← Ансаб

Ансаб · id 897

موسوعة القبائل العربية

محمد سليمان الطيب

Полный текст (10 849 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

والكتاب يحوي المعلومات التي تحصَّل عليها عَرَّام عن تهامة والحجاز، وقلما يعثر عليه الباحث في غيره، فهو من هذه الناحية أحد المراجع المهمة في التعريف ماضي الأماكن التي تَحَدَّث عنها في زمن الجاهلية وفي عهد الإسلام حتى عصره. وكان عَرَّام يعيش في القرن الرابع الهجري، ونسخة كتابه المطبوعة يرويها السيرافي عن أبي محمد السُّكَّري عن أبي سعد عن عبد الرَّحمن المعروف بأبي الأشعث الكندي عن عَرَّام (١). وقد نشر هذا الكتيب المفيد نشرًا علميًّا على نفقة الشيخ محمد نصيف ويوسف زينل - رحمهما الله - وتولى إخراجه وتحقيقه والتعليق عليه الأستاذ عبد السلام محمد هارون، وطبع بمصر سنة ١٣٧٣ هـ في ٨١ صفحة من الحجم دون المتوسط، ووضعت له الفهارس العامة اللازمة. رُواة آخرون من بني سُلَيْم روى الهجري عن رواة سُّلَميين منهم: محمد بن الرياحي السُّلَمي، ومحمد بن يزيد الحض السُّلَمي، وموسي بن رُبَيْق بن صبَّاح من بُهْثة بن سُلَيْم، ويحيى بن الخير من خُفاف سُلَيْم، والحبيبي السُّلَمي، والحضي السُّلَمي، والحريمي السُّلَمي، وأبو سفيان السُّلَمي، وأبو عروة السُّلَمي، وشغنوب بن صالح السمالي السُّلَمي، والصويعة وأبو محمد عبد الله بن موسى البُهْثي وغيرهم (٢). سَراة وتجار ومزارعون من بني سُلَيْم ربما كان السَّراة والتجار والمزارعون كثيرين في بني سُلَيْم، لاتساع دائرة وجودهم في أنحاء العالم الإسلامي قديمًا وحديثا، وأغلب المؤرخون القدامى لا يعنون بهذه الناحية الاقتصادية، عنايَتَهُمْ بالنواحي التاريخية الأخرى: الدينية والسياسية والاجتماعية والأدبية. ولهذا - كما نرى - حُرِمْنا من الاطلاع على تراجم حيوات كثير من التجار ورجال الأعمال والسَّراة السُّلَميين الذين وجدوا في مختلف الأصقاع الإسلامية منذ

стр. 1787

صدر الإسلام، وكما زاول كثير من بني سُلَيْم شؤون العلم والحرب والسياسة والإدارة والأدب، وكما خاضوا معمعة خضم الحوادث وصار منهم أفراد مشهورون ذوو تاريخ خالد ومجيد، فلابد أنهم كذلك يوجد بينهم نفر عديدٌ في الأجيال الماضية عملوا في الحقل الاقتصادي ونجحوا فيه نجاحًا يتراوح بين السفح والوسط والقمة. وقد مَرَّ بنا في فصل: "ديار بني سُلَيْم الأصلية" أن العرب في الجاهلية القريبة من صدر الإسلام كانوا يقدرون مواهب بني سُلَيْم، ويفيدون من ثرائهم وثراء بلادهم، فيتاجرون معهم، ويشاركونهم في استثمار مزارعهم وفي تجاراتهم، كما مر بنا في ذلك الفصل أيضًا أنهم كانوا يملكون المصادر المعدنية، وأن كثيرًا من أُسَرِ مكة تحالفت معهم واشتركت معهم في استغلال ثروات البلاد الزراعية والتجارية، وأن أهم ثروات بني سُلَيْم إذ ذاك هو المذهب والفضة. ومَرَّ بنا أيضًا في فصل: "صحابة من بني سُلَيْم" في ترجمة (الحجاج بن علاط السُّلَمي) أنه كان يملك معدن الذهب الذي يقع في ديار بني سُلَيْم. ومَرَّت بِنَا أيضًا قصة مِرْدَاس والد العباس الذي أحيى هو وشريكه القُرشي غابة القُريَّة، ومَرَّ بنا كذلك حديث: (أبي الحُصَيْن السُّلَمي) الذي قدم المدينة بذهب من معدن بني سُلَيْم، فقضى دينًا كان على رسول الله ﷺ تَحَمَّل به، وفضل ذهبٌ مع أبي الحصين مثل بيضة الحمامة فحاول جاهدًا أن يقبله الرسول منه، فأبى ذلك ﷺ وأشار له إشارة حكيمة من طريق الكناية لا التصريح بأن يصرف هذه البقية من ذهبه على من يعول. كلّ هذا وذاك وغيره يجعلنا نؤكد - من مقتضيات - الأحوال - أن هناك أشخاصًا عديدين عبر التاريخ الإسلامي من بني سُلَيْم - مارسوا فن التجارة والأعمال وبرعوا فيهما، ولابد أن لبعضهم ذكرًا في التاريخ المبعثر، وإن كنا لَمْ نعثر إلَّا على قلة ضئيلة منهم لا تكاد تذكر، كما أن فيهم سَراة لهم مكانتهم في مجتمعاتهم. ونحن نرى اليوم بعض بني سُلَيْم في المملكة العربية السعودية يمارسون التجارة والأعمال الزراعية.

стр. 1788

وهناك سُلَميٌ تَاجرَ في الجاهلية القريبة من صدر الإسلام وهو: قيس بن شيبة السُّلَمي ذكرو أن قيسًا هذا كان قد تاجر بمكة في أواخر أيام الجاهلية، وكان قد قدم إلى مكة ليبيع تجارته فيها، وحدث أن باع متاعًا له من "أبي خلف الجُمَحِيِّ من قريش"، فذهب أبو خلف بحقه ولم يعطه إياه، فاستجار قيس بن شيبة السُّلَمي، بآل قُصَيِّ من قريش - فرع النَّبِيّ ﷺ فأجاروه، وقيل: إن هذا الحادث الذي وقع لهذا التاجر السُّلَمي في مكة كان السَّبَبَ المباشر في عقد "حلف الفضول" المعروف (١). ابن الدُّغُنَّة السُّلَمي اسمه ربيعة بن رفيع بن حيَّان بن ثعلبة السُّلَمي، وابن الدغنة هذا كان من سادة الأحابيش الذين يديرون أمورهم، ولم ينصَّ ما اطلعتُ عليه من المراجع: هل كان ابن الدُّغُنَّة السُّلَمي و "الحليس" الحارثي، عربيين صريحين أم كانا من بني سُلَيْم وبني الحارث بالولاء، ولكن مكانة ابن الدغنة الاجتماعية ربما تدلنا على أنَّه سُلَمي النسب. وقد أجاز ابن الدُّغُنَّة السُّلَمي، أبا بكر الصديق في مكة المكرمة، وهذا يدلُّ على عظم مكانته في البلد الأمين في نفوس قريش أجمعين، كما أنه شهد معركة حُنَيْن (٢)، وله ترجمة في مادة (دغن) بـ "تاج العروس شرح القاموس"، وفي الاستيعاب" لابن عبد البر أيضًا أن اسمه: ربيعة بن رفيع بن أُهبان، بدلًا من - حيَّان - بن ثعلبة السُّلَمي، وقال عنه: (كان يُقال له ابن الدُّغُنَّة، وهي أمه، فغلبت على اسمه) (٣)، وفي "جمهرة أنساب العرب" أنه (الربيع بن ربيعة بن ربيع بن أهبان بن ثعلبة بن ضبيعة بن ربيعة بن يربوع بن سمال بن عوف بن امرئ

стр. 1789

القيس بن بُهْثَة بن سُلَيْم قاتِل بن الصِّمَّة الجُشَمي في هَوَازِن يوم أوطاس) (١). وقد مَرَّتْ بنا ترجمته في فصل: (صحابة من بني سُلَيْم)، وهناك أوردنا ما ذكره صاحب (الاستيعاب) من أن قتله لدريد بن الصِّمَّة كان يوم حُنَيْن، وقد أدركه فيه فأخذ بخطام جمله وهو يظن أنه امرأة، فإذا برجل فأناخ به، فإذا شيخ كبير وإذا هو دريد، ولا يعرفه الغلام، ثم ضربه بسيفه فلم يُغْنِ شيئًا، قال دريد: بئسما سلحتك أمك، خذ سيفي هذا من مؤخر الرحل، ثم اضرب به، وارفع عن العظم واخفض عن الدماغ، فإني كذلك كنت أضرب الرجال، فإذا أتيت أمُّك فأخبرها أني قتلت دُرَيْد بن الصِّمَّة، فرب والله يوم قد منعتُ فيه نساءك من سُلَيْم، ولما رجع ربيعة إلى أمِّه أخبرها بقتله إياه، فقالت: أما والله لقد أعتق أمهات لك ثلاثًا (٢). ويدلنا فحوى هذه القصة على استشراء الفوضى في بلاد العرب في جاهليتهم القريبة من الإسلام، وأن القتل لديهم لسبب موجب أو لغيره كان أمرًا مألوفًا وسنَّة متبعة وعادة سائدة، وإلا لماذا قَتَلَ الغلامُ ربيعَةُ بن رفيع أو الربيع بن ربيعة السُّلَمي هذا الشيخ الكبير في غير ترة ولا معركة ولا خصومة أو مطمع؟. الشريد السُّلَمي الشريد السُّلَمي كان بقية أهل بيته، وسمِّي لذلك بالشريد، وكانت له مزرعة كبيرة عرفت في التاريخ باسم "ثنية الشريد"، وكان فيها أعناب ونخل لَمْ يُرَ مثلها، وحينما قدم معاوية بن أبي سفيان المدينة طلب المزرعة من صاحبها فأبى، ثم إن الشريد ركب ذات يوم إلى مزرعته فوجد عُمَّاله في الشمس فقال لهم: ما لكم؟ فقالوا له: نسجم البئار، فركب إلى معاوية فقال: يا أمير المؤمنين إنه لَمْ يزل في نفسي منعي إياك ما طلبت مني فهو لك بما أردت، فكتب إلى ابن أبي أحمد: أن يدفع إليه الثمن، قال: وسمعتهم يُكثِّرونه جدًّا، فقال له ابن أبي أحمد: إن أمير المؤمنين لَمْ يَسُمْكَ بها وهي على هذه الحال، فقال: إني رجوت حين صار أمري إليك التيسير عليَّ. فدفع إليه الثمن (٣).

