نماذج من شعره
تدلنا النماذج التالية من شعره، على شاعرية متمكنة مطعمة بالعلم والدين، واستيعاب أوضاع المجتمع الذي يعيش فيه الشاعر العلَّامة عبد الملك بن حبيب السُّلَمي.
كتب إلى "الرشَّاش" الأديب، يستهديه "مِدَادًا"ووجه إليه بقارورة كبيرة ليملأها "الرشاش" له حبرًا، قال:
احتجت من "حبر" إلى "سقبه" … فامدد لنا منه مُرَسَّاكَ
وابعثْ، وإن قَلَّ، به طَيِّبًا … ولا تكن دُونًا فنلحاك
ولا تهولنَّك قارورتي … فإنها أأقنَعُ من ذاك
وله يرفع طلبته إلى الله تعالى أن يهبه "ألْفًا من الصُّفر" - ولعلها عملة نقدية ذهبية معروفة إذ ذاك بهذا الاسم أو وصفٌ للدنانير - قال:
صلاح أمري والذي أبتغي … هَيْنٌ على الرحمن في قدرته
"ألفٌ من الصُّفْرِ" - وأقلِل بها … لِعَالِمٍ، أوفى على بغيته
"زرياب" قد يأخذها قفلة … وصنعتي أشرف من صنعته
و"زرياب" هو المغني المعروف الذي رحل من المرق إلى الأندلس، ولاقى - غناؤه - إقبالًا منقطع النظير هنالك.
وتقدم لنا أن عبد الملك بن حبيب قد رحل إلى المشرق في طلب العلم؛ لأن المشرق كان يومئذ مصدر العلم والدين، وقد اشتاق عبد الملك إلى أهله وهو بالحجاز، فألهمته أشواقه الْحَرَّى إليهم هذه القصيدة التي مُلِئَت حَنينًا وذكريات إلى المغرب الذي هو موطنه ومسقط رأسه ومرتع شبابه:
أُحِبُّ بلاد الغرب، والغرب موطني … ألا كل عربيٍّ إليَّ حبيب
فيا جدًّا أضناه شوق كأنَّه … إذا نُضِيَتْ عنه الثيابُ، قضيب
ويا كبدًا عادت رُفاتًا، كأنَّها … يُلَدِّغها بالكاويات طبيب
بَلِيْتُ وأبلاني اغترابي ونأيه … وطول مُقامي بالحجاز أجوب
стр. 1717
وهولٌ كَرِيةٌ، ليله كنهاره … وسَيْرٌ حثيثٌ للرِّكاب دؤوب
فما الداء إلا أن تكون بغربة … وحسبك داءً، أن يُقال "غريب "!
فياليت شعري هل أبيِتَنَّ ليلة … بأكناف نهر الثَّلْج حين يصوب
وحَوليَ شيِخانٌ، وبِنتِي وأمُّها … ومَعْشَرُ أهلي، والرءوف مجيب
والمتأمل في هذه القصيدة تلوح له بين ثناياها روحُ "حب الوطن" الغامرة، كما يلوح له منها أن الشاعر كان قد استأنس في بعض أبياتها ومعانيها بقول بلال بن رباح حين ألمت به الحُمى في المدينة، أثناء هجرته إليها:
ألا ليت شعري هل أبينَّ ليلة … بِوَادٍ وحولي ادخِرٌ وجَليِلُ؟
و "بعض الأبيات" التي تطل من قريب على هذا البيت لبلال هي قول عبد الملك:
فيا ليت شعري هل أبيتنَّ ليلة … بأكناف نهرالثلج حين يصوب؟
وحولي شيِخَان وبنتي وأمُّها … ومَعْشَرُ أهلي، والرءوف مجيب
كما يلوح للمتأمل في قصيدة عبد الملك أنه قد نسي دفعة واحدة أنه في الأصل من أهل الحجاز، وأن أسلافه من "بني مرداس" وجده "العباس بن مرداس" كانوا يستوطنون بهذا الحجاز الذي أصبح حفيدُهم (عبد الملك) يتبرَّم من المكث فيه لشوقه العارم إلى وطنه الجديد" الأندلس" الذي تطفح عليه ذكرياته المتلامعة النضرة، فيقول عن نفسه:
بليت وأبلاني اغترابي ونأيُهُ … وطول مقامي بالحجاز أجوب
فما الداء إلا أن تكون بغربة … وحمسبك داءً أن يقال: غريب
وهكذا نرى ابن حبيب يتمثل فيه تمامًا قول ابن الرومي:
وحَبَّب أوطان الرجال إليهمُ … مآربُ قضَّاها الشبابُ هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكَّرتهم … عهود الصبا فيها، فَحَنُّوا لذلكا
ونموذج من نثره
بلغ عبد الملك بنَ حبيب تحامُلُ الفقهاء عليه وحَسَدُهم له، فَشَقَّ عليه ذلك،
стр. 1718
فكتب إلى الأمير عبد الرحمن بن الحكم الأموي رسالة بليغة بَثَّه فيها ما يجيش بخاطره، وما يستدعي آلامه وقلقه، وقد استشهد فيها بأبيات شعرية سوائر تُنَاسِبُ مقتضى الحال، قال:
(أسبغ الله على الأمير كرامته، وأعلى في الجنة درجته، إنَّ العذريَّ قال - أكرم الله الأمير - أبياتًا أعجب بها العلماء، ما فيها مثل يضرب على الأمير في خاصة نفسي، واليسير من التعرض يكفي غيره من التصريح، قال الشاعر:
لذي اللب قبل اليوم ما تُقرع العصا … وما عُلمَ الإنسان إلا ليعلما
وهي:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا فضله … فالقوم أعداءٌ له وخصومُ
كضرائر الحسناء قلن لوجهها … حسدًا وبُغْضًا: إنَّه لذميم
يلقى اللبيب مُشَتِّمًا لم يَحْتَرِم … شِيَمَ الرجال، عِرضُه مَشتومُ
وما هذا إلا كما قال زهير:
وأخو التحمي ليس يبرح حاملًا … ذنبًا عليك عرفت أم لم تعرف
وفاته
توفي ابن حبيب في ذي الحجة سنة ٢٣٨ هـ، وقيل سنة ٢٣٩ هـ أو ٢٣٧ هـ إلا ستة أشهر، وقد بلغ ستًا وخمسين سنة، أو ثلاثًا وخمسين، وقبره بقرطبة بمقبرة أم سلمة في قبلة مسجد الضيافة، وصلى عليه ابنه محمد أو يحيى، وكانت وفاته في ولاية الأمير محمد، وقد رثاه أبو عبادة الرشاش ببيتين رواهما القاضي عياض، كما أورد بيتين آخرين رثاه بهما أحمد بن باجي، وخَلَّفَ ابنين، هما: محمد وعبد الله (١).
عبد الله بن عبد الملك بن حبيب السُّلَمي
من أهل إلبيرة في الأندلس، وقد سمع من أبيه، وكان رجلًا صالحًا وله حظ من العلم، حدَّث عنه محمد بن فطيس (٢).
стр. 1719
خلاد بن يحيى السُّلَمي
يكنى خلاد، أبا محمد، وهو كوفي نزيل مكة.
روى بن إسماعيلِ بن عبد الملك بن أبي الصفيراء، وعبد الرحمن بن أيمن، ومالك بن مِغوَل، ومِسعر بن كدام، وغيرهم.
وروى عنه البخاري، ومحمد بن إسجاق الصاغاني، وبشير بن موسى، وحنبل بن إسحق، ومحمد بن سليمان الْبَاغَندِي، وأبو زرعة الرَّازي، وآخرون، وروى له الترمذي (السُّلمي) وأبو داود السجستاني، ووصفه ابن نُمَيرِ بأنه "صدوق إلا أن في حديثه غلطًا قليلًا"، وقال أبو داود: "ليس به بأس،، وقال أبو حاتم: "محله الصدق، ليس بذاك المعروف"، وقال أحمد بن حنبل: "ثقة أو صدوق ولكن كان يرى شيئًا من الإرجاء"، وذكره ابن حبان في الثقاة.
وقال البخاري في "التاريخ الكبير": سكن مكة، ومات بها قريبًا من سنة ثلاث عشرة ومائتين، وقد حصل اختلاف في تاريخ موته ما بين سنة ٢١٣ و ٢٢٠ هـ (٢).
أحمد بن يوسف السُّلمي
نيسابوريٌّ، من الحُفَّاظ، كان ممن رحل إلى اليمن، وأكثر عن عبد الرزاق وطبقته، وكان يقول: كتبتُ عن عبد الله بن موسى ثلاثين ألف حديث. توفي سنة ٢٦٤ هـ (٣)
أبو عبد الله السُّلَمي
بغدادي، حدَّث عن ضمرة بن ربيعة، وأبي داود الطيالسي، وإبراهيم بن عيينة، وعن أحمد بن حنبل، وروى عنه عبد الله بن أحمد بن حنبل.
ومن حديثه عن ابن حنبل عن زائدة عن الشيباني عن عبد الملك بن ميسرة، قال: كنت بالمدينة فشهد رجل أنه رأى الهلال، فامر ابن عمر أن يجيزوا شهادته (٤).
стр. 1720
أبو سوار السُّلمي
له حديث أورده كتاب "تاريخ واسط "الأسلم بن سهل الرزاز المتوفي سنة ٢٩٢ هـ - ٩٠٥ م، وقد روى أبو سوار السُّلَمي هذا الحديث عن أبي حاضر عن ابن عباس ﵁، قال: (احتجم رسول الله ﷺ بالقاحة وهو صائم) (١).
ابن خزيمة السُّلَمي
هو محمد بن إسحاق بن خزيمة السُّلَمي، أبو بكر: إمام نيسابور في عصره، كان فقيهًا مجتهدًا عالمًا بالحديث، ولد وتوفي بنيسابور، ورحل إلى العراق والشام والجزيرة ومصر وتفقه على المزني وغيره، ولقبه السبكي بمامام الأئمة، تربو مصنفاته على ١٤٠ كتابًا، منها كتاب "التوحيد وإثبات صفة الرب"، ومولدهـ بسنة ٢٢٣ هـ - ووفاته بسنة ٣١١ هـ، وقال الدارقطني: كان إمامًا معدوم النظير (٢).
بكَّار بن أحمد بن بكار السُّلَمي
نسبه ابن حزم هكذا: (بكَّار بن أحمد بن بكَّار بن عبد الله بن سعيد بن العباس بن مِرداس. وقال عنه: محذث، عابد، مات بمصر (٣) ولم يعيِّن سنة وفاته).
أحمد بن عبد الله بن نصر بن هلال السُّلَمي
ذكره الذهبي، وقال عنه: توفي سنة ٣٣٤ هـ (٤).
محمد بن مسعود العياشي السُّلَمي
أبو النضر، فقيه من كبار الإمامية من أهل سمرقند، اشتهرت كتبه في نواحي خراسان اشتهارًا عظيمًا، وتزيد كتبه على مائتي كتاب، وقد أورد ابن النديم أسماء كثرها (٥).
