القارئ على مهمته كلّ قسم من أقسام البراغيث وهم: (الجبارنة)، (والفوائد)، و (الشيابين) (١).
الطبل لأولاد (جبرين) … والراي لأولاد (فايد)
والمشليه (للشبابين) … على رايجات القلايد
الحرب بين قبائل الجبارنة وإجلاء الجوازي
بعد أن تم إجلاء الفوائد حذا حذوهم الجوازي وأخذوا يعاملون إخوانهم (العلايا) معاملة الأقوياء الطغاة للضعفاء المساكين كأن لَمْ تكن بينهما صلة ولا رحم، وقد حرَّم الجوازي على إخوانهم (العلايا) سكنى برقة إلَّا في أطراف خلواتها التي لا تصلح للزرع ولا للمرعي وأن لا ينزل العلايا الأماكن الصالحة من برقة، وهكذا أخذ الجوازي في اضطهاد إخوانهم واستمروا بعد إجلاء الفوائد إلى سنة ١٢٢٠ هـ الموافق سنة ١٨٠٥ م فسئم العلايا هذه الحياة الذليلة واشمأزت نفوسهم، وقد يعقب الضغط انفجار كما هو الحال في كلّ زمان؛ فوقف العلايا موقف البطولة لأخذ حقهم المشروع والتساوي مع إخوانهم في كلّ شيء بعد أن رجعوا إلى قاعدة (يؤخذ الحق بالقوة).
ركب صالح أبو فليدة من عشيرة صبح المغاربة ذات يوم ومعه اثنان آخران على خيولهم طلبا للصيد ومع كلّ واحد من المذكورين (صقر) (٢) فصادفتهم في طريقهم سرية من منتجع الجوازي مؤلفة من عشرة فرسان يتقدمهم الشيخ منيسي أبو ويله، وكان الجوازي - لكبريائهم - لا يرون حقًّا لغيرهم في حمل الصقر فأخذوا الطيور التي كانت مع أفراد العلايا وأزالوا ريشها نكاية لحامليها وازدراء بهم
стр. 2207
وهم ينظرون وألقوا بالطيور من غير ريش على الأرض وذهبوا من حيث جاءوا فاتفق أفراد العلايا أن لا يرجعوا لأهلهم حتى يأتوا بعمل ما انتقاما وأخذا بالثأر، وعند ما أرخى الليل سدوله ذهب أفراد العلايا خلسة إلى (فرس) الشيخ منيسي وهي في مربطها فقتلوها وقفلوا راجعين، وفي الصباح التالي تأكد الجوازي من أن القاتلين لفرسهم هم أصحاب (الطيور) فضرب الطبل (١) إشعارا بحادث حدث، وكان الشيخ عبد النَّبِيّ أبو مطيريد (٢) زعيم عامة الجبارنة ورئيس قبائل الجوازي طريح فراشه لمرض ألم به فلما سمع صوت الطبل طلب إليه شيوخ قبائل الجوازي وسألهم عن سبب ضرب الطبل فقيل له أن فرس الشيخ منيسي قتلت البارحة في مربطها ونريد أن نقتفي أثر القاتل فأكد لهم أن قتل الفُرس لا يكون تعديا وأنه نتيجة عمل من الأعمال فاصدقوني في قولكم، أي شيء حدث منكم أو من أحدكم؟ فأخبروه بتفصيل ما حصل فتكدر وكانت هذه المرة الأولى التي يأمر فيها الشيخ عبد النَّبِيّ بمجاملة العلايا وتقديم العذر لهم وأمر قومه بأخذ بيت (٣) وانتخاب هيئة من علية الجوازي للذهاب إلى العلايا ومصالحتهم وتقديم العذر وطلب السماح ففعل الجوازي ذلك وأكرمهم العلايا أيما إكرام وقبلوا عذرهم وتسامحوا، وهنا جاء العلايا بمكرمة تذكر وهي أنهم قدموا للجوازي فرسًا من جياد الخيل بدلا من الفُرس التي قتلت، وعاد شيوخ الجوازي إلى زعيمهم عبد النَّبِيّ فأخبروه بما جرى من الإكرام والتسامح وتقديم الفُرس فسُرَّ لذلك ظاهرا ولكن عبد النَّبِيّ الداهية لا يغرب عنه ما سيقع بسبب هذا الحادث، وقد كان بقوة
стр. 2208
دهائه يتصور الحوادث قبل وقوعها فسكت قليلًا وهو ينقلب على فراشه من شدة الألم ثم قال لشيوخ قومه في شيء من السياسة سائلا ما اسم هذه السنة؟ وكان العرب يسمون السنين بموت عظيم أو بحادث خطير فأجابه القوم أن هذه السنة يقال عنها سنة الربيع الكبير وسنة الصابة العظيمة والسنة التي مرض فيها الشيخ عبد النَّبِيّ وعوفي إلى آخر ذلك من الفأل الحسن والمستحب للنفس، فأجابهم قائلًا: كلا لقد غلظم في اسم السنة فإنها السنة التي مات فيها عبد النَّبِيّ والتي تحارب فيها الجوازي والعلايا فانتصر العلايا وأجلوا الجوازي عن برقة، ولقد صحت نبوءة هذا الداهية ونظره الذي رآه بفكره الثاقب.
توفي الشيخ عبد النَّبِيّ كما تنبأ واستمر الجوازي في سوء تصرفهم نحو إخوانهم العلايا اعتمادا على قوتهم واستضعافا للعلايا وكان هؤلاء الأخيرون يتحملون كلّ مصيبة تأتي دفعًا للشر بالخير.
وحدث ذات مُرّة من المرات الكثيرة التي يسيء فيها الجوازي لإخوانهم أن ذهب قوم من الجوازي وأخذوا إيلا من صبح إحدى فروع المغاربة وإبلا من البراغثه إحدى قبائل السعادي، ومن القانون المتبع عند العرب ببرقة أن لكل قبيلة من القبائل العربية علامة توضع على الإبل والغنم لتميز بها كلّ قبيلة حيواناتها؛ فكانت علَّامة المغاربة يسمونها (قائم سيف وهي هكذا " [رسم] وعلامة العواقير يسمونها (مذري) وكل علَّامة من هاتين تكون رئيسية لعموم القبيلة، وهناك فوارق أخرى خصوصية لكل عائلة من القبيلة أو لكل شخص، وكان صبح من المغاربة، والبراغثة لا يضعون هذه العلَّامة الرئيسية ولم ندر ما هو السبب، فأخذ الجوازي إبل هاتين القبيلتين باعتبار أنهم لَمْ يأخذوا حيوان المغاربة والبراغئة حيث لا توجد علامتهما على هذا الحيوان المأخوذ، وعندما شرع الجوازي في وضع علاماتهم على هذه الحيوانات المأخوذة وقد قسمت بينهم مر بمنتجعهم أحد أفراد العلايا فقال البعض أفراد الجوازي أن هذه الحيوانات جد كثيرة إن وجدتم محلا يتسع لرعايتها وتنميتها، وفي كلمته هذه ما فيها لمن يتدبر فأجابه الشيخ صميدة الهاروج قائلًا:
стр. 2209
إن برقة واسعة وأولاد جازية كثيرون، وكان المتكلم الأول من قبائل العلايا هو حمد بن صالح، ولما ذهب القائل وسمع شيوخ القبيلة بذلك شعروا بسوء العاقبة وتأكدوا من حصول الحرب وعلموا أنهم بفقدهم رئيسهم عبد النَّبِيّ فقدوا الكثير من السمعة والهيبة وحسن التقدير ورجعوا للقاعدة المعروفة بين العرب (فارس يعز قبيلة وقبيلة ما تعز فارس). أخذ الجوازي يتدبرون في الأمر احتياطا لما يخفيه لهم المستقبل القريب واستقر رأيهم أن يرسلوا إلى سيف النصر زعيم قبائل أولاد سليمان وأورفله والقذاذفة لما بينهم وبين هذا الزعيم من الصلات الودية يطلبونه يحضر بقومه كي يشاركهم في الغنيمة ويحارب معهم العلايا حتى يتم جلاؤهم من برقة إن لَمْ تكن إبادتهم، وبذلك سيحق لسيف النصر أن يشاركهم في ملكية برقة، وكان سيف النصر والحالة هذه طريدا للحكومة القرة مانلية وقتذاك بطرابلس، وفي الحالة هذه كان العلايا بدورهم يدرسون على بساط البحث التدابير اللازمة لحرب الجوازي فأخذوا يتذكرون ويذكرون كلّ معاملة سيئة عوملوا بها من قبل إخوانهم الجوازي ويجمعون الحيثيات التي تبرر الحرب وقد نفذ صبرهم، وفي صيف تلك السنة وصلت منتجعات سيف النصر الذي كان قد أشهر العصيان كما قلنا على حكومةٌ طرابلس ولم يعد يستطع البقاء بطرابلس فانضم إلى الجوازي.
وصلت منتجعات سيف النصر إلى برقة الغربية وأخذت أماكنها من إجدابيا إلى المقرون، وكانت منتجعات الجوازي من غرب سوق إلى موقع الآبار، أما العلايا فمنازلهم متاخمة للساحل من كركوره إلى بنغازي، وآن الأوان لإشعال نار الحرب فعمل كلّ من عنده لذلك فاصطدم العلايا بالجوازي في معارك طاحنة، أما سيف النصر وقومه لزموا الحياد تحت الستار وبقوا متحيرين وإن كانت حقيقتهم مناصرة الجوازي وقد تمكنوا من أراضي واسعة في الماء والمرعى وتجنبوا القتال مباشرة، فإما أن تكون منهم حيلة ولهم في ذلك معاذر، وإما أنهم أرادوا أن تضعف قوة الجانبين ولهم بعد ذلك كلمتهم كيف ما يتراءى لهم.
انتصر الجوازي بادئ ذي بدء وحاصروا جميع منتجعات العلايا في بنغازي حصارًا دام خمسة أشهر هلك فيها أكثر الحيوان، إذ لا ماء ولا مرعى ولا مخرج
стр. 2210
من الحصار ويعرف بـ (حصار خربيش) ويقال أن رجلًا من العلايا أو بالأصح من عائلة صالح مرّ بناقته فأكلت ظرف رداءه من شدة الجوع فغضب لذلك وهاجت أعصابه وأقسم بأن لا تبقى ناقته بهذا الحصار أكثر مما بقت فإما أن يترك الحرية لناقته ترعى ويحميها وإما يُقتل في سبيلها وعلى من يتولاها بعده رعايتها فهجم العلايا على عدوهم إثر ذلك وانتصروا.
ومن بين المعارك المشهورة في تلك الحرب المعركة التي حصلت بموقع الزريريعية فمات وجرح أثناءها الكثير من الفريقين، وفي هذه المعركة انتصرت كتيبة من العلايا ومن بين فرسان هذه الكتيبة عبد ربه بن محمد قادر بوه وأخوه إبراهيم والشيخ حمد الشبلي فأخذوا رجلًا للشيخ المصري بن عبد النَّبِيّ مطيريد وأسروا زوجته ولما تحققوا من معرفتها أرادوا تخلية سبيلها فقالوا لها: خذي جميع ما تريدين من الأثاث والحيوان وارجعي إلى قومك في أمن وسلام، فأجابتهم قائلته: أني لا أذهب أبدًا فإن كان الرجل رجلًا وهو زوجي المصري حي يرزق فسيأتي وينقذني وجميع ما معي رغم أنفكم وإن كان قد قُتل فلا ضير أن أبقى بينكم ولا حاجة لي بحطام الدنيا بعده، وفعلا فقد صدقت في قولها ووصل لإنقاذها واشتبك مع فرسان العلايا في معركة قصيرة قتل أثناءها حمد الشبلي فكرَّ عبد ربه قادر بوه وأخوه إبراهيم على المصري ليقتلاه أو يُقْتَلا وكان من خيرة الفرسان المحاربين فخاطبهما: قائلما لا أريد قتلكما لأنه يؤلمني وخير لكما أن تذهبا بسلام فقد أنقذتُ رحلي وكفى.
