← Ансаб

Ансаб · id 897

موسوعة القبائل العربية

محمد سليمان الطيب

Полный текст (10 849 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

زينب بنت الخطيب يحيى ابن الشيخ عز الدين بن عبد السلام السُّلَمية هي حفيدة "سلطان العلماء" عبد العزيز السُّلَمي المشهور بلقبي: "سلطان العلماء، والعز بن عبد السلام"، وقد مرت بنا ترجمته الوافية في فصل العلماء من هذا الكتاب. كانت زينب مُعَمَّرَةً، إذ بلغت من العمر ٨٧ سنة، وقد رَوَت عن جماعة، وحَدَّثت بالكثير وتفردت. وكانت وفاتها سنة ٧٣٥ هـ (١). أمراء، وزعماء، ومحتسبون، وفرسان، وقادة، وولاة، وموظفون من بني سُلَيْم جمعنا هذه الأنواع من بني سُلَيْم في هذا الفصل لتقارب صفاتهم ووظائفهم في المجتمع، فالأمير قريب الصفة من الزعيم، والمحتسب كذلك، والفارس والوالي والموظف ليسوا بعيدين عن بعض في الصفة الاجتماعية العامة بالنسبة لحياة الفارس والقائد والوالي والموظف وطبيعة أعمالهم، وهم جميعًا ليسوا بمنأىً عن طبيعة ما يقوم به الأمير والزعيم المحتسب، وإذن فهناك رابط دقيق خفي أو جلي يربط بين هؤلاء الأفراد أو هؤلاء الطوائف، وهذا الرابط الخفي الموجود فعلًا فيما بينهم هو الذي سَهَّلَ لي أن أجمع فيما بينهم في رابط آخر علمي يلم شملهم ويبرز كيانهم كوحدات مستقلة عن بعض، لينسجم جميعًا نوع من الوحدة العامة والتواؤم الاجتماعي الشامل ويمثل هذا الرابط العلمي هذا الفصل. نُبيشة بن حبيب السُّلَمي يفيدنا "المبرَّد" بأن ربيعة بن مِكدم الكِنَاني، كان الذي قتله هو أُهْبان بن غادية الخُزاعي.

стр. 1752

أما "قيس" فتقول غير ذلك، إنها تقول: إن قاتل ربيعة بن مكدم هو نبيشة بن حبيب السُّلَمي، وكان أهبان أخًا لنبيشة لأمه، وكان أتاه زائرًا، وأغار ربيعة بن مكدم علي بني سُليم، فخرج أهبان مع أخيه لأمه: نبيشة، فحمل أهبان على ربيعة بن مكدم فقتله، وحمل أخو ربيعة بن مكدم على أهبان فقتله. وفي تأييد ما تدعيه خُزاعة من أن أهبان لا نبيشة هو قاتل ربيعة يقول أهبان: ولقد طَعَنْتُ رَبيعةَ بنَ مُكَدَمٍ … يوم الْكَديِدِ فَخَرَّ غير موسدِ في عارض شَرِقٍ بناتُ فؤاده … عنه بأحمر كالنقيع المُجْسَدِ ولقد وهبتُ سلاحه وجواده … لأخي: نُبَيْشَةَ قبل لوم الحُسَّدِ (١) وهكذا تَرَكَنَا أبو العباس محمد بن يزيد المبرد، في متاهة حول البطل الحقيقي لهذه المسرحية - مسرحية قتل ربيعة بن مكدم - أهي من نسج يد أُهبان الخُزاعي، أم هي من صنع نبيشة السُّلمي! إن "المبرَّد" في هذه القصة لم يأت لنا بالخبر الواضح الفصل، ولعل السبب في ذلك يعود إلى تناقض ما ورد في حقيقة قاتل ربيعة بن مكدم، فهي قصة تدور حول أهبان الخُزاعي ونبيشة بن حبيب السُّلَمي، ولعل السبب في هذا "الخلط" يعود أيضًا إلى القرابة التي بين أُهْبان ونُبَيْشَة من جهة الشام التي ولدتهما معًا وهي سُلَمية. هذا، وقد نص ابن دريد على أن قاتل ربيعة بن مِكدم الكِناني هو نُبيشة بن حبيب (٢). مِرداس بن أبي عامر السُّلمي هو والد عباس بن مِرداس الصحابي الشاعر الفارس البطل، ووالد أبي عامر جد عباس هو: رفاعة وقيل جارية بن عبد بن عبس بن رفاعة بنِ الحارث بن بُهْثَة بن سُلَيم بن منصور بن عكرمة بن خَصَفة بن قيس عيلان بن مُضر (٣). وكان مرداس ممن حضر يوم شعب جَبَلة في صف بني عامر من هوازن بن منصور وأبلى في ذلك اليوم بلاءً حسنًا.

стр. 1753

وكان مرداس من سادة العرب، ومن سادة سُلَيم وفرسانها وأثريائها، وقد اشترك مع حرب بن أمية القُرشي في "الْقُرَيَّة"، وهي غيضة شجر ملتف لا يُرام، قيل: إنهما مَرَّا بها يومًا، فقال مِرداس لحرب: أما ترى هذا الموضع؟، قال: بلى!، قال: نِعمَ الْمُزْدَرعُ هو، فهَل لك أن تكون شريكي فيه، ونحرق هذه الغيضة ثم نزدرعه بعد ذلك؟ قال: نعم، فأضرما النار في الغيضة، فلما استطارت النار وعلا فيها لَهَبٌ سُمع فيها أنين وضجيج كثير، ثم ظهرت منها حياتٌ بيضٌ تطير حتى قطعتها وخرجت منها، ولم يلبث مرداس وحرب أنْ ماتا. وينسبون موت مرداس إلى الجن - ربما لأنه هو صاحب الفكرة التي أشار على حرب بن أمية لازدراع الغيضة وبإشعال النار فيها حتى ظهرت منها الحيات البيضُ وطارت هاربة منها - ودفُن مرداس بن أبي عامر بالقُرَيَّة التي استصلحها واردرعها، ثم ادعاها بعد ذلك كُلَيْبَ بن أبي عهمة السُّلَمي ثم الظَفري، وقد طالبَ العباس بن مرداس بحقه في (القرية)، وقال قصيدته النونية يُخاطب بها كُلَيبًا ويهجوه ويحذره من مغبة الظلم .. وكان كُلَيب السُّلَمي هذا قد جحد بني مرداس حصتهم من (القرية) التي عمرها أبوهم مرداس مع حرب بن أمية، قال عباس يُخاطب كُلَيبًا: أكُلَيْبُ! ما لك كُلَّ يوم ظالمًا … والظلم أنكد وجهه الملعونُ قد كان قومك يحسبونك سيدًا … وإخال أنك سيَدٌ معيونُ فإذا رجعت إلى نسائك فادَّهِنْ … إن المسالم رَأسُهُ مدهونُ وافعل بقومك ما أراد بوائل … يو الغدير سَميُّكَ المطعونُ وإخال أنك سوف تلقى مثلها … في صفحتيك سنانها المسنونُ إن (الْقُرَيَّة) قد تَبَيَّنَ أمرُها … إن كان ينفع عندك التَبيِينُ حيث انطلقت تخطُّها لي ظالِمًا … وأبو يزيد بجوها مدفونُ و"أبو يزيد" في البيت الأخير هو والد عباس بن مرداس. وهكذا ترى عباسًا يهدد كليبًا السُّلَمي تهديدًا مباشرًا، مما يدل على أن هذا الشعر قاله في الجاهلية قبل أن يسلم ويحسن إسلامه.

стр. 1754

ولمرداس هذا بيتان في حادث تعميره (القُرَيَّة) التي لا نستطيع تحديد موقعها بالدقة الآن، وربما تسعفنا بها المصادر فيما بعدُ - هو وحرب بن أمية شريكه في هذه الشركة الاقتصادية المساهمة، يقول: إني انتخبتُ لها حربًا وإخوته … إني بحبل وثيق العقد دساسُ إني أقَوِّمُ قبل الأمر حجته … كيما يقال: وليَّ الأمر مِرْدَاس (١) وفي هذين البيتين عدة فوائد، منها مرداسًا هو الذي دفع حربًا إلى العمل معه في زراعة الغيضة التي آضت مكانًا صالحًا للزراعة فسُميت (القُرَيَّة) وعُرفت بهذا الاسم، ومنها أن مِرْدَاس بن أبي عامر قد احتاط لأمر نجاح الشركة والعدل فيها فأشرك مع حرب إخوته، ولم يكتف بذلك بل أبرم بينه وبينهم عقدًا ربما كان مكتوبًا، ولذلك قال: إنه يُقَوِّمُ للأمر حجته وبرهانه قبل مباشرته، ليقال: إن وليَّ هذا الأمر الناجح وهذه الشركة الناجحة هو مِرْدَاس الحصيف الذي لا يمكن أن يُخْدَعَ أو يُغَرر به. ولعباس بن مِرْدَاس ترجمة في كتاب "معجم الشعراء" للمرزباني، وقال عنه: يكنى أبا الهيثم، ويقال: أبو الفضل، وأضاف أنه "أحد فرسان الجاهلية وشعرائهم المذكورين وفد على النَّبِيّ ﷺ ومدحه، فأسلم، فأعطاه مع المؤلفة قلوبهم" وقال عنه وهو القائل: أشُدُّ على الكتيبة لا أبالي … أحتفي كان فيها أم سواها وهذا البيت من جملة أبيات قالها موجهًا "الإنذار" فيها إلى خصمه ومنافسه خُفاف) وهي: ألا من مُبْلِغٌ عني خُفافًا … ألُوكًا بيت أهلك منتهاها أنا الرجل الذي حُدِّثْتُ عنه … إذا الخَفَراتُ لَمْ تَسْتُرْ بُراها أَشُدُّ على الكتيبة لا أبالي … أَحْتْفي كان فيها أم سواها

стр. 1755

ولي نَفْسٌ تتوق إلى المعاني … سَتَتْلَفُ أو أبلغها مناها (١) و"الألوك": الرسالة، و"بُراها": زينتها، وكل حلقة من سوار وقرط وخلخال وما أشبهها: برة. العباس بن أنس الأصم السُّلَمي هو من فرسان الجاهلية وشجعان العرب، وله ذكر في وقائعهم (٢). عمرو بن رياح - الشريد السُّلَمي من سادة سُلَيْم بن منصور، وهو والد الخنساء وصخر ومعاوية ومالك، اعترف له العرب بشرف المكانة. ووالده: رياح بن عمرو، وقد غلب عليه لقب "الشريد" لقوله: تولى إخوتي وبقيت فردًا … وحيدًا في ديارهمو شريدا (٣) وقد أورد المؤرخون قصة النعمان بن المنذر مع كِسرى ملك الفُرس، وكان كِسرى طعن في شأن العرب ورد عليه النعمان في ذَلك، في بيان عربي فصيح مَؤدَّب. بما استوجب إعجاب كِسرى بيانه وكِسْوَتَهُ، ولكن النعمان شعر من فحوى كلام كِسرى في توهين أمر العرب والحط من كرامتهم، أن وراء الأكمة ما وراءها، فلما غادر إلى الحيرة رأي أن يبعث إلى نفر من سادة العرب يدعوهم للحضور إليه، وكان من بينهم عمرو بن الشريد السُّلَمي، وقد حدثهم النعمان بما كان من أمر كِسرى ومقاله، وقال لهم: قد سمعت من كِسرى مقالات تَخَوَّفْتَ أن يكون لها غَوْرٌ، ويكون إنما أظهرها لأمر أراد أن يتخذ به العرب خَوَلًا - عبيدًا - كبعض طماطمته - أي قومه الذين في لسانهم عجمة ولا يفصحون - في تأديتهم الخراج إليه، وقد استحسن الحاضرون من رؤساء العرب كلام النعمان ورأيه ووافقوه في اتباع ما ينصح به، فَبَيَّنَ لهم أن من رأيه أن "يسيروا بجماعاتهم إلى كِسرى، وأن يتكلم كلّ منهم بما حضره من الكلام المرتجل، لكي يعلم كِسرى أن العرب على غير ما يظن أو تحدثه نفسه به، على أن لا ينطق أحد منهم بما يغضبه ولا ينخزلوا -