стр. 1721
وفي نسخة (فهرست ابن النديم) المطبوعة بمطبعة الاستقامة بمصر عنه - وهي كثيرة الأغلاط المطبعية: "أبو النضر محمد بن مسعود من أهل سمرقند، وقيل إنه من بني تميم، من فقهاء الشيعة الإمامية، أوحد دهره وزمانه في غزارة العلم (١).
وربما كانت لفظة (تَمِيم) المذكورة محرفة عن (سُلَيْم) لأنهما متقاربتان في الخط، ولم يعول الأستاذ خير الدين الزركلي في (سُلَمَّية) العياشي على "فهرست ابن النديم " وحده، بل أتى بمستندات أخرى على ذلك هي: النجاشي، وسفينة البحار، ومنهج المقال، والذريعة.
ويدلنا إسناد كونه سُلميا إلى فهرست ابن النديم على أن هناك نسخة تنص على ذلك. توفي العياشي السُّلَمي نحو سنة ٣٢٠ هـ - ٩٣٢ م.
هياج بن العلاء السُّلمي
هو صاحب واصل بن عطاء أحد رؤساء المعتزلة، صحبه في علم الكلام، وتضلع فيه (٢).
أبو عروبة الحسن بن أبي معشر السُّلمي
هو الحافظ أبو عروبة الحسن بن أبي معشر محمد بن مودود السُّلمي، توفي سنة ٣١٨ هـ وهو في عشر المائة (٣).
منصور بن عمَّار السُّلمي الواعظ
أصل منصور من خراسان أو البصرة، سكن بغداد وحدث بها، وجدُهُ كثير وكنيته أبو السري، وهو واعظ بليغ مؤثر فصيح البيان، حدث في بغداد عن جملة علماء، منهم معروف أبو الخطاب صاحب واثلة بن الأسقع، وليث بن سعد، وغيرهما. وروى عنه ابنه: سليم السُّلَمي، وعلي بن خشرم، ومحمد بن جعفر لقلوق وغيرهم.
стр. 1722
وقال أبو عبد الرحمن بن محمد الحسين السُّلَمي: إنه من أهل مَرو، من قرية يقال لها: (دنداقان)، ويقال: من أهل (أبيورد) أو من أهل (بوشنج).
لمنصور بن عمار حديث بسنده المتصل إلى واثلة بن الأسقع، قال واثلة: لما أسلمت أتيت النبي ﷺ فأسلمت على يديه، فقال لي: "اذهب فاحلق عنك شعر الكفر واغتسل بماء وسدر".
قدوم منصور إلى مصر
حين قدم منصور بن عمار إلى مصر جلس يقص على الناس، فسمع كلامَهُ اللَّيثُ بن سعد فاستحسن قصصه وفصاحته، فقال له الليث: يا هذا، ما أقدمك إلى بلدنا؟ قال: طلبتُ أكتسب بها ألف دينار، فقال له الليث: فهي لك على رصين كلامك هذا الحسن، ولا تتبذل. فأقام في مصر في جملة الليث بن سعد وفي جرايته، إلى أن خرج عن مصر فدفع له الليث ألف دينار، ودفع إليه بنو الليث أيضًا ألف دينار، فخرج فسكن بغداد وبها توفي.
ويتحدث منصور بن عمار عن نفسه أثناء إقامته بمصر فيقول: لما قَدمْتُ إلى مصر وكان الناس قد قحطوا، فلما صَلَّوُا الجمعة رفعوا أصواتهم بالبكاء وَالدعاء، فحضرتني النية، فصرتُ إلى صحن المسجد، فقلت: يا قوم، تقربوا إلى الله بالصدقة، فإنه ما تُقُرب إليه بشيء أفضل منها، ثم رميت بكسائي، ثم قلت: اللهم هذا كسائي وهو جهدي وفوق طاقتي، فجعل الناس يتصدَّقون ويعطوني ويلقون على الكساء، حتى جعلت المرأة تلقي خُرصَها وسخابها (قلادتها) حتى فاض الكساء من أطرافه، ثم هطلت السماء، فخرج الناس في الطين والمطر، فلما صُلِّيَت العصرُ، قلتُ: يا أهل مصر، أنا رجل غريب ولا علم لي بفقرائكم، فأين فقهاؤكَم؟ فَدُفِعتُ إلى الليث بن سعد، وابن لهيعة، فنظرا إلى كثرة المال، فقال أحدهما لصاحبه: لا تحرك، ووكلوا به الثقات حتى أصبحوا، فَرُحْتُ، أو قال: فادلجتُ إلى الإسكندرية، وأقمت بها شهرين. فبينما أنا أطوف على حصنها وأُكبِّرُ، فإذا أنا برجل يرمقني، فقلت: مالك؟ قال: يا هذا، أنت قدمت من مصر؟ قلت: نعم، قال: أنت المُتكِّلم يوم الجمعة؟ قال: قلت: نعم، قال: فإنك صرت فتنة على أهل مصر. قلت: وما ذاك؟ قال: قالوا: كان ذاك الخضر دعا،
стр. 1723
فاستجيب له. قلت: ما كان الخضر بل أنا العبد الخاطئ، قال: فادلجت فقدمت مصر فلقيت الليث بن سعد، فلما نظر إليَّ قال: أنت المتكلم يوم الجمعة؟ قال: قلت: نعم. قال: فهل لك في المُقام عندنا؟ قال: قلت؟ وكيف أقيم وما أملك إلا جبتي وسراويلي؟ قال: قد أقطعتك خمسة عشر فدانًا، ثم صرت إلى ابن لهيعة، فقال لي مثل مقالته - مقالة الليث - وأقطعني خمسة فدادين، وهكذا أقام منصور بن عمار السُّلَمي، بمصر مكرَّمًا منغَّمًا.
مدلولات القصة
والقصة المذكورة تدلنا على أمور:
أولًا - أنَّ منصور بن عمَّار كان واعظًا قديرم ومخلصًا، وصالحًا موفقًا في حياته ولم يكن دجالا من الدجاجلة.
ثانيًا - أن الليث بن سعد وهو إمام أئمة العلم والدين من طبقة الإمام حالك بن أنس ومن أصدقائه - كان ثريا وجيهًا في مصر، وكلان ينفق ماله في وجوه البر والخير، فهو ممن ينطبق عليهم أول بيت الشاعر:
ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا … وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل
ثالثًا - وكذلك كان شأن زميله ابن لهيعة، إلا أنه ربما كان أقل ثراء منه بدليل أنه أعطى منصورًا ثُلث عطية الليث.
رابعًا - أن أهل مصر كانوا منذ القدم سريعي التأثر بالخيالات، فها هو ذا أحدهم يتحدث عنهم ويقول لمنصور بن عمَّار ما معناه: إنه بعد استجابة دعائه وهطولا المطر في مصر اعتقد أهلها أنه الخضر.
خامسًا - أن أهل مصر كانوا منذ صدر الإسلام يتسابقون إلى فعل الخيرات رجالًا ونساءً.
من شواهد فصاحة منصور بن عمَّار
كتب إليه بشر الحافي يقول له: اكتب إليَّ بما مَنَّ الله علينا، فكتب إليه منصور هذه الرسالة الوجيزة الضاربة في البلاغة صوب القمة:
стр. 1724
(أما بعد يا أخي - فقد أصبح بنا من نعم الله ما لا نحصيه، في كثرة ما نعصيه، ولقد بقيتُ متحيرًا فيما بين هذين: لا أدري كيف أشكره لجميل ما نشر، أو قبيح ما ستر).
إثراء منصور وإنفاقه في الخير
ويبدو جليا أن منصور بن عمار قد أثرى بِأخَرَةٍ، ونحن نراه ينفق إنفاق من لا يحسب للفقر حسابًا، قال محمد بن موسى: شهدَتُ منصور بن عمار القاصَّ، وقد كلمه قوم فقالوا له: هذا رجل غريب يريد الخروج إلى عياله، فقال لابنه أحمد بن منصور: يا أحمد، امض معهم إلى أبي العوام البزاز، فقل له: أعطه ثيابًا بألف درهم، بل بأكثر من ذلك، حتى إذا باعها صحَّ له ألف درهم.
ويمكن أن نستنتج من "تحويله" العطاء إلى أبي العوام البزاز، أن أبا العوام هذا ربما يكون وكيل دكان منصور بن عمار الذي يباع فيه البز - الحرير -، ولذلك حَوَّل عليه إعطاء الغريب من البز الذي بالدكان، وربما يكون أيضًا صديقه الأثير لديه الذي يعرف عن تجربة أنه سيدفع له قيمة ما حوله عليه من البز، والتأويل الأول أقرب عندي، وخاصةً إذا نظرنا إلى قول منصور في آخر كلامه: (حتى إذا باعها - أي الثياب - صح له ألف درهم)، فإن هذا التعليل للتحويل وإعطاء الغريب من بز الدكان الذي يعمل فيه أبو العوام - يضع أصابعنا على أن الدكان لمنصور بن عمَّار، ويدلنا في نفس الوقت على أنه لم تكن لديه نقود بهذا القدر يوم أمر بالتحويل على أبي العوام.
وفاته
توفي منصور بن عمار، ودُفن ببغداد، بباب حرب، ووُضِع على قبره لوح منقوش جمليه اسمه، وإلى جانبه قبر ابنه سليم، وهو غير ابنه أحمد الذي سبق ذكره آنفًا (١).
هذا، وقد ترجم الشيخُ عبدُ الرزاق البيطار، منصور بن عمار بن كثير السُّلَمي الخراساني الواعظ وسماه باسمه المذكور، وذكر اسم أبيه: عمار واسم جده
стр. 1725
كثير، ونسبه إلى سُلَيْم، ووصفه بأنه (صوفي) بدلًا من وصف (الواعظ) الذي وصفه به الخطيب البغداديُّ في" تاريخ بغداد"، والبغدادي من أهل القرن الخامس الهجري، ومنصور بن عمَّار من أهل القرن الثالث الهجري. وجَعَلَهُ الشيخ عبد الرزاق (دمشقيا).
وموضوع كتاب الشيخ عبد الرراق البيطار على ما ورد نصا في عنوان الكتاب: (حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر) هو تراجم أهل القرن الثالث عشر الهجري.
وقال الشيخ البيطار عن منصور بن عمار أثناء ترجمته له كشخصية صوفية باررة من أهل القرن الثالث عشر الهجري ما نصه: "إنه كان مسرفًا على نفسه ثم تاب " وأورد قصة وجوده رقعة مكتوبًا فيها: (بسم الله الرحمن الرحيم) فلم يجد لها موضعًا يضعها فيه فكلها فرأى في المنام قائلًا يقول له: قد فتح الله عليك باب الحكمة لاحترامك للرقعة، فقام من نومه نادمًا على أفعاله، تائبًا من وقوعه في أوحاله، مقبلًا على مولاه، معرضًا عما سواه .. ففتح الله عليه أبواب "القبول، وسهل له أسباب الوصول، ومنحه من العلوم الإلهية والتجليات العرفانية ما أثبت له الفضيلة) إلخ. وقد جعل الشيخ عبد الرازق البيطار وفاة منصور بن عمار بن كثير السُّلَمي في دمشق (في سنة ألف ومائتين و. .) (١).