ومن المعارك المشهورة أيضًا تلك التي حصلت بموقع المفلوقة ببنغازي وقُتل فيها من أهل مدينة بنغازي المنتصرون للعلايا ثلاثون رجلًا من بينهم رجلان اشتهرا بقوة البأس والشجاعة وهما (الكيش) و (الدنفير) وبعد هذه المعركة التي انتصر فيها العلايا وصلت الحملة التي قامت بإرسالها حكومةٌ طرابلس القرة مانليه وقتذاك، وقد اختلف في الطريق التي سلكتها هذه النجدة فقائل يقول: إنها وصلت عن طريق البحر إلى طلميثه، وآخر يقول: جاءت عن طريق البر؛ والأخير أصح؛ إذ
стр. 2211
لَمْ تصل نجدتان واحدة عن طريق البحر والأخرى عن طريق البر وكانت أكثر منتجعات الجوازي بموقع الآبار، ولما وصلت هذه النجدة مع تلك الانتصارات التي أحرزها العلايا تسرب الذعر والرعب في صفوف الجوازي فانسحبوا بعد معارك طويلة أظهروا فيها من الشجاعة والإقدام ما جعلهم محل الإعجاب، واستمر الجوازي في انسحابهم والعلايا يطاردونهم إلى موقع أبو سمح، وتابع الجوازي سيرهم إلى مصر ورجع سيف النصر وقومه بخفي حُنَيْن وبدون أن يشترك في القتال مباشرة، وبقي العلايا المنتصرون في برقة فاستولوا على جميع ما يملكه إخوانهم الجوازي. وهذه آخر حرب وقعت بين الجبارنة إذا استثنينا تلك الحروب البسيطة التي وقعت بين بعض العائلات فقط لا بين القبائل ولم تسبب الجلاء لأحد ولم تقع أيضًا حرب بين أهل برقة وغيرهم مما يقولون عنه بحرب الصف إلَّا الذي حصل بين العلايا والحسون وتعرف بحرب زغبا، أو الذي حصل بين المغاربة والزاوية والأخيرة وصلت من جهات طرابلس وتسكن واحة مرادة من برقة الغربية.
ما برح أفراد قبيلة الجوازي يشنون الغارة الفينة بعد الأخرى على برقة فتارة يستأثرون بحيوانات يأخذونها وتارة يرجعون خائبين، ومن بين هذه المرات ويحتمل هي الأخيرة إذ جاء قسم من رجال الجوازي لشن الغارة على العلايا فنشبت معركة كبيرة بين الطرفين عرفت بمعركة كركورة غُلب فيها الجوازي ورجع من بقي منهم فارا. ومن بين القتلى من قبائل العلايا الشيخ رحيم شرادة العشيبي والشيخ الضبع مطرود هيبة، وكانت هناك امرأة من العلايا تزوجت من رجل في قبيلة البراعصة واستوطنت الجبل الأخضر مع زوجها، وقد مر الغزاة من الجوازي بأرض البراعصة، فقال أحد البراعصة للمرأة أن هناك غزاة قدموا من قبيلة الجوازي وتوجهوا إلى أهلك وأخشى أن ينتصروا على قومك، وبعد أيام من ذلك رجع أولئك الغزاة مدحورين فمرت فلولهم مبعثرة بمنتجعات البراعصة فقالت المرأة للبرعصي الذي كان أخبرها بمرور الغزاة منبهة إياه بما قاله:
جن جفيل يا حدوث … خيل العدو من خيلنا
стр. 2212
واقعة زغبا
في ربيع سنة ١٢٢٧ هـ (١٨١١ م) جاء بعض البدو الرُّحَّل من سكان طرابلس وهم الحسون والفرجان والمعدان والزاوية (١) إلى برقة تحت رياسة زعيمهم صالح بن رزق الله الحسوني وأعوانه من الشيوخ حموده أبو صوكاية الفرجاني وابن قدوره المعداني والضبع الزواوي.
جاءت منتجعاتهم بعدتها وعددها لاتخاذ برقة موطنا لهم ولإجلاء قبايل العلايا (٢) المستضعفة في نظرهم ولما سمع العلايا بوصول هذه المنتجعات وتعرف باسم (صف البحر) الغربي (٣) انتقلوا إلى برقة الحمراء فنزلوا موقع (النواوير) ووصل صالح بن رزق الله إلى موقع متاخم للعلايا وبالقرب منهم فأوجس الأخيرون خيفة وأرادوا التفاهم مع صف الغرب بالتي هي أحسن فتوجهت سرية من أعيان وشيوخ العلايا ويقولون عنهم (صف الشرق) ومن بين فرسان هذه السرية الشيخ أبو شنيف الكرة الذي يعتبر أكبر شيوخ العلايا سنا وأحسنهم كياسة وتجريبًا وأكثرهم ثراء، والشيخ محمد باسل والشيخ صالح الأحول والشيخ حسن قادربوه والشيخ علي الأطيوش، وكان هذا أصغر المشايخ سنا والشيخ موسى جريو مصر والشيخ حمد اللواطي والشيخ الكاسح الكيلاني والشيخ أبو خريص الكزة وكثير غيرهم، توجه كلّ هؤلاء للتفاهم مع صف الغرب وأخذوا في التفاهم معهم تارة باتصال زعماء الفريقين وطورا بواسطة الرسل من دعاة الخير ممن لا ينتسبون لأحد الفريقين. ولكن صف الغرب قد استضعف صف الشرق وأخذت الغطرسة والكبرياء والعتو منه مأخذها وكان آخر رسول بعث به صف الشرق هو
стр. 2213
الفقيه الفزاني الذي كان يُعلِّم أولاد علي الأطيوش وكان محل احترام عارفيه وهكذا فكل من كان يحفظ القرآن ويتلوه يكون محل الاحترام فأرسله صف الشرق ومعه رجلًا آخر إلى الشيخ ابن رزق الله يطلب منه باسم صف الشرق التفاهم للوصول إلى تحسين العلائق والجوار.
المقصود من طلب التفاهم هو أن يبقى صف الشرق ببرقة حتى يحصدوا زراعتهم ويستعدوا للرحيل إلى الجبل الأخضر إن لَمْ يمتزجوا مع صف الغرب بدون قتال بين الطرفين، ويطلب أيضًا صف الشرق من الآخرين أن يراعوا حرمة الزراعة ويمنعوا حيوانهم من أكلها وتخريبها، ولكن الشيخ ابن رزق الله لا يعبأ بصف الشرق المستضعف في نظره وقد أبى أن يجيب هذا الطلب المتواضع ورفض أن يسمعه، وليته وقف عند هذا الحد بل تعداه إلى ما هو أبشع وأفظع من ذلك فقد أمر بعض رجال قومه بذبح الفقيه المرسل إليه ورفيقه فذبحهما كما تذبح الشياه وحملهما على جمل وأرسل من يوصلهما مصلوبين إلى منتجعات صف الشرق كتهديد وإنذار (١) فاشمأز صف الشرق من هذه الفعلة النكراء وهذا التهديد المر وأراد رجاله أن يبادلوا صف الغرب بالجزاء من جنس العمل ولكن أصحاب الرأي منهم رأوا أن يتخذوا طريقًا وسطًا يضمن النجاح في المستقبل القريب بالتؤدة والصبر لا بالعجلة التي تأتي أحيانًا بالضرر، فأراد شيوخ صف الشرق أن يذهبوا بأنفسهم إلى أعدائهم رغم العمل الذي يحتم المبادلة بنوعه، وكان الشيخ أحمد اللواطي قويا شديد الانفعال عصبي المزاج ثائرا من طبعه فطلب منه إخوانه أن لا يذهب معهم تفاديًا للشر وخوفا من بادرة تبدو منه يصعب ردها فختم رأيه أن لابد من مصاحبة قومه ولما يئسوا من إقناعه على البقاء اشترطوا عليه أن لا يشترك في المفاوضة وأن يحضر كمستمع فقط فقطع على نفسه بذلك عهدا ولما وصلوا إلى منتجعات صف الغرب تباطأ الشيخ ابن رزق الله في مقابلتهم وبعد مدة زمنية
стр. 2214
قابلهم مقابلة تكلف وكانت بيده عصاة صغيرة من ذهب يداعبها بيديه وبدون أن ينبث ببنت شفة وكان ملثما وترك الكلام لأعوانه، ولما لَمْ يصل أحد الفريقين الفائدة أزال ابن رزق الله لثامه من وجه ونطق قائلًا (اسمعوا يا سعادي أن برقة ظهر حمار لا تسعنا جميعًا) يقصد بظهر حمار أنَّها ضيقة فأجابه الشيخ أحمد اللواطي قائلًا (أن كانت برقة ظهر حمار لا نركبه إلَّا نحن) وأردف كلمته باليمين المعظم عندهم وقتذاك وهو الطلاق وانفض الاجتماع في شيء من الاضطراب فركب العلايا خيولهم وذهبوا سراعًا إلى أهليهم وبقي شيوخ صف الغرب بمحلاتهم. كان ابن رزق الله قد أرسل إلى قبائل الجوازي يطلب منهم القدوم إلى برقة ليتعاون بهم على عن العلايا ويقاسم الجوازي في ملكية برقة، وقد علم العلايا بذلك فتأكدوا أن لا حيلة للبقاء ببرقة دون القتال وأنهم تحملوا الكثير من الإهانات في سبيل الوصول إلى التفاهم وهم الذين كانوا لا يتحملون أقلّ إساءة وخشوا أن تصل قبائل الجواري التي تريد الانتقام فتقوى شوكة ابن رزق الله فاتفق شيوخ قبائل العلايا على إرسال الشيخ أبو خريص الكزة إلى زعيم قبائل الحرابي وقتذاك الشيخ حدوث بن مقرب يستنجدونه فأرسل مع الشيخ أبو خريص كوكبة من الفرسان وفي طليعتها ابنيه الجالي وأبي بكر وشقيقه جلفاف (١) وفي هذا الأثناء وصلت سرية أخرى من قبيلة العبيد المساعدة العلايا وقد ذهب أفراد هذه القبيلة المخازن العلايا كي يأتون منها بتمر وتسمى المخازن كوف - ولعلَّها من كهوف ومفردها كاف - فلحق بهم ابن رزق الله وقتلهم عن آخرهم (٢).
