← Ансаб

Ансаб · id 897

موسوعة القبائل العربية

محمد سليمان الطيب

Полный текст (10 849 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

الخبر عن رياح (١) من بني هلال كانت رياح من أعز قبائل هلال وأكثرها جموعًا ورئاستهم عند دخولهم إلى إفريقيا كانت لمؤنس بن يحيى الصُنْبري من بطن مرداس بن يحيى وهناك بطون أخرى مثل عمرو، وعلي، وسعيد، وخضر، وأما الرياسة في رياح لفخذ الدواودة من مرداس وهم من داود بن مرداس بن رياح، وكان رئيس رياح لعهد دولة الموحدين هو مسعود بن سلطان ولقبه "البلِّط" لشدته وصلابته، وقد نقل الخليفة الموحدي إلى المغرب الأقصى بعض بطون رياح ومعهم البلِّط وقد أقاموا ما بين قصور كتامة إلى إزغار البسيط الفسيح، ثم فر مسعود البلط إلى تونس وجمع من بقي من قومه رياح مع أخيه عساكر؛ وذلك في عام ٥٩٠ هـ ثم نزلوا على قبائل زِغْب وذباب في نواحي طرابلس وهي من (بني سُلَيْم)، وصاروا يتقلبون بينهم ثم نزعوا إلى خدمة قراقوش (٢) الغزى (من المماليك) في مصر، ثم حضروا فتح طرابلس الغرب مع قراقوش والتي كانت تابعة لدولة الموحدين، ثم لحق بقومه مع الأمير يحيى الميورقي الشهير بابن غانية الذي انشق على الدولة الموحدية، وصار البلِّط وعموم بطون رياح جنودًا له ضد الخليفة وضد شيخ تونس ابن أبي حفص، ولكن أبي حفص بمساعدة الخليفة الموحدي استطاع أن يوقع بالأمير المنشق في بلاد الجريد جنوب تونس عام ٦١٨ هـ وقتل الأمير وعددم كبيرًا من جنوده بينهم الكثيرين من قرابة البلِّط وأبناء عمومته ومن عشيرته من (الرياحيين)، وبعدها فر البلِّط إلى المغرب الأوسط (الجزائر) ومعه رجاله وقد ذهب إلى بطون الضحَّاك ولطيف (الأثبج) فاعتزوا به وكاثروا لما أنهم كانوا خصومًا وفي فتنة شديدة مع أقاربهم من دُريد وكَرْفة بسبب مقتل حسن بن سرحان، وقد وحَّد مسعود البلِّط هذه البطون المذكورة مع رياح وصار لهم زعيمًا وتغلب على الضواحي مثل قسطيلة والقيروان ومسيدة والزاب (٣)، وبعد وفاة البلِّط خلفهُ موسى بن محمد بن مسعود وكان له صيت في قومه واعتزار على الدولة، وجمع جموعًا لمحاربة الخليفة الحفصي المستنصر فنزل لهم الخليفة بجيش قوي عام ٦٦٦ هـ وفرق جمعهم، وقد

стр. 2347

لحق بعض كبارهم إلى الأندلس أثر هذه الواقعة، وبعد ذلك بعدة سنوات ظهر زعيم آخر من رياح اسمه شبل بن موسى واستطال على الدولة، وقد استعان هذه المرة المستنصر الحفصي ببعض أفخاذ رياح أنفسهم وهم المنشقون على شبل من أولاد عساكر، وكذلك استجاش أعوانه من بني عوف (سَلَيم) وجنود الموحدين، وفي نفس الوقت احتال على رؤساء رياح واستقدمهم لحضرة ملكه ثم تقبَّض عليهم وضرب أعناقهم جميعًا بما فيهم شبل بن موسى، ثم هاجم فرسان رياح وأتباعهم حتى بلاد الزاب في شرق الجزائر وفرَّق شملهم، وقد لحق بعض زعماء منهم وكثير من فرسانهم إلى ملوك زناتة في مدينة فاس ومدينة تلمسان، ثم زحفوا على الشرق بعد حين بمساعدة هؤلاء الملوك الموالين أصلًا لدولة الموحدين، وقد تغلَّب بنو رياح على بلاد الزاب من ورقلة وقصور ريغ وصيروها سهامًا بينهم، ثم غلبوا عامل الزاب وقتلوه وزحفوا على الأوراس وغلبوا من به من القبائل ثم تقدموا إلى التل، فجمع لهم أولاد عساكر من رياح أقاربهم المنشقين عليهم من عياض وغيرهم من الأثبج، ولكن النصر كان في جانب رياح وأولاد مسعود قادتهم، وقد سيطروا على معظم ضواحي المغرب الأوسط، ثم استمالتهم الدولة الحفصية وأقطعتهم ما بأيديهم من جبل أوراس والزاب وإقليم الحضنة، وبذلك صارت لهم إقطاعات كبيرة في الدولة الحفصية وقتئذ وتكاثروا في البلاد، وقد قسموا الضواحي سهامًا بين بطونهم وكان معهم بطن من عَنَزة بن أسد من ربيعة العدنانية، وقد كانوا مع بطن الأخضر من رياح يظعنون معهم في البوادي في المغرب الأوسط، وكذلك معهم نفاث أحد بطون جُذام. الخبر عن زغبة من بني هلال هذه القبيلة هم إخوة رياح، ذكر الكلبي: أن زغبة أبناء أبي ربيعة بن نهيك بن هلال بن عامر، وكانت لهم عزة وكثرة وتغلبوا على نواحي طرابلس وقابس وقتلوا سعيد بن خزرون من ملوك مغراوة (البربر) في طرابلس حينئذ، ثم دخلوا في بلاد المغرب الأوسط (الجزائر)، ولم يزالوا بتلك الحال إلى أن غلب الموحدون على كل بلاد المغرب، وثار ابن غانية الميورقي فصاروا يدًا مع بني يادين من زناتة لحماية المغرب الأوسط (الجزائر)، وانحرفوا عن ابن غانية ولم يفعلوا مثل رباح والأثبج، وصارت بطون زُغْبة هؤلاء ما بين مسيلة وقبلة تلمسان في القفار وملك بنو يادين وزناتة عليهم التلول، ولما ملكت زناتة بلاد المغرب الأوسط ونزلوا