стр. 1790

شعراء بني سُلَيْم الشعر ديوان العرب، وبنو سُلَيْم كان منهم في الجاهلية وفي صبح الإسلام وضحاه وظُهْرِه شعراء مبرزون، وقد سبق لنا في فصل: (إزاحة شبهة عِلْميَّة) أنَّ أبا القاسم الحسن الآمديَّ المتوفي سنة ٥٧٠ هـ كان قد ألَّف ستين ديوانًا من دواوين القبائل العربية، كان الرابع والعشرون من هذه الدواوين هو: ديوانَ بني سُلَيْم، وأنَّ هذا الديوان الجامع لأشعار السُّلميين وأخبارهم عبثت به أصابع الدهر، وفي هذا الفصل الذي خصصناه لشعراء بني سُلَيْم وشعرهم العربي الفصيح منذ الجاهلية حتى القرن السابع الهجري، والفصل الذي يليه المخصص لشاعراتهم وأشعارهن هما ذَوَا فائدة واضحة من هذه الناحية، فقد جمعنا فيهما تراجم بعض شعرائهم وطاقات من أشعارهم حتى القرن السادس الهجري، أي إلى ما بعد زمن جامع شعرهم: (الآمدي) بقرنين ونيف، وقد قفيناه بشيء من شعرهم النبطي أو الحُميني المعاصر، ربطًا لحلقات التاريخ قديمًا وحديثًا بقدر الإمكان، فإن الشِّعر نبتة مغروسة في أعماق غرائز العرب يستوي في ذلك شعراءُ الشعر الفصيح وشعراء الشعر العامي الملحون، المعروف في الحجاز باسم: (الحُميني)، وفي نجد باسم: (النبطي) بفتح النون والباء. المتنكث - أو - المتنكب السُّلَمي شاعر جاهلي له حديث مع عنترة بن شداد العبسي، فهو كمعاصر له. قال المتنكث أو المتنكب، يذكر يوم النُّخَيْل، وقد قُتِلَ فيه دَهْرٌ الجعفي: ومنا أبو حرب ومنا مصرف … ومنا عقال إذ وردنا إلى دَهْر يسوق الصفايا من خيار نسائنا … ونحن غَيارَي كالمسدمة الزُّهْر (١) وللمتنكث أو المتنكب الأبيات التالية، يمدح فيها بني خفاجة بن عُقَيْلٍ من بني عامر من هَوَازِن: فسقى الإلَه بني خفاجة من … ماء السماء بطيب الخمر أبدًا ولا زالت نفوسهمو … مَحْبُوَّةً بجباية الدهر

стр. 1791

هم يطعنون الخيل مقبلة … حتى يَصُدَّ مجدة النَّفر (١) عمرو بن رياح بن عمرو الشريد السُّلَمي أبو الخنساء الشاعرة المعروفة، غلب الشريد على اسمه: (عمرو) بقوله: تولَّى إخوتي وبَقيِتُ فردًا … وحيدًا في ديارِهِمُ شريدًا (٢) وقد سبق لنا أن أوردنا في فصل: "أمراء وزعماء محتسبون وفرسان وقادة وولاة وموظفون من بني سُلَيْم" ترجمة عمرو بن رباح "الشريد" هذا كأحد زعماء العرب في الجاهلية، وذكرنا في ترجمته ما يتعلق به من قصة إيفاد النعمان بن المنذر لنفر من سادات العرب إلى كِسرى ليرى بعينيه ويسمع بأذنيه أحاديثهم المُضَمَّخَةَ بشهامة العرب، وليطلع على إبائهم وشممهم وحيويتهم المبالغة من كثب. وقد رثتهما أختهما الخنساء بشعر رائع يذيب الصَّخْرَ، وجُمع هذا الرثاء الحزين في ديوانها المطبوع. معاوية بن عمرو السُّلَمي أخو الخنساء الشاعرة المشهورة، ذكره المرزباني في "معجم الشعراء" وأورد بعض شعره وهو شاعر جاهلي، مات قتيلًا في الجاهلية في وقعة أوردنا قصتها سالفًا، وكان قتله قبل مقتل أخيه صخر بزمن. صخر بن عمرو السُّلَمي أخو الخنساء أيضًا، قُتِل في أيام الجاهلية في إحدى المعارك القَبَلِيَّةِ حسب ما فصلناه أيضًا في فصل: "أيام بني سُلَيْم في الجاهلية والإسلام". ولم يدرك صخر الإسلام. وقد وصفوه بأنه كان حليمًا جوادًا، محبوبًا في عشيرته، شريف قومه. وكان أبوه عمرو يأخذ بيده ويد أخيه معاوية، ويقول: (أنا أبو خَيْرَيْ مُضَر) فتعترف له العرب بذلك، وكان صخرٌ أجمل فتيان العرب في عصره.

стр. 1792

كان صخر أخا الخنساء لأبيها، فليس بشقيق لها، وقَاتِلُ صخرٍ هو ربيعة بن ثور الأسدي، ولصخر قصيدة عالية النَّفَسِ تكشف لنا عن سماحته وشهامته، يقول فيها: وقالوا: ألا تهجر فوارس هاشم … ومالي وإهداء الخنا ثمَّ ماليا؟ أبَى الهجو أني قد أصابوا كريمتي … وأنْ ليس إهداء الخَنَا مِنْ شماليا إذا ما امرُؤٌ أهدى لميت تحية … فحياك ربُّ النّاس عني معاويا لنعم الفتى أدَّى ابنُ صرمة بَزَّهُ … إذا راح فَحْلُ الشَّوْلِ أحْدَبَ عاريا إذا ذُكِرَ الإخوانُ رقرقرتُ عبرة … وحَيَّيْتُ رَمْسًا عِنْد لِيَّةَ ثاويا وطَيَّبَ نفسي أنّني لَمْ أقلّ له .. كَذَبْتَ ولم أبخلْ عليه بماليا وَذِي إخوةٍ قطَّعتُ أقْرانَ بينِهمْ … كما تركوني واحدًا لا أخا لِيا ولو أردنا أن نحلل مدلولات هذه القصيدة لاستطعنا أن نقول: إن صخرًا في رثائه لأخيه معاوية إنما يَمْتَحُ من بئر غزيرة فياضة بالشعر البديع وبالحزن الممض، وقد أجاد في التعبير عما في ضميره المكبوت الخفاق بالآلام والأوصاب من جراء الفراق الأبدي المحزن لأخيه الحبيب (معاوية)، ولست أدري أرثاؤه له نابع من روح أخته الخنساء، أم رثاؤها له ولصخر راثي أخيه بعد مقتله هو النابع من رثائه البليغ؟! أم هناك تفاعل بين رثاء الأخوين الشاعرين البارعين خاصة في شعر الرثاء الذي بلغا فيه القمة، بساطةً وتأثرًا وتأثيرًا وإشجاءً .. لست أدري! ومن أخبار قتل صخر، أنه لما طعنه أبو ثور الأسدي أدخل حَلَق الدرع في جوفه، فمرض زمانًا، فجعل ينفث الدم وينفث معه حلق الدرع، وكانت امرأته (سليمي) تقوم عليه، فطال مرضه عليها وملته، فمر بها رجل - وكانت ذات خَلْقٍ فقال: أيُبَاعُ الكَفَلُ؟ فقالت: عما قليل، فسمع صخر ما دار بينهما من الحوار، وقال لها رجل آخر: كيف صخر؟ فقالت: لا حَيٌّ فيرجي، ولا ميت فيُستراح منه، فسمعها صخر أيضًا، فَهَمَّ بأمْرٍ في نفسه، وقال لها: ناوليني سيفي - وهو يريدها - انْظُرْ ما بقي من قوتي، فناولته السيف، فإذا يده لا تُقِلُّهُ، فقال صخر عندئذ: (وكأنه يرثي نفسه، وهو الشاعر الذي يجيد الرثاء كلّ الإجادة)، قال:

стр. 1793

أرى أُمَّ صخر مَا تَجِفُّ دُموعُها … وَمَلَّتْ سُلَيْمي مضجعي ومكَانِي وما كنتُ أخشى أن أكون جنازة … عَلَيْكِ، ومن يغترُّ بالحدثانِ فأيُّ امرئ ساوى بِأُمٍّ حليلةٌ … فلا عاش إلَّا في شقًا وهوانِ أهم بأمر الحرم لو أستطيعه … وقد حيل بين العَيْرِ والنَّزَوانِ وَحَيٍّ حِلال قد صَبَحْتُ بغارة … كَرَجْلِ جراد، أو دَبا كتفانِ فلو أنَّ حيا فائِتَ الموت فاته … أخو الحرب فوق القارح الغذوان (١) معاوية بن مالك السُّلَمي شاعر جاهلي، قال في يوم جَبَلة، وكان قتل دثار بن وهب: لما رأيت نساء قومي حُسَّرًا … وترت إليَّ النفس غير مزاح أقدمتُ حتى لم أجِدْ مُتَقَدِّمًا … وعلمتُ أن اليوم يوم فضاح إني ثأرت أخي فلم أُسْبَقْ به … وشفيتُ نفسي من "بني الطماح" هند بن خالد السُّلَمي يسمى العربُ الذكر والأنثى كليهما باسم "هند"، وهذا هند بن خالد شاعر جاهلي، نسبه: هند بن خالد بن صخر بن الشريد السُّلَمي. ومن شعره: ألا أبلغ لديك بني كلاب … وشاعرها وفي الأقوال عُورُ ألم تر أننا لبني فراس … سَمَوْنا، تحتنا الوُقُحُ المذكور وكُلُّ طِمْرَّةٍ مَرَطي إذا ما … تحدر عن مغانيها العصير فأشبعْنا ضباع الفَيفِ منهم … وطيرًا لا تغب ولا تطير وقد أجاب هند بهذه الأبيات على رثاء يزيد بن الصعق الكلابي الهَوَازِني، المالك بن خالد بن صخر بن الشريد - الذي هو أخوه.

стр. 1794

سباع بن كوثل السُّلَمي ذكره ثعلب، فقال: وأنشدني زُبير، لسباع بن كوثل السليمي - هكذا بالياء قبل الميم: نظرتُ إلى مَيٍّ خِلاسًا عشية … على عجل والكاشحون حضورُ كذا مثل طرف العين ثم أجَنَّها … رواقٌ أتي من دونها وستُورُ فقالت: حَذَارِ القوم إن نفوسهم … وَعَيْشِ أخي - وجْدًا عليك تفور (١) وقد ذكر ابن منظور، كَوْثَلًا السُّلَمي - في مادة (كثل)، وقال عنه: رجل معروف، إليه يعزى سباع بن كوثل أحد شعرائهم (٢). عرعرة بن عاصية السُّلَمي كان عرعرة بطلًا وشاعرًا، أوقع ببني سهم بن معاوية من هُذَيْل في الجُرُفِ، وبذلك أدرك ثأر أخيه عمرو بن عاصية السُّلَمي، القتيل. قال عرعرة في ذلك: ألا أبلغْ هُذَيْلًا حيث كانت … مغلغلة تخُبُّ عن الشفيق مقامكم غداة الجُرْف، لما … تواقفت الفوارس بالمضيق وكان الجرف الذي أوقع فيه عرعرة بأعدائه يسمى (الْعِرْض)، وكان مخضوضرًا، قال كعب بن مالك فيه: فلما هبطنا "الْعِرْض" قال سرَاتُنا: … علام إذا ما لم تمنع "الْعِرْض" نزرع؟ قالوا: وسبب تسمية "الْعِرْض" بالاسم الجديد الذي هو: "الجُرُف" هو قولُ تُبَّعٍ الحميري اليماني عنه في مسيرته: (هذا جُرُفُ الأرض)، فلزمه هذا الاسم (٣).