ويبدو لي أن الثابت في التاريخ هو أن منصور بن عمار السُّلَمي الواعظ كان معاصرًا لليث بن سعد، وكان من أهل القرن الثالث الهجزي، وقد استوفى ترجمته الخطيبُ البغدادي في كتابه "تاريخ بغداد" حسب ما سبق بيانه.
عباس بن الوليد بن صبح الحلال أو (الخلال) السُّلَمي
أبو الفضل الدمشقي، روى عن زيد بن يحيى بن عبيد الدمشقي، وأبي مسهر، وعبد السلام بن عبد القدوس الشامي وغيرهم، وروى عنه ابن ماجه، وأبو حاتم، وغيرهما.
стр. 1726
قال أبو حاتم: شيخ.
وقال الآجري عن أبي داود: كتبتُ عنه: وكان عالمًا بالرجال والأخبار، ورقال محمد بن عوف الطائي: كان أبو مسهر ومروان بن محمد يقدمانه ويرحبان به.
وقال عمرو بن دحيم: مات لثلاث بقين من صفر سنة ثمان وأربعين ومائتين، وذكره ابن حبان في الثقاة (١).
محمد بن أحمد بن حكيم بن كثير السُّلَمي: أبو الحسن
بغدادي، وكان يذكر أنه ابن أخي منصور بن عمار.
وحدث عن سليم بن منصور بن عمار، وروى عنه عبد الله بن عدي الحافظ وذكر أنه سمع منه بجرحان (٢).
أبو عون أحمد بن المنجم السُّلَمي بالولاء
مولى بني سُلَيْم وهو ابن أخي هلال أبي المنجم، وأحمد بن أبي المنجم، وهو شاعر ومتكلم ومترسِّل.
له من الكتب: كتاب التوحيد وأقاويل الفلاسفة، وكتاب النواحي في أخبار الأرض، وقيل: إن الكتاب الأخير هو لأبي إسحاق بن أبي عون الذي هو ابن هذا المُترجَم (٣)، ولم يفدنا ابن النديم في (فهرسته) عن تاريخ مولده ومكان مولده وتاريخ وفاته ومكانها، وله العذر، فإن كتابه إنما هو كاسمه (فهرست)، والفهرست ليس من شأنه أن يحمل التفاصيل، كما تحملها الكتب التي هي أوسع نطاقًا من الفهارس أو من كتب الفهارس.
أبو إسحاق بن أبي عون السُّلَمي بالولاء
أبو عون الذي هو والد أبي إسحاق من موالي بني سُلَيْم، وهو ابن أحمد بن المنجم، وكان أبو إسحاق من أصحاب جعفر محمد بن علي الشلغاني المعروف بابن أبي العزاقر، وأُخِذَ معه أبو إسحاق فضربت عنه بعده؛ وذلك أن
стр. 1727
أبا إسحاق، عُرِض عليه أن يشتم ابن أبي العزاقر وأن يبصق عليه، فأبى وأرعد وأظهر خوفًا من ذلك، للْحَيْنِ والشقاء (١)، وهذا يدل على أنه يعتقد فيه ما يحول بينه وبين توجيه أية إهانة منه إليه، فكان عقابه القتل معه، استئصالًا لفتنته وزيغه في عَصْرٍ كثر فيه مروجو الفتنة والزيغ والإلحاد.
وكان أبو إسحاق - على ما حكاه ابن النديم - من أهل الأدب، مؤلفًا للكتب، ناقص العقل، ولولا نقصان عقله ما تَعبَّدَ لابن أبي العزاقر، واعتقد فيه الألوهية.
وله كتاب "النواحي في أخبار البلدان"، وتتمة عُنوان هذا الكتاب هي: "الأرض" لا " البلدان".
وكأنَّ ابن النديم سها أخيرًا عما كتبه أولًا في ترجمة أبي عوف والد أبي إسحاق، فيما يتعلق باسم هذا الكتاب، فأخذ تكملة اسمه من معنى اسمه الذي سبق أن أورده، فالأرض والبلدان متقاربتا المعنى.
ولأبي إسحاق أيضًا كتاب "الجوابات المسكتة"، وكتاب" التشبيهات" وكتاب "بيت مال السرور" وكتاب "الدواوين " وكتاب" الرسائل" (٢).
محمد بن عيسى بن سورة الترمذي السُّلَمي
الإمام الترمذي صاحب "الكتاب الجامع " في الحديث النبوي، الذي هو أحد الصحاح الستة هو من بني سُلَيْم ين منصور فهو من مفاخرهبم الخالدة في الدين والعلم الإسلامي.
وقد ذكروا أن اسم جده الثاني لأبيه هو: موسى.
والترمذي أحد حفاظ حديث الرسول، وكتابه "الكتاب الجامع" من أهم كتب الحديث النبوي، ومن أحسنها تأليفًا وتنسيقًا وصحة.
стр. 1728
وكان مولده سنة بضع ومائتين للهجرة، وسمع كثيرًا من كبار العلماء، وأخذ علم الحديث عن أبي عبد الله البخاري، وروى عنه كثيرون، ذكره ابن حبان في الثقاة، وكان ممن جمع وصنف وحفظ وذاكر.
ومن كتبه غير الكتاب الجامع: شمائل رسول الله ﷺ ، وكتاب العلل، ورسالة في الخلاف والجدل والتاريخ.
وينسب إلى "بوغ" فيقال له: (البوغي) ويضرب به المثل في علم الحديث، وكان ضريرًا (١).
هذا، وقد غلط الأستاذ ناجي معروف حينما سماه" عيسى بن سورة" (٢)، فعيسى بن سورة هو اسم أبيه وليس اسمه هو، إن اسمه - كما أسلفناه آنفًا - هو: "محمد بن عيسى" وربما كان هذا الغلط ناشئًا من الطبع لا من المؤلف، فما أكثر أغلاط المطابع العربية في هذا الزمان وفيما سبقه من الأزمان.
وفاته
توفي الترمذي في ثالث عشر رجب سنة ٢٧٩ هـ بترمذ أو بقرية بوغ.
سفيان السُّلَمي
من أهل مدينة واسط وقدم بغداد.
وهو سفيان بن حسين بن الحسن، مولى بني سُلَيْم، ومولاه بالذات هو عبد الله بن خازم السُّلَمي القائد البطل المعروف، حدث سفيان عن الحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وابن شهاب الزهري، وأبي بشر بن جعفر بن إياس، وروى عنه شعبة، وهشيم، ومحمد بن يزيد، وعباد بن العوام، ويزيد بن
стр. 1729
هارون، وغيرهم. ضمه المنصور أبو جعفر العباسي إلى المهدي يُعلِّمه، وخرج معه إلى الريِّ، وكان مؤدِّبَ عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، ثم أدب ولد يزيد بن هبيرة، ثم ضمه المنصور إلى المهدي.
وكان حسن الصوت في قراءة القرآن، وطلب منه أبو جعفر المنصور أن يقرأ له شيئًا من القرآن فقال له: القرآن لا يُتَّلَذَّذُ به، فقال له الخليفة: عالم أنت؟ فسكت، فقال له الربيع: "حاجب أبي جعفر المنصور": أجب أمير المؤمنين، فقال له: سألني عن مسألة لا جواب لها، إن قلتُ: لستُ عالمًا وقد قرأت كتاب الله كنت كاذبًا، وإن قلت: أنا عالم كنت بقولي جاهلًا.
وهذه براعة من سفيان، جَابَه بها تدخل الربيع المعروف في تاريخه بالقسوة والضراوة، وقد أفحمه سفيان السُّلَمي بهذا الجواب البارع، وسد عليه أبواب الاعتراض والتدخل من كل جهة.
كان سفيان ثقة مضطربًا في الحلت يث، وكان صاحب تفسير.
سئل أحمد: سفيان أحبُّ إليك أو صالح بن أبي الأخضر؟ قال: سفيان بن حسين.
ووثقه يحيى بن معين، ولكنه قال: (هو ضعيف الحديث عن الزهري)، وقال عنه: (لأنه ليس من أكابر أصحاب الزهري، أكابرهُمُ المعتمد عليهم منهم: معمر، وشعيب، وعقيل، ويونس، ومالك. وربما قال: وابن عيينة).
وثقه أحمد بن عبد الله العجلي وقال: (سفيان بن حسين واسطي ثقة).
وفاته
مات بالري في خلافة المهدي العباسي (١).
محمد بن أحمد بن العباس: أبو جعفر السُّلَمي، نقاش الفضة
سمع محمد بن محمد بن سليمان الباغندي، والحسن بن محمد المخرمي، وعبد الله بن محمد البغوي وغيرهم. وقد سأل الخطيبُ البغدادي - الأزهريَّ عن أبي جعفر النقاش، فقال: ثقة، وقال: كان أحد المتكلمين على مذهب الأشعري، ومنه تعلم أبو علي بن شاذان، الكلام.
стр. 1730
ولد أبو جعفر السُّلَمي للنصف من جمادى الأولى سنة ٢٩٤ هـ، وقال الخطيب البغدادي: (سمعت منه في سنة أربع وسبعين وثلاثمائة، وكان يسكن درب الديزج، وتوفي سنة ٣٧٩ هـ بين الأحد أو الإثنين لست خلون من المحرم) (١).
الحسن بن أحمد: أبو محمد السُّلَمي
هو الحسن بن أحمد بن سعيد بن محمد بن يحيى بن خالد.
حدَّث ببغداد عن جده سعيد بن محمد، وغيره عمن رواه عنه يرفعه إلى ابن عمر: أن رسول الله ﷺ كان إذا جَدَّ به السير جمع بين المغرب والعشاء.
توفي الحسن السُّلَمي الرهاوي سنة ٣٢٩ هـ في الرها (٢).
أبو عمرو بن نجيد السُّلَمي
إسماعيل بن نجيد بن أحمد بن يوسف السُّلَمي النيسابوري أبو عمرو: زاهد عابد، له جزء في الحديث، قال ابن الجوزي: كان ثقة، وكان شيخ الصوفية في نيسابور، وكان يقول: (من أظهر محاسنه لمن لا يملك ضره ولا نفعه فقد أظهر جهله، ومن لم تهذبه رؤيته فاعلم أنه غير مُهَذَّب)، توفي بمكة سنة ٣٦٦ هـ - ٩٧٧ م (٣).
أبو طاهر السُّلمي
هو ابن الفضل بن محمد بن إسحاق بن خُزيمة السُّلَمي الفقيه الإمام أبو عبد الله بن بطة الحنبلي، توفي سنة ٣٨٧ هـ (٤).
ولعل أبا طاهر هذا حفيد الإمام محمد بن إسحاق بن خُزيمة الذي مرت بنا ترجمته في هذا الفصل.
