← Ансаб

Ансаб · id 897

موسوعة القبائل العربية

محمد سليمان الطيب

Полный текст (10 849 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

ويتوجهون إلى مصلى العيد زرافات ووحدانًا، وبعد أن يؤدوا صلاة العيد في المصلي يصافح بعضهم بعضًا، ويهنئ بعضهم بعضًا بحلول العيد السعيد، ومن كان منهم بينه وبين آخر مشاجرة فإنه يصافحه ويصالحه في ذلك اليوم الميمون، فيتصافيان وتزول أسباب الخلاف والشقاق بينهما، وبعد الصلاة يجتمعون في صعيد مرتفع، ويتريضون برمي الأهداف بطلقات بنادقهم، ويفتخرون بإجادة الرماية وإصابة الأهداف، ثم يعود كلّ واحد منهم إلى بيته، هذا إذا كانوا حاضرة. أما البادية السُّلَميون فإنهم قبل العيد يجتمع منهم جمع غفير في كلّ بيت من بيوت الشَّعَرِ، ومدة العيد من ثلاثة أيام إلى أربعة، وفي كلّ يوم تذبح الذبائح ويُطْعِم منها الذين ذبحوها، الآخرين الذين لَمْ يذبحوا .. وهكذا حتى تنتهي أيام العيد ومن ثم يتفرقون في المراعي. وهكذا شأنهم في عيد الأضحى إلَّا من ناحية الرماية. عاداتهم في شهر رمضان يبتهج بنو سُلَيْم بمقدم شهر رمضان المبارك، ويطلقون المطلقات المتواصلة من بنادقهم إعلانًا لفرحتهم الغامرة به، ويخبر بعضهم بعضًا بقدومه، وتمضي ليالي شهر رمضان عندهم كلها في غبطة وانشراح، ويكثرون فيه من الصلاة والصدقة، وأهل البادية في هذا الشأن مثل أهل القرى. أعراف أخرى يكرمون الضيف ويحسنون جواره، ولمن جاورهم أو استجار بهم الحماية. وباديتهم كثيرو الترحال وراء الأمطار، وإلى منابت العشب، أما حاضرتهم فيتعاطون زراعة النخيل والليمون والفواكه والحبوب بأنواعها في بلادهم، كما يتعاطون التجارة، وليس في بلادهم في الوقت الحاضر خيل يُربُّونها، أو خيل يركبونها، كما كان عليه الحال لديهم في سالف الأزمان، إبان الجاهلية القريبة من الإسلام، وفي صدر الإسلام.

стр. 1647

أمثال عامية لبني سُلَيْم آثرتُ صيغة العامية" في وصف أمثال بني سُلَيْم المعاصرين - على صيغة "الشَّعبية" لأني رأيتها أدق في إعطاء الوصف المروم. وقد حدد أحمد بن محمد النيسوري المعروف بالميداني المتوفي سنة ٥١٨ هـ في كتابه - المثلَ في أشكال وتعريفات رواها عن العلماء، فنقل عن المبرد أن المثل مأخوذ من المثال، وأنه: "قول سائر يشبه به حال الثاني بالأول"، والأصل فيه التشبيه. فقولهم مَثَل بين يديه إذا انتصب معناه: أشبه الصورة المنتصبة. وفلان أمثل من فلان، أي أشبه بما له من الفضل، والمثال: القصاص، لتشبيه حال المقتص منه بحال الأول، فحقيقة المثل: ما جعل كالعلم، للتشبيه بحال الأول، كقول كعب بن زهير: كانت مواعيد عرقوب لها مثلًا … وما مواعيدها إلَّا الأباطيل فمواعيد عرقوب، "علم لكل ما لا يصح من المواعيد". ويفسر ابن السكيت المثل بأنه: "لفظ يخالف لفظ المضروب له، ويوافق معناه، معنى ذلك اللفظ .. شبهوه بالمثال الذي يعمل عليه غيره". ولا يخرج رأي ابن السكيت عن رأي المبَّرد السالف ذكره. وعرف لنا إبراهيم النظام المثل بما يعرف في علم المنطق بالتعريف بالخاصية، فقال: "يجتمع في المثل أربعة لا تجتمع في غيره من الكلام: إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه، وجودة الكناية" فهو نهاية البلاغة. وقال ابن المقفَّع: إذا جعل الكلام مثلا كان أوضح للمنطق، وآنق للسمع، وأوسع لشعوب الحديث". وقد كانت الأمثال العربية الدارجة على ألسنة الشعب العربي فصيحة في عهد فصاحة العرب، فلما غشيتهم العامية وركبتهم العجمة، هبط مستوى الأمثال إلى مستوى كلامهم الدارج، فخرجت عن إطار الفصاحة أيضًا، وأمثال بني سُلَيْم وأمثال كلّ قبيلة عربية، وكل قطر عربي منذ ذلك العهد إلى يوم النّاس هذا سائرة على هذا المنوال، فهي مثل لهجاتهم وهي نابعة منها، وهي محشوة بالأغلاط النحوية، ولا تتقيد بالسَّنن العربي الفصيح.

стр. 1648

وما يأتي من أمثال بني سُلَيْم المعاصرين دليل واضح على صحة هذه النظرية. هذا، وجدير بعلماء العرب والمسلمين أن يقوموا بدراسات واسعة في أبعاد الأمثال العربية العامة المختلفة من ناحية علاقتها بالأمثال العربية الفُصحي، ومن ناحية علاقتها بمجتمعات الأقطار والمدن والأرياف والبادية التي تُضرب فيها قديمًا وحديثًا. إن الأمثال العربية العامة بحر واسع متلاطم وموضوع واسع الأطراف، وهي في تبدل وتغير ومحو وإثبات، وربما اندثر بعضها وانمحي من الوجود، وحل محلها أمثال أخرى أو لا يحل، وكل ذلك مرتبط بالبواعث والفواعل الاجتماعية وغيرها. يقول أحمد أمين في "قاموس العادات والتقاليد والتعابير المصرية": (وإني أعتقد أن في العادات والتقاليد دلالة على نوع الأخلاق، ونوع العقلية للشعوب، وأن في التعابير الشعبية من أنواع البلاغة ما لا يقل شأنًا عن بلاغة اللغة الفصحي، وأن هناك من أمثلة المصريين وتعبيراتهم وزجلهم ما يُعجب بامرئ القيس وزهير) ص (د). ويصح أن يُقال في أمثال شبه جزيرة العرب وسائر بلاد العرب ما يقوله أحمد أمين عن أمثال مصر، وبنو سُلَيْم في الصميم من سكان شبه جزيرة العرب. ويقول عبد الرَّحمن التكريتي في "الأمثال البغدادية المقارنة مع أمثال أحد عشر قطرًا عربيًّا": (أمثال كلّ أمة خلاصة تجاربها، ومستودع خبراتها، ومنار حكمتها، ومثار ذكرياتها، ومرجع عاداتها، وسجل وقائعها - وترجمان أحوالها - إلى أن يقول: فهي مرآة الأمة، تعكس واقعها الفكري والاجتماعي بصفاء ووضوح) وقد أوضح أن عناية العرب بالأمثال قديمًا ضئيلة، ولكنهم استدرجوا ذلك النقص حديثًا بعد أن أدركوا أهميتها، فعنوا بجمعها وشرحها والبحث عن أصولها، واقتصر بعض المؤلفين على أقطارهم دون تجاوز حدودها وما زالت بعض الأقطار العربية لَمْ يظهر من أمثالها شيء حتى يومنا هذا).

стр. 1649

وكما يقول التكريتي: قد بدأ الاهتمام بدراسة الأمثال العامية يغزوها العرب. وقد اطلعت على هذه الكتب المؤلفة حديثًا فيها وهي: الأمثال العامية في نجد - للأستاذ محمد العبودي، والأمثال البغدادية المقارنة مع أمثال أحد عشر قطرًا عربيا - لعبد الرَّحمن التكريتي، والأمثال اليمانية مع مقارنتها بنظائرها من الأمثال الفصحى والأمثال العامية في البلاد العربية - الإسماعيل الأكوع، وكتاب أحمد تيمور: الأمثال العامية، وفي كتاب "تاريخ مدينة جُدة" لعبد القدوس الأنصاري طائفة من الأمثال التي تُسْتَعْمَلُ في جُدة في العصر الحاضر. وبعد فهذه طائفة من أمثال بني سُلَيْم العامية المقيمين في المملكة العربية السعودية بديارهم القديمة في أعالي الحجاز بين نجد والحجاز، وقد كتبها لنا الشيخ حسين بن هندي السُّلَمي: * من عَطَى نصف يريد مليتها (١). * صَردَانَة ما تُدَفي بَردَانَه (٢). * الجَيْعان يَتَحَلَّمْ بِسُوقَ العَيْشْ (٣). * يا أبُو المكَاسِب راسْ مالَك لا يَضيعْ (٤). * عُرْضَ الصيِاحْ صيِاحْ وَتَسْلَمْ (٥). * إذا أرَدت فِراقَة فاضرِبَهْ باللِّي ما يِطاقة (٦). * مَن لا نَفَعْني والبِلادْ أمانْ ما فادَني والبِلاد مَخيفَه (٧).

стр. 1650

* يُرِيدْ يَداويها وأعماها. * عدوَّكْ صاحِبْ صنْعَتَكْ. * احْفَظْ عن جارك ولا تتَّهِمهْ. * قريبكْ مِن نصيبكْ. * يا خالَ أبُويَ حُكَّ أظهَري. * كيْفْ حآلكْ يوم أمْسيتْ، قال: مِثْلي يوم أصبحتْ. * حَيْمِرْ عينكْ وأرْخِ إيديكْ. * ما جاتْ بُهَّ سودَ الليالي غدتْ بَهْ. * احفظْ مالكْ يصلَحْ حالكْ. * أبْعِدْها عنِّي واطلبْ ثمرتها منِّي (هذا المثل عن النخلة). * سوقَ الرجال بِسوايقْها وتسْلَم مِنْ بوايقْها (معنى هذا المثل: اعط النّاس بقدر ما يعطونك). * صب القوم على القوم وتسلم من عواقبهم. (يعني هذا المثل: اترك العدو يتصارع مع عدوه لتسلم منهما). * رِجْلَ الدَّيكْ تَجيبَ الدِّيكْ (يعني المثل: أن رجل الديك تسحبه إذا سحبت). بنو سُلَيْم آخرون فقبيلة سُلَيْم التي هي بغامد، هي قحطانية، ولا تُمتُّ إلى قبيلة سُلَيْم العدنانية بصلة نسب. قال ابن حزم في فصل: "وهؤلاء سُلَيْم بن فهم بن غنم بن دوس" ما نصه: (وَلَدُ (١) سُلَيْم بن فهم: ثعلبةُ وتبيع، فمن ولد ثعلبة: أبو هريرة، وقد اختلف في اسمه اختلافًا عظيمًا، وثبت الكلبي على أنَّه عبد الله بن عامر بن عبد ذي الشَّري ابن طريف بن عبَّاد بن أبي صعب بن هنية بن سعد بن ثعلبة بن سُلَيْم بن فهم - صاحب رسول الله ﷺ وقد أفادنا ابن حزم بأسماء أبناء أبي هريرة

