← Ансаб

Ансаб · id 897

موسوعة القبائل العربية

محمد سليمان الطيب

Полный текст (10 849 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

وانضم لهؤلاء جماعة يقال لهم: أولاد بلحسن أصلهم من تاجرونة التي بقرب عين ماضي ويعتقدون أنهم ينسبون إلى سيدي أحمد بن يوسف شهير النسب، كما انضم لهم أناس يقال لهم الكناكنة أصلهم من الهنشير الآخر ونسبهم يتصل بأولاد زايد أهل تاغزوت. وانتمى لهم آخرون يقال لهم أولاد عياش يتصل نسبهم بأولاد نابت الذين هم بالزاب الشرقي كما سبق تعريفهم ونسبهم. ويقال: إني معهم أناسا من الوهاهبة البهيميين الذين مر نسبهم قريبا يقال لهم أولاد مبارك ومعهم جماعة يقال لهم الشهاونة من أولاد خليفة أيضًا لكنهم أتوا إلى كوينين متأخرين جدا، ويزعم البعض منهم أنهم أتوا إليها في عام الهمامة. العميرة الثالثة: الجبيرات: أصل الآولين من جبيرات الوادي وسميت العميرة بهم وإن كانوا متأخرين لكثرتهم. ومعهم بنو مجور الذين سبق تأصيلهم ويقال لهم العكاكشة ويزعم بعضهم أن العكاكشة غير بني مجور. ومعهم أيضًا الزبدة وقد مر نسبهم بالوادي وفيهم تعينت القيادة على جميع أولاد سعود وسيدي عون. ومعهم مصغونة وقد سبق تعريفهم في المصاعبة. ويقال: إن فيهم أبياتا من مزاريع تاغزوت الذين مر نسبهم. وانضم لهم جماعة يقال لهم أولاد حوية لهم بيت واحد من أقاربهم في تكسبت وقد سألت القدماء منهم عن نسبهم فقيل لي أنه يتصل بفيصل بن سنان بن سباع بن موسى بن كمام بن علي بن خذل بن حصين بن زغبة … إلخ.

стр. 2277

كما انضم لهم قوم يقال لهم أولاد حمزة لم أتحقق من نسبهم والقرائن تشير إلى أنهم من أحد نسبي سعيد أو عتبة ابني مالك بن رياح بن أبي ربيعة بن نهيك بن هلال .. إلخ. وكثير أخبروني بأنهم أتوا من الناحية التي بها أولئك. ومع الجميع عائلات يقال لها أولاد غنام، الله أعلم بنسبهم، وطائفة من نفطة يقال لها العثمانية ينتسبون إلى سيدي عثمان بن زايد وهو رجل صالح مقبور الآن بكوينين وعلى ضريحه قبة تزار بجبانة (مقبرة) كوينين الغربية الجوفية (الشمالية)، ويذكرون أنهم من الأشراف ولا أدري هل يقصدون بذلك شرفا نسبيا أو شرفا صوفيا فقط؛ لأنهم يعتقدون أن جميع من أشير إلى أبيه أو جده بالخير والصلاح فهو شريف بصرف النظر عن نسبه!، والله أعلم. العميرة الرابعة: المناصير: بحسب ما سمعت من الشيخ نصر أنهم ينتسبون إلى منصور أو ناصرة بن امرئ القيس بن بهثة بن سُلَيْم، إذ قال لي أنهم من المناصر الذين هم بمحاميد طرابلس. وهم قليلون بكوينين ومعهم أبيات من بني جبنون بن حنيش أهل الوادي. العميرة الخامسة: القوائد: يظن من لا يعرفهم أنهم من قوائد الوادي وليس بصحيح، إذ أولئك بربر وهؤلاء عرب بل من مشاهير العرب ولهم وقائع معروفة بسرت في إقليم طرابلس. جاء في "المنهل العذب": القوائد أولاد قائد بن حريز بن تميم بن عمر بن وشاح بن عامر بن جابر بن فاتك بن رافع بن ذباب بن مالك بن بهثة بن سُلَيْم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان. ثم ذكر بعد ذلك أنهم كانوا بتلك المواطن مع أولاد أحمد، والله أعلم.

стр. 2278

الدبيلة تقدمت تسمية القرية في باب الأماكن المعروفة بسوف. وأما سيدي علي بن خزان فأصله من المغرب أتى إلى هذه النواحي متأخرا وطاف عدة أماكن، فقيل أنه قدم إلى الوادي أولا وسكنه زمنا يسيرا ثم انتقل إلى قمار ولم تطل إقامته فيها ومنها إلى البهيمة ثم سافر إلى تونس. وقيل أنه خدم سيدي على الحطاب وقد لحق به أقاربه في المغرب فسكنوا الحلفاوين الذي هو حي من أحياء تونس. ثم رجع سيدي علي المذكور إلى أرض سوف وسكن المكان المعروف الآن بالدبيلة الخالية شرقًا من قرية الزقم ومنها انتقل إلى البهيمة فأمره بعض الصالحين بالانتقال إلى محل الدبيلة الحالي فانتقل إليه على نحو الصورة السابق ذكرها. وقد ولد للشيخ علي بن خزان ولدان، ابن وبنت الأول يقال له عمار، والثانية فاطمة وتلقب بالزايلة تشبيها لها بالزايلة العجماء لعدم تمييزها. تزوجت بإنسان من البهيمة ووقع بينهما نسل كثير وهم الذين يقال لهم أولاد فرج بقرية الدبيلة. وقيل أيضًا أن البنت اسمها مبروكة ولم تعقب. أقول: إن الراجح هو الأول؛ لأن القائل بالأخير لم يذكر أولاد فرج لمن ينتسبون بعد أن سرد الذرية التي تناسلت من سيدي علي الأصل. وولد لابنه عمار أبناء وهم: عبد الملك، وعيسى، وخليفة، وأحمد، وبلقاسم، وعلي. فمن الأول: قدور ومنه أحمد، ثم صالح ومنه مليك. ومن الثاني: خزان ومنه محمد والقدري وسعد ومبارك وحمد، ومبروك ثم محمد ومنه أحمد وبلقاسم.

стр. 2279

ومن الثالث: عبد النور ومنه عيسى، ثم نصيب ومنه مبروك ومحمد وعلي وخليفة، وعمار، ثم أحمد غنايم ومنه محمد وعلي، ثم علي ومنه محمد والأخضر، والشريف، ثم عمارة ومنه عبد السلام، ثم مبارك ولم يعقب. ومن الرابع: القدري ومنه علي ومحمد، ثم حامد ومنه مسعود ومهنى وأحمد ثم عمار ومنه سعد والطاهر، ثم سالم ومنه حميدة وبلقاسم، ثم سعد ولم يعقب، ثم نصر ولم يعقب، ثم أحمد ومنه محمد، ثم عيسى ولم يعقب. ومن الخامس: قدور ومنه يوسف وبلقاسم. ومن السادس: أحمد ومنه حامد، ثم عبد الحميد ومنه محمد، ثم مولود ومنه عبد الله وعبد الرراق وسعد، ثم عبد العزيز ومنه عبد الجواد وساري وعلي، ثم عمار ومنه عبد النور وبلقاسم وعلي وأحمد واللبي. ثم عبد الستار ومنه الأخضر، وأحمد وعمار وعلي. فهؤلاء هم أبناء سيدي علي الخزان الأصليون، وما عداهم فليسوا منه إذ قد انضم إليهم أفراد من الوادي ومن قمار والبهيمة وكذلك من النمامشة وغيرهم.

стр. 2280

فصل عن تاريخ قبائل قيس عيلان في الواد سوف وما صاقبها من البلاد المغاربية انتقال عدون إلى الجردانية بعد أن كان بنو عدوان (١) مع بني هلال وسُلَيْم بنواحي الكاف والقيروان في تونس ضاقت عنهم المجالات لكثرة عددهم، وكانوا قبيلة عظيمة لا تبارى ولا تجارى، فانتقل بعضهم يرتدون الفلوات من موضع إلى آخر حتى وصلوا الجردانية فأعجبتهم فأرادوا سكناها مع من فيها من البربر فمانعوهم ووقع بين الفريقين عدة مناوشات كان النصر فيها حليف عدوان. وانجلي ساكنوها وتفرقوا أيدي سبأ في الآفاق وذلك في حدود عام ٦٠٠ هـ/ سنة ١٢٠٤ م (٢). قال الشيخ العدواني: أتى عدوان إلى الجردانية فحاربوا الزناتية وأخرجوهم منها ونزلوا منزلهم. وقال ابن خلدون: عدوان بطن متسع كانت منازلهم القديمة بالطائف من أرض الحجاز. ثم غلبتهم عليها ثقيف فخرجوا إلى تهامة. وكان دمنهم عامر بن الظرب بن عمر بن عباد بن يشكر بن عدوان، حكم العرب في الجاهلية. وكان منهم أيضا أبو سيارة الذي يدفع الناس في الموسم. ومنهم بإفريقيا لهذا العهد أحياء بادية بالقفر يظعنون مع بني سُلَيْم تارة ومع رياح من هلال بن عامر أخرى.

