← Ансаб

Ансаб · id 897

موسوعة القبائل العربية

محمد سليمان الطيب

Полный текст (10 849 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

الذين ماتوا من أهل سوف نحو المائة نفر وإلى الآن يُسمي القدماء ذلك العام عام المجزرة، ويسميه أبناء سيدي مسطور عام الطمع، يعنون أنه لولا طمعهم في الإحسان أو الغنائم لما وقع لهم مثل ذلك، لكن البعض يدّعي أن ذلك ليس من أجل الطمع بل من أجل عدم وفاء الشابيين بالعهود معهم ومعاملتهم بما يأنفون منه. وخرجت دُرَيد عن الشابي وانضمت للباي وكذلك جميع ورغمة وما حول ذلك من العربان. ويزعم القدماء أن هذه الواقعة كانت بعد إكرام الباي بعام واحد والصحيح خلافه. وإنما ذلك عام ١٠٤١ هـ/ الموافق سنة ١٦٣٢ م، أو بعد ذلك لأن حمودة بن مراد صاحب هذه الفعال تولى في هذا العام وهو الذي لا شك فيه ألبتة. جاء في الخلاصة النقية ما نصه: في عام ١٠٤١ هـ/ سنة ١٦٣٢ م، نزل مراد باشا لابنه حمودة باشا عن سفر الأمحال ثم مات مراد في عامه وقام حمودة بمنصبه فمهد النواحي وقمع الثوار وأوقع بالشيخ عبد الصمد الشابي وانتزع دُرَيْد من يديه وهم العرب الداخلين أيام المعز بن باديس وأضافهم لرعيته ورسم منهم طائفة عظيمة في ديوان جنده وأضاف ورغمة أيضا لرعيته، وأخذ حامة قابس من أولاد سعيد بعد حصار عظيم، والكاف من بني شنوف وهم المتسببون في الحرب بين تونس والجزائر على الحدود وهو أول حرب معهم .. إلخ. وفي هذا الوقت أتت بعض أعراب دُرَيْد مع طرود فدخل بعضهم الوادي وبعضهم بقي مع بني سُلَيْم الذين ينزلون أحيانا إلى الميتة ويصعدون إلى الجبل. أما الأولون فاختلطوا بأهل الزقم. وسيأتي تفصيل الجميع إن شاء الله. (تنبيه) لما كان البعض يلتبس عليه الأمر في حال من أحوال الماضين ويقص خبر زمان في زمان آخر، ألزمنا أن ننبه على ذلك إزالة للخطأ حيث كنت ملتزما به من قبل السائلين ونصيحة للقارئين.

стр. 2312

فمن ذلك ما حكي أن بني هلال حين دخلوا إفريقيا (تونس) مكثوا فيها طويلا ثم انتقلوا حتى وصلوا أرض سوف فوجدوا بها الزناتية، ومن جملتهم خليفة الزناتي المشهور فتحاربوا هناك وحفر خليفة المذكور بئرا بقرب الغوط الآن تُسمى باسمه إلى هذا الوقت يقال لها احسي خليفة، ثم طرد الهلاليون الزناتيين وأجلوهم إلى وادي الزناتي ونواحيه. ويحكى في هذا الشأن أن رجلا سأل رجلا آخر عن زناتة وبني هلال كيف كانت الفتنة بينهما وما سببها؟ فأجابه بقوله: إني كنتُ ذات يوم جالسا في خلوتي فحدثتني نفسي بزيارة الشيخ البكري في الشام، فأخذتُ عكازي وسرت في البرية حتى وصلت موضعا يقال له بن قردان (١) بقرب أرض طرابلس، فنظرت فإذا بخيول قد أقبلت علي فلما رأوني وعرفوني قال بعضهم لبعض: لا تؤذوه فإنه رجل صالح عليه سمات الخير تلوح، فنزلوا بساحتى وإذا بخيول أخرى تتزايد والسواد والنساء لاحقات في أثرهم، فعرضوني للأكل فامتنعت من طعامهم وأكلت من سويق عندي ونمت هناك إلى الصباح، وإذا بخيل أخرى قد خرجت من الزاوية التي بطرابلس فلما رأتهم زناتة أسرعوا نحوهم، فسألت رجلا عاقلا كان معهم عن هذه الخيل الأخرى، فقال: أولئك بنو هلال ونحن زناتة نريد القتال، قلت له: وما الحامل لكم على ذلك من غير موجب ولا سبب، قال لي: يا شيخ البركة، هؤلاء يقاتلوننا عن أرضنا من غير شيء فعلناه معهم والصائل لابد من دفعه، وكان مع بني هلال امرأة جميلة قد خطبها بنو عمها فلم تقبل منهم أحدا، وكان في قومنا رجل يقال له خليفة بن عمار ذو شجاعة وفروسية، جميل الصورة، صاحب أشعار كثيرة وكلام بليغ خرج يفتش على نياق أذهبها الغيم والريح فالتقى بتلك المرأة وكان حولها عشرون بكرًا من بنات عمها يحللن عقاصها، فتقدم إليهن خليفة وتأمل فيهن فلما رأينه قلن له: ما شأنك يا فارس، قال لهن: جئت أبحث على ضالة من الإبل والآن عثرت على خير منها فلا أذهب من هنا. قالت له تلك المرأة: إنك لا تقدر على زمام الناقة وعقالها (كناية عن شروطها) قال لها: أقدر على ذلك إن شاء الله. فإن لم تكوني تعرفينني فأنا خليفة

стр. 2313

الزناتي الشائع الصيت في جميع الآفاق، فقالت له: انطلق الآن وارجع غدا إلى هذه الشجرة (شجرة كانت بقربها) وكان اسم تلك المرأة الجازية الهلالية. ثم من الغد رجع إلى ذلك المكان فوجد الجازية واقفة مع صاحباتها وجميع خُطَّابها مختفون قرب الشجرة آخذون أسيافهم بأيديهم ينتظرون قدومه، فأقبلت الجازية وسلمت على خليفة ورحبت به ودعته للنزول لتستريح فرسه فامتنع قائلا لها: لا أنزل إن ظهرها عز والنزول عنه ذل، وما من امرأة في الحسب والجمال إلا ويكثر تابعوها وعديانها وأظن أن منهم من هو وراء ظهري الآن فيلزمني الحذر لأن قلبي يحدثني بذلك، فقالت له: اعمل على حسب ما سبق إليه حديث قلبك، فما تم كلامها حتى أتت إليهما الخيل من كل جانب ومكان فتلقاهم خليفة، والجازية واقفة تقول له: إن الذين أتوك كلهم خطبوني ولم أقبل أحدا منهم وكن حازما فإن العمر أيام معدودة لا تزيد ولا تنقص والجبن عار، وعليك بلابس الأحمر فإنه ابن عمي وهو رئيسهم فإذا قتلته أو جرحته بقي العدو بلا رأس وتفرقوا، فتقدم إليه خليفة وطعنه في صدره برمحه أخرجه من ظهره فمات، ثم ما زال يخرج إليه الواحد بعد الآخر فيقتله حتى بلغ اثني عشر فارسا. ثم أخذت الجازية فرسا من خيل القتلى وذهب معها خليفة إلى بيت أبيها ونزلا بها. وبلغ الخبر إلى الناس في ذلك الحين. وفي الغد ركب بنو هلال وهجموا على الزناتية وهم هؤلاء كما ترى .. انتهى كلامه. أقول: قد نسبوا هذه الحوادث إلى عام ٧٩٧ هـ الموافق ١٣٩٥ م ولم يوجد في ذلك التاريخ بسوف من اسمه خليفة تنسب إليه تلك الوقائع، ثم إن خليفة الذي نسبت إليه الحكاية ليس هو خليفة بن عمار وإنما هو خليفة بن وروا الزناتي (١)

стр. 2314

رئيس بني خزرون صاحب الولاية على طرابلس الغرب عام ٤١٧ هـ الموافق ١٠٢٧ هـ. ففي المنهل العذب قوله: اتصلت ولاية خليفة بن وروا وقومه من بني خزرون بطرابلس، وخاطب الخليفة بالقاهرة الظاهر بن الحكم عام ٤١٧ هـ الموافق ١٠٢٧ م، فأجابه إلى ذلك وأوفد في هذه السنة أخاه حمادا على المعز بن باديس بهدية فتقبلها وكافأه عنها. واتصل ملك خليفة بن وروا وقومه من بني خزرون الزناتيين بطرابلس إلى أن وصل العرب (أي بنو هلال وبنو سُلَيْم). وكان خليفة المذكور في الحكاية والشيخ البكري الذي ذهب يزوره الشيخ المدعي بأنه رأى حروبهم بعينيه، كان في حدود عام ١١٨٠ هـ الموافق سنة ١٧٦٧ م. وهب أن خليفة غير هذا فإن المكان لا يناسبه لأنه ادعى أن ذلك كان قرب طرابلس كما تقدم في كلامه. وأيضا فما نسبه للجازية من التحيز إلى خليفة الزناتي وإشارتها عليه بقتل بني عمها خير معقول؛ لأنها كانت من النساء الذكيات العاقلات صاحبات الادراك، وإنما اشترط أبوها أن لا يزوجها إلا من ظهرت شجاعته وقهر أقرانه فافتتنت من أجلها الرجال وتبارزوا عليها في وقائع عديدة كان الفوز فيها لذياب الزغبي الهلالي السابق خبره، وقتل خليفة الذي نازعه عليها وكذلك قتل أبا خربية ومكحولا أخوي خليفة كلما جاء ذلك في كتاب "تغريبة بني هلال" والمحل الذي وقعت به الحروب كان بنواحي تونس بعد ذلك التاريخ حين تأخر خليفة عن طرابلس وسكن بقومه تونس وما حولها كلما قيل (١).

стр. 2315

وقد يؤيد هذا شعر خليفة المذكور الذي بالجزء الثاني عشر من كتاب "تغريبة بني هلال"، ونصه: قال الزناتي والزناتي خليفة … تونس مدينتنا ونحن كبارها من نسل حِمْيَر وأهل تُبَّع نسبتي … نتلو كتاب الله في أسرارها وفي رواية أخرى: قال الزناتي والزناتي خليفة … تونس مدينتنا ونحن كبارها من نسل حِمْيَر وأهل تُبَّع نسبتي … نتلو كتاب الله في أمحالها قال القدماء: ومن ذلك المحل خرج بنو هلال وبنو زناته وطافوا أكثر أنحاء إفريقيا وآخر العهد بهم كان في بحيرة نيني التي بقرب عين البيضاء بالأوراس الآن، فقتل ذياب خليفة هناك وجرح فرسه جرحا بليغا حتى صارت تئن منه، فقال لها قائدها: نيني يا البيضاء نيني، ثم ماتت في العين التي بشمال الجبل بانحراف إلى الشرق فسمي ذلك المكان: عين البيضاء، وبنيت فيه قرية تسمى بذلك المحل هي الآن آهلة عامرة. ويؤيد ما تقدم ما هو مذكور في أول الجزء العاشر من كتاب "تغريبة بني هلال"، وما هو في كتاب "رحلة بني هلال" من أن الهلاليين وصلوا إلى وادي رشاش وانتقلوا منه إلى ما وراءه، وبعد زمن تفرقوا في الزاب وما يليه، ومنهم بالجريد عائلات، وبتقرت وبسوف مع طرود كثير ومع غيرهم أكثر في أرض الجزائر.

стр. 2316

دخول بنو سُلَيْم إلى سوف هم بنو سُلَيْم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر بن نزار بن عدنان. وكانوا بطونا كثيرة جوالة في إفريقيا من زمن دخول العرب أو بعدهم بقليل إذ الكثير منهم التحقوا بالهلاليين حين دخلوا فكان منهم في نواحي طرابلس بنو ذباب ومنهم آل سليمان وبنو وشاح والمحاميد الذين منهم غومة المحمودي الذي دخل صحراء سوف في عهد الأتراك العثمانيين، وكذلك منهم النوافلة والبركات والبلابيش والبشرة والحوَّتة وبشرقيهم البهجة والأفراد والهنادي وبغربيهم النوايل وأولاد سنان، ومنهم بداخل إفريقيا جميع الباقين. ففي حدود عام ٨٣٥ هـ الموافق ١٤٣٢ م أتى جماعة من المحاميد وجماعة من النوافلة إلى ضواحي القيووان فنزلوا بغربيها. قال القدماء: بلغنا أنه كادت تتألف منهم عصابة تشاقق الحكومة لميل الناس إليهم ووثوقهم بقوة شوكتهم وعدم لينهم فنزلوا على الدواودة مستجيرين بهم عندما بلغهم أن السلطان سيقاتلهم وأنه يقبل شفاعة الدواودة من مرداس رياح لجاههم عنده. أقول: كان الوالي في ذلك العهد هو محمد المنتصر بن المنصور بن أبي فارس عزور أو كان أبوه المنصور لكن كلام القدماء يناسب الأول. قال في الخلاصة النقية: "خرج من محلته أبو زكريا بن أبي عبد الله وأخوه والتفت حولهما الأعراب فوجه السلطان (محمد المنتصر) عسكرا لحفظ الحاضرة (تونس) واستدعى أخاه عثمان من قسنطينة وكان خلفه عاملا بها ورجع إلى الحاضرة وعقد لأخيه المذكور على حرب الأعراب فكانت بينهم حروب طويلة. وقدم أولاد أبو الليل منهم لقتال السلطان ونزلوا بسبخة باب خالد والسلطان على حاله من المرض يركب لقتالهم كل يوم حتى بلغهم قدوم المولى عثمان فأجفلوا ولقيهم فهزمهم ورجع ظافرا، ولما رأى الأخوان اعتلال حالهما تطارحا على شيخ الدواودة فقدم بهما شفيعا إلى الحاضرة فقبل السلطان شفاعته ثم اعتقلهما حتى هلكا .. إلخ".