стр. 1795

مالك بن عمير السُّلَمي لقبَّه المرزباني بـ "الناصري". له مع النَّبِيّ ﷺ حديث، وهو القائل: ومن يبتدع ما ليس من سوس نفسه … يدعه ويغلبه على النفس ضيمها (١) ضمضم بن الحارث السُّلَمي كان ضمضم أحَدَ فرسان بني سُلَيْم. وكانت ثَقِّيف أصابت كِنَانة بن الحكم بن خالد بن الشريد السُّلَمي، فَقَتَلَ به ضمضمٌ، محْجَنًا وابن عم له وهما ثقيفان. فقال ضمضم من قصيدة له يخاطب ثقيفًا: نحن جلبنا الخيل من غير مجلب … إلى جُرَشٍ من أهل زَيَّان والفم نُقتِّلُ أشبال الأسود ونبتغي … طَواغيَ كانت قبلنا لَمْ تُهَّدَمِ فإن تفخروا بابن الشريد فإنني … تَركْتُ بوَجٍ مأتمًا بعد مأتمِ أبَأتُّهُما بابن الشريد وغَرَّهُ … جِوَارُكُمَ وكان غير مُذَمَّمِ تُصيبُ رجالًا من ثَقِّيف رِمَاحُنَا … وأسيافُنا يكْلِمْنَهُمْ كلّ مَكْلَمِ (٢) ومن شعر ضمضم القصيدةُ التالية، وهي قصيدة تتحدث عن شؤونٍ اجتماعيةٍ، وقد تحدث فيها عن أخلاق النساء "الحلائل" مع أزواجهن، في شخص تجاربه مع "حليلته"، ويبدو من "أبياته" أنه لَمْ يكن زوجًا مغتبطًا ولا سعيدًا مع هذه الحليلة، وقد قاسى أخلاق سائر الخلائل على أخلاق زوجته، قال: أبْلغْ لديك ذوي الحلائل آية: … لا تَأَمَنَنَنَّ الدهرَ "ذات خِمار" بعد التي قالت لجارة بيتها: … قد كُنْتُ لو لبث الْغَزِيُّ بدار لما رأت رجلًا تسفع لونه … وغزا المصيفة والعظامُ عوار مُشُط العظام تراه آخر ليلة … متسربلًا في درعه لغوار

стр. 1796

إذ لا أزال على رحَّالة نهدة … جرداء تلحق بالنجاد إزاري يومًا على أثر النهاب وتارة … كُتِبَتْ مجاهدة مع الأنصار وَزُهَاءَ كلّ خميلة أزهقتها … مَهَلَا تَمَهَّلهُ وكل خَبَار كيما أُغبِّرُ ما بها من حاجة … وتردُّ أني لا أؤوب فَجَارِ (١) العباس بن مِرْدَاس السُّلَمي العباس بن مِرْدَاس السُّلَمي"شاعر حُنَيْن"، من الشخصيات البارزة في بني سُلَيْم في الجاهلية والإسلام، هو فارس وشاعر ومن أسرة مرموقة في قومه، وفي يوم حوزة كان شابًّا في مقتبل العمر متميزًا بالحسن، والحسنْ في فتيان بني سُلَيْم صفة مشهورة، وأبوه مِرْدَاس وأمه الخنساء أشهر شواعر العرب، وأبعدها صيتًا في الحسب والنسب والأدب. وأمه مخضرمة أدركت طرفًا من الجاهلية وأدركت الإسلام، وأسلمت وحسن إسلامها، وهو مثلها في هذه الشمائل. وقيل: بل أمه هند بنت سِنَّة بن سنان بن جارية بن عبد السُّلَمية ولدت (يزيد ذا الرمحين، وهُريمًا، وسراقة، وأنسًا، وهبيرة، وعباسًا) بني مِرْدَاس بن أبي عامر السُّلَمي (٢). كان لوالد العباس الذي هو "مِرْدَاسِ" صنم اسمه ضماد أو ضِمار (٣)، ولما حضرت الوفاة مرداسًا أوصى (العباسَ) به وبعبادته والقيام عليه، فجعل العباس يأتيه في كلّ يوم وليلة مُرّة، فلما ظهر أمر رسول الله ﷺ قال العباس: (سمعت صوتًا في جوف الليل راعني، فوثبت إلى ضماد فإذا الصوت في جوفه يقول:

стр. 1797

قل للقبائل من سُلَيْم كلها … هلك الأنيِسُ وعاش أهلُ المسجد إن الذي ورث النبوة والهدى … بَعْدَ ابْنِ مريم من قُرَيْشٍ مُهتدي أوْدَى الضِّماد وكان يُعْبَد مرّة … قبل الكتاب إلى النَّبِيِّ "محمد" قال: فكتمت النّاس ذلك، فلم أُحَدِّتْ به أحدًا، حتى انقضت غزوة الأحزاب، فبينما أنا في إبلي في طرف العقيق، وأنا نائم، إذ سمعت صوتًا شديدًا، فرفعت رأسي، فإذا أنا برجل على حيالي، بعمامة، يقول: (إن النور الذي وقع بين الإثنين وليلة الثلاثاء، مع صاحب الناقة العضباء، في ديار بني أخي العنقاء)، فأجابه طائف عن شماله لا أبصره، فقال: بَشِّرِ الجن وأجناسها، إن وضعت المطيُّ أحلامها، ووكفت السماء أحراسها، أن بعض السوق أنفاسها). قال العباس: "فوثبت مذعورًا، وعرفتُ أن محمدًا رسول الله ﷺ مُصطْفىً، فركبتُ فرسي وسرتُ حتى انتهيتُ إليه، فَبَايَعْتُه وأسلمتُ، وانصرفتُ إلى ضماد فأحرقته بالنار". وقصة الهاتف الذي سمعه العباس بن مِرْدَاس من جوف الصنم، وقصة الهاتف الآخر الذي سمعه ولم يره، فيما بعد، مُبَشِّرين برسالة محمد ﷺ ، تتفق كلتا القصتين مع ثبوت وجود العالم غير المنظور - بالنسبة لأبصارنا نحن البشر - وآيةُ ذلك أن هنا في افاقنا وفي أجوائنا ملايين المخلوقات الصغرى جدًّا، التي لا نراها نحن البشر بأبصارنا المجردة، وقد ظلت أُلوفَ السنين مجهولة الوجود لدى بني الإنسان قاطبة مع شدة التصاقها بأجسامهم وأبصارهم وشدة تأثيرها الإيجابي والسلبي على ص حتهم وفي مآكلهم ومشاربهم، فلما هيأت المقادير لبعض بني الإنسان أن يخترعوا "المجاهر المُكبِّرةَ" أبصروا هذا العالم المتموج واستكشفوا وجوده بالوسائط المجهرية التي اخترعوها والتي بَصَّرتهم به من كثب، جعد جهل مطبق بوجودها وحيويتها يتصاعد في القدم إلى أجيال البشرية الأولى، ويقاس على وجود هذه المخلوقات الصغرى "الذَّرَّةُ" التي بدأت في عصرنا الحديث تفعل الأفاعيل الكبرى" وهي لا تُرى بالعين المجردة، وما كان يتحقق وجودها وعظم مفعولها قبل استكشاف الأجهزة التي تجليها وتؤثر في كيانها، ومثلها هذه الكهرباء أيضًا التي تعطينا النور المتوهج وتقوم بشتى الأفعال، فوجود عوالم غير منظورة لنا

стр. 1798

نحن البشر واختفاؤها عن حواسنا ومدركاتنا لا ينافي وجودها ولا يقتضي عدم وجودها، وأعني بهذه العوالم الخفية من مُحَسَّاتنا البصرية: الملائكة والجن، وما جاز على المثل - من ناحية الاختفاء عن أبصارنَا مع ثبوت الوجود - يجوز على المماثل، وما دامت الجراثيم قد ثبت وجودها على أرضنا وثبتت حياتها معنا وحولنا وفوقنا وتحتنا، وثبت أننا كنا في جهل مطبق حيال وجودها وتكاثرها المريع على سطح الأرض مع أنَّها حيوان مثلنا، فبالأحرى أن يثبت لدينا وجود الملائكة والجن، برغم عدم رؤية أبصارنا لها، إذ عدم رؤيتنا للجراثيم والذرة والكهرباء ثبت أنه لا ينهض دليلًا على عدم وجودها، بل ثبت أنه قام دليلًا على عدم وجودها، وما ينطبق على الجراثيم الحيوانية المائجة حولنا ينطبق على ما هو أبلغ منها شفوفًا وروحانية وخفاءً عن الأبصار البشرية، وما صنعته أيدي النّاس وعقولهم من الآلات هو الذي كشف لهم بأخَرَةٍ عالم الجراثيم الصغير الكبير الخطير، فالملائكة والجن أشف كيانًا من الجراثيم وأعمق استتارًا من الجراثيم عن العيون وعن وسائل الإدراك البشرية المادية؛ ولذلك يراهم صفوة الخَلْق من الأنبياء، ويرى الجِنَّ ذوو الشفافية الروحانية وبالمناسبات إذا تشكلوا بأشكال غير أشكالهم الطبعية المبالغة الشفوف والاحتجاب. وعباس بن مِرْدَاس لا يوجد سبب مادي أو أدبي يدعوه إلى اختلاق هذه القصة، فإنه إذا أراد، آمن بالرسول ﷺ لمجرد تصديقه برسالته، كما فعل كثير غيره من مشركي العرب الذين ضربوا بالشرك والوثنية عرض الحائط جهارًا نهارًا، ورفضوا عبادة الأصنام بإصرار وحماسة ودخلوا في الإسلام وآمنوا برسالة محمد ﷺ بمجرد إيمان قلوبهم وعقولهم بها وبه، ولا حاجة مطلقًا ولا ضرورة ملجئة لعباس إلى أن يخالق قصة وهمية خيالية لإسلامه كهذه القصة، وقد آمن برسالة محمد ﷺ أكابر السُّلميين وغيرهم دون وقوع قصص كهذه لهم. هذا، وتمضي بنا قصة إسلام العباس بن مِرْدَاس، فتفيدنا بأنه كانت تحته "حبيبة بنت الضحَّاك بن سفيان السُّلَمي" أحد بني رعل، وقد خرج العباس حتى انتهى إلى إبله، وهو يريد النَّبِيّ ﷺ فبات بها، فلمَا أصبح دعا براعيه فأوصاه بإبله، وقال له: (من سألك عني فحدثه أني لحقت بيثرب، ولا أحسبني إن شاء الله تعالى إلَّا آتيا محمدًا وكائنًا معه، فإني أرجو أن تكون برحمة من الله ونور،

стр. 1799

فإن كان خيرًا لَمْ أُسبَقْ إليه، وإن كان شرًا أبصرته لخزلته - لخذلته - إلخ). ثم سار إلى النَّبِيّ، وانتهى الراعي نحو إبله فأتي امرأته حبيبة السُّلَمية، فأخبرها بالذي كان من أمر زوجها العباس، ومسيره إلى النَّبِيّ ﷺ ، فقامت فقوضت بيتها ولحقت بأهلها (١). وقد ذكرنا فيما سلف أن العباس شاعر، والشاعر مرهف الشعور، يسجل بريشة شاعريته، عواطفه وانفعالاته وأحواله الفكرية والنفسية والاجتماعية، ولهذا لا غرو أن نرى العباس بن مِرْدَاس يسجل لنا بشعره قصة دخوله في الإسلام من أولها إلى آخرها، ووجود القصة في شعره مما يؤكد وقوعها وأنها ليست من صنع الرواة، قال: لَعْمَرِيَ إني يوم أجْعلُ جاهدًا … "ضمادًا" لرب العالمين مشاركًا وتركي رسولَ الله، والأوسُ حوله … أولئك أنصار له، ما أولئكا كتارِكِ سَهْلِ الأرض والحَزنِ يبتغي … لَيَسْلُكَ في غيب الأمور المسالكا فآمنتُ باللّه الذي أنا عبده … وخالفتُ من أمسى يريد الممالكا ووجهتُ وجهي نحو مكة قاصدًا … وتابعتُ بين الأخشبين المُبَاركَا نبيٌّ أتانا بعد عيسى بناطق … من الحق فيه الفصل منه كذلكا أمينًا على الفرقان أوَّل شافع … وآخِرَ مبعوثٍ يُجيبُ الملائكا تَلَافَى عُرَا الإسلام بعد انفصامها … فَأحْكَمَها حتى أقام المناسكا رأيْتُكَ يا خير البرية كلها … تَوَسَّطْتَ في القربى من المجد مالكا سبقتهمُ بالمجد والجود والعلا … وبالغاية القصوى تَفُوتُ السَّنابِكا فأنت المصُفَّى من قريش إذا … غلاصِمُها تُبْقِي القرومَ الفْوَارِكا وكان قدوم العباس بن مِرْدَاس على النَّبِيّ في المدينة وهو يريد المسير إلى مكة لفتحها، فواعده رسول الله ﷺ قديدًا، وقال: (القنا أنت وقومك بقُديد) فلما نزل

