في ذات يوم دخلت الخنساء على أم المؤمنين عائشة فانشدتها قولها في رثاء أخيها صخر:
ألا يا صخر إن أبْكَيْتَ عيني … فقد أضحكتني زمنًا طويلًا
فقالت لها عائشة: أتبكين صخرًا وهو جمرة في النار؟ فقالت الخنساء: يا أم المؤمنين ذاك أشدُّ لجزعي عليه، وأبعثُ لبكائي، وعُدَّ هذا الجواب من الأجوبة المسكتة.
عمرة بنت مِرْداس السُّلَمية
أخت عباس بن مرداس السُّلَمي، وهي شاعرة مقلة مخضرمة. أمها الخنساء، فعمرة إذن نشأت في محيط مزدهر بالشعر .. أمها شاعرة وأخوها شاعر وعَمَّاها شاعران، وقد أوردت "حماسةُ أبي تمام" أبياتًا لعمرة تعتبر من جيد الشعر، قالت:
أعينيَّ لم أختلكما بخيانة … أَبَى الدهر والأيام أن أتصبرا
وما كُنْتُ أخْشى أن أكون كأنني … بعيرٌ إذا يُنْعَي أُخيَّ تحسرا
ترى الخصم زورًا عن أُخَيَّ مهابةً … وليس الجليسُ عن أُخيَّ بأزورا
وهكذا سلكت عمرة في رثائها الحزين الجميل الأسلوب والمعبر عن عواطفها - مسلك والدتها واخوتها في الرثاء - ومن يشابه "أهله" فما ظلم.
ويقول بروكلمان: إن عمرة بنت الخنساء ورثت عن أمها ملكة الشعر، وإن بعض أشعار عموة بقيت في ديوان أمها (١).
ولعمرة أخ اسمه يزيد، كان قد قَتَلَ قيس بن الأسلت في بعض حروبهم، فطلبه بثأره هارونُ بنُ النعمان بن الأسلت، حتى تمكن من قتله، فقتله بقيس بن أبي قيس وهو ابن عمه، فقالت عمرة ترثي أخاها يزيد: (أعيني لم اختلكما بخيانة) الأبيات الثلاثة المتقدمة آنفًا .. ولها فيه مرثية أخرى تقول فيها:
أَجَدَّ بنُ أُمِّيَ أنْ لا يؤوبا … وكان ابنُ أُمِّيَ جَلْدًا نجيبا
стр. 1857
وعندما مات أخوها عباس بن مرداس بالشام سنة ١٦ هـ قالت ترثيه:
لِتَبْكِ ابْنَ مِرداسٍ على ما عراهم … عَشِرَتُهُ إذ حُمَّ أمْسِ زَوَالُها
لدى الخصم إذ عند الأمير كفاهمو … فكان إليها فَضْلُها وحلالُها
ومعضلةٍ للحاملين كَفْيتَها … إذا أتهَلَتْ هُوجَ الرياح طِلَالُها
ولها قصيدة بائية ذكرت فيها الأقيصر بن نشبة الذي مات صغيرًا، وتعرض لأخيها: شداد، لأنه كان شامتًا بموته، وقد جاء فيها قوله:
مَن مُبلِغٌ عنِّي فُلانًا رِسَالَةً … فمَا أنْتَ عن قَوْلِ السِّفاهِ بمُعتَبِ (١)
وقد رثت عمرة ابنة مرداس، أباها مرداس بن أبي عامر، وكان يقال له (الفيض) لفرط سخائه، تقول عنه فيها:
و (الفَيْضُ) فينا شهاب يُسْتَضَاءُ به … إنَّا كذلك فينا تُوَجُد الشُّهبُ (٢)
وتوفيت عمرة سنة ٤٩٩ هـ (٣).
حبيبة بنت الضحَّاك السُّلَمية
الضحَّاك هو أبو سفيان السُّلَمي، وهي شاعرة من شاعرات العرب، وكانت تحت العباس بن مرداس المولود في عهد النبي ﷺ على قول صاحب كتاب "شاعرات العرب" فعلمت حبيبة بإسلامه فغضبت وارتحلت وقالت قصيدة تؤنبه منها:
ألم ينه عباسَ بن مرداس أنني … رأيت الورى مخصوصة بالفجائع
ثم قالت له:
لعمري لئن تَابَعْتَ دين محمد … وفَارَقْتَ إخْوَان الصَّفا والصنَّائعِ
لَبَدَّلْتَ تنك النَّفْسَ ذُلَّا بعزِةٍ … غداة اختلاف المُرهْفَاتِ القواطعِ (٤)
стр. 1858
شاعرة سُّلَمية غير مسماة
هذه شاعرة سُّلَمية لم نقف على اسمها، وقد ذكرها ثعلب في مجالسه بسنده قال: أخبرني أبو الزبير ثابت بن عبد الرحيم قال: أنشدتني امرأة من بني سُلَيْم:
وإن امرأ أمسى ودون حبيبه … سواسٌ فوادي الرَّسِّ والهميان
لمعترف بالنَّأيِ بعد اقترابه … ومعذورة عيناه بالهملان
فما ريح ريحان بمسك بعنبر … برند بكافور بِدُهنة بان
بِأطْيَبَ من ريا حبيبي لو أنني … وجدتُ حبيبي خاليًا بمكان (١)
وقد أورد "لسان العرب" البيتين الأولين في مادة (سوس) وعزاهما لثعلب، وقال عن "سواس": موضع: واستشهد بالبيت الأول عن ذلك.
قلت: ويوجد في بني سُلَيْم شاعرات ونساء أخريات كثيرات لهن ذكر في التاريخ العربي لا يتسع المقام بالسرد المطوَّل عنهن، ومن أراد المزيد فليرجع إلى مجلدات ١، ٢، ٤، ٥ من كتاب "أعلام النساء في عالمي العرب والإسلام" للأستاذ الجليل والمؤرخ العربي السورى رضا كحالة.
стр. 1859
شعراء الشعر (الحميني) أو النبطي من بني سُلَيْم في المملكة العربية السعودية
عقد الأستاذ خير الدين الزركلي في كتابه: (ما رأيت وما سمعت) فصلًا خاصًّا بشعر الْبُدَاةِ، ويقول عن هذا الشعر البدوي: إنه مختلف في لغته وأورانه عن الشعر الصحيح أو القريض، وقال عنه: (ويسمونه "الحميني" ولم أعلم اشتقاق هذه اللفظة ولا أصلها).
وأضاف إلى ذلك قوله: "ويُسَمُّونَ المساجلة بين الشاعرين منهم: "قصيدًا". كما يسمون القصيدة الطويلة أو القصيرة "نشيدًا"، ويسمون القصائد على الإطلاق: "مَجَالِسِيَّات"، ويعرف عندهم اللغز باسم: "الغبوة".
وهم يقولون للشاعر إذا أحسن: "صح لسانك" بدلا من قول العرب الأقدمين للشاعر الْمُجيِد: "لا فض فوك".
وقلَّ من شعراء البادية من يتفق له أن يتلقى في صغره شيئًا من مبادئ علوم العربية، أما من تهيأ له ذلك فيستعين بسليقته الشعرية على نظم شيء من الشعر الصحيح، وقد تكون فيه معان جديدة توحي بها إليه بداوته وصفاء قريحته.
ومن شواهد هذا النوع من القريض البدوي الفصيح، بعضُ شِعْرِ الوقداني، ومنه قوله في رثاء أمير مكة الشريف عبد الله بن محمد بن عون:
المُلكُ لله والدنيا مداولة … وما لِحَيٍّ على الأيام تخليد
والناس زرع الفنا والموت حاصده … وكل زرع إذا ما تم محصود
وشعر البادية اليوم وقبل اليوم ينتشر بالواسطة أو بالرواية على التعبير الدقيق، فهو في كيانه وتنقله وذيوعه وانتشاره يشبه شعر العرب الفصحاء قبل ظهور الإسلام، إذ كان له رواة يحفظونه في صدورهم وينقلونه إلى الجماهير بألسنتهم، فَيُحْفظُ عنهم ويُروى جيلًا فجيلا. وهناك رواة للشعر الحميني معروفون.
ويبدو أن شعراء الشعر الحميني في البادية هم حملة مقاليد اللغة بين البادية، فلهم الحق في التصرف في مقاليدها كما تملي عليهم قرائحهم وكما تستدعيه منهم
стр. 1860
الأوزان الشعرية التي يصنعونها، وهم في هذا شبيهون أيضًا بشعراء العرب القدامى.
ولغة الشعر الحميني "بدوية عامية صرف" ومن شواهد هذا تعبيرهم بقولهم: (إليا) في معنى (إذا): (إليا نصيتَ الرَّبع) أي إذا قصدت الرَّبع، فنصا عندهم بمعنى (قصد) ولِنَصا مشتقاتها: (يَنصى) مضارع، و (إنْصَ): فعل أمر، و (ناصيه): قاصِدُه - اسم فاعل وهكذا. ويقولون (لا جالك) والمعنى: (إذا جاءك) ويقولون (بَرضُه) أخذًا من عامية مصر، فإن مصر كانت ذا خلطة قديمة بالحجاز بدوه وحضره.
وفي صيغة (تنصى) بمعنى (تقصد) يقول محمد الجبرتي السُّلَمي:
سلامْ رَديَّهْ وفَى مِن بَالي … تَنْصَى الرجال والمحلَّ الغالي
وفي (إليا) بمعنى (إذا) يقول حبيب بن قليثان السُّلَمي:
سُوَاة الطريدْ الْيَا عطى حاجز المعطوف … على الْجَرَّة اللِّي متبعها تباريها
و (اللِّي) عندهم بمعنى (الذي) ومن شواهد ذلك قول حسين بن هندي السُّلَمي:
يا لِلَّي سَقَيْتَ الأرض من غُرِّ الأمزانْ … يا لِلِّي خَلَقتَ الورشْ في روُس الأفنانْ (١)
وشعراء البادية كغيرهم من البادية يُسَكِنُونَ أواخر الكلمات، وهم يسمون الجواب "ردادًا"، وفي لغتهم كثير مما لا تنطق به العامة في مصر والشام، وفيها كثير من الكلمات المتفرعة من العربية الفصحى الباقية على ما كانت عليه قبلًا، وهذه توارثوها عن أسلافهم، وقد دخلت إلى لغتهم كلمات كثيرة من الأقطار المجاورة أيضًا.
وللحميني بحور ومقاطع يعرفها شعراؤه بالسليقة، كما كان العربي القديم يعرف أوزان شعره ويُجري عليها قصائده بالسليقة.