стр. 1756

ينخذلوا - انخذال - الخاضع الذليل. وكتب معهم كتابًا إلى كسرى يخبره فيه بأنه أوفد إليه رهطًا من العرب لهم فضل في أحسابهم وأنسابهم وعقولهم وآدابهم، لِيَسْمَعَ منهم ويُكرمه بإكرامهم وتعجيل سراحهم، وقال له: إنه قد نسبهم في أسفل كتابه إلى عشائرهم، فخرج القوم بعد أن تساهم النعمان بما في خزانته من طرائف حُلَلِ الملوك؛ كسا كلّ رجل منهم حُلَةً وعَمَّمَهُ عمامة. وخَتمه بياقوتة، وأمر لكل واحد منهم بنجيبة. ودخلوا على كسرى، وأذن لهم بالكلام، فتتابعوا في خُطبهم المرتجلة: أكرم بن صيفي، فحاجب بن زرارة التميمي، فعمرو بن الشريد السُّلَمي، وقال له عمرو بن الشريد: (أيها الملك نعم بالك، ودام في السرور حالك، إن عاقبة الكلام متدبرة، وأشكال الأمور معتبرة، وفي كثير قلة، وفي قليل بُلْغَةٌ، وفي الملوك سَوْرة العز، وهذا منطلق له ما بعده، شَرُف فيه من شَرُفَ، وخمل فيه من خمل، لَمْ نأت لِضَيْمِكَ، ولم نَفِدْ لسخطك، ولم نتعرض لِرفْدك، إنَّ في أموالنا مُنْتَقَدًا، وعلى عزنا معتمدًا، إن أوْرَيْنَا نارًا أَثْقَبْنَا، وإن أرود - رَفَقَ - دهر بنا اعتدلنا، إلَّا أنَّا مع هذا لجوارك حافظون، ولمن رامك كافحون حتى يُحمد الصَّدَرُ، ويُستطاب الخبر". وقد أجابه كِسرى بقوله: "ما يقوم قصد منطقك بإفراطك، ولا مدحك بذمك". عباس بن رعل السُّلَمي كان عباس هذا أحد القادة في حرب الفجار التي وقعت بين قريش وأحلافها من الأحابيش، وبين قيس عَيْلان ومنهم بنو سُلَيْم، وكانت الدبرة أول النهار لقيس على قريش وكنانة ومن ضَوَّى إليهم، ثم صارت الدبرة آخر النهار لقريش وكِنانة على قيس، فقتلوهم قتلًا ذريعًا، حتى نادى عُتبة بن ربيعة يومئذ - وإنه لشاب ما كملت له ثلاثون سنة - إلى الصلح، فاصطلحوا على أنَّ عدّوا القتلى، وودت قريش لقيس ما قتلت فضلًا عن قتلاهم، ووضعت الحرب أوزارها. وقد حضر النَّبِيّ ﷺ مع عمومته هذه الحرب ورمى فيها بأسْهُمٍ، وكان عمره يومئذ عشرين سنة، وكان الفجار بعد الفيل بعشرين سنة، وقالت العرب في الفجار - كدأبها في هذه المواقف - أشعارًا كثيرة (١).

стр. 1757

حكيم بن أمية السُّلَمي والد جد حكيم السُّلَمي هو: حارثة بن الأوقص (١) بن مُرَّة بن هلال بن فالج بن ذكوان بن ثعلبة بن بُهْثَة، كان حكيم هذا نصب نفسه "محتسبًا" بمكة في زمن الجاهلية، فكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهذا أمر عجيب: أن يقوم جاهلي في مكة من سُلَيْم بمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذا الأمر يدلُّ على أنَّه كان بمكة جالية مهمة من سُلَيْم، وإلا ما استطاع حكيم أن يقوم بهذا الأمر الذي ربما ترى قريش نفسها أحق به منه؛ لأنهم سدنة بيت الله المقيمون بجواره، والمقيمون لشعائر الحجِّ من رفادة وسقاية إلخ، وقد بلغ نفوذ حكيم السُّلَمي محتسب مكة المتطوع إلى أن بعض سفهائها عَبَّرَ - شعرًا - عن "مطاردة" حكيم له ولأضرابه من السفهاء وأصحاب اللهو والمجون، فقال ذلك السفيه: أُطَوِّفُ في الأباطحِ كُلّ يوم … مخافة أن يشردني حكيم (٢) فحكيم إذن كان ذا مكانة عالية لا تُنال. وكان ذا نفوذ واسع في أحياء مكة، حتى إنه كان يُطارِدُ ويُلاحِقُ مُجَّانهم، ويطهِّر بيت الله من وجودهم حوله، وقد يكون حكيم اكتسب هذه المنزلة الرفيعة لقرابته من "عاتكة" جَدَّةِ النَّبِيّ ﷺ ، من قبل بني زهرة أهل والدته. قيس بن خُزَاعي السُّلَمي ارتفع صيتُ بني سُلَيْم، بين العرب، حينما بعث (يوسطنيان) رسولا اسمه: "يوليانوس" (جوليانويس) (Julianus) - إلى النجاشي، وإلى (السميفع أشوع) (Esimphanu) حاكم اليمن في القرن السادس الميلادي (٣) ليتودد إليهما وليطلب منهما باسم (العقيدة المشتركة) التي تجمعهما أن يُكَوِّنا مع الروم جبهة واحدة في محاربة الساسانيين - (الفُرس)، وأن يقوما مع من ينضم إليهما من قبائل العرب

стр. 1758

بمهاجمتهم، وحَمَل (يوسطنيان) سفيره الآنف الذكر، إلى (السميفع أشوع) رجاءً آخر. هو طلب موافقته على تعيين رئيس عربي اسمه (Kaisos) - (قيس) - عاملًا: (فيلارخًا) (Phyiarch) على قبيلة عربية تدعى: (معديني) - (Maddeni) أي قبيلة (مَعْد) ليشترك معه، ومع عدد كبير من أفراد هذه القبيلة بمهاجمة الساسانيين (الفُرس). وقد رجع سفير (يوسطنيان) مغتبطًا بنجاح مهمته، معتمدًا على الوعود التي أخذها من العاهلين: "النجاشي" ملك الحبشة، و"السميفع أشوع" حاكم اليمن، غير أنهما لَمْ يفعلا شيئًا مما تعهدا به للسفير، فلم يَغْزُوا الفُرس، ولم يعين (السميفع أشوع) "قيسًا" - (فيلَارخا) - أي عاملًا على قبيلة مَعْد. وقد وصف المؤرخ (بروكوبيوس) (Kaisos) (Caisus) (قيسًا) بأنه كان شجاعًا ذا شخصية قوية مؤثرة، حازمًا، من أسرة سادت قبيلة مَعْد، وقتل أحد ذوي قرابة (السميفع أشوع) (Esimiphaeus) (Esimaphaios) فتعادي معه - فعاداه - بذلك حتى اضطر إلى ترك دياره والهرب إلى مناطق صحراوية نائية، فأراد القيصر أن يشفع له لدى (Esimaphaios) ورجاه أن يوافق على إقامته رئيسًا (Phylarch) على قبيلة مَعْد. وهناك رواية لابن إسحاق جاء فيها أنَّ أبرهة عَيَّنَ محمد بن خُزَاعي عاملًا له على مُضَر، وأنَّ (قيسًا) كان يرافق أخاه محمدًا حين كان في أرض كِنَانة، فلما قتل (محمد) فرَّا - فر - إلى أبرهة (١). ولعلنا نستطيع من تحليل الحوادث السالف ذكرها أن نتوصل إلى تقرير هذه النظرية أو هذه النتيجة: وذلك أنه لما لَمْ يقبل (السميفع أشوع) حاكم اليمن وساطة القيصر (يوسطنيان) في تعيين قيس السُّلَمي فيلارخًا - عاملًا على قبيلة مَعْد - أي

стр. 1759

قبيلة بني سُلَيْم المَعديَّة، ظلت فكرة تولية سُلَمي بَطَلٍ حازم على قبيلة بني سُلَيْم للاستعانة بقوتهم وبكثرة عددهم وببطولتهم في تطويع الخارجين على طاعة أبرهة من العرب بأرض كِنَانة - تراود ذهن أبرهة، ومن ثَمَّ وَلى محمد بن خُزاعي رئاسة القبيلة المذكورة، ولما كان محمد أكبر سنا - فيما نرى - من أخيه قيس المرشح من قبل يوسطنيان للزعامة، رأى قيس أن ينضوي تحت رعامة أخيه، فزعامته زعامة له هو أيضًا، وقام محمد بن خُزَاعي بمهمته حتى قُتل خلال ذلك، ففر قيس إلى أبرهة باليمن خوفًا من حدوث ما لا تحمد عقباه عليه، ودليلنا على أنَّ قيسًا سُّلَمي هو ما ورد في سلسلة نسب أخيه محمد بن خُزاعي، من أنه: محمد بن خُزَاعي بن علقمة بن محارب بن مُرّة بن هلال بن فالج بن ذكوان السُّلَمي، وما ذكر من أنه كان في جيش أبرهة مع الفيل يجعلنا نرى أن قتله ربما كان مع أصحاب الفيل في طريقهم إلى مكة المكرمة. والوساطة المشار إليها آنفًا من القيصر لقيس لدى السميفع أشوع، بأن يوليه رئاسة قبيلة مَعْد التي نرى أن المقصود منها هو قبيلة سُلَيْم المعدية، لا قبائل مَعْد كلها كما يتبادر من ترجمة النص الأجنبي - تضع أصابعنا على أمرين: بُعْدِ صيت سُلَيْم الذي بلغت أصداؤه يومئذ أنحاء العالم المجاور لبلاد العرب، وشهرة بسالة قيس في مختلف الأوساط هي مما حمل القيصر على أن يطلب إلى (السميفع أشوع) توليته على قبيلته المعدية، ليكون له خير معين على تطويع من يجافي دولته من العرب لتأمين سبل تجارتها الخارجية. ولقيس هذا ابن اسمه معاوية، وقيس ومعاوية من الأسفاء الشائعة قديمًا في بني سُلَيْم، ومن هؤلاء الصحابي قيس بن نسيبة السُّلَمي المُترجَم في فصل: (صحابة من بني سُلَيْم)، وقيس بن سباع بن خُزاعي بن محارب بن هلال، ومعاوية بن عمرو بن الشريد؛ أخو الخنساء الشاعرة السُّلَمية المشهورة، ومعاوية بن قرَّة السُّلَمي الصحابي. وقد زار والد (نونوسوس) (Nonnosos) " قيسًا" مرتين، وذلك قبل سنة ٥٣٠ م، وزاره "نونوسوس" نفسه أيضًا أثناء حكمه - حكم قيس - وربما كان ذلك أثناء رئاسته لقبيلة بني سُلَيْم التي يُعَبَّر عنها في النص الأجنبي المنقول إلى العربية

стр. 1760

بقبيلة مَعْد، و"مَعْد" والد قبائل لا قبيلة واحدة، وربما كانت رئاسة قيس للقبيلة المذكورة بعد مقتل أخيه محمد بن خُزاعي وقبل فراره هو إلى أبرهة أو بعده، وقد أرسل قيس ابنه معاوية إلى (يوسطنيان)، وأعطى القيصر الإمارة لمحمد بن خُزاعي أخي قيس ثم لابن قيس، وكانت هذه الإمارة على فلسطين (١)، وربما كان هذا كله بعد إخفاق وساطة القيصر لدى "السميفع أشوع" حاكم اليمن في تنصيب قيس "فيلارخًا" - عاملًا على قبيلة بني سُلَيْم أو على "قيس" المعدية كلها. هذا، وبمراجعتنا لعمود نسب حكيم بن أمية السُّلَمي الذي سبقت ترجمته في هذا الفصل والذي نصب نفسه "محتسبًا" في مكة، وفي زمن الجاهلية يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويطارد المُجَّانَ والعابثين والسفهاء ويُجليهِمْ عن مكة - وجدناه هكذا: (حارثة - وهو جد حكيم الأول - ابن الأوقص بن مُرّة بن هلال بن فالج بن ذكوان بن ثعلبة بن بُهْثَة السُّلَمي). وقيسٌ - على ما نرى ويُلَمِّحُ إليه صاحب كتاب "المفصَّل في تاريخ العرب قبل الإسلام" - سُلَمِيٌّ، وإذا تأملنا نَسَبَهُ فإننا نجده هكذا: (قيس بن خُزَاعي بن علقمة بن محارب بن مُرّة بن هلال بن فالج بن ذكوان بن ثعلبة بن بُهْثَة السُّلَمي). وفي البيان المقارن التالي يتضح أن "حكيمًا" و"قيسًا" متساويان في عدد الآباء إلى جدهما: (مُرّة بن هلال): (١) (٢) (٣) (٤) ١ - حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص بن مُرَّة. (١) (٢) (٣) (٤) ٢ - قيس بن خُزاعي بن علقمة بن محارب بن مُرَّة.