стр. 2317

أقول: يمكن أن الدواودة شفعوا في القادمين أيضًا. وقال القدماء: ثم في نحو عام ٨٣٨ هـ الموافق ١٤٣٥ م، أجلب المحتمون بالدواودة على بعض النواحي وانضمت لهم جموع كثيرة فالتمس الوالي من الدواودة إخراجهم من أرضه فارتحلوا جميعا إلى الزاب ووادي سوف ورجع منهم البعض إلى نواحي طرابلس، وكان دخولهم إلى سوف في حدود عام ٨٤٠ هـ الموافق ١١٣٧ م، فنزلوا بنواحي الحجرة الآن، ثم بعد سنتين بنو قريتين إحداهما كانت بالمكان المُسمى الهنسير غربي الحجرة، وثانيتهما بمكان جبانة (مقبرة) كوينين القبلية، وأكثرهم كان يجعل في زمن البرد حفرا عميقة كالآبار يثقبونها في جهة ويسكنونها بدل البيوت ويخزنون فيها ما يحتاجون إليه بحيث إذا مر أحد بتلك الأرض لا يرى فيها إلا قليلا من الناس وإذا حدث حادث وصاح صائح يراهم يخرجون من الأرض ويغطون وجه البسيطة، وكان البناء بذينك الموضعين قليلا يكاد لا يذكر، وسكنى الظاهرين كانت في الخيام وزرائب الحلفاء. وكانوا يذهبون إلى طرود فيشترون منهم ما يحتاجون. واختلطوا معهم في كثير من الأشياء يتأثرون لمصاب بعضهم بعضا، فإذا حلت نائبة بأحد من بني سُلَيْم أو من معهم يذهب إليهم طرود يتوجعون معهم ويقيمون عندهم الأيام العديدة، وإذا أصاب بعض طرود شيء يفعل معهم بنو سُلَيْم مثل ذلك. ثم طال أمد السكنى واختلط طرود وبنو سُلَيْم ومن معهم وتصاهروا وانتقل كل لمحل الآخر عند رغبته أو إرادته القرب من قريبته المتزوجة هناك وصاروا جميعا كالقبيلة الواحدة لكن غالب طرود كانوا بالوادي وغلب سُلَيْم بالهنشير ومحل مقبرة كوينين ونحوهما.

стр. 2318

تذييل قيل: في حدود عام ٩٠٠ هـ/ سنة ١٤٩٥ م، وقع طاعون عظيم بإفريقيا تفرق بسببه كثير من ساكنيها بالنواحي القاصية من جملتهم طائفة من بني مجور. قال الشيخ العدواني: "أنهم من الهمَّامة إخوان بني سُلَيْم كانت أخبارهم متواصلة مع الذين بسوف، فأتوا إليها وسكنوا حول الهنشير … إلخ". أقول: الصحيح أنهم من طرود تصاهروا مع الهمامة. وإن ذلك الوباء الذي ذكر كان في ولاية أبي زكريا يحيى بن محمد المسعود بن عثمان بن أبي عبد الله محمد ٨٠٠ هـ الموافق ١٤٩٤ م، ولكن في أواخر السنة. قال القدماء: فأقاموا (أي الوافدون) مع بني سُلَيْم على تلك الحالة ولكن حيث كانوا قليلي المواشي صاروا يترددون على الصحراء فكلما وجدوا جملا أوناقة لا راعي لها أخذوها واستحلّوها. ثم استرسلت العرب من كل جهة وامتلات بهم النواحي فتضجر طرود من ذلك وقالوا: إن فتحنا هذا الباب على أنفسنا لا تجد مواشينا ما تأكله فالرأي منع جميع الوافدين سوى المارين والذاهبين إلى جهة أخرى، وتساهموا على من يذهب بقومه لسد الثغور التي يدخل منها الوافدون، فخرج سهم حامد في موضع الزقم الآن وسهم شباط في الكتف ونواحيه، وسهم حمرون بن خليفة في موضع عميش، وسفيان في الطريفاوي، وزيد في جهلمة، وسهم بني مجور في بوحمار حيث صاروا من أهل سوف. وحصنوا تلك الأماكن بالحراسة والسلاح وصاروا يمانعون كل وارد ثم اتفقوا على رأي آخر وهم أنهم يسألون القادمين فإن كانوا ممن لهم قرابة بهم يتركونهم يدخلون ويسكنون، حيث أرادوا أو يقسمونهم على المنازل، وإن كانوا أجنبيين يمنعونهم. وعندما تكاثر الناس جددوا القرعة على الثغور المذكورة مرات عديدة كان آخرها انتقال حامد من الزقم إلى الميتة وترك أولاده بها ومات هناك ورجعت في وجته في خبر يطول ذكره والقصد هنا الاختصار.

стр. 2319

خروج بنو سُلَيْم من سوف حكى لي نصر بن فطحيزة القرفاني ﵀ (١) - أنه كان يجتمع كثيرا بشيخ من الربايع قد عمر فوق المائة سنة وكان كامل العقل صحيح البصر فيخبره عن أحوال سوف تفصيلا وترتيبا كأنه حضر مع جميع من دخلها، ومن جملة ذلك سأله عن سبب الشحناء التي وقعت بين مداشر شوف، فقال: إنه حين تساهمت طرود ومن معهم على سد الثغور وكان لبني سُلَيْم وبني مجور الناحية الغربية. واتفقوا كما ذكرنا سابقا على أن من كان منهم يسمحون له بالدخول ومن ليس منهم يمنعونه، ومن يخالف ذلك يطرد، فأتت جماعة من جهة الغرب ليسوا منهم فنزلوا على بني سُلَيْم وقدموا لهم بعض الهدايا كانوا أعدوها لهم من قبل. فأوصوهم بإخفاء نسبهم وأن في يظهروا الانتساب لبني هلال الذين بالزاب ففعلوا. وكانت طرود ترسل كل شهر رجلا أمينا يطوف ويتفقد المراكز، ففي تلك المرة عثر على أولئك الناس، فعرفهم من لغتهم فأنكروا واختلى الرجل ببعض صبيانهم فسألهم فعرف الحقيقة. فرجع إلى طرود وأخبرهم بالأمر تكبر عليهم ذلك حيث كان صادرا بن أصهارهم بني سُلَيْم، وحيث لم يرضوا بنقض ما كانوا أبرموه طلبوا من بني سُلَيْم ومن معهم الخروج من أرض سوف، فتعلل بنو سُلَيْم بعدم القدرة في ذلك الوقت وطلبوا التأخير إلى زمن قريب فأمهلوهم. ثم سعى بنو سُلَيْم إلى بني حامد رؤساء الثغر الشرقي وبني زايد رؤساء الثغر الجوفي وأعطوهم شيئا من المال، وكانت مصاهرتهم معهم أكثر من غيرهم، وعليهم صدق قول الشاعر لصاحبته: هل تعلمين وراء الحب منزلة … تدنى إليك فإن الحب أقصاني فأجابته بقولها: اجعل شفيعك دينارا تقدمهُ … إن الدراهم تدني كل إنسان

стр. 2320

فأجابوهم لذلك بشرط ألا يقاتلوا معهم إن أفضى الأمر إلى ذلك فقبل الطالبون شرطهم. فأتى الحامون إلى إخوانهم طرود وطلبوا منهم العفو عما حدث من بني سُلَيْم وأظهروا التعصب مع أصهارهم لكن طرودا أبوا شفاعة إخوانهم قائلين لهم: إن شاء بنو سُلَيْم البرجوع إلى مواطنهم فليكن مرة أخرى. وارتحل بنو سُلَيْم إلى الجبل الذي بنواحي سيدي عبيد، والتحق بهم بنو حامد، وذهب بنو زائد إلى الزاب الغربي ونواحي الأغواط، ولم يبق بسوف إلا طرود ومن كان على شاكلتهم من مخالط أو مصاهر (١) وكان ذلك في حدود عام ٩١٢ هـ الموافق ١٥٠٧ م. ثم بعد زمن فسيح ضاقت أنفاس طرود الذين صاروا تحت الحكم بعد أن كانوا لا ولاية لأحد عليهم وخاطبوا هؤلاء في الرجوع إلى أرض سوف فأذنوا لهم فرجع كل من كان في محل إلى محله إلا بني سُلَيْم فلم يرجع إلا النزر اليسير، ورجع بنو مجور إلى منزلهم، وصاروا يبحثون عن الحفر التي كان طمها طرود سابقا علَّهم يجدون فيها بعض النقود، حكى له (٢) أن بعضهم استغنى من ذلك ومن جملة ما وجدوه بجهة منازلهم الغربية الجوفية كانونا صغيرا وجرابا فيه كثير من الجواهر الثمينة، وحكى له أنه رأى بعيني رأسه عند أحد المسلطين على سوف سابقا جوهرتين كبيرتين وسمع من أحد الثقات الذين ببني مجور على الجراب، ما وجدوا فيه فقال: لا أقدر أن أقوم ما فيه ولكن الذي ظفر به أعطى لمن رآه كي يستره نحو المدين من الجواهر ثم باعها بألف درهم وكان لا يعرف لها قيمة. قيل: ذهب ذلك الرجل إلى تونس ولم يعد إلى وادي سوف. وكان رجوعهم واستقرارهم في حدود عام ٩٣٦ هـ الموافق ١٥٣٠ م. (انتهى).

стр. 2321

بنو هلال نسب القبيلة: هلال بطن عظيم من هوازن نزح من الجزيرة العربية إلى مصر في أواخر القرن الرابع للهجرة ثم رحل إلى بلاد المغرب عام ٤٤٢ هـ، وهو هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. ديار القبيلة: كانت بلاد هلال مع قومهم من بني عامر وسائر هوازن في الحجاز ونجد جنوب شرق مكة المكرمة، وفي بسائط الطائف أو ما بين جبل غزاون والطائف. ومن ديار أو أماكن سكنهم وأوديتهم ومياههم هي: بيشة، وتَرَبة (١) وحرَّة بني هلال بالبريك في طرق اليمن التهامي، ووادي جلذان شرق الطائف، ومياه البقعاء. وديار بنو هلال في الوقت الحاضر من تبقى منهم في المملكة العربية السعودية، تمتد ديرة عشائر بني هلال في السعودية من حدود ربيعة التَهَم؛ أهل حلي ومحايل إلى قرب البرك على ساحل البحر، وسوف نُفصِّل عن فروع بني هلال في فصل خاص. تاريخ القبيلة عن تاريخ القبيلة في الجاهلية فهو طويل وحافل، وقد اشتركت مع هوازن عامة في حروب الفجار (٢) ومع بني عامر (٣) في حروب كثيرة مع قبائل عدة، ومن أيامهم يوم الوندة في الدهناء كان لبني نَهْشل من تميم على هلال، كما اشتركوا مع هوازن يوم حُنين ضد المسلمين (٤).

стр. 2322

قال شمس الدين الذهبي (١) عن بني هلال في عهد الإسلام: في عام ٣٦١ هـ: أخذت بنو هلال ركب العراق وقتلوا خلقا كثيرا. وفي عام ٣٩٩ هـ: رجع ركب العراق خوفًا من قبائل طيئ فدخلوا بغداد قبل عيد الأضحى، وأما ركب البصرة فأخذهم بنو زُغبة الهلالية. وقال ابن خلدون: ساروا إلى مصر في عهد القرامطة في خلافة المستنصر الفاطمي وزاحمهم بنو سُلَيْم فساروا جميعًا إلى بلاد المغرب، وهلال له خمسة أولاد تفرعت منهم بطون الهلالية وهم: شعبة، وناشرة، ونهيك، وعبد مناف، وعبد الله. وكان من عبد مناف زينب أم المؤمنين زوجة النبي ﷺ وهي زينب بنت خُزيمة بن الحارث بن عبد الله بن عمرو بن عبد الله بن عبد مناف بن هلال، ومن عبد مناف أيضًا من عبد الله بن عبد مناف أم المؤمنين ميمونة (٢) بنت الحارث بن حزن بن بجير بن هرم بن رويبة بن عبد الله. ومن هلال (الأُثْبج) ومنهم سراح بجهة برقة، وعِياض بجبل القلعة المسمى لهم، و (رياح) وبلادهم بنواحي قسنطينة والزاب (الجزائر)، وعُتبة بنواحي بجاية (ساحل الجزائر)، ومنهم خلق بالمغرب الأقصى، و (زُغْبة) وهم في بلاد زناتة، و (قارع) فإنها في المغرب الأقصى مع المَعْقِل وقُرَّة وجُشم، و (بنوقرَّة) منهم أيضًا في برقة، وكانت رياستهم أيام الحاكم العبيدي الفاطمي لماضي بن مقرب، ولما بايعوا لأبي ركوة من بني أميَّة بالأندلس وقتله الحاكم سلط عليهم العرب والجيوش فأفنوهم وانتقلوا جميعًا إلى المغرب الأقصى إلا أشلاء ما زالت في برقة امتزجت بأهلها.

