (قُرْميَّةً) في التجديدات المتوالية من عام ٣١٠ هـ حتى عام ١٣٧٧ هـ، كما يلاحظ تكرار حدود بني عَلَا شمالًا مرتين والأماكن مختلفة، وقد كُتبت الوثيقة في تجديدها الرابع على ورق الحجج الشرعية الأصفر السميك، ومُجدِّدُها للمرة الرابعة هو (حامد بن حُباب) السُّلَمي أحد سكان منطقة الكامل ورئيس هيئة الأمر بالمعروف فيها ولا يزال على قيد الحياة حين كتابة هذا الفصل عام ١٣٩١ هـ / ١٩٧١ م.
أعراف وعادات بني سُلَيْم في المملكة العربية السعودية
لا يخلو تدوينُ العادات والتقاليد من فائدة للتاريخ؛ ذلك "لأنَّ في العادات والتقاليد دلالةً على نوع الأخلاق، ونوع العقلية للشعوب" (١).
والعادات والتقاليد الواردة في هذا الفصل هي في واقعها سُلَميَّة، ولا يزال بنو سُلَيْم يمارسونها في ديارهم بهذه البلاد، أما بنو سُلَيْم المنتشرون في مصر وبلاد المغرب، فلابد أن عاداتهم سارت على نمط عادات الذين يساكنونهم وتقاليدهم، لأنَّ الإنسان مدني بالطبع.
وأكثر العادات التي أوردناها هنا، متوارث عن أسلاف بني سُلَيْم المعاصرين، وربما يكون بعضها الآن في طريق الزوال، بسبب طُرُوق المدنية والتعليم والتطور أبواب ديارهم. فإثباتها من هذه الناحية ذو أهمية خاصة بالنسبة لحلقات تاريخ هذه البلاد؛ لأنَّ ذلك يحفظ هذا التراث للأجيال القادمة يوم لا يجدونه مائلًا في المجتمع السُّلَمي الذي تطور بعد صدور هذا الكتاب.
وهذه طائفة من عادات بني سُلَيْم المعاصرين بهذه المملكة كتبها لنا حسين بن هندي السُّلَمي رئيس قرية الكامل: المركز الحكومي لديارهم.
عاداتهم في الزواج
حينما يهم أحد بني سُلَيْم بأن يتزوج، يأخذ والده أو أخاه الكبير مع كبار جماعته ويقصد بهم أهل المخطوبة، وبعد أن يرتشفوا كئوس القهوة العربية ويتداولوا القصص المناسبة - يتقدم كبير المجلس إلى وليِّ المخطوبة قائلًا له: فلان
стр. 1644
ابن فلان يطلب مقاربتك ومراحمتك ويريد بنتك أو أختك فلانة، فيردُّ عليه وليُّ المرأة بقوله: (الله يحييكم)، ويشرح له حقيقة الحال فيما إذا كانت مخطوبته هذه قد خُطبت قبله، أو لا يريد أن تتزوج المرأة من هذا الخاطب، ويقدم له المعاذير الملائمة في ذلك، وينهض الجالسون بكلمة الخير بين الطرفين. أما إذا تم الزواج المنشود فإن الخاطب يدفع المهر، ويملك عليها وليها له، وتقام بعد ذلك حفلة الزفاف، ويقام فرح كبير وتذبح ذبائح عديدة يذبحها جماعة العريس، يجتمعون ما بين خمسة وستة ويذبح هؤلاء ذبيحة، ومثلهم غيرهم، وهكذا دواليك، وهؤلاء يطهون الذبائح. أما أهل العروس فمهمتهم أن يوزعوا الذبائح ويقدموها للضيوف المدعوين وغيرهم بالتساوي، كلّ مجموعة على ذبيحة. وكل مجموعة من هؤلاء تقدم قصيدة يترنمون بها مع بعض، ويردُّ أهل العروس على القصيدة بسرعة، ويستمر لعبهم هذا حتى الصباح، والقصائد التي تنشد في هذه المناسبات هي من الشعر النبطيِّ الملحون.
