← Ансаб

Ансаб · id 897

موسوعة القبائل العربية

محمد سليمان الطيب

Полный текст (10 849 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

هوذة بن الحارث بن عجرة السُّلَمي بينه وبين جدهم: بُهْثَة بن سُلَيْم - سبعة آباء، فإذا أخذنا بقاعدة ابن خلدون التي تُقرر لكل ثلاثة أجيال مائة سنة فيكون "سُلَيْم" الذي هو الجد الأعلى لبني سُلَيْم الذي ينتمون إليه جميعًا، قد عاش في القرن الثالث قبل الإسلام تقريبًا إذا كانت سلسلة نسب هوذة متكاملة وصحيحة. أسلم هوذة وشهد فتح مكة، وهو الذي قال لعمر بن الخطاب وقد خاصم ابن عم له في الراية: لقد دار هذا الأمرُ في غير أهله … فأبصر وليَّ الأمر أين تريد؟ (١) عبد الرحمن بن خباب السُّلَمي صحابي، روى له ابن سعد الحديث التالي: قال: شهدتُ النبي ﷺ وهو يَحثُّ على جيش العسرة فقال عثمان: يا نبيَّ الله عليَّ مائةُ بعير بأحْلَاسِهَا وأقتابها في سبيل الله. ثم حضَّ، فقال عثمان: ثلاثمائة بعير. قال عبد الرحمن بن خَبَّاب السُّلَمي: فأنا رأيت النبي ﷺ ينزل من المنبر وهو يقول: (ما على عثمان ما عمل بعد هذا) - مرتين (٢). عُتبة بن عبد السُّلَمي عَدَّه ابن سعد من صحابة رسول الله ﷺ ، ومن الذين نزلوا بالشام. توفي سنة ٩١ أو ٩٢ هـ، وقال محمد بن عمر الواقدي: توفي سنة ٨٧ هـ، وهو ابن أربع وتسعين سنة (٣). عُبيد بن خالد السُّلَمي صحابي روى عن النبي ﷺ : أنه آخى بين رجلين، أحدهما قبل صاحبه (٤).

стр. 1682

معاوية بن الحكم السُّلَمي كان ينزل المدينة، ويسكن في بني سُلَيْم (١)، له عن النبي ﷺ حديث واحد حسن في الكهانة والطيرة والخط وفي تشميت العاطس في الصلاة جاهلًا، وفي عتق الجارية. ومعاوية بن الحكم معدود في أهل المدينة، روى عنه عطاء بن يسار: وروى كثير بن معاوية بن الحكم عن أبيه: (معاوية بن الحكم السُّلَمي) قال: كنا مع النبي ﷺ فَأنْزى عليُّ بن الحكم أخي فرسَه خندقًا، فدق جدار الخندق ساقه، فأتينا به النبي ﷺ فمسح ساقه، فما نزل حتى بَرَأ، فقال معاوية بن الحكم السُّلَمي في قصيدة له: فأنزلها عَلِيٌّ فهو يَهْوِي … هُوِيَّ الدلو مُشْرَعَةً بحبل فعصَّب رِجله فسما عليها … سُمُوَّ الصقر صادف يوم ظل فقال محمد صلى عليه … مليكُ الناس قولًا غير فعل لعًا لك فاستمر بها سويا … وكانت بعد ذاك أَصَحَّ رِجْل (٢) عُتبة بن عمرو السُّلَمي صحابيٌّ. نزل بالشام، روى له سعد أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الجنة لها ثمانية أبواب، والنار لها سبعة أبواب" (٣). عبد الله بن سيدان السُّلَمي صحابيٌّ. نزل بالشام أيضًا، روى ابن سعد أنهم ذكروا أنه رأى النبيَّ ﷺ وروى عن أبي بكر الصديق ﵁، أنه صلى خلفه الجمعة، فكانت

стр. 1683

خطبته وصلاته قبل نصف النهار، وقال: وصليت خلف عمر، فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار، قال: وصليت مع عثمان، فكانت خطبته وصلاته قبل الزوال (١). صفوان بن المُعطَّل السُّلَمي نسبهُ ابن حزم فقال: (صفوان بن رخصة بن المؤمل بن خُزاعي بن محارب بن هلال) ووصفه بأنه "الصاحب الجليل الفاضل" (٢). ويكنى صفوان: أبا عمرو، ويقال: إنه أسلم قبل المريسيع، وشهد مع رسول الله ﷺ غزوة الخندق والمشاهد كلها بعدها، وكان مع كرز بن جابر الفهري في طلب العُرَنيين الذين أغاروا على لقاح النبي ﷺ . وكان يكون على ساقة النبي، ولم يتخلف بعدُ عن غزوة غزاها. قُتِلَ صفوانُ في غزوة أرمينية شهيدًا، وأميرهم يومئذ عثمان بن أبي العاص، سنة ١٩ هـ في خلافة عمر، ولصفوان دار بالبصرة في سكة المربد، وكان خَيِّرًا فاضلًا شجاعًا بطلًا، وهو الذي قال فيه أهل الإفك ما قالوا مع عائشة ﵄، فبرأهما الله مما قالوا، وقد اعترض حسَّانَ بن ثابت بالسيف لما قذفه به من الإفك وضربه، وكان حسان قد عرَّض بابن المُعطَّل وممن أسلم من مُضَر في شعر له ذكره ابن إسحاق، وذكر الخبر في ذلك (٣). رزين بن أنس السُّلَمي صحابيٌّ، أتى النبي ﷺ فكتب له كتابًا، فقال: يا رسول الله إن لنا بئرًا بالمدينة وقد خفنا أن يغلبنا عليها مَنْ حوالينا، فكتب له رسول الله كتابًا: (بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله، أما بعد فإن لهم بئرهم، إن كان صادقًا، ولهم دارهم إن كان صادقًا) (٤).

стр. 1684

وفي هذا الكتاب النبوي بلاغة الإيجاز في الوثائق الشرعية، مما ينبغي أن يكون قدوة حسنة في كتابة الحجج الشرعية، مع الاحتياط والدقة، فمع إيجاز الوثيقة النبوية المذكورة احتاطت للأمر، فشرطت في تمليك البئر والدار صِدْقَ مُدَّعي المِلْك، ويؤخذ من هذا الحديث أن بعض بني سُلَيْم كانوا يقيمون بالمدينة وكانوا ذوي أملاك فيها بزمن الجاهلية القريبة من عهد الإسلام، ونعلم من التاريخ أن إقامة جالية سُلَمية بالمدينة امتد إلى عهد عمر بن الخطاب وإلى ما بعده كما هو موضح في مكانه من هذا الكتاب. زيد بن كعب البهزي السُّلَمي صحابيٌّ، وهو صاحب الظبي الحائف، أو حمار الوحش العقير بالروحاء، وكان صائده (١). روى عنه عمير بن سلمة (٢). سيابة بن عاصم السُّلَمي صحابيٌّ، روى أن النبي ﷺ قال يوم حُنَيْن: (أنا ابن العواتك)، وقد سئل هشيم راوي الحديث عن سيابة السُّلَمي - عن "العواتك؟ " فقال: "أمهات كُنَّ له من قيس عيلان". وعلَّق أبو عمر بن عبد البر على ذلك بقوله: "ولا يصح ذكر سُلَيْم فيه"، وقال: "إن العواتك جمع عاتكة" ثم إن ابن عبد البر عاد فأعرب عن صحة ما اعترض عليه آنفًا، فقال: "قال أبو عمر: في ذلك قولان أحدهما: العواتك ثلاث من بني سُلَيْم إحداهن: عاتكة بنت هلال بن فالج، أمُّ عبد مناف والثالثة: عاتكة أم هاشم". وقد نسب جواد علي، عاتكة هذه فقال: "وأم هاشم وعبد شمس والمطلب: عاتكة بنت مرة بن هلال بن فالج بن ذكوان السُّلَمية"، وهذ النسبة مطابقة تمامًا لما ورد في "تاج العروس" (راجع مادة عتك).

стр. 1685

وقد أضاف جواد علي إلى ما ذكر، أن "أم نوفل" واقدة من بني مازن بن صومعة السُّلَمية (١). والقول الثاني - فيما أورده الحافظ ابن عبد البر - أن رسول الله ﷺ مر بنسوة أبكار من بني سُلَيْم، فأخرجن ثُديَّهُنَّ فوضعنها في فيِّ رسول الله ﷺ ، فَدَرَّتْ (٢)، وكان ذلك حينما كان رسول اللهَ رضيعًا في بني سعد، وذلك لقرب منازل بني سعد بن بكر من هوازن - من منازل بني سُلَيْم، ولأنهم - هَواَزِن وسُلَيْمًا - من جدٍّ واحد هو "منصور بن عكرمة" بن خصفة بن قيس عيلان بن مُضَر. سُليم السُّلَمي صحابيٌّ، روى عنه العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير، يُعَدُّ في أهل البصرة (٣).

стр. 1686

طلحة بن مالك السُّلَمي صحابيٌّ روى عن النبي ﷺ : (إن من اقتراب الساعة هلاك العرب) (١). طلحة بن معاوية بن جاهمة - أو جلهمة - السُّلَمي صحابيٌّ روى عنه ابنه محمد بن طلحة (٢). طلحة والد عقيل بن طلحة السُّلَمي له صحبة فيما ذكره ابن شؤذب، روى عنه ابنه عقيل بن طلحة (٣). عبد الله بن النضر السُّلَمي صحابيٌّ روى عنه أبو بكر بن محمد بن حزم عن النبي ﷺ حديثًا واحدًا وهو: (لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فيحتسبهم إلا كانوا له جُنَّةً من النَّار)، ويرى ابن عبد البر أنه مجهول وقال عنه: (وما أعلم في الموطأ رجلًا مجهولًا غير هذا) (٤). عبد الرحمن بن مرفع السُّلَمي صحابيٌّ سكن مكة والمدينة، روى عنه أبو اليزيد المزني (٥). عُتبة بن النُّدَر، أو ابن السُّلَمي صحابيٌّ كان اسمه (عتلة) فغيَّر الرسول ﷺ اسمه، فسماه (عُتبة)، وهذا التغيير في الاسم يلاحظ أنه قريب اللفظ من الاسم الأصلي: (عتلة)، ومن معاني العتلة لغة: المدرة الكبيرة تَنقلع من الأرض. وكان النبي ﷺ كثيرًا ما يراعي هذا التقارب بين الاسم الأصلي والاسم الجديد الذي اختاره، مثل (زيد الخيل) الذي غَيَّرَهُ إلى (زيد الخير) وغَيْرِه، وربما غير الاسم إلى ضده مثل (غاوي بن ظالم السُّلَمي) الذي غَيَّره بضده في شقيه