стр. 2323

وقال ابن حزم في الجمهرة عن بني هلال بن عامر من هوازن: ولد لهلال بن عامر شعبة وناشرة ونهيك وعبد الله، فمن شعبة: بنو عبد الله بن شعبة. ومن بني ناشرة: بنو عمر وظالم ابنا ناشرة، ومن بني نهيك: قُبيصة بن المخارق بن عبد الله بن شداد بن معاوية بن أبي ربيعة بن نهيك بن هلال بن عامر له صحبة ورواية، وابنه قطن بن قُبيصة، وأبو جامع بن المخارق بن عبد الله بن شداد، ومن ولد عبد مناف بن هلال: مسعر بن كدام الفقيه، وأم المؤمنين زينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد الله بن عمرو بن عبد الله بن عبد الله مناف بن هلال بن عامر، ماتت في حياة رسول الله ﷺ ﵂، والنزال بن سبرة له صحبة، وحميد بن ثور الأرقط الشاعر، ومن بني عبد الله بن هلال بن عامر: أم المؤمنين ميمونة (١) بنت الحارث بن حزن بن بجير بن هرم بن رويبة بن عبد الله بن هلال، ولبابة الكبرى أم خالد بن الوليد، بنتا الحارث بن حزن ﵄، وصفية بنت حزن أخت الحارث بن حزن عمة أم المؤمنين ميمونة وهي أم أبي سفيان بن حرب بن أمية، وعبد الله بن يزيد بن عبد الله بن الأصرم بن شعبة بن الهرم بن رويبة بن عبد الله بن هلال، وابنه عاصم بن عبد الله ولي خراسان، والسري بن شراحبيل بن الأفقم بن محجن بن أبي عمرو بن شعبة بن الهرم وعداده في الأنصار، وعمته أم جميل بنت الأفقم التي اتُّهم بها المغيرة بن شعبة الثّقَفي، وكانت تحت الحجاج بن عتيك الثقفي أي زوجة له، ومن بطون بني هلال بنو قُرَّة، وبنو بعجة الذين بين مصر وإفريقيا، وبنو رياح الذين أفسدوا إفريقيا، وبنو حرب الذين بالحجاز (٢) (انتهى قول ابن حزم).

стр. 2324

قال صاحب ذات الفروع في بني هلال: وفي القلب من حي (هلال بن عامر) … نوازع حب لا تزول وتنهب هم أوطأوا غربي مصر جيادهم … وهم ما هموا والدهر بالناس قُلَّب يقول المؤرخون عن بني هلال وتاريخهم مع الدول في بلاد المغرب: بدأتْ الغزوة الهلالية لعرب بني هلال من القطر المصري متوجهة إلى تونس الخضراء عام ٤٤٢ هـ - ١٠٥١ م، وسارت جموعهم الحاشدة إلى برقة وفتحوا أمصارها وخرَّبوا المدينة الحمراء وأجدابية وسرت، وفي ذلك يقول ابن خلدون: "إن الرُّحَّل المشتغلين بالزراعة من بني هلال كانوا يحملون معهم الخراب أينما ذهبوا، وكانوا يغيرون على البلاد وينهبونها فأخذت الأرض الزراعية شيئًا فشيئًا، ففسدت في برقة مذاهب المعاش وانتقض العمران وأصبحت البلاد قفرًا يبابا"! ومع ذلك فقد استقرت قبيلة بني قُرَّة في برقة أو أغلبها وامتزج أفرادها باهل برقة (ليبيا) بالمصاهرة والجوار والحلف، مما يجعل من الصعب الآن التمييز بين ذريتهم وذرية أهل البلاد الأقدم. ولقد استقر بعض الهلاليين في تونس، ونزح أغلب بطونهم إلى الغرب في بلاد الجزائر ومراكش، سواء بسبب الضغوط من الدول التي قامت في بلاد المغرب أو بسبب النزاعات والحروب التي تندلع فيما بينهم تارة، وتارةً أخرى مع بطون بني سُلَيْم، وقد بلغ الأُثبج من هلال الزاب الشرقي وأكناف جبال أوراس واندفعوا نحو الجنوب الغربي حتى بلغوا جبال عمور الواقعة عند مشارف الصحراء في وسط البلاد الجزائرية؛ وهي ما بين الجزائر ووهران، وتقدم فوج آخر إلى الزاب الغربي وشط الحضنة والمعقل في فيافي ناحية الجزائر، ومن ثم اعتصم البربر في الجزائر من الهلالية بالجبال والواحات والصحراء واستطاع أغلبهم الاحتفاظ بلغتهم وسننهم حتى الآن، أما في الفيافي والسهول فقد امتزج العرب بالبربر بالمصاهرة فنشأ من هذا الامتزاج من بعض قبائل الهلالية أجيالًا جديدة لا تكن العداء للعنصر البربري

стр. 2325

الإسلامي وتشاركه أفراحه وأحزانه، أما في مراكش فقد احتل فريق ثالث من الهلالية وأتباعهم من العرب السهول المراكشية على طول ساحل المحيط الأطلنطي من طنجة في الشمال إلى ميناء صافي في الجنوب، وفي الداخل من مدينة فاس إلى وزان، ويؤكد أكثر المؤرخين أن عدد من جاءت بهم هذه الموجات الغازية خلال القرن الخامس الهجري وحتى القرن الثامن الهجري ما بين مائتي وثلاثمائة ألف نسمة. والراجح من الناحية التاريخة المنطقية هو أن الغزوة الهلالية لم تتم دفعة واحدة وإنما على مراحل، وإنما كانت هجرة ضخمة غير طبيعية وكان لابد لها أن تصطدم بالنظم وبالجنود وطوائف العرب الأخرى الموجودة في البلاد المغاربية قبلها وذلك على طول الطريق الذي سلكته في رحلتها، وبهذه الكيفية اتخذت سمة الغارات في فترات مختلفة متفاوتة المدد الزمنية. وكان لبني هِلَال وبني سُلَيْم سيَّر وسيَّر عبر القرون التي أعقبت عام ٤٤٢ هجري، وقد كانت بطون تلك القبائل تعمل لحسابها الخاص من حيث الاحتفاظ بأكبر قدر من المنافع والنفوذ في شتى بقاع المغرب العربي وخلال الدول التي قامت في تلك البلاد، وكانت تلك القبائل منها من يستقيم أو يوالي بعضها لدولة في تونس أو المغرب الأوسط (الجزائر) أو في المغرب الأقصى، وفيها من يعارض ويعمل لحسابه الخاص، ولذلك كانت بلاد المغرب مسرحًا كبيرًا لفصول الأحداث التي تعاقبت مجرياتها عبر مراحل زمنية طويلة امتدت قرون عديدة بالنسبة لعرب هِلَال وسُلَيْم وأتباعهم من الجزيرة العربية. ولقد برزت قبيلة رياح الهلالية في مستهل الغزوة الكبرى واحتلت مكان الصدارة في مجرى الحوادث التي تعاقبت في تلك الحقبة الزمنية، وكانت رياح أقوى بطون بني هلال وزعيمها ذلك الحين مؤنس بن يحيى بن مرداس، وقد حاول الأمير الزيري المعز بن باديس الذي لم يدرك حقيقة عواقب غزوة الهلالية لإفريقيا (تونس) إلا بعد فوات الوقت، فقد حاول هذا الأمير أن يكسب إلى جانبه قبيلة

стр. 2326

رياح عقب وقوع الغزو الهلالي فتقرَّب إليهم بالمصاهرة بأن زوَّج بناته من بعض أمرائهم، فمنحه هؤلاء المصاهرون حمايتهم، فاستطاع بمعاونتهم الفرار من القيروان عندما تحرَّج مركزه، وقد لجأ إلى ابنه تميم في المهدية (وهي شرق القيروان على شط البحر)، وقد أفادت رياح الهلالية من تقسيم ملك بن زيري إلى دولتين في عهد أبي مناد بن باديس ناصر الدولة فاستولى مقاتلوها في بداية الغزوة الهلالية على الجزء الأكبر من السهول التي غادرها البربر للبحث عن ملجأ لهم بين الجبال، ثم قامت قبيلة الأثبج الهلالية هي الأخرى بالاستيلاء على مدينة باجة في شمال القطر التونسي، وكان الخليفة الفاطمي المستنصر بالله قد أقطعهم إياها سلفًا، وعقب ذلك أقسم أهل مدينة قابس يمين الطاعة لزعيم قبيلة رياح وهو مؤنس بن يحيى. وقال ابن خلدون: إن هذا الحدث يعدُّ أول غزو حقيقي للعرب بعد رحيل الفاطميين إلى مصر من المغرب واتخاذهم القاهرة عاصمة لهم، وقد شيد محريز بن زياد أحد زعماء قبيلة رياح الهلالية حصنًا لنفسه في المعلقة بين أطلال قرطاجة، وقد أيد زعماء المعلقة الأقوياء سياسة بني زيري في المهدية وانضموا إليهم في مناهضتهم للموحدين، غير أن مقاومتهم لم تقف طويلًا ضد الحملات التي أنفذها الموحدون على تونس وكان الاضطراب يسودها، ولم تكن الغزوة الهلالية السبب الوحيد في زعزعة كيان دولة بني زيري ثم انهيار أركانها على النحو الذي آلت أو انتهت إليه دكان كانت هذه الغزوة من أقوى العناصر التي ساعدت إلى حد بعيد على هذا الانهيار السريع، فالحملات البحرية المتواصلة التي قام بها الأوروبيون على أطراف ملك الزيريين الشمالية في غير هوادة من ضمن الأسباب، وقد شملت تلك الحملات جزر صقلية وسردنيا والبليار في شرق الأندلس وكانت كلها مع العرب مثل الأندلس (إسبانيا والبرتغال)، وقد كانت تمهيدًا منظمًا للهجوم على سواحل تونس وبعض الثغور ثم احتلال مدينة المهدية في نهاية المطاف، وكانت المدينة الوحيدة التي لم تتعرض للسيطرة الهلالية، وأيضًا لا ننسى الصراع بين أفراد الأسرة الزيرية الصنهاجية وقيام دويلة زيرية في غرب البلاد التونسية، وهي دولة بني حماد في منطقة مدينة بجاية وهي ما يسمى الآن بإقليم بني حماد

стр. 2327

أو منطقة القبائل الكبرى في القطر الجزائري، كل هذه العوامل مجتمعة جعلت دولة بني زيري الصنهاجية البربرية القوية التي وصل بها الأمر من القوة أن أعلنت الانفصال عن الخلافة الفاطمية في القاهرة جعلتها متداعية البنيان مسلوبة السلطان، وصارت أملاكها نهبًا بين الإفرنج والحماديين أبناء عمومتهم، والعرب الهلالية. دولة بني حماد بن بلكين بن زيري بن مناد: وقد انفصل حماد بن بلكين ابن الأمير زيري بن مناد من بني جير الصنهاجية عن طاعة ابن أخيه ابن مناد بن باديس بن المنصور بن بلكين، ثم اتفق حماد والمعز بن باديس وديًّا على اقتسام مُلك بني زيري، فخص حمادًا الجزء الغربي من الدونة وكان ذلك عام ٤٠٨ هـ (١٠١٧ م)، فبادر هذا الأمير الصنهاجي إلى تأسيس دولة بني حماد في ذلك العام نفسه في ظل الخليفة المعز لدين الله. الفاطمي في مصر، وسرعان ما شمل سلطان هذه الدولة الناشئة الجزء الممتد من البحر المتوسط في الشمال إلى الزيبان في جنوب مدينة بسكرة، ومن جبال الحضنة شرقًا إلى تاهرت (تيارات) غربًا، وكل هذه البلاد في الجزائر حاليًا وكانت تسمى المغرب الأوسط، ولم تكن أيدي الهلالية قد امتدت إلى ملك بني حماد الذين كانوا على شيء من الحصافة السياسية، وشيَّد حماد لدولته قلعه منيعة بجهة برج بوعريرج في جنوب ميناء بجاية الساحلي، وقد جعل هذه القلعة حاضرة ملكه، وقد قدر بهذه القلعة أن تغدو من أشد مدن شمال إفريقيا ازدهارًا أو عمرانًا وظلت كذلك ردحًا من الزمن. وقد كُتب على بني حماد بعد ذلك أن يخوضوا حربًا مستمرة ضد الزناتية الذين كانوا يهددون ملكهم من الغرب، وكذلك ضد بني زيري أولاد عمومتهم الذين كانوا من قبل سادة المغرب الأوسط (الجزائر)، كما كُتب عليهم أن يشنُّوا حربًا موصولة على العرب الهلالية منذ أن انتصف القرن الخامس الهجري، وقد توفي حماد عام ٤١٩ هـ (١٠٢٨ م) تاركًا حكم دولته إلى أكبر أولاده وهو القائد ابن حماد، وقد تولى الحكم في نفس السنة التي توفي فيها أبوه وكان أيضًا في نفس الوقت قد أعلن المعز بن باديس من أبناء عمومته في تونس أعلن قصر الدعوة على الخليفة العباسي في بغداد والانفصال عن الخلافة الفاطمية في القاهرة، وكان