стр. 1761

ويتفق محمد وقيس ابنا خُزَاعي في الانتساب إلى محارب بن مُرّة بن هلال، ومحارب - كما يبدو - أخو الأوقص، وهما ابنا مُرّة بن هلال بن فالج، كما يتفق في هذه السلسلة من النسب كلّ من البطلين: عُمير بن الحباب، والجحَّاف بن حكيم السُّلَميين، إلَّا أن خُزَاعي بن محارب هو الجد الرابع للجحَّاف، ومحاربًا هو الجد الرابع في عمود نسب عمير (١). الضحَّاك بن عبد الله السُّلَمي كان الضحَّاك بن عبد الله السُّلَمي رئيس بني سُلَيْم، حينما كان العباس بن مِرْدَاس وخُفاف بن ندية السُّلَميان يتلاحيان ويتقاتلان بعد ما حَمِيَ وطيس الهجاء بينهما، وقد جَرَّا معهما قبيلة بني سُلَيْم إلى التعادي والتقاتل، وقد تألم الضحَّاك من هذه الحرب الأهلية فأسدى لهما النصح بمجانية ما هما عليه، إبقاءً لمكانة القبيلة وصونًا لوحدتها وقوتها، فما أصغيا لنصحه ولَجَّا في الخصام، وكثرت القتلى في سُلَيْم، وحينئذ خلعتهما بنو سُلَيْم (٢). مُجاشع السُّلَمي قدمنا له ترجمة في فصل: (صحابة من بني سُلَيْم)؛ لأنه من صحابة رسول الله ﷺ ، ونحن هنا نأتي بموجز من ترجمة حياته الإدارية والحربية والاجتماعية، فقد ولي إمارة البصرة نيابة عن المغيرة بن شعبة ﵄، وفي أثناء إمارته على البصرة نيابة عن المغيرة بن شعبة عاملها الأصيل من قِبَلِ عمر بن الخطاب انتهز الفرصة فغزا كابل بأفغانستان، وصالحه صاحبها "الأصبهبذ"، وكان على يديه فتح حِصْن أبرويز بفارس، وكان في يوم الجمل مع أم المؤمنين عائشة ﵂، أميرًا على كتيبة بني سُلَيْم، وقد قُتل في ذلك اليوم قبل الوقعة، ودفن نداره في بني سدوس بالبصرة. وكان مُجاشع من الأجواد، وفد عليه الفارس والشاعر الشهير عمرو بن مَعْدِ كَرْب المرادي من مَذْحِج القحطانية، وهو في البصرة، فأعطاه عشرة آلاف درهم وفرسًا وسيفًا ودرعًا (٣)، وقال لعمرو بن مَعْد كرب حينما وفد عليه: "اذكر

стр. 1762

حاجتك! " فقال له عمرو: "حاجتي صلة مثلي"، فأعطاه ما ذكر آنفًا، وأضاف إلى عطيته السالفة غلامًا خبازًا، فلما خرج عمرو من عنده قال له أهل المجلس: كيف وجدت صاحبك؟ قال: الله درُّ بني سُلَيْم؛ ما أشَّدَّ في الهيجاء لقاءها، وأكرم في الأواء عطاءها، وأثبت في المكرمات بناءها، والله يا بني سُلَيْم لقد قاتلناكم في الجاهلية فما أجْبنَاكُمْ، ولقد هاجيناكم فما أفحمناكم، وقد سألناكم فما أبخلناكم (١)، وقال شعرًا منه: فلله مسئولًا نوالًا ونائلًا … وصاحب هَيْجٍ يوم هَيْجٍ مجاشعُ (٢) وجاء في رواية أخرى أن مُجاشعًا أمر لعمرو بن مَعْد كرب بعشرين ألف درهم وفرس عتيق جواد وسيف صارم وجارية نفيسة، فمر ببني حنظلة (من تميم) فقالوا له: يا أبا ثور كيف رأيت صاحبك؟ فقال: الله درُّ بنو سُلَيْم، ما أشد في الحرب لقاءها، وأجزل في اللزبات عطاءها، وأحسن في المكرمات ثناءها، ولقد قاتلتُها فما فَلَلْتُها، وسألتها فما أبخلتها، وهاجيتُها فما أفحمتها (٣). وهاتان الروايتان، وإن اختلفتا شكلًا ولفظًا فهما متفقتان موضوعًا ومعنى. يزيد بن معن السُّلَمي من الحديث التالي الذي دار بين يزيد ومعاوية يبدو لنا أنه كان أثيرًا لدى معاوية، فقد قال له حينما شق عليه سقوط مقادم فمه: والله ما بلغ أحد سنك إلَّا كَرِهَ بعضه بعضًا، ففوك أهون علينا من سمعك وبصرك، فطابت نفس معاوية بهذه الكلمة (٤)، ولابدَّ أن معاوية كان يركن إلى رأيه ولذلك استحسن قوله، فهو إذن بمثابة مستشار خاص له فيما نفترضه ما ذكر. طُرَيْفَةُ بن حاجز السُّلَمي من أمراء الإسلام في بني سُلَيْم في خلافة أبي بكر الصديق ﵁

стр. 1763

وقد ثبت على دينه وحارب بني عمه المرتدين حتى نصر الله الإسلام، كتب إليه أبو بكر الصديق في قتال الفُجاءة السُّلَمي الذي ارتد والذي أحرقه أبو بكر بالنار، فسار طريفة في طلب الفجاءة، وكان طُرَيْفَةُ وأخوه: معن بن حاجز الذي تلى ترجمته مع خالد بن الوليد، وكان مع الفجاءة، نجبة بن أبي الميثاء، فالتقى نجبة وطُرَيْفَةُ فتقاتلا، فقتل الله نجبة على الردة، ثم سار طُرَيْفَةُ مع أخيه حتى لحقا بالفجاءة السُّلَمي، واسمه إياس بن عبد الله بن ياليل، فأسره وأنفذه إلى أبي بكر، فلما قدم عليه أوقد له نارًا وأمر به فقذف فيها حتى احترق (١). مَعْن بن حاجز السُّلَمي كان هو وأخوه طُرَيْفَةُ بن حاجز مع خالد بن الوليد مُسلمين في الردة، وكان معن أميرًا لأبي بكر ﵁ على بني سُلَيْم، وقد ثبته الله على الإسلام هو وأخاه طُرَيْفَة بن حاجز، وولاه أبو بكر قيادة المسلمين من بني سُلَيْم لمحاربة المرتدين عن دين الله منهم، وعندما تلقى كتاب أبي بكر بذلك استخلف أخاه طُرَيْفَةُ بن حاجز على عمله، وسار إلى المرتدين من قومه ليُنَاجزهم، وقد تقدم لنا في ترجمة أخيه أنهما قاتلا الفجاءة ووقع في الأسر، وقد أحرقه أبو بكر في ناحية المصلى - مسجد الغمامة بالمدينة (٢). عمرو بن سفيان أبو الأعور السُّلَمي فارس أهل الشام، وكان فيمن كفر وغدر بِرُسُلِ رسول الله ﷺ فقنت رسول الله ﷺ شهرًا يدعو على قبائل من سُلَيْم، منها رِعْلٌ وذَكوانُ وعُصَيَّةُ، وقال عنها الرسول: "عَصَتِ الله ورسوله" وسمى عمرو بن سفيان باسمه ولعنه ولعن سهلًا ذا الأسنان - الأشنان - وأبا سفيان، وأسلم أبو الأعور بعد ذلك وحضر فتوح الروم بالشام وأبْلَى ورأس هناك، ثم كان رئيس الفتنة القيسية يوم صفين بالشام. وعظيم القدر عند معاوية، ومشهور الخبر ويقول الشعر. وأورد ابن الحجاج أيضًا أنَّ معاوية غرض بجلسائه فقال لحاجبه: أطْلُبْ لي

стр. 1764

قومًا يحدثوني سواهم، فوجد ببابه أبا الأعور ومعن بن يزيد بن الأخنس ونصر بن الحجاج بن علاط السُّلَميين، فأدخلهم، فخاطبهم معاوية وخاطبوه بكلام طويل، ثم أمر بإخراجهم، فكتب إليه أبو الأعور: مُعَاوِيَ! أما الْتَمَسْتَ الرجال … لفتلك التي مِثْلُها يُلْتَمَسْ فقد أمكنك لعمري الأمور … من الكاشفي عنك ما قد لبسْ من إيراد أمْرٍ، وإصدارِه … وَهَمٍ تطاولَ فيه النَفَسْ فإما تُرِدْنَا لِهَنْيِ الجِمَال … ومَدِّ الدِّلاء وجَرِّ الْفَرَسْ وإطراقنا بعد ثَنْي السؤال … فليس بنا - يا ابن هند - خَرَسْ (١) وأبو الأعور جد عبيد السُّلَمي أو "عبيدة" والي أفريقية أو عم أبيه، واسمه عمرو بن سفيان بن عبد شمس بن سعد بن خائف بن الأرقص بن مُرّة بن هلال. وكان أبو الأعور أحد قواد معاوية بن أبي سفيان (٢). ذكر ابن عبد البر في الاستيعاب، أنه يُعدُّ في الصحابة، ولكن أبا حاتم الرازي أنكر ذلك وقال: لا يصح له صحبة ولا رواية، وكان من أشد النّاس على عليِّ ﵁، وحدث بقصة هزيمة حُنَيْن، وكان عليٌّ يذكره في القنوت، في صلاة الغداة يقول: "اللهم عليك به" مع قوم يدعو عليهم في قنوته. عُمَيْر بن الحُبَاب السُّلَمي هو عمير بن الحباب بن جعدة، رأس القيسية في العراق وأحد الأبطال الدهاة. كان عمير ممن قاتل عبيد الله بن زياد الأموي مع إبراهيم بن الأشتر النخعي بالخازر، ثم أتي قرقيسيا خارجًا على عبد الملك بن مروان، وتغلَّب على نصيبين، واجتمعت عليه كلمة قيس كلها، ونشبت بينه وبين اليمانية وبني كلب وتغلب - وقائع منها يوم ماكسين ويوم الثرثار الأول ويوم الثرثار الثاني

стр. 1765

والفدين والسكير والمعارك والشرعية والبليخ ويوم الحشاك، وهذا اليوم الأخير - يوم الحشاك - هو الذي قُتل فيه عمير بن الحباب السُّلَمي. قتله بنو تَغْلِب (١). وكان بطل هذه الوقائع كلها. وقد استَشهَد "المُبرَّد" بقول عمير بن الحُباب السُّلَمي: أنا عمير وأبو الْمُغَلِّسْ … وبالقناة مازِنِيٌّ مِدْعَسْ استشهد به على أنَّ معنى: (دعسه بالرمح: طعنه). وكان مقتل عمير بن الحباب بسنة ٧٠ هـ - ٦٩٠ م (٢). عبيدة (أو) عبيد بن عبد الرَّحمن السُّلَمي (٣) هو أخو الأعور السُّلَمي أو ابن أخيه، هكذا نسبوه، وأرى بناءً على ما سبق عن أبي الأعور أن المناسب أن يكون عبيدة، حفيده أو ابن عم أبيه. قَدِم عبيدة أو عبيد بن عبد الرَّحمن السُّلَمي إلى "إفريقية" في سنة عشر ومائة، واليًا عليها من قبل هشام بن عبد الملك الخليفة الأموي بدمشق. وقد حَدَّثَ موسى بن أشعث عن قصة مقدم عبيدة أو عبيد من المشرق إلى المغرب - كما شاهدها - وهي قصة طُرَيْفَةُ ومثيرة تعبِّر عن نفسية عبيدة أو عبيد السُّلَمي وعن اتجاهاته وأخلاقه، وخاصة في الفقرة التي يُخاطب فيها الأميرُ عبيدةُ أو عبيدٌ هذا الرجلَ الذي يقابله مصادفة وهو على مداخل القيروان، وأعني به موسى بن الأشعث فيقول له: (أنا أميرك عبيدة بن عبد الرَّحمن)، وهذا اعتزاز واضح بالنفسِ وبالمنصب، لعله هو الذي حمله على أن ينكل بكبار النّاس في أفريقية عَقِبَ مباشرته لأعمال منصبه، وكان من هؤلاء "أبو الخطَّار" ابن ضرار