стр. 2281

وفي كتاب الشريثسي الكبير جاء ما نصه: قال الأصمعي: نزلت عدوان ماء فأحصي عليه سبعون ألف غلام أغرل (١) سوى ما كان مختونا لكثرتهم. وكانت الإجازة في خزاعة فغلبتهم عليها عدوان والذي كان يجيز الناس رجل يُسمى أبو سيارة، أجاز الناس على حمار له من المزدلفة إلى منى أربعين عاما، فقيل في المثل السائر: أصبح من عير أبي سيارة، وكانت إجازته أن يقول: اللهم حبب بين نسائنا، وبغض بين رعائنا، واجعل المال في سمحائنا، وأوفوا بعهدكم، وأكرموا جاركم، واقروا ضيفكم، ثم يدفع فيقول: خلوا الطريق عن أبي سيارة … وعن مواليه بني فزارة حتى يجيز سالما حماره وقال ذو الإصبع العدواني أبياتا في شأنهم، أي شأن بني عدوان أستحضر الآن بيتين وهما: ومنهم من يجيز الناس … بالسنة والفرض ومنهم حكم يقضي … ولا ينكر ما يقضي والحكم الذي ذكره ذو الإصبع هو عامر بن الظرب المتقدم الذكر والمشهور بذي الأعواد (الكرسي) وفيه يقول الأسود بن يعفر: ولقد علمت لو أن علمي نافع … أي السبيل سبيل ذي الأعواد جاء في كتاب "سرح العيون" أنه (أي ذا الأعواد) أول من قضى (حكم) في الخنثى المشكل (٢) على الصحيح؛ وذلك أنه اختصم إليه في رجل له ما للمرأة (فرج) وما للرجل (ذكر) أيجعل رجلا أم امرأة؟ فقال لهم انصرفوا عني حتى أنظر في الأمر فما نزل بي مثله فانصرفوا، وبات ليلته ساهرًا، وكانت له جارية ترعى غنمه يقال لها سخيلة كان يقول لها إذا سرحت عنه بكرة ضحيت يا سخيلة لأنها

стр. 2282

كانت تؤخر، وإذا راحت يقول لها: مسيت يا سخيلة، ففي تلك الليلة راحت مؤخرة ولم يقل لها شيئا، ورأت سهره وتفكيره فقالت له: ما عراك؟ (أي ما أصابك)، فقال لها: دعيني وشأني. فأعادت عليه، فقال لها: ويلك قد اختصم إليَّ في خنثى له ما للذكر وما للأنثى أيجعل في ميراثه رجلا أم امرأة فقالت له: لا أبالك أقعده يبول فإن بال من حيث يبول الرجل فهو رجل وإن بال من حيث تبول المرأة فهو امرأة. فقال لها: مسى سخيل بعدها أو ضحى، فصار هذا مثلا. ثم خرج فقضى بالذي أشارت عليه (١). أقول: وهكذا الحكم به في الشرع فإن بال من أحد السبيلين يعطى حكمه، أو بال من أحدهما أكثر من الآخر فالحكم للأكثر، أو بال من أحدهما قبل الآخر فالحكم للأسبق، أو نبتت له لحية معتادة أو خرج منه مني فيحكم له بالرجولة، أو طلع له ثدي أو خرج منه دم حيض فيحكم بأنوثته. قال السهيلي. هذا من باب الاستدلال بالعلامات وله مثل في الشريعة قول الله تعالى: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ [يوسف: ١٨]. قال عبد المنعم بن الفرس: روي أن إخوة يوسف ﵇ لما أتوا بقميص يوسف إلى أبيهم يعقوب تأمله فلم يجد فيه خرقا ولا أثر أنياب فاستدل بذلك على كذبهم وقال لهم: متى كان الذئب حليما يأكل يوسف ولا يخرق قميصه؟ إذ لا يمكن افتراس الذئب ليوسف وهو لابس القميص ويسلم القميص. واجتمعت العلماء على أن سيدنا يعقوب ﵇ استدل على كذبهم بصحة القميص، فاستدل الفقهاء بهذه الآية على إعمال الأمارات في مسائل كثيرة منِ الفقه. وقال الله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ [يوسف: ٢٦ - ٢٨]. قال ابن الفرس: هذه الآية يحتج بها من العلماء من يرى الحكم بالعلامات والأمارات فيما لا تحضره البينات.

стр. 2283

أقول: ومن باب الاستدلال بالعلامات ما هو جار عندنا بسوف في معرفة الأثر (الجُرة) (١) إذ من الأرجل: الطويلة والقصيرة والعريضة والرقيقة والخميصة والملساء وذات التجاعيد وذات العروق البارزة وذات الشقوق والمعتدلة ومنفرجة الأصابع وملتصقتها وطويلة الأصابع وقصيرتها وزائدة الأصبع وناقصتها والحنفاء (القبحاء) والشيظاء (الطرقاء) وإلى غير ذلك من أوصافها. وأرضنا رمال وأمرها مهمل خصوصا حال العرب الرحًّالة الساكنين حول البلاد وبعميش فإنها لولا معرفة الأثر لكثرت السرقات وتعطلت المنافع ولوجد كل مفسد مراده منها؛ ولذلك حكم الشيخ سيدي خليفة بن الحسن القماري ناظم

стр. 2284

سيدي خليل ﵄ حكم على ابن خليل القماري حين سرق وعرف أهل الخبرة أثره، ثم إن ابن خليل ذهب إلى أشياخ الخنقة واستفتاهم في ذلك فأفتوه بعدم التعويل على الأثر. قال الشيخ العدواني: بعد أن تمكنت عدوان من الجردانية أتاهم أقوام من النصارى كانوا في الزاب وورقلة وفيهم رهبان فبنوا بإزاء الجردانية صوامع للتعبد سموها قصورا وكانوا في ذلك الوقت ثلاثة، والصحيح، أن كل صومعة تقزت حولها قرية وهي تسمى قصرا، وطالت العشرة بين أولئك النصارى والعدوانيين. وفي زمن قريب لحق بعض العدوانيين (١) الذين كانوا بالقيروان فلم يرضوا بالصلة التي بين إخوانهم والروم فأخرجوا جميع الروم وتوجه هؤلاء إلى موضع القدائم الآن الذي بقرب تاغزوت ونزلوه وكان ذلك الموضع يسمى جلهمة سمي باسم رجل صياد من زناتة الأولين مات هناك. ثم لحق بعض العدوانيين بالروم الذي بجلهمة وبنوا جميعا قرية وأسس الروم بها صومعة (٢) وبنى المسلمون مسجدا، فلم يطل ذلك حتى قدم عليهم جماعة من الأخلاط وجماعة من أتباع ابن أبي العافية السابق ذكره ونزلوا بجلهمة فهرب الروم الذين كانوا فيها إلى الجردانية مظهرين أن الأرض لم تساعدهم لقلة مائها فقبلهم أهل الجردانية وفرحوا بهم وأعانوهم علي بناء صوامعهم وبيوتهم. وقيل أنه اجتمع من الرهبان هناك سبعة، ثلاثة منهم جاءوا من وغلانة واثنان قدما مع أهل جلهمة وواحد من بادس، وواحد من تهودة، ثم كثر البناء في الجردانية حتى صار كل قصر راهب حوله بيوت متعددة كالقرية، والجميع تسمى قصور عدوان (أي قري عدوان) أو مداشر عدوان، وتسمى أيضا قصور الرهبان، وقصور النازية وتقدم أن القرية بأكملها تسمى قصرا. وحيث كان بنو مرين انتقلوا من تكسبت وصحرائها بالواد سوف عام

стр. 2285

٦١٠ هـ/ ١٢١٤ م (١)، وكانت لهم ألفة وصحبة مع بعض العدوانيين الذين نزلوا بالجردانية أولا وصاروا في جلهمة وضيق عليهم بنو أبي العافية والأخلاط ففروا إلى المغرب تاركين منازلهم باختيارهم والتحقوا بهم، وعند انتقالهم قل الساكنون بجلهمة فحاربهم بنو عدوان إلى أن فروا وأخلوا القرية وإلى الآن توجد آثار بنائها، وكان ذلك في حدود ٦٥٥ هـ/ سنة ١٢٥٨ م. قال ابن خلدون: بنو أبي العافية هم الذين تفرقوا في المغرب الأوسط ثم اجتمعوا في المغرب الأقصى وملكوه. أقول: وأبو العافية الذي ينتسبون إليه هو ابن أبي باسل بن أبي الضحاك بن أبي يزول بن تافرسين أو تافركين أو تافرجين بن فراديس بن مكناس بن ورسطيف بن يحيى بن تمصيت بن ضريس بن زحيك بن مادغيس الأبتر بن بربر بن كسلوجيم بن كنعان بن حام بن نوع ﵇.

стр. 2286

انتقال طرود (١) إلى عقلة الطرودي ولما ضاقت الأماكن الإفريقية بالعرب (٢) وقويت شوكة الأثبج وخصوصا دريد منهم انتقلوا إلى صفاقس، وكانوا في عدد كثير فلم تحملهم الأرض لقلة ما بها من العيش فانتقلوا إلى قفصة. قال الشيخ العدواني: إن طرودا كانوا حين دخلت العرب إفريقيا بنواحي طرابلس ثم في هذا الوقت قتلوا رجلا فطلبت منهم الدية فامتنعوا من إعطائها وفروا ليلا ونزلوا على قرية من عمل طرابلس على شاطئ البحر، فأرسل إليهم عاملها: إما أن تعطوا الدية أو تنتقلوا من هنا، فأبوا ولم يخرجوا ثم عاودهم، فقالوا له: إن كانت لك قوة فأت بها فلسنا خارجين. فجمع جيوشا من غدامس وفزان وغيرهما تبلغ عشرة آلاف فارس، وانضم لطرود بعض الأعراب الذين هناك، وكان رئيسهم يقال له مسروق (٣) وتألف جيشهم من ستة آلاف فارس. والتقى الفريقان بموضع يقال له ابن فرحات، وما زال القتال بينهما من طلوع الشمس إلى غروبها، ثم افترقا وقد مات من قوم مسروق أربعمائة رجل ومن قوم عدوه ألف رجل، ثم نزل مسروق وقومه بموضع آخر يقال له جرجر بساحل البحر ومكثوا هناك ثلاثة أشهر، فسمع بهم صاحب قابس فرحب بهم وطلب منهم النزول في بلاده ولهم فيها ما يريدون فنزلوا فيها وأصلحوا شؤونهم ثم بعد مدة ذهب رجل من جماعة مسروق يقال له ضرار بن عمر يطوف في بعض السواني يقتطف العنب فنهاه صاحب السانية وزجره، فأخذ ضرار سيفه وضربه على رأسه فقتله وحمله إلى ساحل البحر ورماه، فتفقده أهله (أي صاحب السانية) فلم يجدوه، فاتهموا جماعة مسروق به فأخرجهم عامل قابس من تلك الأرض، فسار مسروق وجماعته إلى القيروان فصعب عليهم النزول هناك، فرحلوا ونزلوا على المهدية. ومكثوا فيها ثلاث سنين فسمع بخبرهم صاحب ترشيش (من أسماء تونس) فبعث إليهم ثلاثين رجلا من خواصه يرغبونهم في التقدم إلى نواحي تونس،