لما رجع شيوخ صف الشرق إلى أهليهم من منتجعات ابن رزق الله أراد هذا الأخير أن يجامل العلايا ويريد بذلك إيهامهم كسبًا للوقت حتى تصل قبيلة الجوازي فوصل إلى منتجعات العلايا الذين أكرموه وبنوا له بيت الكاسح الكيلاني
стр. 2215
لينزلوه ورفاقه به ولقي من الإكرام ما لقيه بعكس معاملته لهم، وبعد تناول الطعام والراحة طلب ابن رزق الله من شيوخ العلايا فتح باب المفاوضة وكانت العادة المتبعة عند العرب أن افتتاح الجلسة وابتداء الكلام أمر صعب لا يتولاه إلَّا دهاتهم ومن بين الصفات التي يمدح بها عظيم البدو يقولون عنه (أن فلانًا فارس في الميعاد وفلان قدير في فتح الكلام) فتكلم الشيخ حسن قادر بوه ردا على الشيخ صالح بن رزق الله فأسكته هذا الأخير بتهديد قائلًا له لا يحق لك أن تتكلم ولا أطلب الكلام من مثلك فتكلم غيره وغيره ولكن أسكتهم ابن رزق الله بتوجيه كلمات عيب يصف بها المتكلم وكان غرضه أن لا يتكلم إلَّا الشيخ أبو شنيف الكزه لما يعتقده ابن رزق الله في أبي شنيف من حب المسالمه واللين ويعتبرهما ضعفا بأبي شنيف أو جبنا فيصل معه وتحت الضغط إلى ما يريد، وبعد أخذ ورد طويلين وبدون جدوى كرر الشيخ ابن رزق الله كلمته السالفة (برقة ظهر حمار لا تسعنا جميعًا) فرد عليه الشيخ حمد اللواطي صاحبه الأول بجوابه الأول وهو شاهر السلاح في وجه ابن رزق الله قائلًا (علي الطلاق لا يركب ظهر هذا الحمار إلَّا نحن ولو لَمْ تكن بين نسائنا وأولادنا وفي محلاتنا كضيف لقتلتك تأديبا لك يا وضيع الأصل) فركب ابن رزق الله وقومه وفي أنفسهم ما فيها وهناك طلب الشيخ أبو شنيف من شيوخ العلايا أن تضم جميع الحيوانات وأن لا يذهب أحد من المنتجعات والعمل بجد للدفاع عن الوطن والأهل، وأن المسألة وصلت الذروة القصوى من التعقيد فلا فائدة في علاجها دون قتال ولا أمل في الوصول إلى اتفاق. وفي هذا الأثناء وصل الشيخ أبو خريص ورفاقه من البراعصة - كما سبق ذكره - الأمر الذي زاد في اطمئنان العلايا وتشجيعهم، وبينما كان العلايا يستعدون وصل الخبر إلى الشيخ حمد اللواطي أن الشيخ صالح بن رزق الله ومعه ابنه في كوكبة من الفرسان بموقع كذا فاغتنم الشيخ حمد اللواطي هذه الفرصة وركب في سرية خصوصية بدون أن يعلم بذلك قومه وخف لمنازلة ابن رزق الله، ومن بين رفاق اللواطي محجوب دواس فالتقى بابن رزق الله وابنه (شيناه) وقتل جميع رفاقه ولما علم ابن رزق الله أن لا مفر من الموت قال للشيخ حمد اللواطي: لا تقتلني مرتين يريد بذلك أن يقتله قبل ابنه بحيث لا ينظر إلى ابنه صريعا فأجابه
стр. 2216
الشيخ حمد وقد جرح أحد رفاقه الأعزاء عليه: وإن مات فلان فلا مناص من قتلك مرتين وإن نجي من جراحه فسأقتلك قتلة واحدة، وقد قتل ابن رزق الله وابنه حيث دفنا بموقع الصواكي.
كان في انتصار حمد اللواطي تفاؤلا حسنًا لصف الشرق وانتقلت منتجعات صف الغرب إلى جهات برقة الغربية وقد استولى عليهم الرعب والذعر بالرغم عن أنهم أقوياء بالنسبة إلى صف الشرق، وقد اقتفى صف الشرق أثرهم وهكذا كلما ينتقل صف الغرب من داره ينتقل صف الشرق في أثره يومًا فيوم حتى وصل الأولون إلى موقع (زغبا) وهناك اشتبك الفريقان في أول معركة رئيسية كان النصر فيها حليف صف الغرب، وانسحب صف الشرق إلى موقع أبي جدارية، والتقى الجمعان في اليوم الثاني وهو يوم الجمعة أول رمضان سنة ١٢٢٧ فانتصر أيضًا صف الغرب بادي ذي بدء وانسحب صف الشرق، وهناك خشيت أم العز بنت الشيخ الكاسح الكيلاني من استمرار انسحاب قومها وهي التي كانت تضرب طبل العلايا راكبة على جملها فتزلت وأمرت ببناء بيت أبيها وأبت أن تسير فخجل قومها أن يفوتوا بيتها مبنيا للأعداء وهي فيه فكرُّوا على أعدائهم بشدة وعنف غير مبالين بمن يموت دفاعا على الكرامة، فانهزم صف الغرب بعد قتال شديد والموت في أول رجالهم وآخرهم، ولم ينج من رجال صف الغرب إلَّا أربعون فارسا فقط فروا عدوًا على خيولهم، وكانت هذه المعركة هي الفاصلة، وقتل أثناء هذه المعركة الشيخ جلفاف (١) مقرب والشيخ وشاح البرعصي والغول مطرود وعقيلة محمود هيبة والكثير غيرهم من رجال صف الشرق، وأخذوا يقسِّمون أموال صف الغرب من الإبل والغنم والخيل والحمير والأثاث وكانت أموال المنهزمين جد كثيرة، فصاروا يأتون إلى الحفر المنخفضة من الأرض المحاطة بالربوات العالية ويدخلون
стр. 2217
بها المصنّف المراد تقسيمه من الإبل أو الغنم بدون عدد حتى تُملأ ويتركونها لمن تصح له أثناء القسمة، ولا زالت المقبرة التي تضم رفات الموتى يومذاك معروفة بموقع زغبا.
كان أعيان قبيلة الفرجان التابعة لزعامة الشيخ صالح بن رزق الله يحتفظون للعلايا بنوع من المحبة لأسباب سبقت هذه الظروف، وكان العلايا يبادلون الفرجان نفس الشعور، وفي اليوم الأول من المعركة كان الفرجان والعلايا لا يقاتلون بصورة جدية ولما انسحب العلايا إلى موقع أبي جدارية كان الفرجان من الكارين فلم يتخذوا الجد في كرهم، أما في اليوم الثاني بعد أن بنت أم العز بيتها كما سبق ذكره تقاتل الطرفان قتالا جديا وقسمت أموال الفرجان مع ما قسم من أموال صف الغرب.
فكتب شاعر الفرجان الطالب ورث بالقصيدة الآتية من الشعر الشعبي إلى أعيان العلايا معاتبًا:
أيام قبل وانتو حزامين … حزام كان لنا معاكم
إلى أن يقول:
إيش السبب يا محبين … ويش السوايا معاكم
تبدى لنا فعلكم شين … أوطاب ما لنا في جباكم
أفتناه صالح أوشيناه … وقلنا نعنهتم افداكم
وفتنا (الكيمان، والعين) … وجينا لهلكم امعاكم
أجبتو تريس التراكين … اللِّي باعنا واشتراكم
قلت: الكيمان والعين مواقعان ببرقة الغربية، فكان الشاعر يقول ألم يكف أنا تركنا لكم هذه المواقع وانسحبنا منها، ويشير في الشطر الأخير من البيت الرابع إلى المعركة الأولى التي انسحب فيها العلايا إلى أبي جدارية حيث منتجعات العلايا فكأنه يقول وصلنا معكم إلى أهليكم ولكن لَمْ نكن جادين في المعركة
стр. 2218
فلولا ذلك لأخذنا أهلكم. ويقول هذا الشاعر أيضًا معاتبا قبيلة زويَّة التي عاركت، إلى جانب العلايا معاركة الأبطال:
ايش جابكم يا زويَّه … منافيخ كيف القبايل
لا النا عليكم سويَّه … ولا لكم علينا غلايل
وأنت يا قراد الحطيَّه … فيك ضايعات الحمايل
اقبيتوا كما بو (زويَّه) … مطاويح بين السلايل
(حسن) عاد المعقبيَّه … وراعي القولات قايل
له دار ف العجرميَّة … أمزرب وعدوان سايل
أخذ الشاعر يسأل ازويَّه عما جاء بهم لمعركة لَمْ تكن في صالحهم ولا هي دفاعَا عن شيء أخذ منهم، ويرى الشاعر أن مجيء زويَّة إلى هذا الميدان ما هو إلَّا تطفل مثل تطفل قبيلة القبائل في هذه المعركة.
ويظهر الشاعر في قوله أن ليس بينه وبين قبيلة ازوية ما يوجب القتال لولا التعدي الذي بدأ به، وهذا التعدي هو السعي لامتلاك برقة وطرد أهلها منها وهم من خيرًا أهل برقة فمتى أجلي العلايا يلحق الضرر بزويَّة أيضًا.
ويصف الشاعر قبيلة زويَّة بكلمة أقراد الحطية، وهي حشرة من الحشرات التي تلتصق بالإبل دائما وقد وصف بها زويَّة ويشير الشاعر إلى مروءة أسداها قومه إلى زويَّة أثناء حرب زويَّة مع الجبالية الذين جاءوا لامتلاك جخرة فقاتلهم زويَّة دون موطنهم وتغلبوا عليهم، وهنا يظهر الشاعر أن قومه انتصروا وقتذاك لزويَّه بدون مقابل، ويشير الشاعر إلى أن أموات زويَّة أثناء المعركة بين سنابك الخيل أنهم مثل "أبو زويَّة" الذي هو حشرة من الحشرات المعروفة ببرقة، ويظهر الشاعر شكره إلى حسن بن مفتاح رئيس فرع من زويَّة يقال له عائلة "مفتاح" وهذا الفرع لَمْ يشترك في المعركة لوجوده في مواطن بعيده عن المعركة وقتذاك وهي العجرمية ومزرب وعدوان وهذه المواقع معروفة ببرقة وصالحة لرعي الحيوانات.
стр. 2219
وهناك منتجع من منتجعات العلايا لَمْ يشترك أيضًا في الحرب ضد صف الغرب ولم يقف إلى جانب إخوانه فأطلق عليه هذا الاسم: (نجع المرأة) ويضم هذا المنتجع عائلة مطاوع العواقير وعائلة الغمق من فرع إبراهيم العواقير، وعائلة مطرود الأسود من المغاربة، وعائلة شعيب الغزي من صبح، ولما انتصر باقي العلايا وغنموا أموال صف الغرب قال قائلهم:
لولا شكل مطرود … راه عيت (١) بوميز اغتنوا
وبوميز هي عائلة من الأسود من فخذ منصور المغاربة ورئيسها وقتذاك مطرود الأسود، وقد عرفت عائلة ابوميز في جميع العصور بالفقر ولذلك يقول شاعر العلايا لو أنهم يعني ابوميز حضروا المعركة لأصبحوا من الأغنياء لكثرة الغنائم يومذاك ولكن عدم توفيق رئيسهم مطرود هو الذي حرمهم من هذا الثراء.