стр. 1800

رسول الله ﷺ ، قُدَيْدًا وهو ذاهب لَقِيَهُ - في رواية عباسُ بن مِرْدَاس في ألف من بني سُلَيْم، وفي ذلك يقول: بَلِّغْ عبَّاد الله أن محمدًا … رسولُ الإله راشدًا أين يَمَّمَا دعا قومه واستنصر الله ربه … فأصبح قد وافي الإله وأنعمَا عشية وَاعَدْنَا قُدَيْدًا "محمدًا" … يؤم بها أمرًا من الله مُحكمَا حلفتُ يمينًا برَّةً لمحمد … فأوفيته ألفًا من الخيل مُعلمًا سرايا براها الله وهو أميرها … يؤم بها في الدين من كان أظلمَا على الخيل مشدودًا عليها دُرُعنَا … وخَيْلًا كدَّفاعِ اللواتي عرمرمَا أطعناكَ حتى أسلمَ النّاسُ كلهم … وحتي صَبَحْنَا الخيلَ أهْل يَلَمْلَمَا وسار العباس وقومه إلى فتح مكة ثم إلى حُنَيْن مع رسول الله ﷺ ، وقسم الرسول غنائم هَوَازِن، فأكثر العطايا لأهل مكة وأجزل لهم القسم ولغيرهم ممن خرج إلى حُنَيْن، حتى إنه كان يعطي الرجل الواحد مائة ناقة والآخر ألف شاة، وزوي كثيرًا من القسم عن أصحابه، فأعطى الأقرع بن حابس من تميم، وعُيينة بن حصن الفزاري من غَطَفَان، والعباس بن مِرْدَاس، عطايا فضل فيها عُيينة والأقرع على العباس، فتأثر العباس من ذلك، وما سكت على تأثره؛ لأنه كان مؤمنًا صادق الإيمان يكاشف الرسول بدخيلة نفسه، وقد جاءه وأنشده: كانت رزايا تلافَيْتُها … بكري على المُهْر في الأجْرع وإيقاظي الحيَّ أن يْرقُدوا … إذا هَجعَ القوم لَمْ أهجع فأصبح نَهْبي ونَهْب العُبَـ … ـــــيْد (١) بين عُيينة والأقْرعَ وقد كنتُ في الحرب ذا تدراءٍ … فلم أُعْطَ شيئًا ولم أُمْنَعِ وما كان حِصْنٌ ولا حَابس … يفوقان مِرْداس في مُجْمَع وما كنْتُ دون امرىْ منهما … ومن تَضَعِ اليوم لا يُرْفَع فبلغ قوله رسول الله ﷺ فدعاه، فقال له: أنت القائل: أصبح نهبي ونهب العبيـ … ـــد بين الأقرع وعُيينة

стр. 1801

فقال أبو بكر: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لَمْ يقل ذلك، ولا والله ما أنت بشاعر، ولا ينبغي لك الشعر وما أنت براوية، قال: فكيف؟ قال: فأنشده أبو بكر ﵁، فقال الرسول ﷺ : هما سواء، لا يضرك بأيهما بدأت: بالأقرع أم بعيينة. وقال رسول الله: اقطعوا عني لسانه، وأمر بأن يعطوه من الشَّاءِ والنَّعَمِ ما يرضيه، ليمسك، فأُعْطِيَ (١)، وهكذا كان العباس من المؤلفة قلوبهم. ويقول عبد البديع صقر: إن العباس بن مِرْدَاس وُلِدَ في عهد النَّبِيّ ﷺ (٢)، ولم أر هذا القول لغيره فيما لديّض من المراجع، فإنها تكتفي بأن تقول: إنه مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام، وأسلم. ومن رأيي أنه إذا كان قول عبد البديع صقر مطابقًا للواقع فلابد أن يكون مولد العباس في الحقبة التي سبقت البعثة النبوية إما بقليل أو أكثر من القليل، وذلك لأننا نعرفُ العباس بن مِرْدَاس، وهو فارس وشاعر في عام فتح مكة، ونعرفه قبل ذلك بطلًا معلمًا خاض المعارك مع خُفاف بن ندبة السُّلَمي، وقال في حروبه معه شعرًا نشرنا شيئًا منه، وعام الفتح هو السنة الثامنة للهجرة - بين الفتح ومولد الرسول ﷺ حقبة من الزمن هي واحد وستون عامًا، فإذا كان عباس بن مِرْدَاس ولد في حياة الرسول فمولده - على ما نقدر - في العقد الثاني من عمره ﷺ ، ومعنى هذا أنه كان وقت البعثة شابا مكتمل الشباب، وسنه حول العشرين عامًا، وعندما كان الفتح وهو بعد البعثة بواحد وعشرين عامًا كان في آخر أيام شبابه، فهو يومئذ يقف على عتبة الكهولة والنضج، ونحن نراه قبل الفتح زوجًا لحبيبة السُّلَمية التي لَمْ ترضَ عن تحوله إلى الإسلام، فارتحلت عنه وهجرته مفارقة له، ونحن نراه قبل الفتح ذا خيل وإبل ولأنْعَامِهِ راعٍ خاص بها، كما نراه قبل إسلامه سادنًا للصنم الذي كان والده يرعاه وقد أوصاه به وبعبادته بعد وفاته ففعل، ومن كان كذلك لابد أن يكون رجلًا يتحمل المسئوليات ويؤثل الأموال ويعهد إليه بالمهام؛ ونحن نرى أن الحرب التي نشبت بينه وبين خُفاف، نشبت بعد البعثة النبوية وقبل فتح مكة، وقد كانت رحاها تدور بينهما قبل إسلامه وقبل إسلام

стр. 1802

خصمه وابن عمه: خُفاف بن ندبة، ولا يقوم بأعباء حرب كهذه إلَّا رجلٌ قوي البِنْيَةِ مكتمل الشباب والفتوة: وظل العباس بن مِرْدَاس على بداوته - بعد الإسلام - كان أليف الفيافي، فلم يسكن بعد إسلامه مكة ولا المدينة، ولم يُقِمْ في أي بلد إقامة دائمة، وكان إذا حضر إحدى غزوات النَّبِيّ ﷺ لا يلبث أن يعود بعدها إلى مضارب قومه في قلب البادية، يستنشق نسيمها العليل، ويأنس بنغمات طيورها البرية، ويرتاح إلى عشبها وأشجارها، ويهفو إلى صحوها وغيمها، ويغرم بصحاراها وجبالها وأوديتها، وقالوا: إنه قدم البصرة مع من قدموا إليها من قومه بعد تمصيرها في خلافة عمر بن الخطاب، ولكنه لَمْ يتخذها موطنًا، كما اتخذها غيره من بني عمومته، بل إنه عاد لسكني البادية التي تخفق الأرواح في أبياتها الشَّعَرَيَّة أو الجِلْدِيَّة، وكان منزله بالعقيق مما يلي سفوان. وقد حرَّم على نفسه الخمر وهو في الجاهلية، وهذه مزية نفسية تدلنا على أنَّه كان لبيبًا وذا رأي قويم في بعض الأمور الضارة أو النافعة للصحة العامة والخاصة، وللمروءة والكرامة الإنسانية، فالخمر أُمُّ الخبائث وشُرْبُها يؤدي إلى ارتكاب المحرمات الأخرى؛ لأنَّها تسلب عقْلَ العاقل وكرامة الكريم ولُبَّ اللبيب، وقليل هم الذين حرموها على أنفسهم من عرب الجاهلية في الفترة الأخيرة، لشفوف أذهانهم وانجلاء بصائرهم وتفهمهم لعواقبها الوخيمة على الفرد والمجتمع. توفي العباس بن مِرْدَاس في الشام سنة ١٦ هـ وله من الأولاد: جاهمة أو جلهمة وله صحبة، وأُبيٌّ، وسعيد. ومن ذرية جاهمةَ، عبدُ الملك وهارون ابنا حبيب، ومن ذرية سعيد، بكار بن أحمد بن عبد الله بن سعيد المُحدِّث العابد، مات بمصر. خصائص شعره يمتاز شعر عباس بن مِرْدَاس بالطراوة والطلاوة مع الوضوح، ومع أنه بدوي موغل في البداوة أليف صحراء ووهاد ونجود، ورب سيف وخَوَّاض معارك، فإن شعره الذي بين أيدينا كان رطبًا سلسًا خفيف الروح، لا تجد فيه شيئًا من

стр. 1803

جفاف البداوة، ولا شيئًا من عنجهية الجاهلية، ويمكن أن نشبهه في هذه الناحية بالنابغة الذبياني من غَطَفَان، مع الاختلاف بينهما في سعة الأفق، وفي أن النابغة قد يقول من الشعر ما لا يختلف عن أضرابه في كزازة اللفظ وجهامة التعبير بعض الأحيان. وفي ديوان شعره شواهد واضحة على هذا المسلك الجاهلي الماثل في كثير من الشعر العربي الجاهلي، إلى جانب شعره الرطب السمح الجميل. ونحن نتحدث هنا (خاصة) عن شعر عباس بن مِرْدَاس قبل إسلامه، أما شعره بعد الإسلام فقد صقلته تعابير الإسلام، وصقله وهذَّبه الإسلام، ومصطلحاته الرائعة الجديدة على دنيا العرب وحياتهم. نماذج من شعره الجاهلي كان قيس بن شيبة السُّلَمي من رهط العباس بن مِرْدَاس باع بمكة متاعًا من أُبَيٍّ بن خلف القرشي، فلواه وذهب بحقه، فاستجار برجل من بني جُمَح فلم يُجِرْهُ، فقال قيس: يا آل قصي كيف هذا في الحرم … وحرمة البيت وأخلاق الكرم! أُظلم لا يُمنع عني من ظلم فبلغ العباس بن مِرْدَاس قوله، فقال: إن كان جارك لَمْ تنفعك ذمته … وقد شربت بكأس الذل أنفاسا فَأتِ البيوت وكن من أهلها صَدَدًا … لا تلق نادمهم فُحشًا ولا بأسا وثم كن بفِنِاءِ البيت معتصمًا … تلق ابن حرب وتلق المرء عباسا قَرْمَيْ قريش وحَلًا في ذؤابتها … بالمجد والحزم ما عاشا وما ساسا ساقي الحجيج وهذا يا سر فلج … والمجد يورث أخماسًا وأسداسا (١) ويبدو أن قيسًا أخذ بنصيحة عباس بن مِرْدَاس فرد العباس بن عبد المطلب وأبو سفيان بن حرب عليه ماله، وكان ذلك سَبَب حلف الفضول الذي قام على رد المظالم.

стр. 1804

وقال العباس بن مِرْدَاس يهجو خُفاف بن دبة السُّلَمي، وطالما تلاحيا وتهاجيا وتقاتلا في جاهليتهما: أراني كلما قاربت قومي … نَأوا عَنِّي وقَطْعُهُمُ شديدُ سَئِمْتُ عتابهم فصفحتُ عنهم … وقلتُ: لعل حلمهمُ يعودُ وعَلَّ الله يمكن من خُفَافٍ … فأسقيه التي عنها يحيدُ بما اكتسبت يداه وجَرَّ فينا … من الشحنا التي ليست تبيدُ فإنِّي لو يؤدبني خُفَافٌ … وعَوْفٌ والقلوب لها وقودُ وإني لا أزال أريد خيرًا … وعند الله من نعم مزيدُ فضاقت بي صدورهم وغُصَّتْ … حُلُوقٌ ما يبض لها وريدُ متى أبعدْ فشرهمُ قريب … وإن أقْرُبُ فَوُدَّهُمُ بعيدُ أقول لهمْ وقد لهجوا بشتمي … ترقوا يا بني عوف وزيدوا فما شتمي بنافع حَيِّ عَوْف … ولا مثلي بضائره الوعيد فما أدري وما يدريه عَوفٌ … أينفعني الهبوط أم الصعود؟ أتجعلني سَرَاةُ بني سُلَيْم … ككلب لا يهر ولا يصيد كأني لَمْ أقُدْ خيلًا عتاقًا … شوازِبَ مثلُها في الأرض عود أُجَشِّمُها مَهَامِهَ طامسات … كان رمال صحصحها قعود عليها من سراة بني سُلَيْم … فوارس نجدة في الحرب صيد فأُوْطِئُ مَنْ تريدبني سُلَيْم … بكلكلها ومَن ليست تريد (١) تلوح من هذه القصيدة من شعر عباس بن مِرْدَاس مسحة من الألم المكبوت، وشكوي مكنونة من الاستخفاف به الذي لمسه من بني قومه - وربما كان ذلك منهم إبَّان القتال الناشب بينه وبين ابن عمه "خفاف" - وهو يذكر هنا أسماءً معينة، يوجه إليها قوارص العنب واللوم والتقريع جزاء شتمهم له، وهؤلاء هم:

стр. 1805

حَيُّ عَوْفٍ (١) الذين لهجوا بشتمه؛ وقد ضمهم إلى خفاف في استنكار موقفهم منه، وقد خاطبهم بقوله: (ترقوا في سلم شتمني وزيدوا فما يشفي غيظكم شتمي ولا يضرني وعيدكم)، وشعره هذا شعر جاهليٌّ بالنسبة إليه؛ لأنه يتحدث فيه يوم قاله عن الملابسات القائمة فيما بينه وبين خفاف من هجاء وملاحاة وقتال. وهجا عباس بن مِرْدَاس عمرو بن مَعْد كرب المرادي من مَذْحِج القحطانية بقوله: ألا أبلغا عمرًا على نأى داره … فقد قُلْتَ قولًا جائزًا غير مهتد أُتهْدِى الهجاء لامرئ غير مفحم … وتُهْدِي الوعيد لامرئ غير مُوعَدِ فإن تلقني تلق امرءًا قد بلوته … حديثًا وإن تفجر عليَّ، تُفَنَّدِ ألا تعلمن يا عمرو أني لقيتكم … لدى مَأْقط والخيل لَمْ تتبددِ وعَرِّدَ عني فارساكم كلاهما … وقد علمًا بالجزع أن لَمْ أعرِّدِ وما زلت أحمي صخحبتي وأذودكم … برمحي حتى رُحْتُ قطرا بمفردي ويُذكر أن عمرو بن مَعْد كرب فرَّ من العباس في إحدى المعارك وأن العباس أسر أخته ريحانة، وقال في ذلك شعرًا. ومن قصائده "المنصفات" - ومعنى المنصفات: القصائد التي يُنصف فيها الشاعر خصومه الحربيين فيذكر ما حدث له ولقومه، وللخصوم معًا من نصر وهزيمة، وإقبال وإدبار، وكر وفر - من هذه القصائد قصيدته السينية المثبتة في ديوانه الذي جمعه وحققه الدكتور يحيى الجبوري (طبع بغداد)، ومطلعها قوله: لأسماء رسم أصبح اليوم دارسا .. وأقفر منها رَحْرَحانُ فراكسا (٢)

стр. 1806

وفي هذه القصيدة يذكر لنا أن "المتغزل فيها": تضوع منها المسك حتى كأنما … تَرَجَّلُ بالريحان رطبا ويابسا و (تَرَجَّلُ) بمعني تُسَرِّحُ الشَّعرَ، ومن هذا يبدو أن تسريح شعر النساء بالريحان رطبًا ويابسًا عادة كانت لديهن مألوفة في الجاهلية. وقد قطع عباس نسيبه في "أسماء" قطعًا، بالانصراف إلى شئون أعدائهم فقال: فَدَعْها ولكِنْ قد أتاها مَقادُنا … لأعدائنا تُزْجى الثِّقالَ الكوادِسا إلى أن يقول: سَمَوْنا لهم سبعًا وعشرين ليلة … نجوب من الأعراض قفرًا ويابسا وهو يصف بُعْدَ منازل أعدائهم الذين غزوهم في عقر دارهم، مصعدين، لأنَّ منازلهم بتثليث قرب نجران، وتثليث بعيدة عن منازل بني سُلَيْم .. هي في الجنوب، وهم في الشمال، قال: فبتنا قعودًا في الحديد وأصبحوا … على المركبات يجردون الأيابسا فلم أرَ مثل الحيَّ حيًّا مُصَبَّحًا … ولا مثلنا لَمَّا التقينا فوارسا أكرَّ وأحْمي للحقيقة منهم … وأضْرَبَ مِنَّا بالسيوف القوانسا وبينما يصف الشاعر هنا قومه بالفروسية والبطولة، يثني فيصف أعداءهم بأنهم أكَرُّ على الأبطال وأحمي للحقيقة، وبأن قومه هو - بني سُلَيْم - أضربُ للأبطال بالسيوف، وهذا إنصافٌ من الشاعر. ويعود إلى وصف شجاعة قومه فيقول: وأحْصنَنَا منهم فما يبلغونا … فوارسُ مِنَّا يحبسون المحابسا وهو هنا يصف لنا موقف قومه الدفاعيَّ - وهذا إنصاف آخر منه - فما أحسن الحقيقة حين تقال في مثل هذه المواقف.

стр. 1807

ثم يعود ليُفَصِّلَ موقف الجانبين المتساوي إزاء بعض في حومة الوغى فيقول: إذا ما شددنا شَدَّةً نَصَبُوا لها … صدور المَذاكي والرِّماح المداعسا والمذاكي من الخيل ما دخل السنة السادسة، والمَداعِسُ من الرماح: الغليظ الشديد الذي لا ينثني، ومعنى دعسه بالرمح: طعنه به، كما فسرناه في مكان آخر من هذا الكتاب. وهنا ينصف عباس إنصافًا صريحًا واضحًا، فيصف لنا الموقف المتكافئ بين قومه وعدوهم على حقيقته دون تحيز .. إذ يقول: إنَّا إذا شددنا عليهم شدة، أي إذا هجمنا عليهم هجومًا شديدًا، قابلوا هجومنا الشديد بصدور الرماح وصدور الخيل المسومة، فنقف هجومنا وتتوازن كفتا القتال الدائر بيننا وبينهم عندها فلا غالب ولا مغلوب. ويعتذر عن أسباب غزوهم المراد في "تثليث" النائية عنهم، وهم قوم شُوسٌ مغاوير وليوث حرب، بقوله: نطاعن عن أحْسابنا برماحنا … ونضربهم ضرب المُذِيذ الخَوامسا ويعود إلى تبيان فعاله في هذه الحرب الضروس المتكافئة: وكنتُ أمام القوم أوَّل ضارب … وطاعنتُ إذ كان الطِّعانُ تَخَالُسا ولا يكتفي بمديح بطولته التي جعلته أمام القوم أول ضارب، فنراه يستشهد على تقدمه لغيره من الأبطال في الإقدام في ساحة المعركة بشهود عدول أحياءٍ شاهدوا موقفه المشرف: فكان شهودي مَعْبَدٌ ومُخارِق … وبِشْرٌ، وما استشهدتُ إلَّا الأكايِسا لكنه يعود، فيفيد سامع شعره وقَارِئَهُ بأنه لَمْ يكن (منفردًا) في مقدمة الصفوف بل كان معه ابنا صُرَيْمِ دارعَيْنِ - أي لابِسَيْنِ للدروع الواقية من وقع السيوف وطعن الرماح، ومعهما عُرْوَة أيضًا، وإنصافًا لهؤلاء الأبطال الأماجد الثلاثة الذين شاركوه في الإقدام وتقدم الصفوف للنزال والضرب والطعان يقول: مَعِي ابنا صُرَيْمِ دارعانِ كلاهما … وعُرْوَةُ لولاهم لَقيتُ الدَّهارسا

стр. 1808

ومن إنصافه أن يقول: إنه لولا حماية هؤلاء النفر الثلاثة له لَلَقِيَ الدَّواهي؛ فالدهارس هي الدواهي. ويستمر في وصف وقائع المعركة فيقول: فأما زيد فقد مارس الإقدام، لولا إقصار خُطا مهره، وبنو سُلَيْم كانت الخيل لديهم كثيرة وفيرة - كما قدمناه: ومارس زيد ثم أقصَر مهره … وحقَّ له في مثلها أن يمارسا ولعنترة في معلقته وصف يماثل ما وصف به العباس "زيدًا"، يقول عنترة: (ولكني تضايق مقدمي). وأما قُرَّة فكان موقفه حمَايَةَ المنهزمين والمتفرقين في المعركة، وطَعْنَ الأعداء بقوة وضراوةً، فلله دره من فارس مغوار: وقُرَّةُ يحميهم إذا ما تبددوا … ويطعنهم شزرًا فأْبَرحْت فارسا ويجلي لنا الموقف تمامًا أنَّ بني سُلَيْم في غزوهم لمراد في أرضهم: "تثليث" تمكنوا من (جَرْحِ) الكثير من رجالهم فقط، ولم يجهزوا عليهم، ولو مات الجرحى من أعدائهم لاغتبطت الضباع هنالك بكثرة القتلي، والسبب في عدم تمكين السُّلَميين الغزاة من القضاء على خصومهم يعود إلى أن هؤلاء الخصوم كانوا يلبسون الدروع المضاعفة، فلا تصل إلى أجسامهم سيوف بني سُلَيْم ولا رماحهم: ولو مات منهم مَنْ جَرَحْنا لأصبحت … ضِبَاعٌ بأكناف الأراك عرائسا ولكنهم في "الفارسي" فلا يُرَى … من القوم إلَّا في المُضَاعَفِ لابسا ويقصد بـ "الفارسي" هنا، الدروع الفارسية المضاعفة، أي المنسوجة حلقتين حلقتين، فهي لذلك تَقي لابسها من الضرب والطعن. ويزيدُ الموقِفَ (انجلاءً): فيذكر أن أعداءهم إذا تمكنوا من قتل كريم منهم فإنهم هم أيضًا قد قتلوا به منهم قتلى ذلك أنوفهم، فقد قتلوا بالقتيل السُّلَمي الواحد، خمسة بل ستة من أعدائهم: فإن يقتلوا منا كريمًا فإننا … أبانا به قَتْلًا تُذِلُّ المعَاطِسا قتلنا به في ملتقى الخيل خمسة .... وقاتِلَه زِدْنا مع الليل سادسا

стр. 1809

وقد اقتضى المشهد هنا أن يبرز شهامة قومه وإباءهم في الحروب، وتقدمهم إليها كما يتقدم حبيب لحبيبٍ: وكنا إذا ما الحرب شَبَّتْ نَشبُّها … ونَضْربُ فيها الأبْلَجَ المتقاعسا والأبلجُ: "المتكبر" والمتقاعس: "المتمنع" الذي لا يطأطئ رأسه. وهنا يختم الشاعر قصيدته المنصفة، بوصف شامل لما حدث في الصدام المسلح بينهم وبين مُراد، فيقول: فأُبْنا وأبقى طعْنُنا في رماحنا … مَطَارِدَ خطِّيٍ وحُمْرًا مَداعِسا والمطارِدُ: ما يبقى من الرماح إذا انكسرت، والخطيُّ: الرمح المنسوب إلى خط البحرين. وجُردًا كأنَّ الأُسْدَ فوق مُتُونها … من القوم مَرءوسًا وآخر رائسا وهكذا عاد الغزاة السُّلَميُّونَ من صدام مسلَّح لَمْ يكن لهم فيه نصر ولا انكسار، ولكنهم حققوا في غزوتهم معنى البطولة، ودافعوا بالهجوم البعيد المدى الذي شنوه على أعدائهم في عقر ديارهم عن أعراضهم وسمعتهم وشرفهم وحماهم - والهجوم من أنجح وسائل الدفاع وأنجحها قديمًا وحديثًا -. هذا، وقد ذكَّرني (اختتامُ) العباس بن مِرْدَاس (لسينيته المنصفة) هذه بقول عمرو بن كلثوم التغلبي في (قصيدته المنصفة) - معلقته النونية المعروفة: فآبوا بالنهاب وبالسبايا … وأُبْنا بالملوك مصفدينا ويبدو أن العباس كان على علم بقول عمرو بن مَعْد كرب له من قصيدة سينية أو هما بيتان فقط: أعباس لو كانت شيارًا جيادَنا … بتثليث ما ناصَبْتَ بعدي الأحامسا ولكنها قِيدتْ بصعدة مُرَّةً … فأصبحن ما يمشين إلَّا تكاوُسا نماذج أخرى من شعره الإسلامي لَقَّبْنا عباس بن مِرْدَاس السَّلَمي، بشاعر حُنَيْن، لما اتضح لنا من دراسة شعره الإسلامي، من أنه أكثر من قال الشعر في يوم حُنَيْن وأنداهم صوتًا، وخاصة أنه شهد المعركة مع بني سُلَيْم وخاض معهم غمارها، ومن ذلك قوله:

стр. 1810

فإني والسوانح يوم جَمْعٍ … وما يتلو الرسول من الكتابِ لقد أحببتُ ما لَقِيَتْ ثقيفًا … بجنب الشعب أمس من العذابِ ركضنا الخيل فيهم بين بَسٍّ … إلى الأورال تنحط (١) بالنهابِ بذي لجب رسول الله فيهم … كتيبته تَعَرَّضُ للضِّرابِ ومن ذلك قوله أيضًا في يوم حُنَيْن: ويوم حُنَيْن حين سارت هَوَازِن … إلينا وضاقت بالنفوس الأضالعُ صبرنا مع الضحَّاك لا يستفزنا .... قِراع الأعادي منهم والوقائعُ أمام رسول الله يخفق فوقنا … لواء كخذروف (٢) السحابة لامع عشية ضحَّاك بن سفيان معتص … بسيف رسول الله والموت كانع (٣) إلى أن يقول: نذود أخانا عن أخينا ولو نرى … مصالًا لكنا الأقربين نُتَابِعُ ولكن دين الله دين محمد … رضينا به في الهدى والشرائع أقام به بعد الضلالة أمرنا … وليس لأمر حَمَّةُ الله دافع يقول في الأبيات الثلاثة الأخيرة: إنهم يقاتلون إخوتهم (هَوَازِن) الذين تجمعهم بهم وشيجة النسب في (قيس) - يقاتلونهم عن إخوتهم في الإسلام الذين يربطهم ببعض ما هُوَ أقوى من وشيجة النسب من كثب، وإن بني سُلَيْم لو كانوا يرون في حكم الدين مصالًا ومجالًا أو تطاولًا على النّاس لكانوا مع الأقربين

стр. 1811

نسبًا: أي مع هَوَازِن في حربها الضروس للإسلام، ولكن الإسلام فَرَّق بين بني سُلَيْم، وهَوَازِن إذ ذاك بحق .. فبنو سُلَيْم دخلوا الإسلام، وهَوَازِن ما زالت على شركها القديم: ويقول: إننا مع ذلك نريد لهم الهداية والرشاد. وللعباس بن مِرْدَاس غير هذه القصائد والأبيات شعر كثير في غزوة حُنَيْن، ضمنه كلّ ما يطفح به قلبه المؤمن من ذكريات رائعة لانتصار الإسلام وعظمة الإسلام. على أنَّ من أروع ما قاله في يوم حُنَيْن، قصيدتَهُ (الكافيَّة) التي استهلها بمدح المصطفي ﷺ ، وقد ضمنها الإشادة بشجاعة الضحَّاك بن سفيان الكلابي قائد بني سُلَيْم البطل الذي عينه الرسول قائدًا عليهم. قال: يا خاتم النُّباء! إنك مرسل … بالحق كلُّ هُدي السبيل هُداكا إن الإله بني عليك محبة … في خلقه و (محمدًا) سمَّاكا ثم الدين وفوا ما عاهدتم … جُنْدٌ بعثت عليهم الضحَّاكا رَجُلًا به درب السلاح كأنه … لما تكنفه العدو براكا يغشي ذوي النسب القريب وإنما … يبغي رضا الرَّحمن ثمَّ رضاكا أُنْبيِكَ أني قد رأيت مَكَرَّهُ .. تحت العجاجة يدمغ الاستراكا طورًا يعانق باليدين وتارة … يفري الجماجم صارِمًا بتَّاكا يخشي به هام الكُماة ولو تري … منه الذي عاينتُ كان شفاكا و"بنو سُلَيْم" مُعْنِوق أمامه … ضَرْبًا وطعنًا في العدو دِراكا يمشون تحت لوائه وكأنهم … أسْدُ العرين أرَدْنَ ثَمَّ عراكا ما يرتجون من القريب قرابة … إلَّا لطاعة ربهم وهواكا هذي مشاهدنا التي كانت لنا … معروفةٌ وَوَلِيُّنَا مولاكا (١)

стр. 1812

خُفَاف بن عمير السُّلَمي أحد شعراء بني سُلَيْم المعروفين، وصفه الأصمعي حينما سُئل عنه، وعن عنترة العبسي من غَطَفَان، والزبرقان بن بدر من بني تميم، بقوله: (هؤلاء أشعر الفرسان، ومثلهم عباس بن مِرْدَاس السُّلَمي) ولم يقل أنهم فحول (١). ولخُفاف ترجمة وافية سبقت لنا في فصل: (صحابة من بني سُلَيْم) اكتفينا بها عن تكرار ترجمته في هذا الفصل، حيث إن في تلك مقطوعات طيبة من شعره. الفَرَّار السُّلَمي (حيَّان بن الحكم)، شاعر مخضرم، صحابي، وكان أحد أصحاب راية بني سُلَيْم يوم فتح مكة، وتقدمت ترجمته في فصل: "صحابة من بني سُلَيْم" أيضًا، وله شعر جزل رصين. وقد مكنته شاعريته القوية من أن يُحَسِّنِ (الفِرَارَ) على قبحه حتى حَسْن، قال: وكتيبة لَبَّسْتُهَا بكتيبةٍ … حتى إذا التبستْ نفضتُ لها يدي فتركتهم تَقِصُ الرماحُ ظهورَهم … ما بين مقتول وآخر مسند هل ينفعني أن تقول نساؤهم، … (وقُتِلْتُ دون رجالها) لا تبعد (٢) ويذكرنا تحسينه للفرار في شعره هذا، بقول الحارث بن هشام حين فرَّ عن أخيه أبي جهل بن هشام، واعتذر عن ذلك في قوله: الله يعلم ما تركتُ قتالهم … حتى عَلَوْا فرسي بأشقر مُزْبِدِ وشممتُ ريح الموت من تلقائهم … في مأزق والخيل لَمْ تتبددِ وعلمت أني إن أقاتل واحدًا … أُقْتَلْ ولا يضررْ عدوي مشهدي فصدرتُ عنهم والأحبةُ فيهم … طمعًا لهم بعقاب يومٍ مُرْصَدِ

стр. 1813

وكان حسان بن ثابت شاعر الأنصار قد هجا الحارث بقصيدة - بسبب فراره - يقول فيها: إن كُنْتِ كاذبة الذي حَدَّثْتِني … فنجَوْتِ منجي الحارث بن هشام تَرَكَ الأحبة أن يُقاتِل دونهم … ونجا برأسِ طِمرةٍ ولجام وأبيات الحارث المتقدمة قالها جوابًا عن هجاء حسان هذا. مالك بن عمير السُّلَمي صحابي وشاعر. له حديث رواه عن النَّبِيّ ﷺ في الشعر، راجع ترجمته في فصل: (صحابة من بني سُلَيْم). أبو شجرة: عمرو السُّلَمي هو عمرو بن عبد العُزَّى بن عبد الله بن رواحة بن مُلَيْلٍ - بضم الميم بعدها لام مفتوحة فياء ساكنة فلام - ابن عُصية، أمُّه الخنساء الشاعرة، أورد ابن حزم أنه شاعر (١). ارتد أبو شجرة مع من ارتد من قومه في خلافة أبي بكر، وله شعر في ذلك يقول فيه: فلو سألت عنا غداة مُزامِرٍ … كما كنتْ عنها سائلًا لو نأيْتُها لقاء بني فهر (٢) وكان لقاؤهُمْ … غداة الجواء حاجةً فقضيتُها صبرتُ لهم نفسي وعَرَّجتُ مُهْرتي … على الطعن حتى صار وردًا كُمَيْتُهَا إذا هي صدت عن كَميِّ أريده … عَدَلْتُ إليها صدرها فهديتُها وقال في ردته عن الإسلام: صحة القلب عن مَيٍّ هواه وأقصرا … وطاوع فيها العاذلين فأبْصرا وأصبح أدنى رائد الجهل والصِّبَى … كما وُدِّها عنا كذاك تغيِّرا وأصبح أدنى رائد الوصل منهم … كما حبلها من حبلنا قد تبتَّرا

стр. 1814

ألا أيها المُدْلي بكثرة قومه … وحظك منهم أن تُضام وتُقهرا سل النّاس عنا يوم كلّ كريهة … إذا ما التقينا دارعين وحُسَّرا ألسنا نعاطي ذا الطماح لجامه .... ونطعن في الهيجا إذا الموت أقفرا وعارضةٍ شهباء تخطر بالقنا … ترى البُلق في حافاتها والسنورا فروَّيْتُ رمحي من كتيبة خالد … وإني لأرجو بعدها أن أُعَمَّرا وقد عُمِّرَ أبو شجرة بعد الردة كما رَجَا، ومن حسن حظِّه أن أسلم ودخل فيمن دخل فيه النّاس. أبو شجرة وعمر بن الخطاب ﵁ - وفي زمن عمر بن الخطاب قَدِم أبو شجرة المدينة، وأناخ بصعيد بني قريظة - وإخالة شرقي المدينة حيث حَرَّةُ بني قريظة؛ لأنَّ هذه الناحية هي الموالية لبلاد بني سُلَيْم - ثم أتى عمر وهو يعطي المساكين من الصدقة ويقسمها بين فقراء العرب، فقال: يا أمير المؤمنين! أعْطِني فإني ذو حاجة. قال: ومَنْ أنت؟ قال: أبو شجرة بن عبد العُزَّى السُّلَمي، قال عمر: أبو شجرة؟! أي عَدُوَ الله! أَلَسْتَ القائل: فَروَّيْتُ رمحي من كتيبة خالد … وإني لأرجو بعدها أن أُعمَّرا ثم جعل عمر يعلوه بالدِّرَّة - السَّوطِ - في رأسه حتى سبقه أبو شجرة عَدْوًا. فرجع أبو شجرة إلى ناقته فارتحلها ثم أسندها في حرَّة شَوران (١) راجعًا إلى أرض بني سُلَيْم، وقال يحكي ما حدث بينه وبين عمر بن الخطاب في المدينة: ضَنَّ علينا "أبو حفص" بنائله … وكل مختبط يومًا له ورق ما زال يُرهِقَني حتى خذيِتُ له … وحال من دون بعض الرغبة الشفق لما رَهَبْتُ "أبا حفص" وشرطته … والشيخُ يفزع أحيانًا فينحمق ثُم ارعويت إليها وهي جانحة … مثل الطريدة لَمْ ينبت لها ورق

стр. 1815

أوْرَدْتُها الخل من شَوْران صادرة … إني لأزري عليها وهي تنطلق تطير مَرْوُ أبان عن مناسمها … كما توقد عند الجهبذ الورق إذا يعارضها خَرْقٌ تُعارضه … وَرهاءُ فيها إذا استعجلتها خَرَقُ ينوء آخرها منها بأولها … سُرْح اليدين بها نهاضة العنق (١) ولقصة أبي شجرة مع عمر بن الخطاب ذكر في كتاب "الكامل للمبَّرد (٢). نضلة السَّلَمي شاعر من بني سُلَيْم، روي له ثعلب في "مجالسه" شعرًا قاله في قصة خلاصتها أن أنفارًا من بني سُلَيْم مروا على رجل مُزَنّيٍ من قبيلة مُزَيْنَة في إبل له، فاستسقوه لَبَنًا فسقاهم، فلما رأوا أنه ليس في الإبل غيره، ازدروه، فأرادوا أن يستاقوها!، فجالدهم حتى قتل منهم رجلًا، وأجلى الباقين عن الإبل، فقال في ذلك رجل من بني سُلَيْم، قال "لسان العرب": إنه نضلة السُّلَمي، والأبيات هي هذه: ألم تسأل فوارس من سُلَيْم … بنضلة (٣) وهو موتور مشيِحُ رأوه فازدروه وهو خِرقٌ … وينفع أهلَهُ الرجلُ القبيحُ فَشَدَّ عليهم بالسيف صَلْتًا … كما عرض الشبا الفُرس الجموحُ وأطلَقَ غُلَّ صاحبه وأرْدي … قتيلًا منهم ونجا جريحُ ولم يخشو مصالته عليهم … وتحت الرَّغْوَةِ اللَبَنُ الصريحُ (٤) وقد عزا الجاحظ هذه الأبيات إلى أبي مِحْجن الثقفي، ولاحظ عليه "المعلِّق" حسن المندوبي قوله: (لَمْ أجد هذه الأبيات في ديوان أبي محجن، وليس فيها ما يدلُّ على أنَّها له، ولعلها لنضلة السُّلَمي المذكور فيها باسمه وصفته).