стр. 2348

أمصاره دخل زُغْبَة إلى التلول وتغلبوا فيها ووضعوا الأتاوة على الكثير من أهلها، وقد كان لزُغْبَة عدة بطون أشهرها: بنو يزيد بن زُغْبَة وقد كان للدولة عناية بهم وأقطعتهم التلول والضواحي، وقد غلبوا على تلك المواطن من تلول حمزة والدهوس وأرض بني حسن وقد نزلوها ريفًا وصحراء، وكان للدولة استظهار بهم على جباية تلك الرعايا من صنهاجة وزواوه البربر بعد أن عجزت في اقتضائها دفعتها الدولة لبني يزيد فأحسنوا في جبايتها، وقد زادتهم الدولة عناية وتكرمة وأقطعتهم الكثير من الأوطان، وهناك بطن كبير من زُغبة آخر اسمه حُصين بن زُغبة وكانت مواطنهم إلى جهة المغرب من إخوانهم يزيد بن زُغبة، وكذلك بطن آخر يسمى مالك بن زُغبة وكان لهم أتاوات على بلد سيرات والبطمار وأمصاره وهي بجهات تلمسان غرب الجزائر، وكذلك كان بطن كبير من زُغْبَة يسمى عامر بن زُغْبة ومواطنهم في آخر مواطن زُغْبَة من المغرب الأوسط في قبلة تلمسان، وكانوا يغلبون غيرهم في تلك المواطن من بلاد حمزة والدهوس ولهم على وطن بني يزيد ضريبة من الزرع، وهناك بطن أيضًا يسمى عُروة بن زُغْبَة وكانوا أضعف بطون زُغْبَة. الخبر عن المعقل من مذحج القحطانية حسبت هذه الفئة من العرب الهلالية، وكانوا في جملتهم وهم مَعْقِل وبنو ربيعة بن الحارث بن كعب بن جلد بن مَذْحِج، وهم الآن من أقوى قبائل مراكش وتفرقوا بطونًا في بلاد المغرب الأقصى (المملكة المغربية)، وكانوا مجاورين لبطن عامر بن زُغْبَة الهلالية من قبلة تلمسان (الجزائر)، ومن بطونهم ذوي عبد الله، وذوي منصور، وذوي حسان. وموطن ذوي منصور من تاوريت إلى بلاد درعة فيستولون على ملوية كلها إلى سجلماسة وعلى درعة وعلى ما يحاذيها من التل مثل تاري وغساسة ومكناس وفاس وبلاد تادلا، أما ذوي حسان فهم من درعة إلى البحر المحيط ونزل شيوخهم من بلد نول وينتجعون في الرمال إلى مواطن الملثمين من البربر مثل كدالة ومسوفة ولمتونة، وموطن ذوي عبد الله بين تلمسان وتواريت في التل وما يواجهها من القبلة وهم جيران بني عامر بن زُغْبَة. وكان عرب المَعقِل في عام ٤٤٣ هـ عند دخول الهلالية إلى بلاد المغرب من أضعف البطون، وقيل إن عددهم كان لا يزيد عن مائتين وقد اعترضهم بنو سُلَيْم

стр. 2349

فأعجزوهم، فتحيزوا إلى بني هلال (هوارن) منذ عهد قديم، وقد نزلوا في المغرب في ملوية ورمال تافيلات وجاوروا زناتة في القفار الغربية وكثروا وأنبتوا في صحاري المغرب الأقصى فعمَّروا رماله وتغلبوا في فيافيه وحالفوا زناتة (البربر) أغلب أيامهم، وبقي منهم جمع قليل في تونس اندرجوا في جملة بني كعب من علَّاق رؤساء سُلَيْم بن منصور، وقد تقربوا إلى بني كعب حتى صاروا وزراء لهم في الاستخدام للسلطان في تونس، واستئلاف العرب في الدول التي قامت في شرق البلاد المغاربية. ونلخص أهم ما جاء في تاريخ العبر للعلَّامة عبد الرحمن بن خلدون (١) قال: وكان من المعقل في قصور الصحراء مثل قصور السوس غربًا ثم توات ثم بودة ثم تامنطيت ثم واركلان ثم تاسبيبت ثم تيكوراين شرقًا، ثم كثر المعقل بمن اجتمع إليهم من القبائل من غير نسبهم فإن فيهم من فزارة وأشجع (من غطفان) أحياء كثيرة. وفيهم "الشظة" من كرفة، "والمهاية" من عياض، وفيهم "الشعراء" من حُصين، "والصباح" من الأخضر - وكلها من بني هلال - وفيهم من بني سُلَيْم وغيرهم. والمعقل يوجد خلاف في نسبهم، ذكرهم ابن الكلبي: هو معقل بن عليم بن جناب بن هُبل بن عبد الله بن كنانة بن بكر بن عوف بن عُذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قُضاعة. أما القول الآخر فنسبهم من بني الحرث بن كعب بن عمرو بن علة بن جلد بن مَذْحِج واسمه مالك بن أد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان وهو معقل واسمه ربيعة بن كعب بن ربيعة بن كعب بن الحرث. وأضاف ابن خلدون: إن الأنسب في نسب المعقل في بلاد المغرب أن يكونوا من الحرث الذي هو من مَذْحِج، والذي كان اسمه ربيعة وقد عدَّهُ الأخباريون في

стр. 2350

بطون هلال بن عامر الداخلين إلى شمال إفريقيا؛ لأن مواطن بني الحرث بن كعب قريب من البحرين حيث كان هؤلاء العرب الهلالية مع القرامطة قبل دخولهم إلى المغرب، ويؤيده قول ابن سعيد المغربي لما ذكر مَذْحِج وأنهم بجهات الجبال من اليمن، وذكر من بطونهم زيد ومراد، ثم قال: وبإفريقيا منهم فرقة وبرية ترتحل وتنزل، وهؤلاء الذين ذكرهم المعقل الذين هم بإفريقيا وهم فرقة من هؤلاء الذين بالمغرب الأقصى، ومن إملاء نسابتهم أن معقل جدَّهم له من الولد سحير (١) ومحمد فولد سحير عبيد الله وثعلب، فمن عبيد الله ذوي عبيد الله البطن الكبير منهم، ومن ثعلب الثعالب الذين كانوا ببسيط متيجة من نواحي الجزائر. وولد محمد: مختار ومنصور وجلال وسالم وعثمان، فولد مختار بن محمد: حسَّان وشبَّانة، فمن حسَّان: ذوي حسَّان البطن المذكور أهل السوس الأقصى. ومن شبَّانة الشبانات جيرانهم هنالك، ومنهم بطنان: بنو ثابت ومواطنهم تحت جبل السكسيوي من جبال أدرن، وشيخهم لهذا العهد - عهد ابن خلدون - يعيش بن طلحة. والبطن الآخر آل علي ومواطنهم في برية هنكيسة تحت جبل كزولة وشيخهم لهذا العهد - عهد ابن خلدون - حريز بن علي. ومن جلال وسالم وعثمان الرقيطات بادية لذوي حسان ينتجعون معهم، وبنو مختار بن محمد فهم بنو حسان والشبانات والرقيطات. منهم الجياهنة وأولاد برية في ناحية ملوية إلى مصبه في البحر مع إخوانهم ذوي منصور وعبيد الله. ورئاسة ذوي حسان في أولاد أبي الخليل بن عمر بن عفير بن حسن بن موسى بن حامد بن سعيد بن حسان بن مختار. والرقيطات أحلاف للشبانات، وهم أقرب لبلاد المصامدة وجبال درن وذوي حسان.