стр. 1687

فَسَمَّى الرجلين: الوالِدَ والوَلَد المُسْلِمَ: باسمَيْ (راشد بن عبد ربه)، وهذا التعديل كله من الرسول هو تعديل أحسن وأجمل وأنسب للحضارة الإسلامية وأبعد عن عنجهية الجاهلية وتقاليدها. شهد عُتبة خيبر، وتوفي سنة سبع وثمانين للهجرة في أيام الوليد بن عبد الملك، وهو ابن أربع وتسعين سنة مما يدلنا على أنه يوم أسلم كان شابا في مقتبل الشباب، ويعد من الشاميين، وروى عنه جماعة من التابعين بالشام منهم عبد الرحمن بن عمرو السُّلَمي (١) الذي له ترجمة في التابعين - بهذا الكتاب في الفصل الخاص بهم، وقيل: إنه مات سنة ٨٤ هـ وشهد فتح مصر، والنُّدَرُ - بضم النون بعدها دال مهملة مشددة مفتوحة عند الجمهور (٢). عُتبة بن فرقد السُّلَمي هو من الصحابة فيما جاء في كتاب (الطبقات الكبرى) لابن سعد، واسمه يربوع بن حبيب، ويكنَّى أبا عبد الله، ويتصل نسبه ببهثة بن سُلَيْم. كان عُتبة أميرًا لعمر بن الخطاب على بعض فتوحات العراق. وقال أبو عثمان النهدي: جاءني كتاب عمر - ونحن مع عُتبة بن فرقد - وأبوه فرقد أو حبيب هو: ابن أسعد بن رفاعة بن الحارث بن بُهْثَة بن سُلَيْم، فبينه وبين سُلَيْم جد بني سُلَيْم الأعلى أربعة آباء، فهو أعلى نَسَبًا من هوذة بن الحارث السُّلَمي. وعلى حسب القاعدة التي وضعها أبو عِلْمِ الاجتماع (عبد الرحمن بن خلدون) بأن يُحسَبَ لكل ثلاثة أجيال، مائة عام - وهذا في الأغلب الأعم - يكون بين رمن عتبة، وزمن (سُلَيْم) جده الأعلى مائة وثلاثون سنة، ونرى أن هذه القاعدة لا يمكن أن تعتبر عامة لكل أجيال البشر بصفة دقيقة وشاملة، فلربما يخرج عن نطاقها بعض المعمرين، وربما كان عُتبة بن فرقد وأبوه وبعض أجداده من هؤلاء.

стр. 1688

وأُم عُتبة: آمنة بنت عمر (عمرو) بن علقمة بن المطلب بن عبد مناف (١)، فهو قُرشي من جهة أمه، ولعل هذا وما ذكره التاريخ من أنه كان شريفًا في قومه هو الذي أو هو بعض الذي جعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يعينه عاملًا له. سكن عُتبة الكوفة هو وأبناؤه ومات بها، ويقال لهم الفراقدة (٢). وقد أعطاه رسول الله ﷺ موضع دار بمكة يبنيها مما يلي المروة (٣). قلت: وذكر الزركلي في الإعلام: أن عُتبة هو فاتح إقليم أذربيجان شمال غرب إيران. عروة بن أسماء بن الصلت السُّلَمي صحابيٌّ، وأحد أصحاب بئر معونة - عرض عليه المشركون من قومه في يوم بئر معونة أن يؤمنوه، فأبى وقال: لا أقبل لهم في ذلك أمانًا، ولا أرغب بنفسي عن مصارعهم - أي مَصَارعِ رفاقه الذين استشهدوا في ذلك اليوم ببئر معونة - ثم تقدم للقتال فقاتل، حتى قُتل شهيدًا (٤). قبيصة بن وقاص السُّلَمي صحابيٌّ سكن البصرة، له حديث مع النبي ﷺ وهو: "سيكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة"، فذكر الحديث في جواز الصلاة خلف أئمة الجور ما صلُّوا إلى القبلة (٥). كعب بن مُرة السُّلَمي صحابيٌّ، سكن الأرْدُنَّ من الشام، ومات بالشام سنة ٥٩ هـ أو ٥٧ هـ، وله أحاديث مخرجها عن أهل الكوفة (٦).

стр. 1689

مالك بن عمير السُّلَمي صحابيٌّ شهد مع النبي ﷺ فتح مكة وحُنَيْنًا والطائف، وكان شاعرًا، روى عنه يزيد بن واصل السلَمي؛ قال: أتيت رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله إني رجل شاعر، فهل عليَّ شيء من الشعر؟ فقال: "لأن يَمْتَلئِ ما بين لَبَّتِكَ إلى عاتقك قيحًا ودمًا - خيرٌ من أن يمتلئ شعرًا" (١). مخول بن يزيد السُّلَمي روى مخول حديثًا عن النبي ﷺ قال: قلت: يا رسول الله أوصني، قال: (أقم الصلاة) الحديث (٢). مخمر السُّلَمي صحابيٌّ، وهو عم معاوية بن حكيم البهزي، سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا شُؤم، وقد يكون اليُمْنُ في الفَرس والمرأة والدار" (٣). ربيعة بن رفيع السُّلَمي كان يقال له: ابن الدُّغُنَّة، والدغنة: أمه فغلبت على اسمه، ويقال: إن اسمه رفيع، وأعتقد أن هذا سهو من جواد علي في كتابه (المفصَّل). شهد حُنينًا، ثم قدم على رسول الله ﷺ في وفد بني تميم، وربيعة هو قاتل دريد بن الصِّمَّة، بيوم حُنين (٤) أو بأوطاس على رواية أخرى كما سيجيء في فصل "سراة وتجار ورجال أعمال من بني سُلَيْم". أبو قُراد السُّلَمي له صحبة للنبي ﷺ ، روى عنه عبد الرحمن بن الحارث (٥). عمرو بن مِرداس السُّلَمي هو أخو العباس بن مرداس، كان عمرو من المؤلفة قلوبهم كأخيه العباس بن مرداس في ذلك.

стр. 1690

معن بن حاجز السُّلَمي عَدَّه الحافظ بن عبد البر في كتابه "الاستيعاب في معرفة الصحاب" من صحابة رسول الله ﷺ وترجم له على ذلك في "باب معن" (١) فقال: "كان هو وأخوه طُريفة بن حاجز - حاجزة - مع خالد بن الوليد مسلمين في الردة وقد نصرهما الله على المرتدين. طريفة بن حاجز السُّلَمي ترجم له ابن عبد البر في كتابه (الاستيعاب) فقال: طُريفة بن حاجز، مذكور فيهم - أي في صحابة رسول الله ﷺ ، ثم أورد رواية سيف بن عمر، بأن عمر كتب إليه في قتال الفجاءة السُّلَمي: إياس بن عبد الله المرتد عن الإسلام حتى أسره وأنفذه إلى أبي بكر الصديق فأحرقه (٢). وقد ذكرنا هذه الرواية بإيضاح أكثر في ترجمته في فصل الأمراء من بني سُلَيْم. عبد الله بن ربيعة بن فرقد السُّلَمي قال الكوفي: مختلف في صحبته للنبي ﷺ ، وقال شعبة وحده: له صحبة، وله حديث في سنن النسائي، وروى عن ابن مسعود وعبيد بن خالد وعُتبة بن فرقد السُّلَمي، وعنه: عطاء بن السائب ومالك بن الحارث وعبد الرحمن بن أبي ليلى وعمرو بن ميمون وعلي بن الأقمر، وابن ابن أخيه: منصور بن المعتمر بن عتاب بن ربيعة وغيرهم (٣). حبيب بن ربيعة السُّلَمي صحابيٌّ. وابنه أبو عبد الرحمن عبد الله بن حبيب من جلة التابعين، ورد حبيبٌ المدائن في حياة حذيفة بن اليمان العبسي، وقال: جمعتُ مع حذيفة بالمدائن، وقال محمد بن إسماعيل البخاري: لحبيب أبي عبد الرحمن صحبة (٤).

стр. 1691

هوذة بن نبيشة السُّلَمي من بني عُصية سُلمي، ورد في التاريخ أن النبي ﷺ أعطاه ما حوى الجفر كله (١)، والجفر موضعان أحدهما بجُفاف والآخر بَجَنَفَاءَ، وربما كان الممنوح لهوذة الذي بجنفاء لقربه من ديار سُلَيْم (٢). الأجبُّ السُّلَمي رجل من بني سُلَيْم أعطاه الرسول فالسًا وكتب كتابه وشهد عليه الأرقم (٣). صحابيات من بني سُلَيْم الخنساء: تماضر السُّلَمية ترجمنا للخنساء ﵂، في فصل "شاعرات سُّلَميات"، لما حظي به شعرها من شهرة مستفيضة في رثاء أخويها: معاوية وصخر. والخنساء - كما هو معلوم - صحابية جليلة، وهي سُّلَمية أبوها من مشاهير العرب في الجاهلية: عمرو بن الشريد. أم مالك البهزية السُّلَمية صحابية، روى عنها طاووس اليماني، نحو حديث مجاهد عن أم بشر الأنصارية، قالت: سُئل رسول الله ﷺ : أيُّ الناس أفضل في الفتنة؟ قال: "رجل أخذ برأس فرسه قد أخاف العدو وأخافه، ورجل اعتزل في ماله فعبد الله ربه، وأعطى حق ماله" فقال رجل لطاووس: أي العدو؟ قال: الشرك. وروى عنها مكحول، وروى لها الترمذي السُّلَمي، وذكرها مسلم في الصحابيات المكِّيات (٤).

стр. 1692

أم الكرم السُّلَمية صحابية، روت عن النبي ﷺ في كراهة التحلي بالذهب للنساء، روى عنها الحكم بن حَجْل، وليس إسناد حديثها بالقويِّ، وقد ثبتت الرُّخْصَةُ في ذلك للنساء (١). تابعيون من بني سُلَيْم من هو التابعي ؟ كما حصل الاختلاف في "تعريف الصحابي"، حدث الاختلاف في "تعريف التابعي"، فأورد النووي قول من قال: إن التابعي "هو من صحب الصحابي"، وثنَّاه بقول آخر هو أن التابعي "من لقي الصحابي" ورجح النووي هذا الرأي (٢). وكما يقال: (تابعي) يقال أيضًا: (تابع) (٣). وقد عقدنا هذا الفصل للتابعين السُّلَميين خاصة؛ لأن بني سُلَيْم هم موضوع الكتاب، وقد ترجمنا لجملة صالحة من التابعين السُّلَميين، وغني عن البيان أن هذه التراجم ليست من باب الإحصاء، وإنما هي ذِكْرٌ لمن تمكنا من معرفته من تابعيِّي بني سُلَيْم، ولا يتنافى هذا مع العثور على أسماء وتراجم لسواهم في المراجع، والغاية من ذكرهم أن يكون في ذلك فتح بابٍ لمن يريد أن يستقصي هذا الموضوع، وأول الغيث قطر ثم ينهمر. وجدير بالذكر أننا اتبعنا فصل التابعين السُّلَميين، بفصل عن التابعيات السُّلَميات اللائي وجدنا لهن تراجم وأسماءً في المصادر التي بين أيدينا. أبو عبد الرحمن السُّلَمي تابعي، كان "مقرئ الكوفة" واسمه: عبد الله بن حبيب بن ربيعة، ولأبيه صحبة وقد مر في فصل (صحابة من سُلَيْم).

