دَعَتْهُ المنايا فاستجاب دعاءها … وأرغم أنفي للعدو المكاشح
فلو ناله المقدار في يوم غارة … صبرتُ ولم أجزع لنوح النوائح
ولكنَّ أسباب المنايا صرعنه … كريمًا محياه عريض المنازح
بِكفِّ امرئ كَزٍّ قصير نجاده … خبيث ثناه عرضة للفضائح (١)
لقد أجاد موسى في إبْرازِ ما تجيش به نفسه من انفعالات الحسرة والألم بفقده لأخيه في غير معركة ضارية خاضها، وإنما بيد جانية أثيمة تولت اغتياله غدرًا: يَدِ امرئ كَزٍّ قصير نجاده، خبيث ثناه عرضة للفضائح.
هذا، ولا يخرج رثاء موسى هذا، ولا رثاء أَنَس بن عباس قبله عن طريقة بني سُلَيْم في المرائي بإبراز ما، كنه صدورهم من مقة وثقة وتقدير لمن يرثونه من ذويهم، وقد سارت على تلك الطريقة نفسها الخنساءُ السُّلَميةُ، ولكنها برعت فيها براعة رفعتها إلى مستوى القمة من الرُّثاة من شعراء العرب وشاعرهم في مختلف العصور ومتوالي الأجيال.
وعلى ذكر "الفضائح" في قصيدة موسى السابقة، فإننا نجد شاعرًا سُلَميا آخر، هو "معاوية بن مالك"، يذكر في شعره "الفضيحة" ويفتخر بتنائيه عن مواقعها في ساحة المعركة فيقول:
لما رأيتُ نساء قومي حُسَّرًا … وترت إليَّ النفس غير مزاح
أقدمتُ حتى لَمْ أجد مُتَقَدِّمًا … وعلمتُ أنَّ اليوم يومُ فِضاح
واهتمام شعراء بني سُلَيْم بذكر (الفضائح) في أشعارهم يدلنا على شدة مَقْتِهِمْ للوقوعِ فيها، ولموسى أبيات قويةُ السَّبْكِ منها قوله:
فَتىً كانَ أحيَى من فتاة حَيِيَّةٍ … وفي الرَوع أمضى من ضُبَارِيَةِ وَرْد (٢)
ولعلَّ من المناسب أن نذكر هنا ما تراءى لنا أثناء دراسة أشعار بني سُلَيْم في الرثاء، فإن أشعارهم تحمل في الرثاء خاصة، البلاغة واستخراج ما تجيش به
стр. 1822
صدورهم من ألم ممض وتفجع وحزن قاتل، في صَوْغٍ مُنسجم مُوسيقيِّ رائع يستبي القلوب ويستهوي الأفكار، ويجعل السامع والقارئ يشاطران شاعرهم حزنه العميق.
نقل ترجمة موسى بن عبد الله بن خازم، مُحَقِّقُ كُتَيِّب "أسماء جبال تهامة وسكانها، لعرَّام السُّلَمي" عن "النجوم الزاهرة"، ومحقق ذلك الكُتَيِّب هو: محمد عبد السلام هارون (١).
أبو عَدْنان السُّلَمي
عبد الرَّحمن بن عبد الأعلى البصري، مولى بني سُلَيْم، قال عن نفسه: كان جَدُّ أبي من الغد أصابه سِبَاءٌ، سباه عبد الله بن خازم السُّلَمي، فمن عليه.
سمع أبو عدنان من أبي زيد الأنصاري، وأبي عبيدة، والأصمعي، وأبي مالك، ونظرائهم. وكان أحد الرماة المُجِيدين، وكان شاعرًا راوية للحديث، وله كتب في الأدب حسَانٌ منها: "كتاب قِسِيِّ العرب" لَمْ يسبقه أحد إلى تصنيف مثله، وكتابٌ في "غريب الحديث".
وأبو عدنان هو قائل هذا البيت الذي:
سار مسير الشمس في كلّ بلدة … وهبَّ هبوب الريح في البر والبحر
وذلك البيت هو قوله:
تدس إلى العطار ميرة أهلها … ولن يصلح العطار ما أفسد الدهر (٢)
وله زميل لا يقل عنه روعة، وإن قَلَّ عنه شهرة، وهو قوله:
ألم تر أن ألبان يُجْلَبُ عُلْبَةً … ويتْرَكُ عودٌ لا ضراب ولا ظهر
стр. 1823
وعندما سمعت امرأة أبي رجاء الكلبي البيتين السابقين، أجابته بقولها:
عَدِمْتُ الشيوخ وأشْباهَهُمْ … وذلك مِنْ بَعْضِ أفعَالِيَهْ
ترى زوجة الشيخ مُغْبَرَةً … وتمسي بصحبته بَالِيَهْ
لقد كالت له من نفس النوع الذي كاله لها، وجزاء سيئة بمثلها، والبادي أظلم.
ويحدثنا أبو عدنان عن نفسه وعن هذه المرأة، فيقول: بعد ما سمع بيتيها السالفين: "فَوَثَبْتُ عليها … فنادت يآل كلب!، وناديتُ: يأل كلب!، فدخل علينا النساء دون الرجال، فضربني وخنقني وشققن مَدْرعتي.
وقال محمد بن الجراح: أبو عدنان الأعور السُّلَمي البصري اسمه: وَرْدُ بن حكيم، راوية أبي البيداء:
ومن شعر أبي عدنان قوله:
أهملتَ نفسك في هواك ولمتني … لو كنتَ تُنْصِفُ لمتَ نفسك دوني
ما بال عينك لا ترى أقذاءها … وترى الخفاء من الأذى بجفوني؟
وقال أحمد بن سليمان: سألت أبا عدنان عن قول النَّبِيّ ﷺ لأبي أيوب: (إن طلاق أمِّ أيوب لَحُوبٌ) - أهو الإثم؟ فقال: لو كان كذا، لضاق على كلّ مطلق الطلاقُ، ولكن الحوب: الوَحْشُ، وأنشد:
إن طريق مثَقَبٍ لَحُوبُ
أي: لَوَحْشٌ، قال: ومِثْقَبٌ: طريق الكوفة إلى مكة، وطريق البصرة إلى مكة يدعى (فَلْجَا)، وأنشد:
إن بني العنبر أحْمَوْا فَلْجَا … ماءً رَوَاءً وطريقًا نَهجَا
ويُدعى طريق اليمامة إلى مكة: المنكدر، وأنشد:
لا تأخذ العِلْم طريق المُنْكَدِرْ … ولا تكارى من فُقَيميٍّ عَسِرْ
تسير يومين ويومًا تنتظرْ … ولا يزال قد أتاك يعتذر
بالإِفْكِ والزْورِ وإياك يَغُرُّ (١)
стр. 1824
مَعْنِ بن أبي عاصية السُّلَمي
يقال: إن اسمه يعقوب بن أبي عاصية الأجدع السُّلَمي.
وهو مديني شاعر، له في مَعْنِ بن زائدة مديح سائر، وكان ناصبيا، استعمله زياد بن عبد الله الحارثي لما كان على المدينة للمنصور - على يَنْبُعَ، فَحَبَسَ بعضَ أولياءِ عبد الله بن حسن، فشهر (فشتمه) عبد الله، فهجاه وقَبَّح. وسماه عمر بن شبة: يَعقُوبَ، وقال الزبير: اسمه مَعْن.
وهو القائل لمَعْنِ بن زائدة الشيباني من بكر بن وائل:
إن زال مَعْنِ بن شريك لَمْ يزل … يومًا إلى بلد بعير مسافر
نَذْرًا عليَّ، لئن لقيتك سالمًا … أن تستمر بها شفار الجازر
وهو القائل عند قدومه إلى العراق:
تطاول لَيْلي بالعراق ولم يكن … عليَّ بأكناف الحجاز يطول
فهل لي إلى أرض الحجاز ومن به … بعاقبة قبل الممات سبيل؟
إذا لَمْ يكن بيني وبينك مرسل … فريح الصبا مني إليك رسول (١)
ابن أُقيصر السُّلَمي
تنازع ابن أقيصر الشاعر السُّلَمي إلى الحسن بن زيد في قَطيعة سَلَمة بن مالك السُّلَمي، فعرفها الحسن، فقال: ائتوني برهان مع معرفتي (قال ابن أقيصر): فأتينا عبد الله بن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر فسألناه، فَأَخْبَرنا عن أبيه عن جده، رفعه إلى عمار بن ياسر، أن النَّبِيّ ﷺ أقطع سَلَمة بن مالك السُّلَمي وكتب له: (بسم الله الرَّحمن الرحيم، هذا ما أعطى محمد رسول الله ﷺ سَلَمَة بنَ مالك أعطاه ما بين الحناظل إلى ذات الأوساد، ومن حَاقهُ فهو مبطل، وحقَّه حق) (٢).
стр. 1825
ولعلَّ ابن أبي أقيصر السُّلَمي الذي تنازع إلى الحسن بن زيد في أمر قطيعة سَلَمَة بن مالك السُّلَمي هو محمد بن أقيصر الذي هو والد عمر. فقد حَدَّثَ عن يحيى بن عروة بن أُذَينَةَ، فقال: أتى أبي وجماعة من الشعراء، هِشَامَ بْنَ عبد الملك، فأنشدوه، فنسبهم، فلما عرف أبي قال: ألست القائل:
لقد علمتُ وما الإسراف من خُلُقي … أنَّ الذي هو رزقي سوف يأتيني
أسعى له فَيُعَنِّينِي تطلبُه … ولو قعدت أتاني لا يعنيني
فَألَا جلست حتى يأتيك؟ قال: فسكت أبي فلم يجبه، فلما خرجوا جلس أبي على راحلته حتى قدم المدينة، وتنبه هشام عليهم فأمر بجوائزهم، ففُقد أبي، فسأل عنه، فأخبروه بانصرافه، فقال: لا جرم والله، ليعلمن هذا أن ذاك سيأتيه في بيته، قال: ثم أضعف له ما أعطى واحدًا، وكتب له فريضتين، كنت أنا آخذهما (١).
الأرقم السُّلَمي
أورد له العماد الأصفهاني في تراجم شعراء الأندلس وأدبائها، بيتين من الشعر، هما:
ياذا الذي يخشى سوى من حُكْمُه … ما بين كاف الأمر منه ونونه
لا تخش إن الله كافٍ عبده … أيخوفونك بالذي من دونه؟ (٢).
وكتب محققا الخريدة: عمر الدسوقي وعلي عبد العظيم، في هامش ما سبق ذكره، قولهما: ورد اسم أرقم مبهمًا في نفح الطيب، وذكر أنه ينتسب إلى بني ذي النون، ولكنهم تبرءوا منه؛ لأنه كان ابن أمَة مهينة. كما أورده ابن سعيد في "المغرب" تحت اسم "الأمير أرقم بن عبد الرَّحمن بن إسماعيل .... بن ذي
стр. 1826
النون، وقال نقلًا عن صاحب "المسهب": إنه أخو إسماعيل أول من ملك طليطلة من بني ذي النون، وقال: إنه يُكَنَّى بأبي الضراس، ويظهر أن أسرته ضاقت به ففر منها، فدسَّت له من قتله (١). وإذا ثبت هذا النسب للأرقم فهو ليس بسُلَميِّ وإنما هو بربري؛ لأنَّ بني ذي النون أمراء طليطلة بالأندلس برابرة كما هو معروف.