стр. 1861
ويبتدئ شعراؤهم شعرهم الحميني بمقياس معروف لديهم، فيقولون قبل أن يبدأوا في نظم القصيدة: (يا لا لا لا لا للي، لي لا لا لا لا للا) أو ما يتفق مع النغم الذي يريد الشاعر البدويُّ أن ينظم القصيدة فيه، ومن ثم يرتجل قصيدته، فلا يختلف فيها البيت عن الآخر ورنا وقافية، وإنما دليله الوحيد هو النغمُ الذي تَفَوَّةَ به واللالاتُ التي نَطَقَ بها مقدمًا ليس غير.
وإذا برع أحدهم في شعر الحميني فقد لا يحتاج إلى تقديم (اللالات) هذه فيما ينظم، يكتفي بسليقته ودرايته على قول الشعر بمقتضاها وعلى مقياها ذوقيا وسليقيا، فيأتي شعره موزونًا على الاوزان المصطلح عليها لديهم فيه كما أراد تمامًا.
وشعراء البادية أقرب إلى الطريقة الإفرنجية في أوران شعرهم؛ لأنهم يعتمدون على المقاطع وهي كالأسباب في عروض الشعر العربي، ويدل على هذا أنهم لا تكاد تمر بهم كلمة ذات ثلاثة حروف متحركة إلا سَكَّنُوا أحدها، فليس في شعر هم (متفاعلن) ولا (مفاعلتن).
وطريقة الأخذ بالمقاطع هي الشائعة في شعر أكثر اللغات وفي شعر جميع لغات أوروبا مثل الإنجليزية والفرنسية والألمانية وغيرها.
وخلاصة القول في أوران الحميني أن شعراءه يشبهون شعراء العرب قبل وضع العروض وذلك بإخراجهم القصيدة متساوية مع المطلع، وميزان الشعر الحميني يتركز في المقاطع: (لا لا لا)، وتَسكينِ المتحرك، ومَدُّ أحد المتحركين كثير في شعرهم.
ولهم أسماء لبعض أنواع الشعر الحميني: فيسمون (المجرور) لما يلتزم فيه الشاعر (التسميط) مثل قول أحد شعراء البادية حين اضطرمت نار الحرب بين العرب والأتراك في أيام النهضة حيث تحصن الأتراك في جبل عكابة (جبل حول الطائف) وأخذ العرب يرمونهم من (شَرَقْرَق) وهو جبل حول الطائف، ومن (شُبرَةَ) حتى أزالوهم عن مواقعهم:
عكابة رموك. من شرقرق وشبره. ببندف ميازر
لا والله فتك فيك. تظلين عبره. لكل النواظر
والبندق هنا بمعنى الرصاص.
стр. 1862
وبالجملة فإن أوزان الشعر الحميني تشبه أوزان شعر العامة في مصر والشام، فهي كالزجل والمعنَّى والقراديات، فكلاهما معتمد على المقاطع.
وهناك اختلاف دقيق بين الشعر الحميني لدى البادية ولدى الحاضرة، فشعر البادية فيه وعورة على فهم الحضري، وشعر الحاضرة قريب من لغتهم، ومن أمثلة تمايز الشعرين في الأسلوب واللهجة قول زيد بن هويشل من (نشيد):
الظَّفِرْ (١) لابُدَّ من صغره يبين … ظَفِرْ، ويكرم سبال الغانمين
كل قالات (٢) الرجال الْهَا فَطِينْ … قبل ما يبلغ من الأعوام عشرين
وقول الشريف عبد الله بن محمد بن هزَّاع من (نشيد) أيضًا:
آه من قلب تَعَنَّى وانقسمْ … أتعب الأعْيانْ واغْداني سَقيمْ (٣)
في هوى من فاق حُسْنُهْ واستتم … فاق جمع الْخُودْ لم جالُهْ حتيم (٤)
ومن شعر الحميني (الرّدَّح) وتسميه قبيلة هُذَيلٌ "الرَّجَزَ" (وكلاهما بفتح أوله وثانيه) وهو في عرفهم أن يسير جمع من الناس أو يصطفوا وقوفًا يتوسطهم شاعرهم، فيبدأ بالآلات ثم يرتجل البيت من الحميني، فيعيدونه جميعًا هازجين، ويستمر ويرتجل حتى ينتهي من (نشيده) أي قصيدته (٥).
وبعد، فقد قدمنا ما سبق، ليستبين على ضوئه حقيقةُ شعر الحميني السُّلَمي وألوانه، وهو الشعر الذي عقدنا له هذا الفصل وذكرنا ما أمكننا ذكره من شعرهم وشعرائهم فيه.
حبيب بن قليشان السُّلَمي
هو من شعراء الشعر النبطي، من بني نَوَالٍ إحدى بطون بني سُلَيْم الموجودة اليوم في ديارها في أعالي الحجار، بين الحجار ونجد.
стр. 1863
توفي حبيب قبل نحو ٩٠ عامًا، واسم (حبيب) الذي سُمِّي به، هو اسم قديم في بني سُلَيْم: سَمُّوا به في الجاهلية وصدر الإسلام وضحاه، وقد مر بنا في فصل: (أمراء وزعماء ومحتسبون وفرسان وقادة وولاة وموظفون من بني سُلَيْم)، اسم (نبيشة بن حبيب السُّلَمي) ومر بنا في فصل (العلماء السُّلَميين) (عبد الملك بن حبيب) ومر بنا اسم (يربوع بن حبيب) الذي هو أيضًا عُتبة بن فُرقد السُّلَمي في فصل (صحابة من بني سُلَيْم)، ومر بنا اسم (حبيب بن ربيعة) في ذلك الفصل أيضًا.
يقول حبيب بن قليشان النوالي السُّلَمي يصف سيره على راحلته السَّبُوق وقد قابلته (دَوْرِيَّةُ) (*) عساكر الترك واستجوبوه، فأفادهم بأنه حامل بريد رسمي كلفة الحاكم - أمير مكة - بإيصاله، فلم يصدقوه وهددوه بالقتل فما خاف منهم، ثم تركوه ومضى لسبيله حتى أدى مهمته كما يجب.
أقوله وأنا طرقي مع الديره اللِّي خُوفْ … على وَسْقْ (١) هِجْنٍ شائباتٍ مقاريها
لِيَا (٢) حثها المشعابْ تسبق عام الشَوُفْ … تذاري كما اذَّارَى الهائبْ يراعيها
سُواة الطريد (٣) الْيَا عَطَى حاجز المعطوف … على الجُرَّةَ (٤) اللِّي تبعها بتاريها
ذبْحها الظَّما والجوعْ وألْحقتها الماحوفْ … ولا غير أواريها ولا غير لا أداريها
نَصَانِي (٥) عساكرْ خيلْ وأرسانهن أقوفْ … مع الوادي اللي نَبْ ساله يواليها
وقالوا: وِشَ انْتْ؟ وقلت: أنا واحد مكلوفْ … مكلفني الحاكم مكاتيب أوديها (٦)
وقالوا: تموتْ! وقلت: ما أنتم سلوك الموتْ … ونفسَ الْبِنَادِم (٧) علمها عند واليها
стр. 1864
مطلق بن عُضَيْبٍ المطرودي النوالي السُّلَمي
أحد شعراء الشعر النبطي من بني سُلَيْم، توفي قبل نحو ٨٠ عامًا، ومن شعره النبطي أو العاميِّ قوله يخاطب الشريف عون الرفيق باشا إبان إمارته على مكة فيما يتعلق بالعناية ببني سُلَيْم:
قال النَّوالي (١) واق (٢) عالي البتيلِ (٣) … في رأس ضلع السليم ضلع طويلِ
في المرقب اللِّي ما بداه الذليلِ … واللي عن المقسوم روحه مداريه
مطلق بدع (٤) زين اللحن ثُم غنَّاه … قاف (٥) كلما در الْبِكَارْ المُعَفّاهْ
ولا كما ذوب العسل من خلاياه … ذوب العسل جني النحل من مشاريهْ
ولَا بِيّهْ (٦) إلا مرهفات النحايلْ … ومسلب (٧) تكلم بها كل عائل (٨)
نبيعها من خوف قيل لقايلْ … كم مقلَدٍ (٩) من صدر راعيه نرميه
ولا بِيَّهْ إلا ناعمات الودايا … اللِّي عليها عاكفين البنايا
كم واحدٍ خلت عياله قوايا … جريدهمن الخضر يبست علاويه
ولابِيّهْ إلا الْقُود (١٠) عوج العراقيب … اللِّي على عضمانها يَتعَب الذِّيب
واللِّي بقى منهم نشيله مصاويب … كم فارت بروحْ وفقراء تخليه
ولابِيّهْ إلا ناطحين المعازيب … فأوساقها يَقْدَوْنها (١١) بالمشاعيب
إما نكيفة (١٢) توم وإلا مغاييب … وإلا طُرَيْقي يبي (١٣) من يعشِّيه
واللِّي يحط البيت من فرع الأبيات … كيف يتهنى فيه ويقيم ويبات
وهم ليا جو يأخذونه بالأنعات … يلقى عليه الدرب ولا مُغَبِيهْ
ولا بِيَّهْ إلا إن كان جونا لساير … بيناتهم سُواة شط الذخائر
стр. 1865
وهم يبون افْكَاكَهَا بالبصائر … وهم لهم بيتٌ على الدرب نبنيه
مبني على فنجال وابْهَارَهْ الهيلْ … لنجو ضحى وإن كان لافين بالليل
واليوم ما نلقاه يا حَيْل أبالحَيْلْ … عَدَمْتْ تكاليفه وعَدْمًا أوانيه
ولابِيَّهْ إلا حال أميرَ القبيلهْ … من حال صابه ما معي فيه حيله
غاوي كما تغدي شباة النحيلهْ … لا منتحي روحيه ولا قادر انتحيه
يا (عون باشا) دونك أربع قبائلْ … لنا يَرمون (١) الشّرَكْ (٢) والحبائلْ
حَطُّ لَنَا عَلى دُرُوبَكْ دلائلْ … نَبِي المُواجَهْ ميرْ ما نقدر انجيه
وقال (العلاوي): لي عليهم قديمه … قرشين فوق المصبحه والمقيمه
إخلاف ساير (٣) لوما هي غنيمه … لوحق ما أنكرته ولا أنكرت راعيه
لِنْ جيت (٤) أطْلِعْ (٥) يَمْ سيدي شكيَّه … دونه مراقص خيل وملاحِميَّهْ
وأحْرَابْ دونَهْ، وقومْ لَظِيَّهْ … تحُولْ من دونه وتَقْصُرْ بباغِيهْ
وإنْ كانْ رُحْنَا للبنادر مَسافير … رحنا على حد الحداد السواطير
في ديرة الدُّولَهْ، وحرب المناعيرْ … واللِّي ذبحنا، له دلائل تَقَديَّهْ
محمد الجبرتي السُّلَمي
يسمونه "الشاعر الكبير"، وهذه أبيات متفرقة من شعره النبطي، ويلاحظ أنه أقرب إلى أوزان الشعر العربي المعروفة قديمًا، وأقرب في تعابيره إلى تعابير اللغة العربية الفصيحة، يقول:
سَلَامْ عَلَيْكُمْ من كبير الجباريت … من الهاجس اللِّي فيه بايع وشاري
وأنا حاكم الشُّعَّار (٦) حكم … كما الصقر يوم أنَّهْ يحكم الْحَبَاري
والبيتان السابقان يدلاننا على مدى اعتزاز محمد الجبرتي السُّلَمي بشاعريته بين قومه، كما يدلاننا على بلاغته في الوصف وإبراز العواطف.