стр. 2328

ذلك رسميًّا في عام ٤٣٣ هـ (١٠٤١ م)، ولكن القائد بن حماد في دولته بالجزائر أو ما كانت تسمى بالمغرب الأوسط كان يعترف بسيادة الفاطميين، وقد تلقى في مقابل هذا الاعتراف لقب "شرف الدولة". وحينما اجتاح عرب بني هلال وبني سُلَيْم وأتباعهم تونس لم يداخل بني حماد أي انزعاج أو خوف؛ ولذا أعلنوا ترحيبهم بالغزوة ومهدوا الطريق للتفاهم مع رعمائها. وبادر القائد بن حماد إلى توطيد دعائم دولته، فهاجم حمامة بن معز بن زيري بن عطية وهزمه ثم أكره ابن باديس على عقد صلح معه عام ٤٤٣ هـ (١٠٥١ م)، وكان المعز بن باديس تد توصل لحصار قلعة بني حماد في ذلك الحين. ولما خرج المعز عن طاعة الخليفة الفاطمي المستنصر بالله نهائيًّا قبيل عام ٤٤٣ هـ استغل القائد بن حماد هذه الفرصة وأمر بأن تكون خطبة الجمعة باسم الخليفة الفاطمي، وبذلك أشهر استقلاله عن بني عمومته الزيريين في تونس، وحدث بعد ذلك بقليل أن وصل الغزاة الهلاليون وأتباعهم إلى الأراضي التونسية، ثم قضوا على سلطان بني زيري أصحاب القيروان في عام ٤٤٥ هـ - ١٠٥٣ م، ومن ثم ظن بنو حماد أن سيادتهم على المغرب الأوسط (الجزائر) قد تحققت وأنها ستظل في مأمن من صروف الدهر زمنًا طويلًا، وتوفي القائد بن حماد عام ٤٤٦ هـ وتولى بعده ملك من الأسرة اسمه بلكين بن محمد بن حماد، وكان ولي العهد للقائد بن حماد وهو ابن عم المحسن وتوصل بفضل مهارته الحربية إلى إخماد فتنة أشعل نارها أخو القائد وعم المحسن (من نفس الأسرة)، وكان الملك الحمادي القائد قد بعثه على رأس جيش لهذا القتال، غير أن القائد بن حماد لم يكن مطمئنًا لبلكين، ولذا عهد إلى رعيمين من زعماء العرب هما خليفة بن مكن، وعطية الشريف بالفتك به، ولكن هذين الزعيمين بادرا إلى إبلاغ بلكين بالمؤامرة فثار وأشركهما معه في القبض على المحسن الذي قد هرب إلى القلعة وتوصل إلى قتله عام ٤٤٧ هـ - ١٠٥٥ م، وانتفضت مدينة بسكرة بتحريض عاملها جعفر بن أبي رمان عام ٤٤٧ هـ - ١٠٥٥ م فأنفذ إليه بلكين خلف بن حيدرة فقضى على الفتنة وأحضر زعماءها إلى القلعة وأعدمهم، وبعد أربعة أعوام في عام ٤٥٤ هـ - ١٠٦٢ م تقدم بلكين نحو المرابطين في المغرب الأقصى وردهم إلى

стр. 2329

الصحراء واستولى على مدينة فاس وأخذ أعيانها رهينة لديه، وأثناء عودته خلال العام نفسه قتله ابن عمه الناصر بن علناس عند بلدة تسالة انتقامًا لأخته (تانمرت) التي قد قُتلت بأمر بلكين بعد أن اتهمها بقتل أخيه المقاتل في الجيش وكان زوجًا لها. الناصر بن علناس الحمادي الصنهاجي وقتاله للهلالية: وكان عهد الناصر بن علناس الذي دام من عام ٤٥٤ إلى عام ٤٨١ هجرية (١٠٦٢ - ١٠٨٨ م) عهد انتصار في شتى النواحي وسُمي بالعهد الذهبي لدولة بني حماد، وقد نقل الناصر عاصمته من القلعة التي شيدها جدهم حماد بن بلكين مؤسس الدولة الحمادية إلى ميناء بجاية على شط البحر المتوسط (بالجزائر)، وقد أصبح أميرًا على قسنطينة والجزائر وعنابة ومليانة وحمزة ونكاوس، وقد أوصى بإدارة هذه النواحي إلى أبنائه وإخوانه، ثم بسط رقعة مملكته شرقًا منتهزًا فرصة الشقاق والنزاع اللذين حدثا في ذلك الحين بين قبائل الهلالية، إذ انشقت قبائل عدي والأثبج على قبائل رياح وزُغْبة وبطون عوف من سُلَيْم، انتهز الناصر هذه الفرصة فسعى لضم قبائل عدي والأثبج إلى جانبه وسرعان ما اعتُرف به سلطانًا على القيروان وسوسة وصفاقص وتونس (بلاد تونس)، وقد امتدت سيطرته على تلك النواحي ونصَّبوه حاكمًا عليهم فترة من الزمن، ولقد أفلح خلال عام ٤٥٧ هـ (١٠٦٤ م) في تكوين جيش من بعض القبائل الهلالية الموالية له بعد أن قدمت حشود من عدي والأثبج فروض الطاعة إليه طالبة مساندتها ضد قبائل رياح وزُغبة الهلالية، فرحب الناصر بن علناس بهم وقبل مساندتهم طمعًا في أن يستولي على بعض المدن والنواحي التابعة لتميم بن المعز بن باديس، أو بمعنى أصح تحت سيطرة فعلية لرياح وزُغبة من هلال وبني عوف من سُلَيْم، وزحف الناصر في العام نفسه وانضمت إليه جموع من قبيلة زناته البربرية والتقى بجنود رياح وزُغبة وسُلَيْم فدارت الهزيمة على جموع الناصر بن علناس في سبيطلة (جنوب غربي القيروان)، وقُتل من رجاله عدد كبير ونهبت أمواله ومضاربه وقُتل في المعارك أخوه القاسم بن علناس، ولم يستطع أن يحول دون تدمير إقليمي الزاب والحضنة (في الجزائر) على أيدي جنود قبيلتي رياح وزُغبة الهلاليتين وبني سُلَيْم وحلفائهم من (مغراوة) البربر في طرابلس الذين كان يقودهم المستنصر ابن خزرون.

стр. 2330

غير أن الناصر رغم هزيمته الشنعاء لم يستسلم للهزيمة طويلًا، ففي عام (٤٦٠ هـ ١٠٦٧ م) أعاد الكرة مستعينًا ببني الأثبج الهلالية وحاصر مدينة الأربس وما زال على حصارها حتى تمكن من الاستيلاء عليها وقتل عاملها ابن مكراز، ثم زحف بجيشه على القيروان فدخلها منتصرًا وأقام بها بعض الوقت ثم قفل راجعًا إلى القلعة متقيًا شر هجمات وغارات العرب الهلالية والسُّلَمية المعارضين له في بلاد تونس؛ وتوغلت جيوش الناصر بعد أن تغلبت على معظم خصومه صوب الجنوب الجزائري ففتحت إقليم الزاب وعاصمته بسكرة، وواصلت زحفها حتى بلغت واحة ورقلة عند مشارف الصحراء الكبرى وذلك بعد أن اجتاحت وادي إيغاغار ووادي قيزاب في غرب ورقلة؛ ولقد جعلت هذه الانتصارات الباهرة من الناصر بن علناس حاكمًا من أقوى حكام بلاد المغرب وقتئذ، وأراد أن يزيد في رخاء رعاياه بتنمية التجارة وتوطيد دعائم الاقتصاد في بلاده فحاول ما وسعت جهوده من طاقة أن يجذب التجار الإيطاليين إلى ميناء بجاية التي كان قد شيدها قبل ذلك وبنى فيها قصر اللؤلؤ، وعمل جاهدًا على إقامة علاقات ودية مع مدن إيطاليا الساحلية لهذا الغرض، كما عمل على تقوية هذه العلاقات مع البابا جريجور السابع في روما بواسطة القس سرفندس الذي صار فيما بعد أسقف عنابة (١) (بؤنة القديمة) وتوفي الناصر عام ٤٨١ هـ تاركًا الحكم لولده المنصور. المنصور بن الناصر ودور الهلالية معه: فكَّر المنصور بن الناصر بن علناس الحمادي منذ أن قبض على زمام الحكم في نقل عاصمته نهائيًّا من القلعة إلى ميناء بجاية؛ لأن حلفاء أبيه من بني الأثبج الهلالية الذين صاروا حلفاءه أيضًا أصبحوا عبئًا ثقيلًا على الدولة ولا سيما بعد أن تجمعت حشود غفيرة منهم في أرجاء القلعة وحولها، ومن هنا بدأت مخاوف المنصور تزداد إذ قد يحاول هؤلاء العرب بانضمام بعض القبائل العربية الأخرى إليهم تهديد القلعة بغزواتهم المفاجئة تهديدًا خطيرًا قد يُقوِّض أركان ملكه فينهار تحت وطأة هذه الغزوات، وفي عام ٤٨٣ هـ - ١٠٩٠ م انتقل نهائيًّا إلى ميناء بجاية ولكنه لم يتخل كلية عن القلعة ومن ثم صارت لدولة بني حماد في عهده

стр. 2331

عاصمتان يصلهما طريق مُعبَّد ومُمهَّد، وعهد المنصور يوصف بالعهد الذهبي كعهد أبيه، فقد استعاد هذا الأمير الصنهاجي مدينتي عنابة (بونة) وقسنطينة وكان الأمراء السابقون لأبيه من بني حماد قد تنازلوا عنها لبني ريري، ثم صار الناصر أميرًا عليهما ثم خرجتا عن طاعة الحماديين، وعمد بعد ذلك إلى إخضاع أهل القبائل الذين كانوا يحطُّون رحالهم بالأقاليم المحيطة بميناء بجاية، وعنى عناية خاصة بأن يدفع عن مملكته غائلة المرابطين؛ ولا سيما أن يوسف بن تاشفين مؤسس الدولة المرابطية كان في ذلك الحين قد أخضع الجزء الغربي من القطر الجزائري لحكمه ووصل في فتوحه إلى تخوم دولة بني حماد بعد أن أوقف تقدم إفرنجة الأندلس في الزلاقة عام ٤٧٩ هـ - ١٠٨٦ م، وتوصل إلى خلع أمراء الأندلس وأضحى سيد هذه البلاد دون منازع، وعندما استولى المرابطون على تلمسان غربي القطر الجزائري عام ٤٧٤ هـ - ١٠٨١ م استخدم المنصور بن الناصر الحمادي العرب الهلالية من الأثبج في شن الغارات على جيش المرابطين (بالمغرب الأقصى) إلى أن هزمهم في جبل تسالة واستولى مرة أخرى على تلمسان عام ٤٩٦ هـ - ١١٠٢ م، وقد أوقف تقدمهم وردهم إلى المغرب بعد أن كانوا قد وصلوا في رحفهم إلى مشارف مدينة الجزائر، ثم وجه المنصور حملات موفقة على البربر وكانوا قد أثاروا الفتنة في عدة أقاليم فاستطاع بإخمادها أن يعيد الأمن إلى نصابه في مملكته وأن يدخل الطمانينة على نفوس رعاياه، ولم يُقصِّر المنصور في توسيع نطاق العمران بمدينة بجاية عاصمة مملكته الثانية فزيَّنها بالبنايات الفخمة التي كان أهمها قصر النجمة، وتوفي المنصور عام ٤٩٨ - ١١٠٤ م وتولى الحكم لدولة بني حماد خليفته وولي عهده العزيز. عهد العزيز بن المنصور بن الناصر بن علناس الحمادي الصنهاجي أخذت عوامل الاضمحلال تدب في كيان دولة بني حماد وبدأ سلطانها ينكمش ويضعف، ذلك أن العزيز الذي استغرق عهده الفترة الواقعة بين عامي ٤٩٨ هـ - ٥١٥ هـ / ١١٠٤ م - ١١٢١ م لم يحرز غير انتصارات مؤقتة لم تكن ذات أثر حاسم، ففي مستهل حكمه جهز أسطولًا فغزا جزيرة جربة التونسية، واستطاع من جهة أخرى أن يهزم جيوش العرب الهلالية وأن يسترد إقليمي الزاب والحضنة (بالجزائر) اللذين كان بنو هلال بمعاونة بني سُلَيْم ومغراوة طرابلس قد