стр. 1693

وُلِدَ أبو عبد الرحمن هذا في حياة النبي ﷺ ، وقرأ القرآن وجَوَّدَهُ وبرع في حفظه، وَعَرَضَ على عثمان وعلي وابن مسعود ﵃، وعلى غيرهم، وحدَّث عن عمر وعثمان ﵄. قال أبو عمر الداني: أخذ القرآن عرضًا عن عثمان وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت وأبيّ بن كعب ﵃، وأخذ عنه القراءة - عرضًا - عاصمُ بنُ أبي النجود ويحيى بن وثاب وعطاء بن السائب وعبد الله بن عيسى بن أبي ليلى ومحمد بن أيوب أبو عون والثقفي والشعبي وإسماعيل بن أبي خالد وعَرَض عليه الحسن والحسين ﵄، وكان إمامَ المسجد، وكان يُحْمَلُ في الطين، وكان ينهي الناس عن مجالسة القُصَّاص، وكان أعمى. توفي أبو عبد الرحمن سنة ٧٤ هـ، وقيل: سنة ٧٣ في إمرة بشر بن مروان على العراق، أو في ولاية الحجَّاج (١) وقد عمَّر حتى تجاور الثمانين عامًا، وكانت وفاته بالكوفة، وكان ثقة كثير الحديث، لهُ ترجمة في "تاريخ بغداد أو على مدينة السلام" للحافظ أبي بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي (راجع المجلد التاسع والصفحة ٤٣٠ و ٤٣١ طبعة بيروت). هذا، وقد تُرْجِمَ أبو عبد الرحمن السُّلَمي في كتاب "مفتاح السعادة" لطاش كبرى زاده، وقال عنه: إليه انتهت القراءة تجويدًا وضبطًا، وأورد أسماء من أخذ عنهم القراءة حسب ما رواه الذهبي في كتابه: "معرفة القراء الكبار"، وكذلك من أخذوا عنه القراءة، وأضاف "طاش كبرى زاده" في ترجمته أن كان ثقة كبير القدر وحديثه مخرج في الكتب الستة، وقال عن تاريخ وفاته مثل ما قال الذهبي تمامًا على ما سبق ذكره آنفًا (٢)، وقال عنه تقي الدين الفاسي: "تابعي من أصحاب عبد الله بن مسعود، وكان يقرئ في زمان عثمان إلى زمان الحجاج، وقرأ على عثمان بن عفان، وعَرَضَ على عليّ بن أبي طالب (٣)، ويفهم من ذكره له في كتابه

стр. 1694

أنه أقام بمكة المكرمة، لأن كتابه: (العِقْد الثمين) هو في تاريخ سكان البلد الأمين: مكة المشرفة، وقد ذكر الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد أنه أقام بنيسابور مدة مديدة من الدهر يقرئ القرآن في المسجد. عمرو بن عُتبة بن فرقد السُّلَمي تابعي، والده عُتبة بن فرقد سبقت ترجمته في فصل: "صحابة من بني سُلَيْم"، روى عمرو بن عُتبة عن عبد الله بن مسعود الهُذَلي، كما روى عنه الهيثم بن شهاب السُّلَمي، وروى عمرو عن سبيعة الأسلمية كنابة، وروى عنه عبدُ الله بن ربيعة السُّلَمي، وكان ثقة قليل الحديث، وكان من نُسَّاك الكوفة المجتهدين في العبادة. وقد استشهد بتستر، في خلافة عثمان بن عفان، فصلى عليه علقمة (١). مِلْحَانُ بن ثروان السُّلَمي تابعي، روى عن حذيفة بن اليمان العبسي ﵁ (٢). مالك بن الحارث السُّلَمي تابعي ثقة، له أحاديث صالحة، روى عنه الأعمش (٣). عبد الله بن رُبَيْعَةَ بن فرقد السُّلَمي اختلف في صحبته، روى عن النبي ﷺ وعن ابن مسعود وابن عباس، وعبيد بن خالد السُّلَمي وغيرهم، وروى عنه عبد الرحمن بن أبي ليلى وعطاء بن السائب وغيرهما، ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وذكر أنه يروي عن ابن مسعود، وذكره في الصحابة أيضًا (٤).

стр. 1695

الهيثم بن شهاب السُّلَمي تابعي، روى عن عبد الله بن مسعود، قال ابن سعد: أخبرنا محمد بن الفضيل بن غزوان عن الحُصين عن الهيثم بن شهاب، قال: سمعت ابن مسعود يقول: لأن أقعد على رضفتين - حجرين مَحْمِيَّين - أحب إليَّ من أن أقعد متربعًا في الصلاة، وكان قليل الحديث (١). محمد بن قدامة السُّلَمي جده إسماعيل أبو عبد الله البخاري نزيل مرو، روى عن النضر بن شميل، وكان مستمليه وروى عن غيره، روى عنه مسلم وأبو داود في غير السنن وغيرهما، ووثقه ابن حبان (٢). نجدة بن المبارك السُّلَمي الكوفي روى عن رزين بن عُقبة ومالك بن مغول وغيرهما، وروى عنه عبد الله بن خبيق وغيره، وقال الحسن بن الربيع: نجدة بن المبارك عندنا مثل سفيان الثوري (٣). نضر بن عبد الله السُّلَمي الحجاري، روى عن عمرو بن حزم في النهي عن القعود على القبر، وعن عمرو بن مساحق المدني، وروى عنه أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وقال ابن عبد البر: لا أعرف في رواة الموطأ مجهولًا غيره (٤). وقد مرت بنا - في فصل "صحابة من بني سُلَيْم" - ترجمةُ عبد الله بن النضر السُّلَمي نقلًا عن الاستيعاب وقولُ ابن عبد البر فيه: (وما أعلم في الموطأ رجلًا مجهولًا غير هذا)، وإذا قارنا بين الاسمين، فإننا نجد (عبد الله بن النضر) في الصحابة وقد روى عن النبي ﷺ حديثًا واحدًا هو: (لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فيحتسبهم إلا كانوا له جُنَّةً من النار)، ونجد (نضر بن عبد الله السُّلَمي) في صفوف التابعين، وإذا قارنا بين قول الحافظ ابن عبد البر في كل من: (عبد الله بن النضر السُّلَمي) الصحابي

стр. 1696

الذي قال عنه ابن عبد البر: إنه مجهول، ومجهول وحده في رجال (الموطأ) وقوله في (نضر بن عبد الله السُّلَمي التابعي) مثل هذا القول تمامًا بإبدال صيغة: (وما أعلم) بصيغة (لا أعرف)، وإذا رجعنا إلى ترجمة (عبد الله بن النضر السُّلَمي) في الاستيعاب لابن عبد البر، نجد أنه يقول عنه: روى عنه أبو بكر بن محمد بن حزم حديثًا واحدًا عن النبي ﷺ وهو: (لا يمت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فيحتسبهم إلا كانوا له جُنَّةً من النار)، وإذا رجعنا في نفس الوقت أيضًا إلى ترجمة: (نضر بن عبد الله السُّلَمي) التابعي في كتاب تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني نجده يقول عنه: (روي عن عمرو بن حزم في النهي عن العقود، وعن عمرو بن مساحق المدني، وروى عنه أبو بكر بنو محمد بن عمرو بن حزم) ولكن بدون أن يذكر ما رواه عنه أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، فهل يرجح أنهما شخصان اثنان أو شخص واحد؟، اضطرب الحافظ ابن عمر في اسميهما، أو في اسمهما؟ .. إن وصولنا إلى حقيقة الأمر يحتاج إلى تحقيق أوسع مدى، وإلى "تمحيص" أعمق غورًا، وليس هذا الكتاب موضعهما، فإنما هو استعراض مبسط لرجالات سُلَيْم من الصحابة والتابعين، على أنه يتراءى لي ضَباب من قاتم الشك حول حقيقة الاسميْن والمُسَمَّيْنِ بهما معًا، وربما كُنْتُ أمْيَلَ إلى أنهما اسم واحد لمسمى واحد، لكثرة القرائن التي تشير إلى هذا، والله أعلم. حيَّان بن عطية السُّلَمي ذكره البخاري في حديث سعد بن عبيدة، ومما قاله أبو علي الغساني في "تقييد المهمل": (إن ذكر هذا الرجل في رجال البخاري عجيب، فإنه ليست له رواية ولم يعرف من رجاله بشيء، ولا عرفتُ فيه إلى الآن جرحًا ولا تعديلًا) (١). كنانة بن عباس بن مرداس السُّلَمي روى عن أبيه أن النبي ﷺ دعا لأمته عشية عرفة، وروى عنه ابنه عبد الله بن كنَانة، وذكره ابن حبان في الثقات وقال عنه في كتاب "الضعفاء": حديثه منكر جدًّا، لا أدري التخليط منه أو من ابنه؟ ومن أيهما كان هو ساقط الاحتجاج، وقد

стр. 1697

أشار العسقلاني إلى تخبط (ابن حبان) في أمر كنانة، وتوثيقه اياه وعدمه، أشار إلى ذلك في ترجمته الآتية لابنه عبد الله بن كنانة السُّلَمي (١). عبد الله بن كِنانة السُّلَمي جده عباس بن مرداس، وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: السُّلَمي - يعني كنانة والد عبد الله - قال البخاري لم يصح حديثه، وقد مر بنا آنفًا ما أبداه العسقلاني حيال تخبُّط ابن حبان في أمر كنانة: أهو ثقة أم غير ثقة (٢). خالد بن يزيد السُّلَمي أبو هاشم الأزرق الدمشقي، روى عن محمد بن راشد المكحول والمطعم بن مقدام والثوري وليث بن أبي سليم، وغيرهم. وروى عنه ابنه محمود ودحيم (٣) وصفوان بن صالح وسلمان بن عبد الرحمن وغيرهم، ذكره سميع في الطبقة السادسة، وذكره ابن حبان في الثقات. سعد بن عبيدة السُّلَمي من التابعين، روى عنه الأعمش وحُصين، توفي في ولاية عمر بن هبيرة على الكوفة (وربما يفهم من ذلك أنه استوطن الكوفة حتى الممات) وكان ثقة كثير الحديث (٤). منصور أبو عتاب بن المعتمر السُّلَمي تابعيٌّ، قال منصور: لقد طلبنا العم وما لنا فيه تلك النية، ثم رزق الله فيه بَعْدُ، فَسَّرَ مِنْدَلٌ قوله، فقال: يقول: رزق الله بَعْدُ، البصر .. يقول: كنا أحْداثًا. وقد عَمِش من البكاء من خوف الله ، قال أبو نعيم: سمعت حماد بن زيد، قال. رأيت منصورًا بمكة، قال أظنه من هذه الخَشَبِيَّة قال: وما أظنه