стр. 1866
ويقول:
سلامْ رَديَّة وَفَى مِنْ بالي … تنْصَى (١) الرجال والمحلَّ الغالي
من لَا لُهْ أوَّل لا يجي لُهْ تَالي … لَابُدّ مِنْ يَومْ نَصُفِّ (٢) احسابه
والحي لابد تجي له فَاقَهْ … مثل الحصاهْ اللِّي عَلى المطراقَة
إن طقها رأس الفدم طَقَّاقَهْ … مَنْ طَقَّ بابَ الناس طَقُّوا بَابَهْ
وهو في أبياته الأربعة هذه ينحو نحو الشعر العربي الجاهلي في الحكمة الاجتماعية.
وله يصف لنا كيف سطا عليه (الناموس) - البعوض - ليلًا وحرمه لذيذ النوم حتى أصبح عليه الصباح وهو سهران:
البارحَ النّامُوسْ سَرَّى عَلَيَّهْ … جَاني بقُوَّاتُهْ وقومٍ لَظِيَّهْ (٣)
سَهْرَانْ حتى الصبح تُومي (٤) يَديَهْ … وأصْبَحْتْ من فِعْلِ النواميس سهرانْ
حميد حويمد الجبرتي السُّلَمي
ظفرنا له ببيتين قالهما في (الحكمة الدينية):
العَاجِلَة لمُجَمَّعينَ الحُطامِ … وَالآخِرَة لِلْمَسْكَنَهْ والفُقارا (٥)
ومن لا يصَلِّي ما قُبِلْ له صيامِ … حيث الصَّلاة لكل مسلم شعارا (٦)
عتيق الله عُضيب المطرودي السُّلَمي
نظم هذه القصيدة قبل أكثر من ستين عامًا، ويبدو أنه أخو مطلق بن عُضيب المطرودي الذي سبق ذكره آنفًا:
стр. 1867
قال النوالي بدا في مستقل البتيلْ (١) … في مرقب من صلاة الصبح بادي حَجَاه (٢)
أطري عليَّ نهار فيه الشليلْ … لأعاده الله، نهار، ولا نهار كماهْ (٣)
صاح المصبح ضحى لِمْرَاوْقِينْ الحقيلْ … نادى بصوت شهير كل من قام أحاه (٤)
قلنا: علامك؟ قال: المال جاكم جفيلْ … والمال الآخر تَقَافَى والْمَلَحْ في قفاهْ (٥)
ثم احتزمنا وأخذنا كل سردًا جليلْ … نار الْقَبَسْ في جلبها ماتَعُور الوشاهْ (٦)
نار القَبسْ في جلبها ماتعيز الفتيلْ … وَمَسُلَّبَات هوى الخاطر وغاية مناهْ!
نرمي جدا والشاب وكلَّ لبس ثقيلْ … حتى التحقنا بهم في الصَّمْد (٧) وزن النباهْ (٨)
اللاش يدرق يبي الْفيَّه (٩) وعمرٍ طويلْ … ماحسب إنه على مَدَهْ تجيه الوفاهْ (١٠)
أوصيك يا الِّلي تضم الهرج بنت الذليل … يأتي ولدها كما خاله قليل مزاهْ (١١)
ياليت، ياليت لوما هي التمنّي حصيلْ … قلنا سمعنا لقومانه نهارًا مغزاه
أظن منهم تطيب النفس دون المسيلْ … من دون وادي العمق قدام يقطع وراهْ
وإن كان ما كفاه يلقى الشيخ زادًا جزيلْ … شفناه يرمي بروحه يوم رَبِّي رماهْ
ومُسَلَّب (١٢) مع عياله يكسبون الجميلْ … يعرف حلاهم (١٣) وأنا ما أعرف هذا من هذهْ
стр. 1868
يا روق (١) جا دونكم عَيْزُوم مثل القفيلْ … لكن بأسرع ما أدرجنا عليه الرحاهْ
راعي يبي له مي العواني مقيلْ … حرَّم عليه المقيل إن كان عزَّب نقاهْ
أما يجيبه على سبل النقا والدليلْ … وإلا نجيبه على سبله ودرب عطاهْ
حسين بن هندي السُّلَمي
شاعر سُلَمي معاصر، وشِعْرُهُ مثل معاصريه نبطي، ويمتاز بوضوحه، وهو رئيس قرية الكامل أم قرى المنطقة ومركز الحكم والإمارة.
له من قصيدة نبطية قوية البناء ضمنها نصائح وإوشادات لابنه:
قال:
يا الله طلبناك الهدايَهْ والإيقانْ … يَاللِّي خلقتَ الورشْ (٢) في روس الأفنانْ
يَاللِّي سَقَيْتَ الأرضْ من غُرّ الأمزانْ … يامهجي (٣) الجيعان من كل مشهاهْ
إني طلبتك ستر فوق الرفاقهْ … من هجرة جاتنا على غير فاقهْ
فيها وسيم الحق ماله سياقهْ … وإن كان تطلب حق ما عاد تلقاهْ
مبارك عبد التواب الصادري النوالي الربعي السُّلَمي
شاعر سُلَمي، نبطيَّ الشِّعر، وهو من أوائل من قدموا من ديارهم إلى جُدة، ابتغاء التقدم التجاري والثقافي، ويعتبر الأثريَّ الأول بالنسبة لمواطنيه، لاهتمامه بآثار منطقته قبل غيره وركوبه المشقات في التعرف على تلك الآثار والتعريف بها. قال هذه القصيدة يوصي (حفيده لابنته) خالد أحمد سالم باكواسة الحضرمي بمكارم الأخلاق. وقد ذكر في قصيدته هذه أنه بلغ نحو ٥٠ عامًا ولم يرزق بأبناء ذكور:
стр. 1869
أقول بسم الله في كُل مَجْهاه … وأنا الحبيبْ أهواهْ في كل نيَّهْ
ويقول ابن ثواب وسُهْل ما غابْ … لي جُرحْ دُوبه طابْ وأعادْ فيَّهْ
أعادْ نصفَ الليل هَيْل بلا كليلْ … وأنا ما أحبَّ الميْلْ منِّي وَفِيَّهْ
يا رب عافيني ولا تبتليني … وانت عَوِيني في ضيَان وخَفيَّهْ
إنت شفيت أيوبْ من كل مكروبْ … يا رب يا مطلوبْ رب البريَّهْ
شَافي لي الأجْراحْ والدمَّ سَفاحْ … والصَّبْرْ منِّي باحْ مما عَلَيَّهْ
يا رب وايشْ اقول والقلبْ مهذول … أريدْ منكْ احْلولْ توحي إلَيَّهْ
يا رب أنا محتار وكأنِّي على نارْ … يا عالم الأسرار رب البريَّهْ
يا رب راسي شاب ما أعرفْ الأسبابْ … يَقْلُونْ لي الأصحابْ هاذي عطيَّهْ
يا خَالِدْ أَبْوَصيكْ لا عاش شانيك … أوصيكْ في ديِنَكَ تَراها وصيَّه
وصيةَ القرآن في كل الأزمان … وصَّى بها الديان كل البريَّهْ
أوصيك بأخوانك في طولتْ زمانك … الله معْوانكْ وخُذْ بالوصيَّهْ
إخوانك القصار جَمْرَة مِنَ النارْ … وصيَّةَ القهار أقوى وصيَّهْ
يا خالد أنا أهواكْ وما أشوفك حلياكْ … وحيْات رَبَّ انْشاكْ مالك سويَّهْ
حُبَّكْ هوايَة نابعْ مِن حَشايَهْ … وانْتَهْ مُنايَهْ في الضُّحى والعشيَّهْ
والله ما بَنْساكْ لو طالْ مَشنحاك (١) … ولو عنِّي رُحْتَ في الْحَضْرَميَّهْ
وما أخافْ عني تروحْ والقلبْ مجروح … جَدَّك يا خالد لُه عَلومٍ خَفيَّهْ
يعلم بها الوالي جَوِيدْ الحِبالي … الله لاذالي ويعلمْ ما بيَّهْ
ويا خالدْ الجيران في كُلّ الأزمان … وَصِيَّةَ الرحمن وفي الجاهليَّهْ
أُوْصِيك بُهْ لو جارْ ولو باح الأسرار … أقبل له المعذار ولو جات خَطِيَّهْ
وخيلانكْ السلمانْ ذَرقينْ الايمانْ … هَيهات ويا خيِلانْ فعل وخميَّهْ
أهْل الكرم والشِّعر ذَبَّاحَة النِّمر … تاريخهم يَخبِرْ رَجَالٍ شَفِيَّهْ
стр. 1870
ورَبْعَكْ لا تنساهم ترى ما كماهم … رُدَّ السلامْ وخُصَّهُمْ بالتحيَّهْ
تُجَّارْ محترمينْ في الْحِينْ والحِينْ … اللِّي في حضرموت واللِّي هِنَيَّهْ
ولابد فيه يُقال من بعض الأحوالْ … والناسْ قِيلْ وقالْ فيهم سجيَّهْ
يا خالد احذرهم ولا تَتَّمِنْهُمْ … لابُدَّ ما منهم بَيَانْ وخفيهْ
إحذر من الضحَّاك ولو كان سلَّاك … لابد ما يَدْهَاكْ بأكبرْ دهيَّهْ
يَدَوِّرْ الْغَرَّاتْ في كل الأوقات … حَتَّى يِحَنِّي سَلَّةَ النَّافِعِيَّهْ
واحذْر من المكَّارْ في كل الأقطارْ … تراهْ شَر ونارْ نارُهْ قَوِيَّهْ
ترى الرجال أجناس في جملة الناسْ … فيهم ذَهَبْ وَنْحاسْ على السويَّه
واحذرْ من الشِّيْنِين في الحين والحين … وخَلَّكْ مع الزِّيْنِينْ على السويَّه
والناس فيه تقولْ من غير معقولْ … ويا خالد أنا أقول خالدْ شَفيَّهْ
يا خالد أنا أهْواكْ وحياتْ مولاكْ … واللهْ ماشْ سواكْ عندي هَنيَّهْ
إنْتَهْ حبيبي والله اللِّي رقيبي … وأنته نصيبي في بَيانْ وخفيَّهْ
إنته حياتي دمانته ملجأ بناتي … إذا جاءت وفاتي من لهم يا شفيَّهْ
إذا غبت في مغيابْ وضَوْء القمر غاب … من يُقْري الغُيَّاب في الخرْمْسيه (١)
ويا خالد الضيفانْ من كل الأوطان … عَبِّي لهم دلَّه بها شاذِليَّهْ
وأكثر بِدَقَّ الهيل في الصبحْ والليلْ … في دلالْ صُفْرْ ونِجِرْ هنالك وليَّه
رحِّبْ بهم ياشَب واطلب من الرب … والرَّزَّ صُبَّهْ صَبَّ للألفويَّهْ (٢)
والعودْ والماجودْ ولو كان مَحْدُودْ … وافْتَحْ لهم قَلْبَكْ بزين التحيَّهْ
وكَثِّرِ الترحابْ لالنْ جاكْ غُيابْ … وأقسمْ لِلْغُياب أكثرْ تحيَّهْ
حتى إنْهمْ يَقْلُونْ (٣) في البيت مأمون … وسَهْرَ العُيْونْ ولا يخون الوصيَّه
стр. 1871
وقد نظم مبارك هذه القصيدة في ١٦ المحرم ١٣٩١ هـ.