عاداتهم في الولادة
من دأبهم في الولادة أن تقوم "أُمُّ النُّفَساء" أو أختها الكبيرة مع مجموعة من النساء بتوليدها وبإطعامها والعناية بمولودها، ويظللن على ذلك حتى تستطيع أن تقوم بشئون وليدها، وفي اليوم السابع يذبح الوالد عقيقة واحدة إذا كان المولود أنثي، وعقيقتين إذا كان المولود ذكرًا.
عاداتهم في الأسفار
إذا عزم أحد بني سُلَيْم على السفر، استصحب معه رفيقًا، وإذا لَمْ يجد المطلوب سافر وحده إلى حيث يريد، ويستحسنون أن يبدأ المسافر بالسفر في يوم الخميس صباحًا، ويتفاءل ذوو المسافر له بالفال الحسن، ويكثرون السؤال عنه من القادمين حتى يعود سالمًا، وإذا كان المسافرون جماعة، سواء أكان سفرهم على إبل أم على سيارات، أم يكونون مشاة على أقدامهم - يأخذون معهم أواني الطبخ والأكل والقهوة بقدر اللزوم، وكل واحد من هؤلاء المسافرين يكون اهتمامه مُنصَبًّا على تحقيق التعاون فيما فيه فائدة ومصلحة للجميع، مدة غيابهم عن ديارهم حتى يرجعوا إليها وإلى أهليهم.
стр. 1645
وإذا قدم المسافرون من السفر وهم جماعة، فقبل تفرقهم يتوادعون، ويطلب بعضهم السماح من بعض فلعل قصورًا أو ما لا يليق يكون قد حدث من بعضهم على بعض، وعندما يصل المسافر إلى منزله فكثيرًا ما تذبح الذبائح ابتهاجًا واستبشارًا بعودته سالمًا، وهذا إذا كان السفر طويلًا. وكانت هذه العادة متبعة لدى العرب في جاهليتهم قبل الإسلام، فقد ورد في كتاب جواد علي: (ومن أيام الفرح والسرور يومُ العودة من السفر، ومن حقهم أن يفرحوا به فقد كان السفر شاقًا خطرًا في تلك الأيام ولا سيما إذا طال، فقد يتعرض المسافر فيه للهلاك والموت جوعًا أو عطشًا، عدا ما يتعرض له من السلب والنهب، لذلك كانوا يحاولون جهدهم أن يسافروا جماعة وقوافل يتعاونون ويشد بعضهم أزْرَ بعض، وكانوا إذا عادوا فرح أهلهم بعودتهم سالمين، وتلقوهم بالبشر والتهنئة، وذبحوا الذبائح ووزعوا لحومها بين الأصدقاء والفقراء، وأولموا الولائم للمهنئين والجيران) (١).
عاداتهم في الختان
إذا بلغ عمر الوليد السُّلَمي أسبوعًا، أو أربعين يومًا أو عامًا كاملًا - يقوم وليُّ أمره بإحضاره الخاتن من القبيلة، ويختن الطفل وهو موضوع على حجرين كبيرين غير خشنين، وذلك لرفعه عن الأرض لكي لا يلتصق به شيء من التراب. وبعد ذلك يطلقون العيارات النارية، على أنَّ لا تتجاوز سبعًا؛ يطلقونها في الجو، ويتولى أهل الطفل معالجته من جراحة الختان، ويقيمون حفلًا يقرب من الحفل الذي أقاموه في زواج والدته، ويحضر الختان كثيرون من أفراد القبيلة إذا كان الأطفال الذين يُختنون جملة، ويحصل لعب في تلك الليلة حتى يسفر الصباح.