стр. 2351

ذوي عبيد الله من المعقل قال ابن خلدون: مواطنهم ما بين تلمسان إلى وجدة إلى مصب وادي ملوية في البحر ومنبعث وادي صا من القبلة، وتنتهي رحلتهم في القفار إلى قصور توات وتمنطيت وربما عاجوا ذات الشمال إلى تاسابيت وتوكرارين. وبينهم وبين عامر (زُغبة) فتن وحروب موصولة، وكذلك كان لهم مع بني عبد الواد مثلها قبل السلطان والدولة فيما كانوا لبني مرين. وكان المنبات من ذوي منصور أحلافًا لبني عبد الواد، فكان يغمراسن يوقع بهم أكثر أوقاته، وينال منهم إلى أن صبحوا بسبب الجوار واعتزت عليهم الدولة فأعطوا الصدقة والطوائل وعسكروا مع السلطان في حروبه، ولم يزل ذلك إلى أن لحق الدولة الهرم الذي يلحق مثلها، فواطنوا التلول وتملكوا وجدة وندرومة وبني يزناسن ومديونة وبني سنوس إقطاعًا من السلطان. وهم بطنان: الهراج والخراج، فالخراج من ولد فزاح بن مطرف بن عبيد الله ورئاستهم في أولاد عبد الملك وفرج بن علي بن أبي الريش بن نهار بن عثمان بن خراج. ولأولاد عيسى بن عبد الملك ويعقوب بن عبد الملك ويغمور بن عبد الملك إلى منصور بن يعقوب بن عبد الملك، ورجو بن منصور، وطلحة بن يعقوب وبطونهم: (الجعاونة) من جعوان بن خراج، و (الغسل) من غاسل بن خراج، و (المطارفة) من مطرف بن خراج، و (العثامنة) في عثمان بن خراج ومعهم المهاية وهم من المهاية بن عياض من هلال بن عامر، وتارة ينسبونهم إلى مهيا بن مطرف من المعقل. والهراج هم ولد الهراج بن مهدي بن محمد بن عبيد الله، ومواطنهم في ناحية المغرب عن الخراج، فيجاورون بني منصور ولهم تاوزيزت وما إليها وخدمتهم لبني مرين ورئاستهم في ولد يعقوب من هبا بن هراج لأولاد مرين بن

стр. 2352

يعقوب، وأولاد مناد بن رزق الله بن يعقوب، وأولاد فكرون بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن يعقوب من ولد حريز بن يحيى الصغير بن موسى بن يوسف بن حريز. الثعالبة من المعقل قال ابن خلدون: من ولد ثعلب بن علي بن بكر بن صغير (صقيل) أخي عبيد الله بن صغير (صقيل) في سهول متيجة. وكانت رياستهم في ولد سباع بن ثعلب بن علي بن بكر ثم في ولد يعقوب بن سباع. ذوي منصور من المعقل قال عنهم ابن خلدون: منهم في ملوية ودرعة في المغرب الأقصى. قلت: ملوية في شمالي المغرب، ودرعة في جنوبها الشرقي. وقال، بطونهم أولاد حسين، وأولاد أبي الحسن، والعمارنة (أولاد عمران)، والمنبات (أولاد منبا)، ويقال لهم الأحلاف. أما أبي الحسن: نزلوا قصورًا ما بين تافيلات وتيكورارين. وأولاد حسين: لهم العزة ورئاستهم في أولاد خالد بن جرمون بن جراد بن عرضة بن فارس بن علي بن فارس بن حسين بن منصور، وكانت أيام السلطان أبي الحسن لعلي بن غانم. ورئاسة العمارنة في أولاد مظفَّر بن ثابت بن مخلف بن عمران، وكان شيخهم عنان بن طلحة بن مظفر وابن الزبير ثم محمد بن الزبير وأخوه موسى. ويرادفنهم في رئاستهم أولاد عمارة بن قلان بن مخلف، فكان منهم محمد العائد، ومنهم لهذا العهد - عهد ابن خلدون - سليمان بن ناجي بن عمارة ينتجع في القفر ويكثر الغزو إلى اعتراض العير وقصور الصحراء. ورئاسة المنبات لمحمد بن عبد بن حسين بن يوسف بن فرح بن منبا. والمنبات والعمارنة إذا اجتمعوا جميعًا يكثر أولاد حسين، وكان للمنبات كثرة لأول دولة بني مرين.

стр. 2353

وموطن العثامنة تلي مواطن بني منصور ويليهم أولاد سالم ثم أولاد جلال ثم الشبانات وهم أولاد علي وأولاد بو ثابت وأولاد حسان. وأضاف: أن ولد منصور بن محمد: حسين وأبو الحسين وعمران، ونسبًا يقال لهم جميعًا ذوي منصور وهو أحد بنونهم الثلاثة. بعض أشعار الهلالية من تاريخ العبر قال ابن خلدون من شعر الشريف شكر بن هاشم القُرشي يبكي على الجازية بنت سرحان الهلالية والتي كانت زوجة له وفارقته مع أهلها إلى بلاد المغرب وقد مات كمدًا عليها، قال الشريف (شكر): قال الشريف بن هاشم علي … ترى كبدي حرى شكت من زفيرها يفز للاعلام أين ما رأت خاطري … يرد غلام البدو يلوي عصيرها وماذا شكاة الروح مما طرالها … غداة وزائع تلف الله خبيرها يحس أن قطاع عامر ضميرها … طوى وهند جافي ذكيرها وعادت كما خوارة في يد غاسل … على مثل شوك الطلع عقدوا يسيرها تجاذبوها اثنين والنزع بينهم … على شوك لعة والبقايا جريرها وباتت دموع العين ذارفات لشأنها … شِبيه دوار السواني يديرها تدارك منها النجم حذرا وزادها … مرون يجي متراكبًا من صبيرها يصب من القيعان من جانب الصفا … عيون ولجاز البرق في غزيرها هاذا الغني حتى تسايبت غزوة … ناضت من بغداد حتى فقيرها ونادى المنادي بالرحيل وشددوا … وعرج عاريها على مستعيرها وشد لها الأدهم دياب بن غانم … على أيدين ماضي وليد مقرب ميرها وقال لهم حسن بن سرحان غربوا … وسوقوا النجوع إن كان أنا هو غفيرها ويركض وبيده شهامة بالتسامح … وباليمين لا يجدوا في مغيرها

стр. 2354

غدرني زيان السيح من عابس … وما كان يرضى زين حِمْيَر وميرها غدرني وهو زعمًا صديقي وصاحبي … وأنا ليه ما من درقتي ما يديرها ورجع يقول لهم بلال بن هاشم … بحر البلاد العطش ما بخيرها حرام على باب بغداد وأرضها … داخل ولا عائد ركيزه من نعيرها تصدق روحي عن بلاد ابن هاشم … على الشمس أو حول الغطا من هجيرها وباتت نيران العذارى قوارح … يلوذوا بجرجان يشدوا أسيرها ومن أقوال الهلالية في رثاء أمير زناته أبى سعدى اليفرني المُسمى (خليفة) والذي قارعهم في أرض الزاب (بالجزائر): ورثاء الهلالية هنا على سبيل التهكُّم أو التشفي: تقول فتاة الحي سعدى وهاضها … لها في ظعون الباكرين عويل أيا سائلي عن قبر الزناتي خليفة … خذ النعت مني لا تكون هبيل تراه يعالي وادي ران وفوقه … من الربط عيساوي بناه طويل أراه يميل النور من شارع النقا … به الواد شرقًا والراع دليل أيا لهف كبدي على الزناتي خليفة … قد كان لأعقاب الجياد سليل قتيل فتى الهيجا دياب بن غانم … جراحه كأفواه المزاد تسيل أيا حائزًا مات الزناتي خليفة … لا ترحل إلا أن يريد رحيل ألا واش رحلنا ثلاثين مرة … وعشرا وستا في الهناء قليل ومن أشعارهم في ذكر رحلتهم إلى بلاد المغرب وغلبهم لزناته:

стр. 2355

وأي جميل ضاع لي في الشريف بن هاشم … وأي رجال ضاع قبلي جميلها لقد كنت أنا وياه في زهو بينا … عنائي بحجة ما غباني دليلها وعدت كأني شارب من مدامة … من الخمر فهو ما قدر من يميلها أو مثل شمطا مات فطنون كبدها … غريبًا وهي مدوحة عن قبيلها أتاها زمان السوء حتى تدوحت … وهي بين عربًا غافلًا عن نزيلها كذلك أنا مما لحاني من الوجى … شاكي بكبد باديتها زعيلها وأمرت قومي بالرحيل وبكروا … وقووا وشداد الحوايا حميلها قعدنا سبعة أيام محبوس نجعنا … والبدو ما ترفع عمود يقيلها نظل على حداب الثنايا نوازي … يظل الجرى فوق النضا نصيلها ومن شعر سلطان بن مظفَّر بن يحيى من الدواودة رؤساء رياح الهلالية، وكان معتقلًا في المهدية بتونس في سجن الأمير أبى زكريا بن أبي حفص أول ملوك تونس من الموحدين، قال سلطان: يقول وفي بوح الدجا بعد وهنه … حرام على أجفان عيني منامها يا من لقلب حالف الوجد والأسى … وروح هيامي طال ما في سقامها حجازية بدوية عربية … عداوية ولها بعيد مرامها مولعة بالبدو لا تألف القرى … سوى عانك الوعسا يؤي خيامها غيات ومشتاها بها كل شتوة … ممحونة بيها صحيح غرامها ومرباها عشب الأراضي من الحيا … بواتي من الخور الخلايا جسامها تشوق شوق العين مما تداركت … عليها من السحب السواري غمامها وماذا بكت بالماء وماذا تنا حطت … عيون غزاز المزن عذبا حمامها

стр. 2356

كأن عروس البكر لاحت ثيابها … عليها زمن نور الأقاحي خزامها فلاه ودهنا وأتساع ومنه … ومرعى سوى ما في مراعي نعامها ومشروبها من مخض ألبان شولها … غنيم ومن لحم الجوازي طعامها تفانت عن الأبواب والموقف الذي … يشيب الفتى مما يقاصي زحامها يسقي الله ذا الواندي المشجر بالحيا … وبلا ويحيي ما بلي من رمامها فكافأتها بالود مني وليتني … ظفرت بأيام مضت في ركامها ليالي أقواس الصبا في سواعدي … إذا قمت لم تحظ من أيدي سهامها وفرسي عديد تحت سرجي مشاقه … زمان الصبا سرجًا وبيدي لجامها وكم من رواح أسهرتني ولم أرى … من الخلق أبهى من نظام ابتسامها وكم من كاعب مرجحنة … مطرزة الأجفان باهي وشامها وصفقت من وجدي عليها طريحة … بكفي ولم ينس جداها ذمامها ونار بخطب الوجد توهج في الحشا … وتوهج لا يطفا من الماء ضرامها أيا من وعدتي الوعد هذا الرمتى … فنى العمر في دار عماني ظلامها ولكن رأيت الشمس تكسف ساعة … ويغمى عليها ثم يبدا غيامها بنود ورايات من السعد أقبلت … إلينا بعون الله يهفو علامها أرى في الفلا بالعين أظعان عزوتي … ورمحي على كتفي وسيري أمامها بجرعا عتاق النوق من فوق شامس … أحب بلاد الله عندي حشامها إلى منزل بالجعفرية للوى … مقيم بها ما لذ عندي مقامها نلقى سراة من هلال بن عامر … يزيل الصدا والغل عن سلامها بهم تضرب الأمثال شرقًا ومغربًا … إذا قاتلوا قومًا سريع انهزامها عليهم ومن هو في حماهم تحية … مدى الدهر ما غني يفينا حمامها فدع ذا ولا تأسف على سالف مضى … هذي الدنيا ما دمت لأحد دوامها

стр. 2357

ومن شعر علي بن عمر من رؤساء بني عامر "أحد بطون زُغْبَة الهلالية" وهي عتاب لبني عمه المتطاولين عليه وعلى رياسته لقومه قال: وقولوا له يابو الوفا كلح رأيكم … دخلتم بحور غامقات دهام زواخر ما تنقاس بالعود إنما … لها سيلات على الغضا وأكام ولا قسمتوا فيها قياسًا يدلكم … وليس البحور الطاميات تعام وعانوا على هلكاتكم في ورودها … من الناس عدمان العقول لئام أبا عزوة ركبوا الضلالة ولا لهم … قرار ولا دنيا لهم دوام ألا عنا همو لو ترى كيف زايهم … مثل سراب فلاة مالهن تمام خلوا القنا يبغون في مرقب العلا … مواضع ماهيا لهم بمقام وحق النبي والبيت وأركانه العلي … ومن زارها في كل دهر وعام لبر الليالي فيه إن طالت الحيا … يذوقون من خمط الكساع مدام ولا برها تبقي البوادي عواكف … بكل رديني مطرب وحسام وكل مسافة كالسد أياه عابر … عليها من ولاد الكرام غلام وكل كميت يكتعص عض نابه … يظل يصارع في العنان لجام وتحمل بنا الأرض العقيمة مدة … وتولدنا من كل ضيق كظام بالأبطال والقود الهجان وبالقنا … لها وقت وجنات البدور زحام أتجحدني وأنا عقيد نقودها … وفي سن رمحي للحروب علَّام ونحن كأضراس الموافي بنجعكم … حتى يقاضوا من ديون غرام متى كان يوم القحط يا أمير أبو علي … يلقى سعايا صابرين قدَّام كذلك بوحمو إلى اليسر أبعثه … وخلى الجياد العاليات تسام وخل رجالًا لا يرى الضيم جارهم … ولا يجمعوا بدهى العدو زفام ألا يقيموها وعقد بؤسهم … وهم عذر عنه دائمًا ودوام

стр. 2358

وكم ثار طعنها على البدو سابق … ما بين صحاصيح وما بين حسام وكم ذا يجيبوا أثرها من غنيمة … حليف الثنا قشَّاع كل غيام عليكم سلام الله من لسن فاهم … ما غنت الورقا وناح حمام ومن شعر أبي زيد الهلالي في السيرة الشعبية وهو يُحَمِّس بني هلال على أعدائهم قال بعد مقتل أحد أبنائه: يقول أبو زيد الهلالي سلامة … بدمع جرى فوق الخدود سيال الآن وقت الطعن في سوق القنا … بضرب الشواكر وسيوف نصال ألا فارجعوا ردوا الأعادي بعزمكم … بعزٍ قوي يهلك الأبطال هاجموا القوم بالسيف وبيدوا جمعهم … وخلوا دماء الأعادي كسيل سال ومن شعر ذياب بن غانم الزُّغْبي الهلالي بعد أن جاء من رعي وحماية الإبل لبني هلال وقد وجد الزناتي خليفة قد قتل عشرات الرجال من قومه في غيابه، فلاقاه أهل القتلى والبنات وشالوا البراقع وحدفوها إلى ذياب فطيَّب خاطرهم، وأنه سوف ينتقم من خليفة (أبى سعدى) وسيقتله، وأنشأ يقول: قال أبو موسى دياب المفتخر … فارس الهيجاء وخيَّال الوبر حامي الزينات سور المحصنات … مفرج الكربات في يوم العسر زال عنكم همكم ياذا البنات … والزناتي حل في عمره قصر وأجد الثأر من أبي سعدا حقيق … جميع قومه من حسامي تنبهر وأخبروني يابنات بما جرى … وأعلموني بحقائق تسكر ما لكم على القبور جالسين … وشعوركم على الأكتاف تنتشر كم من أميرة شقت ثوب الحيا … وقبل هذا اليوم كانت تنستر