وقصائد الوصايا للأبناء لها صابقات في قديمِ الشِّعْرِ العربي وحديثهِ.
عثرنا في كتاب: (ما رأيت وما سمعت) للأستاذ خير الدين الزركلي على قصيدة للشريف حامد بن عبد الله: "نشيد" طويل يوصي به ابنه (سعدًا)، ومنها قوله في المطلع:
يقول حامد يوم هَجرس (١) بالغنا … حديثْ أحلي من حليب القود
ويقول:
عسى الله يخَلِّي لي "سعد" يحتضي (٢) بي … لا أستوي في قبرى الملحود
ويبدأ وصيته له فيقول:
أنا أوصيك مني ياسعد واستمعْ لي … افطن ولا تنس وصاة العودْ
أوصيك في أسناع الشكالهْ تفيدها … ترى الشكالة حبلها ممدودْ (٣)
وأوصيك في ضيفك الْيَا جاك حَشِّمُهْ … تَجَمَّلْ ورحّبْ بُهْ على الْماجُودْ (٤)
فوصايا الشريف حامد بن عبد الله لابنه، وحسين بن هندي السُّلَمي لابنه، ومبارك عبد التواب السُّلَمي لحفيده من ابنته هي من هذا النوع من "النشيد"، أي "القصيد" في شعر الحميني الذي هو شعر باديتنا الوحيد اليوم.
ومن وصايا الآباء للأبناء أو أبناء الأخ ومن يشبههم في شعر العرب القُدامى قصيدة نونية وصى بها لبيد ابن أخيه ولم يكن له ولد ذكر، قهو من هذه الناحية يشبه حالة مبارك السُّلَمي حينما نظم قصيدته الثبطية في وصية حفيده لابنته، ومنها قول لبيد في تلك القصيدة يخاطب حفيده لابنته:
وافعل بمالك ما بدا … لك، إن مُعَانًا أو معينا
واعفف عن الجارات وامنحـ … ـهن ميسرك السمينا
стр. 1872
وابذل سنام القدر إنَّ … سواءها دُهْمًا وجونا
ذا القدر أن نَضجَتْ وعجِّـ … ـلْ في قبله ما يشتوينا
إن القدور لواقح … يَحْلْبْنَ أمثل ما رُعيِنا (١)
ويمضي لبيد في وصيته لابن أخيه وذلك عندما شعر لبيد بوطأة الكبر، فيقول في القصيدة ذاتها:
وإذا دفنت أباك فاجـ … ـعَل فوقه خشبًا وطينا
وصفائحًا صُمَّا رَوَا … سيِها يُسَذَدْنَ الغضونا
ليَقِينَ وجه المرء سفا … ف التراب ولن يقينا
ثم اعتبر بثناء رهطك … إذ ثوى جدنًا جينا
وتراجعوا غُبرَ المرا … فق من أخيهم يائسينا
تلك المكارم إن حَفِطْ … ـتَ فلن تُرى أبدًا غبينا (٢)
ومن أجود قصائد الوصايا وأروعها وأمتعها قصيدة يزيد بن الحكم الثقفي معاصر الفرزدق وجرير، وهو يوصي فيها ابنه (بدرًا) بمكارم الأخلاق، ويدله على طرق المجد المؤثل والثناء المستطاب، يقول:
يا بدرُ - والأمثالُ يضربها … لذي اللب الحكيمُ
دُمْ للخليل بِوُدِّهْ … ما خير ودٍّ لا يدومُ
واعرف لجارك حقه … والحق يعرفه الكريمُ
واعلم بأن الضيف يو … مًا سوف يحمَدُ أو يلومُ
والناس مُبْتَنَيانِ … محمود البناية أو ذميم
واعلم بُنَيَّ فإنه … بالعلم ينتفع العليمُ
إن الأمور دقيقها … مما يهيج له العظيمُ
стр. 1873
ويمضي فيقول له:
قد يُقتِرُ الْحَوِلُ التقسُّ … ويكثر الحَمِقُ الأثيمُ
يُمْلَى لذاك ويُبتَلَى … هذا، فأيُّهما الْمَضِيمُ!؟
ويمضي فيقول في ختام وصاياه لبدر ابنه الأثير لديه:
واعلم بأن الحرب لا … يَسْطِيعُها الْمَرِحُ السَّؤُومُ
والخيل أجودها الْمُنَا … هِبُ عند كَبَّتِها الأزومُ (١)
وأعتقد أنه لو تَتَبّع باحِثٌ دواوين الشِّعْرِ العربي القديم لوَجَد الكثيرَ مِنْ هذا النوع من الشِّعر العربي الرصين. (انتهى).
стр. 1874
المراجع
- القرآن الكريم
- العائلة البشرية … إبراهيم رزقانة
- البيان والإعراب للمقريزي … تحقيق: د. عبد المجيد عابدين
- معجم قبائل العرب القديمة والحديثة … رضا كحالة
- قبائل مصر في القرون الثلاثة الأولى للهجرة … د. عبد الله خورشيد البري
- قبائل العرب في مصر … أحمد لطفي السيد
- الولاة والقُضاة … الكندي
- عروبتنا … محمود كامل
- عمرو بن العاص … محمد فرج
- السودان الشمالي … د. محمد عوض
- أنساب قبائل العرب … الحبوني
- الأنساب … السمعاني
- نهاية الأرب … القلقشندي
- البلدان … اليعقوبي
- الخطط … المقريزي
- معجم البلدان … ياقوت الحموي
- العقد الفريد … ابن عبد ربه
- تاريخ الجبرتي … الجبرتي
- مسالك الأبصار في ممالك الأمصار … ابن فضل الله العُمري
- قلائد الجمان … القلقشندي
- سبائك الذهب … السويدي
- جمهرة النسب … الكلبي
стр. 1875
- جمهرة أنساب العرب … ابن حزم
- صبح الأعشى … القلقشندي
- تاريخ الأمم والملوك … الطبري
- تاريخ العبر ومبتدأ الخبر … ابن خلدون
- التعريف … الشهابي
- عروبة مصر … دروزة
- القبائل المصرية … اللواء صلاح التايب
- الدرر الذهبية … محمد أحمد الهاشمي
- وصف مصر - ترجمة زهير الشايب - … أميديه جوبير
- شريعة الصحراء … اللواء رفعت الجوهرى
- العبابدة - دراسة في الاقتصاد الصحراوي … محمد رياض
- أسوان في العصور الوسطى … محمود الحريري
- العبابدة تحت الإدارة المصرية في السودان … د. حمدنا الله مصطفى حسن
- تاريخ السودان القديم والحديث … نعوم شقير
- من زوايا التاريخ السوداني … حسن أحمد خليفة العبادي
- الشعوب والسلالات الإفريقية … محمد عوض محمد
- استقرار البدو في جهات الصعيد … كوثر عبد الرسول
- رحلات في بلاد النوبة … بوركهارت
- في بلاد العبابدة … سمير خواسك
- أحوال السودان الاقتصادية تحت الإدارة المصرية … نسيم مقار
- التطور الاقتصادي والاجتماعي في السودان … د. حمدنا الله، مصطفى حسن
- مصر والسودان … محمد فؤاد شكري
- برقة قديما وحديثا … محمد الغزالي
- برقة العربية أمس واليوم … محمد الطيب بن أحمد بن إدريس
стр. 1876
- معجم سكان ليبيا … خليفة محمد التليسي
- العربان ودورهم في المجتمع المصري … د. وفاء عامر
- سياسة محمد علي تجاه العربان … ليلى عبد اللطيف
- تطور الملكية الزراعية في مصر … علي بركات
- المعربون المحدثون (وصف مصر) … دي شايرول
- ريف مصر … مارتان
- رحلة العياشي المغربي … العياشي
- الحملة الفرنسية … جومار
- الخطط التوفيقية … علي باشا مبارك
- بدائع الزهور … ابن إياس
- المعجم الجغرافي … محمد رمزي
- الكنز الثمين لعظماء المصريين … فرج سليمان فؤاد
- مروج الذهب … المسعودي
- تاريخ قبائل العرب … ماك مايكل
- دراسات في التاريخ الاجتماعي لمصر … بيير
- صفة جزيرة العرب … الهمداني
- تاريخ العرب قبل السلام … د. جواد علي
- العمدة … ابن رشيق
- لسان العرب … ابن منظور
- الأغاني … الساسي
- معجم ما استعجم … البكري
- سيرة النبي ﷺ … ابن هشام
- الأغاني … الأصفهاني
- كرام العرب … هزاع الشمري
стр. 1877
- جمهرة الأمثال … العسكري
- معارك الإسلام الفاصلة … محمد أحمد باشميل
- المغازي … الواقدي
- معجم القبائل السعودية … حمد الجاسر
- مجلة العرب السعودية … حمد الجاسر
- مرآة جزيرة العرب … أيوب صبري باشا
- التعليقات والنوادر للهجري … تحقيق حمد الجاسر
- رحلة عبر الجزيرة … سعود بن جمران
- أصدق الدلائل في أنساب بني وائل … ابن عبَّار
- مجاري الهدية … الشيخ راشد بن فاضل آل بن علي
- مخطوط تاريخ آل بن علي العتوب … الشيخ راشد آل بن علي
- تاريخ العتوب … منى غزال
- الطبقات … ابن سعد
- الأنساب … السمعاني
- بنو سُلَيْم … عبد القدوس الأنصاري
- الارتسامات اللطاف … شكيب أرسلان
- الرحلة اليمانية … عبد المحسن البركاتي
- أسماء جبال تهامة وسكانها … لعرَّام بن الأصبغ السلمي
- الأمكنة والمياه … الزمخشري
- بلاد العرب … الأصفهاني
- وفاء الوفاء … السمهودي
- معجم الشعراء … المرزباني
- الأعلام … الزركلي
- الكامل … المبرَّد
стр. 1878
- الاستيعاب … ابن عبد البر
- تهذيب التهذيب … ابن حجر العسقلاني
- تاريخ بغداد … الخطيب البغدادي
- الدرر الكامنة … ابن حجر العسقلاني
- معجم المؤلفين … رضا كحالة
стр. 1879
لمحة تاريخية عن بني سُلَيْم في الدولتين الأموية والعباسية وانتقالهم للدولة الفاطمية
في عهد الدولة الأموية أهم الأحداث التي مرت ببني سُلَيْم هي عدم اعترافهم بمروان بن الحكم الأموي، وقد نشبت حروب وفتن حينئذ قتل منهم عدد كبير، وقد استقر قسم منهم بعد هذه الأحداث في غرب الجزيرة، وسمح لمائة أسرة بالرحيل إلى مصر، وبهذلك لبعض الأُسَر للرحيل إلى حمص بسوريا عام ١٠٩ هـ - ٧٢٧ م، ولما أن سُلَيمًا كانت بادية وعندهم عدد كبير من الخيل الصافنات الجياد وليس في بلادهم في الحجاز إلَّا قليلًا من زرع أو تجارة أو شيء من هذا القبيل يشغلهم، فقد اشتهروا بالاعتداء على الحجاج ونهبهم، واشتركوا في حوادث سلب للتجار في طرق القوافل القادمة لبلاد الحجاز، وهاجموا المدينة المنورة ونهبوا وسلبوا منها، وأبرز حادثة سجلها التاريخ كانت في عام ٢٣٠ هـ/ ٨٨٤ م في عهد الدولة العباسبية، وكانت كتائب الجيش تُرسل من بغداد عاصمة بني العباس إلى المارقين من سُلَيْم لتأديبهم بالقتل والأَسر دون جدوى.