стр. 2287

فتشاور طرود في ذلك فاختلف رأيهم، فأشار عليهم بعضهم بعدم الذهاب إليه وقال لهم: نحن قوم لا ولاية لأحد علينا ونريد اتساع المكان فلا تضيقوا علينا ما وسعه الله، فرجع قوم ترشيش من غير فائدة، ثم رجعوا لطرود مرة ثانية قائلين لهم: إن الأمير ضمن لكم جميع ما تطلبونه منه إن أتيتموه لتكونوا عونا له على بعض الثائرين، وتكونوا من المقربين عنده المحظوظين بفوائده وموائده، فذهب إليه منهم وفد مؤلف من أربعمائة رجل، فلما وصلوه قام لهم إجلالا وعظم منزلتهم وأكرمهم إكراما واسعا، فأقاموا هناك ثلاثة أيام فلما أرادوا الانصراف والرجوع لإخوانهم أعطى كل واحد منهم كسوة تليق به وقال لهم: غدا يلحق بكم بعض عمالي فيعطيكم أرضا واسعة وينزل كل قبيلة منكم على حدتها ويفرض لخيولكم المئونة ومن مات له فرس يعطيه عوضها وكونوا معي في كل حال، ويجعل لكم سوقا تجتمعون فيه كل أسبوع باسمكم، فافترقوا على هذا الأمر وأخذ عنهم البيعة. قال القدماء: فلما رجعوا إلى أهليهم وإخوانهم أخبروهم بما كان من صاحب ترشيش فقالوا: إن هذا الرجل قد عزم على استئصالكم وقطع دابركم من الأرض؛ وذلك أنه أراد أن يجعل كل قبيلة منكم في محل وحدها لتتفرقوا وتتفرق كلمتكم ويقل عددكم فيهلككم شيئا فشيئًا. وفي رواية أخرى أنه حين بعث لهم صاحب ترشيش ورغبهم بما تقدم يخبرهم بذلك رسله على لسانه تحيروا وتحيلوا لما يعلمونه من الصداقة بينه ويين عامل قابس وقد أضروا برعيته وتجاسروا على عامله، ثم حين رغبهم ثانيا انخدعوا وظنوا أنه بريء الساحة من ذلك الأمر، فأشار عليهم مسروق بعدم الذهاب فخالفوه وحينئذ أي حين عزموا على المسير إليه أرسل معهم ابنا له نجيبا فطنا وأوصاه بأن يحفظ ما يقوله لهم عند الانصراف ولا يحفظ ما بين ذلك ولو طالت إقامتهم عنده، فلما قدموا عليه قال لهم: مرحبا بكم أيها المنافقون (أي الخارجون عن الطاعة) ثم أكرمهم وأضافهم ثلاثة أيام، وعند الانصراف أعطاهم حللا وقال لهم: في أي محل تركتم أهليكم حين جئتم؟ فقالوا بنواحي المهدية، فقلا لهم: وهل به إلى الآن أم انتقلوا عنه إلى غيره؟ فقالوا أنهم به إلى هذا الوقت، فلما وصلوا فرحت الأعراب بسرور الأمير بهم وإكرامه إياهم وصفاء قلبه عليهم،

стр. 2288

وأعاد الابن علي أبيه مسروق ما سمعه، فقال لهم مسروق: انتقلوا الآن وإن بقيتم إلى غد تصبح عندكم خيل الأمير فلا يبقى منكم أحد فإنه حاقد عليكم بسبب فعالكم السابقة مع عامله وكلامه معكم يدل على ما في صدره من أجلكم فإياكم والإقامة هنا، ثم رحل مسروق ومن أطاعه وهم الكثير وتوجهوا إلى صفاقس ثم منها إلى قفصة وقمودة، وبقي أصحاب الطمع في محلهم وبعد يومين هاجمتهم عساكر عامل ترشيش ولم يتركوا منهم إلا من أعاد الخبر. ثم بعد حين؛ انتقل بعض طرود وهم القليلون ونزلوا بباجة ظانين أن صاحب ترشيش يقربهم لبراءتهم من المشاركة في القتل والنزاع وانتقل الباقون إلى عقلة الطرودي وبودخان والميتة وسرحوا مواشيهم بأطراف الجبل وقطنوا هناك بادين بخهيامهم من غير أن يجعلوا قرية وكان نزولهم في هذه الأرض تقريبا في حدود عام ٦٩٠ هـ الموافق ١٢٩٢ م. ثم إن الذين بباجة تضرروا بالوخم وجاءهم النذير أن الأمير عاقد العزم على استئصالهم فأجمعوا على الخروج منها والذهاب إلى غيرها فأرسى رأيهم على اللحاق بإخوانهم فارتحلوا وبقي منهم بنو أبي يزيد وبنو علي بباجة شمال تونس. وما زالوا سائرين حتى وصلوا عقلة الطرودي ونزلوا بها وصارت أماكن الجميع في نواحي فركان ونقرين وأطراف الزاب الشرقي والصحراء التي بين نفطة والجردانية. وبقي الغيظ كامنا في صدورهم من الولاة الذين بإفريقيا بحيث كلما سمعوا بمن ينتقض عليهم أو يحاربهم إلا ويتعصبون معه ويعينونه عليهم حتى كانت ولاية الأمير خالد بن أبي زكريا الذي أساء الفعل مع الرعية، ومرت بعض القبائل التابعة له في حال مروره إلى قسنطينة في المرة الثانية والتقت بعرب طرود وتحاربوا ولما التحقوا بالأمير أخبروه بما كان من طرود، وكان مغتاظا منهم من زمن أبي عصيدة وأبي حفص، فعزم على الانتقام منهم في عودته، فلما سمعت طرود بذلك فروا إلى الصحراء القبلية ونزلوا على ماء يقال له المنقوب يبعد على نفطة بنحو يوم في الجهة الغربية. وفي حال رجوع خالد إلى تونس بعث العيون (الجواسيس) إلى منازل طرود فوجدوها كما قال شاعرهم:

стр. 2289

وبلدة ليس بها أنيس … إلا اليعافير وإلا العيس ثم بعد ذهابه رجعوا إلى منازلهم فمكثوا برهة فبلغهم أن أبا بكر بن أبي زكريا أخا الأمير خالد الذي كان خلفه بعده واليا على قسنطينة قد انتقض على أخيه خالد، وجمع جموعا من العرب يريد التوجه بها إلى تونس، فكانت طرود في مقدمتها ولما دخلوا إفريقيا أتتهم النجدات من طرابلس والنواحي القبلية، ولما سمع خالد بذلك خرج بجموعه في ظنه أنه يفتك بالقائمين عليه وبعث الطلائع تترصدهم فأخبروه بأنه لا طاقة له على الجيوش المقبلة التي سدت جميع النواحي والضواحي فلم يصدق حتى عاين ذلك بنفسه، وحاول الرجوع مختفيا ليطلب الصلح فلم يستطع واستشار أرياب دولته فشجعوه على القتال وأوهموه بضعف جانب العدو وأطمعوه فيه وحذروه من الرجوع، فحارب متمثلا بقول القائل: "مكره أخاك لا بطل"، فأول من بادر إلى لقائه طرود، وقامت الأقوام في إثرهم وقووا شوكتهم فقاوم خالد غير طويل ثم رجع منهزما يطلب النجاة لنفسه، فلحقه طرود يريدون قتله دون رعيته فسبقهم إلى أحد أبواب المدينة وأغلقه دونهم فضربه أحدهم برمحه فثقبه، وإلى الآن يقول طرود مفتخرين: "دقتنا في باب خالد"؛ يعنون الباب الذي أغلقه خالد لا بابا يُسمى بهذا الاسم، ثم إن الأمير خالدا حين حصل الأمن لنفسه خلع نفسه بنفسه وكان ذلك في حوالي عام ٧١١ هـ الموافق ١٣١٢ م. ثم أفضت الدولة إلى زكريا اللحياني وبنيه، وكانوا يكرمون طرودا ويرفعون منزلتهم فسكنوا باجة حيث كانت محلا لبني أبي زيد وبني علي من إخوانهم وأطالوا فيها الإقامة.

стр. 2290

دخول بنو مرداس إلى سوف قال الشيخ العدواني: ثم أتى إليهم (أي إلى عدوان ومن معهم وإلى زناتة الذين بتكسبت) قوم مرداس (١) وأقاموا معهم أربعين عامًا. وقال صاحب المؤنس: مرداس بن رياح بن أبي ربيعة بن نهيك بن هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان .. إلخ. قال القدماء: إن الذي نقلناه عن أوائلنا أن بني مرداس لم يكثروا الإقامة بسوف لقلقهم من الأحكام والضغط، وإنما حين دخلوا ألفتهم الناس ولم يأنفوا منهم وصاروا بين الزاب وتاقرارت والجردانية وتكسبت والصحراء القبلية، وتارة يذهبون إلى الجبل وتارة إلى وادي ريغ، واختلطت منهم أناس بأهل تكسبت وتصاهروا وصاروا منهم. قال ابن خلدون: بنو مرداس (٢) انتقلوا إلى القفر وهم اليوم به من جهة بادية الأعراب أهل الفلاة ينزعون إلى الرمل ويمتازون من أطراف التلول، وهم تحت أحكام سُلَيْم ورياح ويختصون بالتغلب على ضواحي قسنطينة أيام مرابع الكعوب، ومصائفهم بالتلول، فإذا انحدروا إلى مشاتيهم بالقفر أجفلت أحياء مرداس إلى القفر البعيد ويخالطونهم على حلف، ولهم على توزر ونفطة إتاوة يؤدونها اليهم.