стр. 1651

وهم: المحرز وعبد الرَّحمن وبلال، كما ذكر ابن ابنه: عبد الرَّحمن بن بلال بن أبي هريرة، وقال: إنه (محدث) وذكر أخاه كريمًا، وابن عمه أبا عبد الله الأغر، وخاله: سعد بن صُبَيْح بن الحارث كان في الجاهلية لا يأخذ أحدًا من قريش إلَّا قتله بأبي أزهر الدوسي الذي قتله هشام بن المغيرة المخزوميُّ، لمطله إياه بمهر أخته، وعبد الله بن النعمان الذي ينتهي نسبه إلى ثعلبة بن سُلَيْم بن فهم، ومن ولده عبد الرَّحمن بن عبد الله بن النعمان، وَلَّاهُ المهدي السَّراة؛ فهو من أمراء الدولة العباسية على جبال السراة، وعُمارة بن عمر بن أبي كلثم الذي قال حينما قُتِلَ الوليد بن يزيد: (لئن انتضيتُ سيفي لا أغمده وفي الأرض قُرشيّ حتى أقتله) فأخذه مروان بن محمد، فضرب عنقه صَبْرًا، وذو النور الطفيل بن عمرو بن طريف بن العاصي بن ثعلبة بن سُلَيْم بن فهم، صاحب رسول الله ﷺ ، الذي جعل الله له نورًا في وجهه بدعوة رسول الله، فقال: يا رسول الله ﷺ أخشى أن يقول قومي: هي "مُثلة" فرجع النور في طرف سوطه، فكان يضيء في الليل، وقد قتل يوم اليمامة، وقتل ابنه عمرو يوم اليرموك، وهو الذي جعل شعار الأزد: (يا مبرور .. يا مبرور) (١). ومن كلّ ما سبق يستبين أن سُلَيْم السراة أو قضاء غامد ليسوا من سيم بن منصور في قبيل ولادبير، فأولئك دَوسيون أرديون قحطانيون، ولهم أبناء عمومة آخرون، ينتمون إلى عُدثان - بالثاء - ابن عبد الله بن زهران، وهؤلاء هم زهرانيون، وهم أيضًا أرديون قحطانيون. أما بنو سُلَيْم بن منصور، فهم في نسبهم بمنأىً عن نسب سُلَيْم بن فهم الأزديين القحطانيين، فسُلَيْم بن منصور عدنانيون - بنونين - من قيس عَيْلان، وبلادهم تقع شمال الطائف قديمًا وحديثًا، وبنو سُلَيْم بن فهم الأزديون مساكنهم بجبال الحجاز - السراة - جنوب الطائف، قديمًا وحديثًا. ومما يَدْعَمُ أن بني سُلَيْم السراة هم أزديون من بني قحطان ما أورده محمد بن سعد قال: (كتب النَّبِيّ ﷺ إلى أبي ظبيان الأزدي من غامد يدعوه ويدعو

стр. 1652

قومه إلى الإسلام، فأجابه في نفر من قومه بمكة، منهم مِخْتَفٌ وعبد الله، وزهير وبنو سُلَيْم وعبد شمس بن عفيف بن زهير .. هؤلاء بمكة) (١). فأنت ترى أن ابن سعد قد نص على أنَّ هؤلاء السُّلَميين هم من غامد، ومن الأزد. والواقع أن اسم "سُلَيْم" أو "بني سُلَيْم" هو من أسماء العربية المشتركة بين عدة قبائل عربية مختلفة الأنساب، فلسُلَيْم بن منصور - بضم سين سُلَيْم - هم من بني مَعْد بن عدنان لأنهم من قيس عَيْلان، وبنو سُلَيْم بطن من جُذام القحطانيين (٢)، وبنو سُلَيْم بطن من شنوءة من الأزد من القحطانية، وهم بنو سُلَيْم بن قطرة بن غنم بن دوس بن عُدثان - بثاء مثلثة - بن عبد الله بن زهران بن كعب … إلخ). وقد ذكر القلقشندي بني سُلَيْم الذين هم بطن من جُذام أيضًا كما ذكر بني سُلَيْم الذين هم بطن من شنوءة من الأزد من القحطانية، إضافة إلى ذكره لبني سُلَيْم الذين هم من قيس عَيْلان، وهم الأشهر والأكثر عددًا (٣). ويبدو لي أن "المقريزي" قصر بحثه علي بني سُلَيْم بن منصور الذين أخرجوا من ديارهم مرتين، مُرّة إلى مصر، ومرة بعدها من مصر إلى بلاد المغرب، ولم يتعرض للسُّلميين الآخرين) (٤). وقد مر بنا في فصل: (بنو سُلَيْم أصلًا وفصلًا، وهجرات وتنقلات) تفصيل واف لفروع بني سُلَيْم بن منصور الذين هاجروا - عودًا على بدء - من المغرب إلى مصر في القرن الثاني عشر الهجري الموافق للثامن عشر الميلادي، ومر بنا أنهم قد انتشروا من غرب الإسكندرية إلى مديريات الفيوم والمنيا وبني سويف، كما انتشرت بطون منها في أرض الدلتا شرقًا وغربًا، وفي بعض مناطق الصحراء الغربية كما مرَّ بنا أيضًا. في ذلك الفصل، أسماء أفخاذ بني سُلَيْم المقيمين ببرقة في زمن القلقشندي (القرن التاسع الهجري).

стр. 1653

ولست أدري أسُلَيْم السودان، من قيس عَيْلان أم من الأزد؟، وجاء في كتاب "تاريخ السودان" لنعوم شقير: أن سُلَيْمًا من أشهر قبائل السودان على النيلين: الأبيض والأزرق، والجزيرة بينهما جنوبي قبيلة كِنَانة، وفي موضع آخر ذكر أن سُلَيْم السودان تنتسب إلى جُهَيْنة (١). فإذا ثبت هذا فمعناه أنهم من غير قبيلة بني سُلَيْم بن منصور التي تنتسب إلى قيس عَيْلان؛ وذلك لأنَّ جُهَيْنة قبيلة من قُضاعة، وقُضاعة في أصح الأقوال غير عدنانية، وحتى لو كانت جُهَيْنة عدنانية فهي ليست بذات صلة نسبية بقبيلة بني سُلَيْم بن منصور. على أنَّ ابن خلدون في كتابه (العبر) يخبرنا أن جُهَيْنة انتشرت ما بين صعيد مصر وبلاد الحبشة، وكاثروا هنالك سائر الأمم، وغلبوا على بلاد النُّوبة ومزقوا كلمتهم وأزالوا ملكهم، وحاربوا الحبشة فأرهقوهم إلى هذا العهد (٢)، فهذا نص صريح بوجود جُهَيْنة في بلاد السودان بكثرة. ويقول عبد المجيد عابدين: أنهم دخلوا السودان في موجات متعددة، واتجه معظمهم من طريق وادي النيل إلى الشرق حيث بلاد البجة وساحل البحر الأحمر، واكتظت بهم المنطقة الواسعة التي تأخذ من حلفا الحالية إلى شمال غربي الحبشة، وكان لهم أثر قوي في الضغط على مملكة النوبة المسيحية الشمالية (مملكة المقرة) حتى أزالوها، ثم تدفقوا إلى الغرب ثم إلى الجنوب، فشغلوا بقاعًا متراميةً من السودان تمتد من الشرق إلى الغرب (٣). وعلى هذا فربما يكون معظم بني سُلَيْم الذين استوطنوا السودان من جُهَيْنة التي اكتظ بها السودان، كما يقول المؤرخون: جاز أكثرهم إلى السودان من صعيد مصر، وجاز أقلهم في الفترات الأخيرة من الزمن بحرًا من ناحية ينبع إلى السودان رأسًا. ويؤكد المقريزي أن عرب جُهَيْنة التي هي من قبائل اليمن (هي أكثر عرب

стр. 1654

الصعيد) وكانت مساكنهم في رأيه في بلاد قريش فأخرجتها قريش بمساعدة عساكر الفاطميين ونزلوا في بلاد إخميم أعلاها وأسفلها، ويصحح الدكتور عبد المجيد عابدين في تعليقاته على كتاب المقريزي منازل جُهَيْنة، فيقول - نقلًا عن ابن خلدون - إنها كانت ما بين الينبع - ينبع - ويثرب، في متسع من برية الحجاز، وأنه جاز منهم أمم إلى العدوة الغربية من بحر القلزم وانتشروا ما بين صعيد مصر وبلاد الحبشة إلى آخر ما سلف بيانه (١). والهجرة لمن كان في مثل حال قبيلة جُهَيْنة القُضاعية وبني سُلَيْم العدنانية، في خفة المحمول واعتياد النجعة أمر سهل ميسور. ويذكر محمد مرتضى الزبيدي في كتابه: "تاج العروس من جواهر القاموس" أن (بني سَليمةَ كَسَفينة: بطن من الأزد، وهم بنو مالك بن فهم بن غنم بن دوس بن الأزد. وكَجُهَيْنَة وقد تقدم، والنسبة: سُلَيْمْيٌ، قال سيبويه نادر. قلت - القائل هنا هو محمد مرتضى الزبيدي - وهم إلى الآن في نواحي البحرين اجتمعت بجماعة منهم - مادة سلم -، وكرر هذا القول أيضًا مُرّة أخرى، إلَّا أنه قال: ومنهم بقية بالبحرين إلى يومنا هذا، وقد اجتمعتُ بجماعة منهم (المادة السابقة) (٢). ولا ينفي هذا ما ثبت من المصادر الموثوق بها من أن بني سُلَيْم بن منصور نزحوا مع القرامطة إلى البحرين (بلاد الإحساء) إبان إجلاء هؤلاء من ديار الشام، وربما كان قد بقي منهم بعض بيوت آثروا المقام في البحرين فيما بعد. صحابة من بني سُلَيْم من هو الصحابي ؟ اختلف في تعريف "الصحابي"، فقال النووي في كتابه: (تقريب النواوي) ما نصه: (المعروف عند المحدثين أنه - أي الصحابي - كلّ مسلم رأى رسول الله ﷺ ، وعن أصحاب الأصول أو بعضهم أنه: كلّ من طالت مجالسته على طريق

стр. 1655

التبع، وعن سعيد بن المُسيب أنه لا يُعَدُّ صحابيا إلَّا من أقام مع رسول الله ﷺ سنة أو سنتين، أو غزا معه غزوة أو غزوتين، وقد ضعَّف النووي هذا القول بالنسبة لسعيد بن المسيب، وقال عنه: (فإن صح عنه - أي هذا القول. فهو ضعيف، فإن مقتضاه أن لا يُعدَّ جرير البجلي وشبهه صحابيا، ولا خلاف أنهم صحابة). وقال النووي عن الكيفية التي نعرف بها صحبة الصحابي: (ثم تعرف صحبته بالتواتر أو الاستفاضة، أو قول صحابي، أو قوله إذا كان عدلا) (١). تلك ثلاثة أقوال أوردها النووي في تعريف "الصحابي" ومجملها كما يلي: أولًا - الصحابي عند المحدثين كلّ مسلم رأى رسول الله ﷺ ." ثانيًا - الصحابي - عند أصحاب الأصول أو بعضهم - كُلُّ من طالت مجالسته للرسول على طريق التبعة له والأخذ عنه. ثالثًا - الصحابي - في رأي نُسِبَ إلى سعيد بن المسيب - هو من أقام مع رسول الله سنة أو سنتين أو غزا معه غزوة أو غزوتين. وثمة أقوال ثلاثة أخرى في تعريف الصحابي أوردها السيوطي في كتابه: (تدريب الراوي شرح تقريب النواوي) هي: أولًا: الصحابي: من طالت صحبته وروي عن الرسول. ثانيا: الصحابي: من رأى الرسول ﷺ وهو بالغ. ثالثا: الصحابي: من أدرك زمنه ﷺ وإن لَمْ يره (٢). وإذا كان لمثلي أن يقول شيئًا في هذا الموضوع، فإني أرى أن التعريف الأول الذي قدمه لنا النووي وهو: أن الصحابي: كلّ مسلم رأى رسول الله ﷺ ، هو التعريف الأمثل للصحابي. هذا، وقد أوردتُ في هذا الفصل جملةً من الصحابة السُّلَميين، وهو استعراض متفاوت لحيوات من تمكنت من معرفة تراجمهم حسب ما اطلعت عليه