стр. 1731
أبو عمر عبد الله السُّلَمي
عبد الله بن عبد الوهاب السُّلَمي الأصبهاني المقري توفي سنة ٣٩٤ (١).
أبو عبد الرحمن: محمد بن الحسين بن موسى النيسابوري السُّلمي
له ترجمات في كتب الأنساب، وممن ترجمه: الحافظ الذهبي، قال: "محمد بن الحسين: أبو عبد الرحمن السُّلمي النيسابوري، شيخ الصوفية وصاحب تاريخهم وطبقاتهم وتفسيرهم، تكلموا فيه وليس بعمدة.
روى عن الأصم وطبقته، وعُنِيَ بالحديث ورجاله، وسئل الدارقطني قال: قال الخطيب: قال لي محمد بن يوسف القطان: كان يَضَعُ الأحاديث للصوفية، وقال الحافظ عبد الغافر الفارسي في تاريخ نيسابور: جمع من الكتب ما لم يسبق إلى ترتيبه حتى بلغ فهرست تصانيفه مائة أو أكثر، وكتب الحديث بمرو، ونيسابور، والعراق، والحجاز.
وقال الخطيب البغدادي: قدم بغداد مرات، وحدَّث بها عن شيوخ خراسان، وصنف للصوفية سُنَنًا وتفسيرًا وتاريخًا، ونقده محمد بن يوسف القطان النيسابوري فقال عنه: "كان غير ذي ثقة وكان يضع للصوفية الأحاديث".
ولكن الخطيب البغدادي قال عن أبي عبد الرحمن السُّلَمي ما نصُّه: (قَدْرُ أبي عبد الرحمن عند أهل بلدة جليل، وكان مع ذلك مجوِّدًا، صاحب حديث، وله دوَيْرةٌ للصوفية.
وقال اليافعي في" مرآة الجنان ": إنه صحب جده أبا عمر بن نجيد، وصنف التفسير والتاريخ، وترجم له ابن الأثير فقال عنه: (وأبو عبد الرحمن محمد بن الحسين بن محمد بن موسى السُّلمي الصوفي، وهو ابن بنت أبي عمرو بن نجيد السُّلَمي، له تصانيف في علوم الصوفية لم يسبق إليها، ومُؤلَّفُهُ: "طبقات الصوفية" كبير (٢).
وكان مكثرًا من الحديث، روى عنه الحاكم أبو عبد الله، ومات قبلبما بسبع سنين.
стр. 1732
مولده ووفاته
ولد سنة ٣٣٠ هـ، وقد اتفق الحافظ الذهبي وابن الاثير واليافعي على أن وفاته كانت في شعبان سنة ٤١٢ هـ، إلا أن ابن الأثير حدد وفاته بثالث شعبان من تلك السنة (١).
محمد بن الحسين بن موسى السُّلَمي
يُلَقَّب بأبي عبد الرحمن، صنف كتاب "عيون النَّفْس ومداوتها" (٢)، وقد توفي في شعبان ٤١٢ هـ الموافق ١٠٢١ م، ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون (٣).
أحمد بن عيسى أبو عقيل السُّلَمي:
من بغداد، وهو أحمد بن عيسى بن زيد بن الحسن بن عيسى بن موسى بن هادي بن مهدي، أبو عقيل السُّلَمي القزاز.
سمع أحمد بن سلمان النجاد وغيره، وقال عنه الخطيب البغدادي: كَتَبْتُ عنه، وكان يسكن باب البصرة، وروى له حديثًا بسنده إلى عمرو بن تغلب، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا كأنَّ وُجُوههم المجَانٌّ المُطرقَة".
مولده ووفاته
ولد في صفر من سنة ٣٣٨ هـ، وقال الخطيب البغدادي: (مات في يوم الأحد الثالث من شوال سنة ٤٢١ هـ (٤) ومعنى ذلك أنَّ وفاته كانت قبل وفاة الخطيب البغدادي باثنين وأربعين عامًا).
стр. 1733
أبو الحسن أحمد بن عبد الواحد السُّلَمي
هو أبو الحسن أحمد بن عبد الواحد بن أبي الحديد السُّلَمي، اقتصر اليافعيُّ في "مرآة الجِنان" على القول بأنه توفي في سنة ٤٦٩ هـ (١)، وقال عنه عبد الحي بن العماد الحنبليُّ: "أحد رؤساء دمشق وعدولها"، "روى عن جده أبي بكر محمد بن أحمد بن عثمان وجماعته، وسمع بمكة من ابن جهضم" وحَدَّد شهر وفاته وسنتها فقال: توفي في ربيع الأول سنة ٤٦٩ هـ في عشر التسعين، قاله في العبر" (٢) فهو إذن معمِّر.
سلامة بن سليمان أبو الحسين السُّلَمي
هو سلامة بن سليمان بن أيوب بن هارون، أبو الحسين المقري الباجَدائي، حدَّث في بغداد بعد قدومه إليها عن جماعة، منهم أبو يعلى الموصلي، ويقول عنه الخطيب البغدادي: "ما علمت من حاله إلا خيرًا".
وروى عنه بسنده إلى بندار منامًا رأى فيه بندارٌ سفيانَ الثوري بعد موته، على ما وصفه له عبد الرحمن بن مهدي. وكان قد طلب منه أن يصفه له ففعل (٣).
محمد بن حامد السُّلَمي
قدم بغداد، وهو محمد بن حامد بن محمد بن إبراهيم بن إسماعيل، أبو أحمد السُّلَمي الخراساني.
قدم بغداد في حياة الحافظ الخطيب البغدادي، وحدَّث بها عن محمد بن يزيد السُّلَمي النيسابوري وغيره، أحاديث منكرة، منها ما رواه عن محمد بن يزيد بن عبد الله السُّلَمي عن سليمان بن قيس، عن أبي المعلي بن المهاجر عن أبان، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : (سيأتي من بعدي رجل يقال له النعمان بن ثابت ويُكنَّى أبا حنيفة، لَيحْيَينَّ ديِنُ الله وسنتي على يديه)، ويقول الخطيب
стр. 1734
البغدادي: لم أكتب هذا الحديث إلا من هذا الوجه، وهو باطل موضوع، ومحمد بن يزيد متروك الحديث، وسليمان بن قيس، وأبو المعلى، مجهولان، وأبَانُ بن أبى عياش رُمِيَ بالكذب (١).
محمد بن علي بن عبد الله السُّلمي
من بغداد، هو محمد بن علي بن عبد الله بن يعقوب بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن يزيد بن عُتبْة بن فرقد: أبو الحسن السُّلَمي ويعرف بالحبريِّ، لأنه كان يبيع الحبر بباب الشام - ببغداد، وقد روى حديثًا بسنده المتصل إلى أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يقرم الرجل من مجلسه إلا لبني هاشم)، وقد وثقه الحنطيب البغدادي، قال: (سألت عبد العزيز بن علي، عن هذا الشيخ؟ فقال: بَغداديٌّ ثقة (٢)).
يوسف بن عبد الواحد السُّلَمي
سمع من أبي البيان القرشي الدمشقي: نَبإِ بن محمد بن محفوظ المعروف بابن الحوراني شيخ الطرق البيانية بدمشق (٣).
ابن أبي الفضل المريسيُّ السُّلَمي
هو محمد بن عبد الله بن محمد الأندلسي، أبو عبد الله، مفسر علَّامة. ولد في ذي الحجة سنة ٥٦٩ هـ أو ٥٧٠ هـ بمرسية، وكان رحَّالة، سمع بالمغرب من جماعة، ورحل من المغرب سنة ٦٠٣ هـ، وعمره نحو ثلاث أو أربع وثلاثين سنة، وتجول في أنحاء العالم الإسلامي لطلب العلم، فدخل مصر وسمع بها من علمائها، وبدمشق من قضاتها ودخل بغداد فصنَع مثل ذلك، وممن سمع منهم ببغداد أبو أحمد بن عبد الوهاب، وممن سمع منهم بنيسابور زينب الشعرية، سمع منها جُزء ابن نجيد وغيره، ودخل هراة وسمع من علمائها، وجاء مكة فتلقى من الشريف يونس بن يحيى وطبقته، وحدث بالكثير في أماكن عدة منها مكة،
стр. 1735
وتردد إليها مرات وجاور بها كرات، سمع منها الحفاظ والأعيان من العلماء، وبالغوا في الثناء عليه.
وهو ضليع في علوم الحديث والقراءات والفقه والخلاف والنحو واللغة، وله مصنَّفات فيها، وكان زاهدًا متورعًا كثير العبادة، وقد جاور بمكة سنين كثيرة.
وله تفسير كبير يزيد على عشرين سفْرًا، وتفسير أوْسَطُ في عشرة أجزاء، وصغيرٌ في ثلاثة أجزاء، واختصر صحيح مَسلم في جزأين، وله كتاب "الضوابط الكلية في علم اللغة العربية" وكتاب "الكافي في النحو" (ولم يتمه) بقي منه يسيرٌ، وكان مالكيَّ المذهب كأكثر أهل الأندلس والمغرب.
وفاته
توفي بين الزعقة أو الرعقة أو غزة، وبين العريش في مُتَوجَّهِهِ من مصر إلى دمشق، ودُفِنَ بيومه بتَلَّ الزعقة، وكان ذلك اليوم يوم الإثنين منتصف شهر ربيع الأول سنة ٦٥٥ هـ، وَكانت له كتب كثيرة بيعت بعد وفاته في نحو من سنة وكان فيها نفائس.
نماذج من شعره
ومحمد بن عبد الله السُّلَمي هذا كان يقول الشعر، وشعره أقرب إلى شعر الفقهاء الأدباء، قال:
قالوا محمد قد كبرْتَ وقد أتى … داعي المنون وما اهْتَمَمْتَ بذاد
قلتُ: الكريمُ مَنِ القبيح لضيفه … عند القدوم مجيئه بالزاد
ومن شعره عندما دخل بعض بلاد العجم، ولم يُغبأ به كأيِّ غريب مجهول وافد:
أيُجْهَلُ قَدْري في الورى ومكانتي … تزيد على مرقى السماكين والنسر
ولي حَسَبٌ لو أنه متقسم … على أهْلِ هذا العصر تاهوا على العصر
وقال عندما دخار هرات في إحدى رحلاته العلمية الواسعة في أنحاء العالم الإسلامي آنذاك:
стр. 1736
دخلتُ هراة أستفيد علومها … فألفيتُ ما فيها حَمِيرَ الْوَرَى فهما
يمرون بي لا يعرفون مكانتي … كَأنَّيَ دينار يمر به أعمى
والبيت الثاني مضمن لغيره (١).
شمس الدين ابن سيده السُّلمي
هو الشيخ شمس الدين أبو طالب بن محمد بن عبد الله بن صابر السُّلَمي، عرف بلقب" ابن سيده"، وهو من أهل بيت كبير في دمشق ومن أهل العلم الحديث والتصوف، صحب الشيخ عتيقًا وغيره، وكان يخضب شَعَره، توفي سنة ٦٣٧ هـ (٢).