стр. 2359

لمن هذا القبر يابنت الكرام … من هذا الذي من تحته انقبر فابشروا بالثأر أنتم يابنات … في ما مضى لحدين بولادا نذكر أنا عليهم مثل سبع كاسر … من غدٍ إليهم ياعذارى أَنحدِر وانظروا فعل دياب يابنات … بعون من أمره علينا قد قدر افرحوا اليوم يا بنات وابشروا … وخاطر المكسور مني ينجبر ومن شعر الأمير حسن بن سرحان الهلالي إلى ذياب مقدرًا إياه قال: نعم أيها الغادي على متن ضامر … كفرخ حمام في البراري فريدها سلِّم عدى الزُّغْبي ذياب وقل له … يافارس الفرسان يوم طريدها والله ينصرك دومًا على العدا … بحرمة خير البرايا وسيدها وقال ذياب بن غانم الزُّغْبي مفتخرًا بنفسه علي بني هلال بعد قتله للزناتي خليفة: هبت بوارقها وطال هواها … ولاح ما بين النجوم سناها وعرفت ملوك الشرق والغرب … أنني مبيد رجال العرب عند رعاها ومَلَكْتُ كل البلاد بهمتي … وأنا ابن غانم أعلى الناس جاها طاعت لحكمي سائر العرب … وضربات سيفي بالعلا لقاها مقال الفتى الزُغْبي ذياب بن غانم … والنار في قلبي تزيد لظاها وقال حسن بن سرحان لأبي زيد الهلالي سلامة يواسيه في بعض الفرسان من هلال ويشد أزره قال: يقول حسن الهلالي أبو علي … والنار في قلبي تهب وتشتعل حركت عندي يا هلال مركبًا … وأصبحت من هذا الكلام في وجل

стр. 2360

فإن احتجت لذياب بالعجل … تلقاه بخيلك مثل قطعة من جبل وإن احتاج لك فروح له … في عسكر من فوق الخيل بالعجل وأنتم سيروا ياسلامة فإنني … داعي لكم طول الزمان لم أزل إن شاء اللَّهُ إله العرش ينصركم … وينجيك بلطف وبلوغ الأمل الله يفعل ما يشاء بخلقه … ويجيب دعاء عبد فقير إذا قال بقايا بني هلال في السعودية من فروع هلال الكبيرة في السعودية والتي منازلها حول ميناء البرك على ساحل البحر الأحمر وحتى حلي ومحايل هي: آل أم جمعة - آل مسيحر - آل خرفش (الأخرش) أهل البرك (آل عبده). ومن الفخوذ الأخرى في جبل عفف جنوب شرق الليث وقرب حرَّة بني هلال نذكر التالي: الغبرة - السافرة - المطرة - الجنادية - الحنشة - آل خميسة - آل ابن الشيخ - الشنتة - العكسة - آل إنحو. ما قاله عمرو بن كرامة العمروي عن بقايا بني هلال في منطقة عسير بالمملكة العربية السعودية (١): نسبهم: هم بنو هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. بلادهم: كنت قد أبنت القرى التي كانت تسكنها حاضرة بني هلال في الباب الثالث، ضمن قبائل مَذْحِج بعد هجرة مَذْحِج من اليمن ومواطنهم في العصر الإسلامي.

стр. 2361

اختلف الناس في بني هلال، وذكروا لهم ثمانية بطون، كل بطن له نسب عير الذي سبقه وهي: ١ - بنو هلال بن ربيعة بن زيد مناه من الخزرج (١). ٢ - بنو هلال بن جُشَم بن النخع من مَذحِج (٢). ٣ - بنو هلال بن تيِّم الله بن بكر بن وائل (٣). ٤ - بنو هلال بن حليل بن حيشة الخزاعي (٤). ٥ - بنو هلال بن سعد بن مالك من تميم (٥). ٦ - بنو هلال بن ضبة بن الحارث بن فهر من قريش (٦). ٧ - بنو هلال بن عبيد بن سعد بن غني بن قيس عيلان (٧). ٨ - بنو هلال بن الصعب بن دهمان بن زهران (٨). وأقول: أما بنو هلال بن ربيعة بن زيد مناة من الخزرج فهؤلاء لم يكن لهم أي صلة في جنوب عسير ولا حتى في جبال السراوات ابتداءً من جنوب الطائف، إلى اليمن. وأما بنو هلال بن جُشَم من النخع من مَذْحِج فهؤلاء هم الذين جاوروا بني سلول (من هوازن) في أعالي منطقة بيشة، ثم رحلوا ودخلوا بالحلف في قبيلة يام القحطانية الكبرى سنة (٣٢٠ هـ) وهو الذي اعتمده البكري (٩). وأما بنو هلال بن تيم الله بن بكر بن وائل فلم أجد فيما بين يدي من المراجع من يذكرهم.

стр. 2362

وأما بنو هلال بن حليل بن حيشة الخُزاعي، فقد كانت بلادهم إلى الجنوب من عرفات في منطقة مكة المكرمة ولا تزال في عداد خُزاعة. وأما بنو هلال بن سعد بن مالك بن تميم، فلا علم لي عنهم. وأما بنو هلال بن ضبة بن الحارث بن فهر من قريش، فلعلَّهم الذين كانوا في أعالي وادي فاطمة قرب مكة في القرن السابع الهجري. وأما بنو هلال بن عبيد بن سعد بن غني بن قيس عيلان فإن بلادهم كانت مما يجاور جبل حضن من الجنوب والجنوب الغربي قرب الطائف. وأما بنو هلال بن الصعب بن زهران فإنهم لا يزالون في بلادهم مع إخوانهم قبائل زهران بن كعب من الأزد في بلاد عسير. وأما بنو هلال أهل التغربة، والذين سبق وأن ذكرنا نسبهم وبلادهم في الجاهلية والإسلام فهم المعنيون بالبحث والكتابة في كتابنا هذا، وسوف أقوم بإذن الله بتأليف جزء عنهم لأنني قد جمعت من الآثار الطبيعية، ما يثبت كل ما سوف كتب إن شاء الله تعالى. واستنادًا إلى ذلك فإنني قد اعتمدت أن بني هلال بن عامر من سكان جنوب عسير وذكرت ما أبنته عنهم آنفًا، وذكرت أشهر رجالهم في الإسلام من صحابة وتابعين ومحدثين وشعراء. أما بنو هلال الذين يقطنون منطقة تهامة في ساحل البحر الأحمر، وإلى الغرب من أبها فإنهم من بقايا بني عامر بن صعصعة، وإليك بعض التفصيل عنه: بلادهم: تقع بلاد بني عامر على ساحل البحر الأحمر وفي تقاطع خطي الطول والعرض. حدودهم: يحدهم من الشمال: قبيلتي الصوالحة وبني دريب، ومن الجنوب: قبيلة المنجحة، ومن الشرق: بلاد رجال ألمع اليمن ومن الغرب: البحر الأحمر. بطونهم: تنقسم قبيلة بني هلال إلى خمسة بطون رئيسية هي:

стр. 2363

١ - آل جابر. ٢ - آل مقاري. ٣ - آل علي. ٤ - آل يحيى. ٥ - آل فطرة. وإليك أقوال من سبقونا في تدوين أخبارهم من المتأخرين: قال محمد بن محمد اليحيا الهلالي: "ومجرد الجزم بخلو الجزيرة من الهلاليين، أمر تعوزه الدقة، إذ إن الهلاليين ما زالوا يقطنون منطقة شاسعة في تهامة في سواحل البحر الأحمر إلى الجنوب من مكة في منطقة تعرف ببلاد بني هلال، يحدها من الشمال قبائل الصوالحة وبني دريب، ومن الجنوب المنجحة، أما الغرب فالبحر الأحمر، والشرق جبال الحجاز، والهلاليون بالوقت الحاضر بطون، منها: آل يحيا، وآل مقاري، وآل فطرة، وآل جابر، وآل علي" (١). وقال فؤاد حمزة (٢): "تمتد ديرة بني هلال من حدود ربيعة التَهَم وأهل حلي ومحايل، إلى قرب البرك على ساحل البحر الأحمر، وينقسمون إلى أقسام أهمها: - أهل البرك. - الأخرش. - آل مسحر. - آل أم جمعة. وقال الشيخ عبد الله الحميد (٣): "قبيلة بني هلال في البرك والمناطق المحيطة به: هي بقية قبائل هلال بن عامر، وهي قبيلة منها حاضرة وبادية". وقال السير كبتن كينهام وكورن ولايس: (تبدأ حدود قبيلة بني هلال من سبت السواكة على مسافة ثلاثة وعشرين ميلًا شرق حلي، وتمتد حتى شمال سكة الأشراف ووادي دفعة، وإلى مسافة أربعة أميال من محائل بطول: أربعة وثلاثين ميلًا، يحدها شمالًا قبيلتي الطحاحيل،

стр. 2364

وآل دريب كما تمتد حدودها من سرِّ بالقرب من محائل إلى جنوب غربي برك، وتتاخم على التوالي حدود قبائل آل موسى، وبحر بن سكينة، ومنجحة ويبلغ طول ساحل بني هلال حوالي ثمانية عشر ميلًا من شمال برك، ومن ثم تتجه حدودها إلى المناطق الداخلية من البلاد حتى سبت السواكة على طول حدود حلي) إلى قوله: أما أقسامها الرئيسية "أفخاذها" فهي: ١ - أهل برك: ويبلغ تعدادهم إلى جانب قبائل بادية المنطقة الغربية شبعة آلاف فرد (٧٠٠٠) ويسكن أهل برك القرى الواقعة على طول سواحل البحر مثل: نخل البرمة، ونهود، وسبخة، وهم الفخذ الوحيد من هذه القبيلة الذي يلتزم بالقانون، وهي بلاد قليلة المزروعات، تنمو أشجار النخيل في بعض القرى ويقومون بجمع الملح وبيعة. ٢ - آل اختارش (آل الختارش) ويبلغ تعدادهم إضافة إلى قبائل (يعني أفخاذ) آل مسفر، وآل أم جمعة خمسة آلاف فرد (٥٠٠٠) … إلى قوله: القرى الرئيسية: برك: وتتكون من حوالي مائة وخمسين منزلًا، وبضعة أكواخ من القش، ومحاطة بسور متهدم، أما مياهها فجيدة، وهي ميناء ذو مأوى جيد من الرياح، ويعتبر الميناء الرئيسي لأعمال الاستيراد والتصدير من وإلى المناطق الداخلية لبلاد عسير" (١). وأقول: إن بني هلال قطنوا تهامة في القرن السابع الهجري بعد أن عادت قلة منهم من الشمال الشرقي لإفريقيا (بلاد تونس). وذلك أن الخليفة المستنصر العبيدي طلب من حاكم عسير أن يمده بخمسة آلاف مقاتل من قبائل عسير، فجهز له المطلوب وكان منهم ألف وثلاثمائة من بني هلال بن عامر برئاسة أبو زيد لحرب المعز بن باديس. ولما عاد الهلاليون إلى عسير وجدوا أن غالبية أراضيهم قد سكنها غيرهم، بسبب أن المعهود فيمن يذهبون للجهاد والمدد من عسير، ممن سبق بني هلال ومن

стр. 2365

معهم أنهم لا يعودون، إما لأنهم فضلوا الإقامة في البلاد التي وصلوا إليها، وإما أن أغلبهم قُتلوا في ذلك الغزو، وإما لبعدهم وطول المشقة، غير أنهم انقسموا إلى قسمين: أحدهما استوطن الساحل السوداني للبحر الأحمر وهم كثرة كاثرة، والآخر عاد إلى عسير، وهم الذين بينت أقسامهم آنفًا. أما الذين بقوا في عسير فقد تضاءلت أعدادهم، وأصبحوا قلة ووهنت شوكتهم أمام المجاورين لهم من القبائل، التي يريد كل منهم أن يبسط يده على ما بأيدي تلك الفئة القبيلة الباقية، فما هو الحل؟ هو أن تلك الفروع الباقية في ذلك الوطن، تنضوي في قبيلة قوية لتحميها من المخاطر التي تعتريها، سواء احتفظت تلك الفروع باسمها أم تسمَّت باسم القبيلة المحالفة معها. غير أن فروع بني هلال الكبرى، لم تنضو تحت أي قبيلة في عسير، بل تركت مواقعها وهبطت تهامة واستقرت في مواقعها تلك المتقدمة، وفي نهاية القرن العاشر الهجري دخل جزء منهم وهم بنو الحارث: في تهامة بالقرن وقد بينت عنهم، انظر تهامة بالقرن، وفي هذا الشأن يقول شيخنا حمد الجاسر: "إن القبيلة العربية حيث تغادر موطنها القديم، قد يبقى من فروعها بقية في ذلك الموطن سواء احتفظ هذا الفرع باسم القبيلة أم انضوى في قبيلة قوية استولت على موطن قبيلته التي نزحت. ويتضح هذا جليًّا في كثير من القبائل التي لا تزال مستقرة في سراوات الحجاز وفى بلاد اليمن، بحيث إن كثيرًا منها، لم تغادر مواطنها القديمة، ويرجع هذا إلى أسباب لعلَّ من أهمها: حصانة تلك المواطن وتماسك سكانها القبيلي" (١).

стр. 2366

قبائل بنو هلال في الجزائر أكثر عرب هلال (١) بن عامر في القطر الجزائري بالوقت الحاضر، وقد فصل عنهم المؤرخ الجزائري أحمد توفيق المدني في تاريخ الجزائر عام ١٣٥٠ هـ/ ١٩٣١ م والذي طُبع على نفقة الشعب الجزائري، وفصَّل عن الهلالية كالتالي: (أ) قبائل الأُثْبَج: فيها فروع كبيرة معروف اسمها منذ قدمت بني هلال من نجد وقد دخلت المغرب الأوسط بعد عام ٤٤٣ هـ ومن الفروع التي استقرت في الجزائر: دُريد - كرفة - العمور - الضحَّاك - عياد - لطيف. - أما دُرَيْد ففيهم بطون أشهرها: أولاد عطية، وأولاد سرور، وأولاد جار الله - وطوبة. كل هذه قبائل كائنة في القطر الجزائري بالوقت الحاضر. - أما كرفة ففيهم بطون أشهرها: بني محمد، والمروانية، ونابت (٢)، والحجيلات منهم كليب، وشبيب، وصباح، وسرحان. كل هذه قبائل كائنة في القطر الجزائري بالوقت الحاضر. - أما العمور (٣) ففيهم بطون أشهرها نوة، وبني قُرَّة، وعبد الله ومنهم محيا، وأولاد زكري، وأولاد فارس، وأولاد عزيز، وأولاد ماضي. كل هذه قبائل كائنة في القطر الجزائري بالوقت الحاضر. - أما الضحَّاك وعيَّاد فمنهم بطون: محيا، وضيفل، وبني الزبير، وخراج، وأولاد صخر، ورحمة، ومرتفع وفيهم أولاد حماس وأولاد قندوز وأولاد عبد السلام وأولاد طيلان.