стр. 1656

فيما بين يدي من المراجع حين كتابة هذا الفصل، عن الصحابة السُّلميين ﵃، وليس إحصاءً ولا شبه إحصاء، فإني ما اطلعت على كلّ ما كُتِب في هذا الشأن، ولا على كلّ من تُرجمُوا من صحابة رسول الله ﷺ من بني سُلَيْم، وما لا يُدرك جله لا يُترك كله. على أنَّه حتى في المراجع التي هي بين أيدينا ربما يفوت على الرؤية أسماء بعضهم، فله تندرج في هذا الفصل، لسهو أو تجاوز نظر، والكمال لله وحده. وجدير بالذكر أننا قفيَّنا فصل الصحابة السُّلَميين هذا بفصل آخر عن الصحابيات السُّلَميات التي استطعنا أن نتوصل إلى تراجمهن من بين ثنايا المصادر التي بين أيدينا. فن كتابة التراجم هذا، وقد عَرَفت الحضارة العربية الإسلامية فن كتابة التراجم قديمًا، والترجمة تؤدي معنى تدوين السيرة أو تاريخ حياة من تترجم له أو لها، وأول ما عُني به المسلمون من فن التراجم تدوينُ سيرة الرسول ﷺ ، وحينما اتسعت الدائرة شملت في إطارها سِيَر صحابة الرسول، وخاصة أولئك الذين سبقو إلى الإسلام، ووردت أسماؤهم في أخبار المغازي النبوية وفي الأحداث التي كانت منذ فجر الإسلام، وأولئك الذين رووا أحاديث المصطفى وتسلسل ذلك إلى تراجم التابعين، ومشاهير الفقهاء والعلماء والأدباء وغيرهم ممن حفلت بهم كتب التراجم في الحضارة العربية الإسلامية، ومن ثم عُني المترجمون - بكسر الجيم - بوضع معاجم وكتبٍ تشمل تراجم المشاهير والأعلام في حرب وفي سياسة، وفي اقتصاد واجتماع، وفي غير ذلك. ومن التراجم ما يختص بأعلام دولة معينة أو إقليم معين، أو قبيلة من القبائل، أو بلد من البلدان (١). والتراجم التي دونت في الفصول التالية هي النوع الخاص بالصحابة الذين ينتمون خاصة إلى قبيلة بني سُلَيْم، هذه القبيلة التي انتشرت في أركان المعمورة حتى لا يكاد يعرف بعض أبنائها بعضًا، وقد لا يكون سمع بعضهم بأسماء بعض.

стр. 1657

وستتلوه تراجم أخرى للصحابيات السُّلَميات، فالتابعين السُّلَميين، فالتابعيات السُّلَميات، فالعلماء السُّلميين والمفتين والقضاة، فالعالمات السُّلَميات، فالأمراء السُّلميين والقادة والولاة، ومن إليهم من المحتسبين والفرسان والموظفين، فالسراة والتجار ورجال الأعمال السُّلَميين، فالشعراء السُّلَميين والأدباء، فالشاعرات السُّلَميات، ومن بعد ذلك الرواة وشعراء الشعر النبطي السُّلَميون. ونماذج مما قاله الشعراء السُّلَميون المعاصرون في الشعر العامي المعروف بالشعر النبطي. ولسنا نزعم أننا أحصينا كلّ نوع من الأنواع المذكورة أو كلّ شيء عنها، وإنما هي "نماذج" تدل على غيرها، وهيَّ على كلّ حال ليست إحصائية، وإن كنت قد راجعت الكثير من المصادر القديمة والحديثة في هذا الميدان، مما هو مدون في هوامش صفحات هذه الفصول. ولا أكتم القارئ أن "قسم التراجم" في هذا الكتاب، قد أخذ الكثير أيضًا من صفحاته؛ وذلك لما لهذا الفن من أهمية دقيقة في إماطة اللثام عن حياة المجتمعات بتقصي حقائق حيوات أفرادها الذين تتكون منهم جماعاتها، وقد أدرك علماؤنا قديمًا أهمية هذا الفن وأولوه عناية خاصة، ودونوا فيه الأسفار الكثيرة، ولم يكتفوا بذلك بل قدموا لنا المزايا الخاصة بهذ الفن التي جعلتهم يولونه قسطًا كبيرًا من عنايتهم .. يقول السخاوي: (إن ذلك أوفى مصنَّفات التواريخ فائدة، وأكثرها عائدة وأجلها أثرًا وأطيبها خيرًا وأحسنها سمرًا وأحلاها ثمرًا؛ لأنَّ فيها ما يبعث على الفضائل واجتناب الرذائل، وفي مصارع الأعيان ومن ساعده الزمان اعتبارٌ لمن اعتبر وتجربة لمن تفكر، إذ اللبيبُ يرى مكارم الأخلاق فيستحسنها، وعوائد الخير فيطلبها، وعواقب الشر فيتجنبها) (١). ويقول العقاد: (شغف النّاس في هذا القرن بقراءة السير، فهي تحررهم حين يقرءونها من حدود الزمن، وتعيدهم إلى الماضي يستمدون منه العبرة ويتزودون منه بالعظات، فتتصل بذلك حلقات الإنسانية ولا تنقطع). ثم يقول: (وكتابة السِّير ليست عملًا سهلًا ولا هينًا، ولكنه من أصعب

стр. 1658

صنوف التأليف، فهي تتطلب من كاتبها أن يجمع بين قدرة المؤرخ وموهبة الأديب، ليصبح قادرًا على تحرِّي الحقيقة واستقصاء الشواهد والتزام الحيدة والإنصاف. ويضيف قوله: (وَلَا شك أن للعرب نصيبًا كبيرًا في الحضارة الإنسانية، والتاريخ العربيُّ زاخر بالأمجاد حافل بالأعلام في كلّ فرع من فروع المعرفة، وفي كل ميدان من ميادين الحياة، وما أحوجنا في هذا الطور من أطوار نهضتنا العربية المتوثبة إلى دراسة هؤلاء الأعلام والترجمة لكل منهم في كتاب يؤلفه كاتب من المتخصصين، يعرض فيه سيرته ويحللها، ويصف عصره ووقائع حياته، ويبرز شخصيته، ويبين آثاره وفضله على المتقدم الإنساني (١). وهذا الذي يشيد به السخاوي والعقاد من أهمية فنِّ التراجم هو أمر واقع، وأضيف إلى قولهما: أن فن التراجم والسير هو "العرق النابض" بالحيوية في التاريخ؛ ذلك أن إبراز مزايا المترجم تدعو القارئ من حيث يدري ولا يدري إلى الإعجاب، والإعجابُ يدعو إلى محاولة المحاكاة، ومحاولة المحاكاة تدعو إلى المضي فيها دما، والمضيُّ فيها قُدُمًا وبعناية يدعو إلى أن يبرز علماء وأعلام مماثلون أو على منهج من أعجب القاري بسيرته. وبنو سُلَيْم قد حفل تاريخهم بالأعلام في دين وحرب، وفي أدب وسياسة، وفي إدارة واجتماع، مما سترى نماذج منه في الفصول المتابعة التالية: عمرو بن عبسة السُّلَمي هو عمرو بن عبسة بن خالد بن حذيفة بن عمرو بن خلف بن مازن بن مالك بن ثعلبة بن بُهْثَة بن سُلَيْم بن منصور (٢) بن عِكْرَمة بن خَصْفَةَ بن قيس عَيْلان بن مُضَر. ويكفي عمرو بن عبسة، "أبا نجيح". قصة دخوله الإسلام حدث عمرو بن عبسة عن دخوله في دين الإسلام .. فقال:

стр. 1659

"أتيت رسول الله ﷺ وهو نازل بعكاظ، فقلت: يا رسول الله من معك في هذا الأمر؟ قال الرسول ﷺ : "معي رجلان: أبو بكر وبلال". وفي رواية أنه قال: أتيتُ النَّبِيّ ﷺ فقلت: يا رسول الله أنا عمرو بن عبسة السُّلَمي، أحب أن أسألك ما تعلم وأجهل، وينفعني ولا يضرك. وفي رواية أنه قال: (أَتَيْتُ النَّبِيّ ﷺ فقلت: يا رسول الله مَنْ أسلم؟ فقال الرسول: "حُرٌّ، وعبده يعني أبا بكر وبِلَالًا، فأنا رابع الإسلام أو رُبُع الإسلام). وقد سأل أبُو أمامة، عمرو بن عبسة، فقال: يا عمرو بن عبسة (لصاحب العُقُل رجل من بني سُلَيْم): بأي شيء تدَّعي أنك رُبُع الإسلام؛ فقال: إني كنت في الجاهلية أرى النّاس على ضلالة ولا أرى الأوثان بشيء، ثم سمعتُ عن رجل يخبر أخبارا بمكة، ويحدث بأحاديث، فركبتُ راحلتي حتى قدمت مكة، فإذا أنا برسول الله مستخفيًا، وإذا بقومه عليه جزءان (١)، فتلطفتُ حتى دخلتُ عليه، فقلت: ما أنت؟ قال: أنا نبيٌّ. فقلت: وما نَبِيٌّ؟ قال: رسول الله. قلت: اللهُ أرسلك؟ قال: نعم. فقلت: فبأي شيء؟ قال: بأن يوحد الله ولا يشرك به شيء، وكسر الأوثان، وصِلَةِ الأرحام. فقلت له: من معك على هذا؟ قال: حُرٌّ وعَبْدٌ وإذا معه أبو بكر وبلال. فقلت له: إني متَّبعك. قال: إنك لا تستطيع ذلك يَوْمَكَ هذا، ولكن ارجع إلى أهلك، فإذا سَمِعْتَ بي قد ظهرتُ فالْحَقْ بي. قال عمرو بن عبسة: فرجعتُ إلى أهلي، وخرج النَّبِيُّ ﷺ مهاجرًا إلى المدينة وقد أسلمتُ، قال عمرو بن عبسة: فجعلت أتَخَبَّرُ الأخبار، حتى جاء ركبه - رَكَبَةٌ جمع راكب - من يثرب، فقلت: ما فعل هذا الرجل المكيُّ الذي أتاكم؟ فقالوا: أراد قَوْمُهُ قَتْلَهُ، فلم يستطيعوا ذاك، وحيل بينه وبينهم، وتركتُ النّاس إليه سِراعًا، فرَكَبْتُ راحلتي حتى قَدمْتُ عليه المدينة، فدخلت عليه، فقلت: يا رسول الله أتعرفني؟ قال: نعم ألَستُّ الذي أتيتني بمكة؟ فقلت: بلِّي، وقلت: يا رسول الله علمني مما علمك الله وأجهل. فعلمه رسول الله صلوات الصبح والظهر والعصر والمغرب، والوضوء للصلاة، وفَضْلَهُ.