عاداتهم في العيدين
الاحتفال بعيد الفطر لدى بني سُلَيْم المعاصرين في هذه البلاد أهم من الاحتفال بعيد الأضحي، فتراهم يلبسون في عيد الفطر الملابس الجديدة الناصعة البياض، وكل من كان لديه سلاح يأخذه معه، ويحمل عتاده في حزام يتحزم به،
стр. 1646
ويتوجهون إلى مصلى العيد زرافات ووحدانًا، وبعد أن يؤدوا صلاة العيد في المصلي يصافح بعضهم بعضًا، ويهنئ بعضهم بعضًا بحلول العيد السعيد، ومن كان منهم بينه وبين آخر مشاجرة فإنه يصافحه ويصالحه في ذلك اليوم الميمون، فيتصافيان وتزول أسباب الخلاف والشقاق بينهما، وبعد الصلاة يجتمعون في صعيد مرتفع، ويتريضون برمي الأهداف بطلقات بنادقهم، ويفتخرون بإجادة الرماية وإصابة الأهداف، ثم يعود كلّ واحد منهم إلى بيته، هذا إذا كانوا حاضرة.
أما البادية السُّلَميون فإنهم قبل العيد يجتمع منهم جمع غفير في كلّ بيت من بيوت الشَّعَرِ، ومدة العيد من ثلاثة أيام إلى أربعة، وفي كلّ يوم تذبح الذبائح ويُطْعِم منها الذين ذبحوها، الآخرين الذين لَمْ يذبحوا .. وهكذا حتى تنتهي أيام العيد ومن ثم يتفرقون في المراعي.
وهكذا شأنهم في عيد الأضحى إلَّا من ناحية الرماية.
عاداتهم في شهر رمضان
يبتهج بنو سُلَيْم بمقدم شهر رمضان المبارك، ويطلقون المطلقات المتواصلة من بنادقهم إعلانًا لفرحتهم الغامرة به، ويخبر بعضهم بعضًا بقدومه، وتمضي ليالي شهر رمضان عندهم كلها في غبطة وانشراح، ويكثرون فيه من الصلاة والصدقة، وأهل البادية في هذا الشأن مثل أهل القرى.
أعراف أخرى
يكرمون الضيف ويحسنون جواره، ولمن جاورهم أو استجار بهم الحماية. وباديتهم كثيرو الترحال وراء الأمطار، وإلى منابت العشب، أما حاضرتهم فيتعاطون زراعة النخيل والليمون والفواكه والحبوب بأنواعها في بلادهم، كما يتعاطون التجارة، وليس في بلادهم في الوقت الحاضر خيل يُربُّونها، أو خيل يركبونها، كما كان عليه الحال لديهم في سالف الأزمان، إبان الجاهلية القريبة من الإسلام، وفي صدر الإسلام.
стр. 1647
أمثال عامية لبني سُلَيْم
آثرتُ صيغة العامية" في وصف أمثال بني سُلَيْم المعاصرين - على صيغة "الشَّعبية" لأني رأيتها أدق في إعطاء الوصف المروم.
وقد حدد أحمد بن محمد النيسوري المعروف بالميداني المتوفي سنة ٥١٨ هـ في كتابه - المثلَ في أشكال وتعريفات رواها عن العلماء، فنقل عن المبرد أن المثل مأخوذ من المثال، وأنه: "قول سائر يشبه به حال الثاني بالأول"، والأصل فيه التشبيه. فقولهم مَثَل بين يديه إذا انتصب معناه: أشبه الصورة المنتصبة. وفلان أمثل من فلان، أي أشبه بما له من الفضل، والمثال: القصاص، لتشبيه حال المقتص منه بحال الأول، فحقيقة المثل: ما جعل كالعلم، للتشبيه بحال الأول، كقول كعب بن زهير:
كانت مواعيد عرقوب لها مثلًا … وما مواعيدها إلَّا الأباطيل
فمواعيد عرقوب، "علم لكل ما لا يصح من المواعيد".