سلطان العلماء: أبو العِزّ عبد العزيز بن عبد السلام السُّلَمي
هو أبو محمد عز الدين، عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن بن محمد بن المهذب الدمشقي، المُلقَّب بسلطان العلماء، واشتهر بالعز بن عبد السلام، والسُّلَمي نسبة إلى بني سُلَيْم إحدى القبائل القيسية المشهورة من مُضَر.
ويبدو لي أنه ربما كان من نسل بني سُلَيْم الذين دخلوا سورية مع القرامطة من قبل.
زار "سلطانُ العلماء" بغدادَ في سنة ٥٩٩ هـ فأقام بها شهرًا، وعاد إلى دمشق.
وسمع من عبد اللطيف بن أبي سعد، والقاسم بن عساكر، وجماعة، وتفقه على فخر الدين بن عساكر، والقاضي جمال الدين بن الحرستاني، وقرأ الأصول على الآمدي، وبرع في الفقه والأصول العربية، وفاق الأقران، والأضراب، وجمع بين فنون العلم من التفسير والحديث والفقه واختلاف أقوال الناس ومآخذهم، وقد بلغ رتبة الاجتهاد في الفقه، ورحل إليه الطلَّاب من سائر البلاد،
стр. 1737
وصنَّف التصانيف المفيدة، وروى عنه الدمياطي وخرَّج له أربعين حديثًا، وووى له ابنُ دقيق العيد، وهو الذي لقبه بسلطان العلماء، وخلقٌ غيرهما.
وحينما عاد من بغداد إلى دمشق، تولى الخطابة والتدريس بزاوية الغزالي ثم بالجامع الأموي، وفي خطابته أزال كثيرًا من بدع الخطباء، ولم يلبس سوادًا ولا سجع في خُطبه، كان يقولها مترسلًا، واجتنب الثناء على الملوك، وإنما كان يدعو لهم، وأبطل صلاة الرغائب والنِّصف من شعبان فوقع بينه وبين "ابن الصلاح " بسبب ذلك، وحينما سَلَّم الصالح إسماعيل قلعة - (الشفيف) (١) و (صفد) للفرنج، نال منه الشيخ على المنبر ولم يَدعُ له، فغضب الملك من ذلك وعزله وسجنه، ثم أطلقه، فتوجه إلى مصر، فتلقاه صاحب مصر الصالح نجم الدين أيوب وأكرمه وولاه قضاء مصر، فقام بمهمات المنصب خير قيام، ومكنه "الصالح" من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم اعتزل القضاء، وعزله السلطان من الخطابة، فلزم بيته يُدرِّس الناس، وأخذ في التفسير في دروسه، وهو أول من أخذه في الدروس. قال الشيخ قطب الدين اليَوْنينيُّ: كان مع شدته فيه حسن محاضرة بالنوادر والأشعار، ولما مرض أرسل إليه الملك الظاهر يقول: (إن في أولادك من يصلح لوظائفك؟ فقال: لا.
وقد انتهت إلى الشيخ عز الدين السُّلَمي معرفةُ المذهب الشافعي مع الزهد والورع، وقمعه للضلالات والبدع، وكان يحضر السماع، وكان قائمًا خير قيام بالذب عن السنة، ولا يقبل الهوادة أو المسايرة في ذلك مطلقًا مع أي إنسان ولو كان السلطان.
ولهيبته العلمية في النفوس وصلاحه وورعه وتقواه لُقِّبَ بسلطان العلماء، مما يذكرنا بما قاله الشاعر في الإمام مالك بن أنَس:
يأبى الجواب فما يُراجَع هيبة … والسائلون نواكس الأذقان
أدب العلوم و"عزُّ سلطان "التقي … فهو المهيب وليس ذا سلطان
ومن لطائف المصادفات أن الشاعر الذي مدح الإمام مالكًا جاء في بيته الثاني قوله: "وعز سلطان التقي"، وهذه العبارة جمعت بين أوائل لقبي عبد العزيز بن عبد السلام السُّلَمي اللذين هما: (عز الدين) و (سلطان العلماء).
стр. 1738
مؤلفاته
للعز بن عبد السلام مؤلفات كثيرة في التفسير وقواعد الأحكام، وفي الحديث والعقائد والأصول والفتاوي، والسيرة والتصوف وفضائل الأعمال، وتربو مؤلفاته على ثلاثين كتابًا، أكثرها مخطوط.
ومن مؤلفاته في التفسير وعلوم القرآن: شَفُ الإشكلالات عن بعض الآيات، ويلوح لي أنه هو الكتاب الذي قامت بطبعه وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت، وكان عنوانه: (الفوائد في مشكل القرآن).
ومن مؤلفاته في علم الحديث: مختصر صحيح مسلم.
ومن مؤلفاته في العقائد: كتاب الأنواع في علم التوحيد، ويوجد في مكتبة برلين.
ومن مؤلفاته في علم الفقه الإسلامي: كتب في الصلاة والصوم ومناسك الحج، وأحكام الجهاد وفضله، واختصار النهاية في الفقه الشافعي، والجمع بين الحاوي والنهاية، والفتاوي الموصلية والفتاوي المصرية.
ومن مؤلفاته في أصول الفقه: قواعد الأحكام في مصالح الأنام.
ومن مؤلفاته في السيرة النبوية: بداية السول في تفضيل الرسول ﷺ .
ومن مؤلفاته في التصوف: حل الرموز ومفاتيح الكنوز.
ومن مؤلفاته في فضائل الأعمال والعلوم المختلفة: شجرة المعارف، وأدلة الأحكام، والفتن والبلايا والمحن والرزايا، وترغيب أهل الإسلام في سكنى الشام.
وله وصية، منها نسخة بالمكتبة الظاهرية بالرقم ٥٢٥٨.
وقد وُصِفَ العز بن عبد السلام بأنه "رزق قسامة في الوجه ونعومة الأسارير، فهو مقبول الصورة، وكان مع ذلك جليلًا، وكان قويَّ الشخصية، ومع ذلك كان متواضعًا في مظهره بعيدًا عن التكلف، لا يتأنَّق لكاذب الحشمة ومألوف الوقار، حتى لم يكن يتقيد بلبس العمة على عادة العلماء والفقهاء، بل ربما لبس قبع لباد (طاقية الصوف) وكان يحضر المواكب السلطانية به.
стр. 1739
وقد روى الأستاذ خير الدين الزركلي أن من أمثال مصر القديمة قولهم: (ما أنت إلا من العوام ولو كنت ابن عبد السلام) (١)، وقال عنه أبو محمد عبد الله بن سعد اليافعي في كتابه "مرآة الجنان ": (ومرتبته في العلوم الظاهرة مع السابقين في الرعيل الأول) (٢).
مولده، ووفاته
ولد العز بن عبد السلام بدمشق ونَشَأَ بها، ومولده كان سنة ٥٧٧ هـ أو ٥٧٨ هـ.
وكانت وفاته بالقاهرة في جمادى الأولى سنة ٦٦٠ هـ ومشى في جنازته الخاصُّ والعام وشيَّعه الظاهر، ولما بلغ خبرُ وفاته السلطانَ الظاهر بيبرس قال: (لم يستقر ملكي إلا الساعة، لأنه - أي عز الدين - لو أمر الناس فيَّ بما أراد، لبادروا إلى امتثال أمره).
أبو جعفر محمد بن علي السُّلمي: مسند الشام
العباسي الدمشقي، كان متزهدًا، حج مرارًا وجاور وتفرد عن أبي القاسم بن حصري، والبهاء عبد الرحمن، ورحل إليه.
توفي عن أربع وتسعين سنة، في عام ٧٠٨ هـ (٣).
يحيى بن خضر السُّلمي البصري
يُلقَّب بمحيي الدين كان يعمل الحياكة في بيته، له نظم، فمن ذلك قوله في مليح أصابه رمد:
لما بدا وعلى عينيه من رمد … شعْرٌ به ما لها شبه سوى الغسق
حسبته البدر فوق الجو يستره … غيم وقد كحلت للشمس بالشفق
وله أيضًا في مثل ذلك:
стр. 1740
هيهات ما عينه محمرَّةً رمدا … ولا بها مثل ما قال الورى ألمُ
لكن أراق دم العشاق ناظرها … وشاهد القتل في حد الحُسامِ، دمُ
توفي سنة ٧١١ هـ (١).
سيف بن سليمان السُّلَمي
هو سيف بن سليمان بن كامل بن منصور بن علوان بن ربيعة، الموازيني السُّلَمي الزرعي القاضي شرف الدين، سمع من ابن عبد الدائم، وابن أبي اليسر، ومن غيرهما، وحَدَّثَ واشتغل وولي القضاء بعده بلاد.
وُلِدَ سنة ٦٤٣ هـ، ومات بالقدس سنة ٧١٣ هـ في شهر جماد الأولى، وكان مشكور السيرة، وله نظم قليل (٢).
أبو بكر السُّلَمي
ابن محمد بن أحمد بن عنتر السُّلَمي: كمال الدين بن شرف الدين.
سمع من إسماعيل بن عبد الرحمن القوصي، وحدَّث بالإجازة عن سبط السلفي فأكثروا عنه جدا. وخرَّج له البرزالي جزءًا لطيفًا من عواليه. وحدَّثَ عنه جماعة من شيوخ ابن حجر العسقلاني، وذكره أبو جعفر بن الكويك في معجم ابن جماعة.
ولد سنة ٦٤٥ هـ - ومات في ربيع الآخر سنة ٧٨٣ هـ (٣).
بهرام بن عبد الله بن عبد العزيز بن عرض بن عمر السُّلَمي الدميري
عالم فقيه مالكي، مغربي، يُلقَّب بتاج الدين أبي البقاء، له ثلاثة شروح على مختصر خليل، وله كتاب شامل في الفقه المالكي وغير ذلك من تأليفه.
ولد سنة ٧٣٤ هـ - وتوفي سنة ٨٠٥ هـ (٤).
стр. 1741
أبو البركات المعروف بابن الحاج البلفيقي السُّلمي
من مشاهير القضاة بالأندلس، وهو محمد بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن خلف السُّلَمي، من ذرية العباس بن مرداس، فهو ابن عم عبد الملك بن حبيب المرداسي السُّلَمي المترجم في هذا الكتاب.
ويعرف أبو البركات في بلده بابن الحاج، وفي غير بلده بالبلفيقي، و"بلفيق" حصن من عمل مدينة المُرِّيَّة بالأندلس، وبيت أبي البركات بيت دين وفضل.