стр. 2367

وكلها قبائل كائنة في القطر الجزائري بالوقت الحاضر. - أما لطيف فمنهم بطون: يتامى ومنه بنو جلال، وبنو خليل، وبنو مطرف. وأولاد لقمان ومنه برَّاز، وجرير. وكلها قبائل كائنة في القطر الجزائري بالوقت الحاضر. (ب) قبائل جُشَم (١): ومنهم فروع: عاصم - المقدم - جوشم. - أما جوشم فمنه خُلَّط، وجابر، وسفيان ومنه الحرث وكلابيا والأخير منه أولاد مطاع. وكلها قبائل كائنة في القطر الجزائري بالوقت الحاضر. قلت: جُشَم هو بن بكر بن هوازن، مثل هلال، ولكن قد غلب اسم الهلالية على جُشَم للكثرة في بلاد المغرب من هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن. (ج) قبائل رياح: ومنهم فروع: مرداس - علي - عامر - سعيد. - أما مرداس فأشهر بطن هو الدواودية ومنهم: عساكر بن سلطان، ومسعد بن سلطان وتفرع من عساكر ومسعد قبائل أولاد محمد - أولاد سبع - أولاد صولة. والبطن الثاني سنبر، والبطن الثالث مغنَّم، والبطن الرابع عامر ومنه: موسى - محمد - جابر. وكل هذه القبائل لها كيان في القطر الجزائري بالوقت الحاضر. - أما علي فأشهر بطنين هما فطر، ودحمان والأخير من المناقشة. - وأما عامر ففيه الخضر.

стр. 2368

- أما سعيد فأشهر بطن هو أولاد يوسف ومنه: بحور، وريوط، والمخادمة. وكل هذه قبائل لها كيان في القطر الجزائري بالوقت الحاضر. (د) قبائل زُغْبَة: ومنهم فروع: مالك (١) - يزيد - حُصين - عامر - عروة. - أما مالك فمنه بطن سويد، وديالم، وبخيس، وعطاف. أما سويد فمنه: أولاد ميمون، وحوطة، وصبيح، وفليته، وشبابة وفيهم حساسنة، ومجاهر وفيهم ابن رحمة، وأبو كامل، ومالك، وشفاعي، ورفيع، وهبة، وحمدان. وأما عطاف وفيهم بنو يعقوب، وديالم وفيهم عكرمة، وزياد، وموال وفيه الدشاخنة. وكل هذه قبائل لها كيان في القطر الجزائري بالوقت الحاضر. - أما يزيد فمنه بطون أولاد لاحق، ومعافى، وبنو موسى، وخشنة، وحميان، ومربع، وحرز، وجواب، وسعد ومنه الزرلي، وبنو ماضي، وبنو منصور. وكل هذه قبائل لها كيان في القطر الجزائري بالوقت الحاضر. - أما حُصين فمنه بطون قراش، وجندل ومنه أولاد طرف، وأولاد فرج، وأولاد مسعود. وكلها قبائل لها كيان في القطر الجزائري بالوقت الحاضر. - أما عامر فمنه بطن الصقر ومنه: سليمان، وحجازي، وميمون، وعبد الله، وزائر، وعلي ومن عامر بطن يعقوب، ومن عامر بطن شفاعي ومنه مطرف، وشكارة ومن عامر بطن حميد ومنه أولاد سيد العبدلي، والغرابة، والحشم. وكلها قبائل لها كيان في القطر الجزائري بالوقت الحاضر. - أما عروة فمنه بطون التذر، وحميص. والتذر فيه الصحارى، وشريفة، والحماقنة، وأولاد خليفة، وأولاد سليمان، وبنو زيان.

стр. 2369

وحميص فيه يقظان، وفذر (أولاد نائل)، وعبيد الله. وذكر المدني عن قبائل عدي (١) العدنانية والمِعقِّل (٢) القحطانية، ففي الوقت الحاضر موجود في القطر الجزائري من المعقل: (أ) صقيل ومنه الثعالبة، وعبيد الله. - أما الثعالبة ففيهم خراج، وحجاج وفيه أولاد عثمان، ومطرفة، وغوسل، وجاونة. (ب) محمد ومنه بنو مختار، وبنو منصور. - أما مختار ففيه بنو حسان، ورقيطات، وشبعانات وفيهم بنو علي وبنو ثابت. - أما بنو منصور ففيه أولاد بو الحصين، وحُصين، وعمران، ومؤبت ومنه أحلاف.

стр. 2370

الهلاليون في تونس الخضراء ذكر المؤرخ التونسي محمد المرزوقي (١) في كتاب ثورة المرازيق ص ١٧ أن عربان الهلالية - أبناء عمومة بنِي سُلَيْم - لم يبق لهم في تونس إلا عدة أحياء بالوقت الحاضر، وينسبون إلى دُرَيْد ورياح وهم منتشرون في شمالي تونس. قلت: ومن أعلام رياح في البلاد التونسية في القرن التاسع عشر الميلادي إبراهيم الرياحي الفلالي ١٧٦٦ - ١٨٥٠ م (٢) وهو فقيه مالكي ولد في تستور ونشأ في تونس، وولي رئاسة الفتوى، وله مؤلفات عدة. وفي كتاب سيرة بني هلال ذكر فروع الهلالية في شمالي تونس كالتالي (٣): (١) قبيلة رياح: ومن فروعها: الصميدية والدعاجة وأولاد الأمير وأولاد الحاج والخرايصية والعبادلية والحمايدية وأولاد سيدي عبد النور والمساعيد. وديارها معتمدية مجاز الباب من ولاية باجة. (٢) قبيلة دُريد: ومن فروعها: أولاد جويّن وأولاد عرفة وأولاد مناع وبنو رزق. وديارها معتمدية مجاز الباب من ولاية باجة. ومن دريد أيضا في ولاية الكاف وأهم فروعها: أولاد خليفة وأولاد حربي وأولاد خالد وأولاد عباس وأولاد فتوح وأولاد قاسم وأولاد ميمون وأولاد موسى. (٣) قبيلة أولاد يعقوب: ومن فروعها: بني وائل وأولاد المهدي والشبارية. الهلاليون في السودان ذكر نعوم شقير في تاريخ السودان: أن قبيلة الزيادية تنسب إلى أبي زيد الهلالي الفارس الشهير في منتصف القرن الخامس الهجري. وقال: إن قبيلة الزيادية تقيم في مليط بإقليم دارفور غرب السودان ويتاجر أفرادها في الملح والنطرون، وهناك فرع كبير منها يسمى (فضل) أغلب أفراده يزرعون الأرض ومركزهم سان كرو وهي جنوب شرقي الفاشر.