стр. 1660

وفي رواية عن شهر بن حوشب عن عمرو بن عبسة السُّلَمي، قال: رغبتُ (١) عن آلهة قومي في الجاهلية وذلك أنَّها باطل، فلقيت رَجُلًا من الكتاب من أهل تيماء، فقلتُ: إني امرؤ ممن يعبد الحجارة، فينزل الحَيُّ ليس معهم إله، فيخرج الرجل منهم فيأتي بأربعة أحجار، فينصب ثلاثة لِقِدْرِهِ، ويجعل أحسنها إلَها يعبده، ثم لعله يجد ما هو أحسن منه قبل أن يرتحل فيتركه، ويأخذ غيره إذا نزل منزلًا سواه. فرأيت أنه إله باطل لا ينفع ولا يضر، فَدُلَّنِي على خير من هذا. فقال (الرجل التيماوي) لعمرو بن عبسة السُّلَمي: يخرج من مكة رجل يرغب عن آلهة قَومه ويدعو إلى غيرها، فإذا رأيت ذلك فاتبعه، فإنه يأتي بأفضل الدين. قال عمرو بن عبسة: فلم تكن لي همة منذ قال لي ذلك إلَّا مكة، فآتي فأسأل: هل حدث فيها حَدَثٌ؟ فيقال: لا. ثم قَدِمْتُ مُرّة فسألت: فقالوا: حدث فيها رجل يرغب عن آلهة قومه ويدعو إلى غيرها، فرجعت إلى أهلي، فشددت راحلتي برحلها، ثم قدمت منزلي الذي كنت أنزله بمكة، فسألت عنه فوجدته مستخفيًا، ووجدت قريشًا عليه أشداء (٢) فتلطفتُ حتى دخلت عليه، فسألته، فقلت: أيُّ شيء أنت؟ قال: نبيٌّ. قلت: ومن أرسلك؟ قال: الله. قلت: وبما أرسلك؟ قال: بعبادة الله وحده لا شريك له، وبحقن الدماء، وبكسر الأوثان، وصلة الرحم، وأمان السبيل. فقلت: نِعْمَ ما أُرْسِلْتَ به، وقد آمنتُ بك وصدقتك، أتَأْمرني أمكث معك أو أنصرف؟ فقال: ألا ترى كراهة النّاس ما جئتُ به؟ فلا تستطيع أن تمكث، كن في أهلك، فإذا سَمِعْتَ بي قد خرجتُ مخرجًا فاتبعني. فمكثتُ في أهلي حتى إذا خرج إلى المدينة، سِرْتُ إليه فقدمت المدينة، فقلت: يا نبيَّ الله أتعرفني؟ قال: نعم أنت السُّلَمي الذي أتيتني بمكة، فسألتني عن كذا وكذا، فقلت لك كذا وكذا. فاغتنمتُ ذلك المجلس، وعلمتُ أن لا يكون الدهر أفرغَ قلبًا لي منه في ذلك المجلس، فقلت: يا نبي الله أي الساعات

стр. 1661

أسمع؟ (١) قال: الثلث الآخر، فإن الصلاة مشهودة مقبولة حتى تطلع الشمس، فإذا رأيتها طلعت حمراء كأنها الجحفة (٢) فأقصر عنها، فإنها تطلع بين قرني شيطان، فيصلي لها الكفار، فإذار ارتفعت قَيدَ رُمح أو رمحين فإن الصلاة مشهودة مقبولة حتى يساوي الرجل ظله، فأقصر عنها فإنها حينئذ تسجد جهنَّم، فإذا عاد الفئ فَصَلِّ، فإن الصلاة مشهودة مقبولة حتى تغرب الشمس، فإذا رأيتها تغرب حمراء كأنها الجحفة فأقْصِرْ .. ثم ذكر الوضوء فقال: إذا توضأت فغسلت يديك ووجهك، فإذا جلست كان ذلك لك طَهُورًا، وإن قمت فصليت وذكرت ربك بما هو أهله، انصرفت من صلاتك كهيئتك يوم ولدتك أمك من الخطايا) (٣). وقد أورد ابن قُتَيْبَةُ قصة إسلام عمرو بن عبسة السُّلَمي بإيجاز، وقال عنه: (فلما قبُض النَّبِيّ ﷺ ، سكن "عمرو" الشام بعده (٤)). هذا، ويلمس القارئ من ثنايا حديث هذا الصحابيُّ السُّلَمي ذي السابقة في الإسلام، حَرَارةَ الصدق، وصفاءَ الضمير، وذكاء الفكر، وطُهْرَ الفطرة. وما رواه شهر بن حوشب عنه - فيما أراه - هو. تفصيل من عمرو بن عبسة نفسه لقصة إسلامه، ولمقدمة إسلامه. وواضح تجرد هذه القصة الواقعية الجميلة من التصنع والتكلف والتنميق، هي منسجمة تمامًا مع واقعها، ومع صاحبها وبطلها، وهي تعبير صادق عن شعور نفسي عميق، وهي تجربة واقعية خاض غمارها عمرو ﵁، فنجح باهر النجاح، وقد أدرك بفطرته السليمة أن ما كان عليه هو وقومه العرب من عبادة الأحجار وإشراكها بالله جل وعلا في العبادة هو أمر ناجم عن انطماس نور العقل وإرادة الفكر. ويحدثنا محمد بن عمر الواقدي عن عمرو بن عبسة فيقول: "لما أسلم عمرو بن عبسة رجع إلى بلاد قومه بني سُلَيْم، وكان ينزل بصفة وجاذة وهي من أرض بني سُلَيْم، فلم يزل مقيمًا هناك حتى مضت بدر وأُحد والخندق والحديبية وخيبر، ثم قدم على رسول الله ﷺ بعد ذلك المدينة (٥).

стр. 1662

هذا، وقد أثنى ابن خلدون على عمرو بن عبسة، وقَدَّر مكانته في الإسلام، ثم قال عنه: (وعمرو بن عتبة (١) بن منقذ بن عامر بن خالد، كان صديقًا لرسول الله، في الجاهلية، وأسلم (ثلاث؟) أبو بكر وبلال. فكان يقول: كنت يومئذ رُبُعَ الإسلام (٢). ويبدو لي أن اسم (عتبة) الوارد في "العبر" في سلسلة نسب عمرو بن عبسة هو تحريف من النساخ أو الطابع .. فاسم أبيه هو (عبسة) لا (عتبة)، أما جعل جده الأول (منقذًا) فلعله تحريف لاسم (حذيفة، وقد ورد اسم (عمرو) الجد الثاني - عند ابن خلدون - هكذا: (عامرًا)، ولعله هو أيضًا تحريف لاسم (عمرو). عروة بن أسماء بن الصلت السُّلَمي هو عم عبد الله بن خازم أمير خراسان، والفارس الصنديد المعلم الوفي بالعهد إلى آخر نقطة من دمه، وكان عروة هذا من جِلَّة الصحابة، وقُتل في يوم بئر معونة ﵁، بيد قومه من سُلَيْم. الحجاج بن عِلاطٍ السُّلَمي هو الحجاج بن عِلَاط بن خالد بن ثويرة - نويرة - بن جسر - حنثر - بن هلال بن عبيد بن ظفر بن سعد بن عمرو بن تيم بن بهز بن امرئ القيس بن بُهْثَة بن سُلَيْم بن منصور. يُكَنَّى الحجاج بن علاط: أبا كلاب وقيل: أبا محمد، وكان من خيار الصحابة. نزل الحجاج مدينة حمص (٣) - بسورية - وابنه نصر بن الحجاج الذي نفاه عمر بن الخطاب سترد ترجمته وقصة نفيه في الفصل المعقود للتابعين من هذا الكتاب.

стр. 1663

وقد نزل الحجاج المدينة، وعد من أهلها؛ لأنه سكنها وبنى بها دارًا ومسجدًا يعرف به، وقد ذكر سبب إسلامه فقالوا: إنه خرج في ركب من قومه إلى مكة، فلما جن عليه الليل، وهو في وادٍ موحش مخوف قعد، فقال له أصحابه: يا أبا الكلاب قم فاتخذ لنفسك ولأصحابك أمانًا. فقام الحجاج بن علاط يطوف حولهم يكلؤهم ويقول: أعيذ نفسي وأعيذ صحبي … من كلّ جنيٍّ بهذا النَّقْبِ حتى أؤوب سالمًا وركبي فسمع قائلًا يقول: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣)﴾ [الرحمن: ٣٣] فلما قدموا مكة أخبر بذلك في نادي قريش، ثم أسلم وحسن إسلامه، ورَخَّصَ له رسول الله أن يقول فيه بما شاء عند أهل مكة، عام خيبر، من أجل الحصول على ماله وولده بها، فجاء العباسَ - بفتح السين - بفتح خيبر وأخبره بذلك سِرًّا، وأخبر قريشًا قبله بضد ذلك جهرًا حتى جمع ما كان له من مال بمكة وخرج منها. وعقب ابن عبد البر على ما ذكر بأن (حديث الحجاج بن علاط بذلك صحيح). وقد شهد مع رسول الله خيبر، وكان مكثرًا من المال، كانت له معادن بني سُلَيْم، وقد دُفِن بقاليقلا من ديار بكر (١). وتوجد ترجمة للحجاج بن علاط السُّلَمي في كتاب "القصص العرب" (٢). وللحجاج بن علاط بيتان تمثل بهما عبد الله بن جعفر ﵁ حينما بلغه قول عبد الله بن الزبير ﵁: إن ابن جعفر لمن المسرفين، وقال ابن الزبير ذلك بمناسبة تفريقه للصلة الكبيرة التي وافته من يزيد بن معاوية في مقامه ذاك والبيتان هما:

стр. 1664

بخيل يرى في الجود عارًا وإنما … على المرء عارٌ أن يَضِنَّ ويبخلا إذا المرء أثرى ثم لَمْ يَرْجُ نفعَهَ … صديقٌ فلافته المنية أولًا (١) مُعرض بن علاط السُّلَمي صحابي، أخو الحجاج بن علاط السُّلَمي الذي سبقت ترجمته آنفًا، قُتل مُعرض يوم الجمل ولا يعلم ابن عبد البر له رواية، وقد رثاه أخوه الحجاج بن علاط بقوله: ولم أرَ يومًا كان أكثر ساعيًا … بكف شِمالَ فارقتها يمينُها وقد نفذ ابن عبد البر قول ابن إسحاق: أنه لما أصيب معرض بن حجاج بن علاط السُّلَمي يوم الجمل، بكاه أخوه نصر بن الحجاج بن علاط فقال: لقد فزعت نفسي لدكر مُعرض … وعيناي جادت بالدموع شئونها ومحل النقد هو أن (معرضًا) هو عَمُّ نصر بن الحجاج بن علاط، وليس أخاه، فهو معرض بن علاط مباشرة. وَوَهِمَ الدارقطني حينما قال بقول ابن إسحاق فيه: وهذا "التوهيم" صادر مني. ويدل عليه سياق كلام ابن عبد البر في توهيمه لابن إسحاق في قوله الآنف ذكره الذي اعتمده الدارقطني فيما بعد، وكأنما نقله عن ابن إسحاق بدون فحص ولا تمحيص. مالك بن عمرو السُّلَمي شهد مالك بدرًا، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله، وهو من بني حجر من بني سُلَيْم، حلفاء بني كبير من بني أسد (حلفاء بني عبد شمس)، واستُشهد مالك بن عمرو بيوم اليمامة (٢).