стр. 1766

الكلبي المجاهد السريَّ الكريم والشاعر الفحل، وقد حمل عليه أبو الخطَّار حيال تنكيله به في نفسه، فأرسل - سِرًّا - قصيدته السياسية المثيرة العنيفة إلى الخليفة هشام، فلما قرئت عليه استشاط غضبًا على عبيدة وعزله عن ولاية أفريقية وَوَليَّ مكانه أحدَ الموالي مما سيأتي تفصيله، ونحن نعلم ما كان قد حدث بين قيس - ومنهم بنو سُلَيْم معشر عبيدة - وبني كلب من قتال ضارٍ في "مرج راهط" وعقابيل ذلك، ولعلَّ هذه الحرب الضروس التي انهزمت فيها قيس ووقعت فيها مقتلة عظيمة منهم، كانت السرَّ الدفين وراء حرد عبيدة على أبي الخطَّار، ونحن نعلم أيضًا مكانة بني كلب في الدولة الأموية منذ تزوج معاوية ابنتهم ميسون وأولدها يزيد بن معاوية، ومنذ ناصروا الأمويين وأيدوا خلافتهم ضد عبد الله بن الزبير، وضد أشياعه الكثر في الشام حتى وضعوا في يد الأمويين صولجان الخلافة أو الملك، فلا غرو أن يأخذ هشام - وهو ابن عبد الملك - الخليفة أو الملك الذي ساعدته بنو كلب بإصرار على تولية الحكم ومشت في ركابه حتى آخر الشوط ضد خصمه الأَلدِّ في مكة: عبد الله بن الزبير، وضد مناصريه القروم من قيس ومنهم بنو سُلَيْم، لا غرو أن يأخذ بناصر أبي الخطَّار الكلبي فيستشيط غضبًا للإهانة التي لحقته فيعزل الوالي السُّلَمي الجريء المتهور: عبيدة أو عبيد بن عبد الرَّحمن الذي تجاوز حده، فقسا على أبي الخطَّار الكلبي. بعد هذه المقدمة، ها نحن أولاء ننقل لك ما دار بين عبيدة أو عبيد بن عبد الرَّحمن السُّلَمي أمير أفريقية وموسي بن الأشعث من حوار، قال موسى بن الأشعث: "خَرَجْتُ من منزلي إلى الرملة، وكانت سكةً للبريد، فبينما أنا متوجه نحو القيروان إذ أنا بركب ثمانية على دواب البريد، فتصديت للقائهم، فإذا قوم سَراة، أجد عرف المسك كلما ضَرَبَتِ الريحُ إليَّ منهم، فسلم أحدهم وهو من أحسنهم هيئة وملبسًا ومركبًا، فرددتُ ﵇، وقال: سِرْ هاهنا! .. فَملْتُ إليه آخذًا معهم نحو القيروان، فسألني عن بعض حديث النّاس والبلد سؤال من لا يعرف البلد، فقلت: إذا توالت الغيوث فالواحد مائة قال: ينبغي أن يكون فحصًا مِسْناتًا، يعطي عامًا في أعوام، قلت: أجل! وقد سألتني فأخبرتك، وأنا أُحبُّ - أصلحك الله - أن أعرف من أنت؟ فإني أرى شَارَةً، قال: (أنا أميرك عُبيدة بن عبد الرَّحمن)

стр. 1767

فما زلت أساقطه الحديث مرّة أُنْشيء ومرة أُجيبُ، حتى جئنا مدينة القيروان فمال إلى دار الإمارة، وذلك يوم الجمعة، فألفي العباس بن ناصعة الكلبي قد تهيأ لشهود الجمعة ولبس ثيابه، فقيل له: هذا عبيدة قد قدم أميرًا، فقال: (لا حول ولا قوة إلَّا بالله، هكذا تقوم الساعة بغتة!) فألقى بنفسه فما حملته رجلاه، ودخل عبيدة بن عبد الرَّحمن يجمع النّاس، وأخذ عُمَّال بِشْرٍ فحبسهم وأغرمهم وتحامل عليهم وعذب بعضهم، وكان فيهم أبو الخَطَّار بن ضرار الكلبي، وكان قائدًا جليلًا ورئيسًا شريفًا في قومه، مع فصاحة وبيان وقَوْلِ حَسَنِ الشِّعْرِ، وَوَلِيَ في أفريقية ولايات كثيرة في إمارة بشر بن صفوان، وولي بعد ذلك إمارة الأندلس. فقال: أفادت بنو مروان قيسًا دِمَاءَنَا … وفي الله إن لَمْ يعدلوا، حَكَمٌ عَدلُ وقيناكُمُ حرَّ القنا بصدورنا … وليس لكم خيل سوانا ولا رَجلُ فلما بلغتم نيل ما قد أردتمو … وطابت لكم فيها المشارب والأكلُ تغافلتمو عنا كأن لَمْ نَكُنْ لكم … صَدِيقًا وأنتم ما علمت لنا وصلُ وبعث بها إلى "الأبرش الكلبي"، فدخل على هشام وقرأها، فغضب هشام، وأمر بعزل عبيدة بن عبد الرَّحمن عن إفريقية، فقفل منها، واستخلف على أفريقية عُقبة بن قدامة التجيبي وذلك في شوال سنة أربع عشرة ومائة، ووليَّ هشامُ بن عبد الملك على أفريقية، عبيد الله بن الحبحاب مولى بني سلول" (١). وهكذا كانت عاقبة ولاية عبيدة السُّلَمي، لَمْ يصانع في أمور كثيرة كان على مثله أن يصانع فيها، ليظل في إمارة هذا القطر النائي عن دار الخلافة أطول مدة ممكنة، لقد تعجل وطغت عاطفته ونزعاته القبلية على عقله وحكمته، فكانت

стр. 1768

عاقبته العزل السريع العنيف من قِبَل هشام، وكما قال زُهير بن أبي سُلمى شاعر مُزَيْنَة: ومن لَمْ يُصَانِعْ في أمور كثيرة … يُضَرَّس بأنْيابٍ ويُوطَأْ بمنسم عبد الله بن خازم السُّلَمي يكنى أبا صالح كان شجاعًا صنديدًا وفارسًا مغوارًا وقائد حرب مُحنَّكًا، وكانت أمه سوداء، فهو من هذه الناحية يماثل خُفافَ بن ندبة الذي كانت أمه (نُدْبَةُ) سوداءَ، وكان أقوى النّاس أَيْدًا وأعظمهم بسالة، وقد وُصِفت قوته البطولية الخارقة فقيل كان أقوى من الأسد؛ وذلك لأنه فتح مدينة وحده!، كان على خراسان عشر سنين، وكان الحشرج بن الأشهب جمع له جموعًا وغلب على قهستان، فسار إليه عبد الله بن خازم، فقتله وأخذها منه، ثم فتح الطبسين، ثم ثار به أهل خراسان من العرب وقاتلوه فخر صريعًا بالمعركة. ولما قدم قَتَيْبَةُ بن مسلم الباهلي خراسان، أبْلَغَ النّاس بقوله: "من كان في يديه شيء من مال عبد الله بن خازم فلينبذه، وإن كان في يده فليلفظه، وإن كان في صدره فلينفثه". وقد عجب النّاس من حسن ما فَصَّل وَقَسَّمَ، ثم غبر بعد ذلك عيال عبد الله بن خازم، وما بخراسان أحسن حالًا منهم (١). ويبدو لي أن حسنًا السندوبي قد دخل عليه وهم في تحقيقه الذي شرح به سيرة عبد الله بن خازم، فقد ذكر فيما ذكر أن (قَتْلَهُ بالمعركة كان في عهد معاوية: سنة ٥٦ هـ) (٢)، والواقع الذي يقرره التاريخ الصحيح أنَّ عبد الله بن خازم كان والي خراسان لعبد الله بن الزبير، وحاول عبد الملك بن مروان أن يستميله إليه مختلف وسائل الإغراء السياسي والمادي فلم يقبل نقض بيعته لابن الزبير، وأصَرَّ عليها كلّ الإصرار، فلما يئس عبد الملك من اجتذابه إليه سلط عليه تبار دهائه فجعل كبار معاونيه ورجاله الذين يعتمد عليهم في كفاحه وولايته، ينقلبون عليه خفية وهو لا يدري، ولقد تآمروا عليه حتى قتلوه في معركة ضارية جرت بينهم

стр. 1769

وبينه، وكان ذلك بعد مقتل مصعب بن الزبير في عهد عبد الملك بن مروان وفي سنة ٧٢ هـ. هذا، وقد ترجم لعبد الله بن خازم، كثير من المؤرخين، وممن ترجمه ترجمة وافية صاحب "خزانة الأدب" فقال عنه: هو أحد غربان العرب في الإسلام (١)، وكان من أشجع النّاس، وقتله بنو تميم بخراسان في سنة اثنتين وسبعين، وكان الذي ولي قتله وكيع بن الدورقية القريعي، وكان ابن خازم أمر خراسان من قِبَلِ ابن الزبير. وكان أولًا استعمله ابن عامر على خراسان في أيام عثمان، وكان أحد الأبطال المشهورين، وقد حضر مواقف مشهورة وأبلى فيها). وبعد ذلك وصف لنا عبد القادر البغدادي كيف قُتل، فقال: (وهذا خبر مقتله من تاريخ النويري، قال: (ولما قُتِلَ مصعب بن الزبير كان ابن خازم يُقاتل بجير بن ورقاء التميمي بنيسابور، فكتب عبد الملك بن مروان إلى ابن خازم يدعوه إلى البيعة، ويطعمه خراسان سبع سنين، فامتنع وأطعم كتابه لرسوله، وكتب عبد الملك إلى بكير بن وشاح (٢) - وكان خليفة ابن خازم على مرو - وتعهده على خراسان ووعده ومنَّاه، فخلع بكيرٌ بن خازم ودعا إلى عبد الملك، فأجابه أهل مرو، وبلغ ابْنَ خازم، فخاف أن يأتيه بكير فيجتمع عليه أهل مرو وأهل نيسابور، فترك بُجَيْرًا (٣) وأقبل إلى مرو، فاتَّبَعَهُ بجير فلحقه بقرية على ثمانية فراسخ من مرو، فقاتله، فقتل ابن خازم، وكان الذي قتله وكيع بن عمرو القريعي (٤)، اعتوره وكيع وبجير بن ورقاء وعمار بن عبد العزيز، فطعنوه فصرعوه، وقعد وكيعُ على صدره، فقتله، وبعث بشيرًا بقتله إلى عبد الملك، ولم يبعث برأسه، وأقبل بُكَيْرٌ في أهل مرو فوافاهم حين قتل ابن خازم، فأراد أخذ الرأس وإنْفَاذَهُ إلى عبد الملك فمنعه بجير). هذا ما قاله النويري ونقله عنه عبد القادر البغدادي صاحب "خزانة الأدب"،

стр. 1770

وقد نقد البغدادي قَوْلَ النويري هذا، وعلَّق عليه بقوله: كذا قال النويري، وهو خلاف قول الفرزدق: فما منهما إلَّا بعثنا برأسه … إلى الشام فوق الساجحات الرواسم (١) وأقول: إن الضمير في قول الفرردق: (فما منهما) يعود إلى "ابن قُتَيْبَةُ وابن خازم" - حيث قال الفرزدق في القصيدة نفسها وقبل البيت المار ذكره: أتغضبُ أنْ أُذُنْا قتيبة حُزَّتَا … جهارًا ولم تَغْضَبْ لقتلِ ابن خازم وقد حَدَّثَنَا ابنُ الأثير بقصة رأس ابن خازم، حيث قال عن رغبة بكير في أخذه إلى عبد الملك: (فمنعه بجير، فضربه بكير بعود وحبسه، وسَيَّرَ الرأس إلى عبد الملك، وكتب إليه يخبره بأنه هو الذي قتله، فلمَّا قدم الرأس دعا عبد الملك رسول بكير، وقال: ما هذا؟ قال: لا أدري، وما فارقتُ القوم حتى قتل ابن خازم)، ثم أوْرَدَ ابنُ الأثير الروايةَ القائلة بأن قتل ابن خازم كان بعدُ. أبو العاج: كثير بن عبد الله السُّلَمي هو أبو العاج كثير بن عبد الله بن فروة بن الحارث بن حنتم بن عبد بن حبيب بن مالك بن عوف بن يقظة بن عُصَيَّة، ولي البصرة (٢). الجحَّاف بن حكيم السُّلَمي أحد شجعان بني سُلَيْم وفُتَّاكِهِمْ الشُعراء، كان مُعاصرًا لعبد الملك بن مروان، ولما أوقعت تَغْلِب بن وائل، ببني سُلَيْم، وقتلت عمير بن الحباب السُّلَمي كما سبقت الإشارة إليه في ترجمته في هذا الفصل، وتحداه "الأخطل" الشاعر التغلبي الفحل في الشعر لا في الحرب، تحداه في أبيات معروفة، نهض عند ذاك الجحَّاف بقومه: (بني سُلَيْم) مستعملًا دهاءه وشجاعته وحميته معًا، فقتل كثيرًا من التغلبيين، وبَقَرَ بطون النساء الحوامل، وقتل غير الحوامل، فما كان من تَغْلِب إزاء هذه الفتكة "الجحَّافية السُّلَمية" غير المتوقعة إلَّا أن يستجيروا بعبد الملك، فأهدر دم