стр. 1698

كان يكذب. توفي منصور بن المعتمر السُّلَمي في آخر سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وكان ثقة مأمونًا كثير الحديث رفيعًا عاليًا (١)، وقد يكون استوطن مكة ليبتعد عن الفتن الدائرة في أوائل العهد العباسي، وقد يكون في مكة حاجًّا أو معتمرًا. حُصين بن عبد الرحمن السُّلَمي قال عنه محمد بن سعد: إنه (من أنفسهم) (٢). محمد بن إسماعيل السُّلَمي اسم أبيه راشد، وكانوا ثلاثة إخوة يُرْوى عنهم، أسَنّهُم وأقدمهم موتًا إسماعيل بن راشد، روى عنه حصين، وأخوه محمد بن إسماعيل أيضًا، مات محمد سنة اثنتين وأربعين ومائة في خلافة أبي جعفر المنصور، روى عنه الثَّوْرِي، وأخوه الآخر الذي هو عمر بن راشد، وروى عنه حَفْصُ بن غياث وعبد الله بن نُمَيْرٍ ويحيى القطان والثوري (٣). سُنَيْن أبو جميلة السُّلَمي تابعيٌّ من بني سُلَيْم من أنفسهم، له أحاديث، سمع من عمر بن الخطاب. وفي حديث صالح بن كيسان عن الزهري عن سُنَيْنٍ أبي جميلة السليطي - السُّلَمي - وكان منزله بالْعُمَقِ، وهو جادة الطريق إلى مكة بين معدن بني سُلَيْم وذات عرق، وحدث سفيان بن عيينة عن الزهري أنه سمع سُنَيْنًا أبا جميلة يقول: وَجَدْتُ منبوذًا على عهد عمر، فَذَكَرَهُ عَريفي لَهُ، فأرسل إليَّ فدعاني، فقال لي: هو حُر وولاؤه لك، وعلينا رضاعه (٤). محمد بن علي السُّلَمي قال ابن سعد في (الطبقات الكبرى): وقد رووا عنه (٥).

стр. 1699

عيسى بن عبد الرحمن السُّلَمي من أنفسهم، وهو قديم الموت، توفي في خلافة أبي جعفر (١). أبو العجفاء السُّلَمي اسمه هرم، روى عن عمر بن الخطاب، وعَدَّه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" من الطبقة الأولى، من الفقهاء والمحدثين والتابعين من أهل البصرة، ومن أصحاب عمر بن الخطاب (٢). سفيان بن حسين السُّلَمي مَوْلى لبني سُلَيْم، ويكنى سفيانُ أبا الحسن أو أبا محمد، وكان ثقة يخطئ في حديثه كثيرًا، وكان مؤدبًا مع المهدي أمير المؤمنين، ومات بالريِّ في خلافة المهدي، وَعَدَّهُ ابن سعد من الفقهاء والمحدثين بواسط (٣). عبد الرحمن بن عمرو السُّلَمي عَدَّهُ ابن سعد من الطبقة الثانية من التابعين المقيمين بالشام، ومات سنة عشر ومائة في خلافة هشام بن عبد الملك (٤). سويِّد بن عبد العزيز السُّلَمي هو مَوَلىً لبني سُلَيْم ويكنى أبا محمد، وكان يروي أحاديث منكرة، وُلِدَ سنة تسعين في آخر خلافة الوليد بن عبد الملك، وتوفي سنة سبع وستين ومائة (في خلافة المهدي العباسي). وقد ولى قضاء بعلبك، وكان محتاجًا، فلقيه داود بن أبي شيبان الدمشقي، فقال له: يا أبا محمد، وُلِّيِتَ القضاء بعد العلم والحديث؟ فقال: نعم، نشدتك الله أتحت جُبَّتك شعار؟ فَقال داود: نعم! فرفع سويد جبته وقال: لكن جبتي ليس تحتها شعار، ثم قال له: أنْشُدُكَ الله، هل هذا

стр. 1700

الطيلسان لك؟ قال داود: نعم! قال: سويد: فوالله ما هذا الطيلسان الذي ترى عليَّ لي وإنه لعَارِيةٌ، أفلا ألِي القْضَاء بعد هذا؟ فوالله لو وَلَّونْي بيت المال - فإنه شر من القضاء - لَوَلَيْتَهُ (١). نصر بن حجاج السُّلَمي كان نصر جميلًا فائق الجمال، وكان يقيم بالمدينة، مما يدلنا على أن "جالية" سُلَمية كانت تقيم بها ربما قبل عهد الرسول ﷺ ، وربما في عهده وفي خلافة أبي بكر ثم في خلافة عمر بن الخطاب، وكانت المدينة عاصمة الخلافة الإسلامية، ومن دأب الناس أن ينزحوا إلى "العواصم" لما فيها من العلم والعمل ووفير الخدمات، قديمًا وحديثًا. وقد حدَّثوا أن عمر بن الخطاب سمع - وهو يَعُسُّ ذات ليلة - امرأة تجهر بأمنيتها الكمينة، فتقول: هل من سبيل إلى خمر فأشربها؟ … أو هل من سبيل إلى نصر بن حجاج؟ فلما أصبح سأل عنه، فإذا هو من يني سُلَيْم، فأرسل إليه فأتاه، فإذا هو من أحسن الناس شَعَرًا وأصبحهم وجهًا، فأمر عمر أن يَطُمَّ - يَجُزَّ - شعره، ففعل، فخرجت جبهته فازداد حُسْنًا، فأمره عمر أن يعتمَّ، ففعل، فازداد حُسْنًا، فقال عمر: لا والذي نفسي بيده لا تجامعني بأرض أنا بها، فأمر له بما يصلحه وسَيْرَهُ إلى البصرة. وكان بالبصرة جالية من بني سُلَيْم، اتخذوها موطنًا لهم عقب تمصيرها، ولابُدَّ أن عمر اختارها "مَنْفَىً" لنصر بن حجاج رأفة به، إذ لا ذنب له، وإنما هي سياسة درء المفاسد وسدَّ باب الفتن، وحماية الأخلاق الإسلامية في بلد الرسول المصطفى ﷺ من أن يتطرق إليها ما يكدر صفوها. ونصر بن حجاج شاعر، ولذلك سنورد له ترجمة في فصل: "شعراء من بني سُلَيْم" تتعلق بشعره وشاعريته، وقد أضفنا إلى ذلك مزيدًا من التفصيل حيال قضية نفيه إلى البصرة، وقصة مصيره بعد ذلك.

стр. 1701

أبو ذئب السُّلَمي يُعتبر "أبو ذئب" من صبَاحِ - بكسر الصاد المهملة والباء التحتية الموحدة فألف فحاء جمع صبيح - بني سُلَيْمَ، ولذلك غَرَّبهُ عمر بن الخطاب أيضًا، أسوة بزميله. فقد ذكر الرواة أن عمر كان يعسُّ بالمدينة ليلًا، إذ سمع نسوة يتحدثن، فإذا هُنَّ يقلن: أيُّ أهل المدينة أصْبَحُ؟ فقالت امرأة منهن: أبو ذئب!، فلما أصبح عمر سأل عنه، فإذا هو من بني سُلَيْم، فلما نظر إليه عمر إذا هو من أجمل الناس، فقال له عمر: "أنت والله ذِئْبُهُنَّ!!! - "قالها مرتين أو ثلاثًا" - والذي نفسي بيده لا تجامعني بأرض أنا بها. (والشطر الأخير من هذه الكلمة التي خاطب بها عمر أبا ذِئْبٍ، هي مثل الشطر الأخير من الكلمة التي خاطب بها نصر بن حجاج). قال أبو ذئب: فإن كنت لابد مُسَيِّرِي فَسَيِّرنْي حيث سَيَّرْتَ ابن عمي - يعني نصر بن حجاج السُّلَمي - فأمر له بما يصلحه أيضًا، وسَيَّرْهُ إلى البصرة (١). وهكذا اختار أبو ذئب منفاه من المدينة بنفسه، ونزل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عند رغبته، لأنه يشعر بأن لا ذنب له فيما قالته المرأة عنه وسَمِعَهُ ليلًا وهو يقوم بمهمة الْعَسِّ في شوارع المدينة وأزقتها، لضمان الأمن والاستقرَار والأخلاق الإسلامية الكريمة. ولأبي ذئب الحق في اختيار البصرة مَنْفىً له، لأنها بلد حديث الإنشاء، وفيها بنو عمومته، فإذا أقام به فلن يكون غريبًا، ولن يشعر بقلق نفسي كبير هنالك بسبب الغربة التي فرضت عليه من قِبَل الخليفة العادل. جعدة السُّلَمي أمّا جعدةُ السُّلَمي، فقد اشتكاه شاعر مجهول لَبِقٌ إلى عمر بن الخطاب، وكان جعدة مقيمًا في المدينة مع جالية قومه الذين نزحوا من ديارهم إلى عاصمة الخلافة الأولى، وكانت الشكوى محبوكة، وتتضمن أنه يغشى بيوت البدو فيما وراء جبل سَلع، حيث منَازِلُ بني سعد بن بكر من هوازن، وأسلم من خُزاعة، وجُهينة من قُضاعة، وغفَار من كنانة. وقد رمز "الشاعر" إلى النساء اللواتي يَحْفُفْنَ بجعدة السُّلَمي (وَلابُدَّ أنه كَان فتى جميلًا أيضًا) من نساء تلك الأحياء،