стр. 1665

وجاء في "الاستيعاب" اسم (مالك بن أمية بن عمرو السُّلَمي) (١) وهو غير مالك بن عمرو هذا، ولذلك أفردنا له هذه الترجمة، وأفردنا لسميَه المذكور ترجمة أخرى فيما بعد. مدلاج بن عمرو السُّلَمي هو أخو مالك وبدر، مات في خلافة معاوية سنة ٥٠ هـ، وقد شهد مدلاج مع أخويه: مالك وثقيف بدرًا وأحدًا والخندق والحديبية وخيبر. ثَقيف بن عمرو السُّلَمي شهد مع أخويه السابقين ذكرهما، بدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ . وقد اختلف في اسم (ثَقِّيف): أهو، (ثقف) أو (ثقاف)، ويبدو لي أن هذا الاختلاف في اسمه ربما كان مَصْدَرُهُ عِلْم الرَّسم العربي، فقد اعتاد كُتَّابُ العرب في الجاهلية والإسلام، حذف الألف اللينة من الكتابة تخففًا واتكالًا على ذكاء القارئ وفهمه وعلمه، فهم يكتبون مثلًا: إسحاق وإسماعيل هكذا: إسحق وإسمعيل. قُتل ثقف أو ثقاف أو ثَقِّيف بخيبر سنة سبع للهجرة، وقاتله أسير اليهودي (٢). كثير بن عمرو السُّلَمي صحابي حليف لبني أسد، ويقال: إنه كان حليف بني عبد شمس، شهد كثير بدرًا، فيما ذكره ابن إسحاق من رواية زياد، وليس في رواية ابن هشام، وذكره ابن السراج عن عمر بن محمد بن الحسن الأسدي عن أبيه عن زياد عن ابن إسحاق. قال: وشهد بدرًا، من حلفاء بني أسد، كثير بن عمرو وأخواه مالك بن عمرو، وثقف بن عمرو. وقد ترجمه التقيُّ الفاسي كذلك، ولكنه تعقب ذلك بقوله: (ولم أرَ كثيرًا في غير هذه الرواية، ولعله أن يكون ثقف له لقبًا، واسمه كثير (٣)).

стр. 1666

عُتبة بن غزوان السُّلَمي واسم والد أبيه ياسر، كان عُتبة من أجلاء الصحابة وفي عداد المهاجرين الأولين، وكان شجاعًا بطلًا، وراميًا حاذقًا، وفارسًا مغوارًا. قدم المدينة مهاجرًا وله من العمر أربعون سنة، وشهد بدرًا وأبلى فيها بلاء حسنًا بسهامه، وكان رجلًا طوالًا مشرف المقامة، وقد فتح الأبلة بعد أن هزم جَيْش الفُرس الذي كان بها، واختط البصرة بأمر عمر بن الخطاب، وأمر محجن بن الأذرع فاختط مسجدها، ثم ذهب إلى مكة فلما كان بمعدن سُلَيْم - ولعله المعروف اليوم بالمهد؛ لأنه تل مرتفع - أدركه الموت فتوفي سنة ١٧ هـ. وهكذا كان عُتبة بن غزوان رجل حرب، ورجل سِلْمٍ، ورجل اقتصاد وعمران في وقتٍ واحد. وكما كان عُتبة بن غزوان بطلًا محاربًا، ورجل اقتصاد وعمران كما قدمناه كذلك كان خطيبًا مفوهًا، وقد رأيناه يلقى هذه الخطبة الرنانة ذات الأهداف الإسلامية القيمة بعد فتحه للأبلة .. قال: (بعد حمد الله والثناء عليه، والصلاة على النَّبِيّ ﷺ ، أما بعد فإن الدُّنْيَا قد تولَّت حَذَّاء (١) مدبرة، وقد آذنت أهلها بصرم (٢)، وإنما أُبقي منها صُبابة كصبُابة الإناء يَصْطُّبُها (٣) صاحبها، ألا وإنكم مفارقوها لا محالة، ففارقوها بأحسن ما يحضركم. ألا وإن من العجب أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الحَجر الضخم يُلقى في النار من شفيرها فيهوي فيها سبعين خريفًا (٤)، ولجهنم سبعة أبواب، ما بين البابين منها مسيرة خمسمائة سنة، ولتأتينَّ عليه ساعة وهو كظيظ بالزحام. ولقد كنت مع رسول الله ﷺ سابع سبعة ما لنا طعام إلَّا ورق البشام (٥) حتى قرحت أشداقنا (٦)، فوجدت أنا وسعد بن مالك؛ تمرة

стр. 1667

فشققتها بيني وبينه فأتزرت بنصفها. وما منا أحد اليوم إلَّا وهو أمير على مصرٍ من الأمصار، وإنه لَمْ يكن نُبُوَّةٌ قط إلَّا تناسختها جبرية (١)، وأنا أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيمًا، وفي أعين النّاس صغيرًا، وستجرِّبون الأمراء من بعدي، فتعرفون وتنكرون) (٢). صفوان بن عمرو السُّلَمي عقد ابن سعد في أول الجزء الرابع من كتابه: (الطبقات الكبرى) فصلًا هذا عنوانه: (الطبقة الثانية من المهاجرين والأنصار ممن لَمْ يشهد بدرًا، ولهم إسلام قديم وقد هاجر عامتهم إلى أرض الحبشة وشهدوا أُحدًا وما بعدها من المشاهد). وأدخل في هذا الفصل، صفوان بن عمرو السُّلَمي وقال عنه: (وهو من بني سُلَيْم بن منصور، من قيس عَيْلان، حلفاء بني كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خُزيمة حلفاء بني عبد شمس، شهد أُحدًا، وهو أخو مالك ومِدْلاج وثقاف بن عمرو الذين شهدوا بدرًا، قتل هو وأخوه مالك شهيدين في اليمامة). وفي "الاستيعاب" أنه اختلف في شهوده بدرًا (٣)، وفيه بعد ذلك في الصفحة ٧٣٤ أنه لَمْ يشهد بدرًا وإنما شهد أُحدًا. العباس بن مِرْدَاس السُّلَمي (٤) أسلم العباس بن مِرْدَاس، عام فتح مكة، ووفد إلى رسول الله ﷺ مع أنس بن عياض بن رعل السُّلَمي، وراشد بن عبد ربه السُّلَمي الذي كان اسمه (غاويًا) فسماه النَّبِيّ: (راشدًا) على طريقته الجميلة النبيلة في تغيير الأسماء غير المناسبة إلى أسماء حسنة مناسبة، وقد حضر مع الرسول فتح مكة في تسعمائة ونيف من قومه

стр. 1668

القنا والدروع على الخيل، وكان إسلامه قبل فتح مكة بيسير من الزمن، وكان ممن حرَّم الخمر في الجاهلية، وهو شاعر معروف. وكان لقاؤه للرسول ﷺ وهو يسير حين هبط "المشلل" وبنو سُلَيْم في آلة الحرب، والحديد ظاهر عليهم، والخيل تنازعهم الأعنة، فصفُّوا لرسول الله ﷺ ؛ وإلى جنبه أبو بكر وعمر، وكانت رايتهم حمراء (١) فقال الرسول: يا عُيينة هذه بنو سُلَيْم قد حضرت بما ترى من العدة والعدد. فقال عُيينة: يا رسول الله جاءهم داعيك ولم يأتني. ثم حدث بينه وبين العباس بن مِرْدَاس كلام شديد، ورد بعضهما على بعضٍ فأومأ إليهما النَّبِيّ بيده حتى سكتا، وأعطى النَّبِيّ ﷺ العباس بن مِرْدَاس مع من أعطى من المؤلفة قلوبهم وكان ما أعطاه إياه هو أربعين من الإبل، فعاتب النَّبِيّ ﷺ في شعر قاله منه: فأصبح نَهْبي ونَهْب العبيد (٢) … بين عُيينة والأَقْرَعِ إلَّا أفَائلَ أُعْطيِّتُها … عَديْدٌ قوائمها الأربع وما كان حِصْنٌ ولا حَابس … يفوقان مِرْداس في المُجْمَع وقد كنتُ في الحرب ذا تدرأٍ … فلم أُعْطَ شيئًا ولم أمنع وما كنْتُ دون امرئ منهما … ومن تَخْفِضِ اليوم لا يُرْفَع (٤) فرفع أبو بكر أبياته إلى النَّبِيّ ﷺ فقال النَّبِيّ للعباس: أرأيت قولك: أصبح نَهْبِي ونَهْب العبيد بين الأقرع وعُيينة فقال أبو بكر: بأبي وأمي يا رسول الله: ليس هكذا قال. فقال النَّبِيّ ﷺ كيف؟ فأنشده أبو بكر كما قال عباس، فقال النَّبِيّ: (سواء، ما يضرك بدأت بالأقرع أم بعيينة)، فقال أبو بكر: بأبي أنت، ما أنت بشاعر ولا راوية ولا ينبغي لك. فقال رسول الله ﷺ : اقطعوا عني لسانه: (لسان عباس بن مِرْدَاس) ففزع منه أناس، وقالوا: أمر بعباس يُمثَّل به!، فأعطاه مائة من الإبل، وقيل: خمسين من

стр. 1669

الإبل. وقد عاتبه رسول الله ﷺ فقال له: (أتقول فيَّ الشعر؟) فاعتذر وقال: (بأبي أنت وأمي إني لأجد للشعر دبيبًا على لساني كدبيب النمل ثم يقرصني كما يقرص النمل فلا أجد بدًّا من قول الشعر) فتبسم الرسول ﷺ وقال: (لا تدع العربُ الشعر حتى تدع الإبلُ الحنين). هذا، وقد انتقد المرزباني، منع صرف (مِرْدَاس) في البيت المتقدم للعباس بن مِرْدَاس وهو: وما كان حصن ولا حابس … يفوقان مِرْدَاس في مجمع بفتح سين (مِرْدَاس) مع أنه مصروف لغة، فقال: "وأما ترك صرف ما ينصرف فهو غير جائز؛ لأنه يُخرج الشيء عن أصله. وقد أجازه الأخفش، وأنشد قول العباس بن مِرْدَاس السُّلَمي: وما كان حصن ولا حابس … يفوقان مِرْدَاس في مجمع فترك صرف "مِرْدَاس" وهو اسم منصرف، وهذا قبيح لا يجوز ولا يقاس عليه لأنه لحن" (١). وكان العباس بن مِرْدَاس يغزو مع النَّبِيّ ﷺ ويرجع إلى بلاد قومه، وكان ينزل - كما ذكرنا في ترجمته في فصل شعراء بني سُلَيْم - بوادي البصرة، وكان يأتي البصرة كثيرًا ويرجع إلى بلاد قومه (٢)، وله ابن يقال له جاهمة يروي عن النَّبِيّ ﷺ أحاديث (٣) ولم يسكن مكة ولا المدينة ويقال: إنه مات في بادية البصرة، ويقال بل نزل بدمشق وابتنى فيها دارًا. ويقول ابن حجر: إن وفاته كانت في خلافة عثمان بن عفان. هذا، وفي عهد الجاهلية كان العباس بهاجي خُفاف بن ندبة السُّلَمي، وتمادي الخلاف بينهما حتى بلغ إلى الاحتراب، وقد كثرت القتلى بينهما، وعندئذ قام الضحَّاك بن عبد الله السُّلَمي صاحب أمر بني سُلَيْم وقال لهما: (يا هؤلاء إني أرى