محمد بن أبي بدر السُّلَمي
من شعراء بني سُلَيْم، وكان نزل الجبل، وله في زهير بن هلال من قصيدة مخمسة أولها:
الحمد لله على السراء … والحمد لله على الضراء
رزاق أهل الأرض والسماء … ما أحسن الصبر على البلاء
والشكر لله على الرخاء
ثم حرف الباء خمسة أبيات، مثل حرف الهمزة، وهكذا إلى آخر حروف الهجاء (٢).
عمرو بن مَرْثِدٍ أبو الغَرَّاف السُّلَمي
هو أحد شعراء سُلَيْم المعروفين، وقد رد على ربيعة الرُّقي قولَهُ الذي مدح به يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلَّب وهجا فيه يزيد بن أسيد السُّلمي:
لشتَّان ما بين اليزيدين في العلى (٣) يزيد سُلَيْم والأغرُّ بن حاتم
يزيد سُلَيْم سالم المال والغني … أخو الأزد للأموال غير مُسَالِمِ
فَهَمُّ الفتى الأزديُّ تفريق (٤) ماله … وهَمُّ الفتى القْيسيُّ جمع الدراهم
وهمُّ الفتى القيسيُّ دُفٌّ ولعبة … وهم الفتى الأزديُّ ضرب الجماجم
стр. 1827
فلا يحسب التَّمتام أني هجوتُه … ولكني فَضَّلتُ أهل المكارم
وقد عَقَّب "ابن الجراح" على ما ذُكر آنفًا بقوله: "نهجا أبو الغرَّاف، اليمنَ وربيعَةَ.
وقال أبو الشمقمق في هذا المعنى يهجو يزيد بن حاتم ويزيد بن أسيد، ويفضل عليهما يزيد بن مزيد الشيباني:
لشتَّان ما بين اليزيدين في النَّدى … إذا عُدَّ في الناس المكارمُ والمجدُ
يزيدُ بني شيبان أكرمُ منهما … وإن غضبتْ قيسُ بن عيلان والأزد
فتىً لم يلده من سُلَيم قبيلة … ولا لخمُ يُنميه، ولم يُنْمِهِ نهْدُ
ولكن نمتْه الغُرُّ من آل وائل … وبَرَّةُ تنميه ومن بعدها هِنْدُ
ومن هذا ومن استقرائي للكتاب ظهر أن ما قاله المرزباني في "معجم الشعراء من وجود الأبيات التي هجا بها أبو الغراف السُّلَمي اليمن وربيعَةَ في كتاب "من سُمِّيَ من الشعراء عمره لابن الجراح، هو غير واقع بالنسبة للنسخة المخطوطة القديمة التي اطلعت عليها بمكتبة الدكتور عزت حسن بدمشق فكل ما جاء فيها هو الإشارة إلى تلك الأبيات فقط دون إيرادها.
عمرو بن عبد العزيز السُّلَمي
بطل موفق، وشاعر عاش في عهد العباسيين وشارك في حروبهم الداخلية، ترجم له ابن الجراح، فقال:
عَمْرُو بن عبد العزيز السُّلَمي شاعر عباسي، صاحب العصبية في فتنة محمد الأمين، على مثل ما كان خرج عليه أبو الهينام، يقول حمزة بن ميمون: حضرت عبد الملك بن صالح يومًا، وقد دخل إليه عمرو بن عبد العزيز وهو يسائله بعد أن استأمن إليه، لما قَلَّده محمد الأمين الشام، فأعجبه مُحاورَتُهُ وجوابهُ، فقال: يا عمرو! لقد تناهى إليَّ من خبر ظفرك بأعدائك في حروبك ما يُعْجَبُ منه، فهل تعرف لذلك سببًا تُخبرني به؟ قال: لا والله أصلح اللهُ الأميرَ إلَّا ما قال الشاعر:
فما إن قتلناهم بِأكْثَرَ منهم … ولكن بأولى بالطعان وأصْبرا
وقام عمرو من عنده - من عند عبد الملك بن صالح - فقال: أنت والله كما
стр. 1828
قال الشاعر:
يغدو إذا ما خِلاجُ الشك عنَّ له … على صريمة أمر غير مردود
رَكَّابْ ما يكره الأبطالُ يَقْدُمُه … رأيٌ جميعٌ وقلب غير رعديد
وأورد "ابن الجراح" من شعره قوله:
دعوتُ بني عمي فكان جوابهم … بلبيك فعل السادة النُّجُبِ الغُرِّ
فما لُمْتُهُم في النصر حين دعوتهم … ولما لامني قومي لدى النَهْي والأمر
وقوله:
يطلبُ الثأر من إذا هَمَّ أمضي … هَمَّه كان مُخْطِئًا أو مصيبا
ليس يخشى عواقب الأمر يغشاه … إذا ناله وإن كان حُوبَا
وقوله:
ما الفتك إلَّا لمن إن قال يفعله … ولا يشاور فيما يرتئي أحدًا
لا كالمشاور فيما يرتئيه وقد … يخشى العواقب إن بقى له ولدا
لا تخش عاقبة في الفتك وامضِ لما … هممت إن غيَّة كانت وإن رشدا
من يستشر يختزل أولى عزيمته … في الفتك أو يَطْلُبَ الأعوان والمددا (١)
ويبدو جليا أن الخطة التي يقررها عمرو بن عبد العزيز السُّلَمي في شعره قد نفذها في حياته. وهي خطة المبادرة إلى اقتحام المخاطر بدون تروٍ وبدون مشاورة - هي خطة كثيرًا ما توقع صاحبها في مهاوي التهلكة والزلل والفشل، بخلاف الخطة المضادة التي هي خطة إعمال الفكر، واستعمال المشورة قبل ركوب المخاطر، فإنها كثيرًا ما ترفع صاحبها إلى قمة النجاح وتحقيق الأهداف المثلي، وهذه الخطة الحكيمة هي التي وجه إليها بشار بن برد الأنظار والأسماء في قوله البليغ:
إذا بلغ الرأيُ المشورةَ فاستعن … برأي نصيح أو نصيحة حاتم
ولا تجعل عليك غضاضة … مكان الخوافي قوةٌ للقوادم
стр. 1829
وهي التي وصف مزاياها أبو الطيب المتنبي في قوله الحكيم:
الرأي قبل شجاعة الشجعان … هو أوَّلٌ وهي المحل الثاني
فإذا هما اجتمعا لنفسٍ مُرّة … بلغت من العلياء كلّ مكان
علي بن بدال السُّلَمي
تحدث أبو القاسم الزجاجي فقال: أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد قال: أنشدني عبد الرَّحمن عن عمه علي بن بدال من بني سُلَيْم:
لعمرك إنني وأبا رياح … على حال التكاشر منذ حين
لأبْغَضُهُ ويبغضني وأيضًا … يراني دونه وأراه دوني
فلو أنا على حجر ذُبِحْنا … جرى الدِّميان بالخبر اليقين (١)
"التكاشر" في البيت الأول بمعنى المباسطة من الكشر وهو التبسُّم.
وقد أورد عبد القادر البغدادي، هذه الأبيات، وعزاها أيضًا إلى علي بن بدال السُّلَمي (٢).
المفضَّل بن خالد السُّلَمي
شاعر مجيد، ويعتبر من شعراء خراسان، ذكره المدائني وله في الفتنة:
قد قُلْتُ للأزد قولًا ما ألَوْتُ به … نُصْحًا لهم وأعدتُ القول لو نفعا
يا معشر الأرد إني قد نصحت لكم … فلا تطيعوا جُدَيْعًا أيَّما صَنَعا
فما تَناهَوْا ولا زادتهم عظةٌ … إلَّا لجاجًا، وقالوا الهجر والقذعا
يا معشر الأزْدِ مَهْلًا قد أظَلْكُمُ … ما لا يُطاق له دَفْعٌ إذا وقعا (٣)
مؤرج السُّلَمي
أحد شعراء بني سُلَيْم، ذكر له البكري في "معجم ما استعجم" بيتين في
стр. 1830
مادة (الربذة)، وكان قد قال ذينك البيتين حول حفائر حفرها المهدي، على ميلين من جبل القُهْب، وتدعى "ذا بقر"، قال:
قَدَرٌ أحَلَّكَ ذا النخيل وقد أرى … وأبيك مالك ذو النخيل بدار
إلا كداركم بذي "بقر الحمى" … هيهات ذو بقر من الزوار!
أشجع السُّلَمي
أسهب عبد الله بن مسلم (ابن قُتَيْبَةُ) في "الشعر والشعراء" - في ذكر مقطوعات أشجع وقصائده مما يدلنا على إعجابه بشاعريته وبشعره، وقد ترجمه مُختصِرُ شَرْح التبريزي لديوان الحماسة فأفادنا بأنه: (من ولد الشريد بن مطرود السُّلَمي، وكان يكنى أبا الوليد .. شاعر إسلامي عباسي نشأ بالبصرة، وقال الشعر وأجاد فيه حتى عُدَّ من الفحول. وكان الشعر يوم نبغ في ربيعة واليمن، ولم يكن لقيس شاعِرٌ، فلما نجم أشجع وقال الشعر افتخرت به قيس، وانقطع إلى البرامكة ومدحهم، واختص جعفر فأصفاه مدحه، فأعجب به أيضًا وأمده بالمال، فَأثْرَى وحسنت حاله في أيامه وتقدم عنده، وله فيه المدائح المختارة والقصائد السائرة" (١).
وقال ابن قُتَيْبَةُ عنه: "أشجع بن عمرو" من بني سُلَيْم، وكان متصلًا بالبرامكة وله فيهم أشعار كثيرة، منها قوله في يحيى بن خالد، وكان غاب:
قد غاب يحيى فما أرى أحدًا … يأنس إلَّا بذكره الحَسْنِ
أوحَشْت الأرضُ حين فارقها … من الأيادي العظام والمنن
لولا رجاء الإياب لانصدعت … قلوبُنَا بَعْده من الحَزَنِ (٢)
ولأشجع أبيات في فائدة الإلحاح في طلب الحاجات، يقول:
ليس للحاجات إلَّا … من له وجه وقاح
ولسان طرمدان (٣) … وغدو ورواح
стр. 1831
إن أكن أبطأت الحا … جة عنِّي والسراح
فعليَّ الجهد فيها … وعلى الله النجاح
وله مدائح سيارة في هارون الرشيد، منها قوله:
وصلت يداك السيف يوم تقطَّعت … أيدي الرجال وزلَّت الأقدام
وَعلى عَدُوِّك يا ابن عَم مُحَمّدٍ … رصدان: ضوءُ الصبح والإظلامُ
فإذا تنبه رعته وإذا هدا .... سَلَّت عليه سُيُوفَكَ الاحلامُ
وقد ذكر الجاحظ البيتين الأخيرين: (وعلى عدوك إلخ) وقال: إنَّهُما قالهما أشجع السُّلَمي في هارون الرشيد (١).