стр. 1702

رَمَز إليهن باسم (القُلُصِ) جمع قُلَوصٍ، ورمز إلى وجودهنَّ معه بقوله: (يُعَقِّلُهُنَّ) .. قال الشاعر: ألا أبلغ أبا حَفْصٍ رسولًا … فدىَ لك من أخي ثقة، إزاري قلائصَنَا - هداك الله - إنَّا … شُغِلْنا عنكمو زمن الحصار فما قُلُصٌ وُجِدْنَ مُعَقِّلاتٍ … قَفَا سَلْعٍ بِمُخْتَلِفِ البحار (١) قلائص من بني سعد بن بكر … وأَسْلَم أو جُهَيْنة أو غِفَار يُعَقِّلُهُنَّ جعدةُ - من سُلَيْم … معيدًا، يبتغي سَقَطَ العذار وإذا عرفنا أن معنى (القلوص) في اللغة العربية: "الشَّابة من الإبل أو الباقية على السير، أو أول ما يركب من إناثها إلى أن تثني ثم هي ناقة" أدركنا عندئذ دقة الكناية من هذا الشاعر المجهول الذي عرف من أين تؤكل الكتف، وعرف كيف تكون إصابة السهم لمرماه، ورُبّ كناية أبلغ من تصريح. إن الشاعر يريد أن يكشف لعمر بن الخطاب حقيقة انحراف أخلاق جعدة السُّلَمي - بحسب دعواه - وهو يعرف أن عمر ذو إحساس مرهف من هذه الناحية، فهو من هذه الناحية يهدف إلى سد الذرائع، وإلى الاحتياط في هذه الأمور المخلة بالآداب الإسلامية في بلد الرسول ﷺ ولا يتسامح فيها على أي حال. وقد ضرب الشاعر - فعلًا - على الوتر الحساس، فقال عمر: ادْعُوا لي جعدة من سُلَيْم، فدعوا به له، فَجُلدَ مائةً مَعْقُولًا، ونهاه أن يدخل على امرأة مغنية (٢). ولابد أن أخبار انحراف جعَدة واستهوائه لفتيات ما وراء جبل سلع كان قد بلغ مسامع عمر، وكان ينتظر أن تسنح الفرصة المناسبة لتأديبه، وآية ذلك أنه جلده مائةً معقولًا وعُمَرُ عادل ولا يقوم بمثل هذا التأديب الشديد إلا بمقتضى أدلة مثبتة، وهي - طبعًا - غير شعر الشاعر المجهول، وشعر الشاعر المجهول كان مجرد علامة وإنذارًا بأنَّ الكيل قد طفح، وبأنه لابد من وضع حدٍّ لهذا العبث الخُلُقِيِّ الذي يقوم به جعدة من وراء ستار شفيف، ومن واضح الأدلة على إدراك

стр. 1703

عمر لحقيقة سلوك جعدة فيما وراء جبل سلع أنه بعد ما جلده مائةً معقولًا، نَهاهُ عن الدخول على امرأة مغنية كان عمر لا يخفى عليه حقيقة سلوكها، ولكنه كان يدرأ الحدود بالشبهات، ولابد أن عمر سماها له عندما نَهَاهُ عن دخول منزلها، ولكن الرواة آثروا سترها، فاكتفوا بالإشارة إلى واقعها من دون إثارة فضيحة عليها خالدة بذكر اسمها ولعلها تتوب، والله ستَّار يحب الستر وغفَّار للذنوب، وعمرُ ومَنْ كانوا في عصره من الصحابة والتابعين ما كانوا يريدون أن تشيع الفاحشة ولا سوء السمعة بين المسلمين على بعضهم. مليح بن عوف السُّلَمي رُوِيتْ عن مليح هذا قصةُ ذلك الباب (الخشبي) الذي وضعه سعد بن أبي وقاص على داره، مع قصة ذلك (الْخُصَّ الْقَصَبيِّ) الذي خصه سعد على قصره في الكوفة. وتقول القصة: إنه بلغ عمرَ بنَ الخطاب وَضْعُ سعد للباب الخشبي والخص القصبي على داره، فاهتم بهذا الشأن الذي رأى فيه حَدَثًا غير مناسب، ومن أجل ذلك انتدب من المدينة محمد بن مسلمة ومعه مليح بن عوف السُّلَمي دليل طريق، وأمر عمر محمد بن مسلمة بالتحقيق في ذلك ورَفْعِ الأمر إليه، وكان مليح دليلًا خبيرًا، وهكذا خرج مَنْدوبُ الخَلِيفَة سِرًّا في المهمة الإدارية المُكَلَّف بالتحقيق فيها وتقديم نتيجة تحقيقاته عنها إليه، ثم أمر عمر - بعد وصول الحقيقة الإيجابية إليه عن الباب الخشبي والخص القصبي أمر عمرُ، مُحَمّدَ بنَ مسلمة بأن يحرق الباب والخص معًا، ففعل، وأمره بأن يُقيمَ سعدًا لأهل الكوفة في مساجدهم، بسبب ما بلغ عمر من بعض أهل الكوفة - من أن سعدًا حابى في بيع خُمُسٍ باعه، ففعل، فأقام محمدُ بن مسلمة، سَعْدَ بن أبي وقاص في مساجد الكوفة، فجعل يسألهم عن سعد ويخبرهم بأن أمير المؤمنين أمره بهذا، فلا يجد أحدًا يخبره إلا خيرًا (١)، وكانت هي سعاية من بعض من تنقصهم متانة الخلق الإسلامي على سعد بن أبي وقاص، لم ير أمير المؤمنين العادل إلا أن يستكشف حقيقة أمرها، حتى تظهر جليةً للجمهور، فلا يكثر اللغط والإشاعات المفتراة بين الناس سِرا وجهرًا على هذا الصحابي النزيه الجليل، فكان عمر بذلك خليفة بارعًا

стр. 1704

وعبقريًّا حكيمًا، كما أنه كان مثالًا للعدل إذ أجرى التحقيق الدقيق وأحرق الباب والخص، وأقام سَعْدَ بن أبي وقاص صاحبَ رسول الله ﷺ وسلم للناس حتى تنجلي حقيقة ما زعمه بعضهم من قيامه بالمحاباة وهو أمير على الكوفة. وهكذا كان عمر مُنَفِّذًا دقيقًا لتعاليم الإسلام على الجميع لا فرق لديه بين أمير ومأمور ولا كبير ولا صغير. تابعيات من بني سُلَيْم أم عيسى روت أم عيسى بن عبد الرحمن السُّلَمي، عن عائشة ﵂، وروى عنها ابنها عيسى بن عبد الرحمن السُّلَمي، وذكرها محمد بن سعد في "الطبقات الكبرى" في باب: "تسمية النساء اللواتي لم يَرْوِينَ عن رسول الله ﷺ ، وَيَرْوِينَ عن أزواجه وغيرهن" (١). وأم عيسى لا ندري مما ذكر، هل هي سُّلَمية أصلًا أو سُّلَمية في أهل زوجها وفي ابنها فحسب، وقد كانت لها مكانتها في رواية الحديث حتى إن ابنها المذكور روى عنها الحديث. وقد وضعناها في هذا المكان أخذًا بالاحتمال الأول ريثما تظهر حقيقة نسبها. علماء ومُفْتون وقُضاة من بني سُلَيْم هذا الفصل - بطبيعة الحال - ليس حصرًا ولا إحصاءً للعلماء والمفتين والقضاة من بني سُلَيْم، وإنما هو عرضٌ لنماذج من هؤلاء جميعًا، تسنى لنا من مطالعاتنا للمراجع التي بين أيدينا أن نطَّلع على تراجمهم التي منها الموجز ومنها المسهب، وهذا الفصل من هذه الناحية هو قرين للفصول السابقة في التراجم ومثيل لها في هذا الشأن، وقد دَونَّا فيه تراجم طائفة لا بأس بها من بني سُلَيْم، من القرن الهجري الأول إلى الثالث عشر. ونعني بصيغة العلماء في هذا افصل ما كانت تعنيه وما زالت تعنيه هذه الصيغة في التاريخ الإسلامي والاصطلاح الإسلامي، أي علماء الدين، ونعني

стр. 1705

بالمُفْتين من يتعاطون مهمة الإفتاء من أولئك العلماء للمستفتين، ونعني بالقضاة مَنْ يحكمون بين الناس في قضاياهم وخُصوماتهم وحقوقهم، ويعيدون الحق إلى أهله وإلى نصابه، على أن تكون أحكامهم بمقتضى الشريعة الإسلامية، فالمفتي والقاضي عالمان إسلاميان يقومان بمهمتين إسلاميتين جليلتين، زيادة على علمهما أو تدريسهما للعلم الإسلامي مثلًا. وأول من تمكنَّا من ترجمته - حسب المصادر الموجودة لدينا - من هؤلاء العلماء السُّلَميين الإسلاميين من عاش في القرن الهجري الأول ومات فيه، ألا وهو تميم بن سَلَمة الكوفي السُّلَمي. وآخر من تمكنا من ترجمته - حسب مصادرنا - من هؤلاء العلماء السُّلَميين الإسلاميين، من كان عائشًا في أخريات القرن الثالث عشر الهجري ومات فيه، وهو محمد بن حمدون المرداسي الفاسي السُّلَمي. وبمقارنة زَمَنَيْ ومَوْطني هذين العالمين السُّلَميين، اللذين يفصل بينهما عشرة قرون من الزمن، وكان أولهما يقيم بالكوفة وثانيهما يقيم بفاس، والكوفة تقع في غرب آسيا، وفاس تقع في إفريقية الشمالية القصوى - ندرك مدى حيوية بني سُلَيْم عبر التاريخ الإسلامي المديد. تميم بن سَلَمة الكوفي السُّلَمي روى عن سليمان بن الزبير، وشريح بن الحارث القاضي، وعبد الرحمن بن هلال العبسي. وروى عنه الأعمش، ومنصور، وطلحة بن مصرف، وأبو صخرة جامع بن شداد، وجماعة. قال ابن معين والنسائي: ثقة. وقال ابن عاصم وغيره: مات سنة ١٠٠ هـ، وقاله ابن سعد، قال: وكان ثقة وله أحاديث. وذكره ابن حبان في الثقات، وفرق بينه وبين تميم بن سَلَمَة الخُزَاعي. روى عن جابر بن سمرة، وعنه المسيب بن رافع. قال: وهو الذي روى عن عروة بن الزبير (١).

стр. 1706

منصور بن المعتمر بن عبد الله السُّلَمي يكنى أبا عتاب، من أعلام رجال الحديث، ولم يكن أحفظ منه للحديث، وكان ثقة، وهو من أهل الكوفة. مات سنة ١٣٢ هـ - ٧٥٠ م، ونسب جده عبد الله هكذا: عبد الله بن عتاب بن رُبَيَّعَة (بالتصغير) ابن فرقد وهو يربوع بن حبيب الفقيه (١). سويد بن عبد العزيز السُّلَمي مولاهم الدمشقي، وقيل: حمصي وأصله من واسط بالعراق أو من الكوفة، وكان شريك يحيى بن حمزة في القضاء، قرأ القرآن على يحيى بن الحارث الذماري، والحسين بن عمران العسقلاني. وروى عن حميد الطويل، والأوزاعي، ومالك وجماعة. وقرأ عليه أبو مسهر، وهشام بن عمار، وغيرهما. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه: متروك الحديث. وقال ابن معين: ليس بثقة. قال أبو حاتم: قلتُ لدحيم (٢): كان سويد عندك ممن يقرأ إذا دفع إليه ما ليس من حديثه. قال: نعم! وقال عثمان الدارمي عن دحيم: ثقة، وكانت له أحاديث يغلط فيها. مات سويد السُّلَمي سنة ١٩٤ هـ، وقال دحيم: سمعته يقول: وُلِدْتُ سنة ١٠٨ هـ (٣). عمر بن عامر السُّلَمي من القضاة. قال أبو عبيدة: لما عَزَلَ سليمانُ بن علي، الحجاجَ بن أرطأة (من قضاء البصرة) أعاد عياد بنَ منصور على قضائها، ثم عزله في سنة سبع وثلاثين ومائة، وولَّى عُمَرَ بن عامر السُّلَمِي، وسوارَ بن عبد الله (قضاءها) فكانا يجلسان جميعًا. وكان عمر بن عامر يكلم الخصوم، وسوار ساكت (٤).