стр. 1771

الجحَّاف، فهرب إلى بلاد الروم فأقام سبع سنين، وبعد موت عبد الملك أمنه الخليفة بعده: الوليد - في رواية - فرجع (١). هذا، ومنذ معركة مرج راهط، كانت المعارك مستعرة بين قيس وتغلب بالشام والجزيرة - شمال العراق، وفي سنة ٧٣ هـ كان مقتل عبد الله بن الزبير ﵁، فهدأت الفتنة بين العنصرين، واجتمع النّاس على عبد الملك بن مروان، وتَكَافَتْ قيس وتغلب عن المغازي، وإن كان في أنفس زعمائها ورجالها شيء كبير من الحقد على بعض، وتكلم عبد الملك في ذلك ولكنه لَمْ يُحكم الصلح، وبينما هم على ذلك الحال من المهادنة إذ قام الأخطل فأنشد عبد الملك بن مروان - وعنده وجوه قيس عَيْلان وفيهم الجحَّاف بن حكيم السُّلَمي - أنشد قَوْلَهُ من قصيدة كان نظمها مدحًا في بعض بني أمية: ألا سائِلِ الجحَّاف هل هو ثائر … بقتلى أُصيِبَتْ من سُلَيْمٍ وعامر؟! أجحَّافُ إن نهبط عَلَيْك فتلتقي … عليك بحور طاميات الزواجر تكن مثل أَبْداءِ الحُباب الذي جرى … به البحر تزهاه رياح الصراصر فوثب الجحَّاف يجر مطرفه من الغضب، فقال عبد الملك للأخطل: ما أراك إلَّا قد جررت على قومك شرًّا … ومضى الجحَّاف، فأتي قومه وافتعل كتابًا وحشا جُرُبًا - جمع جراب - ترابًا، وقال لهم: إن عبد الملك قد ولاني بلاد تَغْلِب وهذه الجُرُبُ فيها المال، فتأهبوا وامضوا معي فمضوا معه. فلما أشرف على بلاد تَغْلِب نشر التراب وخرق الكتاب، وقال: ما من ولاية ولكني غَضِبتُ لكم - وأخبرهم بقول الأخطل عند عبد الملك - فَاثْأرُوا بقومكم، فشدَّ علي بني تَغْلِب بالبشر - ماء لهم أو جبل - ليلًا وهم غَارَّون آمنون، فقتل منهم مقتلة عظيمة وهرب من ليلته، وكان ممن وقع في أيدي بني سُلَيْم "الأخطل" الشاعر نفسه، وكانت عليه عباءة دنسة، فسألوه، فذكر أنه عبد من عبيدهم فأطلقوه، فقال ابن صفار في ذلك يخاطب الأخطل: لَمْ تنجُ إلَّا بالتَّعبُّدِ نَفْسُهُ … لَمَّا تَيَقَّنَ أنهم قومٌ عِدّا وتشابهت برق العباء عليهم … فنجا، ولو عرفوا عباءته هَوى

стр. 1772

وقُتِلَ ابْنُ الأخطل المسمى بأبي غياث في غزوة الجحَّاف لبني تَغْلِب، قال جرير يخاطب الأخطل في ذلك: شَرِبتَ الخمر بعد أبي غياث … فلا نعمت لك النَشوات بالا وقد بلغ الأخطلُ في طريق هروبه بليله عبد الملك بن مروان، فاستغاث به، وقال حينما دخل عليه: لقد أوقع الجحَّاف بالبشر (١) وقعة … إلى الله منها المشتكى والمعول فإن لا تُغَيِّرْها قريش بملكها … يكن عن قريش مُسْتَرادٌ ومرحل وفي رواية: (مستزاد ومزحل). فقال له عبد الملك: إلى أين يا ابن اللخناء؟ (٢)، قال: إلى النار يا أمير المؤمنين، قال: أوْلَى لك لو قُلْتَ غيرها (٣). ثم إن الجحَّاف لقي الأخطل فيما بعد، فقال: أيا مالك هل لمتني إذ حضضتني … على القتل؟ أم هل لامني لك لائم (٤) وقد أورد كتاب "الهفوات النادرة" تأليف غرس النعمة أبي الحسن محمد بن هلال الصابي المتوفي سنة ٤٨٠ هـ قصة الجحَّاف السُّلَمي مع الأخطل، ولكنه اختصرها بالنسبة لما جاء في كتاب "الموشح" وبينهما بعض الاختلاف في الأقوال، وهو اختلاف غير جوهري. قال: حضر الأخطل عند عبد الملك بن مروان، فأنشده: ألا سائل الجحَّاف هل هو ثائر … بقتلى أصيبت من سُلَيْمٍ وعامر؟ قال: فاتفق أن كان الجحَّاف حاضرًا فكلح - فعبس - وجهه في وجه الأخطل، وقال مجيبًا:

стр. 1773

نعم سوف نبكيهم بكل مهند … ونبكي عُمَيرًا بالرماح الخواطر يعني عمير بن حُباب السُّلَمي الذي قتلته تَغْلِب، ثم قال (الجحَّاف): لقد ظننت يا ابن النصرانية أنك لَمْ تكن لتجترئ عليَّ ولو رأيتني مأسورًا! وأوعده .. فما زال الأخطل في موضعه حتى حُمَّ، فقال له عبد الملك: أنا جارك منه (١). أما ياقوت في "معجم البلدان" فقد ساق القصة في مادة (بشر) بإسهاب، وزاد على كلا "الموشح" و"الهفوات النادرة" أشياء من أهمها ذِكُرُهُ أن (البشر) - بكسر أوله وسكون ثانيه - هو اسم جبل يمتد من عرض إلى الفرات من أرض الشام من جهة البادية، وفيه أربعة معادن: معدن القار، ومعدن المغرة، ومعدن الطين الذي يعمل منه البَواتِقُ التي يُسْبَكُ فيها الحديد، ومعدن الرمل الذي في حلب، يعمل منه الزجاج، وهو رمل ابيض كالإسفيداج، وهو - أي جبل البشر - من منازل بني تَغْلِب بن وائل، قوم الأخطل الشاعر بطل القصة الصليط إلى جانب بطلها الآخر الفتَّاك: الجحَّاف السُّلَمي. ويفيدنا ياقوت بأن جبل الْبِشْرِ سُمِّيَ باسم شخص هذا اسمه، من النمر بن قاسط، كان خفيرًا لفارس، وقد قتله خالد بن الوليد في طريقه إلى الشام، وكان من حديث ذلك أن خالد بن الوليد لمَّا وقع - (أوقع) بالفُرس بأرض العراق، وكاتبه أبو بكر بالمسير إلى الشام نجدةً لأبي عبيدة، سار إلى عين التمر، فتجمعت قبائل من ربيعة - نصاري - لحرب خالد، ومنعه من النفوذ، وكان الرئيس عليهم عَقَّةَ بن أبي عَقَّةَ قيس بن البشر بن هلال بن ربيعة بن زيد مناة بن عوف بن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن النمر بن قاسط، فأوقع بهم خالد وأسر عَقَّةَ وقتله وصلبه، فغضبت له ربيعة وتجمعت إلى الهذيل بن عمران، فنهاهم حُرْقُوص بن النعمان عن مكاشفته، فعصوه، فرجع إلى أهله وهو يقول: ألا يا اسْقباني قبل جيش أبي بكر … لعل منايانا قريب ولا ندري ألا يا اسقياني بالزجاج وكررا … علينا كُمَيْتَ اللَّوْنِ صافيةً تجري

стр. 1774

أظُنُّ خُيولَ المسلمين وخالدًا … ستطرقكم عنْد الصباح على "البِشر" فهل لكمُ بالسير قبل قتالهم … وقبل خروج المعصرات من الخدر؟ أريني سِلاحي يا أميمة إنني … أخاف بيات القوم أو مطلع الفجر فطرقهم خالد وأعجلهم عن أخذ السلاح، وضرب عنق حرقوص فوقع رأسه في جفنة الخمر (١). وقد تحقق ظنه في طروق خالد لهم في حباح تلك الليلة، والبلاء موكل بالمنطق كما يقولون. وقصيدة الأخطل التغلبي التي فيها بيته: لقد أوقع الجحَّاف بالبشر وقعةً .. إلى الله مِنْها المُشْتَكى والمعولُ وردت في أول ديوانه، وفي رواية أبي عبد الله محمد بن العباس اليزيدي، عن أبي سعيد السكري عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي، وجاء في مقدمة تلك القصيدة أن الأخطل قالها في مدح خالد بن عبد الله بن أسيد بن أبي العيص بن أمية، وجاء في المقدمة المذكورة قولها: (ويذكر وقعة الجحَّاف بن حكيم السُّلَمي)، وبعد البيت المتقدم: فسائل بني مروان ما بال ذمة … وحَبْلٍ ضعيف لا يزال يُوَصَّلُ إلى أن يقول: أتاك بها الجحَّاف ثم أمرته … بجيرانكم عند البيوت تُقَتَّلُ لقد كان للجيران ما لو دعوتمُ … به حافل الأروى أتتكم تغزل فإن لا تغيرها قريش بملكها … يكن عن قريش مستما ومرْحل (٢) وتَعْرُر أناسًا عرة تكرهونها … ونحيي كرامًا أو نموت فنقتل (٣) أما البيت الذي أثار ثائرة الجحَّاف. فهو مطلع خمسة أبيات للأخطل وردت في ديوانه الآنف ذكره بعد ذلك البيت الذي هو:

стр. 1775

ألا سائل الجحَّاف هل هو ثائر … بقتلى أصيبت من سُلَيْمٍ وعامر؟ وفيها يقول الأخطل مُهددًا متوعدًا بني سُلَيْم عامة في شخص الجحَّاف بن حكيم السُّلَمي: أجَحَّافُ إنْ تصْطَكَّ يومًا فَتَصْطَدِمْ … عليك أوَاذِيُّ البحور الزواخر (١) تَكُنْ مِثْل أقْذَاءِ الْحُبَابِ الذي جرى … به الماء أو جاري الرياح الصراصر (٢) لقد حان كُلَّ الْحَينِ من رام شاعرًا … لدى السَّوْرَةٍ العلياءِ عن كُلِّ شاعر ويحدثنا كتاب الأغاني للأصفهاني، فيقول ما ملخصه: (إن عبد الملك أمر الوليد بن عبد الملك فحمل الدماء التي كانت قبل ذلك بين قيس وتغلب، وضَمَّنَ الجحَّاف ما حُمِّلَ، فلحق بالحَجاج الثقفي في العراق يسأله ما حمل لأنه من هَوَازِن، وبعد لأي أعطاه عطاءً جزيلًا وأدَّوا البقية. ثُم تَألَّهَ الجحَّاف بعد ذلك واستأذن في الحجِّ، فأذن له، فخرج في المشيخة الذين شهدوا معه، قد لبسوا الصوف وأحرموا، وَبَرَوا أنوفهم - أي خَرَمُوهَا وجعلوا فيها الْبُرى - ومشوا إلى مكة فلما قدموا المدينة - لأنَّها على طريقهم من الشام إلى مكة - وقدموا مكة، جعل النّاس يخرجون فينظرون إليهم ويعجبون منهم، وقد سُمع عبدُ الله بن عمر، الجحَّاف وقد تعلق بالكعبة وهو يقول: اللهم اغفر لي، وما أراك تفعل!، فقال له ابن عمر: يا هذا، لو كنت الجحَّاف ما زدت على هذا القول، فقال له: أنا الجحَّاف، فسكت ابن عمر، وسمعه محمد بن علي بن أبي طالب وهو يقول ذلك فقال له: يا عبد الله قنوطك من عفو الله أعظم من ذلك. وكان مولد الجحَّاف بالبصرة، فهو من أبناء الجالية السُّلَمية التي اختارت البصرة موطنًا عقب إنشائها، وتوفي نحو سنة ٩٠ هـ - ٧٠٩ م (٣).