ولأشجع أبيات في منتهى الروعة والطلاوة، مدح بها جعفر بن يحيى:
بديهتُه مثلُ تدبيره … متى هِجتَهُ فَهْوَ مُسْتجمعُ
إذا هَمَّ بالأمر لم يُثْنِهِ … هجوعٌ ولا شادنٌ أفْرَعُ
ففي كفِّه للغنى مطلب … وللسِّرِّ في صدره موضعُ
وكم قائل إذ رأى بَهْجَتي … وما في فضول الغنى أصْنَعُ
غدًا في ظلال ندى "جعفر" … يَجُرُّ ثيابَ الغنى "أشْجَعُ"
وما خلفه لامرئ مطمعٌ … ولا دونه لامرئ مَقْنَعُ (٢)
وقد ترجم عبدُ القادر البغدادي، أشجعَ ترجمة وافية، وفي هذه الترجمة زيادات على ما جاء في الكتب السالف ذكرها، ومن ذلك أن أباه تزوج امرأة من أهل اليمامة، فشخص معها إلى بلدها، فولدت له هناك أشجع، ونشأ باليمامة، ثم مات أبوه، فقدمت به أمه البصرة فطلبت ميراث أبيه وكان له هناك مال، فماتت بها وربي أشجع ونشأ بالبصرة، فكان من لا يعرفه يدفع نسبته، ثم كبر وقال الشعر فأجاد، وعُدَّ في الفحول، وكان الشعر يومئذ في ربيعة واليمن، ولم يكن لقيس عَيْلان شاعر، فلما نجم أشجع افتخرت به قيس وأثبتت نسبه، ثم خرج
стр. 1832
أشجع إلى الرقة والرشيد بها، فنزل على بني سُلَيْم، ومدح البرامكة وانقطع إلى جعفر خاصة، فوصله الرشيد فأثرى وحسنت حاله. ولما ولَّى الرشيد، جعفر بن يحيى خراسان، جلس لتهنئة النّاس، وأنشده الشعراء ودخل في آخرهم أشجع، فارتجل مقدمة نثرية مختصرة بارعة الأسلوب، قال فيها يُخاطب جعفرًا: (لِتَأذَنْ فيَّ إنشاد شِعْرٍ قضيتُ به حق سؤددك وكمالك، وخَفَّفْتُ به ثِقَلَ أياديك عندي)، فقال له جعفر: (هات يا أبا الوليد)، فأنشده قوله:
أتصبر يا قلب أم تجزع؟ … فإن الديار غدًا بلقعُ
غدًا يتفرَّق أهل الهوي … ويكثر بَاكٍ ومسترجعُ
ومضى حتى بلغ قوله:
ودَويِّةٍ بين أقطارها … مَقاطعُ أرضِينَ لا تُقْطَعُ
تَجاوَزْتُها فوق عَيْرانة … من الريح في سيرها أسرعُ
إلى "جعفر" نزعت رغبة … وأيَّ فتيً نحوه تنزعُ؟!
فما دونه لامرئٍ مطمع … ولا لامرئ دونه مَقنَعُ
ولا يرفع النّاسُ ما حَطَّهُ … ولا يضعون الذي يَرْفَعُ
يريد الملوكُ ندي جعفرٍ … ولا يصنعون الذي يَصْنَعُ
وليس بأوسعهم في الغني … وَلكِنَّ معروفه أوسعُ
يلوذ الملوك بآرائِهِ … إذا نالها الْحَدثُ الأفظعُ
بديهتهُ مثلُ تدبيره … متى رُمْتَهُ فهو مُسْتَجْمع (١)
البلاء موكل بالمنطق
وعندي نقد "بما تحمل صيغة النقد من معنى لغوي وفني شامل" فالقصيدة في وزنها وفي خفة روحها وسلاسة ألفاظها وعذوبتها وروعة معانيها؛ هي في ذروة "الشعر السُّلَمي" الذي نرى أنه يمتاز بهذه المعاني كلها، وكلما ارتقى أحد شعرائهم أو شاعراتهم سلم المجد الشعري كان شعره كالشَّلال الفياض الشفيف المُفْعم بالجمال حِسَّا ومَعْنىً، وروحًا ومَبْنىً.
стр. 1833
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فقد يكون الشاعر المفلق "أشجع" ذهب به التأثر من فراق صديقه ومُسْدِي جم الإحسان إليه: "جعفر البرمكي" - إلى أن يبدأ قصيدة تهنئته هذه العظيمة له بمعاني الفراق والجزع، وخلو الديار وتفرق أهل الهوي، وكثرة الباكين والمسترجعين لفراقهم لهذا الغيث المنسجم والربيع الخصب الممرع، والروضة الغناء التي كلّ ثمارها يانعة بالكرم والجود .. ولكن فاته أهم شيء وهو "اللماحية" التي يحتاج إليها الشعراء دائمًا وهم يمدحون العظماء، فإن العبارات المتشائمة الحزينة الباكية التي جعلها مقدمة قصيدته المهنيئة لا يحسن بمثله. - على كلّ حال - أن يتفوه بها ولا أن يقدمها بين يدي قصيدة يهنئ بها عظيمًا صديقًا وُلِّيَ منصبًا كبيرًا؛ لأنَّها عبارات تشاؤم تحمل ولابد إلى الممدوح ريحًا كريهة من النكد والتقزز والانزعاج الخفي من المستقبل الذي رسمته له هذه الأبيات، إنها عبارات تغلق شهية المديح، وتفتح باب الانكماش والشؤم من المنصب الذي قوبل بهذه الألفاظ المكروهة المسمومة، وكان الأجدر باشجع أن يكون شاعرًا لبقًا يعرف من أين تؤكل الكتف، فيُبعد جدًّا ممدوحه عن سماع هذه النغمات الحزينة الممرضة، ويقدم إليه بدلًا عنها باقات نضرة فواحة باسمة بالأمل والرجاء، وبالأماني المعسولة بدوام العز والبهجة والحبور، وبانتظام الشمل وكثرة الأفراح والليالي الملاح، وأن يفرش الأزاهير والورود الفوَّاحة بين يدي مديحيته العصماء، في أرضها وفي الأجواء
وإني أعتقد أن جعفرًا - وهو مثقف وذو إحساس أدبي مرهف، لابُدَّ أن يكون في قرارة نفسه غير مستحسن لهذا المطلع الأسود القاتم العابس في وجه مستقبله الذي يرجو أن يكون كله باسمًا ومشرقًا وعبقًا، والبلاء كما يقولون: موكل بالمنطق .. فقد وقع كلّ ما جاء في مقدمة قصيدة أشجع وإن كان غير قاصد له ولا مريد ولا راغب فيه، فَنُكِبَ البرامكة نكبة تاريخية هائلة، وتفرق عنهم الأحبة، وآضَتْ ديارهم بعد عمران زاهر، بَلَاقِعَ تندب حظها وحظهم، وبكاهم الباكون واسترجع المسترجعون، ورثوا عزهم الآفل ومجدهم الزائل. ورحم الله الشاعر "أشجع" المخلص لجعفر البرمكي وغفر له، حيال ما قدمه لممدوحة الأثير لديه - من الإنذار، بالمستقبل المظلم العاب المكفهر، بعد الحاضر الناضر المزدهر، على طبق زمردي رائع من قصيدته هذه البليغة الساحرة.
стр. 1834
هذا، ولأشجع قصيدة ممتعة في أحمد بن يزيد بن أسيد السُّلَمي، (وكان يزيد قد اعتل ثم أفاق من علته):
لئن جَرحتْ شكاتُك كُلَّ قلب … لقد قرت بصحتك العيونُ
وحق لها بأن تخشى المنايا … عليك وأنت منكبها اليمينُ
ولو فقدتك قيس يا فتاها … إذن لتضعضعت منها المتونُ
ولو أن المنون بدت لقيس … لما نالتك أو يفنى المنونُ
وقد علَّق الرقيق القيرواني على الأبيات المتقدمة بقوله: "وكان أحمد بن يزيد (السُّلَمي) وأبوه (يزيد) شريفين مذكورين".
وحينما مات أحمد بن يزيد السُّلَمي الذي يبدو أنه كان ركنًا ركينًا للجالية السُّلَمية في "جرجان"، رثاه أشجع بقصيدة منها:
رحم الله أحمد بن يزيد … رحمة تغتدي وأخرى تروح
جبلًا أطبقوا عليه بجرجا … ن ضريحًا ماذا أجَنَّ الضريح (١)؟!
ولأشجع السُّلَمي قصيدة طويلة رثا بها عليَّ بن الحسين بن علي بن حمزة الملقب بالرضا وهو الذي جعله المأمون الخليفةُ العباسي وَلي عهد المسلمين، ثم توفي في حادث غامض بطوس فدفنه المأمون إلى جانب أبيه هارون الرشيد، وقد روى هذه القصيدة أبو الفرج الأصفهاني وقال عنها: "إنها لما شاعت غيَّر أشجع ألفاظها فجعلها في الرشيد .. ".
وهذه أبيات مقتطفة من تلك القصيدة:
يا صاحب العيس يَخدْي في أزِمتها … اسْمَعْ وأسْمِعِ غدًا يا صاحب العيس
إقْرَ السلام على قَبْرٍ بِطْوسَ ولا … تَقْرَا السلام ولا النُّعْمى على طوس
فقد أصاب قُلوبَ المسلمين بها … رَوعٌ وأفْرخَ فيهما روعُ إبليسِ
وأخْلَسَتْ واحد الدنيا وسيدها … فأيّ مُخْتَلِسٍ منا ومخلوسِ
стр. 1835
إلى أن يقول:
أوفى عليك الرَّدى في خيِسِ أشْبُلِهِ … والموت يلقى أبا الأشبال في الخيسِ
ما زال مقتبسًا من نور والده … إلى النبيِّ ضياءً غير مَقْبُوسِ
ويختم أشجع السُّلَمي قصيدته الرثائية البليغة لعليِّ الرضا، بقوله:
أحَلَّك اللهُ دارًا غير زائلة … في منزلٍ برسول الله مأنوسِ (١)
رأي في شعر أشجع
لابن الجهيم وللبحتري الشاعرين رأي في شاعرية أشجع، يقول البحتري: "فاوضتُ ابن الجهم عليا في الشعر، وذكر أشجع السُّلَمي فقال: إنه كان يُخْلِي، فلم أفهمها عنه، وأنِفْتُ في شعر أَشجع، فإذا هو ربما مرت له الأبيات مغسولة ليس فيها بيت رائع" (٢).