ذكر ابنُ الأبار جدَّه الأعلى (أبا إسحاق) وأطنب في الثناء عليه بالخير والصلاح، وكان أبو البركات ممن نشأ على طهارة وعفاف، واجتهد في طلب العلم صغيرًا وكبيرًا، وعبر البحر إلى بجاية (١) فأدرك بها المدرس المعمِّر أبا علي منصور بن عبد الحق المشدَّالي، وحضر مجالسه العلمية وأخذ عنه وعن غيره من أهلها، ثم قدم إلى مُراكش وتجول فيما بينها من البلاد وأثار (آثر) السكنى بسبتة، على طريقة جده إبراهيم الأقرب إليه، ثم عاد إلى الأندلس فأقام منها بمالقة واختص بخطيبها الشيخ أبي عبد الله الطنجالي، وروى عنه وعن غيره وقيد الكثير بخطه، ورام في ابتداء طلبه التشبه بالقاضي أبي بكر بن العربي في لقاء العلماء ومصاحبة الأدباء، والأخذ من المعارف كلها والتكلم في أنواعها، وكان كثير الضبط لحاله، مهتما بالنظر في تثمير ماله؛ على رأي ابن سحنون الذي يقول: "ما أحب أن يكون عيش الرجل إلا على قدر ذات يده، ولا يتكلف أكثر مما في وسعه".
وكان أبو البركات يميل إلى القول بتفضيل الغنى على الفقر، ويبرهن على صحة ذلك، ويقول: "وبخصوص البلاد الأندلسية، لضيق حالها، واتساع نطاق مدنها، ولا سيما في حق القضاة فقد شرط كثير من العلماء في القاضي أن يكون غنيا، ليس بمديان ولا محتاج".
стр. 1742
ومن كلامه: (من اقتصر على التعيش من مرافق الملوك ضاع هو، ومن له وشمله القُلُّ، وخامره الذُّلُّ، اللهم إلا من كان من القوة بالله قد بلغ من الزهد في الدنيا إلى الحد الذي يكسبه الراحة بالخروج من متاعها، وترك شهواتها قليلها وكثيرها، مالها وجاهها، بأمر آخر، ومن لنا بالعون على تحصيل هذا المقام، ولا سيما في هذا الزمان، ولم يسمع من الولاة المتقدمين في الأندلس إلا ما حُكِيَ عن إبراهيم بن أسلم، وقد أراد الحكم الستنصر بالله رياضته، فقطع عنه جرايته فكتب إليه عند ذلك:
تزيد على الإقلال نفسي نزاهة … وتأنس بالبلوى وتقوى مع الفقر
فمن كان يخشى صرف دهر فإنني … أمنت بفضل الله من نُوَبِ الدهر
فلما قرأ الحكم ببيتيه، أمر برد الجراية وحَمْلِها إليه، فأعرض عنها وتمنَّع من قبولها، وقال: "إني والحمد لله، تحت جراية من إذا عصيته لم يقطع عني جرايته، فليفعل الأمير ما أحب".
فكان الحكم بعد ذلك يقول: "لقد أكسبنا ابن أسلم بمقالته، مخزاة عظم منا موقعها، ولم تسهل علينا المقارضة فيها".
تولى الشيخ أبو البركات القضاء في بلاد عديدة منها: مالقة صَدْر عام ٧٣٥ هـ ثم نقل إلى قضاء الجماعة بحضرة غرناطة والخطابة فيها، ثم صُيِّرَ إلى مدينة المُرِّيَّة، ثم أعيد إلى قضاء الجماعة، واستعمل في السَّفارة بين الملوك فكان موفقًا في مهماته السياسية، وكان كثير الرحلات من قطر إلى قطر والتنقل من عمل إلى عمل، من غير استقرار في منزل أو محل ويقول في هذا المعنى عن نفسه:
ماذا تقول: فدتك النفسُ في حالي … يَفْنَى زَمَانيَ في حلٍ وترحال
وكان شاعرًا، وله ديوان كبير سماه: "العذب الأجاج"، وهي تسمية لطيفة تدل على ذوق أدبي وشعري مرهف، لاسيما إذا علمنا أن ديوانه
стр. 1743
يحتوي من ضروب الأدب جدا وهزلًا، وله كتاب سماه: "المؤتمن في أنباء من لقيته من أبناء الزمن".
وفي مدينة المرية كان استقراره، إلى أن توفي فيها في شهر رمضان عام ٧٧٣ هـ عن بنت أمَتِهِ، وعن أربع زوجات، وعاصب بعد.
نماذج من شعره
يقول ملغزًا:
ومُصْفَرَّةِ الخدين مطوية الحشا … على الجبن، والمصفرُّ يُؤذِنُ بالخوف
لها بهجة كالشمس عند طلوعها … ولكنها في حينها تغرب في الجوف
ويقول في كتمان السر وحكمته:
إذا ما كتمت السِّرَّ عمن أوَدُّهُ … توهم أنَّ الود غير حقيق
ولم أخفِ عنهُ السِّرَّ من ضنَّةٍ به … ولكني أخشى صديق صديقي
ويقول في الغُربةِ وأسبابها وملابساتها:
قالوا: تغربت عن أهل وعن وطن … فقلت: لم يبق لي أهل ولا وطن!
قضَى الأحبة والأهلون كلهم … وليس بعدهم سكنى ولا سكن!
أفْرَغْتُ دمعي وحزني بعدهم فأنا … من بعد ذلك لا دمع ولا حزن!
ويقول عن "إخوان الخيانة":
رعى الله إخوان الخيانة إنهم … كَفَوْنَا مؤُونَات البقاء على العهد
ولو قربوا كنا أُسارى حقوقهم … نراوح ما بين النسيئة والنقد
ويقول متغزلا:
يلومونني بعد العذار على الهوى … ومثلي في حبي له لا يُفَنَّدُ!
يقولون أمْسِكْ عنه قد ذهب الصِّبا … وكيف أرى الإمساكَ والخيطُ أسود؟
стр. 1744
ابن عشائر السُّلَمي
ولد محمد بن علي بن محمد السُّلَمي الحلبي أبو المعالي، ناصر الدين بن عشائر في سنة ٧٤٢ هـ - الموافقة لسنة ١٣٤١ م - وتوفي في سنة ٧٨٩ هـ - الموافقة لسنة ١٣٨٧ م، وهو حافظ مؤرخ، كان خطيب حلب، وسافر إلى القاهرة فتوفي بها، وله مصنفات منها: "ذيل على تاريخ حلب لابن العديم" في أربع مجلدات، و"تاج النسرين في تاريخ قنسرين" (١).
أبو الفضل السُّلَمي
أحد علماء إفريقية الشمالية، ولعل اسمه وكنيته شيء واحد، ويكنى أيضًا أبا القاسم السُّلَمي الباجي وهو أحد فقهاء تونس المدرسين بها، قال أحمد القلقشندي: كان فقيهًا محققًا من أهل الدين والفضل والعلم التام
توفي بتونس أول المحرم عام ٧٧٠ هـ (٢).
حسن بن أحمد السُّلَمي المكي البزاز
هو حسن بن أحمد بن محمد بن سلامة بن عطوف بن يعلى السُّلَمي المكي البزاز - بزاءين منقوطتين - ويلقب: بدر الدين.
أجاز له جماعة من أصحاب الفخر بن البخاري وغيرهم، وحدَّث وهو من شيوخ مكة الذين خرَّج لهم المحدِّث جمال الدين بن مرسي المراكشي، وصار كفيف البصر بأخَرةٍ، وكان يبيع الحرير والبزَّ، ومن هنا لُقِّبَ بالبزَّاز (٣)، وزاد السخاوي أنه يُعرف بابن سلامة.
مولده ووفاته
ولد حسن البزَّاز السُّلَمي سنة إحدى وخمسين وسبعمائة بمكة، وتوفي في ليلة ثالث جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وثمانمائة بمكة، ودفن بالمعلاة (٤).
стр. 1745
محمد بن إبراهيم الصدر السُّلمي
هو محمد بن إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم بن عبد الرحمن الصدر: أبو المعالي بن الشرف السُّلَمي المناوي نسبة لمنية القائد فضل بن صلح من أعمال الجيزية - (الجيزة) ثم القاهري الشافعي القاضي، سبط الزين عمر البسطامي القاضي.
حفظ القرآن والتنبيه وغيره، وسمع من الميدومي وغيره، وناب في الحكم وهو شاب، وولي إفتاء دار العدل، والتدريس بالشيخونية والمنصورية والسكرية، ودرَّس وأفتى قليلًا، وخرَّج أحاديث المصابيح، وتكلم على أماكن منه وسماه: "كشف المناهي والتنافيح في تخريج أحاديث المصابيح"، وكتب شيئًا على جامع المختصرات وغير ذلك، وولي القضاء بالديار المصرية استقلالا في أيام المنصور حاجي ومدبر المملكة منطاش، عوضًا عن الناصري بن المليق، وذلك في يوم الخميس سلخ شوال ٧٩١ هـ فباشر القضاء بشهامة واستقامة، إلى أن صُرِفَ عنه بعد أقل من شهرين في ٢٧ ذي الحجة منها بالبدر بن أبي البقاء، ثم أعيد في ثاني المحرم ٧٩٥ هـ ثم صرف في سنة ٧٩٦ هـ بالبدر بن أبي البقاء أيضًا، ثم أعيد في شعبان ٧٩٦ هـ، ثم صرف بأحد نوابه: التقيَّ الزبيريَّ في جمادي الأولى ٧٩٩ هـ، ثم أعيد في رجب ٨٠٠ هـ، ودرَّس بجامع طولون وجامع الشافعي وغيرهما من الوظائف المضافة إلى القضاء، ومات الظاهر برقوق أثناء ولايته هذه فَأَمِنَ على نفسه، لكونه غير مطمئن إليه لما اتفق من أن ابتداء ولايته كان من قبل منطاش والناصري، وفي أيام غير الظاهر برقوق لا يتجرأ أحد عليه لما ثبت له من المهابة في قلوب الناس، وعندما سافر "الناصر فرج" إلى الشام لقتال الطاغية تيمورلنك سنة ٨٠٣ هـ كان "محمد السُّلَمي" مِمَّن برز معه، ولم يحسن المداراة مع عدوه فأهانه وبالغ قي ذلك حتى مات في القيد، غريقًا في نهر الزاب بالفرات عند قنطرة باشا في شوال من السنة المذكورة، وكان بعض التمرية أسروه، ولما جازوا به النهر خاض الأمير هو وأتباعه لازدحام غيرهم على القنطرة، فغرق القاضي لتقضيرهم في حقه بعد أن قاسى أهوالًا، وكان مولده في ثامن رمضان سنة ٧٤٢ هـ وأبوه (إبراهيم) كان عندئذ ينوب في القضاء عن العز بن جماعة.
стр. 1746
وله ترجمات في كتب عديدة، وممن ترجمه ابن ظهيرة والمقريزي وآخررن، وكان ذا هيبة عظيمة، وذا نزاهة وقوة نفس وحشمة، وكان ذا دنيا متسعة، وكان كثير التودد إلى الناس، مُوَقَّرًا عبد الخاص والعام محببًا إلهم، وكان يُعْنَى بتحصيل نفائس الكتب، ولما استقل بالقضاء لانَ جانِبُهُ، مع تفضل على الطلاب بالإطعام، ومع مداراة لمن قد يقصر في حقه بالستر، مع قدرته على هتك ستره بالانتقام منه، ولم يعقب (١).