стр. 1707

قال عمر بن شبة: سمعت أبي يقول: تقدم خالد بن يوسف التميمي إلى عمر بن عامر في منازعة، وكان رجلًا بدينًا، فأمر بإقامته، فَعنف به الذي أقامه، فأظهر من جسده شيئًا، فأصبح ميتًا، فخرج بجنازته وتبعه صوارخ يصرخن: واقتيل عمراه! .. فخرج من ذلك جزعًا فاحشًا، فجعل يدعو بالموت والراحة من القضاء، فلم ينشب أن مات فجأة. قال أبو بكر: ولعمر بن عامر حديث صالح، وروى عنه الناس. هُشَيْمُ بن بشير السُّلَمي من واسط وقدم بغداد وأقام فيها حتى الممات. نابغة من بني سُلَيم في القرن الهجري الثاني، في علم الحديث وفي روايته. وهو هُشَيْمُ بن بشير بن أبي خارم - القاسم - بن دينار السُّلَمي، ويكنَّى أبو معاوية، ومقره ومقر أبيه: واسط - المدينة التي بناها الحجاج بن يوسف الثَقَفِي. وقيل: إنه بُخاريُّ الأصل، أي الموطن لا النسب، فإنه سُّلَمِيُّ النسب. وكان بشير والدُ هشيم طبَّاخًا للحجَّاج بن يوسف، وكان يطبخ "الصحناة" - إدام يتخذ من السمك الصغار مُشَةٍ مُصْلِحٌ للمعدة - وقد طلب ابنه هشيم الحديث - فاشتهاه، وكان أبوه يمنعهُ، فكتب الحديث حتى جالس أبا شيبه القاضي، فكان يناظر أبا شيبة في الفقه، فمرض هشيم فقال أبو شيبة: ما فعل ذلك الفتى الذي كان يجيء إلينا؟ قالوا: عليل، قال: فقال: قوموا بنا حتى نعوده، فقام أهل المجلس جميعًا يعودونه، حتى جاءوا إلى منزل بشير فدخلوا إلى هشيم، فجاء رجل إلى والده بشير ويده في "الصحناة"، فقال: ألحَقِ ابنك فقد جاء القاضي يعوده، فجاء بشير والقاضي في داره، فلما خرج قال لابنه: يا بُنَيَّ قد كنت أمنعك من طلب الحديث، فأما اليوم فلا، صار القاضي يجيء إلى بابي، متى أمَّلْتُ أنا هذا؟ وكان جد هشيم - القاسم - وأبو شعبة الحجاج شريكين في بناء قصر الحجاج - بواسط.

стр. 1708

سمع هشيم، عَمْرَو بن دينار، والزّهْرِيَّ، ويونس، وعبيدًا، وأيوبَ السختياني، وغيرهم. وروى عنه مالك بن أنس، وسفيان الثوري، وشعبة، وعبد الله بن المبارك، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وغندر، ووكيع، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأبو خيثمة، وغيرهم. وهو محدث بغداد، قال يحيى القطان: هو أحفظ من رأيت بعد سفيان وشعبة، وكان عنده عشرون ألف حديث، ومكث يصلي الفجر بوضوء العشاء عشرين سنة قبل موته، وله من الكتب: كتاب السنن في الفقه وكتاب التفسير وكتاب القراءات (١). ومولده بسنة ١٠٤ هـ، ويبدو أن ولادته كانت بواسط، وحينما كبر لم يخضب، بل ظل أبيض شعر الرأس واللحية. وتوفي ببغداد، في يوم الأربعاء لعشر مضين من شعبان سنة ١٨٣ هـ، فله من العمر إذن ٧٩ عامًا. وكان هشيم سريع الحفظ قويَّ الذاكرة، يقول عن نفسه: سمعت من الزهري نحوًا من مائة حديث فلم أكتبها: يقصد أنه اكتفى بحفظها الراسخ، وما احتاج إلى أن يكتبها. وَثَّقَهُ أئمة الحديث وأعلامه في عصر الإسلام الذهبي، بالنسبة لعلوم الحديث خاصة. قال عبد الرحمن بن مهدي: كان هشيم أحفظ للحديث من سفيان الثوري. وَوَثَّقَهُ شعبة وحماد بن زيد وعبد الرحمن بن مهدي وأبو عبد الله ووكيع ويزيد بن هارون وأبو داود سليمان بن الأشعث ويحيى بن سعيد القطان وعلي بن حجر وابن المبارك وابن عمار. وقال عنه ابن عمار: لم يُعَد عليه خطأ. وقال عنه إبراهيم الحربي: كان حُفَّاظ الحديث أربعةً، كان هشيمٌ شَيْخَهُمْ وكان يحفظ هذه الأحاديث - يعني المقطوعة - حفظًا عجيبًا، وكان يصفُ المعنى.

стр. 1709

وممن وَثَّقَهُ مالك بن أنس. جاءه رجل من العراق وذاكره بحديث فقال مالك: (وهل بالعراق أحد يُحْسِنُ أو يُحَدِثُ إلا ذاك الواسطيَّ؟) (١) يعني هُشَيْمًا. وكفاه توثيقًا في الحديث أن يكون مالك وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين - من طُلَّابِهِ ومن رُوَاةِ الحديث النبويِّ عنه. حفص بن عبد الله السلَمي قال ابن عميرة عنه: انه سرقسطي، روى عن مالك بن أنس، ومات بالأندلس قريبًا من سنة ٢٠٠ هـ (٢). وكان حفص بليغًا حافظًا، ولازم مالكًا سبعة أعوام، وكان مالك يُدْني منزله، وصام أربعين سنة. وكان الحكم (الأموي) يستقدمه في كل عام من شهر رمضان يؤمَّ به (٣). أبو عبد الله محمد السُّلَمي قيرواني، سكن المهدية - (بتونس) آخرًا وسمع أبا ذر الهروي، وأبو عمران الفاسي، وسمع منه أبو بكر بن عطية ﵀ (٤). عمر بن عبد الله بن رزين السُّلَمي هو نيسابوري الموطن، محدِّث، رحل وسمع محمد بن إسحاق وطبقته. قال سهل بن عمار: لم يكن بخراسان أنبل منه، توفي سنة ٢٠٣ هـ (٥). يزيد بن هارون السُّلَمي هو مولاهم، ويكنى أبا خالد، توفي بواسط سنة ست ومائتين وله من الكتب: كتاب الفرائض (٦). أسد بن الفرات له ترجمة وافية في فصل: (أمراء ومحتسبون وفرسان وقادة وولاة وموظفون من بني سُلَيْم) فراجعها إن شئت هناك.

стр. 1710

حسَّان بن عبد السلام السُّلَمي من أهل سَرَقُسْطَةَ بالأندلس، رحل إلى مالك بن أنس من الأندلس إلى المدينة وسمع منه مع أخيه حفص، ذكره محمد بن حارث الخُشني في كتابه (١). عبد الغافر بن عبد السلام السُّلَمي من أهل رَيَّة بالأندلس، كان فقيهًا حافظًا زاهدًا كثير التلاوة، ذكره إسحق (٢). محمد بن يعلى السُّلَمي قدم بغداد من الكوفة. ويُلقَّب بزنبور. حَدَّث عن محمد بن عمر بن علقمة المديني وغيره، وفي بغداد حدث، وروى عنه من أهلها محمدُ بن عبد الله المنادي. روى عن الربيع بن صبيح عن علي بن زيد بن جدعان عن الحسن، قال: لما كان من بعض همج الناس ما كان - يريد في الفتنة التي قُتل فيها عثمان ﵁ جعل رجل يسأل عن أفاضل أصحاب رسول الله ﷺ ، فجعل لا يسأل أحدًا إلَّا دَلَّهُ على سعد بن مالك، قال فقيل له: إنِ سعدًا رجل إذا أنت رفقت به كنت قَمنًا أن تصيب منه حاجتك، وإن أنت خَرَقت به كنت قَمِنًا أن لا تصيب منه شيئًا، فجلس أيامًا لا يسأله عن شيء، حتى استأنس به وعرِفَ مجلسه، ثم قال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٥٩] إلى آخر الآية، قال فقال سعد: هات ما قلت، لا جرم وَالذي نفس سعد بيده لا تسألني عن شيء أعلمه إلا أنبأتك به، قال: أخبرني عن عثمان؟ قال: كنا إذ نحن جميع مع رسول الله ﷺ كان أحْسَنَنا وضوءًا، وأطْوَلَنَا صلاةً، وأعْظَمَنَا نفقة في سبيل الله. فسأله عن شيء من أمر الناس، فقال: أما أنا فلا أحدثك بشيء سمعته من وُرَّادنا، لا أحدثك إلا بما سمعت أذناي ووعاه قلبي، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن استطعت أن تكون أنت المقتول، ولا تقتل أحدًا من أهل الصلاة فافعل) .. قالها ثلاثًا.

стр. 1711

وقال محمد بن إسماعيل البخاري في نقده وتجريحه: محمد بن يعلي السُّلَمي الكوفي يُقال له: زنبور، يُتكلم فيه وهو ذاهب. مات محمد بن يعلى السُّلَمي هذا في سنة ٢٠٥ هـ (١). جمعة بن عبد الله السُّلَمي جمعة بن عبد الله بن زياد بن شداد السُّلَمي أبو بكر البلخي، وقيل: إن جمعة لقبه، واسمه يحيى. روى عن مروان بن معاوية، وأسد بن عمرو البجلي، وعمرو بن هارون البلخي، وهُشَيمٍ، وغيْرِهم. وروى عنه البخاري، والحسين بن سفيان، ومحمد بن إسحاق بن عثمان السمسار، والحسن بن الطيب. قال ابن حبان: في الثقات، مستقيم الحديث، كان ينتحل مذهب الرأي قديمًا، ثم انتحل السنن، وجعل يذب عنها. وقال اللالكائي: يُقال إنه مات سنة ٢٣٣ هـ. وقال العسقلاني: جزم به الكلاباذي وابن عساكر، وزاد: لخمس بقين من جمادى الآخرة. وقال ابن منده: جمعة أخو خاقان، وليس له في الصحيح سوى حديث واحد في فضل الهجرة (٢). عبد الملك بن حبيب السُّلَمي هو عبد الملك بن حبيب بن سليمان بن هارون بن جاهمة - جلهمة - بن عباس بن مرداس السُّلَمي. ذكر الأمير شكيب أرسلان تراجم من أقاموا بالأندلس من العرب بعد استقرار قَدَمِ الإسلام فيها غِبَّ فتحها، وأورد من هؤلاء من أقاموا بها منِ قيس عيلان العدنانية وذكر منهم من ينتسب إلى سُلَيْم بن منصور بن عِكْرمة بن خصَفة