وهذا الناقد الصادر من علي بن الجهم فالبحتري لشِعْرِ أشجع يحتمل المناقشة والنقد، وقد درستُ ما وصل إلى يدي من شعر أشجع فَما رأيت هذا النقد منطبقًا عليه، ومعلوم أن المعاصرة تذهب المناصرة، لاسيما وأن أشجع كان قد احتل مكانة طيبة لدى هارون الرشيد ولدى البرامكة، فلابد أن تناله بعض عقارب الحسد من زملائه في صنعة الشعر، وهذا أمر طَبَعيٌّ مألوف، وليس معنى هذا أن شعر أشجع كله درر وغُرر، فما من شاعر في الدنيا مهما تتعاظم شاعريته إلا وله سقطات، وكفانا بالمتنبي وأحمد شوقي شاهدًا ومثالًا.
عمرو بن مسلم الرياحيُّ السُّلَمي
هو من بني الشريد، يكنى أبا المسلم، حجازي، شاعر مجيد رَوى عن نفسه، قال: أتيت الحسن بن علي بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، أخا صاحب فخٍّ، وكان جوادًا وهو بينبع، وقد امتدحته، فقال لي: من أنت؟ فقلت: عمرو بن مسلم. قال: الرياحيُّ! قال: لا حياك الله، يا عاضَّ كذا وكذا … ألَسْتَ الذي تقول في محمد بن خالد العثماني:
стр. 1836
أيا ابن الذي حَنَّ الحصا في يمينه … وأكرم من وَافى مِنىً والمحصب (١)
وخَيْرَ إمامٍ كان بعد ثلاثة … مَضَوْا سَلَفًا أرواحُهُمْ لم تشعب
هو الثالثُ الهادي بهَدْيِ محمد … على رغم أنف الساخط المُتَعَتِّبِ
فقلت: أنا القائل، ووالله لئن احتملت (٢).
وقد ترجم له ابن الجراح في كتابه "من سُمِّي من الشعراء عمرًا" ترجمة واحية، وقد تَحَصَّلْنَا في هذا الكتاب على إكمال النقص المذكور آنفًا، والذي ورد في آخر ترجمة كتاب "الورقة" لابن الجراح نفسه، في النسخة المطبوعة بالقاهرة والتي أشرف على تحقيقها الدكتور عبد الوهاب عزَّام وعبد الستار أحمد فراج. ويدل الهامش الذي دوناه أسفل من هذه الورقة والذي كتبه المحققان على أنهما لم يطلعا على كتاب "من سُمِّيَ من الشعراء عمرًا" وهذه هي تكملة النقص المذكور: "قال: قلت: نعم، أعزك الله، أنا قائلُ ذاك، ووالله لئن احتملتُ رَحْلي حتى أُصَيِّرَ هذه الرحلة بيني وبينك ليأتينَّك مني ما قال زهير:
لَئِنْ حللتَ بَجوٍ في بني أسد … في دين عمرو وحالت بيننا فدكُ
ليأتينَّكَ مني منطق قَذع … باق كما دنَّس القبطيةَ الودكُ
قال: فقال: ادْنُ لا حَيَّاك الله - وأوسع لي إلى جنبه، وأوقر لي رواحلي تمرًا. اهـ (٣).
وقد أورد ابن الجراح في كتابه (من سُمِّيَ من الشعراء عمرًا) شيئًا من شعر عمرو بن مُسَلم أبي المُسلم الرياحي هذا بعد أن قال عنه: إنه مديني حسن الشعر يمدح ويهجو وله حظ من أدب، فمن شعره الذي أتحفنا به ابن الحراج قوله عن نفسه:
стр. 1837
ألا يا لقومٍ للفؤادِ الْمُعَذَّبَ … وعَينٍ تمادتْ في البكا والتْنَخُّبِ
وقلبٍ كئيب لا يزال تُهِيضُهُ … لَمَيّةَ رَبعٌ ذو أمان وملعبِ
ليالي لا تُولِيكَ إلا تَحَبُّبًا … إلينا ألا أهْلًا بذاك التحببِ
أقمنا بذاك العيش ثم انتحى لنا … من الدهر صَرْف المِرَّة المتقلِّبِ
وكان الشاعر أبو مسلم قد طلق امرأته ومَتَّعها وحملها إلى أهلها، فلما استقلت ركابها قال:
ولَسْتُ بِناسِ إذ غدو فتحملوا … لزومي على الأحشاء من لاعج الوجد
وقولي وقد زالت بِلَيلٍ حمولهم … بواكر تَخْدِي لا يَكُنْ آخر العهد (١)
أبو عمران السُّلَمي
شاعر من بني سُلَيْم، أورد أبو عبد الله محمد بن داود بن الجراح شيئًا من شعره في كتابه: (الورقة)، ومن شعره الذي أورده ابن الجراح قَولُهُ في الْبَطينِ المصريِّ الشاعر:
إنما شِعْرُ البَطِينِ … مِثْلُ سَلْحٍ وَسْطَ طين
ليس إنْ فَكَّرْت فيه … لِعَرِيقٍ أو قَطينِ
وقَوْلُهُ في ابن راشد بن إسحاق:
بأبي يا ابْنَ راشِدِ … يا كريمَ الْمَشَاهدِ
أنْتَ أشهى إليَّ - واللَّـ … ـه - من كُلِّ ناهِدِ (٢)
أبو الصلت مولى بني سُلَيْم
شاعر من شعراء بني سُلَيْم بالولاء، وكان أعرابيًّا، وذكر دعبلُ بن علي الخُزاعي "أحَدُ مشاهير شعراء الدولة العباسية" أن أبا الصلت هذا صار إلى البصرة ثم إلى بغداد، وكان أبوه يعمل التنانير فيما زعموا.
стр. 1838
ولأبي الصلت بيتان من مقذع الهجاء على غرار هجاء الحطيئة أو أشد إقذاعًا، وهما في أبي عُذَافر وَرْدِ بن سعد أو ابن عبد الصمد الْعَمِيِّ الشاعر، وها هما بحذف الكلمة المقذعة الواردَة في الشطر الأول من البيت الأول:
وكان اسمه فيما مضى … أمَّهُ … يُسَمَّى به في كل بَدْوٍ وحاضرِ
فلما اكتسى ريشًا وعاد جناحه … تَسَمَّى بِوَردٍ واكتَنى بعذافرِ (١)
موسى بن محمد السُّلَمي: أبو عمران
شاعر بصري مسجدي متوكلي، من شعره في الشيب والخضاب قوله:
قعد الشَّيْبُ بي عن اللذات … ورماني بجفوة القينات
فإذا رُمْتُ ستره بخضاب … فضحته طلائع الناصلات
ما رأيت الخضاب إلا سرابًا … غَرَّ في لمعه بأرَض فلاة
فإذا ما دعا إلى الناس داع … قلتُ ما للكبير والشربات؟
لستُ بعد الشباب ألتَذُّ بالعيـ … ـش فدعني وغصَّة العبرات
إنَّ فقد الشباب أنزلني بَعْـ … ـدَكِ دار الهموم والحسرات
ورماني بأسهم الشيب دهر … قارعتني أيامه عن حياتي
ويفوح من هذا الشعر أن الشاعر صوفي النزعة فهو من طراز أبي العتاهية في شعر الزهد المُتَصَوِّف.
وله بيتان ينمان عن "تزهده" في شعره .. قال يُخاطب شخصًا كبيرًا يهابه ويقدِّره، ولعل هذا الشخص وجه إليه إساءةً ما، وحاول إلصاقها بموسى:
أتلزمني ذنبًا، وأنت جنيته … ولكني أخشاك أن أتكلما
ولولا اتقائي أن تميتك دعوتي … دعوتُ على ما كان أخفى وأظلما (٢)
ابن الطريف السُّلَمي اليمامي
علي بن سليمان، ونسبته إلى اليمامة تدل إمَّا على ولادته بها أو سكناه
стр. 1839
فيها، وكان أحد شعراء العسكر، وله أبيات مشرقة الديباجة في رثاء (علي بن يحيى المنجم):
قد زرت قبرك يا "عليَّ" مسلمًا … ولك الزيارة من أقل الواجب
ولو استطعتُ حملتُ عنك ترابه … قد طال ما عني حملتَ نوائبي
ودمي، فلو أني علمت بأنه … يُروي ثراك سقاه صَوْب الصائب
لسفكتُهُ أسفًا عليك وحسرة … وجعلتُ ذاك مكانَ دمعٍ ساكب
فلئن ذَهْبتَ بملْ قبرك سؤددًا … لَجَميِلُ ما أبْقَيْتَ ليس بذاهب
وعليُّ بن المنجم الذي رثاه ابن الطريف بهذه الأبيات هو شاعر أيضًا قال عنه المررباني: (من بيت الأدب ومعدنه، ومغاني الشعر وموطنه)، وأورد له قصيدة لا بأس من إيرادها هنا للمناسبة القائمة، وللتعريف بشعره على مكانته الشعرية، قال علي:
وإني لأُثْنِي النفس عمَّا يريبها … وأنْزِلُ عن دار الهوان بمعزل
بهمةِ نُبلٍ لا يُرام مكانُها … تحل من العلياء أشرف منزل
ولي منطق - إن لجلج القول - صائبٌ … بتكثيفِ إلْباسٍ وتطبيق مفصل (١)
ولابن الطريف السُّلَمي أبيات لطيفة:
يا باذل المعروف قبل سؤاله … ومن الثناء له خصوصًا مكسب
إن التفضيل عادة لك عندنا … وبها إليك جَميِعُنَا نتقرب
خُذْ لي بوعدك والذي عودتني … كَمَلًا فما لي عن نوالك مذهب (٢)
стр. 1840
أبو النجم هلال السُّلَمي
مولاهم، شاعر معروف من شعراء بني سُلَيْم بالولاء، ويكنى أبا الرميل، يقال: إنه أنشد أبا الشيص قوله:
كأنه في الفلك الدَّوَّ … ار صوت المردن
فقال أبو الشيص: قاتلكم الله يا معشر بني سُلَيْم، تقول الخنساء: (كأنه عَلَمٌ في رأسه نار) وأنت تقول هذا (١)!
الأمير أبو الفتح الحسن بن عبد الله (بن أبي حُصَيْنَةَ) السُّلَمي
ليس هذا الذي أسطره هنا تحليلًا لشاعرية هذا الشاعر السُّلَمي الفحل، وإنما هو ترجمة له، يُضاف إليها تقديم فكرة عن شاعريته الثرة، بعرض نماذج من شعره القويِّ الآسر.
وهذه سلسلة نسبه: أبو الفتح الحسن بن عبد الله بن أحمد بن عبد الجبار بن أبي حصينة السُّلَمي المعرِّي يتصل نسبه ببني سُلَيْم.
وُلد أبو الفتح بن أبي حصينة، قبل سنة ٣٩٠ هـ، ويُرَجَّحُ أن مكان ولادته في المعرَّة بالشام، ولم يوقف على حقيقة السنة التي وُلد فيها، فقد اضطربت أقوال المؤرخين في ذلك، وقال ابنُ عساكر أقدمُ مَنْ كَتَبَ عنَه: إن ولادته كانت قبل سنة ٣٩٠ هـ نفسها.