стр. 1776

أشرس السُّلَمي هو أشرس بن عبد الله السُّلَمي، أميرٌ من الفضلاء كانوا يسمونه: "الكامل" لفضله، ولَّاه هشام بن عبد الملك إمارة خراسان سنة ١٠٩ هـ فَقَدِمَهَا، وسُرَّ به النّاس، واستمر إلى سنة ١١٢ هـ، وفي تلك السنة غزا المسلمون مدينة فرغانة وعليهم أشرس بن عبد الله السُّلَمي، فالتقاهم الترك وأحاطوا بالمسلمين، وبلغ الخبرُ هشامَ بن عبد الملك، فبادر إلى تولية جنيد بن عبد الرَّحمن المريّ على بلاد ما وراء النهر، ليحفظ ذلك الثغر. توفي أشرس سنة ١١٢ هـ - ٧٣٠ م (١) أي في سنة غزوه لفرغانة وربما كان سبب وفاته اغتمامه من الإخفاق الذي مني به في هذه الغزوة وعزله من الإمارة على إثر ذلك. عمرو بن معاوية السُّلَمي هو من ولد عمير بن الحباب السُّلَمي، أحد الفرسان الثلاثة من بني سُلَيْم، وهم: عبد الله بن خازم (٢)، والجحَّاف بن حكيم، وقد مرت ترجمتهما، وعمير بن الحباب جد عمرو هذا. تولى عمرو بن معاوية ناحية القصرين (تونس) من إفريقية، وخرج على إبراهيم بن الأغلب مع عمران بن مجالد، وكان وزيره الغالب عليه في أموره، ثم خرج ثانية على ولده: زيادة الله بن إبراهيم، وكان قد ولاء القصرين وما إليهما، فتغلب على تلك الناحية وأظهر الخلاف، فلما ظفر به زيادة الله، قتله وولديه: الحباب وسكتان، ودعا أهل بيته فشرب معهم ورءوسهم بين يديه، فغضب لهم منصور بن نصر الجُشَمي من هَوَازِن المعروف بالطنبدي. وكان عاملًا على طرابلس - وتابعه الجند، فاضطربت إفريقية على زيادة الله، وحُصِرَ في قصره، ولم يبق في يده إلَّا الساحل وقابس إلى أن قُتِلَ المنصور.

стр. 1777

ومن شعر عمرو بن معاوية قوله يخاطب مُبارِزَه من أصحاب تمام بن تميم يوم التقى هو وإبراهيم بن الأغلب عند خروج تمام علي بن العكيِّ: مَنْ مُبْلِغ قولي إلى التَّمَّامِ … حِلْفًا برب الحل والحرامِ إنك محمول على الصِّمصامِ … وقد تلاقت حِلَقُ الحزامِ ثم شد عليه عمرو بن معاوية فأرداه (١). يزيد بن أسيد السُّلَمي اسم جده: رافر بن أبي أسماء بن أبي السيد بن منقذ "فرقد" بن مالك بن عوف بن امرئ القيس. وكان يزيد هذا من القادة في دولة بني العباس (٢) ولَّاه أبو جعفر المنصور العباسي أرمينية، وتولاها لولده المهدي، وغزا الروم سنة ١٥٨ هـ واستولى على حصون من ناحية قاليقلا سنة ١٦٢ هـ، وكانت أمه نصرانية، وهو الذي فَضَّلَ الشاعِرُ ربيعةُ الرقي عليه يزيدَ بن حاتم الأردي في الكرم في قوله من أبيات مشهورة متداولة على ألسنة الأجيال المتعاقبة حتى الآن: لَشتَّان ما بين اليزيدين في الندى … يزيد سُلَيْم والأغر ابن حاتم فَهمُ الفني الأزدي إتلاف ماله … وهَمْ الفتى القيسي جمع الدراهم توفي يزيد بن أسيد السُّلَمي سنة ١٦٢ هـ، وقد تأمر ابنه أحمد بن يزيد السُّلَمي أيضًا (٣). أحمد بن يزيد السُّلَمي والده يزيد بن أسيد بن زافر بن أبي أسماء بن أبي السيد بن فرقد بن مالك بن عوف بن امرئ القيس، من قواد بني العباس، له ذكر في "جمهرة أنساب العرب" لابن حزم، وهو الذي فَضَّل الشاعرُ ثابتُ الرقيُّ، يزيد بن حاتم المهلبي على أبيه يزيد بن أسيد في أبيات سارت مسير الأمثال وأوردناها جميعًا في فصل "قصص من ماضي سُلَيْم"، وقد روينا له قصة مع سمسار جوار لها علاقة بالأبيات التي قيلت في هجاء أبيه وذلك في الفصل المذكور آنفًا.

стр. 1778

وقد وصفوا ابنه أحمد بأنه أمير، وقد كان ركنًا ركينًا ومرجعًا أمينًا للجالية السُّلَمية التي كانت تقيم في زمنه بجرجان على ما يفهم من فحوى أبيات للشاعر أشجع السُّلَمي"، وقد توفي أحمد هذا بجرجان. وكونه ركنًا ومرجعًا لقومه في جرجان يدلنا على أنَّه كان كريمًا ووجيهًا وذا مكانة مرموقة لديهم. معن بن أبي عاصية السُّلَمي هو مدني شاعر، استعمله زياد بن عبد الله الحارثي حينما كان عاملًا على المدينة للمنصور - استعمله على ينبع، فحبس بعض أولياء عبد الله بن حسن، فشتمه عبد الله فهجاه وقَبَّحَ، وستأتي بقية ترجمته في فصل: (شعراء من بني سُلَيْم). يعقوب بن داود بن عمر السُّلَمي والد جده عمر هو عثمان بن طهمان مولى أبي صالح عبد الله بن حاتم - خازم - السُّلَمي. يُكَنَّى يعقوب: أبا عبد الله الوزير. كان ذا فضل في فنون العلوم، سمحًا جوادًا كثير الصدقة والبر، وكان كاتبًا لإبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب الذي خرج هو وأخوه محمد على المنصور، وقُتِلَ الأخَوانِ في سنة خمس وأربعين ومائة، فظفر المنصور بيعقوب فضربه واعتقله في السجن المُطْبِق، فلما مات المنصور أطلقه ابنه المهدي وواخاه، وحلَّ منه محلا عظيمًا حتى كانت كُتُبُ المهدي لا تَنْفُذُ حتى يرد كتابه بإنقاذها، ثم استوزره في سنة ثلاث وستين ومائة، فأنفق أموال بيت المال، وأقبل على اللذات والشرب وسماع الغناء، فكثرت الأقوال فيه، وَوَجَدَ أعداؤه مقالًا فيه، فقالوا وذكروا خروجه على المنصور مع إبراهيم بن عبد الله العلوي، فامتحنه المهدي في مَيْلِهِ إلى العلويين، فدفع إليه بَعْضَهُم، وقال: أشتهي أن تكفيني مئونته وتريحني منه بعد أن توثق منه، ووهب له مائة ألف وجاريةً،

стр. 1779

فاستعطف العلويُّ، يعقوبَ وسأله عن العلوي، فأخبره بأنه كفاه أمره، فاستحلفه بالله وبرأسه فحلف (١)، فأمر المهديُّ العلويَّ بالخروج، فخرج، فبقي يعقوب متحيرًا، فأمر بحبسه في المُطْبِقِ أو في البئر، فحبس فيه، واستمر به سنين في أيام المهديَّ والهادي، وخمس سنين في أيام الرشيد، حتى شفع فيه يحيى بن خالد بن برمك عند الرشيد، ورد إليه ماله وخَيَّرَهُ في المُقامِ حيث شاء، فاختار مكة، فأذن له في ذلك، فأقام بها إلى أن مات سنة ١٨٢ هـ وقيل سنة ١٨٧ هـ وقيل سنة ١٨٥ هـ، كان يعقوب عالمًا سمحًا جَوَادًا كثير البرَّ والصدقة واصطناع المعروف مقصودًا ممدوحًا (٢)، فلعلَّ ما أصابه من الميل إلى اللذات بعد اعتقاله في السجن المطبق كان من أثر الصدمة النفسية التي مُني بها. أسد بن الفرات السُّلَمي بالولاء أيضًا يُكنى أسد، أبا عبد الله، وهو إمَّا من خراسان من نيسابور، أو مولود بِحَرَّان من ديار بكر، وقيل: بل قدم أبوه وأمه حامل. وكان عَلَّم القرآن ببعض القَرى، ثم اختلف إلى علي بن زياد بتونس فلزمه، وتعلَّم منه وتفقه بفقهه، ثم رحل إلى المشرق، فجمع من مالك بن أنَس "موطأه" وغيره، ثم ذهب إلى العراق، فلقي أبا يوسف ومحمد بن الحسن وأسد بن عمرو، وكتب عن يحيى بن أبي زائدة وهشيم والحسيب وأبي شريك وأبي بكر بن عياش وغيرهم، وأخذ عنه أبو يوسف موطأ مالك. حدَّث عن نفسه، فقال: لما خرجتُ من المشرق وأتيت المدينة فقدمت مالكًا، وكان إذا أصبح خرج آذِنُهُ فأدخل أهل المدينة ثم أَهْلَ مصر ثم عامّةَ النّاس، فَكنتُ أدخل معهم، فرأى مَالكٌ رغبتي في العلم، فقال لآذِنِهِ: أدْخِل الْقَرَوِيَّ مع المِصْريين، فلما كان بعد يومين أو ثلاثة قلتُ له: إن لي صَاحبين وقد استوحشتُ أَن أدخل قبلهما، فأمر بإدخالهما معي، وكان ابن القاسم وغيره يحملني أن أسأل مالكًا، فإذا أجابني قالوا لي: قل له: فإذا كان كذا وكذا؟ فضاق عليَّ يومًا، وقال: هذه سلسلة بنت سلسلة: إن كان كذا كان كذا، إن أرَدْتَ فعليك بالعراق،

стр. 1780

فلما وَدَّعْتُهُ حين خروجي إلى العراق دخلتُ عليه وصاحبان لي وهما: حارث التميمي وغالب صهر أسد، فقلنا له: أوْصِنَا، فقال لي: أوصيك بتقوى الله العظيم والقرآن، ومناصحة هذه الأمة خيرًا - فراسة من مالك المستقبل أسد - فَوَلِيَ أَسَدٌ القضاء، وقال لصاحِبَيَّ: أوصيكما بتقوى الله ونشر هذا العلم. ولما سمع أسد الموطأ عن مالك، قال لي: زدني سماعًا! قال: حسبك ما للناس. وذهب أسد إلى العراق، وتتلمذ على أبي يوسف، ثم ارتحل إلى إفريقية بعدما نُعِيَ إليه أستاذه الإمام مالك بن أنس الأصبحي، وقد ارتَجَّت العراق لموته، وقد رأى بعيني رأسه وسمع بأذنيه كيف يُقدِّر العراقيون مالكًا، فندم أسد على ما فاته، وأجمع أمره على الانتقال إلى مذهبه، فقدم مصر، وقال: إن كان فاتني لزوم مالك فلا يفوتني لزوم أصحابه (١)، وفي مصر ألَّف كتاب "الأَسَدِيَّةِ" دونها عن ابن القاسم، أكبر تلاميذ مالك فهي المُدَوَّنةُ. وانتشر صيت أسد بن الفرات في تونس، وقد كان ثقة لَمْ يُرْمَ ببدعة، وبسببه ظهر العلم بإفريقية، وسمع منه علماء القيروان ووجوهها في القيروان: سحنون بن سعيد وأمثاله من المدنيين وغيرهم، وحينما مات قال أبو محرز الكناني - وهو أحد أعلام العلم والقضاء بتونس - وكان منافسًا لأسد -: (اليوم مات العلم). ولايته للقضاء، فالإمارة مع القضاء وَلَّى زيادة الله، أسَدًا، القضاء مشاركًا فيه لأبي محرر الكناني سنة ثلاث أو أربع ومائتين للهجرة، وكان أسَدٌ أغزر علمًا و فقهًا، وكان أبو محرز أسَدَّ رأيًا وأكثر صوابًا، ومكث أسد في القضاء مع أبي محرز إلى أن ولَّاه زيادة الله سنة ٢١٢ هـ إمارة جيش فتح صقلية، وأضاف إليه مع الإمارة القضاء، فكان ممن جمع بين منصبي القضاء والإمارة، وَهُمْ قِلَّةٌ جدًّا في تاريخ العالم الإسلامي. وكان أسد مع علمه أحد الشجعان، وسبب توليته الإمارة والقضاء معًا يتلخص في