стр. 2291

وقال أيضًا ابن خلدون عن مرداس بني رياح من هلال وأن منهم بطون أهمها داود بن مرداس، وصنبر بن جواز بن عقيل بن مرداس، وإخوانهم مسلَّم بن عقيل. ومن أولاده عامر بن يزيد بن مرداس .. إلخ. أقول: ومنهم الدواودة المشهورين بالكرم والشجاعة ونزاهة النفس وهم أبناء داود بن مرداس المتقدم الذكر، وبطون رياح كلها تبعا للدواودة في القوة والمناعة، ومسكنهم الزاب الغربي وقاعدته بسكرة وطولقة، ومعهم إخوانهم رحمان (١) من بني يزيد بن مرداس، وبالزاب الشرقي إخوتهم الخضر وهم أبناء خضر بن عامر بن يزيد بن مرداس، ومنهم سيدي عبد الرحمن الأخضري صاحب التآليف المباركة والكثيرة، وهو دفين الزاب الغربي. وأن سيدي عبد الرحمن المذكور من ذرية العباس بن مرداس السلمي لا مرداس الرياحي كما ذكر ذلك بنفسه في شرحه على السلم. قال القدماء: ومنهم أولاد نابت بن مرداس وأكثر مواطنهم بادس وأولاد علي، وأولاد عمر (٢) أبناء رياح المذكور، ومن أولاد علي أولاد فادع وأولاد دهمان وأولاد صولة، ومن إخوانهم حيان (قبيلتان) بورقلة وهما سعيد وعتبة من مالك بن رياح، وغير هؤلاء كثيرون ولكن المقام لا يسعنا. ثم بعد حين من مصاهرة زناته لبعضهم اشتدت الرابطة معهم وصاروا كاليد الواحدة على من عاداهم أو حاربهم. وكان بين الحين والآخر يحدث خصام بين عدوان وزناته أهل تكسبت، ففي إحدى الحوادث استنصر الأخيرون بحلفائهم بني مرداس (٣) الذي تسلطوا على بني عدوان خاصة دون من معهم من الأخلاط، فعزم بنو عدوان على الانتقال من المكان بعد ما عطلوا عيون النازية لئلا ينتفع بمائها خصومهم، قيل برمي الصخر فيها، وقيل بهدم كيفانها، ثم ارتحلوا فنزلوا بصحراء نفزاوة جنوب تونس. ولما قل

стр. 2292

الماء بعيون النازية خرج بنو مرداس من تلك النواحي وتفرقوا في الزاب ونواحيه فسمع عدوان بخروجهم من سوف فرجعوا. قال الشيخ الورتلاني: وأهل الرمل من بقايا الروم الذين كانوا بإفريقيا قبل الفتح وكذا أكثر أهل قسطيلة بتونس، ومنهم من العرب الذين سكنوها عند افتتاحها، ومنهم من البربر الذين دخلوها في قديم الزمان. أقول: كلام الشيخ الورتلاني يفيدنا بأن البعض من بني عدوان قدموا إلى سوف عند الفتح وسبقوا غيرهم من العرب إليها. وعند رجوعهم لم يتمكن بنو عدوان من البناء كتمكنهم الأول فجعلوا مساكن خشبية وأخرجوا الرهبان من مساكنهم وحلوا محلهم وأجلوهم إلى الزاب ووادي ريغ وورقلة والجريد. ويمكن أن تكون تلك الوقائع في نحو عام ٧٦٦ هـ الموافق ١٣٦٥ م وذلك أن المرداسيين خرجوا من سوف حين بلغهم أيضا أن بجاية أخذت من يد بني مرين متأسفين للود القديم الذي بينهم، وكان أخذ بجاية عام ٧٦١ هـ الموافق ١٣٦٠ م، وفي مدة خمس سنين ونحوها تمت تلك الأمور المتقدمة.

стр. 2293

رجوع طرود إلى عقلة الطرودي لما طال مكث طرود بباجة والسلوقية وتستور ونواحيها أكثر أهلها التشكي منهم وطلبوا من العمال إخراجهم من تلك البقاع التونسية. وأفضت الولاية إلى الأمير أحمد بن محمد بن أبي أبكر فاستشار خواصه في أمرهم فاشاروا عليه بالتثقيل عليهم في المغرم لينفروا من غير مدافعة فاستصوب رأيهم وضيق عليهم ورصدهم بالعيون لئلا يقع منهم حادث. وكانت له حروب طوع فيها الجريد والزاب وجميع بقاع إفريقيا، وفي حال رجوعه إلى تونس خشيت طرود بطشه، فتشاوروا واتفقوا على الرحيل إلى محلهم الذي كانوا به سابقا وهو عقلة الطرودي وما حولها، وما زالوا سائرين حتى نزلوا بقرب نفطة. قال الشيخ العدواني: فدخلها (أي نفطة) رجلان منهم يسألان عن أخبارها وحالها، ثم أخبرا عن رخاء أسعارها وكثرة تمورها، فأعجبتهم (١) وأقاموا فيها سبعة أيام يبحثون عن سرها وعلانيتها، فقيل لهم: هذه بلاد ظلم فارحلوا أرض الله واسعة الفضاء واسكنوا حيث شئتم غيرها، ثم مرض الرجلان بالوخم فماتا ودفنا بالدحداح. قيل: اللذان ماتا قبرهما بقرب أفركان وإلى الآن يعرف المسافرون موضعهما بجنب ربوة حمراء.

стр. 2294

وانتقل طرود من ذلك المحل سائرين إلى أن وصلوا عقلة الطرودي، وكان ذلك في حدود عام ٧٩٧ هـ/ ١٣٩٥ م. وكان استقاء طرود في المرة الأولى من وادي بودخان ومن وادي تاقرارات الذي كان يأتي إلي سوف وصار يجري في تلك النواحي خاصة وفي هذه المرة احتفروا في الموضع المُسمى الآن عقلة الطرودي سبعة آبار وفي الأخيرة منها مات رجل منهم يقال له شداد بن حارث الطرودي فسميت به، والعرب يسمون الآبار الكثيرة المتقاربة عقلة. وكان لهم من المواشي (الإبل، والغنم، والخيل، والبغال، والحمير) شيء كثير عمَّ تلك الأرض، ولهم من الذخائر العربية والأموال والحلي والأسلحة ما لا يحصى عددها، واضطروا من أجل مواشيهم الدخول في أطراف الجبل مع كثرة برده ومطره وتارة يقصدون أهل الزاب وتارة يذهبون إلى الصحراء القبلية فيتعمقون فيها وإذا اشتد الحر يرجعون من أجل قلة الماء لهم ولمواشيهم. انتقال طرود إلى الوادي سوف قال الشيخ العدواني: بعد أن كانت طرود بعقلة الطرودي إبلهم ترعى في الميتة وأبي دخان وكانت لهم سطوة عظيمة وصيت عال وقوة فخيمة بعثوا منهم رجلين وهما عمارة بن سالم والأسود بن سارية يطوفان في الأرض لعلهما يجدان متسعا يرفع مواشيهم حيث كانت تلك الأرض لا تسعهم، فوصلا العجيلة فالتقيا ببعض الرعاة هناك من بني عدوان فسألاهم عن أرضهم وكلئهم (حشيشهم) وعيشهم فذكروا لهما خيرا، فتقدما إلى قصور عدوان فوجدوا بها أَمة اسمها شحمة وعبدا اسمه شكر وشيخا كبيرا قد عمر مائة وعشرين سنة قد علم أخبار الأولين ونبغ في الكهانة، وكانت الأَمة فوق كثيب عال من الرمل وبيديها طبل من

стр. 2295

نحاس يُسمع من بعيد فإذا رأت من لا تخشاه ضربته ضربة واحدة لماذا رأت من تخافه ضربته ضربتين. قال القدماء: إذا أتاها عدو ضربته بعنف وقوة وإذا أتاها صديق ضربته بلين ورفق، فلما وصل الرجلان إلى العجوز أنكرتهما وظنتهما أعداء فضربت الطبل بقوة فخرج قوم من بني عدوان بأسلحتهم فلما التقوا بهما رأوهما غير متأهبين للقتال فلم يقتلوهما وفرحوا بهما، قال لهما شكر؛ زوج الأَمة: إن كنتما في حاجة إلى الأكل فسآتي لكما بالخبز والماء وإن كنتما تسألان عن شيء فاقصدا الشيخ الكبير الذي بالقصر (البلد)، فذهبا إليه وسلما عليه ثم سألهما الشيخ عن قبيلتهما وما يريدان منه فأخبراه بما كان. فقال لهما الشيخ: إن قبيلتكما طرود ستملك في أرض سوف وستبقى بها أبدًا. فقال الرجلان لبعضهما: حيث ظهر لنا هذا الخبر من الشيخ المبارك وقد أعجبتنا هذه الأرض الواسعة (أي أرض سوف) فعلينا أن نرجع إلى قومنا ونخبرهم فرجعا وأخبراهم بجميع ما رأيا وسمعا. ثم إن بعض طرود وهم أولاد أحمد أتوا إلى محل الوادي الآن ونزلوا قرب سيدي مسطور. وفي ذلك الوقت كان سيدي مسطور قد سبق وقد أتى من المغرب ونزل بقرب أهل تكسبت فلم يأنفوا منه ثم انقطع وحده للعبادة بمحل زاويته المشهورة الآن بالوادي وكان عند قدومه جعل عريشا (زربية) من حطب وحلفاء يبعد عن تكسبت (تكسبت القديمة) بنحو ميل من الجهة الجنوبية. والصحيح أنه أتي من القيروان كما سيذكر إن شاء الله. ثم بعد زمن قليل تلاحقت الناس ونزلوا قرب مكان أولاد أحمد الآن. ففرح بهم سيدي مسطور غاية الفرح وأكرمهم، وكان صاحب ماشية كثيرة قل من

стр. 2296

كان له مثلها في ذلك الحين، وكان وقت دخولها إلى الوادي عام ٨٠٠ هـ الموافق ١٣٩٨ م. وخافهم أهل تكسبت وانتشرت طرود قطعا قطعا من محل الوادي الآن إلى سندروس ووادي العلندي ونواحي الفولية وبورقيبة، فظفروا بالحجر على وجه الأرض وأخبروا به زعماءهم معزموا علي بناء قرية هناك أو قرب محل تاغزوت الآن وهو القدائم، فأشار عليهم زعماؤهم بعدم بنائها هناك وأوصوهم بجعلها في مكان قرب تكسبت. وفي ذلك الحين قدم أيضا من المغرب رجل صالح من أشياع العلويين (أي المتمسكين بسنتهم) يسمى عبد الله بن أحمد ومعه عبد يخدمه، فنزلا على أهل تكسبت ففرحوا بهما وأكرموهما لظنهم أن لا معرفة لهما بطرود والحال أن الرجل المذكور (أي الشيخ عبد الله) كان بنفطة وانتقل منها فمر على طرود عندما كانوا بعقلة الطرودي فأكرموه، وعرف منهم أناسا ثم ذهب من عندهم إلى المغرب فاتصل بأحلاف العلويين وتمسك بشعائرهم وانقطع للعبادة ونبذ الدنيا وراء ظهره وترك التزوج .. وبعد نحو سنتين وقعت له إحنة مع بعض المجاورين فهجرهم وأتى إلى سوف، وعند دخوله إليها لم يجد من كان قد عرفه من طرود لتفرقهم فقصد بلدة تكسبت ونزل بها ففعلوا معه ما ذكر من الإكرام، ويذكر البعض أن أهل تكسبت ألحوا عليه بالتزوج فتزوج منهم واختلط بهم وكان قلبه يميل إلى طرود ويسأل عن محبيه منهم حتى التقى بهم فأوصوه بكتم ذلك عن أهل تكسبت مخافة أن يفعلوا به شيئًا. ثم وقع خلاف خفيف بين طرود وأهل تكسبت بسبب الماء لقلته في ذلك الوقت لأنه كان من الغدران ومن حفر في مجرى الوادي (وادي النازية).