وتلقى ابن أبي حصينة العلم عن شيوخ يرجح أنهم من شيوخ المعرة، وأنهم من الطبقة التي تتلمذ عليها أترابه، من أبي العلاء المعرِّي (٣٦٣ - ٤٤٩ هـ) وطبقته (٢)، ويبدو أنَّهُ دخل المسجد الجامع الأموي وجلس في حلقاته العلمية والأدبية. ثم اتصل بآل مرداس من بني كلاب من هوازن، أمراء حلب بعد انقراض الدولة الحمدانية من بني تغلب بن وائل من سنة ٤٠٦ هـ إلى سنة ٤١٥ هـ
стр. 1841
وكان أول أمير مرداسي اتصل به هو الشاب ثمال بن صالح، وقد نظم فيه قصائد مديحية وعُمرُهُ في نحو ثمانية وعشرين عامًا، وكان ممدوحه الأمير ثمال كريمًا مقصودًا يعيش عيشة الأمراء من أهل البادية، وفي تلك الفترة استولى صالح بن مرداس الكلابي (أبو ثمال) على حلب وما إليها حتى طرابلس، وذلك بسنة ٤١٧ هـ، وفي سنة ٤٢٠ هـ قُتِل صالح وتملَّك بعده ابناه: معز الدولة ثمال، وشبل الدولة نصر، ثم تفرد شبل الدولة بالأمر سنة ٤٢١ هـ، فخرج ثمال مُغاضِبًا له وعارمًا على قتال أخيه، وتوسط أمراء الأطراف من العرب بينهما بأن تكون حلب لنصر، وبالس والرحبة لثمال، أما أبو الفتح فقد ظل على ولائه لآل مرداس الكلابيين؛ يمدحهم وينال من جوائزهم السَّنِّية حتى أقعدته الشيخوخة عن متابعة ذلك.
وفي حياة أبي الفتح ظهرت في تاريخ الشام "بادرة الإنعام" على كبار الشعراء بألقاب الإمارة، وهي الألقاب التي كان أبو الطيب المتنبي وأضرابه من كبار شعراء جيله يسيل لعابهم طمعًا في إحرازها، ولكنهم حُرموا منها؛ لأن أوان تقرير الدولة لها لم يَحِن بَعْدُ، لا لأنهم لم يكونوا أهلًا لها، فاستحقاق المتنبي لها ومن في مستواه من شعراء رمانه أمر لا ريب فيه، وقد استشرف أبو الفتح لنيل لقب الإمارة الشعرية المرموقة، حيث إنه رأى نفسه أهلًا لها، وكان من حسن حظه أن أوفده الأمير تاج الدولة ابن مرداس إلى المستنصر العبيدي الفاطمي فمدح المستنصر بقصيدة عصماء مطلعها:
ظهر الهدى وتجمل الإسلامُ … وابنُ الرسول خليفة وإمامُ
مستنصر بالله ليس يفوته … طَلَبٌ ولا يَعْتَاصُ عنه مرامُ
ثم مدحه بقصيدة أخرى عام ٤٥٠ هـ، فوعده بإعطائه الأمارة. وفي عام ٤٥١ هـ أنجز له وعده (وقد تسلم أبو الفتح سِجِلَّ "الإمارة الشعرية" من يدي المستنصر في ربيع الآخر بتلك السنة) (١). وكان الذي سعى في تأميره وكتب له
стр. 1842
سجل الإمارة هو أبا علي صدقة بن إسماعيل بن فهد الكاتب، فكافأه أبو الفتح على صنيعه بأن مدحه بقصيدة غرَّاء كان مستهلها:
قد كان صبري عيِلَ في طلب العُلا … حتى استندتُ إلى ابن إسماعيلا
فظفرتُ بالخطر الجليل ولم يزل … يحوي الجليل من استعان جليلا
لولا الوزيرُ "أبو عليٍّ" لم أجد … أبدًا إلى الشرف العليِّ سبيلا
إن كان ريب الدهر قَبْح ما مضى … عندي فقد صار القبيح جميلا
وأجلّ ما جعل الرجال، صِلاتُهُمْ … للراغبين العزِّ والتبجيلا
اليوم أدركتُ الذي أنا طالب … والأمس كان طِلَابُه تعليلا
وكان تَسَلُّم الأمير أبي الفتح لسجل الإمارة هذه في ربيع الآخر سنة ٤٥١ هـ.
هذا، وقد انهالت الجوائز المالية السخية على ابن أبي حصَيْنَة شاعر المرداسيين، فأثرى وعَمَّر وبنى.
وكان قد مدح الأمير محمود بن نصر بن صالح بن مرداس عندما تملك حلب سنة ٤٥٢ هـ، فأيد منحه لقب إمارة الشعر، والقصيدة التي مدحه بها منها قوله:
أبا سلامة عش واسلم حليف عُلًا … وسؤدد بشعاع النجم مقرونِ
أُشقي عداكم وأهوى أنْ أدين لكم … وللعدى دينهم فيكم ولي ديني
وقد ثبتت إمارة محمود أخيرًا لحلب، فما كان منه إلا أن خلع طاعة العبيديين وخطب للعباسيين، كما صنع زميله في إفريقية الشمالية المعز بن باديس في القرن ذاته، وظل محمود المرداسي حاكمًا لحلب حتى مات، وقد تابع صاحبنا أبو الفتح بن أبي حُصَيْنَةَ مديحه له أسوة بمن سبقوه من الأمراء المرداسيين.
стр. 1843
وكان ابن أبي حصينة شاعرًا ثَرَّ الشاعرية، جزل التراكيب ينحو في غزله منحى الشعر العربي القديم، تَصَوُّنًا وعفافًا وبُعْدًا عن الإسفاف، ولكن شاعريته تأثرت بالبيئة العُبيدية التي تجنح إلى المبالغة والتهويل في مدح الحكام، وكان ذا طموح وطمع في جمع الأموال، وقد أغدق عليه المرداسيون الأمراء الجرب الأجواد فيضًا زاخرًا من العطايا السنية السخية، ما بين عَينيَّة وعقاريَّةٍ وغيرهما، وقد وَهَبَهُ بعضهم (دارة رحبة جميلة) فسماها (دار المعونة)، وحضر بعض أمرائهم الحفلة التي أقامها بمناسبة بنائه لدار فخمة في قطعة أرض منحها له نصر بن صالح المرداسي، وكان في رأس قائمة الحاضرين نَصْرٌ نفسه، وبعد أن تناول الطعام سأله: كم أنفق في عمارة الدار؟ فقال له: ألفي دينار، فأعطاه ألفي دينار مصرية تعويضًا عما أنفق، وزاده ثوبًا أطلس وعمامة مذهبة وحصانًا بطوق ذهب، وسرفسار ذهب (١)، مبالغة في تقديره وتكريمه. ومدح الشاعر أبو الفتح السُّلَمي صالح بن مرداس الكلابي (٢) بقصيدة منها قوله:
تَطَوَلْتَ وَخَوَّلْتَ … عَلى قَدْرِكَ لا قَدْري
وأدْنَيتَ وأغنَيتَ … وأقنَيتَ إلى الحَشْرِ
وآمنتَ من البأسا … ءِ من يُولَدُ مِن ظَهْري
وأثْرَيْتُ بنعماكَ … وما أمَّلْتُ أنْ أُثْرِي
وقد زِدْتَ فزاد اللهُ … من عُمْرِك في عُمْرِي
سَأجزيك وما يَجْزيـ … ـك لا طِرْسي ولا حِبْري
وأُقنيِك ثَنًا يَبْقَى … على عابرة الدهرِ
وأوصافًا لها نَشْرٌ … ذكيُّ الطيَّ والنَّشْرِ
وما يبقى على الدنيا … وما فيها سوى الذِّكْرِ
стр. 1844
وثلاثة هم شعراء الشام في القرن الهجري الخامس: أبو العلاء المعرِّي، وكان أرفعهم شأنًا، وابن حَيُّوس، وابن أبي حُصينة السُّلَمي، ولكل من هؤلاء الأعلام ديوان شعر مطبوع. وابن حيوس وابن أبي حصينة فرسا رهان فيما يرى محمد أسعد طلس؛ ونؤيده، فإن الدارس لشعرهما يجدهما متوازيين في الطلاوة والفصاحة والجزالة وطُول النَّفَس، وابن حَيُّوس أقرب إلى طريقة أبي تمام، وابن أبي حُصينة أقرب إلى منهج البحتري، وأبو تمَّام والبحتري فرسا رهان .. والخمسة جميعهم من زعماء الشعر في الشام.
ومما يسترعي الانتباه في بعض قصائد ابن أبي حُصينة أنه سَلَكَ فيها أسلوب أبي الطيب المتنبي؛ فقد مدح الأميرَ ثمالا معز الدولة بن صالح بن مرداس بدالية بليغة وأنفذها إليه من دمشق بمناسبة فتحه لقلعة حلب في شهر ربيع الأول سنة ٤٣٤ هـ قال:
لِسَيفِكَ بعد الله قد وَجبَ الحمدُ … فيا ليت جَفْني ما حييتُ له غمدُ
ومضى إلى أن يقول:
غيوثٌ إذا جادوا ليوث إذا عَدَوْا … كثير إذا عادوا قليل إذا عُدُّوا
يَشُكُّونَ في ظهر الْعَدُوِّ أسِنَّةً … إذا خرجت من صدره خرج الحقدُ
ثم يقول واصفًا فتح قلعة الثغر:
وعدتم لذاك الثغر سَدا من العدى … وأيُّ سَديدِ ما دَرى أنكُمْ سَدُّ!
وما رَدَّ كَيْدَ الروم خَلْقٌ سواكم … يُنيل إذا لم يبق من دونهم رَدُّ
أتَوْا يثقلون الأرض من فوق شُزَّبِ … إذا أسرعت في الخط أثقلها السردُ
يواريهمُ نسج الحديد عليهم … فما فيهمُ مَنْ مِنْه جارِحةٌ تبدُو
فلولاكمُ لم يَنْهَهُمْ عن حريمنا … وعن حرمة الإسلام جمعٌ ولاحشدُ
стр. 1845
ولكنكم قَبَّلْتُمُوهُمْ ذوابلًا … من الخَطِّ لُدًّا مُشرِعوها هم اللدُّ
وخضتم عجاجًا يُرمْدُ الجوَّ نَقْعُه … ولكنه تَحْيى به الأعين الرُّمْدُ
فما انجاب ذاك النقع حتى طَرَحتْهم … فرائس تقتات الوحوش بها بعدُ
وصارت حياضًا للمياه جَماجمٌ … مُفَلَّقَةٌ فاستجمع الزاد والْوِرْدُ
فلا تطمع الآمالُ فيما مَلكْتُمُ … فما تَتَخَلَّى عن فرائسها الأسْدُ
فهذه القصيدة اللامعة تنظر إلى قصيدة قالها أبو الطيب أحمد بن الحسين المتنبي في مدح محمد بن سيار بن مكرم التميمي؛ في وزنها ومعانيها وفي قافيتها.