стр. 1712

ابن قيس، ومن هؤلاء: عبد الملك بن حبيب السُّلَمي الفقيه صاحب الإمام مالك ﵁" (١). وقد أفرد القاضي عياض لعبد الملك بن حبيب ترجمة مطولة جامعة، تقع في نحو ١٨ صفحة من كتابه "ترتيب المدارك"، وقد خَرَجْتُ من هذه الترجمة بما سأورده فيما يلي: فهو عبد الملك بن حبيب بن سليمان بن هارون بن عباس بن مرداس السُّلَمي ويكنى أبا مروان، وكان أبوه يعرف بالحبيب العصار، لأنه كان يعصر الأدهان ويستخرجها، فوالده إذن من رجال الصناعة، وقال الإمام الفرضي: إنه من مواليهم، وقال ابن الحارث: إنه من أنفسهم، وسلسلة نسبه المتقدم ذكرها آنفًا تدل على أنه من سُلَيْم نسبًا لا ولاءً. وكانت إقامته بإلبيرة من الأندلس، انتقل إليها أبوه في فتنة الربض، ورحل إلى المشرق سنة ثمان ومائتين، بعد وفاة الإمام مالك بن أنَس بنحو ثلاثين عامًا. وفي رحلته إلى المشرق سمع من ابن الماجثون، ومطرف، وإبراهيم بن المنذر، وغيرهم. وانصرف إلى الأندلس سنة عشر ومائتين، وقد جمع علمًا عظيمًا. ومن هنا نزل بلدة إلبيرة، ثم سكن قرطبة. وقد انتشر علمه وروايته، فنقله الأمير عبد الرحمن بن الحكم إلى قرطبة، ورتبه في طبقة المفتين بها، فأقام مع يحيى بن يحيى زعيمها، في المشاورة والمناظرة، وبعد وفاة يحيى انفرد عبد الملك بالرئاسة مُدَيْدَةً. ولعبد الملك السُّلَمي، مكانة من العلم ممتازة. وقد أثنى عليه العلماء الأعلام بها .. فقال ابن الفرضي: "كان عبد الملك حافظًا للفقه على مالك (٢)، نبيهًا فيه، غير أنه لم يكن له علم بالحديث، ولا معرفة بصحيحه من سقيمه". وسُئل ابن الماجثون: مَنْ أعْلَم الرجلين: القروي التنوخي، أم الأندلسي السُّلَمي؟ فقال: "السُّلَمي مَقْدَمَهُ علينا أعلم من التنوخي مُنْصَرَفَه عنا"، ثم قال

стр. 1713

للسائل: أفهمت؟ وكان يخرج من الجامع وخلفه نحو من ثلاثمائة من طالب حديث وفرائض وفقه وإعراب، وكان يجمع إلى إمامته في الفقه، التنجيح في الأدب والتفنن فيه، وفي ضروب العلم، وكان فقيهًا مفتيًا، نحويا لغويا، نسابة إخباريا، عروضيا فائقًا، شاعرًا محسنًا، مرسلًا حاذقًا، مؤلفًا متفننًا. ذكر بعض المشيخة أنه لما دنا من مصر - في رحلته إلى المشرق من الأندلس - أصاب جماعة من العلماء بارزين لتلقي الرفقة على عادتهم، فكلما أطلَّ عليهم رجل له هيبة ومنظر رجحوا الظن به، وقضوا بفراستهم عليه، حتى رأوه، وكان ذا منظر جميل، فقال قوم: هذا فقيه، وقال آخرون: شاعر، وقال آخرون: طبيب، وقال آخرون: خطيب، فلما كثر اختلافهم فيه وسألوه عما هو؟ فقال لهم: كلهم قد أصاب، وجميع ما قررتم أحْسنُهُ، والخبرة تكشف الحيرة، والامتحان يحلي عن الإنسان، فلما حط رحله ولقي النَاس، شاع خَبَرُه، فقصد إليه كل ذي علم يسأل عن فنه، وهو يجيبه جوابَ مُحَقِّقٍ، فعجبوا من ثبوت علمه". مؤلفاته ولعبد الملك بن حبيب مؤلفات كثيرة، ذكروا أنها "حِسَانٌ" في الفقه والتاريخ والأدب. ومن أهم كتبه في الفقه: الكتب المسماة بـ "الواضحة" في السُّنَنِ والفقه، قالوا إنه لم يُؤلَّفْ مِثْلُهَا ومنها "الجوامع"، وكتاب "فضائل الصحابة" و"غريب الحديث" و"سيرة الإمام في الملحدين" وكتاب "تفسير الموطأ" وكتاب "حروب الإسلام" وكتاب "المسجدين" وكتاب "طبقات الفقهاء والتابعين" وكتاب "مصابيح الهدى" وكتاب "إعراب القرآن" وكتاب "الحسبة في الأمراض" وكتاب "الفرائض" وكتاب "السخاء واصطناع المعروف" وكتاب "كراهية الغناء" وكتاب في "النسب" وفي "النجوم" "وكتاب "الجامع في الفقه" وكتاب فيه "مناسك النبي ﷺ " وكتاب "الرغائب" وكتاب "الورع في العلم" وكتاب "الورع في المال وغيره" في ستة أجزاء، وكتاب "الرياء" وكتاب "الحكم والعدل والعمل بالجوارح" وغير ذلك، وكتاب "الرهائن" في ثمانية أجزاء، وكتاب "الباه والنساء" ثمانية كتب أي أجزاء، وكتاب "المواعظ" سبعة أجزاء، وكتاب "فضائل عمر بن عبد العزيز" و"فضائل

стр. 1714

مالك بن أنَس" وكتابا في أخبار قريش (١) وأنسابها"، وقال القاضي عياض: إنه في خمسة عشر جزءًا، وكتاب "السلطان وسيرة الإمام "في ثمانية كتب - أي أجزاء - وكتاب " الأصول والمغازي والحدثان " خمسة وتسعون كتابًا - أي جزءًا - وكتاب "مغازي مقام رسول الله ﷺ اثنان وعشرون كتابًا - أي جزءًا - وله تواليف في الطب والحديث والفقه وتفسير القرآن ستون كتابًا - أي جزءًا. مكانته في الدولة الأموية بالأندلس كان ذا مكانة مرموقة في الدولة الأموية بالأندلس، وكان ذا حظوة لدى الأمير عبد الرحمن بن الحكم، وحصلت له حوادث ومشاكل، سلم منها بإخلاصه وعلمه الغزير وتقواه، ومن كان في منزلته لابد أن تناله قوارض الحُسَّاد، فكل ذي نعمة محسود، فكيف من كان ذا نعمتين كبيرتين: نعمة العلم الغزير، والجاه الرفيع. روى القاضي عياض عن ابن الفرضي: إن ابن حبيب كان يأخذ بالرخصة في السماع، وأنه كان له "جَوار يُسْمعْنَهُ"، وقد انتقد القاضي عياض هذه الحكالة فقال: "الأشبه بُطْلَانُ هذه الحكًاية" فإن لابن حبيب كتابًا في كراهة الغناء" وقد سبق أن ذكرناه آنفًا في جريدة أسماء مؤلفاته، ولا ننسى أن ابن الفرضي هذا قال عن عبد الملك بن حبيب: إنه من بني سُلَيْم ولاءً، لا من بني سُلَيْم بُنوةً!؟ وقد يُشَمُّ من حكايته عن سماع ابن حبيب وحكايته أنه مَوَلىً - قد يشتم من ذلك وجودُ غرض مُعَيَّنِ دفينٍ عند ابن الفرضي على ابن حبيب، وقديمًا كان في الناس الحسد، والمعاصرة تذهب المناصرة. لباسه وسيرته اعتناء المؤرخين القدامى بذكر لباس عبد الملك بن حبيب، يدلنا على مكانته الدينية والعلمية والاجتماعية، فقد ذكروا أنه كان يلبس إلى جسمه مسح شعر، تواضعًا. وكان صوَّامًا قوَّامًا، ولم يكن مثريًا، آثر الفقر على الغنى، وحينما نُعي إلى سحنون استرجع وقال: مات عالِم الأندلس، بل - والله - عالِم الدنيا.

стр. 1715

ويقول صاحب" نفح الطيب": إن تواليف إبن حبيب بلغت ألْفًا، على ما رآه في بعض التواريخ، ومن أشهرها كتاب (الواضحة) في مذهب مالك، كتاب كبير مفيد. وقال عنه: "ولابن حبيب مَذهب في كتب المالكية مسطور، وهو مشهور عند علماء المشرق، وقد نقل عنه الحافظ ابن حجر، وصاحب المواهب وغيرهما" وأورد له أبيات شعر، خاطب بها سلطان الأندلس. وأورد المقري في " المطمح " ترجمة عبد الملك بن حبيب التي أنشأها "الفتح " فيه، جاء فيها قوله: (الفقيه أبو مروان عبد الملك بن حبيب السُّلَمي، أيُّ شرف لأهل الأندلس وأيُّ مَفْخَرٍ، وأي بحر بالعلوم يَزخر)، إلى أن قال: (وسمع بالأندلس وتفقه، حتى صار أعلم من بها وأفقه، ولقى أنجاب مالك، وسلك في مناظرتهم أوعر المسالك، حتى أُجْمعَ عليه بالاتفاق، ووقع على تفضيله الإصفاق - أي الإجماع - ويقال: إنه لقي مالكًا في آخر عمره. وروى عنه عن سعيد بن المسيب: أن سليمان بن داود عليهما وعلى نبينا السلام، كان يركب إلى بيت المقدس فيتغذى به، ثم يعود فيتعشى بإصطخر (١). وأوجز "بروكلمان" ترجمته، فقال: (وُلِد عبد الملك بن حبيب السُّلَمي في حصن واط (Hut Orvega) القريب من غرناطة، بعد سنة ١٨٠ هـ - ٧٩٦ م، ولما ذهب إلى الحج تعرف بالمدينة على مذهب مالك بن أنَس واعتنقه، فلما رجع إلى وطنه الأندلس، بذل نشاطا كبيرًا في نشر هذا المذهب بالأندلس، واشتهر أيضًا أديبًا وشاعرًا، وتوفي يوم ٤ من رمضان سنة ٢٣٨ هـ - ١٨ من فبراير سنة ٨٥٣ م، وقيل: يوم ١٢ من ذي الحجة سنة ٢٣٩ هـ - ٥ من أبريل سنة ٨٥٤ م، وكانت وفاته بقرطبة، وأول كتاب صنف في تاريخ الأندلس وبقي إلى الآن يُنْسَبُ إلى أبي مروان عبد الملك بن حبيب المرداسي السُّلَمي الإلبيري القرطبي (٢).