وعند ظهور القرامطة في البحرين والإحساء سارع معظم سُلَيْم وبعض هَوَازِن إلى مناصرتهم بغضًا وكرهًا للعباسيين في بغداد، وقد صاروا جنودًا وأعوانًا لأبي الطاهر وبنيه أمراء البحرين، ثم صاروا معه في عُمان وبلاد الخليج وتحالفوا وقتئذ مع (بني عُقَيْل) ابن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن، ثم لما انقرض أمر القرامطة تغلَّب بنو سُلَيْم على نواحي البحرين لما أنهم على دعوة القرامطة (الشيعة)، وفي أيام بني بويه في فارس ظهر بنو الأصفر من تَغْلِب وتغلبوا علي بلاد البحرين وما حولها بدعوة العباسية، ثم تحالف بنو الأصفر مع بنِي عُقَيل علي بني سُلَيْم وطردوهم من البحرين وما حولها من المواضع، فدبَّت الفوضى والاضطراب بينهم وتشتت أمرهم لما أن القرامطة قد انتهت دعوتهم، وقد استَعْدُوا بني العباس عليهم لميلهم لهؤلاء القرامطة الذين شقوا عصا الطاعة، وكان ذلك إيذانًا بعهد الشقاء الذي عاناه بنو سُلَيْم من سكان الجزيرة العربية، وهذا كان في الربع الأخير من القرن الرابع الهجري، وتفرَّق بنو سُلَيْم بعضهم ظل في بلاد الخليج والإحساء، وبعضهم ظل في ديار سُلَيْم وهم القلة، وأما معظم بطون سُلَيْم فقد قرروا مغادرة الجزيرة العربية إلى مصر بعد أن رغَّبهم الفاطميون في ذلك، وحذا حذوهم بنو هلال بن عامر ومن تبعهم من
стр. 1880
بعض البطون من هَوَازن مثل جُشَم، وعدي، وثور، وسَلُول، وعُقيل. ومن قَيْس عَيْلان قبائل مثل: طَرود (بني فهْم)، وعُدوان، وأَشْجَع، وفَزَارة، ورواحة إلى جانب بعض عَنَزة (ربْيَعة) وبعض عُقبة (جُذَام) وبعض مذحِج وهم (المْعقِل) (١).
وعند قدومهم على حدود مصر التابعة للخلافة الفاطمية لم تجد هذه القبائل البادية ترحيبًا، بل كان الفاطميون أشد بأسًا من العباسيين؛ وقد وجهوا عساكرهم وهزموا تلك القبائل لما تعانيه حيتئذ من الإحباط وانخفاض الروح المعنوية، فقد وجدوا العبيديين (الفاطميين) أشد قسوة من بني العباس الهاشميين، وأخضعوا للدولة الفاطمية وأوامر الخليفة العبيدي في القاهرة والذي أمر بإسكان هؤلاء البدو المشاغبين في مصر العليا (بلاد الصعيد)، وضاق أمر البلاد منهم ففكر وزير الخليفة الفاطمي "المستنصر بالله أبو تميم" وكان اسمه أبو محمد حسن اليازوري أن يضرب عصفورين بحجر واحد، أولًا يتخلص من هؤلاء البدو الذين باتوا مشكلة مستعصية في ربوع البلاد، وثانيًا وهو الأهم أن يضرب عدوه الأول المعز بن باديس، فأوعز للخليفة الفاطمي بدفع هؤلاء إلى اقتحام بلاد تونس والمغرب الأوسط، والانتقام من ابن باديس وبني جير من قبائل صنهاجة (البربر) ومن والأهم من قبائل زناته (البربر) والذين استقلوا بحكم تونس وأغلب المغرب الأوسط (الجزائر)، وقد خلعوا بيعة الخلافة الفاطمية وخطبوا باسم العباسيين واتخذوا السواد شعارًا لهم وهو شعار الخليفة العباسي في بغداد، وفي عام ٤٤٢ هـ - ١٠٥١ م استعدت قبائل هلَال ومن تَبعها باقتحام بلاد تونس الخضراء، وقد أجازهم الخليفة وأعطى لكل رجل دينَارًا وأمدهم بالإبل والزاد اللازم، ووعدهم بحكم بلاد المغرب إذا هم أفلحوا في إخضاع الخارجين على طاعته من صنهاجة وزناته، وبعد فترة وجيزة تجهَّزت بنو سُلَيْم (٢) لدعم الهلالية بعد أن رغّبهم من سبقوهم هنالك بوفرة خيرات هذه البلاد، وقد اقتحموا في إثرهم بلاد برقة وطرابلس وجنوب تونس بعد أن فَرَضَ الخليفة الفاطمي على كل رجل بعير ودينارين، وبذلك أخذ ضعف ما دفعه سابقًا للقبائل في الموجة الأولى، وقد أباح
стр. 1881
لهم جواز النيل، وقال لهم كما قال لبني هِلَال من قبلهم: "قد أعطيتكم المغرب ومُلك المعز بن بلكين الصنهاجي العبد الآبق فلا تفتقرون".
قلت: العبد الآبق كما يقال الولد العاق، وكتب وزير الخليفة إلى الملوك في المغرب موجهًا رسالته لهم قائلًا فيها:
"فلقد أنفذنا إليكم خيولًا فحولا وأرسلنا عليها رجالًا كهولا ليقضي الله أمرًا كان مفعولا".
وقال ابن خلدون: كانت قبائل هِلَال ومن تبعها قد دخلوا إلى إفريقيا كالجراد المنتشر لا يمرون بشيء إلا أتوا عليه، وأظهروا الفساد في الأرض ونادوا بشعار الخليفة الفاطمي، وقد حشدت لهم صنهاجة وزناته نحو ثلاثين ألفًا، وقبل القتال انحاز عرب الفتح إلى الهلالية ومن معهم من سُلَيْم وكانوا ثلاثة آلاف فارس، وقد كانت من أوائل الوقائع بين البربر وعرب هِلَال وسُلَيْم (١)، وكانت الدائرة والهزيمة على المعز وجيشه، وفر بنفسه ونهبت العرب مخلفه من المال والمتاع والفساطيط والرايات، وقتلوا من البربر ما لا يحصى؛ وقال ابن خلدون: إن عدد قتلى صنهاجة وحدها ثلاثة آلاف وثلاثمائة خلاف قتلى زناته، وبعد هذه الوقعة قال علي بن رزق الرياحي (بني هِلَال):
لقد زار وهنًا من أميم خيال … وأيدي المطايا بالزميل عِجال
وإن ابن باديس لأفضل مالك … لعمري ولكن ما لديه رجال
ثلاثون ألفًا منهم قد هزمتهم … ثلاثة آلاف وذاك ضلال!
ثم قال ابن خلدون:
إن العربان من هِلَال نزلوا بالقيروان وحاصروها طويلًا، وهلكت الضواحي والقرى بإفساد العرب وعبثهم، وكثر النهب واشتد الحصار وفرَّ أهل القيروان (٢) إلى سوسة (٣) وعمَّ العبث في البلاد، ودخلت هذه القبائل عام ٤٤٥ هـ إلى تلك
стр. 1882
المواطن وأحاطت زُغبَة ورياح الهلالية بالقيروان، ونزل مؤنس من آل زيري (صنهاجة) في ساحة البلد وفر منها القرابة والأعوان، فتولى العرب على قابس والقيروان، ثم ملكوا بلاد قسنطينة (الجزائر حاليًا) كلها، وغزا عامل بن أبي الغيث زناته ومغراوة واستباحهما ورجع، واقتسمت العرب بلاد إفريقية في عام ٤٤٦ هـ فكان لزُغبة الهلالية طرابلس الغرب وما يليها، ورياح الهلالية باجة وما يليها (باجة في تونس)، ثم لما كثرت بطون سُلَيْم في إثر الهلالية اقتسموا البلاد ثانية؛ فكان للهلالية من تونس إلى ناحية الغرب داخل (الجزائر)، وكان لبطون سُلَيْم من جنوب تونس إلى ناحية الشرق (ليبيا)، ثم تفرقت بطونهم في إفريقيا وفَلَتَ وتصرَّم المُلك من المعز بن بادس، وتغلب عائد بن أبي الغيث على مدينة تونس وسباها، وملك أبو مسعود الرياحي أحد شيوخ هلال مدينة عنَّابة على ساحل الجزائر الشرقي مقابل الصلح مع المُعز، وقد صاهر المعز ببناته الثلاثة من أمراء العرب وهم فارس بن أبي الغيث وأخاه والفضل بن أبي علي المرداسي من رياح (الهلالية)، ثم قدم ابنه تميم بن المعز إلى المهدية في تونس عام ٤٤٨ هـ، ثم بعدها بعام بعث إلى أصهاره من العرب وترحَّم بهم في القيروان، فأخبرهم المنصور بخبر أبيه فساروا إلى بلاد السودان، وقد دخلت العرب المهدية ونهبوها وقد قضوا على صنهاجة تمامًا في تونس، ثم توجهت تلك القبائل إلى حرب زناتة وصنهاجة في بلاد المغرب الأوسط (الجزائر)، وهبَّ صاحب تلمسان من أعقاب محمد بن خزر لمقاومة الهلالية فأرسل جيوشه مع وزيره أبي سعدى خليفة اليفرني الزناتي، وكانت له مع فرسان بني هلال ملاحم طويلة ومعارك دامية حتى هزمه بنو هلال وقتلوه، واضطرب أمر إفريقيا وخرب عمرانها وفسدت سابلتها، وقد قهروا صنهاجة وزناته (البربر) وأصاروهم عبيدًا وخدمًا في باجة بتونس بعد أن كانوا ملوكًا على تلك النواحي، وسوف نُفصَّل شيئًا عن فرسان بني هلال المذكورين لعهد دخولهم إفريقيا في السرد عنهم.