стр. 1781

أن ملك صقلية نَقَضَ العهد الذي بينه وبين زيادة الله، وقد كان ملك صقلية في هدنة مع زيادة الله، وكان في شرط الهدنة أنَّ من دخل إليهم من المسلمين وأرادوا أن يَرُدوهُ فعليهم رَدُّهُ، فوصل إلى زيادة الله أن عندهم أسرى من المسلمين، وأحَسَّ ملك صقلية بالخطر، فأرسل رُسُلًا من عنده إليه، فجمع زيادة الله، العلماءَ وسألهم عن الأمر، فقال أبو محرز: كيف يُقْبَلُ قولهم عليهم؟ فقال أسد: بالرسل هادنَّاهم، وبهم نجعلهم ناقضين، قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [محمد: ٣٥] نحن الأعلون، فسأل زيادة الله، الرُّسلَ - ومعنى هذا أنه أخذ برأي أسد لا برأي أبي محرز - فاعترفوا (كما قَدَّر أسد) بأنهم في دينهم لا يحل لهم ردهم، فأمر زيادة الله بالغزو إلى صقلية، وولي أسد بن الفرات إمارة الجيش الغازي لصقلية في سبيل الله، فقال له أسد: من بَعْدِ القضاء والنظر في الحلال والحرام تعزلني وتوليني الإمارة؟ فقال له زيادة الله: لا، ولكني وليتُك الإمْرَة وهي أشرف، وأبقيتُ لك اسم القضاء، فأنت أمير وقاضٍ. فخرج أسد إلى صقلية وشيعه كلّ أهل البلاد، تنفيذًا لأمر الأمير زيادة الله، فلما نظر أسدٌ النّاس حوله من كلّ جهة، وقد صهلت الخيل وضُرِبَت الطبول وخفقت البنود، قال: لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، والله يا معشر المسلمين ما وِلِيَ لي أبٌ ولا جَدٌّ، ولا رأي أحدُ النّاس من سلفي مثل هذا، ولا بَلَغْتُ ما ترون إلَّا بالأقلام - فاجتهدوا - فأجهدوا أنفسكم فيها، وثابروا على تدوين العلم تنالوا به الدنيا والآخرة، ثم ذهب أسد بن الفرات الأمير القاضي إلى صقلية على رأس الجيش الإسلامي الغازي البالغ عشرة آلاف رجل، منهم ٩٠٠ فارس، وتصادم الجيش المسلم مع جيش صقلية فهزمه الله، وسالت الدماء على قناة لواء أسد حتى صار الدم تحت إبطه، ورد يده في بعض تلك الأيام، فلم يستطع مما اجتمع من الدم تحت إبطه (١)، وتوفي أسد وهو مُحاصِرٌ لسرقوسة أميرًا قائدًا وقاضيًا، وكان ذلك سنة ثلاث عشرة ومائتين للهجرة، وقيل: أربع عشرة وقيل ٢١٧ هـ، وقبره ومسجده بصقلية. كانت ولادة أسد سنة ١٤٥ هـ بحَرَّانَ، وقيل بسنة ١٤٣ هـ وقيل سنة ١٤٢ هـ، وكان قدومه إلى أفريقية من المشرق سنة ١٨١ هـ، فعلى القولين الأولين كان عمره ثمانيًا وستين سنة قمرية.

стр. 1782

هذا، ولأسد بن الفرات عدة تراجم في كتاب التاريخ والفقه، ومن هذه الكتب: (طبقات علماء إفريقية وتونس) - لمحمد بن أحمد بن تميم القيرواني المتوفي سنة ٣٣٣ هـ بعد وفاة أسد بن الفرات بمائة وعشرين عامًا فقط. عُزَيْزَة (أو) عُزَيْزَة بن قطَّاب السُّلَمي كان المقدم على بني سُلَيْم، إبان غزو القائد التركي (بغَا) لهم من بغداد وهم في بلادهم الأصلية، وذلك إنفاذًا لأمر الخليفة العباسي "الواثق بالله". وكان بنو سُلَيْم قد عاثوا في الأرض، وأغاروا على جيرانهم من باهلة إحدى قبائل قيس عَيْلان وبني كِنَانة بميناء الجار: (البُريكة) - الذي كان ميناء المدينة قبل "ينبع البحر" وأوقعوا بهم على ما فصلناه في فصل: (دور بني سُلَيْم في الأحداث العربية والإسلامية). كان عزيرة أو عُزيزة مقدم بني سُلَيْم، وكان بطلًا مغوارًا وفارسًا صنديدًا لا يُشق له غبار، وكان يحمل على الجيش الذي يقوده بُغَا ويرتجز ويقول: لابد من زحم وإن ضاق الباب … إني أنا عُزيزة بن قطَّاب لَلْمَوتُ خيرٌ للفتى مِنَ الْعَابْ وظل يقاتل إلى أن قُتل، وصُلب بسنة ٢٣٠ هـ (١). ومن شعره: لقد رعتموني يوم ذي الغار روعة … بأخبار سوء دونهن مشيبي نعيتم فتى قيس بن عَيْلان غدوة … وفارسها تنعونه لحبيب وقد اختُلف في تحرير اسم هذا البطل السُّلَمي، ففي النجوم الزاهرة ورد هكذا (عُزيرة)، وفي الطبري كذلك، كما ورد أيضًا هكذا (غزيرة وغديرة وغويرة)، ولابُدَّ أن تقارب الحروف أوجد هذا الاختلاف في اسمه (٢).

стр. 1783

علي بن وداعة السُّلَمي أحد الأمراء الشعراء من بني سُلَيْم في الأندلس، كان قريبًا من سنة ٤٠٠ هـ. وكان "صاعد" اللغوي المشهور قد انتهت به الحال إلى أن أُغْرِم، فاستغاث عليَّ بن وداعة أحد الفرسان الأبطال، وأحدَ نبهاء الدولة في ذلك الأوان، وقد مدحه بقصيدة استعطفه فيها لاتصال نسبيهما: فصاعِدٌ من ربيعة (وربيعَةَ من سُلَيْم سِنَانٌ زان عالية الرماح)، قال صاعد: أبا حَسَنٍ! ربيعَةُ من سُلَيْم … سِنَانٌ زان عالية الرماح وإني عائذ بك من هَنَاةٍ (١) … تَحُسُّ دعائمي تحت الْقِداح فَكُرَّ على ابن عمك وانْتَشِلْهُ … فليس حِمَى ابن عمك بالمباح فإن الجار عندك بين جَنْبَيْ … عُقابُ الدَّجْنِ كاسرة الجناح نظنك طالعًا ببني سُلَيْم … عليها عند مفتضح الصبَّاح إذا ساورت قِرْنَكَ في مكر … جعلت له ذراعك كالوشاح وله في ابن أبي وداعة (ابن وداعة): زار الحبيب فمرحبًا بالزائر … أهلًا بدر فوق غصن ناضرِ قَبَّلْتُ من فرحي تراب طريقه … ومسحتُ أسفل نعله بمحاجري وخشيتُ أن يَنقَدَّ أخمص رجله … من رقة فبسطتُ أسود ناظري (٢) وقد قُتل علي بن وداعة في عهد هشام بن الحكم الأموي بالأندلس. قاسم بن مُرّة بن أحمد السُّلَمي قام قاسم بن مُرّة بالدعوة إلى الدين الحق والسُّنة، وذلك في المائة السابعة للهجرة، يقول عنه ابن خلدون: "ويختلف حال صاحب الدعوة معهم - مع

стр. 1784

الأعراب - في استحكام دينه وولايته في نفسه دون تابعه، فإذا هلك انحلَّ أمرهم وتلاشت عصبيتهم، وقد وقع ذلك بإفريقية (تونس) لرجل من كعب من علَّاق بن عوف بن بُهْثَة من سُلَيْم، يُسَمَّى قاسم بن مُرّة بن أحمد في المائة السابعة". أبو محمد السُّلَمي كان أبو محمد السُّلَمي، كاتب الأمير محمد بن سعد بن مردنيش، فهو موظف رسمي، وكانت له لماحية وذكاء وثقافة واسعة، حدَث أن وزير ابن مردنيش بمرسية الذي هو: عبد الرَّحمن بن عبد الملك تحاور - ذات يوم - بين يدي الأمير مع حاتم بن سعيد من ذرية عمار بن ياسر، وكان صاحِبَ آراء الأمير ومن ذوي الخاصة من وزرائه، فقال عبد الرَّحمن بن عبد الملك يخاطب الأمير ويلمز حاتمًا: لعل الأمير اغتر بسماع اسمه: (اسم حاتم)، ما فيه من الكرم إلَّا الاسم، فقال حاتم: ولعلَّ الأمير اغتر بسماع أمانة عبد الرَّحمن وما عنده من الأمانة إلَّا الاسم، وكان عبد الرَّحمن بن عبد الملك هذا بيده المَجابي والأعمال، فقدمه على وزرائه. فقال الأمير محمد بن سعد بن مردنيش - وقد ضحك -: الأولى فَهِمْتُ ولم أفهم الثانية، (يقصد أنه فهم خُلُوُّ حاتم بن سعيد من الكرم، وإن كان اسمه على اسم (حاتم طيئ)، ولم يفهم النكتة الثانية التي رمز إليها حاتم بن سعيد في غمزه لعبد الرَّحمن بن عبد الملك وزير الجباية والخزانة، وعندئذ انبرى الكاتب أبو محمد السُّلَمي - فشرح للأمير ابن مردنيش ما رمز إليه حاتم من الطعن في أمانة عبد الرَّحمن بن عبد الملك بأن قال للأمير: (إن حاتمًا أشار إلى قول رسول الله ﷺ في "عبد الرَّحمن بن عوف" ﵁: (أمين هذه الأمة، وأمين في أهل السماء، وأمين في أهل الأرض) (١)، ومعنى ذلك أن عبد الرَّحمن بن عبد الملك الأمين لديك أيها الأمير رسميًّا على جباية الأموال والأعمال، وإن كان اسمه على اسم عبد الرَّحمن بن عوف" الذي هو أمين حقًّا وصدقًا، فإنه - أي عبد الرَّحمن بن عبد الملك ليس أمينًا فعلًا، وعندما شرح أبو محمد السُّلَمي الكاتب هذا المعنى العميق لهدف حاتم بن سعيد البعيد "طرب الأمير ابن مردنيش"

стр. 1785

وجعل يقول: أحسنتما .. أحسنتما". قال ذلك وهو يخاطب المتحاوريْنِ أمامه: (عبد الرَّحمن بن عبد الملك وحاتم بن سعيد). هذا، وما يلاحظ أن مطبوعة دار المعارف بمصر، من كتاب "الإحاطة في أخبار غرناطة" ورد فيها النص الذي سبق ذكره من حديث الرسول ﷺ محرفًا. إذ ورد فيها كما سبق أن بَيَّنَاهُ: "أمير هذه الأمة، وأمير في أهل السماء، وأمير في أهل الأرض" بالراء في ثلاث صيغ الأمير، والصواب أن الصيَّغ الثلاث المذكورة، كلهن بالنون لا بالراء، جاء ذلك نصًّا في كتاب "الاستيعاب" للحافظ أبي عمر بن عبد البر: (قال عبد الرَّحمن بن عوف لأصحاب الشوري: هل لكم أن أختار لكم وأنتفي منها؟ قال علي ﵁: أنا أول من رضي، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: أنت أمين في أهل السماء، وأمين في أهل الأرض)، وقال الزبير بن بكار: (كان عبد الرَّحمن بن عوف، أمين رسول الله على نسائه) (١). رواة من بني سُلَيْم نقصد بالرواة هنا، رواة العلم المتعلق بلغة العرب وأماكنهم وتاريخهم وأشعارهم وأخبارهم، وإلى هؤلاء الرواة العرب والأعراب بصفة عامة يرجع كثير من ثراء رصيدنا العلمي والأدبي عن العرب في جاهليتهم وفي صدر إسلامهم. وقد ذكرنا في هذا الفصل من تسنى لنا الإلمام بهم أو بما سجلوه لنا في رواياتهم التي كتبت عن بني سُلَيْم منهم، وكانوا معتمدين بِحَقٍّ فيها. عَرَّام بن الأصبغ السُّلَمي كان عَرَّام أحد أعراب بني سُلَيْم المتفتحي الأذهان، الراغبين في نشر المعلومات التاريخية والجغرافية والنباتية والاجتماعية التي عرفها بحكم جَوَلَاتِه في بلاد العرب، وقد رأيناه يؤلف كتيبًا موجزًا مُكْتَنِزًا بالمعلومات التي جمعها من هنا وهناك وقد سماه: "أسماء جبال تهامة وسكانها وما فيها من القرى وما ينبت عليها من الأشجار وما فيها من المياه".