الحرب بين البراعصة والعبيدات
هناك رجل من قبيلة التراكي وهي إحدى قبائل المرابطين في برقة تربطه الخئوله ببيت الزعامة في قبيلة البراعصة وبينه وبين القبيلة صلات مودة فتحول بيته إلى جوار الشيخ اللاقي أبو هرهرة تنزيل عليه وهذا الأخير من قبيلة العبيدات، وفي ذات يوم كان اللافي متغيبا عن أهله فجاء الشيخ الصيفاط أحد أعيان وشيوخ البراعصة في كوكبة من الخيل ونزل ببيت خاله التركاوي نزيل اللافي فأكرمهم وذبح لهم شاة، وبينما ينتظر الضيوف حضور الأكل وصل اللافي أبو هرهرة لبيته وسأل قائلًا إني أرى خيلًا بمنزل نزيلنا فمن أين هم؟ فقيل له أنهم شيوخ البراعصة فذهب اللافي فورًا إلى بيت نزيله وبدون أن يسلم على الضيوف أو يستجوبهم أخذ في تأنيب نزيله قائلًا: لماذا تقبل الضيوف بيتك وأنت نزيلي، ولحق تأنيبه إلى نفس الضيوف قائلًا لهم: إن هذا نزيلي ولو عملتم بالواجب لنزلتم بيتي ضيوفًا كرامًا وأنكم تعلمون أن نزيلي بمثابة جردي (٢) لا يمكن كشفه، فأراد البراعصة أن يقنعوه ولكنه حلف يمينًا أن يذهبوا بدون أن يأكلوا هذا اللحم المهيأ لهم فركب
стр. 2220
رجال البراعصة في شيء من الغضب والسخط ومرُّوا بإبل لعائلة الخرصاني والعلالقة وكلتيهما من العبيدات وأخذوها بعد أن قتلوا ثلاثة من رعاتها وأرسلوا إلى اللافي أبو هرهرة يخبرونه بعملهم انتقاما منه (١).
وكان لأحد المقتولين قريب يُدعى أبو بكر الخرصاني قد عزم على أن يقتل الشيخ سعيد أبو زوير أحد أعيان البراعصة المشهورين لأجل قتل قريبه وأن لا يرضى بدلًا من سعيد رجلًا آخر، وأخذ يتربص به الفرص خفية حتى مر ذات يوم بقرب منتجع البراعصة ودنا من بيت سعيد فرآه يوقد نارا ليتخذ منها نورًا لضيوف عنده فرماه برصاصة خر الشيخ سعيد صريعًا، فتأثر البراعصة لهذا الحادث لأنَّ قتيلهم من أعظم رجال برقة ولا يصح في رأيهم أن يُقتل لأخذ ثأر من هو أقلّ منه.
وبينما كان البراعصة يفكرون في الانتقام سمعوا أن الشيخ لطيف أبو شولاك عمدة قبيلة العبيدات ومن أشهر أعيان قبائل السعادي وقتذاك قد توجه المدينة بنغازي لقضاء مصلحة فاقتفى أثره ولدا الشيخ سعيد أبو زوير وهما بن علي والمبروك ولما وصلا إلى بنغازي أخذا في خفية يبحثان عنه حتى علمًا أنه في صباح غد سيتوجه إلى قصر الحكومة بطلب من والي بنغازي وهناك استعدا لقتل غريمهما فقربا من قصر الحكومة حتى رأياه قد نزل من القصر (هو بلدية بنغازي الآن) فدنوا منه وشعر هو بدوره أن هذان سيقتلاه فخف سيره ليدخل إلى المقهى المحاذي للقصر (مقهى برلاتو الآن) وكان يرى من العيب أن يستغيث أو يرفع رجله جريا فضرباه قبل دخوله المقهى وفرا هاربين. أراد البراعصة بعد قتلهم الشيخ لطيف أن يصطلحوا مع العبيدات فمهدوا لذلك وأحضروا الجرود والبرانيس كما جرت بذلك العادة لإهدائها إلى أهل المقتول واجتمع الكثير من مشايخ مختلف القبائل للصلح وإطفاء الفتنة قبل أن يتسع خرقها فحصل الاتفاق بادئ ذي بدء، وكان من بين
стр. 2221
وسطاء الصلح الشيخ نصر الشيباني عمدة قبيلة المعرفة وانتهى الأمر بالصلح، ولكن الشيخ بريدان أبو شولاك أخذ يعد العدة سرا لمهاجمة البراعصة وقتالهم رغم الصلح الواقع انتقاما لأخيه المقتول، وفي فجر يوم من الأيام هجم الشيخ بريدان منتجع البراعصة بموقع (الحوارة) قبل أن يتم الصلح الذي مهد له وحدد له موعدا فنشبت بين الفريقين معركة كبيرة أسفرت عن قتل الشيخ سليمان الجنازة، وهو من أشهر مشاهير رجال البراعصة، وقد سمع بهذا الحادث الشيخ نصر الشيباني الذي كان قد أخذ عهدًا على مشايخ العبيدات بقبول الصلح وانتهى معهم في إجراء ما يلزم إجراؤه واتفقوا على موعد يكون فيه التصافي والوئام فأخذ يسأل من حوله قائلًا: نحن أصلحنا بين البراعصة والعبيدات واجتمع شيوخ القبيلتين وتصافحوا ولم يبق بينهم شيء وحددنا موعدا لمقابلة أخرى كي يتم فيها ما لَمْ يتم سابقًا فماذا جري يا تري؟ فرد عليه الشيخ أبو فروة مفصلا بقصيدة من اللغة الشعبية يؤنبه فيها وتوالت المعارك بين الفريقين وخسر العبيدات جميع المعارك مع البراعصة إلَّا المعركة الختامية التي كانت هي الفاصلة.
قال الشيخ أبو فروة:
سلامي على نصر شيبان … نزهة أصدور السرايا
إن كان سلتني عن ابريدان … في مسارنا ف اللوايا
جرن فيه باقدار وإحسان … برانيس بلف أو هدايا
خائن أو من سر خيان … من هل العمال الردايا
لمد لنا حشو حشان … وجانا إقبال الصبايا
أو ركبنا على كلّ جنجان … لنقر عريض الشوايا
سقناهم كما ريح لمزان … اللِّي من أرياحًا قوايا
أضجن ساعت طيحت اسليمان … قطاقيض وارد ضمايا
ما مشى النادين مديان … كيف صار طيب النوايا
أو صاحب إسرافيل مابان … أيجي في احساب البقايا
стр. 2222
من المعلوم أن الحكومة تهتم بالواقع؛ لأنَّها مسئولة عن الأمن العام في بلاد تحكمها، وثانيا أن البراعصة قد تعدوا تعديا شنيعًا إذ قتلوا أحد أعيان العرب داخل المدينة التي يحرسها رجال الأمن العام وعلى مرأى ومسمع منهم بقرب القصر الحكومي، أضف إلى ذلك أن الحكومة وقتذاك ما برحت تخشى قبيلة البراعصة وتحسب لها حسابات كثيرة فتسنى لها تأديب هذه القبيلة إن استطاعت، استعد خليل باشا بقوات هائلة وصحب معه الكثير من شيوخ وأعيان الحضر والبادية ومن بين من استصحبهم معه الحاج محمد كاهيه والحاج إبراهيم منينه ومصطفى عصمان (عثمان) وعبد النَّبِيّ حجر القزيري وهؤلاء من أعيان حاضرة بنغازي وكثيرا من شيوخ العواقير والمغاربة وجميع هؤلاء المشايخ كانوا من شيعة البراعصة وأنصارهم سرا وجميع الأهالي يتحيزون إلى البراعصة إلَّا قسما ضئيلًا من قبيلة الحاسا يعرف بالمربد، ونزل خليل باشا والي بنغازي بقواته ورفاقه في زاوية الفايدية واتَّصل بشيوخ البراعصة عن طريق الوسطاء وطلب منهم شروطا للصلح بدون قتال فخضعوا لها إلَّا شرطا واحدًا وهو تسليم الأسلحة التي بيدهم وتجريدهم منها فأبوا أن يذعنوا لهذا الشرط إلَّا رجلًا واحدًا من البراعصة هو الشيخ عمران بن حموده أبو بزله أحد شيوخ عشيرة المساعيد فتقدم بالطاعة لشروط الوالي، وهناك زحفت قوات خليل باشا لقهر البراعصة وإخضاعهم بالقوة فقابلها ثمانون رجلًا فقط من عشيرة طامية والتحمت المعركة بشدة وعنف استعمل في أثنائها إطلاق المدفع، فهجم حمد بن الحالي حدوث على الطبجي وقتله واستولى الرعب على الجند العثماني فانسحب مخذولا بالرغم من اشتراك جميع من أراد مجاملة الحكومة في القتال إلى جانبها وانتصر البراعصة انتصارًا باهرًا.
رجعت قوات خليل باشا بخفي حُنَيْن وبعد هذه المعركة وغيرها حصلت عدة اجتماعات بين العبيدات والبراعصة ووسطاء الخير للصلح وعندما يصل الطرفان
стр. 2223
إلى اتفاق يقول الشيخ عمر جلفاف هذه الكلمة ليخرب بها الميعاد (لماذا قتلتم سعيدًا وهو يوقد نارًا للضيوف) فيتحمس رجال البراعصة وتثير ثائرتهم ويخرب الميعاد، وهكذا يقول عمر جلفاف كلمته هذه في كلّ اجتماع يراد به الصلح فاقترح الشيخ محمود الفرجاني أحد زعماء العبيدات اقتراحا وهو عندما يجتمع الطرفان للبحث في مسألة الصلح يتركوه يجيب الشيخ عمر على كلمته التي تعوَّد قولها للخراب ولم يعرف النّاس ماذا سيكون جواب الشيخ محمود الفرجاني، وعندما حصل أحد الاجتماعات من النوع التي كانت تعقد للوصول إلى الاتفاق ردد الشيخ عمر كلمته فأجابه الشيخ محمود قائلًا: (ألم تقبل ماية رجل في سعيدك) فالتفت الشيخ عمر إلى الشيخ محمود قائلًا: (من أين جاءت هذه) وبهت فلم يتكلم بعدها إلَّا بقوله لا إله إلَّا الله.