стр. 1670

الحليم يُعْصى، والسفيه يُطاع، وأرى أقرب القوم إليكما من لقيكما بهواكما، وقد علمتم ما هاج الحرب على العرب حتى تفانت .. فهذه "وائل" في ضرع ناب، و"عبس" و"ذبيان" في لطمة فرس، و "أهل يثرب" في كسعة رجل، و "مراد" و "همدان" في رمية نسر، وأمركما أقبح الأمور بدءًا وأخوفها عاقبة، فَحُطَّا رحل هذه المطية النداء، وانحرفا عن هذا الرأي الأعوج) فَلَجَّا وأبَيَا إلَّا السفاهة، فخلعتهما بنو سُلَيْم، وأتاهما دريد بن الصِّمَّة الجُشَمي، ومالك بن عوف النصري، رأس هَوَازِن - أبناء عمومة سُلَيْم - فقال دريد: (يا بني سُلَيْم إنه أعملني إليكم صَدْرٌ وادٌ، ورأيٌ جامعٌ، وقد قطعتم بحربكم يدًا من أيدي هَوَازِن، وصرتم بين صيد بني الحارث وصهب بني زبيد، وجمار خَثْعم، وقد ركبتما شر مطية، وأوضعتما إلى شر غاية، فالآن قبل أن يندم الغالب، ويذل المغلوب .. ) ثم سكت، فقال مالك بن عوف: (كم حَيٍّ عزيز الجار، مخوف الصباح، أُولِعَ بما أُوْلِعْتُمْ به، فأصبح ذليل الجار، مأمون الصباح، فانتهوا ولكم كفٌّ طويلة، وقَرْن ناطَح، قبل أن تلقوا عدوكم بِكَفِّ جَذْماءَ، وقَرْنٍ أعضَبَ). فندم العباس، وقال: (جزى الله، خُفاقًا والرحم عني شرًّا، كنتُ أخفَّ سُلَيْم من دمائها ظَهْرًا، وأخمصها من أموالها بطنًا، فأصبحتُ ثقيل الظهر من دمائها، مُنْفَضِحَ البطن من أموالها، وأصبحت العرب تعيرني بما كنت أعيرها به، من لجاج الحرب، وايْمُ الله لوددت أني كنت أصَمَّ عن جوابه، أخرسَ عن هجائه، ولم أبلغ من قومي ما بلغتُ)، فلما أمسى تغني: ألم تر أني كرهتُ الحرو … ب وأني ندمت على ما مضىَ ندامة زَارٍ على نفسه … لتلك التي عارُها يُتَّقَى وأيقنتُ أني لِمَا جِئتهُ … من الأمر لابِسَ ثَوْبَيْ خَزَى وكانت سُلَيْم إذا قَدَّمَت … فَتَّى للحوادث كنتُ الفَتَى وكنتُ أفيء عليها النهاب … وأنكي عداها وأحمي الحِمَى فلم أُقِدِ الحرب حتى رمى … خُفَافٌ بأسهمه من رَمَى فألهب حربًا بأصبارها … فلم أكُ فيها ضعيف القُوَى فإن تعطفِ القومَ أحلامُها … ويَرجِعُ من ودهم ما نأَى فلست فقيرًا إلى حربهم … ولابِيَ عن سِلْمِهِمْ من غِنَى

стр. 1671

وحينما سمع خُفافٌ هذه القصيدة التي أعلن فيها خصمه وابن عمه "التوبة" عن حرب ضروس أهلية، أضرت بالقبيلة وتشتت شملها وهدت من قواها، اعتبر ذلك علامة ضعف من عباس بن مِرْدَاس، فأجابه بقوله: أعباسُ إمَّا كَرِهْتَ الحروب … فقد ذُقْتَ من عَضِّها ما كَفَى أألقَحْتَ حربَا لها دَرَّة … زبونا تُسَعِرُّها باللَّظَى فلما ترقيتَ في غيها … دحْضت وزل لك المُرْتَقَى فأصبحتَ تبكي على زلة … وماذا يرد عليك البكا؟ وإن كُنْتَ أخطأتَ في حربنا … فلسنا مُقيِليِكَ ذاك الخَطَا وإن كُنْتَ تطمع في سلمنا … فَزَاوِلْ ثَبِيرًا وَرُكْنَي حِرَا وهكذا نرى "خُفافًا" - عَبَّاسًا - حيال خصمه: (عباس) الذي بدا أمامه (بسَّامًا) وقدم له سلامًا - بفتح السين، وقد قابل خفاف سلامه هذا بسلام من قوارص التشنيع والتهكُّم تحمل في طياتها نُذُر الإصرار على مواصلة الحرب الأهلية السلمية بدون تردد. وأخيرًا، أشرقت الأرض بنور ربها، منبثقًا من مكة والمدينة فسطع على ظلام الجاهلية في قلبي الرجلين البطلين السُّلميين المتناحرين؛ واللذين ماداما امتشقا الحسام على بعض، فهدأ شيطان الجاهلية بين جوانحهما ثم توارى عنهما إلى غير رجعة حينما دخلا حظيرة الإسلام واستظلا بظلها الوارف ونهلا من معينها الغَدَق، وهكذا عاد الاستقرار إلى أنفسهما وإلى القبيلة وعاد إليهما الصفاء، فالإسلام نور وضَّاء للقلوب المظلمة، وروضة غنَّاء للنفوس المكتئبة، يمحو همومها وأدرانها، ويحل محلهما السعادة والهناء والألفة والاطمئنان، والإسلام يَجُبُّ ما قبله. وقد أطلنا في عرض قصة الخلاف الذي نَشِبَ بين العباس بن مِرْدَاس السُّلَمي، وابن عمه خُفَافِ بن نُدْبَةَ السُّلَمي، وما قيل من نثر وشعر في هذا الخلاف الذي كانت له أصداؤه لدى العرب، فعلنا كلّ ذلك لأسباب في مقدمتها الإلمام بطرف من حياة عرب الجاهلية وألوان تفكيرهم، وكيفية معالجتهم لمشاكلهم، وللدلالة على نفسياتهم وما يختلج بين جوانحهم في ساعات السلم وساعات

стр. 1672

الحرب، ثم للدلالة على مكانة شاعرهم وفارسهم المُعْلَم في الجاهلية والإسلام: العباس بن مِرْدَاس السُّلَمي، وخاصة قبل دخوله في دين الإسلام، وتشرفه بصحبة الرسول ﷺ . قيس بن نسيبة السُّلَمي وَفَد قيسٌ على النَّبِيّ ﷺ فسمع حديثه، وسأله عن أشياء أجابه عنها، ووعي كلام المصطفي، ودعاه الرسول إلى الإسلام فأسلم، ورجع إلى قومه بني سُلَيْم، فقال مُوَجِّهًا لهم إلى سبيل الرشاد باللغة والأسلوب المقنعين، قال لهم: (قد سمعت ترجمة الروم، وهَيْنَمة فارس، وأشعار العرب، وكهانة الكاهن، وكلام مَقَاوِلِ حِمْيَرَ - فما يشبه كلام مُحَمَّدٍ شيئًا من كلامهم، فأطيعوني وخذوا نصيبكم منه). فلما كان عام الفتح خرجت بنو سُلَيْم إلى رسول الله ﷺ ﷺ فلقوه بقُدَيدٍ، وهم ألف فارس كلهم على متون الخيل، وفيهم العباس بن مِرْدَاس، وأنس بن عياض بن رِعْل، وراشد بن عبد ربه (١) فأسلموا، وقالوا (لرسول الله): اجعلنا في مقدمتك، واجعل لواءنا أحمر، وشِعَارُنا مقدم، ففعل ذلك بهم، فشهدوا معه الفتح والطائف وحُنَيْنًا (٢). ومن هذا الحديث ندرك مدى طموح بني سُلَيْم، كما ندرك منه عمقَ إسلامهم في نفس الوقت. ويحدثنا جواد علي عن قيس بن نسيبة هذا، بأنه كان على علم بلسان الروم، وبهينمة الفُرس وبأشعار العرب، وبأنه كان ذا حظ بثقافة ذلك الزمان، وبأنه رجع إلى قومه ودعاهم إلى الإسلام فأسلموا (٣)، ويبدو جليا أن ما أورده الدكتور جواد علي عن علم قيس بلسان الروم إلخ - هو اقتباس منه واستنتاج مما

стр. 1673

تحدث به إلى قومه، وهو يدعوهم إلى الدخول في الإسلام من أنه سمع ترجمة الروم وهينمة فارس فما يشبه كلام محمد ﷺ كَلَامَهُمْ، وهو استنتاج نُؤَيِّدُهُ وإن لَمْ يذكر لنا صاحبه: مِمَّ استنتجه؟ راشد بن عبد ربه السُّلَمي يُكنَّى أبا أثيلة، وراشد بن عبد ربه أحد صحابة الرسول ﷺ أعطاه (رُهاطًا) وبها عين يقال لها "عين الرسول". وكان راشد في الجاهلية سادن صنم بني سُلَيْم، وقد رأى ذات يوم ثعلبين يبولان عليه فقال: أربٌّ يبول الثُّعْلَبَانِ برأسه … لقد هان من بالت عليه الثعالب ثم شدَّ عليه وكسره. قدم على النَّبِيّ ﷺ فقال له: ما اسمك؟ قال: غاوي بن ظالم، فقال النَّبِيّ: بل أنت راشد بن عبد الله، فأسلم وحسن إسلامه، وشهد الفتح مع النَّبِيّ، وقال الرسول ﷺ : "خير قرى عربية: خيبر، وخير بني سُلَيْم: راشد" وعقد له على قومه، وفي رواية أخرى: بل أنت راشد بن عبد ربه (١). قِدْر بن عمَّار السُّلَمي (أو) قُدَد بن عمَّار صحابي وصفه النَّبِيّ ﷺ بأنه: (صادق الإيمان)، وكان قدر أو قُدَد بن عمَّار قد وفد على الرسول بالمدينة وأسلم، وعاهده على أن يأتيه بألف من قومه على الخيل، وأنشد يقول: شددتُ يميني إذْ أتَيتُ مُحمَّدا … بِخيرِ يَدٍ شُدَّتُ بِحُجْزَةِ مِئْزَرِ وذَاكَ امرؤٌ قاسَمْتُهُ نِصْفَ دِينِهِ … وأعطيتُه ألْفَ امرئ غير أعْسَرِ ثم أتي قومه فأخبرهم الخبر، فخرج معه تسعمائة، وخلف في الحي مائة، فأقبل بهم يريد النَّبِيّ ﷺ فنزل به الموت، فأوصى إلى ثلاثة رهط من قومه: إلى العباس بن مِرْدَاس - أحد زعمائهم في الجاهلية والإسلام - وأمره على ثلاثمائة، وإلى جبار بن حكيم، وهو الفَرَّارُ الشريدي وأمره على ثلاثمائة، وإلى الأخنس بن