стр. 2332

غزوهما في عهد جده الناصر بن علناس، وحتى هذا الانتصار المؤقت لم يترك أي قوة دافعة تبقي على كيان الدولة الحمادية ولو إلى حين؛ ذلك أن خليفته يحيى بن العزيز الذي تولى الحكم بعده خلال عام ٥١٥ هـ - ١١٢١ م سرعان ما بدد نتائج ذلك الانتصار ومحا كل ما خلفته من مكاسب حربية. عهد يحيى بن العزيز الحمادي: كان يحيى مندمجًا في الملذات مُغرمًا بالنساء محبًّا للصيد والقنص، وبسبب هذه العيوب الخُلقيَّة سرعان ما ظهر عجزه التام عن دفع الخطر الخارجي الذي كان يهدد كيان دولة بني حماد وينذر بتقويض أركانها من أساسها، ولقد كان الخطر يزداد تفاقمًا على مر الأيام، ففي عام ٥٣١ هـ - ١١٣٦ م غزا الإيطاليون من أهل ميناء جنوة ميناء بجاية عاصمة الحماديين الثانية، وعاود البربر هجماتهم على أملاك بني حماد، واستمر العرب الهلالية على غزواتهم المدمرة دون أن تصادف أية مقاومة جديةً تذكر، ثم اجتاح الموحدون (١) بالمغرب آخر الأمر بلاد الجزائر عام ٥٤٧ هـ - ١١٥٢ م بعد استيلائهم على مراكش والأندلس، وتقدم القائد الموحدي عبد المؤمن وهزم سبعًا أخا السلطان يحيى بن العزيز وذلك في بجاية حاضرة مُلك بني حماد عندها لاذ السلطان يحيى باذيال الفرار تاركًا حاضرة ملكه، فأسرع عبد المؤمن قائد الموحدين إلى احتلالها دون أية مقاومة، وأمر جنوده بهدم القلعة المنيعة التي شيدها حماد بن بلكين مؤسس الدولة الحمادية بجهة برج بوعريرج فمحوا آثارها من الوجود، ثم شتتوا أهلها بعد أن أرغموا العرب الهلالية وأتباعهم على الفرار إثر الاشتباك معهم في معارك ضارية دامت أربعة أيام بالقرب من مدينة سطيف الواقعة في الجنوب الشرقي من بجاية، وكان ذلك عام ٥٤٧ هـ - ١١٥٢ م نفسه وهو تاريخ نهاية دولة بني حماد، وقد احتمى السلطان الحمادي عقب هربه من بجاية في مدينة عنابة (بونة)، ثم فرَّ بعد إلى مدينة قسنطينة حيث سلم نفسه إلى عبد المؤمن دون أن يخوض معركة واحدة، فأخذ أسيرًا إلى مراكش ثم إلى

стр. 2333

مدينة سلا حيث مات مغمورًا عام ٥٥٨ هـ - ١١٦٣ م، وقد دامت دولة بني حماد في المغرب الأوسط (الجزائر) من عام ٤٠٥ هـ إلى ٥٤٧ هـ - ١٠١٤ - ١١٥٢ م. لمحة لمعركة سطيف بين قائد الموحدين وبني هلال: يقول المؤخورن أن عدد رجال عبد المؤمن الكومي كان أكثر من ثلاثين ألفًا، وأن قبائل بني هلال قد حاربت جيش الموحدين بربع هذا العدد، وصمدت بكل ما لديها من قوة لدرجة أن حاربت نساء الهلالية إلى جانب الرجال، وكانت معركة دموية حامية الوطيس استمرت أربعة أيام تركض فيها الخيول وتقعقع فيها السيوف وتتناثر فيها الجثث والأشلاء وتسيل فيها الدماء الغزيرة، وكانت هذه المعركة أول هزيمة قاسية للهلالية في المغرب الأوسط، وكان من نتائجها المباشرة أن استقرت بطون عديدة منهم في المغرب الأقصى بعد أن حمل الموحدون عددًا من زعمائهم إلى تلك البلاد، ورغم هزيمتهم فكان عبد المؤمن يعاملهم بكل كرم ويحوطهم بكل رعاية لما أنه يعرف شرف نسبهم في العرب وشهرتهم في الشجاعة وقوة البأس، وقد جرَّب ذلك منهم رغم قلتهم في معركة سطيف، وقد أقطعهم عبد المؤمن قِطَعًا كبيرة من الأراضي الصالحة للزراعة فصاروا أغنياء لربما حتى الآن ذريتهم في مراكش من أغنى القبائل العربية في المملكة المغربية. عبد المؤمن الكومي يستعطف بني هلال: رغم هزيمة عرب بني هلال في سطيف على أرض الجزائر من عبد المؤمن الكومي زعيم دولة الموحدين بالمغرب، إلا أن عبد المؤمن بادر بإرسال كتب رقيقة إلى زعماء بني هلال الباقين في تونس والجزائر يحثهم فيها على الانضواء تحت لوائه لغزو الأندلس، والقضاء على ملوك الإفرنجة الذين تغلبوا على المسلمين هناك لتستعيد العروبة والإسلام في تلك الديار عزها ومجدها، وقد لبى نداءه جموع حاشدة من بني هلال وبعض بني سُلَيْم فكانوا لجيوش الموحدين خير عون في غزو البلاد الأندلسية، وتم فتح مدن كثيرة بها بعد أن تغلَّب عليها الإفرنج من الإسبان والبرتغال ولم تشمل الفتوح جزر البليار في شرق إسبانيا، وكان عبد المؤمن قد

стр. 2334

عهد إلى والده عبد الله بولاية بجاية وكلفه بأن يواصل الغارات على جهات متفرقة من حدود إفريقيا لإضعاف قوات حكامها الدفاعية تمهيدًا لغزوها، وكان أمرها في ذلك الحين في قبضة روجير صاحب صقلية جنوب إيطاليا، وفي عام ٥٥٤ هـ - ١١٥٩ م جهَّز عبد المؤمن الكومي جيشًا عدته مائتا ألف مقاتل بينهم عدد كبير من بني هلال على الأخص قبيلة رياح، وقد زحف بهذا الجيش المزوَّد بالمؤن الوفيرة والعتاد الكامل على تونس برًّا وأمر أسطوله البحري بحصار مدينة تونس بحرًّا، ولم يطل هذا الحصار إذ دانت المدينة لطاعته بعد وقت قصير فدخلها دخول الظافرين وبادر إلى حصار المهدية، وبعد سبعة أشهر استطاع فتحها ومنح الأمان لحاميتها من النصارى بشرط أن يبحروا فورًا إلى صقلية (وهي جزيرة كبيرة جنوب إيطاليا) ثم توالت انتصاراته فاستولى على صفاقس ثم قابس، واستطاع بمواهبه الحربية طرد أهل جنوة وجميع الإفرنجة ولا سيما أهل جزيرة صقلية من تونس وجميع المواني في البلاد المغاربية والتي كانوا قد احتلوها مستغلين الفوضى التي كانت تسود البلاد حينئذ، ولكن هناك بعض قبائل الهلالية قد ثاروا عليه في تونس من رياح وغيرها، فولى على فريق منهم عساكر بن سلطان وهو من الدواودية من رياح، وأرسل الباقي إلى المغرب الأقصى بصحبة زعيمهم مسعود بن سلطان شقيق عساكر الذي ظل في تونس، وقد اشتهر مسعود في مراكش بلقب (البلّط). وأرسل عبد المؤعن الكومي فرقًا من الجيش الموحدي إلى طرابلس وبرقة، وقد تمكنت هذه القوات من إجلاء الحاميات الإفرنجية التي كانت تحتلها على السواحل الليبية، وامتد ظل الموحدين (البربر) فشمل بلاد المغرب كلها والأندلس. عبد المؤمن الكومي: هو أصلًا من بربر مدينة بجاية الساحلية (شرق الجزائر حاليا) وتعرّف على ابن تومرت مهدي الموحدين، ثم بعد موت ابن تومرت الأب الروحي للموحدين حكم هو الدولة ما بين عام ٥٢٧ إلى ٥٥٩ هجري، أي حوالي اثنين وثلاثين عامًا وهو المؤسس لدولة الموحدين الكبرى والتي تكونت من قبائل البربر. ومن أشعاره لبني هلال بعد هزيمته لهم في معركة سطيف (الجزائر) يحضهم على الانضمام لجيشه لغزو بلاد الأندلس:

стр. 2335

أقيموا إلى العلياء هوج الرواحل … وقودوا إلى الهيجاء جرد الصواهل بني العم من علياء هلال بن عامر … وما جمعت من باسل وابن باسل قوموا لنصر الدين قومة ثائر … وشدوا على الأعداء شدة صائل تعالوا فقد شُدَّت إلى الغزو نية … عواقبها منصورة بالأوائل هي الغزوة الغرَّاء والوعد الذي … تنجز بعد المدى المتطاول فلا تتوانوا فالبدار غنيمة … وللمدلج الساري صفاء المناهل والبدار هي نساء الأندلس الجميلات، وشبهها عبد المؤمن بالبدار أو البدر (القمر المنير) وجمع البدر (بدور) أو بدار، وستكون غنيمة من يأتي من بني هلال في الجهاد لاسترجاع الأندلس من الإفرنج الذين تغلبوا على أغلب بلاده. الأمير علي بن إسحاق الميورقي (١) ومعارضته للموحدين ٥٨٠ هـ - ١١٨٤ م: اتصل علي من جزيرة ميورقة (مينورقة حاليًّا) في شرق الأندلس بأهل ميناء بجاية، وبمجرد أن استوثق من ولائهم جهز أسطولا وأبحر من جزيرته ميورقة قاصدًا بجاية على ساحل الجزائر الشرقي، وقد وجد في هذا الميناء وغيره من المناطق في شمال إفريقيا أنصارًا وحلفاء مخلصين تجمعه بهم الظروف السياسية التي كانت تسود البلاد في ذلك الحين. فعرب بنو هلال وبنو عمومتهم من قبائل بني سُلَيْم الذين استوطنوا أقطار المغرب كانوا جميعًا يترقبون الفرصة المواتية لشق عصا الطاعة على الموحدين والمماليك الغز في مصر بزعامة قراقوش، وكانوا يواصلون العمل في بلاد المغرب لحسابهم الخاص ويبتغون النفع من مناهضة حكم الموحدين، ولتحقيق هذه الغاية لم يتوانوا في الانضمام إلى رجال الأمير علي والميورقيين معه ولاسيما بعد أن اعترف هؤلاء بالخلافة العباسية في بغداد وتسلَّم أميرهم علي الغاني من الخليفة العباسي الخلعة والأعلام العباسية السوداء.