يقول شاعر البراعصة مخاطبًا خليل باشا:
ريت شلطهن فالسوق … يا خليل وتحيهن أخرى
يقصد بذلك قتل الشيخ لطيف بميدان السوق. التجأ البراعصة إلى برقة الغربية عقب معركة من المعارك فبعث إليهم العبيدات بقولهم:
البطنان والخرمة تنادي … تعالوا إن كان مانكم واللين (١)
يا عاقلين في وطن السعادي … بقتلكم شيخ كان الكم خزين
ومن قول بريدان المنظوم عندما قتل أخوه لطيف أبو شولاك:
الطيف لاوي الكشمير أن نأخذ فيه إلَّا مدير أما موسى وإلا باكير
ويقول أحد الشعراء البدو يداعب معشوقته مستشهدا بقول عمر أبو جلفاف لأهل الميعاد:
стр. 2224
قولك امعانا يا كحيل أنظارا … كي قول بو جلفاف للسيارا
اقلال عقيده … عمر وأنت يا صابغ سواد هميده
هوا يغزوا (عيت عريف) من تحت أيدا … وأنت تحودي عن حبي بيت الجارا
ما لكم شيء نيسه … عمر وأنت يابوقرن هالب قيسه
ناو الجبل مانا لمغير بسيسه … هو هله فيه وأنا انديو ادباره
ويقول شاعر العبيدات:
عدوهن ايج في غيضهن يا لاهن … ما فيه خير بيعهن وشراهن
راكبات أطوالي … صعيبات ع الشاري ثمنهن غالي
خذن (زدم واسليمان والبهالي) … فراسين كصر ما عمر يفداهن
راكبات سلايل … ما يحملن هفوات القرون الجايل
لهن زمان منهم زامطات علايل … ما صدقن طالن نهار امعاهن
يركبن علي الفرح … هذين عيَّت واعر حربهن ما يفرح
عليك يحدرن كيف الطيور الصرح … اللِّي واحيات محاس وإن عشاهن
واتفق بعدئذ البراعصة والعبيدات وتنازل العبيدات عند ما أخذوا في القصاص عن مائة رجل قتيل في ذمة البراعصة فكانت هذه المكرمة من العبيدات لإطفاء الفتنة تذكر لهم، مع أن العبيدات كانوا هم الغالبون إذ انتصروا في المعركة الختامية وهي معركة (المزيلقة) كان العبيدات قد قرروا الانسحاب إلى جهة البطنان
стр. 2225
أثناء انهزاماتهم من البراعصة وبقي بموقع (المزيلقة) منتجع خليط من جميع قبايل العبيدات وأتباعهم لعدم مقدرتهم على الرحيل فسمع بهم البراعصة وجاءوهم لإبادتهم ولكن الحظ في هذه المرة ساعد العبيدات فقد كان المحل الذي نزل به العبيدات صعب المسالك لا يمكن لأي إنسان أن يدخل إليه أو يخرج منه لصعوبة مسالكهـ وليس من السهل أن تصل إليه الخيول، وهنا حارت سرية البراعصة فلم تستطع المتقدم ولا المتأخر وأخذ أهل المنتجع يقاتلونهم حتى أبادوهم فأسفرت هذه المعركة عن انتصار العبيدات وخذلان البراعصة في هذه الواقعة الأخيرة والفاصلة وفي أثناء المعركة بين منتجع (المزيلقة) وسرية البراعصة كان هناك بمنتجع البراعصة بعض من رجال العبيدات للمفاوضة في شأن الصلح، وكان جميع رجال البراعصة قد ذهبوا (إلى المزيلقة) وكان العبيدات يسألون النساء ومن بالمنتجع بقولهم أين الرجال فيجابوا بأن الرجال ذهبوا ليسقون خيولهم، وفي هذه الحالة كانت الخيول تأتي بالأموات إلى المنتجع في صفة سرية فأدرك العبيدات ذلك وقالوا للبراعصة كان (البئر مزدحمًا). وعقب هذه المعركة المذكورة والتي كان فيها العبيدات هم أهل المقدرة تصالح الطرفان صلحًا طيبًا وتصافيا وتجدد بينهما ود وإخاء لَمْ يكن قبل، وانسحب البراعصة من أراضي العبيدات التي كانوا قد استحوذوا عليها عنوة وأبطل حكم أبو بكر حدوث على العبيدات وتضاءل نفوذه على جميع الحرابي وتنازل عن قصره بموقع القيقب إلى العبيدات، ولم يعرف السعادي الذين يحدثوننا عن حرب وقعت بين قبيلة وأخري كهذه الحرب التي وقعت بين العبيدات والبراعصة، فقد انتهت بتصافي الفريقين وبحسن العلائق وتجديد الروابط وبالمودة التي دونها كلّ المودات وبتبادل الاحترام والتقدير وحتى لما كانت الحرب بينهم فعندما توقف ساعات القتال يضيف أحدهما الآخر في أمن وسلام يتبادلون الإكرام وعندما تشتبك الحرب يذهب كلّ منهما لقومه لتجديد الحرب ولم تعرف هذه العادة عند غير العبيدات والبراعصة، أما عن المودة القائمة بينهما اليوم فحدث ولا حرج.
стр. 2226
وكان بيت الرياسة في البراعصة هو مقرب، وبيت الرياسة في العبيدات هو غيث، وهذان البيتان هما اللذان صعب إقناعهما وهما دعاة الحرب، أما دعاة السلم من القبيلتين فهم الشيخ مازن بن أبي بكر حدوث، والشيخ علي الفرجاني وابنه محمود.
لا تقل مدة الحرب بين البراعصة والعبيدات عن ثلاث سنوات ومن أهم الوقائع:
معركة الجواره، ومعركة الشقاليف، ومعركة عطير، ومعركة المزيلقة.
وقد وصف الشيخ بوسيف أبو شنيف الكزة معركة اعطير في قصيدة باللغة الشعبية يخاطب بها الإبل منها قوله:
بيوم عطير ياعوج اللغاوي … عندك وين جنا بالجضور
عند النزل تميتي خلاوي … والبارود والمدفع أيثور
الباشا جا جايب لك تقاوي … كيف الطير لا راع النقور
اطمع فيك شراب القهاوي … اللِّي من اتراك واللي من حضور
وطمع فيك شراب الركاوي … (اللافي) بوهرهره بوسيور
عندك وين فزعن بلملاوي … كيف الجبح لاجاه البخور
فاتنك سطرو البارود شاوي … بطعن الحراب في وسط الظهور
أعاد ضربهم ايجي ع الكلاوي … وإلاع العمايم أو الصدور
стр. 2227
التفصيل عن قبائل العرب في الوادي سوف بصحراء الجزائر الشرقية
قال صاحب كتاب الصروف (١) في تاريخ الصحراء وسوف من القبائل العربية في بلاد أو ولاية الواد سوف وغالبها من بني سُلَيْم، وعدوان، وطرود بن فهم، وبني هلال، وهي من قيس عَيْلان من مُضَر العدنانية من العدنانية وهي كالتالي:
قبيلة أولاد أحمد
هذه القبيلة كانت في القديم عظيمة وصارت في هذا العهد ضئيلة العدد.
وهي إحدى القبائل المنضمة لشعب الأعشاش.
قيل: سموا أولاد أحمد نسبة إلى أحمد بن أهيب من بُهْثَة بن سُلَيْم بن منصور بن عِكْرَمة بن خَصْفَةَ بن قيس عَيْلان.
وقيل: نسبة إلى رجل يقال له حمد بن عمر بن حنظلة القريشي كان قتل ابن عمه وأتي إلى القيروان هاربا … إلخ، لكن الإخباريين ذوي التحقيق جزموا بعدم صحة ذلك، والله أعلم.
وتتركب قبيلة أولاد أحمد من سبع عمائر:
العميرة الأولى: السوفية:
هذه العميرة سميت بذلك؛ لأنَّها أول من دخل وادي سوف وعمَّره، فكأنه لَمْ ينسب أحد لسوف سواها، وأولهم سيدي مسطور السابق ذكره.
وكان لبعض أولاده بتان إحداهما تسمى عائشة، والأخرى فاطمة وسيأتي ما يترتب عنهما.
وتتركب هذه العميرة من عشر فصائل خمس أصليات وهي: الأولى: أولاد يوسف وفيهم بيتان من بني عدوان يقال لهم أولاد الأخضر جاءوا من قديم مع
стр. 2228
طرود الذين كانوا في تندلة. الثانية: أولاد شايب. الثالثة: أولاد حفوظة. الرابعة: أولاد حفصة. الخامسة: أولاد مصباح.
وخمس ملحقات وهي: أولاد شبل بن موسى بن محمد بن مسعود بن سلطان بن زمام بن ورديفي بن داود بن مِرْدَاس بن رياح بن أبي ربيعة بن نهيك بن هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هَوَازِن بن منصور بن عِكْرَمة بن خَصْفَةَ بن قيس عَيْلان.
ذكر القدماء أن الذي أتي إلى الوادي من أولاد شبل إنسان يقال له العربي، وجاء منه ابن يقال له عبد الله، ومنه ابن يقال له محمد، وجاء من هذا ابن يُسمى أحمد ومنه جاءت الذرية التي معنا الآن وهم: إبراهيم، والحاج عبد القادر، ومحمد، وهذا الأخير هو الذي مات في قمار سابقًا.
وسبب مجيء العربي المذكور إلى وادي سوف مع أنه كان بالمحاميد (١) غرب طرابلس أنه كان بناءً فطلب منه شيخ المحاميد أن يبني له بيتًا في منزله فرأته امرأة من قريبات الشيخ كانت بالمنزل وقيل جاريته فعلقت به واشتد كلفها وشوقها. فراودته عن نفسها وراسلته خفية فامتنع عن وصالها، فأقسمت له قائلة: إن لَمْ تأت لأقولن أنك راودتني عن نفسي!، فوعدها بالإتيان إليها ليلًا. فبلغ الخبر إلى الشيخ فأخذ سلاحه وقال: إن جاء إلى منزلي أقتله، ولم يذهب العربي إليها كما وعدها صونًا لدينه وعرضه، ولما انتقل الخبر بين النّاس قال في نفسه: إن هذا الإنسان قد تمكنت بيني وبينه العداوة وهو الرئيس فإن لَمْ يقتلني اليوم سيغري بي بعض السفهاء ليقتلني يومًا آخر، فأتي إلى أمه وأخبرها بتفصيل الواقعة وقال لها: إنني أريد الفرار من هذا المكان ثم ودعها وانصرف تاركا جميع ما عنده، ولم يزل ينتقل من محل إلى محل حتى وصل عند أبناء سيدي مسطور فنزل عليهم
стр. 2229
فأكرموه، وبعد زمن يسير زوجوه بعائشة المتقدم ذكرها، وجعل منزلًا من حطب وحلفاء وبيتا من شعر في المكان المعروف الآن بالجامع الصغير الذي بوسط السوق، ثم شرع هو وزوجته في غرس النخيل فجعلوا الغوط المسمى الآن غوط عمَّار بن صيفي.
فسبب انضمام هذه الفصيلة للسوفية هو تزويج العربي الشبلي بابنتهم عائشة كما تقدم.
الفصيلة الثانية: العلالقة، يزعم بعض العوام أن علاقا جد العلالقة كان خادمًا للعربي الشبلي المتقدم، وليس بصحيح، وإنما هو حديث خرافة. أما نسبهم فيتصل بعلَّاق بن عوف بن بُهْثَة بن سُلَيْم بن منصور بن عِكْرَمة بن خَصْفَةَ بن قيس عَيْلان. وكانت منازلهم مع بني شبل في المحاميد عرب طرابلس كما هو في ابن خلدون و "المنهل العذب".
قال القدماء: أن جد العلالقة الذين بسوف كان مع العربي الشبلي ومن أكبر محبيه وملازميه. ولما فر العربي إلى سوف التحق به وحين خالط أبناء سيدي مسطور زوجوه بفاطمة السالف ذكرها أي أخت عائشة، وخدم النخيل مع الشبلي وجعل منزله في المكان المعروف الآن برحبة اليهود غربي السوق.
فالسبب في انضمام هذه الفصيلة أيضًا للسوفية هو تزويج جد العلالقة بابنتهم فاطمة.