محمد بن عثمان بن حمد بن إسحاق السُّلَمي
جده الثالث هو: إبراهيم البدر بن الفخر بن التاج السُّلَمي المناوي ثم القاهري الشافعي، أخوه البهاء أحمد الماضي، استقر شريكًا له بعد موت أبيهما في تداريسه، وقد رأى السخاري بخطه أنه يروي عن ابن عم والده: الصدر المناوي، وقال في ترجمته: "والظاهر أنه من أهل هذا القرن" وأضاف قوله: "ثم رأيت من عرض عليه سنة ثلاث وثمانمائة" (٢)، وبذلك تأكد أنه من أهل القرن الهجري التاسع الذي ترجم لهم السخاوي في كتابه وقصر تراجمه عليهم.
محمد بن مسعود السمرقندي السُّلَمي
صاحب التصانيف الكثيرة التي تزيد على مائتي مؤلف، وهو من أهل سمرقند.
أبو بكر السُّلَمي
هو أبو بكر آخر غير من سبقت ترجمته في هذا الفصل.
واسم أبيه: محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن عبد الرحمن الشرف بن التاج السُّلَمي المناوي الشافعي، ولد قبل سنة ٧٦٠ هـ، وأجاز له ابن جماعة فهرست مروياته، واشتغل قليلًا، وقرأ (التنبيه) وسمع على البهاء بن خليل وغيره، وناب في الحكم عن ابن عمه الصدر محمد إبراهيم الذي تقدمت ترجمته في هذا الفصل، ودرَّس بعدة أماكن، وخطب بالجامع الحاكمي، وكان مُزْجَى البضاعة.
стр. 1747
مات أبو بكر السُّلَمي هذا في جمادى الآخرة سنة ٨٠٩ هـ وقد قارب الخمسين، وقال المقريزي: مات عن نحو الخمسين (١).
محمد بن عثمان بن محمد السُّلَمي السويدي الدمشقي
سمع من ابن الشيرجي، جزء الأنصاري، ومن علي بن موسى الصفدي، والتقي بن رافع، وجماعة، ووقَّع في الحكم في ولاية البلقيني لقضاء دمشق، رفاق أقرانه في ذلك. وقال ابن حجي: كان صحيح العدالة، محررًا عارفًا بالشروط، انفرد بذلك في وقته، مع حسن خطه، وجودة ظبطه. وقد حَدَّثَ قليلًا.
مات في ربيع الأول سِنة ٨١٥ هـ (٢).
محمد بن عبد الله السُّلَمي
اسم والد أبيه المذكور: موسى بن رسلان بن زين الدين موسى بن إدريس بن موسى بن موهوب، البدر أبو عبد الله بن الجمال أبي محمد بن الشرف أبي البركات السُّلَمي؛ بضم المهملة - الدمشقي الشافعي.
ولد في ذي الحجة ليلة عرفة سنة ٧٥٣ هـ وحضر - وهو في الخامسة في عاشر رمضان سنة ثمان وخمسين (٣) على العماد بن كثير الحافظ، منتقى من رابع حديث سعدان بسماعه على الحجار، وسمع على محمد بن موسى بن سليمان بن الشيرجي جزء الأنصاري مع الفوائد، وعلى الشمس محمد بن موسى بن سند الحافظ، بعض المائة انتقاء العلائي من مشيخة الفخر، وحدَّثَ وسمع منه الفضلاء.
مات محمد بن عبد الله السُّلَمي في ذي الحجة سنة ٨٣٧ هـ، أي في الشهر الذي ولد فيه بعد أربع وثمانين سنة من عمره المديد (٤).
стр. 1748
محمد بن حسن السُّلَمي
جده الأول هو: أحمد بن محمد بن سلامة بن عطوف بن يعلى السُّلَمي المكي، مات في مكة سنة ٨٤٤ هـ (١).
منصور بن محمد بن عبد العزيز السُّلَمي
نَسَبَهُ السخاوي فقال: منصور بن محمد بن عبد العزيز بن سليمان بن عمر السُّلَمي المتناني - متنانة من أعمال بجاية بساحل الجزائر - البجائيُّ المغربي المالكي.
ولد سنة ٨٦٥ هـ، وحفظ القرآن المجيد ببلده، ثم تحول إلى بجاية في سنة ٨٧٨ هـ فاشتغل في الفقه والأصلين والعربية والمنطق والفرائض والحساب وغيرها، وارتحل إلى تونس، وقدم القاهرة سنة ٨٧٩ هـ ليحج فلم يتيسر له، وتخلف عن الحج، وكتب السخاوي له أجازة، وكان والده محمد حَيًّا إذ ذاك، وكان يقرئ الناس في البادية، وحينما ترجم السخاوي لمنصور هذا كان عمره قد بلغ ٦٥ عامًا (٢).
أحمد بن محمد بن علي بن محمد الشهاب، السُّلمي، المنصوري، الشافعي ثم الحنبلي
يعرف المَتَرجَمُ بابن الهائم وبالمنصوري، و"المنصوري" نسبة إلى المنصورة بمنصور.
ولد ابن الهائم في سنة ٧٩٨ هـ، وقال فيما كتبه: إنَّ مولده كان سنة ٧٧٩ هـ، وبلفظه أنه قبيل القرن بيسير في المنصورة، ونشأ بها فحفظ القرآن ثم انتقل منها إلى القاهرة، فحفظ التنبيه ولمحة في النحو: (لمحة الإعراب) ودرس التنبيه على الشرف عيسى الأقفهسي، وألفية ابن مالك على الشمس بن الجندي، وسمع الحديث على شيخ السخاوي والرشيدي، وتنزل في حنابلة الصوفية بالشيخونية، وتعانى الأدب، وطارح الشعراء، وصار بأخَرَة أوحَد شعراء القاهرة
стр. 1749
مع عدم تقدمه (١) في الفنون، حتى كان العز قاضي الحنابلة - وناهيك به - يرجحه على كثيرين، وقد حج وامتدح النبي ﷺ بعدة قصائد.
وقال في مولودٍ وُلِدَ للسخاوي، يهنؤه به:
لَيَهْنِكَ شمسَ الدين فَرْعُك مشبهٌ … سجاياكَ، والقطر الشهيُّ من الطَّخا
وذلك من جود الإلهِ وفضله … ففرعك من جود (٢) وأصلُكَ من سخا
وإذا كان هذا "نموذج" روائع شعر ابن الهائم السُّلَمي في نظر السخاوي ومعاصريه من أهل القرن التاسع الهجري - وقد قال السخاوي في شعره: (صار بأخَرَةٍ، أوحد شعراء القاهرة) - فإن الشعر في ذلك العصر، عامة كان في دركة منحطًة.
وعجيبٌ أن يضيف السخاوي إلى وصفه لابن الهائم بالأوحدية بين شعراء القاهرة، قوله: (مشارًا إليه بالشعر في الآفاق) إذ مفهوم ذلك أنه كان في نظر معاصريه من أعلام شعراء الآفاق، مشارًا إليه بينهم برفعة الشاعرية والإبداع فيها والإمتاع.
مات ابن الهائم بعد انقطاعه يوم الإثنين، سادس جمادى الآخرة سنة ٨٨٧ هـ (٣).
ابن الحاج السُّلَمي
هو: الطالب بن حمدون بن الحاج حمدون السُّلُمي، المعروف بابن الحاج، وهو مغربي الموطن على ما يبدو من اسمه، وله من المؤلفات: "حاشية على شرحِ بَحْرَق على لامية الأفعال لابن مالك" (٤) وكتابُ" العقد الجوهري، من فتح الحي القيوم في حل شرح الأزهريّ على مقدمة ابن آجروم"، وهي حاشية على شرح الشيخ خالد الأزهري على الآجرومية، أتَمَّها سنة ١٢٦٩ هـ (٥).
стр. 1750
محمد بن حمدون المرداسي السُّلمي
عالم جليل من فاس بالمغرب الأقصى، له مشاركة في العلوم وكُتُبٌ كثيرة منها: "النشر على مبادئ العلوم العشر" و"الإشراف على من مات بفاس من مشاهير الأشراف".
توفي سنة ١٢٧٤ هـ - ١٨٥٨ م.
وقال عنه صاحب "معجم المؤلفين" استنادًا إلى "معجم المطبوعات العربية والمعربة" لإليان سركيس وعلى "فهرس المكتبة التيمورية" بمصر، و "فهرس دار الكتب المصرية" - إنه "نَظَمَ" "أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك" و "حواشي عليه" لابن هشام، مع شرح النظم للمؤلف.
وقد راجعنا ما ورد في "معجم المطبوعات العربية والمعربة" فإذا الأمر كما ررد في معجم المؤلفين، وقد أضاف إليانُ سركيس إلى ما ذُكر قولَهُ: "وبأوله ترجمته؛ وإنه - أي الكتاب الذي نظم به أوضح المسالك طبع بفاس سنة ١٣١٨ هـ" (١).
عالمات من بني سُلَيْم
مشاركة النساء للرجال في العلوم الإسلامية وعلم الحديث النبوي خاصة أمر سارت بذكره الركبان، بل إن النساء بالنسبة لعلم الحديث خاصة قد كُنَّ في طليعة رراته عن النبي ﷺ ، وتدوينُ علم الحديث وطبقات رواته من صحابة وصحابيات ومن تابعين وتابعات وممن جاءوا أو جئن بعدهم، طفحت به الكتب المعتبرة من قديم الزمان.
وكثيرًا ما نجد من حُفَّاظ الحديث ورجاله ممن يشار إليهم بالبنان، من يذكر في مشايخه وإسناده بعض النساء المزكيات في الورع والرواية والدراية، ومن يراجع أسفار هذا العلم يجد الشواهد تترى على ما قلناه.
وفي أثناء تجوالنا بين المصادر القديمة والحديثة وجدنا امرأة واحدة من بني سُلَيْم، قد أسهمت في هذا الميدان فأدرجناها في هذا الفصل.
стр. 1751
زينب بنت الخطيب يحيى ابن الشيخ عز الدين بن عبد السلام السُّلَمية
هي حفيدة "سلطان العلماء" عبد العزيز السُّلَمي المشهور بلقبي: "سلطان العلماء، والعز بن عبد السلام"، وقد مرت بنا ترجمته الوافية في فصل العلماء من هذا الكتاب.
كانت زينب مُعَمَّرَةً، إذ بلغت من العمر ٨٧ سنة، وقد رَوَت عن جماعة، وحَدَّثت بالكثير وتفردت.
وكانت وفاتها سنة ٧٣٥ هـ (١).