стр. 2336

وحينما وصل الأسطول الميورقي إلى ميناء بجاية الجزائري هبّ من بقي من أهلها من بني حماد الزيريين إلى نصرته ومعاونته على احتلال المدينة، وقد نجح علي بن إسحاق في غزو إفريقيا (تونس) بأسرها بعد ذلك بقليل ولم يترك للموحدين في أرجائها سوى مدينة المهدية، ثم بادر إلى الاستيلاء على الجزء الشرقي من الجزائر وسرعان ما شملت غزواته كل المنطقة الممتدة بين ميناء بجاية ومدينة مليانة الواقعة في الجنوب الشرقي من مدينة الجزائر وذلك في المدة من عام ٥٨٠ إلى ٥٨٣ هـ (١١٨٤ - ١١٨٧ م)، وكان أثناء هذه الغزوات الجريئة قد احتل مدينة الجزائر خلال عام ٥٨١ هـ، ولكنه لم يستطع الاحتفاظ بها طويلًا إذ ثار أهلها في وجهه ودانوا بالطاعة ليعقوب بن يوسف المُلقَّب بالمنصور، وكان الأمير علي بن إسحاق رجلًا مقدامًا قوي العزيمة ينتصر مرة وينهزم أخرى دون أن يتسرب اليأس إلى نفسه، فقد عبر المغرب في شتى اتجاهاته فقطعه في حروبه من ساحل البحر الأبيض المتوسط إلى الصحراء حيث استولى على مدينة بسكرة وبسط سلطانه على منطقتها الشاسعة، ولقد أثارت هذه الانتصارات المتتالية غضب الخليفة الموحدي يعقوب بن يوسف المنصور فخرج لقتال الأمير علي الغاني على رأس جيش كبير عام ٥٨٣ هـ - ١١٨٧ م واستولى في طريقه على مليانة ثم الجزائر، وعندما اقترب جيشه من ميناء بجاية وجد الأمير علي بن إسحاق أن حاميتها لا تقوى على قتال هذا الجيش الموحدي اللجب ففر إلى قفصه (تونس)، ثم التحم ما بقي من رجاله بجيش يعقوب المنصور عند الحامة حيث نزلت بهم الهزيمة الساحقة التي كان من أهم أسبابها انسحاب عساكر المماليك وبعض قبائل الهلالية وانضمامهم زرافات إلى جيش الموحدين، وفي هذه المعركة قُتل الأمير علي بن إسحاق الغاني، عام ٥٨٤ هـ - ١١٨٨ م وخلفه في قيادة الميورقيين أخوه يحيى بن إسحاق الغاني ولم يستكن الأمير يحيى لما لحق بأخيه من هزيمة، فاستمر على قتال الموحدين تسانده العصابات العربية في تونس أشهرهم رياح من هلال وأتباعهم الخُلَّط وهم من المنْتَفق بن عامر من عُقَيْل بن كَعْب من هَوَازِن، وكانوا في عداد جُشَم بن بكر من هَوَازِن وفي الجملة مع عرب هلال من هوازن أيضًا، وسموا خُلَّط في المغرب لاشتراكهم في النسب مع جُشَم وهلال في هوازن جميعًا أو اختلاط بطونهم مع جُشَم واندماجهم معهم على وجه الخصوص.

стр. 2337

وظل الأمير يحعص يناوئ جيوش الموحدين مدة طويلة، وقد استولى خلالها على الجزء الجنوبي من تونس واحتل مدينة قابس عام ٥٩٢ هـ - ١١٩٥ م، وفني عهد محمد بن يعقوب المُلقَّب بالناصر لدين الله اختل مدينة تونس، وعندها صار مُلك بني غانية يمتد إلى مشارف الصحراء مرة أخرى، وقد استطاع الأمير يحيى في عام ٥٩٧ هـ - ١٢٠٠ م قتل المملوكي الأرمني بهاء الدين قراقوش (١) في مصر والتخلص منه. غير أن محمد الناصر لدين الله لم يسكت طويلًا على انتصارات الأمير يحيى التي كادت تقضي على مُلك الموحدين في شرق الأقطار المغاربية، فبعث بحملة بحرية في عام ٥٩٩ هـ - ١٢٠٢ م للقضاء على نفوذ بني غانية في الأندلس فهاجم الأسطول الموحدي في مراكش جميع الجزر بما فيها ميورقة ويابسة ومنورقة وكلها معاقل بني غانية غرب الأندلس واستولى على هذه الجزر وقتل رجال ابن غانية، وقد استطاع القضاء على فتنة ابن غانية بمساعدة ابن أبي حفص في تونس عام ٦١٨ هـ. نبذة عن الدولة الحفصية في تونس (٢): قبعد انتهاء فتنة ابن غانية الميورقي ظهر ابن أبي حفص، وقد خفض من حدة الدواودة من رياح وبطشهم بأهل الضواحي وعمل في عزيمة وثبات على توطيد الحكم الحفصي في القطر الجزائري فأفلح في ذلك ونجح في القضاء على الحملة

стр. 2338

العسكرية الفرنسية التي وجهها على تونس الملك القديس لويس التاسع بعد عودته مهزومًا من مصر ومعه شارل صاحب أنجو فذاعت شهرة أبي حفص وعظم قدره، ثم اتخذ لنفسه لقب الخليفة أمير المؤمنين بعد أن حصل عام ٦٥٧ هـ - ١٢٤٩ م على وثيقة من شريف الأشراف بمكة المكرمة تجعله وريثًا للخلفاء العباسيين الذين كان التتار (المغول) قد قضوا على مُلكهم في بغداد، وقد أحاط حكمه ببطانة قوية من الموحدين كانوا دعامة الدولة والجيش كما بقي سك النقود موحدي الشكل والوزن وقتئذ، ولقد حققت إمبراطورية الحفصيين لإفريقيا تقدمًا عظيمًا جعلت من تونس الخضراء مقرًّا للحكم المتين الأركان ومركزًا سياسيًّا وثقافيًّا للقطر بأسره، فكانت هناك دواوين للجيش وبيت المال والقضاء، وشيَّد أبو عبد الله المستنصر بالله القصور والمساجد والزوايا والقناطر المعلقة والمكتبات على غرار أبيه، وكانت ذات طابع أندلسي بهيج، واجتذب إلى بلاطه العلماء والشعراء والإداريين من جميع بقاع العالم الإسلامي ولا سيما من الأندلس، وكانت بساتين قصوره على نمط بهو السباع بقصر الحمراء الشهير بإسبانيا، وإليه يرجع تشييد جنة أبي فهر على بعد كيلو متر واحد من تونس، وكما ينسب لأبي حفص تشييد مسجد باب الدرب بالمناستير وهي بلدة كان بها دير للمسيحيين واشتق اسم البلدة كلها من اسم هذا الدير؛ وفي عهده تألقت الحضارة التونسية وتأنق المعماريون في إقامة المباني، والناس في ملابسهم وأزيائهم، وفي عصر أبو عبد الله الحفصي كما كان في عصر أبيه توطدت العلاقات الودية والصلات التجارية والاقتصادية المنتظمة بين برشلونة ومرسيليا وجنوة وبيزا وكلها مدن في إسبانيا وفرنسا وإيطاليا وكذلك في غيرها من البلدان الأوروبية، وعقدت المعاهدات لتنظيم التجارة والملاحة وأنشئت القنصليات في تونس، وقد راجت التجارة بين شمال إفريقيا وبلدان أوروبا. وقد اجتمع حول أبي عبد الله المستنصر الحفصي عدد من الجنود المرتزقة النصارى وكان ذلك سببًا في تهديد صليبي القديس لويس قرطاجنة تهديًدا خطيرًا عام ٦٦٩ هـ - ١٢٧٠ م. وفي أواخر أيام حكم أبو عبد الله المستنصر الحفصي تعاقبت الفتن والقلاقل بسبب طمع بعض الأمراء ممن تربطهم بالخليفة قرابة صحيحة أو مزعومة في الاستيلاء على العرش والسيطرة على شئون الدولة، فأضعف اضطراباتها المتواصلة

стр. 2339

مركز الخليفة الحفصي، وظل هذا الضعف يستشري لدرجة أن أهل مدينة الجزائر طردوا الوالي الحفصي وأنشأوا نوعًا من الحكم الذاتي لهم دام إلى عام ٦٧٦ هـ - ١٢٧٧ م أي بعد وفاة المستنصر بالله بعام كامل. ولقد كان من نتائج تلك الفتن وذلك الوهن الذي انتاب الدولة بالضعف والخور أن فشلت رغبة الأمراء الحفصيين في نشر لواء الأمن والسلام على بلاد المغرب، والسبب الأول الذي يحول دون ذلك هي مشكلة البدو المعقدة المستعصية على الحل، فقد والى بنو عوف من سُلَيْم الأمير زكريا الحفصي بعد أن أجلاهم السلطان من قابس، وقد طردوا الدواودة من رياح الهلالية ثم كانوا هم أشد بلاءً من رياح إذ فرضت أحزابهم المختلفة فيما بينها إتاوات منظمة على نواحي الريف التونسي، وتدخلوا تدخلًا مباشرًا في الخلافات التي نشبت بين الأمراء الحفصيين مما هدد كيان اليلاد التونسية إبان أواخر القرن السابع الهجري، وقد كان بنو علَّاق من عوف (سُلَيْم) يناصرون من الأمراء من يختارون وبذلك أثاروا حفيظة السكان الحضر في المدن التونسية والجزائرية الموالية للدولة الحفصية، وقد استمر حال علَّاق (سُلَيْم) في التسلط على البلاد حتى تغلَّب عليهم السلطان الحفصي أبو الحسن عام ٧٧١ هـ أي في الثلث الأخير من القرن الثامن الهجري، وفي أوائل القرن التاسع ضعف شأنهم مثل رياح الهلالية قبلهم ونزحوا إلى صحراوات ليبيا وأكثرهم في الصحراء الجزائرية، وهذا السرد ملخص (عن تاريخ بلدان المغرب العربي) طبع في الجزائر. بنو هلال وما قاله العلَّامة ابن خلدون: تمهيد: قلت: بنو هلال كان لهم طابع قصصي رائع غذى الأدب العربي بمورد خصب ما زال منهله نضَّاحًا يمد الإنتاج الفكري بعذب سلسبيله على مر الأجيال، فقصة أبي زيد الهلالي وذياب بن غانم وحروبهما البطولية مع الزناتي خليفة ما زالت تردد في أنحاء كثيرة من أقطار الوطن العربي الكبير، وذلك بعد أن ظلت مصدر وحي في الأزمان الماضية لشعراء الهلالية الذين ألَّفوا بفضل معانيها الكثيرة من الأغاني والقصص الشعري الذي حفظ لنا ابن خلدون طرائف من نفحاته، والذي ما زال الكثير منه راسخًا في أذهان سكان إفريقيا، ولأهمية هذا القصص وغزارته يقسم الرواة الشعبيون أو القاصُّون السيرة الهلالية إلى قسمين

стр. 2340

ويطلقون على القسم الأول السيرة الشامية والقسم الثاني السيرة الحجازية، وهناك بعض الخرافات التي نُسجت من قِبَل الشعراء حول أسطورة الهلالية أو أنهم لم يُغْلَبوا أو أنهم حكموا بلاد تونس كلها، ولكن التاريخ الصحيح هو أنهم سيطروا لعدة سنوات على بعض المدن ثم تغلبوا على الضواحي وكانوا أعرابًا بوادي ولم تقم لهم دولة خاصة بهم وكذلك أبناء عمومتهم من بني سُلَيْم، وكما رأينا السرد التاريخي عن الدول التي قامت في بلاد المغرب بعد غزوة عرب هلَال وسُلَيْم وكيف أن هؤلاء ليسوا إلا قبائل بادية يوالون لدولة هنا مرة ويوالونَ لدولة هناك مرة أخرى، وقد كانت الحروب بينهم لا تتوقف في بقاع البلاد المغاربية وكل بطن من هِلَال أو سُلَيْم يعمل لحسابه الخاص منذ منتصف القرن الخامس الهجري، وحتى القرن العاشر الهجري وما بعد ذلك في العصر العثماني فقد كان لهم شبه استقلال ذاتي؛ والأتراك لا يحكمون سوى المدن الكبرى فقط في تونس وليبيا والجزائر، أما المغرب الأقصى فلم يستطع الأتراك العثمانيون السيطرة عليه كما هو معروف لقوة أسطول وجيش الأشراف السعديين الذين ظهروالحكم بلاد المغرب في القرون الأخيرة، أما في عهد الاستعمار الفرنسي البغيض فلقد قضى على نفوذ القبائل الهلالية والسُّلَمية والأشراف وصادر أملاكهم وأراضيهم الشاسعة، وكذلك فعل مع قبائل البربر في مختلف الأقطار بالمغرب العربي خاصة في القطر الجزائري، مما دفع تلك البوادي أن تبدأ الثورات والانتفاضات الكثيرة، وكانت يد المستعمر تبطش بها وتذبح الآلاف للإرهاب الدموي الرهيب، آخرها مذبحة قالمة وسطيف وخراطة عام ١٩٤٥ م التي قُتل فيها من أبناء العرب والبربر حوالي خمسة وأربعين ألفًا في عدة أيام. وفي عام ١٩٥٤ م بدأ البدو بالثورة وكانت في البداية تقوم على كاهل قبائل العرب الشجعان ثم انخرط فيها أهل الحضر تباعًا، وقد كان البدو يستولون على أسلحة الفرنسيين ثم يحاربونهم بها، واستمر حالهم حتى تكونت جبهة وطنية تحريرية منظمة تملك أسلحة ثقيلة وقد كبدوا العدو الفرنسي آلاف الجنود من خلال حرب العصابات والكمائن في كل مكان، وكان الجيش الفرنسي ينتقم من العُزَّل في القرى والبوادي ويذبح الآلاف فصارت الخسائر فادحة في الأرواح من جراء هذه الأعمال الانتقامية، ونسي المستعمر أن القتلى هم من عرب هِلَال وسُلَيْم والأشراف وغيرهم فهل هؤلاء القوم من عرب عدنان سيسكتون على ضيم؟