стр. 1674

يزيد وأمره على ثلاثمائة، وقال: ائتوا هذا الرجل حتى تقضوا العهد الذي في عنقي .. ثم مات. فمضوا حتى قدموا على النبي ﷺ فقال: (أين الرجل الحسنُ الوجه، الطَّويل اللسان، الصادقُ الإيمان؟) قالوا: يا رسول الله دعاه الله، فأجابه، وأخبروه خبره. فقال: (أين تكملة الألف الذين عاهدني عليهم؟) قالوا: قد خَلَّفَ مائة بالحيِّ مخافة حرب - كانت - بيننا وبين كنانة. قال: (ابعثوا إليها، فإنه لا يأتيكم في عامكم هذا شيء تكرهونه). فبعثوا إليه فأتته بالهدَّة، وهي مائة عليها المنقع بن مالك بن أمية بن عبد العُزَّى بن عجل بن كعب بن الحارث بن بُهْثَة بن سُلَيم، فلما سمعوا وئيد الخيل - صَوْتَها الشديد - قالوا: يا رسول الله، أُتِينا. قال: لا، بل لكم لا عليكم، هذه سُلَيْمُ بن منصور قد جاءت .. فشهدوا مع الرسول ﷺ الفتح وحُنَيْنًا. وعن المنقع السُّلَمي، وقصة قدومه إلى النبي على رأس مائة منهم، ووعدِه له بإكمال الألف منهم - نرى العباس بن مرْداس السُّلَمي الشاعر يسجل لنا هذه القصة مُلخصة في قوله: القائد المائة التي وفَّى بها … تِسْعَ المئين فتم ألْفٌ أقْرَعُ (١) الحكم بن الحارث السُّلَمي صحابي نزل البصرة بعد اختطاطها مدينة في عهد عمر بن الخطاب ﵄، وقد روى عن النبي ﷺ الحديث التالي: (من أخذ شبرًا من الأرض جاء به يوم القيامة يحمله في سبع أرضين) وتحدث عن صحبته للنبيِّ في الجهاد، فقال: "غزوتُ مع النبي ﷺ سبع غزوات آخرهن حُنَينٌ، وكنتُ أسيرُ في مقدمة النبي ﷺ إذ خَلأَتْ - أي بركت أو جَرَنتْ ناقته فلم تبرح مكانها - فمر بي رسول الله ﷺ ، وأنا أضربها، فقال: (مَهْ) - أي اكفف عن ضربها - وزَجَرَهَا فقامت" (٢). " جدُّ" أبي الأسود السُّلَمي عده ابن سعد فيمن نزل الشام من الصحابة، ولم يذكر لنا اسمه، اكتفى بأن ذكر أنه جد أبي الأسود السُّلَمي، وروى له حفيده: أبو الأسود حديثًا عن النبي

стр. 1675

- ﷺ هو قوله: "كنت سابع سبعة مع رسول الله ﷺ ، فأمرنا رسولُ الله، فجمع كل رجل منا درهمًا، فاشترينا أُضحيةً بسبعة دراهم، فقلنا: يا رسول الله والله لقد أغلينا بها، فقال النبي ﷺ : (إن أفضل الضحايا أغلاها وأسمنها)، فأمر النبي رجلًا فأخذ بيد، ورجُلًا برِجْلٍ، ورجُلًا بقَرْنٍ، وذبح الرجل السابع، وكبَّرنا جميعًا". " جدُّ" محمد بن خالد السُّلَمي وضعه محمد بن سعد في "الطبقات الكبرى" فيمن نزل الجزيرة من الصحابة ولم يذكر لنا اسمه، بل اكتفى بأن نعته بأنه "جد" محمد بن خالد السُّلَمي" الذي روى عن جده المذكور قوله: "سمعت النبي ﷺ يقول: (إذا سبقت للعبد من الله منزلة لم ينلها بعمله، ابتلاه في جسده وفي أهله وماله، ثم صَبَّره على ذلك حتى ينال المنزلة التي سبقت له من الله (١). العباس السُّلَمي يبدو أن العباس هذا ليس بابن مِرداس، وإن اشتركا في الاسم وفي صحبة النبي ﷺ ، روى حفيده نائل بن مطرف بن العباس السُّلَمي، أن جده العباس "شخص إلى رسول الله ﷺ ، فاستقطعه رَكِيَّةً بالدثينة وأقطعها إياه، على أن ليس له منها إلا فضل ابن السبيل"، قال أبو الأزهر: وكان نائل راوي هذا الحديث عن جده العباس السُّلَمي نازلًا بالدُّثينة، وهي التي أقطعها النبيُّ لجده العباس، يبدو أنها حازت إعجابهم فاستوطنوها جيلًا بعد جيل، وكان نائل أمير بني سُلَيْم النازلين معه في الدثينة فأخرج لأبي الأزهر - على ما رواه أبو الأزهر عن نفسه - حُقَّةً فيها كراع. من أَدم أحمر، فكان فيه ما أُقْطِعَهُ، أي ما أقطعه النبي لجده، وإذن فلقد احتفظ نسل العباس بهذه الوثيقة النبوية الشريفة مُستنَدًا لهم على ما أقطعه الرسول ﷺ لجدهم وبقيت الوثيقة لديهم حتى كانت لدى نائل حفيد العباس وأمير بني سُلَيْم النازلين معه في الدُّثَيْنَة.

стр. 1676

أبو خِراش السُّلَمي عده ابن سعد في "الطبقات الكبرى" من الصحابة الذين نزلوا بمصر، فلعله يكون إذن أول من نزل من السُّلَميين بمصر أو من أوائلهم نزولا بها على الأقل. وروى عنه ابن سعد أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (من هجر أخاه سنة فهو كَسَفْكِ دمه) (١). العرباض بن سارية السُّلَمي نزل بالشام، وقال ابن سعد: يكنى أبا نجيح (٢). جاهمة أو جلهمة بن العباس بن مِرداس السُّلَمي ورد اسمه في كتاب "الطبقات الكبرى" هكذا: (جلهمة) (٣)، كما ورد مثل ذلك في كتاب "جمهرة أنساب العرب" لابن حزم، أما في "الاستيعاب" فقد ورد اسمه: (جاهمة)، وروى ابن سعد عنه أحاديث: منها أنه جاء إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله أردتُ أن أغزو وقد جئتك أَستشيرك، فقال الرسول: هل لك من أم؟ قال: نعم. قال: فالزمها فإن الجنة عند رجلها ثم الثانية ثم الثالثة في مقاعد شتى .. وكمثل هذا القول) (٤). وفي كتاب (المفصَّل) لجواد علي، ورد أيضًا باسم (جلهمة) (٥) وصحح الأستاذ أحمد شاكر اسمه بأنه (جاهمة) بالألف، وقال إنه ليس في الصحابة صحابي باسم (جلهمة) ولا في الرواة. وقد أشرنا إلى هذا في مكان آخر أيضًا. يزيد بن الأخنس السُّلَمي يتصل نسبه ببهثة بن سُلَيْم. وهو أبو معن بن يزيد السُّلَمي الذي روى عنه أبو الجويرية أنه قال: بايعتُ النبي ﷺ أنا وأبي وجدي، وخاصمت إليه فأفلجني.

стр. 1677

عقد له الرسول يوم فتح مكة لواءً من الألوية التي عقدها لرجالات سُلَيْم، وسكن الكوفة بعد ذلك، وشهد ابنه "معن" المُكنَّى به يوم مرج راهط (١) وقتل فيها. وليزيد ترجمة في كتاب "الاستيعاب" لابن عبد البر، لا تخرج عما أوردناه آنفًا (٢). الضحَّاك بن سفيان السُّلَمي يتصل نسبه ببهثة بن سُلَيْم أيضًا، أسلم الضحَّاك فيمن أسلم من قومه. وصحب النبي ﷺ وعقد له لواءً يوم الفتحِ (٣). وهو غير الضحَّاك بن سفيان الكلابي العامري من هوازن الذي كان سَيَّافَ رسول الله ﷺ ، وكانت بنو سُلَيْم في تسعمائة فلما قدموا قال لهم رسول الله: هل لكم في رجل يعدل مائة يوفيكم ألفًا؟ فوافاهم بالضحَّاك بن سفيان الكلابي وكان رئيسهم، وفيه يقول العباس بن مرداس السُّلَمي: نذود أخانا عن أخينا ولو نرى … وصالا لكنا الأقربين نتابع نبايع بين الأخشبين وإنما … يد الله بين الأخشبين نبايع عشية ضحَّاك بن سفيان معتص … بسيف رسول الله والموت واقع وقد أثنى العباس بن مرداس على قيادة الضحَّاك الكلابي وعلى بطولته، في قصيدته الميمية التي قال فيها يخاطب رسول الله: يا خاتم النُّبَّاء إنك مُرْسَلٌ … بالحق، كل هدى السبيل هداكا إن الاله بنى عليك محبة … في خلقه و"محمدًا" سَمَّاكا ثم الذين وفوا بما عاهدتهم … جند بَعَثْتَ عليهم الضَّحَّاكا رَجُلًا به ذرب السلاح كأنَّه … لما تكنفه العدو، يراكا

стр. 1678

خُفاف بن عمير السُّلَمي يتصل نسبه أيضًا ببهثة بن سُلَيْم، عقد له الرسول ﷺ لواءً يوم فتح مكة على بني عمومته من سُلَيْم (١)، وشهد حُنَيْنًا والطائف وكان - كما أشرنا إليه في غير هذا المكان - يتهاجى مع العباس بن مرداس في أيام الجاهلية حتى بلغ الأمر بهما إلى الاقتتال. وأُمُّ خُفَاف: (نُدْبَةُ) وهي سوداء، وينسب إليها فيقال: خفاف ابن ندبة، وهو من أغربة العرب - أي ذوي اللون الأسود فيهم، شبهت ألوانهم بلون الغُراب الأسود - ويقول خفاف في هذا المعنى: كلانا يُسَوِّدُهُ قومهُ … على ذلك النسب المظلم يعني السودان، ويُكنى أبا خراشة، وله يقول عباس بن مرداس السُّلَمي: أبا خراشة إما أنت ذا نفر … فإنَّ قَوْمِيَّ لم تأكلهم الضَّبُعُ وهو ابن عم الخنساء بنت عمرو بن الشريد الصحابية الشاعرة. وخفاف هو قاتل مالك بن حمار، سيد بني شَمْخ بن فزارة الغَطَفَاني وفي ذلك يقول: إن تَكُ خَيْلي قد أصيب صميمها … فعمدًا على عَيْنِي تَيَمْتُ مالكا أقول له - والرمح يَأطِرُ مَتْنهُ - … تأمل خُفافًا إنني أنا ذلكا ولخفاف حديث واحد عن الرسول ﷺ وبقي عباس وخفاف على قيد الحياة إلى زمن عمر بن الخطاب ﵁ (٢). ابن أبي العوجاء السُّلَمي كان دخولُ ابن أبي العوجاء في الإسلام أقدمَ من دخول عامة قومه فيه، روى ابن سعد في طبقاته الكبرى، قال: بعث رسولُ الله ﷺ ابنَ أبي العوجاء

стр. 1679

السُّلَمي في ذي الحجة سنة سبع في خمسين رجلًا سرية إلى بني سُلَيْم، فكَثَرهُمُ القوم، فقاتلوا قتالا شديدًا حتى قُتل عامة المسلمين، وأُصيب صاحبهم ابن أبي العوجاء جريحًا مع القتلى، ثم تحامل حتى بلغ رسولَ الله ﷺ في المدينة أول يوم من صفر سنة ثمان (١). أبو حُصين السُّلَمي أحد صحابة رسول الله الأجواد، قدم أبو الحصين السُّلَمي المدينة بذهب من معدنهم - أي معدن بني سُلَيْم -، فقضى دَيْنّا كان على رسول الله ﷺ تحمَّل به، وفضل ذَهَبٌ مع أبي الحصين مثل بَيْضَةِ الحمامة، فأتى بها رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله ضع هذه حيث أراك الله أو حيث رأيت، وجَاءَ الرسولَ عن يمينه فأعرض عنه، ثم جاءه عن يساره فأعرض عنه، ثم جاءه بين يديه فنكس رسول الله ﷺ ، فلما أكثر عليه أخذها من يده فحذفه بها، لو أصابته لَعَقَرتْهُ، ثم أقبل عليه رسول الله ﷺ فقال: (يعمد أحدكم إلى ماله فيتصدق به ثم يقعد يتكفف الناس، وإنما الصدقة عن ظهر غنىً، وَابْدأ بمن تعول) (٢). مجاشع بن مسعود السُّلَمي، وأخوه مجالد كان في مجالد قَزَلٌ - أي عَرَجٌ خفيف - روى ابن سعد في "الطبقات الكبرى" أن مجاشع بن مسعود قال: يا رسول الله هذا مجالد بن مسعود، فبايعه على الهجرة، فقال: (لا هجرة بعد فتح مكة ولكن أبايعه على الإسلام) وفي رواية أوردها ابن سعد أيضًا أن مجاشعًا قال: أتيت النبي ﷺ أنا وأخي لنبايعه على الهجرة، فقال: (إن الهجرة قد مضت) .. فقلنا: علام نُبَايِعُك؟ فقال: (على الإسلام والجهاد في سبيل الله). قال: فبايعناه (٣). نزل مجاشع البصرة مع من نزلها من السُّلَميين، وقُتل يوم الجمل هو وأخوه مجالد، وقبراهما بالبصرة معروفان (٤) وكان ذلك بسنة ٣٦ هـ - ٦٥٦ م.