стр. 1786

والكتاب يحوي المعلومات التي تحصَّل عليها عَرَّام عن تهامة والحجاز، وقلما يعثر عليه الباحث في غيره، فهو من هذه الناحية أحد المراجع المهمة في التعريف ماضي الأماكن التي تَحَدَّث عنها في زمن الجاهلية وفي عهد الإسلام حتى عصره. وكان عَرَّام يعيش في القرن الرابع الهجري، ونسخة كتابه المطبوعة يرويها السيرافي عن أبي محمد السُّكَّري عن أبي سعد عن عبد الرَّحمن المعروف بأبي الأشعث الكندي عن عَرَّام (١). وقد نشر هذا الكتيب المفيد نشرًا علميًّا على نفقة الشيخ محمد نصيف ويوسف زينل - رحمهما الله - وتولى إخراجه وتحقيقه والتعليق عليه الأستاذ عبد السلام محمد هارون، وطبع بمصر سنة ١٣٧٣ هـ في ٨١ صفحة من الحجم دون المتوسط، ووضعت له الفهارس العامة اللازمة. رُواة آخرون من بني سُلَيْم روى الهجري عن رواة سُّلَميين منهم: محمد بن الرياحي السُّلَمي، ومحمد بن يزيد الحض السُّلَمي، وموسي بن رُبَيْق بن صبَّاح من بُهْثة بن سُلَيْم، ويحيى بن الخير من خُفاف سُلَيْم، والحبيبي السُّلَمي، والحضي السُّلَمي، والحريمي السُّلَمي، وأبو سفيان السُّلَمي، وأبو عروة السُّلَمي، وشغنوب بن صالح السمالي السُّلَمي، والصويعة وأبو محمد عبد الله بن موسى البُهْثي وغيرهم (٢). سَراة وتجار ومزارعون من بني سُلَيْم ربما كان السَّراة والتجار والمزارعون كثيرين في بني سُلَيْم، لاتساع دائرة وجودهم في أنحاء العالم الإسلامي قديمًا وحديثا، وأغلب المؤرخون القدامى لا يعنون بهذه الناحية الاقتصادية، عنايَتَهُمْ بالنواحي التاريخية الأخرى: الدينية والسياسية والاجتماعية والأدبية. ولهذا - كما نرى - حُرِمْنا من الاطلاع على تراجم حيوات كثير من التجار ورجال الأعمال والسَّراة السُّلَميين الذين وجدوا في مختلف الأصقاع الإسلامية منذ

стр. 1787

صدر الإسلام، وكما زاول كثير من بني سُلَيْم شؤون العلم والحرب والسياسة والإدارة والأدب، وكما خاضوا معمعة خضم الحوادث وصار منهم أفراد مشهورون ذوو تاريخ خالد ومجيد، فلابد أنهم كذلك يوجد بينهم نفر عديدٌ في الأجيال الماضية عملوا في الحقل الاقتصادي ونجحوا فيه نجاحًا يتراوح بين السفح والوسط والقمة. وقد مَرَّ بنا في فصل: "ديار بني سُلَيْم الأصلية" أن العرب في الجاهلية القريبة من صدر الإسلام كانوا يقدرون مواهب بني سُلَيْم، ويفيدون من ثرائهم وثراء بلادهم، فيتاجرون معهم، ويشاركونهم في استثمار مزارعهم وفي تجاراتهم، كما مر بنا في ذلك الفصل أيضًا أنهم كانوا يملكون المصادر المعدنية، وأن كثيرًا من أُسَرِ مكة تحالفت معهم واشتركت معهم في استغلال ثروات البلاد الزراعية والتجارية، وأن أهم ثروات بني سُلَيْم إذ ذاك هو المذهب والفضة. ومَرَّ بنا أيضًا في فصل: "صحابة من بني سُلَيْم" في ترجمة (الحجاج بن علاط السُّلَمي) أنه كان يملك معدن الذهب الذي يقع في ديار بني سُلَيْم. ومَرَّت بِنَا أيضًا قصة مِرْدَاس والد العباس الذي أحيى هو وشريكه القُرشي غابة القُريَّة، ومَرَّ بنا كذلك حديث: (أبي الحُصَيْن السُّلَمي) الذي قدم المدينة بذهب من معدن بني سُلَيْم، فقضى دينًا كان على رسول الله ﷺ تَحَمَّل به، وفضل ذهبٌ مع أبي الحصين مثل بيضة الحمامة فحاول جاهدًا أن يقبله الرسول منه، فأبى ذلك ﷺ وأشار له إشارة حكيمة من طريق الكناية لا التصريح بأن يصرف هذه البقية من ذهبه على من يعول. كلّ هذا وذاك وغيره يجعلنا نؤكد - من مقتضيات - الأحوال - أن هناك أشخاصًا عديدين عبر التاريخ الإسلامي من بني سُلَيْم - مارسوا فن التجارة والأعمال وبرعوا فيهما، ولابد أن لبعضهم ذكرًا في التاريخ المبعثر، وإن كنا لَمْ نعثر إلَّا على قلة ضئيلة منهم لا تكاد تذكر، كما أن فيهم سَراة لهم مكانتهم في مجتمعاتهم. ونحن نرى اليوم بعض بني سُلَيْم في المملكة العربية السعودية يمارسون التجارة والأعمال الزراعية.

стр. 1788

وهناك سُلَميٌ تَاجرَ في الجاهلية القريبة من صدر الإسلام وهو: قيس بن شيبة السُّلَمي ذكرو أن قيسًا هذا كان قد تاجر بمكة في أواخر أيام الجاهلية، وكان قد قدم إلى مكة ليبيع تجارته فيها، وحدث أن باع متاعًا له من "أبي خلف الجُمَحِيِّ من قريش"، فذهب أبو خلف بحقه ولم يعطه إياه، فاستجار قيس بن شيبة السُّلَمي، بآل قُصَيِّ من قريش - فرع النَّبِيّ ﷺ فأجاروه، وقيل: إن هذا الحادث الذي وقع لهذا التاجر السُّلَمي في مكة كان السَّبَبَ المباشر في عقد "حلف الفضول" المعروف (١). ابن الدُّغُنَّة السُّلَمي اسمه ربيعة بن رفيع بن حيَّان بن ثعلبة السُّلَمي، وابن الدغنة هذا كان من سادة الأحابيش الذين يديرون أمورهم، ولم ينصَّ ما اطلعتُ عليه من المراجع: هل كان ابن الدُّغُنَّة السُّلَمي و "الحليس" الحارثي، عربيين صريحين أم كانا من بني سُلَيْم وبني الحارث بالولاء، ولكن مكانة ابن الدغنة الاجتماعية ربما تدلنا على أنَّه سُلَمي النسب. وقد أجاز ابن الدُّغُنَّة السُّلَمي، أبا بكر الصديق في مكة المكرمة، وهذا يدلُّ على عظم مكانته في البلد الأمين في نفوس قريش أجمعين، كما أنه شهد معركة حُنَيْن (٢)، وله ترجمة في مادة (دغن) بـ "تاج العروس شرح القاموس"، وفي الاستيعاب" لابن عبد البر أيضًا أن اسمه: ربيعة بن رفيع بن أُهبان، بدلًا من - حيَّان - بن ثعلبة السُّلَمي، وقال عنه: (كان يُقال له ابن الدُّغُنَّة، وهي أمه، فغلبت على اسمه) (٣)، وفي "جمهرة أنساب العرب" أنه (الربيع بن ربيعة بن ربيع بن أهبان بن ثعلبة بن ضبيعة بن ربيعة بن يربوع بن سمال بن عوف بن امرئ

стр. 1789

القيس بن بُهْثَة بن سُلَيْم قاتِل بن الصِّمَّة الجُشَمي في هَوَازِن يوم أوطاس) (١). وقد مَرَّتْ بنا ترجمته في فصل: (صحابة من بني سُلَيْم)، وهناك أوردنا ما ذكره صاحب (الاستيعاب) من أن قتله لدريد بن الصِّمَّة كان يوم حُنَيْن، وقد أدركه فيه فأخذ بخطام جمله وهو يظن أنه امرأة، فإذا برجل فأناخ به، فإذا شيخ كبير وإذا هو دريد، ولا يعرفه الغلام، ثم ضربه بسيفه فلم يُغْنِ شيئًا، قال دريد: بئسما سلحتك أمك، خذ سيفي هذا من مؤخر الرحل، ثم اضرب به، وارفع عن العظم واخفض عن الدماغ، فإني كذلك كنت أضرب الرجال، فإذا أتيت أمُّك فأخبرها أني قتلت دُرَيْد بن الصِّمَّة، فرب والله يوم قد منعتُ فيه نساءك من سُلَيْم، ولما رجع ربيعة إلى أمِّه أخبرها بقتله إياه، فقالت: أما والله لقد أعتق أمهات لك ثلاثًا (٢). ويدلنا فحوى هذه القصة على استشراء الفوضى في بلاد العرب في جاهليتهم القريبة من الإسلام، وأن القتل لديهم لسبب موجب أو لغيره كان أمرًا مألوفًا وسنَّة متبعة وعادة سائدة، وإلا لماذا قَتَلَ الغلامُ ربيعَةُ بن رفيع أو الربيع بن ربيعة السُّلَمي هذا الشيخ الكبير في غير ترة ولا معركة ولا خصومة أو مطمع؟. الشريد السُّلَمي الشريد السُّلَمي كان بقية أهل بيته، وسمِّي لذلك بالشريد، وكانت له مزرعة كبيرة عرفت في التاريخ باسم "ثنية الشريد"، وكان فيها أعناب ونخل لَمْ يُرَ مثلها، وحينما قدم معاوية بن أبي سفيان المدينة طلب المزرعة من صاحبها فأبى، ثم إن الشريد ركب ذات يوم إلى مزرعته فوجد عُمَّاله في الشمس فقال لهم: ما لكم؟ فقالوا له: نسجم البئار، فركب إلى معاوية فقال: يا أمير المؤمنين إنه لَمْ يزل في نفسي منعي إياك ما طلبت مني فهو لك بما أردت، فكتب إلى ابن أبي أحمد: أن يدفع إليه الثمن، قال: وسمعتهم يُكثِّرونه جدًّا، فقال له ابن أبي أحمد: إن أمير المؤمنين لَمْ يَسُمْكَ بها وهي على هذه الحال، فقال: إني رجوت حين صار أمري إليك التيسير عليَّ. فدفع إليه الثمن (٣).

стр. 1790

شعراء بني سُلَيْم الشعر ديوان العرب، وبنو سُلَيْم كان منهم في الجاهلية وفي صبح الإسلام وضحاه وظُهْرِه شعراء مبرزون، وقد سبق لنا في فصل: (إزاحة شبهة عِلْميَّة) أنَّ أبا القاسم الحسن الآمديَّ المتوفي سنة ٥٧٠ هـ كان قد ألَّف ستين ديوانًا من دواوين القبائل العربية، كان الرابع والعشرون من هذه الدواوين هو: ديوانَ بني سُلَيْم، وأنَّ هذا الديوان الجامع لأشعار السُّلميين وأخبارهم عبثت به أصابع الدهر، وفي هذا الفصل الذي خصصناه لشعراء بني سُلَيْم وشعرهم العربي الفصيح منذ الجاهلية حتى القرن السابع الهجري، والفصل الذي يليه المخصص لشاعراتهم وأشعارهن هما ذَوَا فائدة واضحة من هذه الناحية، فقد جمعنا فيهما تراجم بعض شعرائهم وطاقات من أشعارهم حتى القرن السادس الهجري، أي إلى ما بعد زمن جامع شعرهم: (الآمدي) بقرنين ونيف، وقد قفيناه بشيء من شعرهم النبطي أو الحُميني المعاصر، ربطًا لحلقات التاريخ قديمًا وحديثًا بقدر الإمكان، فإن الشِّعر نبتة مغروسة في أعماق غرائز العرب يستوي في ذلك شعراءُ الشعر الفصيح وشعراء الشعر العامي الملحون، المعروف في الحجاز باسم: (الحُميني)، وفي نجد باسم: (النبطي) بفتح النون والباء. المتنكث - أو - المتنكب السُّلَمي شاعر جاهلي له حديث مع عنترة بن شداد العبسي، فهو كمعاصر له. قال المتنكث أو المتنكب، يذكر يوم النُّخَيْل، وقد قُتِلَ فيه دَهْرٌ الجعفي: ومنا أبو حرب ومنا مصرف … ومنا عقال إذ وردنا إلى دَهْر يسوق الصفايا من خيار نسائنا … ونحن غَيارَي كالمسدمة الزُّهْر (١) وللمتنكث أو المتنكب الأبيات التالية، يمدح فيها بني خفاجة بن عُقَيْلٍ من بني عامر من هَوَازِن: فسقى الإلَه بني خفاجة من … ماء السماء بطيب الخمر أبدًا ولا زالت نفوسهمو … مَحْبُوَّةً بجباية الدهر
следующие страницы →