وقفة مع التاريخ
رغم وجود سلبيات في الغزوة الكبرى لعربان هِلَال وسُلَيْم لبلاد المغرب (*)
стр. 1883
في منتصف القرن الخامس الهجري، إلا أن قدوم هذه القبائل إلى ربوع هذه البلاد الإسلامية كان ذا أثر عميق في كيان بلاد المغرب من الناحية الاجتماعية والسياسية، وقد ظل هذا التأثير مستمرا في هجرة السكان من البربر والعرب فترة طويلة، وقد أحدثت موجات قبائل سُلَيْم وهِلَال وأتباعهم من بعض بطون العرب من نجد والحجاز الانقلاب الجذري الذي غير مظهر شمال إفريقيا من حيث الاقتصاد والسلالات والسلوك الاجتماعي والنظام السياسي، وقد كانت في بلاد المغرب بعض بقايا عرب الفتح وهم خليط من قبائل قحطانية وعدنانية قبل زحف جحافل سُلَيْم وهِلَال في عام ٤٤٢ هـ، وكان هؤلاء العرب يُسمُّون "المرابطين" ولكن هؤلاء ليسوا ذات أثر لما أنهم أقلية بالنسبة لقبائل البربر "سكان البلاد الأصليين"؛ ولذلك فقد غيرت غزوة بني هلال وبني سُلَيْم الكبرى شعوب المغرب تغييرًا عميقًا، وكانت أهم الأحداث التاريخية التي طرأت على هذه الشعوب منذ دخول الإسلام فيها وعلى مدى أربعة قرون ونصف قرن، وقد كان الفضل لله ثم لبطون سُلَيْم وهِلال في تثبيت دعائم العروبة في تلك البقاع، وقد اختفت أو انحصرت اللغة البربرية في كثير من تلك الجهات وانتشرت تعاليم الإسلام على المذهب السني، وهذا لأن تدفق العرب من سُلَيْم وهِلَال وأتباعهم كان أكبر بن موجات للهجرة في تاريخ الوطن العربي.
ولقد حافظ بنو هِلَال وبنو سُلَيْم على سلالتهم حتى الآن وخاصة من سكن البوادى والواحات الصحراوية، وسنبين تفصيلًا عن جميع قبائلهم، ولكن هناك
стр. 1884
بعض بطون قد امتزجت بالبربر وكونت قبائل جديدة وسلالات جديدة، وابتلع العنصر العربي العنصر البربري، وقد صارت القبائل البربرية الآن قليلة العدد وأغلبها في الأوراس وساحل البحر الشرقي من بلاد الجزائر، ومناطق كثيرة في المملكة المغربية بها قبائل بربرية سيأتي التفصيل عنها في هذا المجلد.
ونلخص قول العلَّامة ابن خلدون عن بطون سُلَيْم في تونس
ففي عهد رسوخ الدولة الحفصية قام الأمير أبو زكريا بإحضار مرداس وعلَّاق من بطون عوف بن بهثة بن سُلَيْم من برقة (بليبيا) ومن نواحي السواحل في قابس (تونس) واصطنعهم لنفسه، وكانت رئاسة مرداس يومئذ في أولاد جامع وبعده لابنه يوسف وبعده لعنان بن جابر بن جامع (١)، وكانت رئاسة علَّاق عند دخولهم إفريقيا (عام ٤٤٣ هـ) لعهد المعز الفاطمي وبنيه لرافع بن حماد وعنده راية جده التي حضر بها مع النبي ﷺ وهو جد بني كعب (الذين ظهروا وسادوا على سُلَيْم عدة قرون).
واستظهر السلطان ببني عوف هؤلاء على شأنه وأنزلهم بساحة القيروان وأجزل لهم الصلات والعوائد، وزاحموا الدواودة من رياح الهلالية الذين كانت لهم استطالة وصولة على بلاد تونس، وكانت "أبة" (٢) إقطاعًا لمحمد بن مسعود بن سلطان الدواودي ثم الرياحي (هِلَال)، فأقبلت إليه مرداس من عوف (سُلَيْم) في بعض السنين للكيل من الثمار أو الحبوب، فلما رأوا نعمة الدواودة في تلولهم تلك شرهوا إليها وأجمعوا طلبها، فحاربوهم وغلبوا الدواودة وقتلوا رزق بن سلطان الدواودي واتصلت الفتنة، فلما حضر الأمير أبو زكريا لهم صادف عندهم القبول لتحريضه فاعصوصبوا جميعًا على فتنة الدواودة وتأهبوا لها، وتكررت بينهم وبين رياح الهلالية الحروب والوقائع حتى انتصر أخيرًا بنو مرداس من عوف (سُلَيْم)، وقد أزاحوا معظم رياح (هلال) عن تونس فنزحوا إلى تلول قسنطينة وبجاية وبلاد الزاب في الأوراس (الجزائر حاليًا)، فلما وضعت الحرب أوزارها بين مرداس ورياح ملك بنو عوف (سُلَيْم) بالطبع سائر ضواحي تونس وتغلبوا عليها
стр. 1885
واصطنعهم السلطان الحفصي وأثبتهم في ديوان العطاء واختص بالولاية منهم أولاد جامع وقومه من مرداس (عوف)، فكانوا له خالصة وتم تدبيره في غلب الدواودة وسائر رياح (الهلالية) في ضواحي إفريقيا وإزعاجهم عنها إلى ضواحي الزاب وبجاية وقسنطينة، ثم لما طال بالدولة فقد اختلف حال المرداسيون في الاستقامة مع السلطان ونفر منهم فضرب بهم إخوانهم من علَّاق (عَوف)، فنشأت الفتنة وسخط عنان بن جابر شيخ مرداس من أولاد جامع مكانته من الدولة التي هبطت بقصد من السلطان، فذهب مغاضبًا عنه مع بوادي مرداس (عوف) الناجعة أو الرُحَّل في نواحي زاغر (بلاد الجزائر حاليًّا)، فخاطبه السلطان على يد أبو عبد الله بن أبي الحسن يؤنبه على فعلته في مراجعة السلطان وقال له قصيدة طويلة منها:
قد المهامة بالمهرية القود … واطو الفلاة بتصويب وتصعيد
ومنها:
سلوا دمنة بين الغضا والسواجر … هل استن فيها واكفات المواطر
فأجاب عنان بن جابر المرداسي السُّلَمي عليها قائلًا:
خليلي عوجا بين سلع وحاجر … بهوج عناجيج نواج ضوامر
ثم لحق عنان هذا بمراكش بالخليفة السعيد من بني عبد المؤمن مُحَرِّضًا له على تونس وآل أبي حفص خصومه، ثم هلك في سبيل ذلك وقُبر في سَلا (شمال الرباط). وظل حال مِرداس (عَوف) بين الطاعة والنفرة مع الدولة الحفصية بتونس حتى هلك الأمير أبو زكريا واستفحل مُلك ابنه المستنصر من بعده وعلا الكعوب من علَّاق (عَوف) بذمة قوية من السلطان، وكان شيخ الكعوب عبد الله بن شيحة، وقد كان رجلًا داهية فسعى عند السلطان الحفصي لإخراج مرْداس من تونس كي يستبد هو وعلَّاق بالحظ من السلطان، فجمع سائر بطون علَّاق وحاربوا مِرْداس إخوتهم من عَوف بن بُهثَة (بني سُلَيْم)، وغلبوهم على الأوطان وأخرجوهم عن تونس، فصاروا إلى القفر من ناحية قسنطينة (الجزائر) في بادية الأعراب أهل الفلاة ينزعون إلى الرمل ويمتارون (أي يأخذون الميرة) من أطراف التلول تحت أحكام سُلَيْم أو رياح (هلَال)، وقد اختصوا بالتغلُّب على ضواحي قسنطينة أيام مرابع الكعوب (عَلَّاق) ومصائفهم في التلول، ويخالطون الكعوب
стр. 1886
على حلف ولهم على توزر ونفطة وقسطيلة (١) أتاوة يؤديها لهم مِرْداس لما فيها بعض مواطن لهم، وبعد ذلك أو في القرن الثامن الهجري تملكَ مرْداس هؤلاء القفار وأخذوا بالأتاوة من عمران قسنطينة (بشمال شرق الجزائر حاليا)،
أما علَّاق (عَوف) فقد استقام أمر بني كعب منهم في الرياسة على سائر عَوف بن بُهْثَة واعتزوا على سائر بطون سُلَيْم بن منصور، وظلوا على هذا الحال في الطاعة والنفرة مع الدول التي قامت في تونس عدة قرون، وقد أقطعتهم الدولة الأمصار وألقاب الجباية ومختص المُلك، وما زالوا يغالبون الدولة على الضاحية وقاسموها في جبايات الأمصار بالإقطاع ريفًا وصحراءً وتلولًا وجريدًا، وهذا بعد انتصارهم على السلطان أبو الحسن عام ٧٤٩ هـ فقد خفضوا من أمر زناته واعتزوا على الدولة اعتزازًا لا كفاء له، ثم حدثت فتن بين بني كعب من عَلَّاق بسبب قتل قاسم بن مرا من الكعوب (من أولاد أبي الليل) من قِبَل محمد أبي عذبتين (من أولاد مهلهل)، وهذا لأن قاسم كان محتسبًا وقد دعا إلى إصلاح قومه من سُلَيْم بالقوة الجبرية، وقتل من عثر عليه من الأشرار وقُطَّاع الطرق واستباح بيوتهم وأموالهم ودماءهم حتى شردهم كل متشرد، وعلت كلمته في إفريقيا من بلاد تونس وطار ذكره، فحسده قومه من أشرار بني كعب وغيرهم من علَّاق فقتلوه بالاغتيال بعدما دعوه للمشاورة في بعض شئونهم معه على عادة البدو، وقد وقفوا معه بساحة حيِّهم ثم خلصوا معه نجيا وطعنه محمد أبي عذبتين (أولاد مُهَلْهَل) من الخلف فخر صريعًا، فامتعض أولاد أبو الليل وطلبوا بدمه فافترقت أحياء بني كعب من عَلَّاق (عَوف بن بُهثْةَ) بعد أن كانت جميعًا.