стр. 2341

كلا، فقد أشعلوها نارًا من تحت أقدام المستعمر الفرنسي حتى ولَّى مذعورًا ليس من الجزائر وبلاد المغرب العربي فحسب وإنما من كل إفريقيا في سنوات قلائل، والثمن هو مليون ونصف مليون شهيد من شعب الجزائر البطل قد سقطوا في ساحة الشرف والجهاد، لتشرق شمس الحرية بعد عشرات السنين من الظلم والعبودية على شعوب القارة الإفريقية حتى نهاية العقد السادس من القرن العشرين الميلادي. نبذة عن فرسان بني هلال في القرن الخامس الهجري: قال ابن خلدون في العبر: كان لبنو هلال رجالات وفرسان مذكورين أشهرهم وأشرفهم حسن بن سرحان وبدر وفضل ابنا ناهض وينسبون في دُرَيْد من الأثبج من هلال بن عامر، وماضي بن مقرب وهو من بني قُرَّة من الأثبج، والأسمر سلامة (١) الفارس الشهير وينسبونه في بني كثير من بطون كرفة من الأثبج، وشبان بن الأحيمر وأخوه صليصل وهم من بني عطية من كرفة من الأثبج، كما أن هناك الفارس الشهير ذياب بن غانم (٢)، وينسب في ثور وهم من فروع ربيعة بن عامر من هوازن، وموسى بن يحيى وهو من بني صُنبر من بطون مرداس من رياح، وزيدان بن زيدان وهو من الضحاك من الأثبج، وهناك زيد العجاج بن فاضل وقد زعم البعض أن زيدًا مات بالحجاز، وأيضًا فارس بن

стр. 2342

أبي الغيث وعامر أخوه والفضل بن أبي علي ونسبهم أهل الأخبار في مرادس رياح، وهناك مرادس من عوف من سُلَيْم فاحذر من الخلط بينهما. وكلذلك مليحان بن عباس وهو من حِمْيَر، وكما كان زياد بن عامر وقيل ذياب بن غانم أنه رائدهم في دخول إفريقيا (تونس) ويطلقون عليه أبا مخيبر (١). وقد ذُكر هؤلاء الفرسان في أشعار الهلالية التي قيلت منهم، وكانت الرئاسة في أول عهدهم دخول المغرب (للأُثبج) من هلَال وفروعهم زُغْبَة ورِياح وقُرَّة وعدي ومعهم بعض بطون أشجَع وفزارة منَ غَطَفان، وبطون من جُشَم وسَلُول وثَور وعُقيل من هَوَازِن وكذلك المَعْقل وهم بطن من مَذْحِج القحطانية، وبطن من عَنَزة بن أسد من ربيعة العدنانية، وعُدوان، وطَرُود من فهم وهما من قيس عَيْلَان العدنانية. مُلَخَّص عن قبائل بني هِلَال الخبر عن الأثبج الهلالية قال العلامة ابن خلدون: الأُثبج كانت أوفر عددًا وأكثر بطونًا وكان التقدم لهم في جملتهم ومنهم الضحَّاك، وعياض، ومقدم، والعاصم، ولطيف، ودُرَيْد، وكرفة وغيرهم، وفي درَيد بطنين توبة، ومحنز وفيهم الرئاسة وكان في كرفة الجمع والقوة في أثبج ومواطنهم جبال أوراس (الجزائر) من شرقيه، وقد وقعت فتنة عظيمة بين بطون الألبج بعد أن قتل حسن بن سرحان من دريد، شبانة بن الأحيمر من كرفة غيلة وغدرًا، فطوت كرفة على الهائم (أي طالبت بالثأر متهيبة من سلطان البادية)، ولما غاضبت الجازية زوجها ماضي بن مقرب منِ قُرَّة ولحقت بأخيها حسن بن سرحان سلطان البوادي فمنعها منه، فاجتمعت قُرَّة وكرفة على دُرَيْد وعاونت قُرَّة وكَرْفة "عِيَاض" وظاهرتهم فأوقعوا بُدريد، وقتل أولاد شبانة بن الأحيمر السلطان حسن ين سرحان ثارًا منه بأبيهم، ثم كانت الغلب بعد ذلك لدُريد على بطون قُرَّة وكَرْفَة وعِيَاض، وكانت هذه الفتنة شديدة فافترق جمع الأثبج وجاءت دولة الموحدين وهم على ذلك التناحر وهذا الشتات، وقد كانوا في ولاء لدولة صنهاجة في بجاية، فلما ملك الموحدون إفريقيا نقلوا منهم إلى المغرب الأقصى العاصم، ومقْدم، وقُرَّة، وبعض جُشَم وذلك بعد أن هزموهم في معارك

стр. 2343

سطيف بالمغرب الأوسط (الجزائر) وقد ثبتوا في مستنقع الموت ولكن عساكر الموحدين تكاثرت عليهم من كل صوب، واعتزت رياح الهلالية على الأثبج وملكوا ضواحي قسنطينة، ورجع لهم شيخهم المنفي مسعود بن زمام من المغرب فاعتز الدواودة على الأمراء والدولة وهم من رياح، وساء أثرهم فيها وغلبوا من تبقى من الأثابج وقد نزلوا قرى الزاب (شرق الجزائر) وقعدوا عن الظعن والترحال وأوطنوا بالقرى والآطام، وبعد ظهور اللإولة الحفصية في تونس ونبذهم للدواودة ورياح وقد استجاشوا عليهم بنو سُلَيْم، ضعُفت رياح في تونس وقد اصطنع السلطان الحفصي من الأثبج (كرفة) جيشًا آخر لمطاردة رياح في المغرب الأوسط (الجزائر)، فكان هؤلاء حربًا على رياح للسلطان في الجزائر مثل بني عوف بتونس (عوف بن بُهثة ابن سُلَيْم)، وقد أقطعتهم الدولة جباية الجانب الشرقي من جبل أوراس وكثيرًا من بلاد الزاب الشرقية وبعد أن قلَّت أو اختل ريح الدولة وأخلقت حدتها وأعزت رياح مرة أخرى عليها ملكوا المجالات على من يظعن فيها، وقد نزل كرفة هؤلاء بجبل أوراس حيث إقطاعاتهم وسكنوا حُللًا متفرقة وتوطنوا به ومنهم بطون كثيرة منهم بنو محمد بن كرفة (الكلبية)، وأولاد صُهيب (الشبة)، وأولاد صبيح (الصبحة)، وأولاد سرحان بن فاضل (السرحانية)، هؤلاء هم المودعات وهم موطنون بجبل أوراس مما يلي زاب تهوادا، ثم أولاد نابت بن فاضل وهم أهل الرياسة في كرفة ولهم إقطاعات من السلطان وهم أولاد مساعد، وأولاد ظافر، وأولاد قطيفة، وأما بنو محمد والمراونة فهم جائلين في الصحاري والقفار، وأما دُريد فكانوا أعز الأثبج وأعلاهم كعبا لما كانت رئاسة الأثبج كلها فيهم؛ وكان الرئيس هو حسن بن سرحان بن وبرة، وكانت مواطنهم ما بين عنابة قسنطينة إلى طارف وصقلة وما يحاذيها من الصحراء، ومنهم بطون كثيرة: أولاد عطية، وأولاد سرور، وأولاد جار الله، وأولاد ثوبة، وكانت لهم في عموم هلال رياسة، وقال شاعرهم يمدح دُريد: دُرَيْد ذات سراة البدو منقع … كما كل أرض منقع الماء خيارها تحن إلى أوطان مرة ناقتي لكن معها … جملة دُرَيْد كان موارها وهو عرب الأعراب حتى تعرَّبت … بنوف المعالي ما ينفي قصارها وتركوا طريق النار برهة وقد … كان ما تقوى المطايا حجارها

стр. 2344

وأما العَاصِم ومِقْدم والضَّحَّاك وعِيَاض منهم أولاد مشرف، ولطيف ولهم عدد وقوة بين الأَثابج، ولما انحرف العاصم ومقدم عن طاعة الموحدين وحالفوا ابن غانية الميورقي المنشق وبعد قتله بمساعدة أبي حفص نقل العاصم والمقدم هؤلاء إلى تامسنا مع جُشَم وهي في بلاد المغرب الأقصى. أما عِيَاض من الأثبج فقد نزلت جبل القلعة (قلعة بني حماد)، وملكوا قبائله من البربر وغلبوهم على أمرهم وصاروا يتولون جبايتهم، فلما غلبتهم الدولة بمعونة رياح الهلالية صار عِياض من الاثبج هؤلاء في بلاد بني زُغْبَة، ومنهم المهاية، والزير، والمرتفع، والخراج. أما الضحَّاك فبقي تجمعهم في الزاب بشرق الجزائر وسكنوا المدن وعجزوا عن الظعن، أما لطيف فمنهم اليتامى، وذوي أبي الخليل، وذوي مطرف، وذوي جلال، ولقمان ومنهم آل ابن مزني ولاة الزاب لعهد ابن خلدون، ومن لطيف كثير من البدو ولكنهم عجزوا عن الظعن فغلبتهم رياح الهلالية على الضواحي، وصار منهم كثير إلى المغرب فاهتضموا وسكنوا الآطام والمدن في الزاب، وما زال لهم عنجهية منذ رياستهم القديمة، ويلتحق بالأثابج أيضًا العمور وهم من هلال من ولد عمرو بن عبد مناف وهم بطنان قُرَّة وعبد الله وسكنهم في الضواحي، ومنهم فرسان وأكثرهم رجَّالة وموطنهم ما بين جبل أوراس وجبل راشد من ناحية الحضنة (أطلس التل)، أما بنو قُرَّة فهم متفرقون في القبائل والمدن وحدانا ومنهم أولاد فارس وأولاد عزيز وأولاد ماضي فموطنهم سفح جبل أوراس وحالف بعضهم بني زُغبة. الخبر عن جشم من هوازن وجُشَم (١) من جملة الهلالية في بلاد المغرب وهم من هَوَازِن مثل هلال، ولكن الكثرة لهلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن، أما جُشَم فهو ابن بكر بن هوازن، وكان من جُشَم فخوذ في تونس وقد عارضوا الموحدين وانحرفوا مع ابن غانية الميورقي في فتنته ضد الدولة الموحدية، فما إن انتصر الخليفة

стр. 2345

المنصور بمساعدة ابن أبي حفص على الميورقي نقل أشياعه من الهلالية إلى المغرب الأقصى (المملكة المغربية) من بينهم جُشَم ومن خالطهم من المنْتَفَق من عُقيْل (١) وأسكنهم بتامسنا البسيط الأفيح وهو ما بين سلا ومراكشى في أوسط بلاد المغرب الأقصى فاستقروا هنالك، وبعد زوال دولة الموحدين غلبوا على الدولة واعتزوا لقرب عهدهم بالبداوة وأكثروا الفساد، ولما اقتحم بنومرين بلاد المغرب على الموحدين لم تكن حامية أشد بأسًا منهم هم ورياح الهلالية، وقد صمدوا للقتال في معارك ضارية مع بني مرين ثم استكانوا ومالوا إلى التحضُّر مع مرور الزمن، وصاروا من القبائل الغارمة لدفع الجباية للدولة. وذكر ابن خلدون الخُلَّط في عداد جُشم بن بكر بن هوازن بن منصور؛ وقال: هم بنو المنتفق من عامر بن عُقيل بن كعب من عامر بن صعصعة من هوارن أيضًا. كما ذكر أن الخُلَّط مع قبائل سفيان وبنو جابر من جُشَم منهم في بلاد المغرب الأقصى. وأضاف ابن خلدون أن رئاسة جُشَم في بني مهلهل، والرئاسة في سفيان لأولاد جرمون، والرئاسة في جابر في ورديقة أو ورديفة. وذكر في ص ٦٧ من ج ٦ عن ورديقة أنه يزعم كثير من الناس أن ورديقة من سدراتة من البربر وليسو من جابر بن جُشم، وقال عن سفيان: فهم حيّا حلو، بأطراف تامسنا مما يلي أسفي بالمغرب الأقصى، ومنهم الحرث والكلابية وأولاد مطاع من الحرث. العاصم ومقدم من هلال بن عامر وهي من بطون الأُثبج من هلال الذين نفاهم الموحدون إلى المغرب ونزلوا تامسنا، وكانت لهم عزة وعلياء إلا جُشَم أعز منهم لمكان الكثرة، وكان موطنهم بسيط تامسنا وقد دثروا أو تفرقوا في القبائل ببلاد المغرب الأقصى.