الفصيلة الثالثة: أولاد الجديدي وينسبون إلى سيدي محمد الجديدي الفحقي القيرواني السالمي من بني سالم بن وهب بن رافع بن ذباب بن مالك بن بُهْثَة بن سُلَيْم بن منصور … إلخ، وصاحب الزاوية الشهيرة بالقيروان كان جدهم الأول بطرابلس عند دخول العرب إلى إفريقيا، ثم انتقل إلى قرية فحقة بقرب القيروان. وتناسلت منه ذرية بها وانتقل منهم سيدي محمد الجديدي إلى القيروان فاستوطنها وجعل زاويته بها، ثم انتقل بعض أبنائه مع بعض العرب الذين قصدوا المغرب،
стр. 2230
وهم المعروفون عندنا اليوم بالسلمية، ونزلوا قرب القرارة والجلفة ثم انحدروا إلى الصحراء القريبة وأتي جد الواديين الآن منهم؛ ولهذا من لا يعرفهم يحسبهم من السلمية.
وقد ورد في "المنهل العذب" عند ترجمة سيدي عبيد بن يعيش الغرياني الذي خلفه الشيخ الحديدي في مكانه على زاويته أن الشيخ الجديدي قال: إني رأيت في منامي كأنني في مقدم سفينة وعبيد الغرياني في مؤخرها، فأولت ذلك بأني أموت وهو يرثني، وقال عبيد: فقصدت الجديديين الذين في بلدة فحقة فلم نجد الشيخ محمد الجديدي فدخلت القيروان من باب تونس فوجدته خلف صبية يلعبون فأخذ بيدي ومشي بي إلى زاويته .. إلخ، وكانت وفاة الشيخ الجديدي في حدود عام ٨٠٢ هـ / ١٤٠٠ م.
فسبب انتساب الجديدين للسوفية هو أن جدهم حين دخل الوادي نزل على أولاد يوسف فتزوج منهم بامرأة يقال لها مسعودة وانضم لهم بذلك.
الفصيلة الرابعة: أولاد ميلود: وهم من أمغاد غدامس، أتى جدهم محمد بن أحمد بن ميلود فنزل على أولاد يوسف وتزوج منهم بامرأة يقال لها مسعودة بنت عطاء الله فانتسب لهم بذلك.
أقول: انتهت إمامة الجامع إليهم وكان جميع الأئمة الذين توارثوها بجامع السوق، أي جامع سيدي المسعود هم من أولاد مسطور، وأولاد الجديدي، وأولاد ميلود، فأولهم سيدي محمد الهادي بن مسطور، ولما مات قام بالإمامة بعده ابنه يوسف، وبعده ابنه بوغزالة وكان صاحب فهم عميق وعلم غزير وتقاليد مهمة. عثرت على تأليف له في التوحيد نظما وبعض مسائل حسابية. وبعد انتقاله، خلفه في الإمامة الحاج عطاء الله ومن بعده سيدي الجديدي وهو المقبور بجانب الجامع الغربي. ومن بعده سيدي عطاء الله الثاني وكان صاحب تحقيق في فتاوى الفقه والميراث. وعنه أخذ الكثير من المتقدمين وقد كتبت عنه مسائل مهمة في الفنين المذكورين، وحُجب بصره في آخر العهد، ودام على تلك الحال يدرس بالجامع
стр. 2231
الكبير، ومن بعده قام بالإمامة أخوه سيدي محمد بن سيدي الجديدي، وبعده قام سيدي مسعود بن سيدي عطاء الله وبعده صهره زوج ابنته وهو سيدي أحمد بن محمد بن أحمد بن ميلود.
الفصيلة الخامسة: أولاد الحداد وهم أولاد العبيدي، أصلهم من أولاد سيدي عبيد الساكنين حوالي نفطة في بلاد الجريد التونسية، أتى جدهم بلقاسم الحداد من أولاد عبد الملك فريق أبي طارفة. وكان بلقاسم المذكور رجلًا تقيا ورعا فآواه يوسف أحد أبناء سيدي مسطور وزوجه بابنته مبروكة فانتسب للسوفية بذلك، وأولدها ثلاثة أبناء وهم: علي، ونصيب، وسعد. فمن الأول: عمارة والعبيدي، ومن الثاني: بلقاسم والغالي ومحمد، ومن الأخير على النقاب. فهذه الفصيلة أتت متأخرة جدًّا دعاني لتقديم ذكرها إتمام عميرة السوفية.
العميرة الثانية: أولاد مياسة:
قال القدماء وكذا الشيخ العدواني: إنهم أبناء المائسة بنت العش حين تزوجها أحمد بن عمر بن حنظلة. والراجح حسب ما تدل عليه المقارنات وكما جاء في تاريخ ابن خلدون أنهم من أبناء مياس بن هيكل بن ملاعب بن نمير بن حكيم بن حصن بن علاق بن عوف بن بُهْثَة بن سُلَيْم .. إلخ، وهو نسب العلالقة السابق ذكره، وهم فصائل كثيرة في الطريفاوي والوادي وعميش وليس معهم طارئ إلَّا أولاد الخزاز فإنهم من أولاد مولات الغرابة، وسيأتي نسبهم في المصاعبة إن شاء الله. وكان دخولهم إلى الوادي عقب دخول السوفية ولذا ذكرتهم إثرهم.
العميرة الثالثة: أولاد جاء بالله:
هم أولاد جاء بالله بن جارية بن وشاح بن عامر بن جابر بن فاتك بن رافع بن ذباب بن مالك بن بُهْثَة بن سُلَيْم وهم فرق قليلة في أولاد أحمد ومعهم بطنان أجنبيان، الأول منهما العوينيون ينسبون إلى عوينة دوز وهي قرية من قرى
стр. 2232
نفزاوة ببلاد الجريد التونسية والقريبة من أرض سوف، وهم قليلون جدًّا. والثاني منهما القوايد، أصلهم من زناتة تكسبت القديمة. وهذا هو سبب تقديمي لهذه العميرة على غيرها وإلا فأولاد جاء بالله أتوا متأخرين من نفزاوة وسكنوا في أولاد أحمد.
ونسب زناتة كما تقدم إلى حِمْيَر. وأما قايد المذكور فهو ابن أبي الضحاك بن أبي يزول تافرسين بن فراديس بن ونيف … إلخ.
العميرة الرابعة: الأميهات:
هذه العميرة تنسب إلى محل يقال له أميهة بادي قرب نفوسة من أعمال قابس، إذ جدهم الأميمي هو الذي أتى إلى أرض سوف من هناك.
وهم اثنتا عشرة فصيلة منها خمس أصليات وهي: أولاد الطالب علي وأولاد بوغزالة، وأولاد نصر بن عون، وأولاد مزيو، والعتايبة. واثنتان مختلطتان هما: رمضين الطريفاوي (أما رمضين الوادي فهم من أولاد مياسة)، وأولاد عليه.
وخمس ملحقات: الأولى الترايعة من أولاد تريعة بن محمود. قال القدماء أن أباهم من بلدة قمار وأمهم غربية وهم من الأشراف.
الثانية: أولاد ميداني من أشراف البهيمة الذين أصلهم من نفطة كما سيأتي.
الثالثة: أولاد علي بن مبروك، أصلهم من الزاب الشرقي وينسبون لأولاد عمر أتوا في الزمن القريب وانضموا إلى الأميهات.
الرابعة: أولاد الدرَّاجي أصلهم من جبل الظاهر وعاشروا عرب سيدي عُقبة فكانوا حلفاء أولاد عمر وقد أتوا متأخرين جدًّا إلى وادي سوف، وقيل أيضًا أصلهم من الدويرات.
أقول: إن أهل الدويرات هم من بني سُلَيْم، أما أولاد الدرَّاجي فمن الأشراف، والله أعلم.
стр. 2233
الخامسة الدبابشة، أتى جدهم من قرية يقال لها الدبابشة من قرى نفزاوة، ويختلط بهؤلاء أولاد صالح بن حميدة من أشراف نفطة، وأولاد حميدة الزن من أهل نفطة أيضًا.
العميرة الخامسة: العواشير:
يجري على ألسنة القدماء أن جد العواشير يسمى عاشورا من موالي أولاد مياسة لكن معظمهم يثبت هذا النسب وبعضهم ينفي ذلك.
وهم عشر فصائل، سبع أصليات وهي: أولاد كرمادي، وأولاد بلقاسم بن قدور، وأولاد الأطرش، وأولاد العطالة، وأولاد طليبة، وأولاد زيد، وأولاد الصغير خرخش. وثلاث ملحقات: وهي النوابلية من نابل بلدة من أعمال سوسة إيالة تونس، وأولاد مصطفى الزبيديين وسيأتي نسبهم، والكواردية أصلهم من غريب أتوا متأخرين جدًّا. وينضم لهؤلاء أولاد عبد الله الحسان النموشي وبعض من قرية قمار مثل أولاد حمودة وابن غريب.
أقول: الصحيح أن الفرق الأربع الأوليات يقال لها أولاد الحاج أحمد هو صاحب جامع أولاد أحمد الآن الذي أسسه وحرض الناس على إتمامه، وأن الفرقة الخامسة من أخلاطهم يقال لها القلالبة، ومع السادسة والسابعة أخلاط يقال لهم أولاد التومي وهم الذين كان جدهم مولى لأولاد مياسة يخدمهم ثم هرب من عندهم والتحق بوادي ريغ ثم رجع فاختلط بالمذكورين.
وهذا هو سبب ذكري لهذه العميرة عقب أولاد مياسة.
العميرة السادسة: أولاد عياد:
هم أولاد عياد بن منيع بن يعقوب بن عامر بن مالك بن زغب بن نصر بن زايد بن سليمان بن وهب بن رافع بن ذباب بن مالك بن بهثة بن سُلَيم .. إلخ.
وهم فرق كثيرة كانت في القديم بنواحي طرابلس وبرقة وقابس، أتت منها إلى أولاد أحمد ست فصائل، وإلى البهيمة فصيلة واحدة عظيمة، فالست هي:
стр. 2234
الزرايقة ويقال لهم أيضًا أولاد الزرقي، وأولاد غربي، والأمهاوات، وأولاد مجول، وأولاد مبارك وأولاد زغدود، ثم وقعت بين أولاد مجول وغيرهم مشاحنات خرجوا من أجلها من أولاد أحمد فنزل بعضهم بالمصاعبة وبعضهم بالأعشاش وسيأتي ذكر ذلك إن شاء الله.
العميرة السابعة: السوامش:
أصل هذه العميرة من نفزاوة وينتسبون إلى سماش بن سيدي بوجويحيف النفزاوي. وبعضهم يزعم أن سيدي بوجويحيف هو جدهم لأمهم فقط لأنه لم يترك ابنا ذكرا، وسماش المذكور هو ابن ابنته وأبوه من بني سُلَيْم الذين سكنوا جبل الظاهر والدويرات وتفرق وابن واحي نفزاوة.
ومن الأخبار التي تناقلها القدماء أن سيدي بوجويحيف المذكور، وسيدي معبد الذي بقرب غدامس، وسيدي خويلد الذي بورقلة، وسيدي علي بن خزان الذي بقرية الدبيلة هم إخوة عبدوا الله جميعًا بالصحراء القبلية، ومنها تفرقوا فساق الله كل واحد إلى محله الذي هو به الآن بعد أن طوحته الطوائح زمانا.
وهذه العميرة أتت متأخرة جدًّا لكن تتميما لقبيلة أولاد أحمد قدمتها في الذكر، وهذا آخر الكلام على القبيلة المذكورة.