وله (رائعة) في مديح (ثمال) المرداسي، يقول فيها فيما يقول
أبا صالح أنت حُسنُ الزما … ن وحُسْنُ الرُّواءِ بحسن العَلَمْ
إذا نظم المدحَ فيك امرؤ … وجدناك أشرف مما نظمْ
أمِنَّا بقربك صرفَ الزمان … فنحن الحَمامُ وأنت الحرمْ
ومضى إلى أن يقول:
جزى الله خيرًا ظهور الركاب … وأحْسَنَ عني جزاء القلمْ
فقد كنتُ ألتمسُ الأكرمين … وأطلُبُ للمدح أهْلَ القِيَمْ
فلما وجدتُ بني صالح … وجدتُ الغِنى وعدِمْتُ العَدمْ
وثَمَّرْتُ من فضلهم نِعْمَةً … وجَاهًا ومالًا ولحمًا ودمْ
ملوك إذا ما عَدَدْتَ الملوك … عَدَدْتَ الملوك لهم في الحشمْ
خَدْمْتُهُمُو في قميص الشباب … وأخدمهم في قميص الهرمْ
ومن روائعه أيضًا قوله يمدح ثمالا المرداسي:
كذا لا تزال رفيعَ الرُّتَبْ … كثيرَ العدو كثير الغَلَبْ
وقد وهب الله هذا النعيمَ … وما يَرْجِعُ الله فيما وَهَبْ
إلى أن يقول:
стр. 1846
إذا سَلْمَ اللهُ رُوح الأمير … فَأهْوَنُ شيء ذَهَابُ الذهبْ
ومن كَسِب الحمد في الخافِقيْن … فَلَيْسَ يبالي على ما كَسَبْ
فخذ ما صفا من لذيذ الحياة … ودع لسواك الأذى والنَّصَبْ
ومن جيد قصائده: (الرائيةُ) التي يقول فيها يمدح ثمالًا المرداسي:
أقول لصحبي بِجَوِّ الغُمَيْرِ (١) … وقد ضل حادي المطايا وحارا
تَيَامَنْتُمُ عن بلاد المعز … فعوجوا يسارًا تصيبوا يسارا
ولاقوا أميرًا قليل النظر … يحب الثناء ويَشْنَا النُّضَارا
كريمَ النجار عفيفَ الإزار … حوى المكرمات وشاد الفخارا
أعاد وأبدى وللفضل أسدى … وللقِرْن أردى وللريح بارى
كريم الصنيعة ضخم الدسيعة … سهل الشريعة لم يأت عارا
غَنَاءُ الفقير ونعم النصير … إذا المستجير إليه استجارا
يَفُك الأسارى ويحمي العذارى … ويُعْطي المَهارى ويُفني المِهارا
إذا حَلَّ في البدو زان العمود … وإن حَلَّ في الْحَضْر زان الجدارا
أبا صالح قد فَضَلْتَ الملوك … فَعُدْتَ يمينًا وعادوا يَسَارا
وألبسك الله ثوب الوقار … فلا نزع الله عَنْكَ الوقارا
تحَوَّلْتَ بالأمس عن موضع … فآنَسْتَ دارًا وأوْحَشْتَ دارا
ونالت أبا الفتح قَوَارِصُ الألسن من المنافسين والحسدة، وكل ذي نعمة محسود، وكان هذا الموقف بالنسبة إليه يماثل موقف سلفه أبي الطيب المتنبي الذي توفي قبل ميلاده بست وثلاثين سنة، فقد كان سيف الدولة إذا تأخر مدح المتنبي له شق عليه ذلك، فيحضر من لا خير فيه فيتقدم إليه بالتعرُّض للمتنبي في مجلسه بما لا يحب، وذات مرة أنشد المتنبيُ سيف الدولة قصيدته (الميمية) السائرة، وقال له فيها معرِّضًا بمن يتعرض له في غيابه بمجلسه:
стр. 1847
وجاهل مَدَهُ في جهله ضحكي … حتى أتته يَدٌ فراسَةٌ وفم
ثم يعود إلى سيف الدولة ويخاطبه بقوله معاتبًا على إرخائه العنان للمتعرضين له في غيابه:
إن كان سركمُ ما قال حاسدنا … فما لجرح إذا أرضاكمُ ألمُ
وقد أثرت أيضًا على ابن أبي حُصَيْنَة هذه القوارصُ الخفية التي تقرضه في غيابه، فقال:
ذري عَذَلي فَشأَنُك غير شَانِي … ولا تتملكي طَرَفَيْ عِنَاني
ورُدِّي يا ابنة السُّلَميِّ قلبي … فقد فارقتُ قلبي ما كفاني
وهو هنا يتغزل بسُّلَمية من بنات عمه .. ثم يصل إلى هدفه فيقول مُوَرِّيًا ومُكنِّيا والكناية أبلغ من التصريح:
أحِبُّ من السمَّاذع كُلَّ نَذبٍ … كريم الخِيم مأمونِ اللسان
يَعِفُّ الخنا ويَشِفُّ حِلْمًا … كما شفت ذُرى عَلَمَيْ أبَانِ
ثم يصرح بما يريد أن يقوله وأن يوجهه إلى مغتابيه بحضرة الأمير المرداسي:
وأمْقَتُ كل مُغتابٍ نَمُومٍ … حَريص بالنميمة غير واني
ألا بئس الحديثُ حديثُ زُورٍ … يُبَلِّغُهُ فلانٌ عن فلانِ
ثم يُمعن في كشف ذات صدره لأولئك النمَّامين الحَسَدَة فيقول:
مضى العيد السعيد وغِبتُ عنه … وفاز الناس قَبلي بالتهاني
فَهَلا أحسن الشعراءُ غَيْبي … وكَفُّوا عن عتابهمو لساني
فقد حضروا فما نابوا منابي … ولا سَدُّوا وإنْ كثروا مكاني
وكم طلبوا اللحاق وما تهدَّتْ … قرائحهم إلى هذي المعاني
أعابوني بِقَرْواشٍ؟ (١) وعَيْبِي … بِقَرْواشٍ جمالي في زماني
стр. 1848
وليس أبو المنيع وإن توالت … إليَّ صلَاتُهُ كمن اصطفاني
كلا الملكين أولاني جميلًا … ولكنَّ الجميل لمن بداني
ولو أني بُلِيتُ بهاشميِّ … خؤولته بنو عبد المدان
لهانَ عليَّ ما ألْقَى ولكن … تَعَاليْ فانظري بمن ابتلاني
أعلِّمهُ الرماية كلَّ يومٍ … فلما اشتد ساعده رماني
والأبيات الثلاثة الأخيرة قديمة ضمنها الشاعر قصيدته، ومما يسترعي الانتباه مخاطبته في أحد هذه الابيات الثلاثة للسُّلَميَّة التي تغزَّل فيها، فقال معدلًا صيغة البيت الأصلية:
لهانَ عليَّ ما ألْقَى ولكن … تَعَاليْ فانظري بمن ابتلاني
وأصل البيت هكذا:
لهانَ عليَّ ما ألْقَى ولكن … تَعَالَوْا فانظروا بمن ابتلاني
وكما أسهم المتنبي بقصائده الخوالد في مواكب الجهاد الإسلامي الذي كان يقوم به علي بن عبد الله الحمداني التغلبي (سيف الدولة) بما ينظمه وينشده إياه من قصائد ظاهرها مديح سيف الدولة وباطنها الإشادة بجهاده وكفاحه لنصرة الإسلام والدفاع عن حوزته ودياره وثغوره، كذلك كان للأمير ابن أبي حصينة نصيبٌ طيب في هذا الميدان، ففي ديوانه قصائد عصماء من هذا القبيل. ونحن هنا نقدم للقارئ أبياتًا مختارة من إحدى هذه القصائد، وقد قال ابن الوردي عنها: إنه في (سنة ٤٢٦ هـ وصلت الروم إلى حلب، فقاتلهم صاحبها شبل الدولة نصر بن صالح بن مرداس الكلابي وتبعهم إلى عزاز، فقتل وغنم. وكان اسيم ملك الروم أرمانوس، فقال أبو الفتح الحسن بن عبد الله بن أبي حصينة المعري (السُّلَمي) من قصيدة طويلة أنشده إياها "بظاهر قنسرين"، وأورد ابن الوردي الأبيات التي اخترنا منها ما يلي:
إلى نصر وأيُّ فتى كنصر … إذا حَلَّتْ بمغناه الركابُ
أمُنْتَهِكَ الصليب غداة ظلت … حُطامًا فيهم السُّمْرُ الصِّلابُ
стр. 1849
جُنودُكَ لا يحيط بِهِنَّ وصف … وجُودك لا يحصله حسابُ
وَذِكْرُكَ كله ذكر جميل … وفعلك كله فعل عُجَابُ
و (أرمانوس) كان أشد بأسًا … وحَلَّ به على يدك الْعَذَابُ
أتاك يَجُرُّ بحرًا من حديد … له في كل ناحية عُبَابُ
إذا سارت كتائبه بأرض … تزلزلت الأباطح والهضابُ
فَعادَ وقد سَلَبت الملك عنه … كما سُلِبَتْ عن المَيْتِ الثيابُ
فما أدناه من خير مجيءٌ … ولا أقصَاهُ مِن شَرٍّ إيابُ
فلا تسمع بطنطنة الأعادي … فإنهمُ إذا طَنُّوا ذُبابُ!
ولا ترفع لمن عاداك رأسًا … فإنَّ الليث تنبحه الكلابُ
ويلوح لي أن هذه القصيدة البائية الماتعة الرائعة تنظر من قريب أو من بعيد إلى (بائية) المتنبي التي تماثلها في الورن والقافية، وإن كانت تزايلها في الموضوع والهدف ولا سيما في قول أبي الطيب المتنبي:
وجُرْمٍ جَرَهُ سُفهاء قوم … فَحَلَّ بغير جارمه العقابُ
فهو قريب الشبه والسمات من قول ابن أبي حُصينة:
وأرمانوس كان أشد بأسًا … وحَلَّ به على يدك الْعَذَابُ
وكما أن لابن أبي حُصينة مدائح، فله مَرَاثٍ نشير هنا إلي إحداها وهي التي قالها في سنة ٤٤٣ هـ حينما توفي زعيم الدولة أبو كامل بَرَكَةُ بن المقلَّد بن المسيب العُقيلي - شريك أخيه قرواش في ملك الموصل - بتكريت. قال ابن أبي حصينة من قصيدة طويلة:
من عظيم البلاء موت العظيم … ليتني مِتُّ قبل موت الزعيم
يا جفوني سُحِّي دَمًا أو فَحَمِّي … صَحْن خدي بعبرة كالحميم
وحينما توفي في سنة ٤٤٤ هـ قرواش معتمد الدولة أبو منيع بن المقلَّد العُقَيْلي صاحب الموصل مسجونًا بقلعة الجَرَّاحيَّة، رثاه الأمير أبو الفتح السُّلَمي بقصيدة باكية منها قوله:
стр. 1850
أمثل قرواش يذوق الردى … يا صاح ما أوقح وجه الحِمَامْ
وله مَرَاث أخرى مدوَّنة في ديوانه المطبوع، ومن أهمها رثاؤه لصديقه الحميم أبي العلاء المعرِّي الذي أملى لديوانه شرحًا قال في مقدمته عنه: "وكان مولاي الأمير الجليل أبو الفتح الحسن بن عبد الله بن أبي حصينة سألني أن أسمع شِعْرَهُ، فقرأ عليَّ ما أنشأه من أنواع القريض، فَوَجَدْتُ لفظه غير مريض، ومعانيه صَحاحًا مُختَرعَةً، وأغراضه بعيدة مبقدعة، وهو دىان كان متأخرًا في الزمان، فكأنه من فرط عهد النعمان، ومن سمع كلامه علم أنه لم يغير شهادة، ولا خرم في إبداع الكلام سيادة" (١).