стр. 2346

الخبر عن رياح (١) من بني هلال كانت رياح من أعز قبائل هلال وأكثرها جموعًا ورئاستهم عند دخولهم إلى إفريقيا كانت لمؤنس بن يحيى الصُنْبري من بطن مرداس بن يحيى وهناك بطون أخرى مثل عمرو، وعلي، وسعيد، وخضر، وأما الرياسة في رياح لفخذ الدواودة من مرداس وهم من داود بن مرداس بن رياح، وكان رئيس رياح لعهد دولة الموحدين هو مسعود بن سلطان ولقبه "البلِّط" لشدته وصلابته، وقد نقل الخليفة الموحدي إلى المغرب الأقصى بعض بطون رياح ومعهم البلِّط وقد أقاموا ما بين قصور كتامة إلى إزغار البسيط الفسيح، ثم فر مسعود البلط إلى تونس وجمع من بقي من قومه رياح مع أخيه عساكر؛ وذلك في عام ٥٩٠ هـ ثم نزلوا على قبائل زِغْب وذباب في نواحي طرابلس وهي من (بني سُلَيْم)، وصاروا يتقلبون بينهم ثم نزعوا إلى خدمة قراقوش (٢) الغزى (من المماليك) في مصر، ثم حضروا فتح طرابلس الغرب مع قراقوش والتي كانت تابعة لدولة الموحدين، ثم لحق بقومه مع الأمير يحيى الميورقي الشهير بابن غانية الذي انشق على الدولة الموحدية، وصار البلِّط وعموم بطون رياح جنودًا له ضد الخليفة وضد شيخ تونس ابن أبي حفص، ولكن أبي حفص بمساعدة الخليفة الموحدي استطاع أن يوقع بالأمير المنشق في بلاد الجريد جنوب تونس عام ٦١٨ هـ وقتل الأمير وعددم كبيرًا من جنوده بينهم الكثيرين من قرابة البلِّط وأبناء عمومته ومن عشيرته من (الرياحيين)، وبعدها فر البلِّط إلى المغرب الأوسط (الجزائر) ومعه رجاله وقد ذهب إلى بطون الضحَّاك ولطيف (الأثبج) فاعتزوا به وكاثروا لما أنهم كانوا خصومًا وفي فتنة شديدة مع أقاربهم من دُريد وكَرْفة بسبب مقتل حسن بن سرحان، وقد وحَّد مسعود البلِّط هذه البطون المذكورة مع رياح وصار لهم زعيمًا وتغلب على الضواحي مثل قسطيلة والقيروان ومسيدة والزاب (٣)، وبعد وفاة البلِّط خلفهُ موسى بن محمد بن مسعود وكان له صيت في قومه واعتزار على الدولة، وجمع جموعًا لمحاربة الخليفة الحفصي المستنصر فنزل لهم الخليفة بجيش قوي عام ٦٦٦ هـ وفرق جمعهم، وقد

стр. 2347

لحق بعض كبارهم إلى الأندلس أثر هذه الواقعة، وبعد ذلك بعدة سنوات ظهر زعيم آخر من رياح اسمه شبل بن موسى واستطال على الدولة، وقد استعان هذه المرة المستنصر الحفصي ببعض أفخاذ رياح أنفسهم وهم المنشقون على شبل من أولاد عساكر، وكذلك استجاش أعوانه من بني عوف (سَلَيم) وجنود الموحدين، وفي نفس الوقت احتال على رؤساء رياح واستقدمهم لحضرة ملكه ثم تقبَّض عليهم وضرب أعناقهم جميعًا بما فيهم شبل بن موسى، ثم هاجم فرسان رياح وأتباعهم حتى بلاد الزاب في شرق الجزائر وفرَّق شملهم، وقد لحق بعض زعماء منهم وكثير من فرسانهم إلى ملوك زناتة في مدينة فاس ومدينة تلمسان، ثم زحفوا على الشرق بعد حين بمساعدة هؤلاء الملوك الموالين أصلًا لدولة الموحدين، وقد تغلَّب بنو رياح على بلاد الزاب من ورقلة وقصور ريغ وصيروها سهامًا بينهم، ثم غلبوا عامل الزاب وقتلوه وزحفوا على الأوراس وغلبوا من به من القبائل ثم تقدموا إلى التل، فجمع لهم أولاد عساكر من رياح أقاربهم المنشقين عليهم من عياض وغيرهم من الأثبج، ولكن النصر كان في جانب رياح وأولاد مسعود قادتهم، وقد سيطروا على معظم ضواحي المغرب الأوسط، ثم استمالتهم الدولة الحفصية وأقطعتهم ما بأيديهم من جبل أوراس والزاب وإقليم الحضنة، وبذلك صارت لهم إقطاعات كبيرة في الدولة الحفصية وقتئذ وتكاثروا في البلاد، وقد قسموا الضواحي سهامًا بين بطونهم وكان معهم بطن من عَنَزة بن أسد من ربيعة العدنانية، وقد كانوا مع بطن الأخضر من رياح يظعنون معهم في البوادي في المغرب الأوسط، وكذلك معهم نفاث أحد بطون جُذام. الخبر عن زغبة من بني هلال هذه القبيلة هم إخوة رياح، ذكر الكلبي: أن زغبة أبناء أبي ربيعة بن نهيك بن هلال بن عامر، وكانت لهم عزة وكثرة وتغلبوا على نواحي طرابلس وقابس وقتلوا سعيد بن خزرون من ملوك مغراوة (البربر) في طرابلس حينئذ، ثم دخلوا في بلاد المغرب الأوسط (الجزائر)، ولم يزالوا بتلك الحال إلى أن غلب الموحدون على كل بلاد المغرب، وثار ابن غانية الميورقي فصاروا يدًا مع بني يادين من زناتة لحماية المغرب الأوسط (الجزائر)، وانحرفوا عن ابن غانية ولم يفعلوا مثل رباح والأثبج، وصارت بطون زُغْبة هؤلاء ما بين مسيلة وقبلة تلمسان في القفار وملك بنو يادين وزناتة عليهم التلول، ولما ملكت زناتة بلاد المغرب الأوسط ونزلوا

стр. 2348

أمصاره دخل زُغْبَة إلى التلول وتغلبوا فيها ووضعوا الأتاوة على الكثير من أهلها، وقد كان لزُغْبَة عدة بطون أشهرها: بنو يزيد بن زُغْبَة وقد كان للدولة عناية بهم وأقطعتهم التلول والضواحي، وقد غلبوا على تلك المواطن من تلول حمزة والدهوس وأرض بني حسن وقد نزلوها ريفًا وصحراء، وكان للدولة استظهار بهم على جباية تلك الرعايا من صنهاجة وزواوه البربر بعد أن عجزت في اقتضائها دفعتها الدولة لبني يزيد فأحسنوا في جبايتها، وقد زادتهم الدولة عناية وتكرمة وأقطعتهم الكثير من الأوطان، وهناك بطن كبير من زُغبة آخر اسمه حُصين بن زُغبة وكانت مواطنهم إلى جهة المغرب من إخوانهم يزيد بن زُغبة، وكذلك بطن آخر يسمى مالك بن زُغبة وكان لهم أتاوات على بلد سيرات والبطمار وأمصاره وهي بجهات تلمسان غرب الجزائر، وكذلك كان بطن كبير من زُغْبَة يسمى عامر بن زُغْبة ومواطنهم في آخر مواطن زُغْبَة من المغرب الأوسط في قبلة تلمسان، وكانوا يغلبون غيرهم في تلك المواطن من بلاد حمزة والدهوس ولهم على وطن بني يزيد ضريبة من الزرع، وهناك بطن أيضًا يسمى عُروة بن زُغْبَة وكانوا أضعف بطون زُغْبَة. الخبر عن المعقل من مذحج القحطانية حسبت هذه الفئة من العرب الهلالية، وكانوا في جملتهم وهم مَعْقِل وبنو ربيعة بن الحارث بن كعب بن جلد بن مَذْحِج، وهم الآن من أقوى قبائل مراكش وتفرقوا بطونًا في بلاد المغرب الأقصى (المملكة المغربية)، وكانوا مجاورين لبطن عامر بن زُغْبَة الهلالية من قبلة تلمسان (الجزائر)، ومن بطونهم ذوي عبد الله، وذوي منصور، وذوي حسان. وموطن ذوي منصور من تاوريت إلى بلاد درعة فيستولون على ملوية كلها إلى سجلماسة وعلى درعة وعلى ما يحاذيها من التل مثل تاري وغساسة ومكناس وفاس وبلاد تادلا، أما ذوي حسان فهم من درعة إلى البحر المحيط ونزل شيوخهم من بلد نول وينتجعون في الرمال إلى مواطن الملثمين من البربر مثل كدالة ومسوفة ولمتونة، وموطن ذوي عبد الله بين تلمسان وتواريت في التل وما يواجهها من القبلة وهم جيران بني عامر بن زُغْبَة. وكان عرب المَعقِل في عام ٤٤٣ هـ عند دخول الهلالية إلى بلاد المغرب من أضعف البطون، وقيل إن عددهم كان لا يزيد عن مائتين وقد اعترضهم بنو سُلَيْم

стр. 2349

فأعجزوهم، فتحيزوا إلى بني هلال (هوارن) منذ عهد قديم، وقد نزلوا في المغرب في ملوية ورمال تافيلات وجاوروا زناتة في القفار الغربية وكثروا وأنبتوا في صحاري المغرب الأقصى فعمَّروا رماله وتغلبوا في فيافيه وحالفوا زناتة (البربر) أغلب أيامهم، وبقي منهم جمع قليل في تونس اندرجوا في جملة بني كعب من علَّاق رؤساء سُلَيْم بن منصور، وقد تقربوا إلى بني كعب حتى صاروا وزراء لهم في الاستخدام للسلطان في تونس، واستئلاف العرب في الدول التي قامت في شرق البلاد المغاربية. ونلخص أهم ما جاء في تاريخ العبر للعلَّامة عبد الرحمن بن خلدون (١) قال: وكان من المعقل في قصور الصحراء مثل قصور السوس غربًا ثم توات ثم بودة ثم تامنطيت ثم واركلان ثم تاسبيبت ثم تيكوراين شرقًا، ثم كثر المعقل بمن اجتمع إليهم من القبائل من غير نسبهم فإن فيهم من فزارة وأشجع (من غطفان) أحياء كثيرة. وفيهم "الشظة" من كرفة، "والمهاية" من عياض، وفيهم "الشعراء" من حُصين، "والصباح" من الأخضر - وكلها من بني هلال - وفيهم من بني سُلَيْم وغيرهم. والمعقل يوجد خلاف في نسبهم، ذكرهم ابن الكلبي: هو معقل بن عليم بن جناب بن هُبل بن عبد الله بن كنانة بن بكر بن عوف بن عُذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قُضاعة. أما القول الآخر فنسبهم من بني الحرث بن كعب بن عمرو بن علة بن جلد بن مَذْحِج واسمه مالك بن أد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان وهو معقل واسمه ربيعة بن كعب بن ربيعة بن كعب بن الحرث. وأضاف ابن خلدون: إن الأنسب في نسب المعقل في بلاد المغرب أن يكونوا من الحرث الذي هو من مَذْحِج، والذي كان اسمه ربيعة وقد عدَّهُ الأخباريون في

стр. 2350

بطون هلال بن عامر الداخلين إلى شمال إفريقيا؛ لأن مواطن بني الحرث بن كعب قريب من البحرين حيث كان هؤلاء العرب الهلالية مع القرامطة قبل دخولهم إلى المغرب، ويؤيده قول ابن سعيد المغربي لما ذكر مَذْحِج وأنهم بجهات الجبال من اليمن، وذكر من بطونهم زيد ومراد، ثم قال: وبإفريقيا منهم فرقة وبرية ترتحل وتنزل، وهؤلاء الذين ذكرهم المعقل الذين هم بإفريقيا وهم فرقة من هؤلاء الذين بالمغرب الأقصى، ومن إملاء نسابتهم أن معقل جدَّهم له من الولد سحير (١) ومحمد فولد سحير عبيد الله وثعلب، فمن عبيد الله ذوي عبيد الله البطن الكبير منهم، ومن ثعلب الثعالب الذين كانوا ببسيط متيجة من نواحي الجزائر. وولد محمد: مختار ومنصور وجلال وسالم وعثمان، فولد مختار بن محمد: حسَّان وشبَّانة، فمن حسَّان: ذوي حسَّان البطن المذكور أهل السوس الأقصى. ومن شبَّانة الشبانات جيرانهم هنالك، ومنهم بطنان: بنو ثابت ومواطنهم تحت جبل السكسيوي من جبال أدرن، وشيخهم لهذا العهد - عهد ابن خلدون - يعيش بن طلحة. والبطن الآخر آل علي ومواطنهم في برية هنكيسة تحت جبل كزولة وشيخهم لهذا العهد - عهد ابن خلدون - حريز بن علي. ومن جلال وسالم وعثمان الرقيطات بادية لذوي حسان ينتجعون معهم، وبنو مختار بن محمد فهم بنو حسان والشبانات والرقيطات. منهم الجياهنة وأولاد برية في ناحية ملوية إلى مصبه في البحر مع إخوانهم ذوي منصور وعبيد الله. ورئاسة ذوي حسان في أولاد أبي الخليل بن عمر بن عفير بن حسن بن موسى بن حامد بن سعيد بن حسان بن مختار. والرقيطات أحلاف للشبانات، وهم أقرب لبلاد المصامدة وجبال درن وذوي حسان.
следующие страницы →