стр. 2297

قال الشيخ العدواني: بعد أن أقامت طرود في النازية نحو العشرين سنة ومات كبيرهم هناك وأوصاهم بوصايا كثيرة منها: أكرموا موتاكم فإنكم إن أهنتموهم تهانوا وإذا أردتم البقاء في سوف فانزلوا قرب تكسبت فذلك محل بلادكم إلى الأبد، وإذا أصابتكم نائبة فاستشيروا العقلاء الكبار منكم ثم إذا أشاروا عليكم فلا تخالفوهم فإنكم إن خالفتموهم بعد ذلك تهلكوا. قال الشاعر: لا تستشر غير ندب حازم فطن … قد استوت منه أسرار وإعلان فللتدابير فرسان إذا ركبوا … فيها ابروا كما الحرب فرسان وقال حسان بن ثابت الأنصاري رئيس الشعراء (شاعر النبي ﷺ ): إذا كنت في حاجة مرسلا … فأرسل لبيبا ولا توصه وإن باب أمر عليك التوى … فشاور حكيما ولا تعصه ونص الحديث إلى أهله … فإن الأمانة في نصه ثم قال كبير طرود في وصيته: ولا تختلفوا في شيء فإن العدو يدخلكم من جهة الاختلاف ويضركم، وأحسنوا لبني عدوان ليكونوا لكم عونا على من تعادونه (١)، وإذا نزلتم بالغدران فلتكن كل قبيلة منكم حول غدير، ولا تضيقوا على بعضكم في المنازل والماء وإن نضب عليكم ماء الغدران فاحتفروا في الثماد بطريق مجرى الوادي فإن الماء فيه قريب وقد يكون عذبا، وإذا لم تجدوا ذاك فاجعلوا الآبار في جميع المواضع التي تحتاجونها زمن الرحلة أو الإقامة.

стр. 2298

(تنبيه) يزعم بعضهم أن طرودا جاءوا متأخرين إلى سوف وأن دخولهم كان في حدود عام ١٠٠٠ هـ الموافق ١٥٩٢ م. وهو غير صحيح بل الحق ما قلناه والصدق ما نقلناه، ففي آخر كراس من تاريخ الدولتين الموحدية والحفصية ما نصه: آخر دولة بني مرين بويع الشريف على رضى من الناس واستقل بالخلافة، وعادت الخلافة في فاس إدريسية كما كانت وانقضت دولة بني مرين، وفي ثاني عشر لذي الحجة من عام ٨٦٩ هـ، خرج السلطان بمحلته وذلك في خامس عشر اغست (أوت)، ونزل بالزعترية وسار إلى بلاد ريغ (وادي ريغ) وهدم سور بلد تقرت لأجل مخالفتهم لقواده، وألزمهم مالا عقوبة لهم فدفعوه له، ثم سار إلى قرب ورقلة فقدم فيها عاملا وأخذ منها ومن بلد مزاب مالا جليلا وانصرف قافلا إلى حضرية، فوفد عليه في أثناء قفوله حفيده الأمير أبو عبد الله محمد المستنصر صاحب قسنطينة وانصرف إليها، وفي أثناء قفول الخليفة من بلاد ريغ فر من المحلة محمد بن سعيد المسكيني ولحق بطرود وطلب منهم إجارته فخشوا وامتنعوا من ذلك إلا طائفة يسيرة منهم أجاروه إلى أن لحق بمحمد بن سباع بن أبي يونس شيخ الدواودة فأجاروه ومنعوه. فهذا دليل واضح على أن طرودا كانوا بسوف في تلك الأوقات من غير شك، وفي "الخلاصة النقية"ما يؤيد تلك الحكاية وأنها وقعت في ذلك التاريخ المذكور. تنازع طرود وزناته بعد أن وقع الخلاف بين طرود وزناته تكسبت من أجل الماء تخوف الأخيرون منهم فنشط بعضهم بعضا واجتمع رأي كبارهم على تدبير مكيدة لطرود ولم يظهروا ذلك لسفهائهم مخافة التحدث وإفشاء الخبر.

стр. 2299

فبعث سيدي عبد الله بن أحمد إلى طرود يخبرهم بما عزمت عليه زناته فسرى فيهم ذلك الخبر ونشط القوي الضعيف وأعان الغني الفقير لأجل القدرة على رد اعتداء زناته. وصار قوم زناته يتطلعون الفرصة للغدر بطرود ويتجسسون على أخبارهم وعصبيتهم بعد تفرقهم في منازل متعددة، وصار يصعد منهم في الليل جماعة للحراسة فوق كثيب من الرمل يترقبون منه ما يصنع أهل طرود، فسمي ذلك المكان الرقوبة: وهو مكان غوط سيدي سالم العايب (١) الآن شرقا من زاويته بنحو ثلث ميل. فلم يجد جماعة زناته منفذا لمباغتة طرود لتحصنهم بالعسس في نواحيهم واجتماع أكثر الناس قربهم، فاشتوروا على ما يصنعون واتفق رأيهم على مهاجمتهم بغتة في ثلث الليل الأخير من الناحية الغربية لقلة ساكنيها. فأخبر سيدي عبد الله طرودا بذلك وعيَّن الزمان والمكان الذي تريد زناته الهجوم منه فأخذ طرود أسلحتهم وباتوا وقوفا ينتظرون وإذا بقوم زناته من كل حدب ينسلون فتلقاهم طرود بحزم متأهبين، وكان المكان الذي التقوا فيه هو صحن القارة قرب تكسبت الموجودة في وقتنا هذا.

стр. 2300

وكان أصحاب الرأي من كل فريق يوعظونهم وينادون بالإمساك عن القتال (١) والكف عن الخصام فتأخر كل فريق إلى ناحيته. قيل: قُتل أفراد من طرود من بينهم سيدي يوسف صاحب الضريح المعلوم والمقبرة المشهورة (وجد نور على قبره بعد زمان فجعل عليه كوم من خشب كان بقربه ثم في الأزمنة الأخيرة جعلت عليه قبة ثم سقطت الأول D وجددت). والصحيح أن سيدي يوسف المذكور لم يكن من أهل ذلك الزمن وإنما كان من المتأخرين جدا القريبين من وقتنا، فقد أخبرني شيخ كبير يقال له عل d البهلي بأنه عاين ابن سيدي يوسف في الخنقة مجذوبا انتقل بعد موت أبيه بقليل، والعلم لله. ثم التقى طرود وزنات i مرة ثانية قصد القتال بمحل أرض القارة الآن أعني بأرض القارة الجوفية (الشمالية) لا الأرض القبلية التي بحصن الماسط شرقا منه. وقد انحاز إلى طرود كثير من فريق عدوان وخرجوا في عدة تامة وعدد كبير، ولما رأتهم زناته على هذه الحال سر D في قلوبهم الخوف فتراجعوا منهزمين. ورجع طرود وأنصارهم ظافرين غانمين الأسلحة والدروع والثياب عازمين على أنهم بعدما يصلحون شؤونهم يرجعون إلى قوم زناته ليخرجوهم من ديارهم ويأخذوها منهم رغما. خراب تكسبت القديمة وحيث كان القليل تابعا للكثير، وكانت القرية الجديدة التي قرب تكسبت الآن صغيرة جدا يقال أنها كقرية سيدي عبد الله الآن أو أقل لم أخصها بترجمة إذ كان خرابها معها كما سيأتي.

стр. 2301

قال القدماء: حين بلغ زناتة خبر طرود وعزمهم على تخريجهم من بلدتهم وتخريبها، عقدوا مجلسا لبعض رؤسائهم ومن جملتهم قاضيهم علي بن بركة الوصيف (١) وكانوا على دين الرافضة (٢) وكذلك طرود في ذلك الوقت ولم يكن لها اكتراث بذلك القاضي ولا امتثال لأوامره وإنما جعلوه اقتداء بمن جاورهم من البلاد مثل الجريد، إذ أيقظها الله من نومها وأخرجها من ظلمتها على يد سيدي أبي علي (٣) السني قبل سوف بكثير. كانت نتيجة تلك الجلسة طلب الصلح من طرود وإظهار الغلبة لهم حتى يطمئنوا إليهم فإذا طال الحال وسارت الهدايا من الجهتين تتمكن زناته من خداع طرود وقتلهم بوجه آخر. فوقع الأمر كما ذكر وأهدى الزناتيون هدايا لطرود وطلبوا منهم العفو عما سلف، قائلين لهم أنهم يؤدون قوما ذوي بأس شديد يحمونهم ويذودون عنهم وأنهم ما لازموا هذه الأرض إلا فرارا من أصحاب الظلم الذين كانوا متسلطين على الجريد واستصفوا أمواله وأذلوا رجاله وخربوا مساكنه الرفيعة. فقبل طرود تلك الهدايا وتركوا ما كانوا عزموا عليه وسكن غيظهم وكثر