ويفسر ابن السكيت المثل بأنه: "لفظ يخالف لفظ المضروب له، ويوافق معناه، معنى ذلك اللفظ .. شبهوه بالمثال الذي يعمل عليه غيره".
ولا يخرج رأي ابن السكيت عن رأي المبَّرد السالف ذكره.
وعرف لنا إبراهيم النظام المثل بما يعرف في علم المنطق بالتعريف بالخاصية، فقال: "يجتمع في المثل أربعة لا تجتمع في غيره من الكلام: إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه، وجودة الكناية" فهو نهاية البلاغة.
وقال ابن المقفَّع: إذا جعل الكلام مثلا كان أوضح للمنطق، وآنق للسمع، وأوسع لشعوب الحديث". وقد كانت الأمثال العربية الدارجة على ألسنة الشعب العربي فصيحة في عهد فصاحة العرب، فلما غشيتهم العامية وركبتهم العجمة، هبط مستوى الأمثال إلى مستوى كلامهم الدارج، فخرجت عن إطار الفصاحة أيضًا، وأمثال بني سُلَيْم وأمثال كلّ قبيلة عربية، وكل قطر عربي منذ ذلك العهد إلى يوم النّاس هذا سائرة على هذا المنوال، فهي مثل لهجاتهم وهي نابعة منها، وهي محشوة بالأغلاط النحوية، ولا تتقيد بالسَّنن العربي الفصيح.
стр. 1648
وما يأتي من أمثال بني سُلَيْم المعاصرين دليل واضح على صحة هذه النظرية.
هذا، وجدير بعلماء العرب والمسلمين أن يقوموا بدراسات واسعة في أبعاد الأمثال العربية العامة المختلفة من ناحية علاقتها بالأمثال العربية الفُصحي، ومن ناحية علاقتها بمجتمعات الأقطار والمدن والأرياف والبادية التي تُضرب فيها قديمًا وحديثًا.
إن الأمثال العربية العامة بحر واسع متلاطم وموضوع واسع الأطراف، وهي في تبدل وتغير ومحو وإثبات، وربما اندثر بعضها وانمحي من الوجود، وحل محلها أمثال أخرى أو لا يحل، وكل ذلك مرتبط بالبواعث والفواعل الاجتماعية وغيرها.
يقول أحمد أمين في "قاموس العادات والتقاليد والتعابير المصرية": (وإني أعتقد أن في العادات والتقاليد دلالة على نوع الأخلاق، ونوع العقلية للشعوب، وأن في التعابير الشعبية من أنواع البلاغة ما لا يقل شأنًا عن بلاغة اللغة الفصحي، وأن هناك من أمثلة المصريين وتعبيراتهم وزجلهم ما يُعجب بامرئ القيس وزهير) ص (د).
ويصح أن يُقال في أمثال شبه جزيرة العرب وسائر بلاد العرب ما يقوله أحمد أمين عن أمثال مصر، وبنو سُلَيْم في الصميم من سكان شبه جزيرة العرب.
ويقول عبد الرَّحمن التكريتي في "الأمثال البغدادية المقارنة مع أمثال أحد عشر قطرًا عربيًّا": (أمثال كلّ أمة خلاصة تجاربها، ومستودع خبراتها، ومنار حكمتها، ومثار ذكرياتها، ومرجع عاداتها، وسجل وقائعها - وترجمان أحوالها - إلى أن يقول: فهي مرآة الأمة، تعكس واقعها الفكري والاجتماعي بصفاء ووضوح) وقد أوضح أن عناية العرب بالأمثال قديمًا ضئيلة، ولكنهم استدرجوا ذلك النقص حديثًا بعد أن أدركوا أهميتها، فعنوا بجمعها وشرحها والبحث عن أصولها، واقتصر بعض المؤلفين على أقطارهم دون تجاوز حدودها وما زالت بعض الأقطار العربية لَمْ يظهر من أمثالها شيء حتى يومنا هذا).