وقام بأمر الاحتساب والدعوة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعد قاسم بن مرا ابنه رافع، وكان على مثل طريقة أبيه فلقى حتفه هو الآخر من أشرار بني حِصن من علَّاق!! عام ٧٠٦ هـ (بداية القرن الثامن الهجري).
ظل رهط قاسم (أولاد أبو الليل) على الطلب بثأره من (أولاد مُهَلْهَل) فكَمنَ أولاد أبو الليل في مشاتيهم بالصحراء والقفر في جنوب تونس وقد أجمعوا الرأي على اغتيال أولاد مُهَلْهَل عن آخرهم، وقد أوقعوا بهم ولم ينج سوى طالب بن مُهَلْهَل - وكان لم يحضر مع رهطه - وعظصت الفتنة بين بني كعب من علَّاق وانقسمت عليهم بني سُلَيْم وقتئذ.
стр. 1887
وهذه الفتنة كان لها أثر قوي في إضعاف شوكة علَّاق في تونس بعد أن ظلوا عدة قرون لهم الغلبة والسؤدد، وقد زادت الفتن بعد استيلاء خالد ابن أمير المؤمنين أبي العباس أحمد على تونس عام ٧٧٢ هـ، فقد قُتل منصور بن حمزة من أولاد (أبو الليل) على يد ابن أخيه بعد أن حسدهُ ولكره عشيرته له لسوء ملكته عليهم، وقد سئم منهم السلطان بعد أن كشفوا عن عصيانهم له، فأعطى أولاد مُهَلْهَل الرياسة في الكعوب ورفع رتبهم وخفض من شأن أولاد (أبو الليل)، ونهض السلطان عام ٧٨٠ هـ لحمل أولاد أبي الليل المتمردين على جادة الطاعة، ودارت الحرب بينهم فغلبهم السلطان وظهر بفرائسه من أولئك الرؤساء، وأصبحوا بين معتقل ومشرد واستولى على قصورهم وذخائرهم، وأبعد أولاد حمزة (من أولاد أبو الليل) وأحلافهم من حكيم من حصن من علَّاق فجاوروا تخوم بلادهم من جهة المغرب (إلى الجزائر).
قلت: وتفرقوا في الواحات والصحراء بعد عام ٧٨٠ هـ وهم فيها حتى اليوم، وهكذا بدأت تضعف بطون علَّاق لما مر ذكره من الفتن والثارات بينهم، وفي مطلع القرن التاسع الهجري ترك معظم بطون علَّاق بلاد تونس وتوطنوا في المغرب الأوسط (الجزائر)، وفي الواحات الصحراوية ووديان وقرى (ليبيا الوسطى والجنوبية).
ما قال ابن خلدون في العبر عن بني سُلَيْم في برقة بليبيا:
قال: أشهر بطون سُلَيْم في برقة هم "هيب" (١) وهو ابن بهثة بن سُلَيْم، وقد أقاموا بعد دخول إخوانهم من سُلَيْم إلى أفريقيا في إقليم برقة، ومنهم بنو حميد لهم إجدابيا وجهاتها وهم عديد يرهبهم الحاج (المغربي)، وهم من شماخ الذي لهم العز في هيب لما أنهم حازوا خصب برقة الذين منه المرج، ومن هيب بنو لبيد وهم بطون كثيرة وحدثت فتن وحروب بين لبيد وشِماخ، وكان لبني عزار الرئاسة على كلتا القبيلتبن وهم المعروفون بالعزة، وجميع بطون هيب هذه قد استولت على إقليم طويل متسع خرَّبوا مدنه ولم يبق فيه ولاية إلا لمشايخهم، وفي خدمتهم بربر
стр. 1888
ويهود يحترفون الفلاحة والتجارة حينئذ، ومعهم قوم من فزارة ورواحة (١) (غَطَفَان من قيس عَيْلان) وهم تحت إمرتهم لأن الغُلب لهيب في هذه البلاد.
ما قاله ابن خلدون في العبر عن بني سُلَيْم في طرابلس وجنوب تونس:
قال: إن أشهرهم ذباب، وهو ذباب بن مالك بن امرئ القيس بن بهثة بن سُلَيْم، وذكر أن هناك خلافا في نسبه، فقيل أنه ذُباب بن ربيعة بن زِغْب الأكبر ومواطنهم ما بين قابس وطرابلس، ومنهم بطون مثل أولاد أحمد بن ذباب في غربي طرابلس وعيون رجال، وقال التجاني: إن ذباب هؤلاء فيهم:
بنو (صُهب) والنسبة إليهم صُهبي، وهو ابن جابر بن فائد بن رافع بن ذباب، والحمادية من بني حمدان بن جابر، والخرجة، والأصابعة، والنوائل، وأولاد سِنان، وأولاد وشاح وكلهم من أبناء عامر بن جابر بن فائد المذكور.
ووشاح فيهم الرئاسة ومنهم المحاميد (بنو محمود بن طوق بن بقية بن وشاح وهم في قابس ونفوسة (٢) وما بين ذلك من الضواحي والجبال).
والرئاسة في القرن الثامن الهجري لعهد ابن خلدون في بني رحاب بن محمود لأولاد سباع بن يعقوب بن عطية بن رحاب.
والبطن الآخر الجواري مواطنهم طرابلس وما إليها في تاجورا وهزاعة وزنزور وهم بنو حميد بن جارية بن وشاح، وكانت رئاستهم في بني مرغم بن صابر بن عسكر بن علي بن مرغم، ومن وشاح بطنان آخران صغيران وهما الجواربة، والعمود، ويقال أن العمود من هلال وانضموا لذباب سُلَيْم لما جمعهم الموطن، ومن أولاد وشاح بنو حريز بن تميم بن عمر بن وشاح، ومنهم الفارس الشهير فائد بن حريز وله شعر متداول حتى عهد ابن خلدون (أواخر القرن الثامن الهجري) وكان هذا الشعر سمر الحي وفكاهة المجالس، وقيل أن فائد من المحاميد أو هو فائد بن حريز بن حربي بن محمود بن طوب بن وشاح. وكان بنو ذباب هؤلاء شيعة لقراقوش المملوكي الأرميني وزير السلطان صلاح الدين الأيوبي في
стр. 1889
مصر، ثم لابن غانية في الأندلس، وقد قَتل قراقوش ثمانين من عَلَّاق وبعض شيوخ الجواري، وقد صارخوا بني سُلَيْم ضد قراقوش حينئذ، وكانت فتنة لم تخمد حتى هلك قراقوش وابن غانية.
وقد خدموا الأمير أبي ركريا وأهل بيته، وكان السلطان أبو حفص يعتمد عليهم فغلبهم في دعوة عمارة (داعي فر إلى ذباب) فخالفوا عليه وسرح لحربهم قائده أبا عبد الله الفزاري، واستصرخوا بالأمير أبي زكريا ابن أخيه وهو والي بجاية والثغر الغربي (بساحل الجزائر)، فنهض معهم عام ٦٨٧ هـ وحاربوا أهل قابس بتونس وهزموهم، ثم غلبهم الفزاري ومانعهم عن تونس ورجع الأمير أبو زكريا لثغره في بجاية، وظل حال الجواري والمحاميد في النفرة والطاعة مع الدولة إلى أن تقلَّص ظل الدولة، فاستبدوا برئاسة الضواحي واستعبدوا سائر الرعاية المعتمرة في جبالها وبسائطها، واستبد أهل الأمصار برئاسة أمصارهم بنو مكي بقابس وبنو ثابت بطرابلس، وانقسمت رئاسة أولاد وشاح فتولى الجواري طرابلس وضواحيها زنزور وغريان ومغر، وتولى المحاميد بلد قابس وبلاد نفوسة وحرب، ومن ذباب هؤلاء بطون ناجعة في القفر إلى الشرق من مواطن وشاح وهم آل سليمان بن هيب (١) بن رافع بن ذباب، وهم في قبلة مغر وغريان ورئاستهم في ولد نصر بن زائد بن سليمان، والبطن الآخر آل سالم بن هيب أخي سليمان وهم في مسراته إلى لبدة ومسلاتة ومنهم الأحامد والعمائم والعلاونة، ومجاورون للعزة (٢) من عرب برقة والمشابنة من هوارة المقيمين هناك، ويجاور ذباب من جهة القبلة (ناصرة) بن خفاف بن امرئ القيس بن بُهثَة.