стр. 2302

التردد على كل قبيلة من الأخرى، واتفقوا على أن من يذكر الوقائع القديمة التي كانت بينهم ولو تعريضا يقتل ولو كان سيد قومه وأن القبيلة التي تبدأ بالشر يتسلط عليها أصحابها وغيرهم ويخرجونها من الأرض رغما. فدام الحال كذلك نحو السنتين حتى نسيت طرود ما فات وأقبلت على إصلاح شؤونها وكان سيدي مسطور يقول لطرود: إياكم والغفلة عن زناته فإنهم إذا تمكنوا منكم يقتلونكم وإذا لم يقدورا على ذلك يكيدونكم بمكيدة يهلكونكم بها. فلم يعبأوا بقوله ظانين أن زناته متمسكين بالعهد ويخشون من نقضه، كما أنه كان يرشدهم في أمور دينهم ودنياهم كما فعل سيدي عبد الله مع أهل تكسبت حتى تركهم واشتغل مع عبده بالتعبد في مكانهما الآن. وكان سيدي مسطور يقول لطرود: لا تمنعوا أحدا أجنبيا أتاكم من السكنى معكم بل أكرموه وروجوه لتكثروا فتهابكم الناس، وأيضا فإن الولد الذي يأتي لكم من الأجانب يكون أشد بطشا وأشجع ممن يأتي لكم من بعضكم لحرارة الأول وبرودة الثاني كما قيل. أقول: والمراد بالأجنبي العربي لا غيره، وقد أصاب سيدي مسطور في ذلك القول حيث إنه موافق للمعقول والمنقول (١)، فأما الأول فإن الإنسان إذا تزوج بابنة عمه لا يكون له فيها كبير اغتباط فيأتي ماؤه باردا فيتخلق الجنين منه فيكون غير نفاع، أما إذا تزوج بأجنبية فتكون رغبته فيها أشد وماؤه أقوى حرارة فيكون ولده كذلك، والحار يكون شجاعا والشجاع يكون سخيا. وأما الثاني وهو المنقول، فالأمور كثيرة منها قول الشاعر: إلا فتى لاقى العلا بهمة … ليس أبوه بابن عم أمه ومنها ما قاله الباجوري في شرح قول كعب بن زهير المُزْني في بانت سعاد: حرف أخوها أبوها من مهجنة … وعمها خالها قوداء شمليل ونصه: أشار بهذا إلى كمال قوتها وصلابتها وغاية كرمها ونجابتها؛ لأن

стр. 2303

البهائم إلى قراباتها أشهى منها إلى غيرها ومتى كانت الشهوة أكمل كان الولد أقوى وأنجب، فتقارب الأنساب مدح في الإبل لأنه فيها سبب للقوة والنجابة بواسطة كثرة الشهوات في القرابات بخلافه عند الآدميين فإنه سبب للضعف؛ لأن شهوة الإنسان إنما تتحرك بالنظر إلى الأمر الجديد الغريب، أما المعهود الذي دام النظر إليه فلا تتحرك الشهوة كثيرا معه ولا تثور ثورة حارة عند مخالطته، ولذلك قال بعضهم: إن أردت الإنجاب فانكح غريبا … وإلى الأقربين لا تتوصل فانتقاء لثمار طيب وحسنا … ثمر غصنه غريب موصل وفي الحديث: "اغتربوا ولا تضووا" والضوى بوزن الهوى هو الضعف والهزال في الولد وذلك بتزوج القرابات، والعرب تمدح بضد ذلك. قال الشاعر: فتى لم تلده بنت عم غريبة … فيضوي وقد يضوي سليل الأقارب وقد روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا تنكحوا القرابة القريبة فإن الولد يُخلق ضاويا" والضوى شديد النحافة. ولا حجة في قول الشاعر: بنونا بنو أبنائنا وبناتنا … بنوهن أبناء الرجال الأباعد لأن المراد بذلك القرابة والأولوية في الأقرباء لا المراد بذلك الفائدة التي ذكرناها كما قيل في سبب إيراد البيت وهو أن المغيرة بن شعبة الثقفي كانت له بنت جميلة خطبها منه ابن أخيه وابن أخته فقال لهما: كل منكما قريب ولا أدري لمن أزوجها منكما لتساوي رتبتكما ولكن أكتب إلى عبد الرحمن بن الحكم وأفوض له أمرها فيزوجها بمن يشاء منكما، فحملا إليه الكتاب فقرأه ثم كتب له يخبره بأن يزوجها لابن أخيه وفي ذلك الكتاب قوله: بنونا بنو أبنائنا .. إلخ. ثم أرادت طرود بناء قرية بقرب تكسبت فمنعتهم زناته معتلين بأن الأرض ضيقة وماؤها قليل فلا ينبغي التزاحم فيها والأفضل التباعد ليجد كل واحد أرضا حول بلده ترعى فيها الحيوانات وتسرح بها الدواجن (جمع داجن هو الحيوان الذي يألف البيوت).

стр. 2304

فاتفق رأي طرود على تهيئة الحجر وحرق الجبس في موضع لا يراهم فيه الزناتيون ويبنون خفية حيث أرادوا وإذا تم ذلك لا تقدر زناته على نقضه. فحرقوا حينئذ الجبس في سندروس وأتوا بالحجر من الفولية وبنوا لزعمائهم بيوتا صغارا أي بيتا لكل واحد منهم في المكان المُسمى الآن (البلد) في حافة السوق الغربية شرقا من منازل اليهود الكائنين في هذا العهد وكان اليهود وقتئذ ما زالوا بنواحي جلهمة (١)، ففي ليلة واحدة أتموا سبع بيوت ولم تعلم زناته بذلك وزادوا في الليلة الثانية تسع بيوت، وقيل: كانت التسع في الليلة الأولى والسبع في الثانية. ولما فطنت زناته اغتاظوا غيظا شديدا وعزم بعضهم على هدم ذلك البناء فمنعهم كبارهم قائلين لهم: لا تفعلوا شيئا إلا بمشورة من له الرأي فيكم. فاختاروا من قومهم عشرين رجلا ثم انتخبوا من العشرين خمسة وكانوا إذا عزموا على التكلم في أمر يبتعدون عن القرية بناحية يتيقنون قلة سالكيها وبنحو ميل أو أكثر، فأبدى كل واحد رأيه ثم قال كبيرهم: أيها الناس إن طرودا ما فعلوا هذا الأمر إلا لأنهم عزموا على إرغامنا عليه، فإن الغالب ظلوم، وقد حكى أن

стр. 2305

ذئبا أتى نعجة رابضة فجلس عند فمها وهي تقطع جرتها (أي تجتر) فقال لها: أنت تمضغين وأنا لا أطيق سماع مضغك فاسكتي، قالت له: كان عليك أن تجلس في مكان غير هذا فإن الأرض واسعة والفيافي لا حِسَّ فيها، فقام الذئب من هناك وجلس عند ذنب النعجة فقالت له: تأخر عني إلى محل آخر، فقال: لا أتأخر فهذا هو الموضع الذي قسمه الله لي، وكان من عادة النعجة إذا مضغت تحرك ذنبها فسقط منه شيء من التراب على وجه الذئب فقال له: ألم تعلمي بأني قاضي الحيوانات لا أقبل من يشوه خلقتي بالتراب أو يتعدى علي بشيء، فوثب عليها وأكلها، والرأي عندي أن لا تظهروا الجزع والنفور من مجاورتهم بل أظهروا لهم البشاشة ورغبتكم في مساكنتهم غير أنكم كنتم أردتم منهم البعد قليلا وحيث لم يتيسر ذلك منهم فلا بأس بالبناء بالمحل الذي بنوا فيه، وإذا اطمأنوا لكم وطال الأمد اجعلوا لهم مكيدة. فسمعوا كلام كبيرهم، وكان من بين جماعة مجلس الشوري سيدي عبد الله بن أحمد، فأخبر رؤساء طرود بما أرسى عليه أمر زناته وأوصاهم بكتمانه عن عامتهم لئلا يظهر الخبر. فزاد طرود في البناء جهرا وجعلوا زرائب من الحلفاء والمرخ قائمة على خشب الأزال واشتغلوا بالأسفار إلى النواحي القريبة كالجريد والزاب ووادي ريغ خصوصا تماسين كما يسافرون إلى ورقلة وغدامس وتارة إلى السودان، أما الجهات الأخرى فقليلا ما يذهبون إليها لكثرة قطاع السابلة فيها ومرور الجيوش بها وكثرة الأهوال في ذلك الحين. فلما طال الحال عزم الزناتيون على فعل المكيدة التي كانوا عزموا عليها سابقا واتفقوا على ضيافة قوم طرود وأن يكون ذلك في وقت العشاء لئلا تظهر المكيدة وقد فكروا في وضع السم في الطعام ليموت كل من أكل منه، قيل أنهم جلبوا

стр. 2306

سم ساعة من الأندلس، فنهاهم سيدي عبداالله عن ذلك قائلا لهم: أن طرودا تركوا إذايتكم وآخوكم وأزالوا ما في صدورهم عنكم ويكرمونكم غاية الإكرام، فلم يصغوا لقوله متعللين بأن طرودا ما تركوا إذايتهم إلا حين نالوا ما أرادوا. ثم استضاف الزناتيون طرودا فأجابوهم لذلك ظانين عدم الخديعة وأنهم ما فعلوا ذلك إلا لتمكين الروابط ناسين ما قد أخبرهم به سيدي عبد الله فاشتغل الزناتيون بطبخ الطعام من الصباح وكانت قريتهم لها سور وبهذا السور بابان وفي كل باب حرس يتفقد أحوال الداخلين والخارجين فإذا رأى الحارس ما يشك فيه يخبر أصحاب الشرطة (الحكومة) فيبدون فيه رأيهم، وكان أهل الشورى أخبروا أهل القرية بأن لا تذهب قصعة الطعام إلى طرود حتى تمر عليهم (أي على أهل الشورى ليضعوا فيها السم). وكان سيدي عبد الله يترقب الفرصة ليذكر طرودا بصنيع زناته وليتجنبوا أكل طعامهم فأرسل عبده إليهم بإنزاله من جدار السور الغربي فوصلهم في الحين وأخبرهم بما كان. فلما بلغ الخبر إلى طرود اشتوروا في الأمر واتفق رأيهم على أن لا يظهروا ذلك إلى الزناتيين ولكن يشيعون أنه أتاهم خبر بأن إبلهم أغار عليها العدو في الصحراء الشرقية ويظهر فتيان طرود اللحاق بها ثم يكمنون في المكان المُسمى الآن العلندوي حتى يفوت وقت الطعام ويفسد وعندئذ يرجعون. فأكثر أهل طرود الضجيج والبكاء وأظهروا الحزن بضرب الطبل (وهو قصعة مغشاة بجلد جمل قد تجتمع حوله النساء ويضربنه بعصي قصيرة ويفعلن مثل ذلك في الأعراس والمواسم ومقدم الغزاة، وكن في الأفراح يولولن أي يزغردن وفي الحزن والتفجع يبكين ويندبن وإلى الآن يوجد ذلك في البادية الجزائرية). فلما جنّ الليل أقبل جماعة زناته بالطعام إلى منازل طرود وجلسوا حسب وصية كبرائهم لينظروا أكل القوم، فاعتذر طرود عن الأكل متعللين بأن أكبادهم مجروحة بما حدث لإبلهم ولا يدرون أيضا ما حال أبنائهم في الموت أم في الحياة.