стр. 1649
وكما يقول التكريتي: قد بدأ الاهتمام بدراسة الأمثال العامية يغزوها العرب. وقد اطلعت على هذه الكتب المؤلفة حديثًا فيها وهي: الأمثال العامية في نجد - للأستاذ محمد العبودي، والأمثال البغدادية المقارنة مع أمثال أحد عشر قطرًا عربيا - لعبد الرَّحمن التكريتي، والأمثال اليمانية مع مقارنتها بنظائرها من الأمثال الفصحى والأمثال العامية في البلاد العربية - الإسماعيل الأكوع، وكتاب أحمد تيمور: الأمثال العامية، وفي كتاب "تاريخ مدينة جُدة" لعبد القدوس الأنصاري طائفة من الأمثال التي تُسْتَعْمَلُ في جُدة في العصر الحاضر.
وبعد فهذه طائفة من أمثال بني سُلَيْم العامية المقيمين في المملكة العربية السعودية بديارهم القديمة في أعالي الحجاز بين نجد والحجاز، وقد كتبها لنا الشيخ حسين بن هندي السُّلَمي:
* من عَطَى نصف يريد مليتها (١).
* صَردَانَة ما تُدَفي بَردَانَه (٢).
* الجَيْعان يَتَحَلَّمْ بِسُوقَ العَيْشْ (٣).
* يا أبُو المكَاسِب راسْ مالَك لا يَضيعْ (٤).
* عُرْضَ الصيِاحْ صيِاحْ وَتَسْلَمْ (٥).
* إذا أرَدت فِراقَة فاضرِبَهْ باللِّي ما يِطاقة (٦).
* مَن لا نَفَعْني والبِلادْ أمانْ ما فادَني والبِلاد مَخيفَه (٧).
стр. 1650
* يُرِيدْ يَداويها وأعماها.
* عدوَّكْ صاحِبْ صنْعَتَكْ.
* احْفَظْ عن جارك ولا تتَّهِمهْ.
* قريبكْ مِن نصيبكْ.
* يا خالَ أبُويَ حُكَّ أظهَري.
* كيْفْ حآلكْ يوم أمْسيتْ، قال: مِثْلي يوم أصبحتْ.
* حَيْمِرْ عينكْ وأرْخِ إيديكْ.
* ما جاتْ بُهَّ سودَ الليالي غدتْ بَهْ.
* احفظْ مالكْ يصلَحْ حالكْ.
* أبْعِدْها عنِّي واطلبْ ثمرتها منِّي (هذا المثل عن النخلة).
* سوقَ الرجال بِسوايقْها وتسْلَم مِنْ بوايقْها (معنى هذا المثل: اعط النّاس بقدر ما يعطونك).
* صب القوم على القوم وتسلم من عواقبهم. (يعني هذا المثل: اترك العدو يتصارع مع عدوه لتسلم منهما).
* رِجْلَ الدَّيكْ تَجيبَ الدِّيكْ (يعني المثل: أن رجل الديك تسحبه إذا سحبت).
بنو سُلَيْم آخرون
فقبيلة سُلَيْم التي هي بغامد، هي قحطانية، ولا تُمتُّ إلى قبيلة سُلَيْم العدنانية بصلة نسب. قال ابن حزم في فصل: "وهؤلاء سُلَيْم بن فهم بن غنم بن دوس" ما نصه: (وَلَدُ (١) سُلَيْم بن فهم: ثعلبةُ وتبيع، فمن ولد ثعلبة: أبو هريرة، وقد اختلف في اسمه اختلافًا عظيمًا، وثبت الكلبي على أنَّه عبد الله بن عامر بن عبد ذي الشَّري ابن طريف بن عبَّاد بن أبي صعب بن هنية بن سعد بن ثعلبة بن سُلَيْم بن فهم - صاحب رسول الله ﷺ وقد أفادنا ابن حزم بأسماء أبناء أبي هريرة