أمراء، وزعماء، ومحتسبون، وفرسان، وقادة، وولاة، وموظفون من بني سُلَيْم
جمعنا هذه الأنواع من بني سُلَيْم في هذا الفصل لتقارب صفاتهم ووظائفهم في المجتمع، فالأمير قريب الصفة من الزعيم، والمحتسب كذلك، والفارس والوالي والموظف ليسوا بعيدين عن بعض في الصفة الاجتماعية العامة بالنسبة لحياة الفارس والقائد والوالي والموظف وطبيعة أعمالهم، وهم جميعًا ليسوا بمنأىً عن طبيعة ما يقوم به الأمير والزعيم المحتسب، وإذن فهناك رابط دقيق خفي أو جلي يربط بين هؤلاء الأفراد أو هؤلاء الطوائف، وهذا الرابط الخفي الموجود فعلًا فيما بينهم هو الذي سَهَّلَ لي أن أجمع فيما بينهم في رابط آخر علمي يلم شملهم ويبرز كيانهم كوحدات مستقلة عن بعض، لينسجم جميعًا نوع من الوحدة العامة والتواؤم الاجتماعي الشامل ويمثل هذا الرابط العلمي هذا الفصل.
نُبيشة بن حبيب السُّلَمي
يفيدنا "المبرَّد" بأن ربيعة بن مِكدم الكِنَاني، كان الذي قتله هو أُهْبان بن غادية الخُزاعي.
стр. 1752
أما "قيس" فتقول غير ذلك، إنها تقول: إن قاتل ربيعة بن مكدم هو نبيشة بن حبيب السُّلَمي، وكان أهبان أخًا لنبيشة لأمه، وكان أتاه زائرًا، وأغار ربيعة بن مكدم علي بني سُليم، فخرج أهبان مع أخيه لأمه: نبيشة، فحمل أهبان على ربيعة بن مكدم فقتله، وحمل أخو ربيعة بن مكدم على أهبان فقتله. وفي تأييد ما تدعيه خُزاعة من أن أهبان لا نبيشة هو قاتل ربيعة يقول أهبان:
ولقد طَعَنْتُ رَبيعةَ بنَ مُكَدَمٍ … يوم الْكَديِدِ فَخَرَّ غير موسدِ
في عارض شَرِقٍ بناتُ فؤاده … عنه بأحمر كالنقيع المُجْسَدِ
ولقد وهبتُ سلاحه وجواده … لأخي: نُبَيْشَةَ قبل لوم الحُسَّدِ (١)
وهكذا تَرَكَنَا أبو العباس محمد بن يزيد المبرد، في متاهة حول البطل الحقيقي لهذه المسرحية - مسرحية قتل ربيعة بن مكدم - أهي من نسج يد أُهبان الخُزاعي، أم هي من صنع نبيشة السُّلمي!
إن "المبرَّد" في هذه القصة لم يأت لنا بالخبر الواضح الفصل، ولعل السبب في ذلك يعود إلى تناقض ما ورد في حقيقة قاتل ربيعة بن مكدم، فهي قصة تدور حول أهبان الخُزاعي ونبيشة بن حبيب السُّلَمي، ولعل السبب في هذا "الخلط" يعود أيضًا إلى القرابة التي بين أُهْبان ونُبَيْشَة من جهة الشام التي ولدتهما معًا وهي سُلَمية.
هذا، وقد نص ابن دريد على أن قاتل ربيعة بن مِكدم الكِناني هو نُبيشة بن حبيب (٢).
مِرداس بن أبي عامر السُّلمي
هو والد عباس بن مِرداس الصحابي الشاعر الفارس البطل، ووالد أبي عامر جد عباس هو: رفاعة وقيل جارية بن عبد بن عبس بن رفاعة بنِ الحارث بن بُهْثَة بن سُلَيم بن منصور بن عكرمة بن خَصَفة بن قيس عيلان بن مُضر (٣).
وكان مرداس ممن حضر يوم شعب جَبَلة في صف بني عامر من هوازن بن منصور وأبلى في ذلك اليوم بلاءً حسنًا.
стр. 1753
وكان مرداس من سادة العرب، ومن سادة سُلَيم وفرسانها وأثريائها، وقد اشترك مع حرب بن أمية القُرشي في "الْقُرَيَّة"، وهي غيضة شجر ملتف لا يُرام، قيل: إنهما مَرَّا بها يومًا، فقال مِرداس لحرب: أما ترى هذا الموضع؟، قال: بلى!، قال: نِعمَ الْمُزْدَرعُ هو، فهَل لك أن تكون شريكي فيه، ونحرق هذه الغيضة ثم نزدرعه بعد ذلك؟ قال: نعم، فأضرما النار في الغيضة، فلما استطارت النار وعلا فيها لَهَبٌ سُمع فيها أنين وضجيج كثير، ثم ظهرت منها حياتٌ بيضٌ تطير حتى قطعتها وخرجت منها، ولم يلبث مرداس وحرب أنْ ماتا. وينسبون موت مرداس إلى الجن - ربما لأنه هو صاحب الفكرة التي أشار على حرب بن أمية لازدراع الغيضة وبإشعال النار فيها حتى ظهرت منها الحيات البيضُ وطارت هاربة منها - ودفُن مرداس بن أبي عامر بالقُرَيَّة التي استصلحها واردرعها، ثم ادعاها بعد ذلك كُلَيْبَ بن أبي عهمة السُّلَمي ثم الظَفري، وقد طالبَ العباس بن مرداس بحقه في (القرية)، وقال قصيدته النونية يُخاطب بها كُلَيبًا ويهجوه ويحذره من مغبة الظلم .. وكان كُلَيب السُّلَمي هذا قد جحد بني مرداس حصتهم من (القرية) التي عمرها أبوهم مرداس مع حرب بن أمية، قال عباس يُخاطب كُلَيبًا:
أكُلَيْبُ! ما لك كُلَّ يوم ظالمًا … والظلم أنكد وجهه الملعونُ
قد كان قومك يحسبونك سيدًا … وإخال أنك سيَدٌ معيونُ
فإذا رجعت إلى نسائك فادَّهِنْ … إن المسالم رَأسُهُ مدهونُ
وافعل بقومك ما أراد بوائل … يو الغدير سَميُّكَ المطعونُ
وإخال أنك سوف تلقى مثلها … في صفحتيك سنانها المسنونُ
إن (الْقُرَيَّة) قد تَبَيَّنَ أمرُها … إن كان ينفع عندك التَبيِينُ
حيث انطلقت تخطُّها لي ظالِمًا … وأبو يزيد بجوها مدفونُ
و"أبو يزيد" في البيت الأخير هو والد عباس بن مرداس.
وهكذا ترى عباسًا يهدد كليبًا السُّلَمي تهديدًا مباشرًا، مما يدل على أن هذا الشعر قاله في الجاهلية قبل أن يسلم ويحسن إسلامه.
стр. 1754
ولمرداس هذا بيتان في حادث تعميره (القُرَيَّة) التي لا نستطيع تحديد موقعها بالدقة الآن، وربما تسعفنا بها المصادر فيما بعدُ - هو وحرب بن أمية شريكه في هذه الشركة الاقتصادية المساهمة، يقول:
إني انتخبتُ لها حربًا وإخوته … إني بحبل وثيق العقد دساسُ
إني أقَوِّمُ قبل الأمر حجته … كيما يقال: وليَّ الأمر مِرْدَاس (١)
وفي هذين البيتين عدة فوائد، منها مرداسًا هو الذي دفع حربًا إلى العمل معه في زراعة الغيضة التي آضت مكانًا صالحًا للزراعة فسُميت (القُرَيَّة) وعُرفت بهذا الاسم، ومنها أن مِرْدَاس بن أبي عامر قد احتاط لأمر نجاح الشركة والعدل فيها فأشرك مع حرب إخوته، ولم يكتف بذلك بل أبرم بينه وبينهم عقدًا ربما كان مكتوبًا، ولذلك قال: إنه يُقَوِّمُ للأمر حجته وبرهانه قبل مباشرته، ليقال: إن وليَّ هذا الأمر الناجح وهذه الشركة الناجحة هو مِرْدَاس الحصيف الذي لا يمكن أن يُخْدَعَ أو يُغَرر به.
ولعباس بن مِرْدَاس ترجمة في كتاب "معجم الشعراء" للمرزباني، وقال عنه: يكنى أبا الهيثم، ويقال: أبو الفضل، وأضاف أنه "أحد فرسان الجاهلية وشعرائهم المذكورين وفد على النَّبِيّ ﷺ ومدحه، فأسلم، فأعطاه مع المؤلفة قلوبهم" وقال عنه وهو القائل:
أشُدُّ على الكتيبة لا أبالي … أحتفي كان فيها أم سواها
وهذا البيت من جملة أبيات قالها موجهًا "الإنذار" فيها إلى خصمه ومنافسه خُفاف) وهي:
ألا من مُبْلِغٌ عني خُفافًا … ألُوكًا بيت أهلك منتهاها
أنا الرجل الذي حُدِّثْتُ عنه … إذا الخَفَراتُ لَمْ تَسْتُرْ بُراها
أَشُدُّ على الكتيبة لا أبالي … أَحْتْفي كان فيها أم سواها
стр. 1755
ولي نَفْسٌ تتوق إلى المعاني … سَتَتْلَفُ أو أبلغها مناها (١)
و"الألوك": الرسالة، و"بُراها": زينتها، وكل حلقة من سوار وقرط وخلخال وما أشبهها: برة.
العباس بن أنس الأصم السُّلَمي
هو من فرسان الجاهلية وشجعان العرب، وله ذكر في وقائعهم (٢).
عمرو بن رياح - الشريد السُّلَمي
من سادة سُلَيْم بن منصور، وهو والد الخنساء وصخر ومعاوية ومالك، اعترف له العرب بشرف المكانة.
ووالده: رياح بن عمرو، وقد غلب عليه لقب "الشريد" لقوله:
تولى إخوتي وبقيت فردًا … وحيدًا في ديارهمو شريدا (٣)
وقد أورد المؤرخون قصة النعمان بن المنذر مع كِسرى ملك الفُرس، وكان كِسرى طعن في شأن العرب ورد عليه النعمان في ذَلك، في بيان عربي فصيح مَؤدَّب. بما استوجب إعجاب كِسرى بيانه وكِسْوَتَهُ، ولكن النعمان شعر من فحوى كلام كِسرى في توهين أمر العرب والحط من كرامتهم، أن وراء الأكمة ما وراءها، فلما غادر إلى الحيرة رأي أن يبعث إلى نفر من سادة العرب يدعوهم للحضور إليه، وكان من بينهم عمرو بن الشريد السُّلَمي، وقد حدثهم النعمان بما كان من أمر كِسرى ومقاله، وقال لهم: قد سمعت من كِسرى مقالات تَخَوَّفْتَ أن يكون لها غَوْرٌ، ويكون إنما أظهرها لأمر أراد أن يتخذ به العرب خَوَلًا - عبيدًا - كبعض طماطمته - أي قومه الذين في لسانهم عجمة ولا يفصحون - في تأديتهم الخراج إليه، وقد استحسن الحاضرون من رؤساء العرب كلام النعمان ورأيه ووافقوه في اتباع ما ينصح به، فَبَيَّنَ لهم أن من رأيه أن "يسيروا بجماعاتهم إلى كِسرى، وأن يتكلم كلّ منهم بما حضره من الكلام المرتجل، لكي يعلم كِسرى أن العرب على غير ما يظن أو تحدثه نفسه به، على أن لا ينطق أحد منهم بما يغضبه ولا ينخزلوا -