وشهادة كهذه من إمام في الشِّعْر واللغة والعلوم كأبي العلاء المعرِّي، لا شك أنها ترفع إلى القمة مستوى الشاعر المشهود له فيها برفعة المكانة الشعرية.
يقول الأمير أبو الفتح السُّلَمي في رثاء صديقه أبي العلاء المعرِّي:
العلم بعد أبي العلاء مُضَيَّعُ … والأرض خالية الجوانب بلقعُ
أودى وقد ملأ البلاد غرائبًا … تسري كما تسري النجوم الطُّلَّعُ
ما كنتُ أعلم - وهو يودع في الثرى - … أن الثرى فيه الكواكب تودعُ
ثم يقول فيه أيضًا:
تنصرم الدنيا ويأتي بعده … أمَمٌ وأنت بمثله لا تسمع
ثم يقول فيه أيضًا:
قصدتك طُلَّاب العلوم ولا أرى … للعلم بابًا بعد بابك يُقْرعُ
هذا وللأمير أبي الفتح جولات في ميادين الحكمة.
قال:
أشدُّ من فاقة الزمان … مُقامُ حُرٍّ على هوانِ
فاسترزق الله واستعنه … فإنَّه خير مُستْعانِ
وإن نبا منزلٌ بِجرِّ … فمن مكان إلى مكانِ
стр. 1851
وقال:
إذا المر لم يرض ما أمْكَنَهْ … ولم يأت من أمْرِه أحْسَنَهْ
فدعه فقد ساء تدبيره … سيضحك يومًا ويبكي سَنَهْ
وقد طُبع الشرح الذي أملاه أبو العلاء المعرِّي على ديوان ابن أبي حُصينة السُّلَمي في دمشق، وتولى تحقيقه محمد أسعد طلس، وقد وصفه محققه وصفًا قيِّمًا، قال: أن أبا العلاء المعرِّي سار فيه على الطريقة التي سار عليها في (معجز أحمد) و (اللامع العزيزي) و (عبث الوليد).
وكان أبو العلاء المعرِّي قد بدأ إملاءه بشرح القصيدة التي أولها:
هل بعد شيبكَ من عذر لمعتذر … فارجر عن الغيِّ قلبًا غير منزجرِ
واختتمه بشرحه للقصيدة التي أولها:
كم تُكُشِرَانِ العذل والتفنيدا … أفتحسبان المستهام رشيدا؟
توفي الأمير أبو الفتح الحسن بن عبد الله الشهير بابن أبي حُصينة السُّلَمي المعرِّي سنة ٤٥٦ هـ أو ٤٥٧ هـ (١)، وربما كانت وفاته في "سروج".
النظَّام المصري: جبرائيل بن ناصر بن المثنى السُّلَمي
قال عنه العماد الأصفهاني الكاتب: (لقيته بدمشق على باب جيرون، نافق السوق كثير الزبون، ثم عاد إلى مصر عند المملكة الصلاحية بها، ودارت رحى رجائه بالنجح على قطبها، وقصد اليمن عند افتتاح الملك المعظم شمس الدولة توران شاه لها، وكان وَعَدَهُ بألف دينار، فقبضها منه وحصلها، ولم يزل بمصر مستقيم الحال مُثَمِّرَ المال، آلِفًا صعود جَدّهِ - أي حظه - بالصعيد، عارفًا سعود حظه بالمزيد، إلى أن نَسَبَ إليه وَالي قوص بصعيد مصر، أنه يُوَاطِئُ الخارجي بها في آخر سنة اثنين وسبعين (بعد الخمسمائة) فطلبه وصلبه بعدما سلبه، وذلك في
стр. 1852
المحرم سنة ثلاث وسبعين (بعد الخمسمائة) - بقوص، وَوَقَعَتْ إليَّ من شعره قصيدةٌ بخطه، نظمها في سيف الدين أخي صلاح الدين، عند خروج الكنز من ربيعة بن نزار بأسوان (١)، وقتله والفتك به والفتك بالسودان، من جملتها:
ومن ذا يطيق الترك في الحرب إنهم … بَنُوها وكل الناس رور وباطلُ
حُماة كُماةٌ كالضراغمِ، خيلُهم … معاقلُهم، والخيل نعم المعاقل
ومنها في صفة الجيش:
بجيش يضيع الليل فيه إذا سرى … وتُخْفِي نجومَ الجو منه القساطلُ
إذا ما خَبَتْ فيه المشاعل عاضها … من أيدي الجياد المنعلات المشاعل
وتَطَّرِدُ الراياتُ فيه كأنها … أفاعٍ إلى أوكارهن جوافل
فما لاح ضوء الصبح حتى تحكمت … لهم في أعاديهم قنأ ومَنَاصِل
كأن مُشَار النقع سحبٌ وبَيْضَهْن … بروقٌ تلألأ فيه والدم وابل
ومنها:
لكم يا بني أيوب في البأسِ والنَّدى … مذاهبُ تُعيي غيركم ومداخل
ألَنْتُمْ لنا الأيام من بعد قسوة … وحليتموها، وهي قبل عواطل
وقلدتمونا الْبيِضَ تُثقِلُ بالحُلى … عَواتِقَنَا أعنادها والحمائل
ضربنا بها أعداءكم فجيادنا … لها من دماء المارقين خلاخل
وله من أخرى:
أما مل من عذلٍ عاذلي … فيطرح حلي على كاهلي
لقد أطمع النَفْسَ في سلوة … يخيبهط طمعُ العاقل
ومن غمر هذا الهوى أنني … لأعشقُ من عشقه قاتلي
أحِبُّ فأقتلُ نفسي فلا … أفوز من الحب بالطائل
ولي كل يوم وقوف على … حِميِّ، وسلام على راحل
стр. 1853
متى يسأم القلب من هجركم … فيصغى إلى عذل العاذل؟
ويبطل سحر الجفون التي … بها يعمل السحر في بابل
ويجلو فؤاد امرئ لم يزل … من الوجد في شغل شاغل
متى وجدت لكم وحشة … تعللت بالشبح المائل
صِلُوا واعطفوا واحْسنوا (١) … وجودوا فلا خير في باطل
فلستُ بتارك حق الهوى … ولو أنني منه في باطل
ولكن إذا مضَّنِي جَورُكم … شكوتُ إلى الملك العادل
مليك مشى الناس في عصره … من العدل في منهج سابل
أقامَ الجاهد على سوقه … وحرب كحرب بني وائل (٢)
ففي كل يوم له جحفل … يُغِيرُ على الشِّرْكِ بالساحل
فديناك يا من سنا وجهه … يفوق سنا القمر الكامل
وإنك أنفع في عصرنا … من الغيث في البلد الماحل
أنلت الرعية ما فاتها … من الشرك في عصرنا الزائل
فأضحت من العدل في غامر … وأمست من الأمن في شامل
ويروي لنا العمادُ الأصفهاني الكاتب قصيدة أخرى، شفيفة الأسلوب رقيقة المعاني، وهي في الغزل ومطلعها:
زاد بي شوقي فَبُحْتُ … وجرى دمعي فَنُحْتُ
يها العاذل هل يُثْـ … ـنِي لِسَانَ العذل صَمْتُ
إن نَعْتَ البدر والشّمْـ … ـسِ لِمَن أهواه نَعْتُ (٣)
стр. 1854
أبو عبد الله الخضر بن عبد الرحمن السُّلَمي الدواتي المعدل
ذكره العماد الأصفهاني في كتابه (خريدة القصر وجريدة العصر): والدواتي نسبة عامية للدواة، وهي نسبة مخالفة للقاعدة النحوية، فالقاعدة تقول: إن صحة النسبة إلى الدواة: دَوَوِيّ، ومنه لقب أبي علي ابن الرئيس خليفة الدووي (١).
قلت: وهناك شاعر ذكره التاريخ وهو (الأعشى السُّلَمي) وهو غير الأعشى المشهور من ربيعة العدنانية.
وكان الأعشى قد سُجن في المدينة النبوية فتذكر جبل شرورى من ديار قومه من بني سُلَيْم فقال:
(هاجك ربع بشرورى ملبد).
شاعرات من بني سُلَيْم
ريطة بنت العباس بن أنس السُّلَمي المعروف بالأصم
كانت ريطة تعيش في الجاهلية، وهي إحدى شواعر بني سُلَيْم.
قالت ترثي أباها أو أخاها أو زوجها:
لعمري وما عمري عليَّ بهين … لنعم الفتى أرديتمو آل خثعما (٢)
وكان إذا ما أورد الخيل بِيِشَةً … إلى هضب أشراك أناخ فألجما
فأرسلها رهوًا رِعَالًا كأنها … جراد زفته ريح نجد فأتهما
فأمسى الحوامي قد تَعَفَّيْنَ بعده … وكان الحصى يكسو دوابرها دما
فآبت عشاء بالنهاب وكلها … يُرى قلقًا تحت الرحالة أهضما
وكانت إذا لم تطارد بعاقل … أو الرس خيلا، طاردتهما بِعَيْهَمَا
стр. 1855
وكان ثِمالَ الحي في كل أزمة … وعِصْمَتَهُمَ والفارسَ المتغشما
وينهض للعليا إذا الحرب شمرت … فيطفؤها قهرًا وإن شاء أضرما
فأقسمتُ لا أنفك أُحْدِر عبرة … تجود بها العينان مني لتسجما (١)
ويدلنا ذكر ريطة السُّلَمية لإيراد المرثيِّ للخيل إلى بيشة وغيرها، وَوَصْفُها لخيله يدلنا ذلك على كثرة وجود الخيل لدى سُلَيْم في الجاهلية، كما أشار إليه المؤرخون، ولهذا نفسه نجد كثرة من شعرائهم وفرسانهم يكثرون في قصائدهم من ذكر الخيل في كل مناسبة.
" الخنساء" تُماضر السُّلَمية
يقول بشَّار بن برد: (ما قالت امرأة شعرًا إلا وظهر الضعف فيه .. ) قيل له: والخنساء؟ قال: (تلك غلبت الفحول).
ويقول بروكلمان أن (الخنساء بلغت في الرثاء أقصى مراتب الشهرة).
وكان دُرَيْد بن الصِّمَّة من أشراف قومه (٢) وشعرائهم، قد خطبها - وهو شيخ، فردته، وتزوجت بعد ذلك بمرداس بن أبي عامر السُّلَمي، والد عباس بن مرداس، وبعد وفاة روجها مرداس تزوجها عبد الله بن العُزَّى السُّلَمي.