стр. 1716

نماذج من شعره تدلنا النماذج التالية من شعره، على شاعرية متمكنة مطعمة بالعلم والدين، واستيعاب أوضاع المجتمع الذي يعيش فيه الشاعر العلَّامة عبد الملك بن حبيب السُّلَمي. كتب إلى "الرشَّاش" الأديب، يستهديه "مِدَادًا"ووجه إليه بقارورة كبيرة ليملأها "الرشاش" له حبرًا، قال: احتجت من "حبر" إلى "سقبه" … فامدد لنا منه مُرَسَّاكَ وابعثْ، وإن قَلَّ، به طَيِّبًا … ولا تكن دُونًا فنلحاك ولا تهولنَّك قارورتي … فإنها أأقنَعُ من ذاك وله يرفع طلبته إلى الله تعالى أن يهبه "ألْفًا من الصُّفر" - ولعلها عملة نقدية ذهبية معروفة إذ ذاك بهذا الاسم أو وصفٌ للدنانير - قال: صلاح أمري والذي أبتغي … هَيْنٌ على الرحمن في قدرته "ألفٌ من الصُّفْرِ" - وأقلِل بها … لِعَالِمٍ، أوفى على بغيته "زرياب" قد يأخذها قفلة … وصنعتي أشرف من صنعته و"زرياب" هو المغني المعروف الذي رحل من المرق إلى الأندلس، ولاقى - غناؤه - إقبالًا منقطع النظير هنالك. وتقدم لنا أن عبد الملك بن حبيب قد رحل إلى المشرق في طلب العلم؛ لأن المشرق كان يومئذ مصدر العلم والدين، وقد اشتاق عبد الملك إلى أهله وهو بالحجاز، فألهمته أشواقه الْحَرَّى إليهم هذه القصيدة التي مُلِئَت حَنينًا وذكريات إلى المغرب الذي هو موطنه ومسقط رأسه ومرتع شبابه: أُحِبُّ بلاد الغرب، والغرب موطني … ألا كل عربيٍّ إليَّ حبيب فيا جدًّا أضناه شوق كأنَّه … إذا نُضِيَتْ عنه الثيابُ، قضيب ويا كبدًا عادت رُفاتًا، كأنَّها … يُلَدِّغها بالكاويات طبيب بَلِيْتُ وأبلاني اغترابي ونأيه … وطول مُقامي بالحجاز أجوب

стр. 1717

وهولٌ كَرِيةٌ، ليله كنهاره … وسَيْرٌ حثيثٌ للرِّكاب دؤوب فما الداء إلا أن تكون بغربة … وحسبك داءً، أن يُقال "غريب "! فياليت شعري هل أبيِتَنَّ ليلة … بأكناف نهر الثَّلْج حين يصوب وحَوليَ شيِخانٌ، وبِنتِي وأمُّها … ومَعْشَرُ أهلي، والرءوف مجيب والمتأمل في هذه القصيدة تلوح له بين ثناياها روحُ "حب الوطن" الغامرة، كما يلوح له منها أن الشاعر كان قد استأنس في بعض أبياتها ومعانيها بقول بلال بن رباح حين ألمت به الحُمى في المدينة، أثناء هجرته إليها: ألا ليت شعري هل أبينَّ ليلة … بِوَادٍ وحولي ادخِرٌ وجَليِلُ؟ و "بعض الأبيات" التي تطل من قريب على هذا البيت لبلال هي قول عبد الملك: فيا ليت شعري هل أبيتنَّ ليلة … بأكناف نهرالثلج حين يصوب؟ وحولي شيِخَان وبنتي وأمُّها … ومَعْشَرُ أهلي، والرءوف مجيب كما يلوح للمتأمل في قصيدة عبد الملك أنه قد نسي دفعة واحدة أنه في الأصل من أهل الحجاز، وأن أسلافه من "بني مرداس" وجده "العباس بن مرداس" كانوا يستوطنون بهذا الحجاز الذي أصبح حفيدُهم (عبد الملك) يتبرَّم من المكث فيه لشوقه العارم إلى وطنه الجديد" الأندلس" الذي تطفح عليه ذكرياته المتلامعة النضرة، فيقول عن نفسه: بليت وأبلاني اغترابي ونأيُهُ … وطول مقامي بالحجاز أجوب فما الداء إلا أن تكون بغربة … وحمسبك داءً أن يقال: غريب وهكذا نرى ابن حبيب يتمثل فيه تمامًا قول ابن الرومي: وحَبَّب أوطان الرجال إليهمُ … مآربُ قضَّاها الشبابُ هنالكا إذا ذكروا أوطانهم ذكَّرتهم … عهود الصبا فيها، فَحَنُّوا لذلكا ونموذج من نثره بلغ عبد الملك بنَ حبيب تحامُلُ الفقهاء عليه وحَسَدُهم له، فَشَقَّ عليه ذلك،

стр. 1718

فكتب إلى الأمير عبد الرحمن بن الحكم الأموي رسالة بليغة بَثَّه فيها ما يجيش بخاطره، وما يستدعي آلامه وقلقه، وقد استشهد فيها بأبيات شعرية سوائر تُنَاسِبُ مقتضى الحال، قال: (أسبغ الله على الأمير كرامته، وأعلى في الجنة درجته، إنَّ العذريَّ قال - أكرم الله الأمير - أبياتًا أعجب بها العلماء، ما فيها مثل يضرب على الأمير في خاصة نفسي، واليسير من التعرض يكفي غيره من التصريح، قال الشاعر: لذي اللب قبل اليوم ما تُقرع العصا … وما عُلمَ الإنسان إلا ليعلما وهي: حسدوا الفتى إذ لم ينالوا فضله … فالقوم أعداءٌ له وخصومُ كضرائر الحسناء قلن لوجهها … حسدًا وبُغْضًا: إنَّه لذميم يلقى اللبيب مُشَتِّمًا لم يَحْتَرِم … شِيَمَ الرجال، عِرضُه مَشتومُ وما هذا إلا كما قال زهير: وأخو التحمي ليس يبرح حاملًا … ذنبًا عليك عرفت أم لم تعرف وفاته توفي ابن حبيب في ذي الحجة سنة ٢٣٨ هـ، وقيل سنة ٢٣٩ هـ أو ٢٣٧ هـ إلا ستة أشهر، وقد بلغ ستًا وخمسين سنة، أو ثلاثًا وخمسين، وقبره بقرطبة بمقبرة أم سلمة في قبلة مسجد الضيافة، وصلى عليه ابنه محمد أو يحيى، وكانت وفاته في ولاية الأمير محمد، وقد رثاه أبو عبادة الرشاش ببيتين رواهما القاضي عياض، كما أورد بيتين آخرين رثاه بهما أحمد بن باجي، وخَلَّفَ ابنين، هما: محمد وعبد الله (١). عبد الله بن عبد الملك بن حبيب السُّلَمي من أهل إلبيرة في الأندلس، وقد سمع من أبيه، وكان رجلًا صالحًا وله حظ من العلم، حدَّث عنه محمد بن فطيس (٢).

стр. 1719

خلاد بن يحيى السُّلَمي يكنى خلاد، أبا محمد، وهو كوفي نزيل مكة. روى بن إسماعيلِ بن عبد الملك بن أبي الصفيراء، وعبد الرحمن بن أيمن، ومالك بن مِغوَل، ومِسعر بن كدام، وغيرهم. وروى عنه البخاري، ومحمد بن إسجاق الصاغاني، وبشير بن موسى، وحنبل بن إسحق، ومحمد بن سليمان الْبَاغَندِي، وأبو زرعة الرَّازي، وآخرون، وروى له الترمذي (السُّلمي) وأبو داود السجستاني، ووصفه ابن نُمَيرِ بأنه "صدوق إلا أن في حديثه غلطًا قليلًا"، وقال أبو داود: "ليس به بأس،، وقال أبو حاتم: "محله الصدق، ليس بذاك المعروف"، وقال أحمد بن حنبل: "ثقة أو صدوق ولكن كان يرى شيئًا من الإرجاء"، وذكره ابن حبان في الثقاة. وقال البخاري في "التاريخ الكبير": سكن مكة، ومات بها قريبًا من سنة ثلاث عشرة ومائتين، وقد حصل اختلاف في تاريخ موته ما بين سنة ٢١٣ و ٢٢٠ هـ (٢). أحمد بن يوسف السُّلمي نيسابوريٌّ، من الحُفَّاظ، كان ممن رحل إلى اليمن، وأكثر عن عبد الرزاق وطبقته، وكان يقول: كتبتُ عن عبد الله بن موسى ثلاثين ألف حديث. توفي سنة ٢٦٤ هـ (٣) أبو عبد الله السُّلَمي بغدادي، حدَّث عن ضمرة بن ربيعة، وأبي داود الطيالسي، وإبراهيم بن عيينة، وعن أحمد بن حنبل، وروى عنه عبد الله بن أحمد بن حنبل. ومن حديثه عن ابن حنبل عن زائدة عن الشيباني عن عبد الملك بن ميسرة، قال: كنت بالمدينة فشهد رجل أنه رأى الهلال، فامر ابن عمر أن يجيزوا شهادته (٤).

стр. 1720

أبو سوار السُّلمي له حديث أورده كتاب "تاريخ واسط "الأسلم بن سهل الرزاز المتوفي سنة ٢٩٢ هـ - ٩٠٥ م، وقد روى أبو سوار السُّلَمي هذا الحديث عن أبي حاضر عن ابن عباس ﵁، قال: (احتجم رسول الله ﷺ بالقاحة وهو صائم) (١). ابن خزيمة السُّلَمي هو محمد بن إسحاق بن خزيمة السُّلَمي، أبو بكر: إمام نيسابور في عصره، كان فقيهًا مجتهدًا عالمًا بالحديث، ولد وتوفي بنيسابور، ورحل إلى العراق والشام والجزيرة ومصر وتفقه على المزني وغيره، ولقبه السبكي بمامام الأئمة، تربو مصنفاته على ١٤٠ كتابًا، منها كتاب "التوحيد وإثبات صفة الرب"، ومولدهـ بسنة ٢٢٣ هـ - ووفاته بسنة ٣١١ هـ، وقال الدارقطني: كان إمامًا معدوم النظير (٢). بكَّار بن أحمد بن بكار السُّلَمي نسبه ابن حزم هكذا: (بكَّار بن أحمد بن بكَّار بن عبد الله بن سعيد بن العباس بن مِرداس. وقال عنه: محذث، عابد، مات بمصر (٣) ولم يعيِّن سنة وفاته). أحمد بن عبد الله بن نصر بن هلال السُّلَمي ذكره الذهبي، وقال عنه: توفي سنة ٣٣٤ هـ (٤). محمد بن مسعود العياشي السُّلَمي أبو النضر، فقيه من كبار الإمامية من أهل سمرقند، اشتهرت كتبه في نواحي خراسان اشتهارًا عظيمًا، وتزيد كتبه على مائتي كتاب، وقد أورد ابن النديم أسماء كثرها (٥).
следующие страницы →