المصاعبة
الذي جرى على الألسنة في الأزمنة الأخيرة أن هذا الشعب يسمى المصاعبة واختلفوا في سبب تسميته بذلك، فالبعض يقولون لأنهم ينسبون إلى مصعب بن شباط، ولكن هذا الاسم أتى لهم متأخرًا، وهم كانوا شعبا عظيمًا قبل وجود مصعب. فيهم.
قال الشيح العدواني أن مصعب اثنان أخوان أحدهما يقال له الأعور، والآخر يقال له التاجر. أما الأعور فهو من ولد همام ابن فطاسة البدوية، وأما التاجر فهو من ولد عمر بن أبي بكر بن سعد بن لؤي بن المسعود الصحابي .. إلخ.
стр. 2235
أقول: لعل هذا خطأ في النسخ أو الطبع أو سهو من المؤلف إذ كيف بعد أن كان الأعور والتاجر أخوين صار أحدهما من ولد همام والآخر من ولد عمر. وهب أن الإخوة كانت من قبل الأم فقط فكيف يشتركان في الاسم مع اضطراب نسب الثاني. فالصحيح ما أخبرني به حمد بن بوزغاية ﵀، وهو أن المصاعبة كان يقال لهم المصابعة بتقديم الباء على العين، وأن المصاعبة كان يقال لهم الأصابعة.
جاء في "المنهل العذب" قوله: الأصابعة نسبة إلى رجل ذي أصبع زائدة … ولم يذكر التجاني لأي بطن ينتسبون.
وورد في كتاب الشريشي الكبير قوله: ذو الأصبع هو القائلِ: غدير الحي من عدوان إلى آخر أبيات الشعر المعروفة.
ثم قال: وهو ابن قيس بن صعصعة بن طرود بن فهم بن عمرو بن، قيس عيلان … إلخ.
وشعب الأصابعة أو المصابعة أو المصاعبة ينقسم إلى أربع قبائل وهي: الشبابطة، والقرافين، والعزازلة، والشعانبة، وسأتي تفصيل الجميع إن شاء الله.
قبيلة الشبابطة
ينتسبون إلى شباط المتقدم ذكره. وقال القدماء أنهم من العرب الذين دخلوا وادي سوف عقب سيدي مسطور وأولاد أحمد، وفيهم بعض أهل تكسبت القديمة من زناتة.
وتنقسم قبيلة الشبابطة إلى اثنتي عشرة عميرة.
العميرة الأول: الشراردة:
سموا بذلك لشدة نفرتهم من الناس وشرودهم، وهم ست فصائل أصلهم من توزر في بلاد الجريد التونسية.
стр. 2236
الأولى: المداخلة، الثانية: الروابح، الثالثة: أولاد قروش، الرابعة: أولاد حمة الطالب، الخامسة: أولاد عثمان، السادسة: المنانعة ويقال لهم أيضًا أولاد مناعي وكلهم دخلوا وادي سوف جملة حسب قول القدماء.
العميرة الثانية: أولاد بوجديد:
نسبة إلى نجدهم بوجديد الذي جعل البناء الجديد في تكسبت التي كانت بموضع غوط الدواب الآن وهو المغيبة.
وتنقسم هذه العميرة إلى ست فصائل: اثنتان أصليتان وهما: الأولى: أولاد حمانة، الثانية: أولاد البوهالي، ومع الأخيرة أولاد دهانة النموشي.
وأربع ملحقات وهي: الأولى: أولاد حمادي أصلهم من بني سُلَيْم، الثانية: أولاد صابر بن عسكر بن حميد بن هيب بن بهثة بن سلَيم بن منصور، وهم الصوابرية، وقد انتسب هؤلاء إلى أولاد بوجديد بالمصاهرة، الثالثة: المراغنية نسبة إلى سيدي مرغني الرجل الصالح المقبور الآن بمحل تعبده في صحن الماسط.
وذهب الناس في نسبهم مذاهب شتى، فمنهم من يقول أنهم من الطوارق تصاهروا مع أولاد بوجديد وحين ضاق المجال بهم نزلوا بالصحن المذكور فخدموا ضريح سيدي مرغني ونسبوا أنفسهم إليه، ومنهم من يقول أنهم من بني مرغمي بن صابر المذكور آنفا وإنما أبدلت العامة ميم الاسم بالنون فصار مرغني مثل اسم الشيح الصالح فظنوا أنهم منه.
أقول: رأيت في الجزائر كتابا بخط القلم اسمه: كتاب السلسلة الوافية والياقوتة الكافية (أو الصافية، اشتبه عني ذلك) مقتطف من الجمهرة الكبرى، وكتاب التحقيق في النسب الرقيق وكتاب الاعتبار وجواهر الاختبار. وكان على كتاب السلسلة الوافية هذا خاتمان قديمان لم تتبين لي كتابتهما منسوبا للشيخ أحمد بن أبي القاسم العشماوي، مؤلفا عام ١١٩٨ هـ/ سنة ١٧٨٤ م ذكر فيه نسب
стр. 2237
المراغنية بما نصه: وأما المراغنية بنو يوسف بن مخلوف فجدهم اسمه الحسن بن بلقاسم بن عبد الكريم بن إبراهيم بن عبد العزيز بن عمر بن سليمان بن عيسى بن محمد بن أحمد بن علي بن عبد الله بن عيسى بن إدريس بن إدريس بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى … إلخ.
أقول: وبعد أن كان المراغنية في أولاد بوجديد تصاهروا مع أولاد مياسة واختلطوا بهم فصاروا الآن يذكرون في عديدهم مع أولاد أحمد.
الرابعة: العوامر أبناء سيدي عامر بن صالح بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلا بن عبد العلا بن أحمد بن محمد بن عمر بن سليمان بن أحمد بن محمد بن إدريس الأصغر ابن إدريس الأكبر ابن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى ابن الحسن السبط ابن سيدتنا فاطمة الزهراء بنت سيدنا محمد ﷺ .
أقول: انحصر نسل بني عامر الواديين في أحد أبنائه وهو محمد الذي قدم من نواحي سوسة بالإيالة التونسية، وتناسل من هذا ذرية كثيرة مات بعضهم من غير عقب. وبعضهم عقب وهم عمار، وإبراهيم، وأحمد، وعلي.
فمن الأول محمد الذي مات من غير عقب، وعلي ولم يعقب أيضًا، ومن الثاني محمد الساسي (١) فقط، ومن الثالث بلقاسم ومنه إحمد ومنه البشير المفقود الآن، ومن الأخير محمد ومنه عمر ومنه علي الذي مات من غير عقب ومحمد؛ ومن هذا محمد وعمر ومصباح، والحسين. وقد انضم العوامر لاولاد بوجديد بالمصاهرة.
стр. 2238
العميرة الثالثة: الشوايحة:
ينسبون إلى شيحة وهو محل بقرب جبل أوراس لنزولهم به زمنا عند دخول العرب أرض إفريقيا، ثم أتوا إلى وادي سوف واختلطوا بالشبابطة وتصاهروا معهم.
وهم من بني رياح بن أبي ربيعة بن نهيك بن هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان لوجود ما يدل على ذلك فيهم، إذ سمعت من بعضهم دعوى القرابة امع بعض الرياحيين.
وتنقسم هذه العميرة إلى ثلاث فصائل وهي: الصوالح، والكعوب، والذرايعة، وكلهم دخلوا وادي سوف متأخرين وإنما ذكرتهم هنا تتميما لقبيلة الشبابطة.
العميرة الرابعة: العيايدة:
هذه العميرة تقدم نسبها في أولاد أحمد، إذ هي قطعة منهم وهم أولاد مجول، لكن الآن تصاهروا مع الشبابطة وصاروا من عديدهم.
العميرة الخامسة: الأبالي:
هم أولاد بالي بن فرحات بن سليمان يتصل نسبهم بالفصائل الملحقة مع العوامر المتقدم ذكرهم.
وتنقسم هذه العميرة إلى أربع فصائل، ثلاث أصليات وهي: الأبالي، وأولاد القيطة، وأولاد الدودي ومن انتمى إليهم.
وواحدة ملحقة وهي الأماطرية. أصلهم من ماطر وهي بلدة من أعمال إيالة تونس، أتوا متأخرين فانضموا لهؤلاء بالمصاهرة، وأكثرهم الآن انتقلوا إلى نفطة واستوطنوها ولم يبق بعميش منهم إلا القليل.
стр. 2239
العميرة السادسة: الأعليات:
هم أولاد علية بن صمودة بن حمدان، أصلهم من بلدة الحضر التي بوسط نخيل توزر الآن غربا منها. ويقال أن نسبهم يتصل ببني همام (١).
أقول: ويدل على ذلك قرابتهم في بني رضوان منهم خاصة خلافًا لمن يزعم أنهم من العرب الغرابة.
العميرة السابعة: الأمامنة:
سميت هذه العميرة بذلك؛ لأن جدهم كما قال القدماء كان غير مسلم ثم آمن وحسن إسلامه وسمي عبد الله المؤمن، وقيل أيضًا أنه كان من حلفاء بني مزروع الذين في جبل الظاهر، وكان يقال لبنيه أولاد المؤمن ثم تصرفت فيه الألسنة فصار يقال لهم الأمامنة، ولم يكن من هؤلاء أحد بالوادي بل كلهم في عميش.
العميرة الثامنة: المساعية:
هم أولاد المسعى بن إسماعيل بن باعلي، أصلهم من أباضية مزاب، أتى جدهم عام المجاعة الكبرى، وبلغني أنهم إلى الآن لا يسمون عليا، والعهدة في ذلك على القائل، وقد عدل جدهم عن الاعتزال حين خالط أهل سوف فصار سنيا.
العميرة التاسعة: الستاتة:
هذه العميرة تجمع طائفتين هما: أولاد ستو، وأولاد سيدي موسى ومن انضم إليهم.
قيل: أصلهم من أولاد مولات بن مكناسة بن ورصطيف بن يحيى بن تمصيت ابن ضري بن زيحيك بن مادغيس إلى آخر نسب البرابرة، فهم على هذا
стр. 2240
القول من البرابرة الذين اختلطوا بعرب رحمان والسلمية المتقدم ذكرهم بنواحي وادي ريغ. لكن الصحيح أنهم من أبناء سعيد بن مالك بن رياح بن أبي ربيعة بن نهيك بن هلال بن عامر، الذين هم في أرض ورقلة. أتوا متأخرين إلى وادي سوف فاختلطوا بالشوايحة في القديم وبالسواكرية في الأخير، والله أعلم.
العميرة العاشرة الجلايصية:
هم أولاد جلاص أو صلاص أو زلاص بن حبوس بن لماية بن فاتن بن تمصيت بن ضري … إلى آخر نسب الستاتة على القول الأول، فالزلايصية من البربر الذين كانوا نازلين بنواحي القيروان وتفرق منهم أناس بقسطيلة والزاب وسوف. وقد أتوا متأخرين فتصاهروا مع الشوايحة وصاروا في عديدهم.
العميرة الحادية عشر: الزبدة:
سميت هذه العميرة بذلك نسبة إلى زبيد.
جاء في تاريخ ابن خلكان ما نصه: زبيد (بضم الزاي وفتح الباء الموحدة وسكون الياء المثناة وبعدها دال مهملة) اسمه منبه بن صعب بن سعد العشيرة بن مذحج.
وزاد "العقد الفريد" هو ابن مالك بن أدد بن زيد بن يشجب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن مالك بن أدد بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن عابر وهو سيدنا هود ﵇ بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح ﵇.