стр. 2307

حينئذ رجع جماعة زناته بالطعام ووقع في نفوسهم من ذلك شيء ولكنهم لم يجزموا فأراقوا ذلك الطعام في حفر عميقة وردموا عليها بالتراب. ثم من الغد قدم فتيان طرود وظهر أن أمر الإبل لم يكن منه شيء فتيقن الزناتيون بأنه أخبرهم بالمكيدة مخبر ولا يكون غير واحد من أصحاب المجلس إذ لم يطلع غيرهم على ذلك الخبر قبل إحضار الطعام حيث حذروهم من الأكل منه. وذهبوا يطوفون حول السور عساهم يجدون أثرا فوجدوا أثر قدمي (١) العبد أي خادم سيدي عبد الله عندما نزل السور ذاهبا إلى طرود وراجعًا من حيث نزل. فأتوا إلى سيدي عبد الله ولاموه على فعله وتهددوه، قيل وفرقوا بينه وبين زوجته. وأخرجوه من بينهم فنزل بالمحل الذي به زاويته الآن وجعل عريشا له وعريشا لخادمه يتعبدان فيهما. واتضحت العداوة بين طرود وزناتة وانقطعت المواصلة بينهما، وكانت امرأة من زناتة لها محبة مع رجل من طرود تختلف إليه في بعض الأحايين، فأتته يوما وأخبرته بأن جهة السور الغربية قد سقطت وأنها الآن خالية من الحرس، فأخبر قومه طرودا بذلك واجتمعوا في آخر ذلك الليل وجمعوا شتاتهم ثم هجموا على الزناتيين من جهة السور التي سقطت، وكذلك ذهب بعض من طرود إلى القرية الأخرى وهي بلاد سور وهجموا عليها، فما طلع النهار إلا تم لهم ما أرادوا وانجلى جميع من كان بالقريتين من زناته فمنهم من توجه إلى نفطة ومنهم إلى ورقلة والأكثر إلى تقرت. وخلا الجو لطرود بعد انجلاء زناته عن الأرض فجالوا فيها من غير معترض وانتشرت أحياؤهم واتسعت مراعيهم واستتب أمنهم ولله في خلقه شؤون. وكان ذلك في عام ٨١٨ هـ الموافق ١٤١٦ م تقريبا، أعني أن انتهاء تلك الحوادث وحصول الراحة في ذلك التاريخ لا دخولهم كما سبق لك خبره. والله أعلم.

стр. 2308

وفد طرود للشابي (١) حكى القدماء وكما قال الشيخ العدواني: كان بعض الأفراد من طرود يترددون على القيروان لمعارف لهم هناك ويأتون ببعض السلع ولا يكون ذلك إلا عند حصول الهدوء في الطرق وتكون العير التي معهم يخفرها نحو الخمسين أو الستين رجلا شاكين السلاح مخافة من قطاع السابلة. فوقعت معرفة بين الشابي ورؤساء التجار واستخبرهم عن قومهم وقوتهم ومقدار نفعهم فذكروا له فخرا كبيرا، وكان الشابي يشعر بمبادئ الشر بينه وبين الوالي حيث وقعت وحشة بينهما سابقا، ثم كثرت الشكوك والوسواس بينهما فعاد الحال إلى ما كان عليه. وأهدى الشابي لأولئك الجماعة هدايا واتفق معهم على أنه إذا أراد القيام على الوالي وقصده بسوء يكونون عونا له عليه وإذا فعلوا يجري لرؤسائهم مرتبات ويعطي عامتهم ما يرضيهم ويخصهم بالغنائم إن كانت، ففرحوا بذلك وعادوا إلى قومهم فأخبروهم بخبر الشابي ثم بعثوا رسلا إلى الشابي يجيبونه بقبول طرود لطلبه. أرجع الشابي الرسول إلى طرود قائلا لهم: إني على وشك القيام ولا يتخلف منكم إلا العاجز وحين سمعوا تساهموا على من يذهب ومن يبقى يحفظ الأرض ومن يكون رئيسا على كل قبيلة. ثم تجمع منهم خمسمائة فرس وثمانمائة رجل وذهبوا، ولما وفدوا عليه وجدوه نازلا بعبيدة وهو محل قرب الكاف (شمال تونس) فاهتز لهم فرحا وسرورا ثم قام مرحبا بهم وقال لهم: يا طرود من نصرتموه انتصر ومن كسرتموه انكسر قليلكم كثير وكثيركم لاحد له.

стр. 2309

وكان مع الشابي جنود عظيمة وخيل وإبل سدت النواحي. فآتاهم الوالي بجموع كثيرة ملفقة من العربان وتقاتلوا بذلك المكان مرات عديدة فهزموه إلى أن دخل سوسة. وبعد أيام يسيرة أعاد الكرة على القيروان فوجد الجيوش قد أحاطت بها من كل جانب ومكان فتأخر، فرأته طلائع الشابي فأخبرته به، فأمر الشابي الأقوام باقتفاء أثره حتى يقتل أو يؤخذ أسيرا، فلحقوا به في فيافي الحاجب وتقاتل الفريقان مات فيه من كلا الفريقين خلق كثير، وآخر الحال تأخر قوم الشابي، وفي أثناء ذلك قال الطروديون لبعضهم بعضا: إن العار في انهزامكم حيث إن الرجل (أي الشابي) وثق بكم واستنجدكم من مكان بعيد للثبات والفور، فالموت دون الرجوع، وحلفوا أن لا يرجع أحد منهم إلا إذا كان ظافرا وحملوا حملة صادقة على جيوش الوالي فهزموهم ثم تتبعوا أثرهم يأخذون الغنائم والأسارى. ولما تسامعت جنود الشابي بخبر طرود كروا راجعين فوجدوا الأمر قد فاتهم. وحملت تلك الغنائم إلى الشابي فأعطى قسمة منها إلى طرود والقسمة الباقية إلى جيوشه ولم تقبل طرود بالقسمة فانصرفوا بغيظهم إلى سوف عازمين على عدم نصرته مرة أخرى. ولم يذكروا لهذه الوقائع تاريخا، ولعل ذلك كان في حدود عام ٩٤٢ هـ الموافق سنة ١٥٣٦ م ويرجح ذلك ما في كتاب المؤنس: "أن السلطان الحسن بن أبي عبد الله محمد بن الحسن بن محمد المسعود كان بعد سنة الأربعاء (؟) جمع عربانا وجموعا وخرج إلى القيروان لقصد افتكاكها من يد الشانبين فلما قرب منها خرج إليها أهل القيروان فانهزم هو ومن معه وأخذت أمواله ورجع مكسورا .... ". وسنة الأربعاء في عام ٩٤١ هـ/ سنة ١٥٣٥ م، كما ذكر ذلك نفس الكتاب وجاء في كتاب الخلاصة النقية في آخر ترجمة الحسن المذكور وخير الدين وهو أن الحسن خرج إلى أخذ القيروان من الشابي فهزمه فركب البحر إلى إسبانيا إلخ .. والله أعلم.

стр. 2310

إعانة طرود للباي (١) بعد أن اشتدت الروابط بين طرود والباي وكثرت الهدايا من الجانبين من هنا ومن هناك صار الباي في كل مرة يلقي لهم شيئًا من حكايات الشابي رئيس القيروان ويذكرهم فيما وقع لهم مع الشابيين قديما. أقول: الباي الذي يذكرونه هو يوسف داي ومن بعده حمودة باشا أقنة؛ لأن تاريخ تلك ألحكايات ينطبق عليهما ويُسمى الأخير محمد بن مراد. والله أعلم. وكانت لطرود علاقات مع دُرَيْد الهلالية وكلما ذهبوا أو آبو ينزلون عليهم فيكرمونهم للعلائق القديمة التي كانت بينهم زمن دخول العرب (بني هلال وسُلَيْم)، كما أن الوالي المذكور يحرضهم على استمالة دُريْد إليه فيفعلون حتى صار بعض رؤسائهم يذهب معهم كل مرة ويرجع بفوائد جسيمة وهدايا عظيمة. فلما أحس الباي بالتمكن أخذ من زعمائهم العهد على أنه إذا وقع بالشابي ونكل به يخرجون عن طاعته وينضمون إليه ويصيرون من قومه وأتباعه. كما أنه أخذ العهد عن طرود في الإعانة على الشابي إذا حاربهم. ورجع كل لقومه مخبرا إياهم بما كان منتظرا. ففي زمن قريب أتى المستغيث إلى سوف فخرج غالب طرود، وبعض من غيرهم ممن لديهم علاقة أو يحمله الطمع في الإحسان أو الغنيمة لفقر وقلة احترافه يقال: خرج منهم زهاء الألف رجل ممن لا يتأخر أو يجبن عند اشتداد البأس، واضطرام نار الحرب واشتباك الملاحم. فلما قدموا اهتزت لهم الناس وذكروهم بأحسن ذكر وأنشدت بين أيديهم وقدمت لهم أسلحة دولية وأجريت لهم نفقات يومية، وأمروا بالتنظيمات الحربية لا التقدمات الفوضوية. فخرج لهم عبد الصمد الشابي في جنود مجندة وتحارب الفريقان أياما كان النصر في آخرها حليف حمودة باشا، وقتل من الفريقين خلق لا يحصى، قيل: إن

стр. 2311

الذين ماتوا من أهل سوف نحو المائة نفر وإلى الآن يُسمي القدماء ذلك العام عام المجزرة، ويسميه أبناء سيدي مسطور عام الطمع، يعنون أنه لولا طمعهم في الإحسان أو الغنائم لما وقع لهم مثل ذلك، لكن البعض يدّعي أن ذلك ليس من أجل الطمع بل من أجل عدم وفاء الشابيين بالعهود معهم ومعاملتهم بما يأنفون منه. وخرجت دُرَيد عن الشابي وانضمت للباي وكذلك جميع ورغمة وما حول ذلك من العربان. ويزعم القدماء أن هذه الواقعة كانت بعد إكرام الباي بعام واحد والصحيح خلافه. وإنما ذلك عام ١٠٤١ هـ/ الموافق سنة ١٦٣٢ م، أو بعد ذلك لأن حمودة بن مراد صاحب هذه الفعال تولى في هذا العام وهو الذي لا شك فيه ألبتة. جاء في الخلاصة النقية ما نصه: في عام ١٠٤١ هـ/ سنة ١٦٣٢ م، نزل مراد باشا لابنه حمودة باشا عن سفر الأمحال ثم مات مراد في عامه وقام حمودة بمنصبه فمهد النواحي وقمع الثوار وأوقع بالشيخ عبد الصمد الشابي وانتزع دُرَيْد من يديه وهم العرب الداخلين أيام المعز بن باديس وأضافهم لرعيته ورسم منهم طائفة عظيمة في ديوان جنده وأضاف ورغمة أيضا لرعيته، وأخذ حامة قابس من أولاد سعيد بعد حصار عظيم، والكاف من بني شنوف وهم المتسببون في الحرب بين تونس والجزائر على الحدود وهو أول حرب معهم .. إلخ. وفي هذا الوقت أتت بعض أعراب دُرَيْد مع طرود فدخل بعضهم الوادي وبعضهم بقي مع بني سُلَيْم الذين ينزلون أحيانا إلى الميتة ويصعدون إلى الجبل. أما الأولون فاختلطوا بأهل الزقم. وسيأتي تفصيل الجميع إن شاء الله. (تنبيه) لما كان البعض يلتبس عليه الأمر في حال من أحوال الماضين ويقص خبر زمان في زمان آخر، ألزمنا أن ننبه على ذلك إزالة للخطأ حيث كنت ملتزما به من قبل السائلين ونصيحة للقارئين.