وقد رثت أخويها: معاوية وصخرًا بقصائد (٣) في غاية الرقة وتفيض بمشاعر الحزن المتفجرة، وقد أقامت بمكة بعد غزوة بدر بقليل، وكانت تناهز الخمسين عامًا عندما زارت عمر، وعائشة ﵄ بالمدينة فيما بعدُ، ولا يُعرف تاريخ وفاتها بالتحديد.
وكانت تنافس هندًا في سوق عكاظ، في عظم المصيبة عن قتلاها في الجاهلية، وقتلى هند بنت عُتبة في بدر.
стр. 1856
في ذات يوم دخلت الخنساء على أم المؤمنين عائشة فانشدتها قولها في رثاء أخيها صخر:
ألا يا صخر إن أبْكَيْتَ عيني … فقد أضحكتني زمنًا طويلًا
فقالت لها عائشة: أتبكين صخرًا وهو جمرة في النار؟ فقالت الخنساء: يا أم المؤمنين ذاك أشدُّ لجزعي عليه، وأبعثُ لبكائي، وعُدَّ هذا الجواب من الأجوبة المسكتة.
عمرة بنت مِرْداس السُّلَمية
أخت عباس بن مرداس السُّلَمي، وهي شاعرة مقلة مخضرمة. أمها الخنساء، فعمرة إذن نشأت في محيط مزدهر بالشعر .. أمها شاعرة وأخوها شاعر وعَمَّاها شاعران، وقد أوردت "حماسةُ أبي تمام" أبياتًا لعمرة تعتبر من جيد الشعر، قالت:
أعينيَّ لم أختلكما بخيانة … أَبَى الدهر والأيام أن أتصبرا
وما كُنْتُ أخْشى أن أكون كأنني … بعيرٌ إذا يُنْعَي أُخيَّ تحسرا
ترى الخصم زورًا عن أُخَيَّ مهابةً … وليس الجليسُ عن أُخيَّ بأزورا
وهكذا سلكت عمرة في رثائها الحزين الجميل الأسلوب والمعبر عن عواطفها - مسلك والدتها واخوتها في الرثاء - ومن يشابه "أهله" فما ظلم.
ويقول بروكلمان: إن عمرة بنت الخنساء ورثت عن أمها ملكة الشعر، وإن بعض أشعار عموة بقيت في ديوان أمها (١).
ولعمرة أخ اسمه يزيد، كان قد قَتَلَ قيس بن الأسلت في بعض حروبهم، فطلبه بثأره هارونُ بنُ النعمان بن الأسلت، حتى تمكن من قتله، فقتله بقيس بن أبي قيس وهو ابن عمه، فقالت عمرة ترثي أخاها يزيد: (أعيني لم اختلكما بخيانة) الأبيات الثلاثة المتقدمة آنفًا .. ولها فيه مرثية أخرى تقول فيها:
أَجَدَّ بنُ أُمِّيَ أنْ لا يؤوبا … وكان ابنُ أُمِّيَ جَلْدًا نجيبا
стр. 1857
وعندما مات أخوها عباس بن مرداس بالشام سنة ١٦ هـ قالت ترثيه:
لِتَبْكِ ابْنَ مِرداسٍ على ما عراهم … عَشِرَتُهُ إذ حُمَّ أمْسِ زَوَالُها
لدى الخصم إذ عند الأمير كفاهمو … فكان إليها فَضْلُها وحلالُها
ومعضلةٍ للحاملين كَفْيتَها … إذا أتهَلَتْ هُوجَ الرياح طِلَالُها
ولها قصيدة بائية ذكرت فيها الأقيصر بن نشبة الذي مات صغيرًا، وتعرض لأخيها: شداد، لأنه كان شامتًا بموته، وقد جاء فيها قوله:
مَن مُبلِغٌ عنِّي فُلانًا رِسَالَةً … فمَا أنْتَ عن قَوْلِ السِّفاهِ بمُعتَبِ (١)
وقد رثت عمرة ابنة مرداس، أباها مرداس بن أبي عامر، وكان يقال له (الفيض) لفرط سخائه، تقول عنه فيها:
و (الفَيْضُ) فينا شهاب يُسْتَضَاءُ به … إنَّا كذلك فينا تُوَجُد الشُّهبُ (٢)
وتوفيت عمرة سنة ٤٩٩ هـ (٣).
حبيبة بنت الضحَّاك السُّلَمية
الضحَّاك هو أبو سفيان السُّلَمي، وهي شاعرة من شاعرات العرب، وكانت تحت العباس بن مرداس المولود في عهد النبي ﷺ على قول صاحب كتاب "شاعرات العرب" فعلمت حبيبة بإسلامه فغضبت وارتحلت وقالت قصيدة تؤنبه منها:
ألم ينه عباسَ بن مرداس أنني … رأيت الورى مخصوصة بالفجائع
ثم قالت له:
لعمري لئن تَابَعْتَ دين محمد … وفَارَقْتَ إخْوَان الصَّفا والصنَّائعِ
لَبَدَّلْتَ تنك النَّفْسَ ذُلَّا بعزِةٍ … غداة اختلاف المُرهْفَاتِ القواطعِ (٤)
стр. 1858
شاعرة سُّلَمية غير مسماة
هذه شاعرة سُّلَمية لم نقف على اسمها، وقد ذكرها ثعلب في مجالسه بسنده قال: أخبرني أبو الزبير ثابت بن عبد الرحيم قال: أنشدتني امرأة من بني سُلَيْم:
وإن امرأ أمسى ودون حبيبه … سواسٌ فوادي الرَّسِّ والهميان
لمعترف بالنَّأيِ بعد اقترابه … ومعذورة عيناه بالهملان
فما ريح ريحان بمسك بعنبر … برند بكافور بِدُهنة بان
بِأطْيَبَ من ريا حبيبي لو أنني … وجدتُ حبيبي خاليًا بمكان (١)
وقد أورد "لسان العرب" البيتين الأولين في مادة (سوس) وعزاهما لثعلب، وقال عن "سواس": موضع: واستشهد بالبيت الأول عن ذلك.
قلت: ويوجد في بني سُلَيْم شاعرات ونساء أخريات كثيرات لهن ذكر في التاريخ العربي لا يتسع المقام بالسرد المطوَّل عنهن، ومن أراد المزيد فليرجع إلى مجلدات ١، ٢، ٤، ٥ من كتاب "أعلام النساء في عالمي العرب والإسلام" للأستاذ الجليل والمؤرخ العربي السورى رضا كحالة.
стр. 1859
شعراء الشعر (الحميني) أو النبطي من بني سُلَيْم في المملكة العربية السعودية
عقد الأستاذ خير الدين الزركلي في كتابه: (ما رأيت وما سمعت) فصلًا خاصًّا بشعر الْبُدَاةِ، ويقول عن هذا الشعر البدوي: إنه مختلف في لغته وأورانه عن الشعر الصحيح أو القريض، وقال عنه: (ويسمونه "الحميني" ولم أعلم اشتقاق هذه اللفظة ولا أصلها).
وأضاف إلى ذلك قوله: "ويُسَمُّونَ المساجلة بين الشاعرين منهم: "قصيدًا". كما يسمون القصيدة الطويلة أو القصيرة "نشيدًا"، ويسمون القصائد على الإطلاق: "مَجَالِسِيَّات"، ويعرف عندهم اللغز باسم: "الغبوة".
وهم يقولون للشاعر إذا أحسن: "صح لسانك" بدلا من قول العرب الأقدمين للشاعر الْمُجيِد: "لا فض فوك".
وقلَّ من شعراء البادية من يتفق له أن يتلقى في صغره شيئًا من مبادئ علوم العربية، أما من تهيأ له ذلك فيستعين بسليقته الشعرية على نظم شيء من الشعر الصحيح، وقد تكون فيه معان جديدة توحي بها إليه بداوته وصفاء قريحته.
ومن شواهد هذا النوع من القريض البدوي الفصيح، بعضُ شِعْرِ الوقداني، ومنه قوله في رثاء أمير مكة الشريف عبد الله بن محمد بن عون:
المُلكُ لله والدنيا مداولة … وما لِحَيٍّ على الأيام تخليد
والناس زرع الفنا والموت حاصده … وكل زرع إذا ما تم محصود
وشعر البادية اليوم وقبل اليوم ينتشر بالواسطة أو بالرواية على التعبير الدقيق، فهو في كيانه وتنقله وذيوعه وانتشاره يشبه شعر العرب الفصحاء قبل ظهور الإسلام، إذ كان له رواة يحفظونه في صدورهم وينقلونه إلى الجماهير بألسنتهم، فَيُحْفظُ عنهم ويُروى جيلًا فجيلا. وهناك رواة للشعر الحميني معروفون.
ويبدو أن شعراء الشعر الحميني في البادية هم حملة مقاليد اللغة بين البادية، فلهم الحق في التصرف في مقاليدها كما تملي عليهم قرائحهم وكما تستدعيه منهم
стр. 1860
الأوزان الشعرية التي يصنعونها، وهم في هذا شبيهون أيضًا بشعراء العرب القدامى.
ولغة الشعر الحميني "بدوية عامية صرف" ومن شواهد هذا تعبيرهم بقولهم: (إليا) في معنى (إذا): (إليا نصيتَ الرَّبع) أي إذا قصدت الرَّبع، فنصا عندهم بمعنى (قصد) ولِنَصا مشتقاتها: (يَنصى) مضارع، و (إنْصَ): فعل أمر، و (ناصيه): قاصِدُه - اسم فاعل وهكذا. ويقولون (لا جالك) والمعنى: (إذا جاءك) ويقولون (بَرضُه) أخذًا من عامية مصر، فإن مصر كانت ذا خلطة قديمة بالحجاز بدوه وحضره.
وفي صيغة (تنصى) بمعنى (تقصد) يقول محمد الجبرتي السُّلَمي:
سلامْ رَديَّهْ وفَى مِن بَالي … تَنْصَى الرجال والمحلَّ الغالي
وفي (إليا) بمعنى (إذا) يقول حبيب بن قليثان السُّلَمي:
سُوَاة الطريدْ الْيَا عطى حاجز المعطوف … على الْجَرَّة اللِّي متبعها تباريها
و (اللِّي) عندهم بمعنى (الذي) ومن شواهد ذلك قول حسين بن هندي السُّلَمي:
يا لِلَّي سَقَيْتَ الأرض من غُرِّ الأمزانْ … يا لِلِّي خَلَقتَ الورشْ في روُس الأفنانْ (١)
وشعراء البادية كغيرهم من البادية يُسَكِنُونَ أواخر الكلمات، وهم يسمون الجواب "ردادًا"، وفي لغتهم كثير مما لا تنطق به العامة في مصر والشام، وفيها كثير من الكلمات المتفرعة من العربية الفصحى الباقية على ما كانت عليه قبلًا، وهذه توارثوها عن أسلافهم، وقد دخلت إلى لغتهم كلمات كثيرة من الأقطار المجاورة أيضًا.
وللحميني بحور ومقاطع يعرفها شعراؤه بالسليقة، كما كان العربي القديم يعرف أوزان شعره ويُجري عليها قصائده بالسليقة.