وقال ابن خلكان: زبيد قبيلة كبيرة باليمن خرج منها خلق كثير من الصحابة ﵃.
أقول: وحين دخلوا مع العرب إلى إفريقيا اجتمعوا في ناحية واحدة بقرية قرب المهدية، ومن هناك تفرقوا، والدليل على ذلك ما ذكره القدماء ويؤيده ما ذُكر في رحلة ابن بطوطة.
ومن هذه العميرة شعبة مع أولاد أحمد وقد تقدمت الإشارة إليهم، وسيأتي ذكر بعضهم مع الأعشاش وفي كوينين وتاغزوت.
стр. 2241
ومن الزبيديين من نزلوا بنفطة ومنهم من ذهبوا إلى الزاب فاستوطنوه. والذين هم بالوادي مع شعب المصاعبة الآن ثماني فصائل وهي: العمامرة، والخوالدية، وأولاد الحاوي، وأولاد فرجاني، وأولاد القتي، وأولاد بوسنينة وأولاد القصير، والبقاقصة. وقد أتوا إلى وادي سوف منذ زمن غير بعيد.
العميرة الثانية عشرة: السواكرية:
هذه العميرة تنقسم إلى ثلاثة أقسام وهي: أولاد إسماعيل، وأولاد ذياب بن الساكر، وأولاد الحاج عبد الرزاق بن الساكر.
فأما الأولون فأصلهم من ملكية وهي إحدى قرى غرداية، وأما الأخيرون فقال عنهم الشيخ العدواني: إن نسب جدهم يتصل بسيدنا الزبير بن العوام وابن صفية عمة رسول الله ﷺ .
قال القدماء: أتى الساكر متأخرا ونزل بتكسبت الجديدة واستوطنها وولد له ابنان، أحدهما يقال له ذياب، والآخر عبد الرحمن، ثم مات الأخير من غير عقب. وولد للأول ابنان أحدهما يسمى الساكر، والثاني عبد الرزاق (شهر بعد حجه بالحاج عبد الرزاق) وكان رجلًا صالحا، ثم انتقل الأول إلى الوادي، والثاني إلى بلدة يقال لها الخضراء قرب غمرة إحدى مداشر تقرت فوجد فيها سيدي محمد بن السايح فخدمه زمنا وبعد ذلك أشار عليه بأن يسكن هو وبنوه الغديرة التي هي محل الطيبات القبلية الآن، وقال له احمل معك ناقة فإذا وصلت إلى مكان فأشرفت الناقة على الموت فانحرها ولا تأكل منها وأسكن بمحل موتها وإن لم يقع شيء للناقة فأرجع، فلما وصل إلى ذلك المحل أي الطيبات وقع للناقة ما ذكر فسكن هناك وابتدع النخيل، وإلى اليوم توجد نخلتان طويلتان مما غرسه الحاج عبد الرزاق.
ثم بعد ذلك أمره الشيخ بالرجوع إلى الوادي فرجع وسكن مع أخيه في الشبابطة وتصاهر معهم، وجميع الرزازقة الموجودين الآن هم منه.
стр. 2242
وانضم لهؤلاء أربع طوائف، اثنتان من الزاب واثنتان من الجريد. فالأوليان هما أولاد الشريف، وأولاد حميدة بن سعيد، وكل طائفة من هاتين تنسب لنفسها الشرف، وحسب قول القدماء أنهما من أولاد عمر الذين بنواحي سيدي عقبة، فهم إخوة سعيد السابق ذكرهم، وأما الأخريان فهما أولاد الداب، وأولاد العمودي وقد أتوا في الزمن القريب من نفطة.
وما كان غير مذكور هنا فهو داخل فيمن ذكر لا يخرج عنهم.
القرافين
هم أولاد قرفة بن أثبج بن أبي ربيعة بن نهيك بن هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مُضر بن نزار بن معد بن عدنان.
قال ابن خلدون: نزل بنو قرفة بجبل أوراس وسكنوه مللا متفرقة واتخذوه وطنا، وربما نزل بعضهم إلى تخوم الزاب، وهم بطون كثيرة، فأولهم بنو محمد بن قرفة ويعرفون بالكلبية، وأولاد شهيب بن محمد بن كليب ويعرفون بالشهب، وأولاد صبيح بن فاضل بن محمد بن كليب ويعرفون بالصبيحة، وأولاد سرحان بن فاضل ويعرفون بالسرحانية، ثم أولاد ثابت بن فاضل وهم أهل الرئاسة في قرفة، ولهم إقطاعات السلطان. وهم ثلاثة أفخاذ: أولاد مساعد، وأولاد ظافر، وأولاد قطيعة، والرئاسة أخص بأولاد مساعد بأولاد علي بن جابر بن فتاح بن مساعد بن ثابت، ثم انتشر بنو قرفة في الزاب والرمال.
أقول: إن القرافين دخلوا وادي سوف متأخرين جدا ولكن حيث كان معهم الآن بعض البطون القديمة ذكرتهم هنا لتتم بذلك الضميمة للشبابطة إذ هم معهم في الأحكام.
стр. 2243
وتنقسم هذه القبيلة إلى تسع عمائر إحداها أصلية والباقيات طارئات.
العميرة الأولى: الشراعبة:
نسبة إلى شرعبة جدة الفطاحزة التي كانت تنمي لها مفاخر القرافين الذين بالوادي لجودها وكرمها وحسن رأيها وهي تشبه الجازية الهلالية في المتقدمين.
وتنقسم هذه العميرة إلى تسع فصائل صغار وهي: الفطاحزة، والزغايبة، والقراينة، وأولاد حقانة، والسوايح، وأولاد غمام، والهوامل، والطرايلة، والترايعة، الذين يقال لهم الشويرفات لا الذين تقدم ذكرهم في أولاد أحمد.
العميرة الثانية: القشاشطة:
هذه العميرة تنتسب إلى سيدي أحمد بن قشوط الرجل الصالح صاحب القبة التي بوسط جبانة (مقبرة) الأعشاش، وأصله من أبناء سيدي عبيد الشريف الذين هم في ضواحي الجريد، أتى إلى الوادي متأخرا وانضم بالمصاهرة للزغايبة ومن معهم وتفرعت عنه الذرية الموجودة الآن بوادي سوف.
العميرة الثالثة: أولاد نصير:
قال القدماء: كانت ورقلة مسكونة بالرومان وخصوصا المكان المسمى نقوسة فتواقعوا مع البربر وخرجوا منها وسكنها البرابرة، ثم لم تنتظم أمورهم واختلفت كلمتهم فوقع الخلل بينهم فقاتل بعضهم بعضا ودخل معهم أناس آخرون في ذلك، ولم تزل الفتن قائمة بينهم إلى أن أتتهم طائفة من الناحية القبلية يقال لها بنو نصير فأصلحوا بينهم واستراح الناس مما كانوا فيه، فصار من أجل ذلك تعطيهم كل طائفة من طوائف البربر خمس نياق في كل سنة، ثم لم يطل ذلك حتى وقع الخلاف بينهم، فخرج معظم أولاد نصير وقصدوا المغرب فاستوطن بعضهم مدينة فاس وبعضهم أرض الأندلس وآخرون أرض صنهاجة وغيرهم نواحي القرارة وسوف وهم الذين بالوادي وانتقلوا منه إلى عميش وهم به إلى الآن.
стр. 2244
واختلف الناس في نسبهم، فمنهم من يقول أنهم من بني ثور الذين هم بورقلة الآن وعليه فهم من بني فهم أي طرود. ومنهم سفيان الثوري الإِمام المحدث، والليث بن سعد بن عبد الرحمن كما ورد ذلك في النخبة الأزهرية. ومنهم من يقول أنهم من بني سعيد وعُتبة ابني مالك بن رياح؛ لوجود من ينتسب من أهل الوادي إلى سعيد، وبلغني أيضًا عن بعضهم أنهم من الأشراف.
وتنقسم هذه العميرة إلى ست فصائل وهي: الوقاقدة، والعطالة، والحرايزة، وأولاد ديدة، وأولاد الجديد، وأولاد الشيخة، وجميع من كان يرجع لهؤلاء الستة
العميرة الرابعة: الرضوين:
نسبة إلى رضوان بن سليمان الهمامي (١)، أصلهم من العرب الذين هم بضواحي فريانة قرب مدينة قفصة بالإيالة التونسية. أتوا إلى وادي سوف متأخرين وتصاهروا مع أولاد نصير.
العميرة الخامسة: أولاد زايد:
أصلهم من زيود الربايع الآتي ذكرهم.
وهم ثلاث فصائل: أولاد قبوسة، والجعايدة، والعياشة، وإن كان بعض هؤلاء قد اتصل بالعزازلة كما سيأتي.
وأصلهم قديم بأرض سوف واختلاطهم بالقرافين متأخر، وقسمتهم بين العزازلة والقرافين قريبة من وقتنا هذا والله أعلم.
العميرة السادسة: الحمايدة:
أصلهم من محاميد طرابلس، نسبة إلى محمود بن طوب بن بقية بن وشاح بن عامر بن جابر بن فاتك بن رافع بن ذباب بن مالك بن بهثة بن سُلَيم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان.
стр. 2245
وهم ثلاث فصائل: الحمايدة، والقعايدة، والعثمين، ومن انتمى إليهم.
العميرة السابعة: الجبابنة:
نسبة إلى جبنون بن حبيش النفزاوي من نفزاوة ببلاد الجريد التونسية، أتوا إلى وادي سوف مع الأعشاش فبقي البعض معهم وانتقل البعض إلى كوينين واستوطنوها، والبعض الآخر اختلط بالقرافين بالمصاهرة والانضمام ثم انتقل بعضهم إلى الجريد ومكثوا بها زمنا ومنها رجعوا إلى سوف وهم: أولاد مراد، والصوالحة، أي أولاد الصالحة بنت حمرون من نفطة ببلاد الجريد، ويتبع هؤلاء أبيات قليلة في تكسبت الآن.
العميرة الثامنة: مصغونة:
أصلهم من الشابية، فقد جاء في "الخلاصة النقية" أنهم أشياع الحفصيين. كانوا بالقيروان فأجلاهم أبو محمد الحسن فسكنوا البادية وسُموا الشابيين؛ لأن أصلهم من الشابية. والصبية وهي بلدة قبالة المهدية عند مكان يقال له قبودية، وهم طوائف كثيرة لا يحتاجون إلى تعريف في زمننا لشهرتهم ورفعة مكانتهم، والعرب الذين يقال لهم دريد هم تلاميذ للشابية والآن يتميزون منهم.
وهم فصيلتان في القرافين وغيرهما في العزازلة كما سيأتي ذكرهم، والذين هم بسوف: الشكايمة، وأولاد زقب، وكثير منهم لا يعرف نسبه أي أنهم لا يعرفون نسب أنفسهم، والله أعلم.
العميرة التاسعة: الأمايد ومن معهم:
هؤلاء ينسبهم البعض إلى جدهم المايدة فيقول لهم الأمايد، والبعض الآخر ينسبهم إلى أمهم مبروكة فيقول لهم: أولاد مبروكة وهم أولاد محمد بن صالح ابن المايدة، وأولاد عمارة بن صالح بن المايدة، والأخيرون هم المعروفون الآن باولاد نواجع، وأولاد الليدي وعمارة.