стр. 2312

فمن ذلك ما حكي أن بني هلال حين دخلوا إفريقيا (تونس) مكثوا فيها طويلا ثم انتقلوا حتى وصلوا أرض سوف فوجدوا بها الزناتية، ومن جملتهم خليفة الزناتي المشهور فتحاربوا هناك وحفر خليفة المذكور بئرا بقرب الغوط الآن تُسمى باسمه إلى هذا الوقت يقال لها احسي خليفة، ثم طرد الهلاليون الزناتيين وأجلوهم إلى وادي الزناتي ونواحيه. ويحكى في هذا الشأن أن رجلا سأل رجلا آخر عن زناتة وبني هلال كيف كانت الفتنة بينهما وما سببها؟ فأجابه بقوله: إني كنتُ ذات يوم جالسا في خلوتي فحدثتني نفسي بزيارة الشيخ البكري في الشام، فأخذتُ عكازي وسرت في البرية حتى وصلت موضعا يقال له بن قردان (١) بقرب أرض طرابلس، فنظرت فإذا بخيول قد أقبلت علي فلما رأوني وعرفوني قال بعضهم لبعض: لا تؤذوه فإنه رجل صالح عليه سمات الخير تلوح، فنزلوا بساحتى وإذا بخيول أخرى تتزايد والسواد والنساء لاحقات في أثرهم، فعرضوني للأكل فامتنعت من طعامهم وأكلت من سويق عندي ونمت هناك إلى الصباح، وإذا بخيل أخرى قد خرجت من الزاوية التي بطرابلس فلما رأتهم زناتة أسرعوا نحوهم، فسألت رجلا عاقلا كان معهم عن هذه الخيل الأخرى، فقال: أولئك بنو هلال ونحن زناتة نريد القتال، قلت له: وما الحامل لكم على ذلك من غير موجب ولا سبب، قال لي: يا شيخ البركة، هؤلاء يقاتلوننا عن أرضنا من غير شيء فعلناه معهم والصائل لابد من دفعه، وكان مع بني هلال امرأة جميلة قد خطبها بنو عمها فلم تقبل منهم أحدا، وكان في قومنا رجل يقال له خليفة بن عمار ذو شجاعة وفروسية، جميل الصورة، صاحب أشعار كثيرة وكلام بليغ خرج يفتش على نياق أذهبها الغيم والريح فالتقى بتلك المرأة وكان حولها عشرون بكرًا من بنات عمها يحللن عقاصها، فتقدم إليهن خليفة وتأمل فيهن فلما رأينه قلن له: ما شأنك يا فارس، قال لهن: جئت أبحث على ضالة من الإبل والآن عثرت على خير منها فلا أذهب من هنا. قالت له تلك المرأة: إنك لا تقدر على زمام الناقة وعقالها (كناية عن شروطها) قال لها: أقدر على ذلك إن شاء الله. فإن لم تكوني تعرفينني فأنا خليفة

стр. 2313

الزناتي الشائع الصيت في جميع الآفاق، فقالت له: انطلق الآن وارجع غدا إلى هذه الشجرة (شجرة كانت بقربها) وكان اسم تلك المرأة الجازية الهلالية. ثم من الغد رجع إلى ذلك المكان فوجد الجازية واقفة مع صاحباتها وجميع خُطَّابها مختفون قرب الشجرة آخذون أسيافهم بأيديهم ينتظرون قدومه، فأقبلت الجازية وسلمت على خليفة ورحبت به ودعته للنزول لتستريح فرسه فامتنع قائلا لها: لا أنزل إن ظهرها عز والنزول عنه ذل، وما من امرأة في الحسب والجمال إلا ويكثر تابعوها وعديانها وأظن أن منهم من هو وراء ظهري الآن فيلزمني الحذر لأن قلبي يحدثني بذلك، فقالت له: اعمل على حسب ما سبق إليه حديث قلبك، فما تم كلامها حتى أتت إليهما الخيل من كل جانب ومكان فتلقاهم خليفة، والجازية واقفة تقول له: إن الذين أتوك كلهم خطبوني ولم أقبل أحدا منهم وكن حازما فإن العمر أيام معدودة لا تزيد ولا تنقص والجبن عار، وعليك بلابس الأحمر فإنه ابن عمي وهو رئيسهم فإذا قتلته أو جرحته بقي العدو بلا رأس وتفرقوا، فتقدم إليه خليفة وطعنه في صدره برمحه أخرجه من ظهره فمات، ثم ما زال يخرج إليه الواحد بعد الآخر فيقتله حتى بلغ اثني عشر فارسا. ثم أخذت الجازية فرسا من خيل القتلى وذهب معها خليفة إلى بيت أبيها ونزلا بها. وبلغ الخبر إلى الناس في ذلك الحين. وفي الغد ركب بنو هلال وهجموا على الزناتية وهم هؤلاء كما ترى .. انتهى كلامه. أقول: قد نسبوا هذه الحوادث إلى عام ٧٩٧ هـ الموافق ١٣٩٥ م ولم يوجد في ذلك التاريخ بسوف من اسمه خليفة تنسب إليه تلك الوقائع، ثم إن خليفة الذي نسبت إليه الحكاية ليس هو خليفة بن عمار وإنما هو خليفة بن وروا الزناتي (١)

стр. 2314

رئيس بني خزرون صاحب الولاية على طرابلس الغرب عام ٤١٧ هـ الموافق ١٠٢٧ هـ. ففي المنهل العذب قوله: اتصلت ولاية خليفة بن وروا وقومه من بني خزرون بطرابلس، وخاطب الخليفة بالقاهرة الظاهر بن الحكم عام ٤١٧ هـ الموافق ١٠٢٧ م، فأجابه إلى ذلك وأوفد في هذه السنة أخاه حمادا على المعز بن باديس بهدية فتقبلها وكافأه عنها. واتصل ملك خليفة بن وروا وقومه من بني خزرون الزناتيين بطرابلس إلى أن وصل العرب (أي بنو هلال وبنو سُلَيْم). وكان خليفة المذكور في الحكاية والشيخ البكري الذي ذهب يزوره الشيخ المدعي بأنه رأى حروبهم بعينيه، كان في حدود عام ١١٨٠ هـ الموافق سنة ١٧٦٧ م. وهب أن خليفة غير هذا فإن المكان لا يناسبه لأنه ادعى أن ذلك كان قرب طرابلس كما تقدم في كلامه. وأيضا فما نسبه للجازية من التحيز إلى خليفة الزناتي وإشارتها عليه بقتل بني عمها خير معقول؛ لأنها كانت من النساء الذكيات العاقلات صاحبات الادراك، وإنما اشترط أبوها أن لا يزوجها إلا من ظهرت شجاعته وقهر أقرانه فافتتنت من أجلها الرجال وتبارزوا عليها في وقائع عديدة كان الفوز فيها لذياب الزغبي الهلالي السابق خبره، وقتل خليفة الذي نازعه عليها وكذلك قتل أبا خربية ومكحولا أخوي خليفة كلما جاء ذلك في كتاب "تغريبة بني هلال" والمحل الذي وقعت به الحروب كان بنواحي تونس بعد ذلك التاريخ حين تأخر خليفة عن طرابلس وسكن بقومه تونس وما حولها كلما قيل (١).

стр. 2315

وقد يؤيد هذا شعر خليفة المذكور الذي بالجزء الثاني عشر من كتاب "تغريبة بني هلال"، ونصه: قال الزناتي والزناتي خليفة … تونس مدينتنا ونحن كبارها من نسل حِمْيَر وأهل تُبَّع نسبتي … نتلو كتاب الله في أسرارها وفي رواية أخرى: قال الزناتي والزناتي خليفة … تونس مدينتنا ونحن كبارها من نسل حِمْيَر وأهل تُبَّع نسبتي … نتلو كتاب الله في أمحالها قال القدماء: ومن ذلك المحل خرج بنو هلال وبنو زناته وطافوا أكثر أنحاء إفريقيا وآخر العهد بهم كان في بحيرة نيني التي بقرب عين البيضاء بالأوراس الآن، فقتل ذياب خليفة هناك وجرح فرسه جرحا بليغا حتى صارت تئن منه، فقال لها قائدها: نيني يا البيضاء نيني، ثم ماتت في العين التي بشمال الجبل بانحراف إلى الشرق فسمي ذلك المكان: عين البيضاء، وبنيت فيه قرية تسمى بذلك المحل هي الآن آهلة عامرة. ويؤيد ما تقدم ما هو مذكور في أول الجزء العاشر من كتاب "تغريبة بني هلال"، وما هو في كتاب "رحلة بني هلال" من أن الهلاليين وصلوا إلى وادي رشاش وانتقلوا منه إلى ما وراءه، وبعد زمن تفرقوا في الزاب وما يليه، ومنهم بالجريد عائلات، وبتقرت وبسوف مع طرود كثير ومع غيرهم أكثر في أرض الجزائر.
следующие страницы →