بعض أشعار من رجالات سُلَيْم في تونس (القرن الثامن الهجري)
قال خالد بن حمزة بن عمر شيخ أولاد أبو الليل من الكعوب (عَلَّاق بن عَوف بن بُهْثَة) يعاتب خصومه من أولاد مُهَلْهَل من الكعوب ويجيب شاعرهم شبل بن مِسْكيان وقد فخر خالد عليهم بقوله:
стр. 1890
يقول وذا قول المصاب الذي نشا … قوارع قيعان يعاني صعابها
يريح بها حادي المصاب إذا سعى … فنونًا من أنشاد القوافي عذابها
محيرة مختارة من نشادها … تحدى بها تام الوشا ملتهابها
مغربلة عن ناقد في غصونها … محكمة القيعان دابي ودابها
وهيض بتذكاري لها يا ذوي الندى … قوارع من شبل وهذي جوابها
أشيل جنينا من حباك طرائفًا … فراح يريح الموجعين الغنا بها
فخرت ولم تقصر ولا أنت عادم … سوى قلت في جمهورها ما أعابها
لقولك في أم المتين بن حمزة … وحامي حماها عاديًا في حرابها
أما تعلم أنه قامها بعد ما ألقى … رصاص بني يحيى وعلَّاق دابها
شهابًا من أهل الامر يا شبل خارق … وهلا ريت من جاللوغى واصطلى بها
سواها طفاها أضرمت بعد طفية … وأثنى طفاها جاسرًا لايهابها
وأضرمت بعد الطفيتين ألن صحت … لفارس إلى بيت المنى يقتدى بها
وبان لوالي الأمر في ذا أنشحابها … فصار وهي عن كبر الأسنة تهابها
كما كان هو يطلب على ذا تجنب … رجال بني كعب الذي يتقى بها
ومن شعر (علَّاق) في العتاب بين بطونهم التي بلاها الله بالثارات فيما بينها:
وليدًا تعاتبوا أنا أغنى لأنني … غنيت بمعلاق الثنا واغتصابها
علي ونا ندفع بها كع مبضع … بأسياف ننتاش العدا من رقابها
فإن كانت الأملاك بغت عرايس … علينا بأطراف القنا اختضابها
ولا بعدها الأرهاف وذبل … وزرق كالسنة الحناش انسلابها
بني عمنا وما نرتضي الذل غلمه … تسير السبايا والمطايا ركابها
وهي عالمًا بأن المنايا تنيلها … بلا شك والدنيا سريع انقلابها
стр. 1891
ومن شعرهم في وصف الظعائن (العرب الرُحَّل في البوادي):
قطعنا قطوع البيد لا نخشى العدا … فتوق بحوبات مخوف جنابها
ترى العين فيها قل الشبل عرائف … وكل مهاة محتظيها ربابها
ترى أهلها غب الصباح أن يفلها … بكل حلوب الجوف ما سد بابها
لها كل يوم في الأراضي قتائل … وراء الفاجر الممزوج عفو رضابها
ومن قولهم في الأمثال الحكيمة:
وطلبك في الممنوع منك سفاهة … وصدك عمن صد عنك صواب
إذا رأيت أناسًا يغلقوا عنك بابهم … ظهور المطايا يفتح الله باب
قلت: يقصد الشاعر أن الإنسان لا يسير وراء هوى نفسه الأمارة بالسوء، ومن يطاوع هواه يكون بالطبع سفيهًا، وكما أن من لا يُقَدِّرك ولا يُوَقِّرك فافعل معه نفس الشيء، وإذا رأيت أن بعض الناس لا يرتاحون لَك فلا تَصِر ثقيلًا باردًا، بل أسرع في ركوب دابتك لعلَّ الله يرزقك ببشر غيرهم يرحبون بك ويفتحون صدرهم لك.
لمحة عن قبائل سُلَيْم في ليبيا (١)
من القبائل الليبية التي لا زالت تحافظ على نسبها وموجودة حتى الوقت الحاضر في القرن العشرين الميلادي.
(١) الكعوب: وهم من بني كعب المشهورين من علَّاق بن عوف بن بُهْثَة بن سُلَيْم، منهم: أولاد سليمان بخليج سرت، وأولاد عيسى في منطقة خليج سرت أيضًا، والجعافرة ويقيمون في أورفلة، والقواسم ويقيمون غربي سرت.
وبالإجمال يقيم الكعوب في المنطقة الممتدة من خليج سرت إلى حدود تونس ومن شاطئ البحر الأبيض المتوسط إلى أعماق الصحراء الليبية وينتشرون في ترهونة والجفرة وبني وليد وضواحي طرابلس.
(٢) العلالقة: وهم بطن من علَّاق بن عَوف بن بُهْثَة بن سُلَيْم، ويسكنون في الوقت الحاضر في أبي عجيلة.
стр. 1892
(٣) التواجير: وهم بطن من حميد بن جارية بن وشاح بن عامر بن جابر بن ذباب بن مالك من بُهْثَة بن سُلَيْم، وقد كان مسكنهم في تاجوراء ثم انتقلوا شرقًا في بنغازي ودرنة من إقليم برقة فغلب عليهم اسم البلدة التي كانوا بها فسموا التواجير نسبة إلى تاجوراء، وهي بلدة على شاطئ البحر المتوسط شرقي طرابلس.
(٤) أولاد حمد: وهم من ذباب بن مالك من بُهْثَة بن سُلَيْم، وهم يقيمون الآن في الجبل الغربي.
(٥) الأصابعة: وجدهم أبي أصبع بن حمد بن ذباب بن مالك من بُهْثَة بن سُلَيْم، ويقيمون الآن في غريان جنوبي طرابلس وفي الجبل الغربي.
(٦) أولاد جابر: وهم من جابر بن ذباب بن مالك من بُهْثَة بن سُلَيْم، ويقيمون مع الأصابعة في ديارهم السابق ذكرها.
(٧) بنو سالم: وعددهم كبير يملأون مدينة مصراته على شاطيء البحر وهم غربي طرابلس، ويسكن مع عشائر بني سالم (الكرغلية) وهم من أصل تركي وخالطوا العرب الحضر، وسالم هو ابن هيب (١) بن رافع بن ذباب بن مالك من بُهْثَة بن سُلَيْم.
(٨) بنو صُهْب: وهو صُهْب بن جابر بن ذباب بن مالك من بُهْثَة بن سُلَيْم، ويقيمون الآن على الحدود الليبية والتونسية المشتركة وبعضهم يحمل جنسية تونسية.
(٩) الحمادية: وهم من حمدان بن جابر بن ذباب بن مالك من بُهْثَة بن سُلَيْم، وهم إخوة بني صُهب ويقيمون أيضًا معهم في نفس الديار.
(١٠) المحاميد (*): وهم من محمود بن طوب بن بقية بن وشاح بن عامر بن جابر بن ذباب بن مالك من بُهْثَة بن سُلَيْم، وقد أعقب محمود: جريرًا وراشدًا ورحابًا.
стр. 1893
أما أولاد جرير وأولاد رحاب فاستوطنوا الآن الهضبة الممتدة من جبال نفوسة جنوبي طرابلس حتى حدود تونس، بينما نزح أولاد راشد إلى إقليم برقة شرق ليبيا وأقاموا بها حتى الوقت الحالي.
(١١) العمائم: وهم من أبي عمامة بن سالم بن هيب (١) بن رافع بن ذباب بن مالك من بُهْثَة بن سُلَيْم، وهم حاليًا في زليطن وبنغازي ومصراته وغيرها من البلاد الليبية.
(١٢) التمايم: وهم من تميم بن وشاح بن عامر بن جابر بن ذباب بن مالك من بُهْثَة بن سُلَيْم، ويقيمون بالوقت الحاضر في ضواحي سرت (٢).
(١٣) بنو مرغم: وهم بنو مرغم بن وشاح بن عامر بن جابر بن ذباب بن مالك من بُهْثَة بن سُلَيْم، ويقيمون مع إخوانهم بنو صابر بن وشاح في ترهونة وما حولها حتى الآن.
(١٤) آل سليمان (٣): وهم من سليمان بن رافع بن ذباب بن مالك من بُهْثَة بن سُلَيْم، ويقيمون في غريان وفي الجبل الغربي ومسلاته وبعضهم انتقل إلى برقة في السنوات الأخيرة.
(١٥) الزوائد: يعود أصلهم لزيد من سليمان بن رافع بن ذباب السابق ذكره، ويقيمون الآن بخليج سرت.
(قبائل بنو لبيد): ولبيد أشهر بطن من هيب من بُهْثَة بن سُلَيْم في برقة شرقي ليبيا، ومن أشهر قبائل لبيد في ليبيا حتى الآن هي:
(١٦) الجواشنة (جوشن): يقيمون حاليا في برقة.
(١٧) الدروع (الدريعات): يقيمون في برقة حاليا.
(١٨) النوافلة: يقيمون في الوقت الحاضر في طرابلس.
(١٩) الرقيعات: في الوقت الحاضر منهم في برقة ومنهم في طرابلس.
(٢٠) البلابيس: يقيمون الآن في برقة شرق ليبيا.
стр. 1894
(٢١) الزرازير: يقيمون في برقة، والسلوم على حدود مصر حاليا.
(٢٢) العلاونة: يقيمون في برقة، والسلوم على حدود مصر حاليا.
(٢٣) الصريرات: يقيمون في برقة بالوقت الحاضر.
(٢٤) السوالم: يقيمون في مصراتة وبنغازي حاليا، منهم في مصر فروع كبيرة.
(٢٥) السبوت: يقيمون في طرابلس وبرقة حاليا.
(٢٦) الزغيبات (أبو زُغْبَة): ويقيمون في بنغازي في الوقت الحاضر ومنهم في مصر فروع.
(٢٧) الشواعبة: يقيمون الآن في برقة، وذكرهم القلقشندي: الشراعبة.
(٢٨) بنو خطَّاب (١): وهم حاليا في برقة.
(٢٩) الموالي: وهم يقيمون الآن في طرابلس.
(٣٠) النبِّلة: ويقيمون في ضواحي طرابلس.
(٣١) الحدادة: ويقيمون في بنغازي ومصراته.
(٣٢) الرواشد: ويقيمون مع قومهم لبيد في برقة وخاصة في البُطنان (٢).
(٣٣) الحُوَّته: وهم بطن كبير من لبيد ويقيمون في الرحيبة والبطنان، وبعضهم في صحراء مصر الغربية، وجدهم الأول يسمى مقعي ولقبه حوت، وفروع الحوتة هي: شريصات، وعميرة، وروقة، وسنينات، ومقاعي، ومرازقة، وجرارة، ويذكر الرواة أن مرزوق الجد الأول لفخذة المرازقة قد تبنى جد عشيرة الخرم واسمه كريم ولقبه الخرم بعد أن تزوج مرزوق من أمه التي توفي زوجها بالحجاز، وقد أصبح عقب كريم (الخرم) فرع من قبيلة الحوتة، ومن الخرم هؤلاء فرعين (فخذين) هما عقيل، وأبو قفة استوطن الفخذ الأول مدينة درنة وبقي الفخذ الثاني مع الحوتة في البوادي.
стр. 1895
ومن الحوتة فخذ الديداني في راوية ترت بالجبل الأخصر ببرقة، وهو منضم مع بطن فايد من قبيلة الحرابي من عقَّار من السعادي من سُلَيْم.
(انتهت قبائل لبيد).
(٣٤) الجميعات (١): وهم حُلفاء لبيد ويقيمون في أورفلة وسرت مع أولاد سليمان.
(٣٥) أولاد سنان: وهم من سنان بن وشاح بن عامر بن جابر بن ذباب، وهم في غربي طرابلس الآن.
(٣٦) النوايل: وهم من نايل بن وشاح بن عامر بن جابر بن ذباب، وهم في غربي طرابلس حاليًا.
(٣٧) العلاونة: وهم من علي بن سالم بن وهب، بن رافع بن ذباب، وهم في طرابلس وحولها، ومنهم في السلوم المصرية.
(٣٨) أولاد مرزوق: وهم من مرروق بن سالم بن وهب بن رافع بن ذباب، وهم في ضواحي مصراتة.
(٣٩) البراهمة: وهم من إبراهيم بن سالم بن وهب بن رافع بن ذباب، وهم الآن غرب مصراتة.
(٤٠) بنو مُعلَّا والأحامد: وهم من سالم بن وهب، ويقيمون في زليطن والخُمس.