стр. 1680

حبان بن الحكم السُّلَمي حِبَّان بن الحكم صحابي (١) ويُلقَّب بالفَرَّار، وهو شاعر أيضًا. عبد الرحمن بن قتادة السُّلَمي صحب النبي ﷺ وروى عنه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله ﵎ خلق آدم وأخذ الخلق من ظهره، فقال: هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي) فقال رجل: يا رسول الله، فعلام ذا نعمل؟ قال: (على مواقع القدر). الوَرْدُ بن خالد السُّلَمي من آل بهثة، أسلم الورد وصحب النبي ﷺ وكان على ميمنته يوم فتح مكة (٢). وَرَدَ اسم "الوَرْد" هذا في تاريخ ابن خلدون، مقلوبًا هكذا: (الرَّوْدُ) بتقديم الراء على الواو، ونَسَبَهُ هكذا: "الرود بن خالد بن حُذَيْفة بن عمرو بن خلف بن مازن بن مالك بن ثعلبة" وأضاف أنه "كان علي بني سُلَيْم يوم الفتح" (٣) ولم يذكر ابن سعد هذا في طبقاته الكبرى، وأرى أن اسمه هو "الورد" كما ورد في كتاب الطبقات الكبرى، لابن سعد وجمهرة أنساب العرب لابن حزم (٤). معن بن يزيد السُّلَمي صحب النبي ﷺ هو وأبوه وجده، ويكنى أبا زيد، ويقال: إنه شهد مع أبيه وجده، بدرًا. ولا يُعرف رجل شهد بدرًا مع أبيه وجده، غيره، ولا يعرف في البدريين ولا يصح، وإنما الصحيح حديث أبي الجويرية عنه، قال: بايعتُ رسول الله ﷺ أنا وأبي وجدي. وكان له مكان عند عمر بن الخطاب وشهد صفين مع معاوية، وحضر وقعة مرج راهط مع الضحَّاك بن قيس الفهري القُرشي (٥) وقُتل فيها (٦).

стр. 1681

هوذة بن الحارث بن عجرة السُّلَمي بينه وبين جدهم: بُهْثَة بن سُلَيْم - سبعة آباء، فإذا أخذنا بقاعدة ابن خلدون التي تُقرر لكل ثلاثة أجيال مائة سنة فيكون "سُلَيْم" الذي هو الجد الأعلى لبني سُلَيْم الذي ينتمون إليه جميعًا، قد عاش في القرن الثالث قبل الإسلام تقريبًا إذا كانت سلسلة نسب هوذة متكاملة وصحيحة. أسلم هوذة وشهد فتح مكة، وهو الذي قال لعمر بن الخطاب وقد خاصم ابن عم له في الراية: لقد دار هذا الأمرُ في غير أهله … فأبصر وليَّ الأمر أين تريد؟ (١) عبد الرحمن بن خباب السُّلَمي صحابي، روى له ابن سعد الحديث التالي: قال: شهدتُ النبي ﷺ وهو يَحثُّ على جيش العسرة فقال عثمان: يا نبيَّ الله عليَّ مائةُ بعير بأحْلَاسِهَا وأقتابها في سبيل الله. ثم حضَّ، فقال عثمان: ثلاثمائة بعير. قال عبد الرحمن بن خَبَّاب السُّلَمي: فأنا رأيت النبي ﷺ ينزل من المنبر وهو يقول: (ما على عثمان ما عمل بعد هذا) - مرتين (٢). عُتبة بن عبد السُّلَمي عَدَّه ابن سعد من صحابة رسول الله ﷺ ، ومن الذين نزلوا بالشام. توفي سنة ٩١ أو ٩٢ هـ، وقال محمد بن عمر الواقدي: توفي سنة ٨٧ هـ، وهو ابن أربع وتسعين سنة (٣). عُبيد بن خالد السُّلَمي صحابي روى عن النبي ﷺ : أنه آخى بين رجلين، أحدهما قبل صاحبه (٤).

стр. 1682

معاوية بن الحكم السُّلَمي كان ينزل المدينة، ويسكن في بني سُلَيْم (١)، له عن النبي ﷺ حديث واحد حسن في الكهانة والطيرة والخط وفي تشميت العاطس في الصلاة جاهلًا، وفي عتق الجارية. ومعاوية بن الحكم معدود في أهل المدينة، روى عنه عطاء بن يسار: وروى كثير بن معاوية بن الحكم عن أبيه: (معاوية بن الحكم السُّلَمي) قال: كنا مع النبي ﷺ فَأنْزى عليُّ بن الحكم أخي فرسَه خندقًا، فدق جدار الخندق ساقه، فأتينا به النبي ﷺ فمسح ساقه، فما نزل حتى بَرَأ، فقال معاوية بن الحكم السُّلَمي في قصيدة له: فأنزلها عَلِيٌّ فهو يَهْوِي … هُوِيَّ الدلو مُشْرَعَةً بحبل فعصَّب رِجله فسما عليها … سُمُوَّ الصقر صادف يوم ظل فقال محمد صلى عليه … مليكُ الناس قولًا غير فعل لعًا لك فاستمر بها سويا … وكانت بعد ذاك أَصَحَّ رِجْل (٢) عُتبة بن عمرو السُّلَمي صحابيٌّ. نزل بالشام، روى له سعد أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الجنة لها ثمانية أبواب، والنار لها سبعة أبواب" (٣). عبد الله بن سيدان السُّلَمي صحابيٌّ. نزل بالشام أيضًا، روى ابن سعد أنهم ذكروا أنه رأى النبيَّ ﷺ وروى عن أبي بكر الصديق ﵁، أنه صلى خلفه الجمعة، فكانت

стр. 1683

خطبته وصلاته قبل نصف النهار، وقال: وصليت خلف عمر، فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار، قال: وصليت مع عثمان، فكانت خطبته وصلاته قبل الزوال (١). صفوان بن المُعطَّل السُّلَمي نسبهُ ابن حزم فقال: (صفوان بن رخصة بن المؤمل بن خُزاعي بن محارب بن هلال) ووصفه بأنه "الصاحب الجليل الفاضل" (٢). ويكنى صفوان: أبا عمرو، ويقال: إنه أسلم قبل المريسيع، وشهد مع رسول الله ﷺ غزوة الخندق والمشاهد كلها بعدها، وكان مع كرز بن جابر الفهري في طلب العُرَنيين الذين أغاروا على لقاح النبي ﷺ . وكان يكون على ساقة النبي، ولم يتخلف بعدُ عن غزوة غزاها. قُتِلَ صفوانُ في غزوة أرمينية شهيدًا، وأميرهم يومئذ عثمان بن أبي العاص، سنة ١٩ هـ في خلافة عمر، ولصفوان دار بالبصرة في سكة المربد، وكان خَيِّرًا فاضلًا شجاعًا بطلًا، وهو الذي قال فيه أهل الإفك ما قالوا مع عائشة ﵄، فبرأهما الله مما قالوا، وقد اعترض حسَّانَ بن ثابت بالسيف لما قذفه به من الإفك وضربه، وكان حسان قد عرَّض بابن المُعطَّل وممن أسلم من مُضَر في شعر له ذكره ابن إسحاق، وذكر الخبر في ذلك (٣). رزين بن أنس السُّلَمي صحابيٌّ، أتى النبي ﷺ فكتب له كتابًا، فقال: يا رسول الله إن لنا بئرًا بالمدينة وقد خفنا أن يغلبنا عليها مَنْ حوالينا، فكتب له رسول الله كتابًا: (بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله، أما بعد فإن لهم بئرهم، إن كان صادقًا، ولهم دارهم إن كان صادقًا) (٤).

стр. 1684

وفي هذا الكتاب النبوي بلاغة الإيجاز في الوثائق الشرعية، مما ينبغي أن يكون قدوة حسنة في كتابة الحجج الشرعية، مع الاحتياط والدقة، فمع إيجاز الوثيقة النبوية المذكورة احتاطت للأمر، فشرطت في تمليك البئر والدار صِدْقَ مُدَّعي المِلْك، ويؤخذ من هذا الحديث أن بعض بني سُلَيْم كانوا يقيمون بالمدينة وكانوا ذوي أملاك فيها بزمن الجاهلية القريبة من عهد الإسلام، ونعلم من التاريخ أن إقامة جالية سُلَمية بالمدينة امتد إلى عهد عمر بن الخطاب وإلى ما بعده كما هو موضح في مكانه من هذا الكتاب. زيد بن كعب البهزي السُّلَمي صحابيٌّ، وهو صاحب الظبي الحائف، أو حمار الوحش العقير بالروحاء، وكان صائده (١). روى عنه عمير بن سلمة (٢). سيابة بن عاصم السُّلَمي صحابيٌّ، روى أن النبي ﷺ قال يوم حُنَيْن: (أنا ابن العواتك)، وقد سئل هشيم راوي الحديث عن سيابة السُّلَمي - عن "العواتك؟ " فقال: "أمهات كُنَّ له من قيس عيلان". وعلَّق أبو عمر بن عبد البر على ذلك بقوله: "ولا يصح ذكر سُلَيْم فيه"، وقال: "إن العواتك جمع عاتكة" ثم إن ابن عبد البر عاد فأعرب عن صحة ما اعترض عليه آنفًا، فقال: "قال أبو عمر: في ذلك قولان أحدهما: العواتك ثلاث من بني سُلَيْم إحداهن: عاتكة بنت هلال بن فالج، أمُّ عبد مناف والثالثة: عاتكة أم هاشم". وقد نسب جواد علي، عاتكة هذه فقال: "وأم هاشم وعبد شمس والمطلب: عاتكة بنت مرة بن هلال بن فالج بن ذكوان السُّلَمية"، وهذ النسبة مطابقة تمامًا لما ورد في "تاج العروس" (راجع مادة عتك).

стр. 1685

وقد أضاف جواد علي إلى ما ذكر، أن "أم نوفل" واقدة من بني مازن بن صومعة السُّلَمية (١). والقول الثاني - فيما أورده الحافظ ابن عبد البر - أن رسول الله ﷺ مر بنسوة أبكار من بني سُلَيْم، فأخرجن ثُديَّهُنَّ فوضعنها في فيِّ رسول الله ﷺ ، فَدَرَّتْ (٢)، وكان ذلك حينما كان رسول اللهَ رضيعًا في بني سعد، وذلك لقرب منازل بني سعد بن بكر من هوازن - من منازل بني سُلَيْم، ولأنهم - هَواَزِن وسُلَيْمًا - من جدٍّ واحد هو "منصور بن عكرمة" بن خصفة بن قيس عيلان بن مُضَر. سُليم السُّلَمي صحابيٌّ، روى عنه العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير، يُعَدُّ في أهل البصرة (٣).
следующие страницы →