стр. 1816

نصر بن حجاج السُّلَمي ك ان نَصْرٌ من أجمل العرب، وهو تابعي، وأبوه "حجَّاج" السُّلَمي من الصحابة، وقد مرت بنا ترجمته في فصل: (صحابة من بني سُلَيْم). ونصر من شعراء سُلَيْم. وقد أورد لنا الرواة قصة افتتان بعض نساء العرب في المدينة بجماله الباهر، وحينما ثبت لدى عمر بن الخطاب - وهو خليفة - تشبيب امرأة به في أبيات شعر أنشدتها ليلًا، فسمعها أثناء عَسِّه وتجواله في سِكَكِ المدينة - غَرَبَ نصرًا عن المدينة اتقاء الفتنة به في بلد الرسول ﷺ . ومجمل القصة أن "الذلفاء" (١) هَوِيَتْ نصرًا ودعته إلى نفسها، فزجرها ولم يوافقها، وبينما عمر يعس في بعض سِكَكِ المدينة ليلًا إذ سمع نشيد شعر من دار فوقف يتسمَّع فإذا الذلفاء تقول: يا ليت شعري عن نفسي أزاهقة … مني ولم أقض ما فيها من الحاج؟! ألا سبيلٌ إلى خمر فأشربها؟ … أم لا سبيل إلى نصر بن حجَّاج؟! فأمر عمر، فأُخرجت من منزلها وحَبَسَها، وحينما علمت بالسبب أنِفَتْ على نفسها أن يعاقبها أمير المؤمنين بما سمع منها، فكتبت إليه شعرًا تقول فيه: قل للإمام الذي تُخشى بوادره .. ما لي وللخمر أو نَصْر بن حجَّاجِ؟ إني عنيت أبا حفص يعدهما … شرب الحليب وطرف قاصر ساجي لا تجعل الظن حقًّا أو تيقنه … إن السبيل سبيل الخائف الراجي إن الهوى زَمَّهُ التقوى فَخَيَّسَهُ … حتى أقر بإلجامٍ وَإِسْرَاجِ فبعث إليها عمر وأطلق سراحها وقال لها: لَمْ يبلغنا عنك إلَّا خير، ومن يومئذ لقبت "الذلفاء" "بالمتمنية"، وسار لقبها هذا في الآفاق، وشرَّق وغرَّب، حتى وصل إلى العراق، وعرفته نساؤه وتداولته، وضربت بها الأمثال.

стр. 1817

وقالوا: إن عمر لقب نصرًا بالمُتَمَنَّى - بضم الميم الأولى وفتح الثانية وفتح النون وتشديدها - وقد أحضره إليه، فما رآه بهره جماله، فقال له: أنت تتمناك الغانيات في خدورهن؟ لا أم لك!! أما والله لأزيلنَّ عنك الجَمالَ، ثم دعا بحجَّام (١)، فحلق جُمته - مجتمع شعر الرأس - ثم تأمله فقال: أنت محلوقًا أحسنُ، فقال نَصْرٌ: وأيّ ذنبٍ لي في ذلك؟ فقال عمر: صدقت! الذنب لي إن تركتك في دار الهجرة. ثم أركبه جملًا وسَيَّرهُ إلى البصرة، وكتَبَ به إلى مُجاشع بن مسعود السُّلَمي (٢) - ابن عمه - بأني "قد سَيَّرْتُ "المُتَمَنَّى" نصر بن الحجَّاج السُّلَمي إلى البصرة"، فأنزله مُجاشع منزله لقربه ولمكانته ومكانة أبيه في المجتمع السُّلَمي والإسلامي، ولابد أنه سمع من قبل ورود خطاب عمر إليه بما حدث جملةً وتفصيلًا، وأخدمه امرأته "شُمَيْلة" وكانت أجمل امرأة بالبصرة، فعلقته وعلقها، حتى انكشف أمرهما لزوجها مُجاشع، فقال لنصر: "يا ابن العم، ما سيرك عمر إلى خير، قم فإن وراءك أوسع لك". فخرج وعدل إلى منزل بعض السُّلَميين، وفي خزانة الأدب" (المسلمين) بالبصرة، ووقع لجنبه وضَنِيَ من حب شُمَيلة، ومن خدش كرامته مرتين: مُرّة على يد الخليفة في المدينة، ومرة على يد ابن عمه ومُنْزِلِه عنده ومُكْرِمَه "مُجاشع" نائب أمير البصرة في البصرة، ودنف من جراء الكبت النفسيِّ والألم النفسيّ معًا، حتى صار رحمة - لحمة - وانتشر خَبَرُه، فضرب نساء البصرة به المثل، فقلن: (أدنف مِنَ المُتَمَنَّى) .. ثم إن مُجاشعًا وقف على خبر علته فدخل عليه عائدًا، فلحقته رقَّة لما رأى من الدنف، فرجع إلى بيته، وقال لشُمَيْلة: (عزمتُ عليك لما أخذتِ خبزًا فَلَبَكْتِهِ بسمن، ثم بادرت به إلى نصر) ففعلت، فعادت إليه صحته وَبَرَأ، كأن لَمْ يكن به قلبة، فلما فارقته عاوده النكس، ولم يزل يتردد في علته حتى مات منها.

стр. 1818

تلك إحدى روايات قصة نصر بن حجاج السُّلَمي أما "المدائني" فلم يجعل خاتمة حياته ما ذكر آنفًا، بل قال: وبعد أن أقام نصر حَوْلًا كتب إلى عمر: لعمري لئن سَيرْتَنِي أو حرمتني … وما نلتُ ذنبا إنَّ ذا لحرام وما لي ذنب غير ظن ظننتَهُ … وفي بعض تصديق الظنون أثام أأن غنَّت الحوراء يومًا بمنية … وبعض أمانيَّ النساء غرام ظننتَّ بيَّ الظنَّ الذي ليس بعده … بقاءٌ ومالي في النديِّ كلام؟ وأصبحتُ منفيا على غير ريبة … وقد كان لي بالمكَّتَيْنِ مقُام ويمنعني مما يُظنُّ تكرمي … وآباءُ صدق سالفون كرام ويمنعها مما تمنت صلاحُها … وطولُ قيام ليلها وصيام فهاتان حالانا فهل أنت راجعي … وقد جُبَّ مني كاهل وسنام؟ قال صاحب الأوائل: (فلما وصلت الأبيات إلى عمر نظر فيها، وكتب إلى أبي موسى الأشعري، وأمره بالوصاة به، إنْ أحبَّ يُقيمُ بالبصرة، وإن أحبَّ الرجوع إلى المدينة فذاك إليه. فاختار نصرٌ المقام بالبصرة، ولم يزل مقيمًا بها إلى أن خرج أبو موسى إلى محاربة أهل الأهواز، فخرج معه نصر بن حجَّاج في الجيش، وحضر معه فتح تستر) (١). ويفهم من الرواية التي أوردها ابن الحجاج في كتابه (من سُمِّيَ من الشعراء عمرًا) أن نصرًا هذا عاش حتى زمن معاوية بن أبي سفيان، وقد أوردنا نص هذه الرواية في ترجمة عمرو بن أبي سفيان أبي الأعور السُّلَمي في الفصل الذي ذكر فيه فوارس سُلَيْم من هذا الكتاب. ولنا هنا ملاحظات على هامش رواية المدائني لخاتمة قصة نصر بن الحجاج. أولًا - إن لَقَبَيَ (المُتمنِّية) و (الْمُتَمَنِّى) اللذين وُسِمَ بهما كلّ من الذلفاء أو

стр. 1819

الفريعة، ونصر بن حجَّاج، قد بلغا من الاستقرار في النفوس والمجتمعات إلى حد جعل نصرًا نفسه يشير إليهما إشارة واضحة حين يقول في الأبيات التي بعث بها إلى عمر: ويمنعني مما يُظنُّ تكرمي … وآباءُ صدق سالفون كرام ويمنعها مما تمنت صلاحُها … وطولُ قيام ليلها وصيام ثانيًا - أرى أن لنصر الحق في اختبار الإقامة بالبصرة عن المدينة؛ وذلك لأنَّ أمره وأمر (المتمنية) قد ذاع وشاع في سائر الأوساط الإسلامية وبالمدينة خاصة، وصار موضع التندر والأحاديث العامة والخاصة، فلو عاد إلى المدينة لعاد معه الحديث المتشعب المتواتر الدائم عن أمره وأمر صاحبته المتمنية، مما يقض مضجعه ويعيد إليه الشجون والآلام، فكثرة حديث النّاس عن مثل هذا الموضوع يؤثر أثرًا عكسيًا على من يقال فيه، وخاصة إذا لاحظنا تزايد الجماهير وتوسعتهم لشقة الظنون ومختلف التفسيرات والتحليلات التي ما أنزل الله بها من سلطان. ثالثًا - وقيام نَصْرِ بن حجَّاج - على رواية المدائني - بمرافقة الجيش الغازي مع أبي موسى، يدلنا على عمق إيمان نصر وعلى أنَّه في المستوى الطيب من كرم الأخلاق وطيب العنصر، فما حال بينه وبين الجهاد في سبيل الله لَوْكُ الألسنة لاسمه بحق وبغير حق .. لقد كان شريفًا وابن شريف وظل على مستواه الاجتماعي وقد رأينا عمر بن الخطاب (وهو الخليفة الرَّجَّاع إلى الحق متى لاح له ضياؤه من أيِّ مكان ومن أيِّ إنسان) رأيناه يعطف عليه عطفًا كاملًا ويعيد إليه (اعتباره) ويكتب إلى عامله بالبصرة بتخييره بين المقام بالبصرة والعودة إلى المدينة .. وكم كان نصر حصيفًا ولبيبًا عندما فَضَّل البقاء في البصرة للبواعث التي أشرنا إليها آنفًا، ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، وليس على أفواه النّاس أقفال. عباس بن أَنَس بن عباس بن مِرْدَاس السُّلَمي يتراءى لي أن عباسًا هذا هو أحد أحفاد عباس بن مِرْدَاس السُّلَمي الصحابي الشاعر البطل المعروف (١).

стр. 1820

ولعباس بن أَنس رثاء مؤثر في ابن عمه: عبد الله بن خازم السُّلَمي، القائد المحنَّك وبطل الحروب المغوار الذي أوقع به دهاء عبد الملك بن مروان؛ حينما حافظ على كلمة الشرف فلم يقبل أن ينقض بيعته لعبد الله بن الزبير؛ برغم المغريات الكبيرة التي قدمها له عبد الملك. وقد فصَّلْنَا ترجمة حياته في فَصْلِ: (أمراء وزعماء ومحتسبون وفرسان وقادة وولاة وموظفون من بني سُلَيْم). يقول عباس بن أَنس يرثي عبد الله بن خازم: نفسي الفدا لعبد الله إذ جشأت … نفسُ الجبان وضأق الورد والصدرُ كان الْمُحَافِظَ والحامي حقيقتنا … إذا الكماة ارجحنوا والقنا كِسَرُ وضاقت الخيل تردي في أعنتها … خزر العيون ولما ترشح العذرُ حَامَي وخاض حياض الموت معتزمًا … بالسيف .. يخطر حتى عَزَّهُ النفرُ وفر أصحابُهُ عنه وأسْلَمَهُ … للشانئين صروف الدهر والقدرُ فصادف الموتَ محمودًا أخا ثقة … كأنَّ غُرَّتَهُ في القسطل القمرُ (١) وقصيدة عباس بن أنَس هذه تجري مجرى سائر قصائد بني سُلَيْم الذين اطلعت على أشعارهم في الجاهلية والإسلام، من حيث جمالُ الأسلوب، وحصافة المعاني، وجزالة البيان، ووضوح المقاصد والأهداف، وعدم التعثر في حُوشِيِّ (٢) الكلام ولا وُحْشِيِّه. موسى بن عبد الله بن خازم السَّلَمي شاعر مُجيدٌ من شعراء بني سُلَيْم في صدر الإسلام، وهو ابن القائد البطل عبد الله خازم. لموسى قصيدة عصماء رثي بها أخاه (محمد بن عبد الله بن خازم) الذي قُتِل في ولاية والدهما لخراسان: ذكرتُ أخي والخِلْوَ ما أصابني … يَغطُّ ولا يدري بما في الجوانحِ

стр. 1821

دَعَتْهُ المنايا فاستجاب دعاءها … وأرغم أنفي للعدو المكاشح فلو ناله المقدار في يوم غارة … صبرتُ ولم أجزع لنوح النوائح ولكنَّ أسباب المنايا صرعنه … كريمًا محياه عريض المنازح بِكفِّ امرئ كَزٍّ قصير نجاده … خبيث ثناه عرضة للفضائح (١) لقد أجاد موسى في إبْرازِ ما تجيش به نفسه من انفعالات الحسرة والألم بفقده لأخيه في غير معركة ضارية خاضها، وإنما بيد جانية أثيمة تولت اغتياله غدرًا: يَدِ امرئ كَزٍّ قصير نجاده، خبيث ثناه عرضة للفضائح. هذا، ولا يخرج رثاء موسى هذا، ولا رثاء أَنَس بن عباس قبله عن طريقة بني سُلَيْم في المرائي بإبراز ما، كنه صدورهم من مقة وثقة وتقدير لمن يرثونه من ذويهم، وقد سارت على تلك الطريقة نفسها الخنساءُ السُّلَميةُ، ولكنها برعت فيها براعة رفعتها إلى مستوى القمة من الرُّثاة من شعراء العرب وشاعرهم في مختلف العصور ومتوالي الأجيال. وعلى ذكر "الفضائح" في قصيدة موسى السابقة، فإننا نجد شاعرًا سُلَميا آخر، هو "معاوية بن مالك"، يذكر في شعره "الفضيحة" ويفتخر بتنائيه عن مواقعها في ساحة المعركة فيقول: لما رأيتُ نساء قومي حُسَّرًا … وترت إليَّ النفس غير مزاح أقدمتُ حتى لَمْ أجد مُتَقَدِّمًا … وعلمتُ أنَّ اليوم يومُ فِضاح واهتمام شعراء بني سُلَيْم بذكر (الفضائح) في أشعارهم يدلنا على شدة مَقْتِهِمْ للوقوعِ فيها، ولموسى أبيات قويةُ السَّبْكِ منها قوله: فَتىً كانَ أحيَى من فتاة حَيِيَّةٍ … وفي الرَوع أمضى من ضُبَارِيَةِ وَرْد (٢) ولعلَّ من المناسب أن نذكر هنا ما تراءى لنا أثناء دراسة أشعار بني سُلَيْم في الرثاء، فإن أشعارهم تحمل في الرثاء خاصة، البلاغة واستخراج ما تجيش به

стр. 1822

صدورهم من ألم ممض وتفجع وحزن قاتل، في صَوْغٍ مُنسجم مُوسيقيِّ رائع يستبي القلوب ويستهوي الأفكار، ويجعل السامع والقارئ يشاطران شاعرهم حزنه العميق. نقل ترجمة موسى بن عبد الله بن خازم، مُحَقِّقُ كُتَيِّب "أسماء جبال تهامة وسكانها، لعرَّام السُّلَمي" عن "النجوم الزاهرة"، ومحقق ذلك الكُتَيِّب هو: محمد عبد السلام هارون (١). أبو عَدْنان السُّلَمي عبد الرَّحمن بن عبد الأعلى البصري، مولى بني سُلَيْم، قال عن نفسه: كان جَدُّ أبي من الغد أصابه سِبَاءٌ، سباه عبد الله بن خازم السُّلَمي، فمن عليه. سمع أبو عدنان من أبي زيد الأنصاري، وأبي عبيدة، والأصمعي، وأبي مالك، ونظرائهم. وكان أحد الرماة المُجِيدين، وكان شاعرًا راوية للحديث، وله كتب في الأدب حسَانٌ منها: "كتاب قِسِيِّ العرب" لَمْ يسبقه أحد إلى تصنيف مثله، وكتابٌ في "غريب الحديث". وأبو عدنان هو قائل هذا البيت الذي: سار مسير الشمس في كلّ بلدة … وهبَّ هبوب الريح في البر والبحر وذلك البيت هو قوله: تدس إلى العطار ميرة أهلها … ولن يصلح العطار ما أفسد الدهر (٢) وله زميل لا يقل عنه روعة، وإن قَلَّ عنه شهرة، وهو قوله: ألم تر أن ألبان يُجْلَبُ عُلْبَةً … ويتْرَكُ عودٌ لا ضراب ولا ظهر

стр. 1823

وعندما سمعت امرأة أبي رجاء الكلبي البيتين السابقين، أجابته بقولها: عَدِمْتُ الشيوخ وأشْباهَهُمْ … وذلك مِنْ بَعْضِ أفعَالِيَهْ ترى زوجة الشيخ مُغْبَرَةً … وتمسي بصحبته بَالِيَهْ لقد كالت له من نفس النوع الذي كاله لها، وجزاء سيئة بمثلها، والبادي أظلم. ويحدثنا أبو عدنان عن نفسه وعن هذه المرأة، فيقول: بعد ما سمع بيتيها السالفين: "فَوَثَبْتُ عليها … فنادت يآل كلب!، وناديتُ: يأل كلب!، فدخل علينا النساء دون الرجال، فضربني وخنقني وشققن مَدْرعتي. وقال محمد بن الجراح: أبو عدنان الأعور السُّلَمي البصري اسمه: وَرْدُ بن حكيم، راوية أبي البيداء: ومن شعر أبي عدنان قوله: أهملتَ نفسك في هواك ولمتني … لو كنتَ تُنْصِفُ لمتَ نفسك دوني ما بال عينك لا ترى أقذاءها … وترى الخفاء من الأذى بجفوني؟ وقال أحمد بن سليمان: سألت أبا عدنان عن قول النَّبِيّ ﷺ لأبي أيوب: (إن طلاق أمِّ أيوب لَحُوبٌ) - أهو الإثم؟ فقال: لو كان كذا، لضاق على كلّ مطلق الطلاقُ، ولكن الحوب: الوَحْشُ، وأنشد: إن طريق مثَقَبٍ لَحُوبُ أي: لَوَحْشٌ، قال: ومِثْقَبٌ: طريق الكوفة إلى مكة، وطريق البصرة إلى مكة يدعى (فَلْجَا)، وأنشد: إن بني العنبر أحْمَوْا فَلْجَا … ماءً رَوَاءً وطريقًا نَهجَا ويُدعى طريق اليمامة إلى مكة: المنكدر، وأنشد: لا تأخذ العِلْم طريق المُنْكَدِرْ … ولا تكارى من فُقَيميٍّ عَسِرْ تسير يومين ويومًا تنتظرْ … ولا يزال قد أتاك يعتذر بالإِفْكِ والزْورِ وإياك يَغُرُّ (١)

стр. 1824

مَعْنِ بن أبي عاصية السُّلَمي يقال: إن اسمه يعقوب بن أبي عاصية الأجدع السُّلَمي. وهو مديني شاعر، له في مَعْنِ بن زائدة مديح سائر، وكان ناصبيا، استعمله زياد بن عبد الله الحارثي لما كان على المدينة للمنصور - على يَنْبُعَ، فَحَبَسَ بعضَ أولياءِ عبد الله بن حسن، فشهر (فشتمه) عبد الله، فهجاه وقَبَّح. وسماه عمر بن شبة: يَعقُوبَ، وقال الزبير: اسمه مَعْن. وهو القائل لمَعْنِ بن زائدة الشيباني من بكر بن وائل: إن زال مَعْنِ بن شريك لَمْ يزل … يومًا إلى بلد بعير مسافر نَذْرًا عليَّ، لئن لقيتك سالمًا … أن تستمر بها شفار الجازر وهو القائل عند قدومه إلى العراق: تطاول لَيْلي بالعراق ولم يكن … عليَّ بأكناف الحجاز يطول فهل لي إلى أرض الحجاز ومن به … بعاقبة قبل الممات سبيل؟ إذا لَمْ يكن بيني وبينك مرسل … فريح الصبا مني إليك رسول (١) ابن أُقيصر السُّلَمي تنازع ابن أقيصر الشاعر السُّلَمي إلى الحسن بن زيد في قَطيعة سَلَمة بن مالك السُّلَمي، فعرفها الحسن، فقال: ائتوني برهان مع معرفتي (قال ابن أقيصر): فأتينا عبد الله بن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر فسألناه، فَأَخْبَرنا عن أبيه عن جده، رفعه إلى عمار بن ياسر، أن النَّبِيّ ﷺ أقطع سَلَمة بن مالك السُّلَمي وكتب له: (بسم الله الرَّحمن الرحيم، هذا ما أعطى محمد رسول الله ﷺ سَلَمَة بنَ مالك أعطاه ما بين الحناظل إلى ذات الأوساد، ومن حَاقهُ فهو مبطل، وحقَّه حق) (٢).

стр. 1825

ولعلَّ ابن أبي أقيصر السُّلَمي الذي تنازع إلى الحسن بن زيد في أمر قطيعة سَلَمَة بن مالك السُّلَمي هو محمد بن أقيصر الذي هو والد عمر. فقد حَدَّثَ عن يحيى بن عروة بن أُذَينَةَ، فقال: أتى أبي وجماعة من الشعراء، هِشَامَ بْنَ عبد الملك، فأنشدوه، فنسبهم، فلما عرف أبي قال: ألست القائل: لقد علمتُ وما الإسراف من خُلُقي … أنَّ الذي هو رزقي سوف يأتيني أسعى له فَيُعَنِّينِي تطلبُه … ولو قعدت أتاني لا يعنيني فَألَا جلست حتى يأتيك؟ قال: فسكت أبي فلم يجبه، فلما خرجوا جلس أبي على راحلته حتى قدم المدينة، وتنبه هشام عليهم فأمر بجوائزهم، ففُقد أبي، فسأل عنه، فأخبروه بانصرافه، فقال: لا جرم والله، ليعلمن هذا أن ذاك سيأتيه في بيته، قال: ثم أضعف له ما أعطى واحدًا، وكتب له فريضتين، كنت أنا آخذهما (١). الأرقم السُّلَمي أورد له العماد الأصفهاني في تراجم شعراء الأندلس وأدبائها، بيتين من الشعر، هما: ياذا الذي يخشى سوى من حُكْمُه … ما بين كاف الأمر منه ونونه لا تخش إن الله كافٍ عبده … أيخوفونك بالذي من دونه؟ (٢). وكتب محققا الخريدة: عمر الدسوقي وعلي عبد العظيم، في هامش ما سبق ذكره، قولهما: ورد اسم أرقم مبهمًا في نفح الطيب، وذكر أنه ينتسب إلى بني ذي النون، ولكنهم تبرءوا منه؛ لأنه كان ابن أمَة مهينة. كما أورده ابن سعيد في "المغرب" تحت اسم "الأمير أرقم بن عبد الرَّحمن بن إسماعيل .... بن ذي
следующие страницы →