стр. 2371

ما ذكره الدكتور عبد المجيد عابدين عن بني هلال (١) ذكر عن بني هلال في مصر قائلا: فأما بنو هلال فإنهم من هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. وكان بنو هلال أهل بلاد الصعيد كلها إلى عيذاب (أسوان)، وبإخميم منهم بنو قرَّة، وبساقية قلتة منهم بنو عمرو، وفي بني هلال عدة بطون منهم بنو رفاعة وبنو حجير وبنو عزيز، وبأصفون وإسنا بنو عقبة وبنو جميلة. وذكر عن الحلف الهلالي قائلا: قام هذا الحلف في فترة تزعزعت فيها القيم والأفكار إلى حد كبير، وكان لحركة القرامطة التي اتخذت مسرحها شرقي شبه جزيرة العرب، أثر في ذلك، إذ أدخلت على المجتمعات الإسلامية في ذلك الحين أفكارًا غريبة عنها، وقد انضم إلى القرامطة في شرقي الجزيرة العربية قبيلتا بني هلال وبني سُلَيْم، ولم يكن لانضمام هؤلاء البدو إلى حركة كهذه أثر يذكر في عقائدهم، اللهم إلا ما ظهروا به من رغبة في الشغب، وخضوع لإرادة غير موجهة، وكان منهم جماعة تنتشر في طريق الحج المؤدي إلى مكة لقطع الطريق والإغارة. وحدث أن تغلب بنو الأصفر على البحرين في سنة ٣٧٨ هـ باسم العباسيين وطردوا منها بني سُلَيْم الذين كانوا أعوانا للقرامطة حيححذ، ورأى الفاطميون أن يستعينوا بهؤلاء الأعراب الأشداء، فشجعوهم على الهجرة، فيقول ابن خلدون: ولما تغلَّب شيعة ابن عبيد الله المهدي على مصر والشام، وكان القرامطة قد تغلبوا على أمصار الشام فانتزعها العزيز منهم وغلبهم عليها وردهم على أعقابهم إلى قرارهم بالبحرين، ونقل أشياعهم من العرب من بني هلال وبني سُلَيْم، فأنزلهم بالصعيد وفي العدوة الشرقية من نهر النيل فأقاموا هناك.

стр. 2372

كانت هذه الموجات أعدادا هائلة، ولعل بني سُلَيْم كانوا أكثر من الهلاليين عددًا وقد تحولوا جميعًا إلى مصر وإفريقيا حتى لم يبق لهم عدد ولا بقية ببلادهم (١) وامتلأت بجموعهم الجهات الشرقية من الحوف الشرقي والصحراء الشرقية حتى بلغوا الصعيد الأعلى. ولبثوا كذلك زمنا، وانضم إليهم جماعات شتى من القيسية والسبئية مثل فزارة من القيسية، والمعقل من اليمنية، وبطون أخرى من القيسية، وصار اسم (بني هلال) علما على هذه الجماعات المتنوعة المتحالفة، ولعل السبب في هذه التسمية ما كان لهلال في ذلك الحين من نصيب في زعامة هذه الجماعات، وربما كان لسهولة الاسم ودورانه على الألسنة دخل في ذلك. ورأى الفاطميون الفرصة سانحة لاستغلال هذه القوة الكبيرة في محاربة دولة بني باديس بالقيروان والمهدية من بلاد المغرب، وكان مؤسسها الحقيقي المعز بن باديس قد أعلن انفصاله عن الفاطميين وخلع طاعتهم، فعزم وزير الفاطميين في ذلك الوقت أبو محمد الحسن بن علي اليازوري على تسيير الجموع الهلالية وحلفائهم إلى المعز لقتاله، ولبثت هذه الجموع تملأ فضاء الجانب الشرقي من مصر عشرات من السنين وكانوا حينئذ كما وصفهم المقريزي (أهل بلاد الصعيد إلى عيذاب) وكانوا قد أحدثوا الشغب وأثاروا القلاقل في هذه المنطقة، فأذن اليازوري لهم في عام ٤٤٢ هـ للعبور إلى الجانب الغربي من النيل، والانتقال إلى بلاد المغرب لملاقاة المعز بن باديس، وكانت لهم هناك أحداث مثيرة ذكرها المؤرخون. ويهمنا في هذا المقام أن نقرر أن هذه الجموع الهلالية لم ترحل كلها إلى بلاد المغرب، فقد آثر بعضها البقاء في مصر والإقامة بالحوف الشرقي شمالا، وبالصعيد الأعلى في أقصى الجنوب ولا نعرف من الشواهد ما يدل على أنهم سكنوا أيضًا الصعيد الأدنى أو الأوسط، ولعل اختيارهم لمنطقة الصعيد الأعلى، يرجع إلى غنى هذه المنطقة في ذلك الحين، فمن المظاهر الواضحة أن الوادي الخصيب لا يتسع في الجانب الشرقي للنيل إلا عند الصعيد الأعلى.

стр. 2373

وهذا دعاهم إلى الإقامة والاستقرار والتطور من البدو الضاربين فيما يشبه الصحراء إلى فلاحين يزرعون الأرض ويتجرون في غلاتها، وإن احتفظوا بإثارة من الفروسية، تبدو في إجادتهم ركوب الخيل، وما يشتجر من فتن وحروب، ومنها ما يقع بين أحياء القفر، أما في الحوف الشرقي فلا تزال آثارهم شاخصة إلى يومنا هذا. وعن حروب بني هلال في الصعيد، ففي عام ٧٤٩ هـ نشب نزاع بين عرك من جُهينة وبين بني هلال، وقد تدخل المماليك في هذا النزاع، ومالأوا بني هلال، وقتل عدد كبير من المماليك وأمرائهم في هذا الحادث، وكان هذا إيذانا بحرب عنيفة بين المماليك والعركيين وحلفائهم. وأضاف عن انتقال بعض بني هلال إلى بلاد السودان قائلا: سكن بنو هلال وحلفاؤهم صعيد مصر الأعلى منذ عهد الفاطميين كما أشرنا من قبل. وإن مجاورة هذه المنطقة لبلاد السودان هي مما يقوي الاحتمال بأن جماعات منهم قد نزحت إلى السودان في أزمان مختلفة، ولكن يبدو أن هذه الجماعات كانت قليلة متفرقة ولاسيما في شرق السودان، بحيث لم تستطع أن تحتفظ بكيانها زمنًا طويلا، فاندمج معظمها في مجموعات أخرى وصار الانتساب إليهم قليلا محدود الأثر، أما في غرب السودان، فإن التأثير السلالي يظهر بصورة أقوى وأوضح لسبب سنذكره بعد قليل. ومع هذا فإن ذيوع سيرة الهلاليين وتردد أصداء قصة أبي زيد وتغريبة بني هلال في المجتمعات العربية في السودان شرقًا وغربًا، كان له أثر بالغ في حياة عرب السودان الاجتماعية والثقافية، والراجح أن السودان عرف الهلاليين بعد أن ذاع صيتهم على أثر الغزوات التي قاموا بها في شمالي إفريقيا واشتهار أبي زيد الهلالي في البوادي والقرى العربية، ومن هذا ندرك أن تأثير الهلاليين في السودان لم يكن وليد تغلغل النسب الهلالي وحده، بل كان كذلك نتيجة تعلُّق عرب السودان بسيرة أبي زيد الهلالي والشخصيات التي لعبت دورًا فيها، فالتأثير له جانبان، سلالي وجانب قصصي. ومن الطريف أن معظم روايات غرب السودان، تكاد تتفق على أن الهلاليين

стр. 2374

وفدوا على السودان من طريق الشرق من بلاد العرب إلى كسلا، ثم عبروا النيل الأبيض واتجهوا إلى غرب السودان، ثم واصلوا رحلتهم إلى بلاد تونس لمحاربة المغاربة. ومن الواضح أن هذه الروايات هي "محاكاة محلية" لقصة تغريبة بني هلال، أو قل هي تحوير نسجته الروايات لتجعل السودان طريقا لتغريبة بني هلال، وعلى هذا لا نستطيع أن نعتمد على هذه الروايات من الناحية التاريخية، ومن الملاحظ أن معظم الجماعات التي تنتسب إلى الهلاليين أو إلى أبي زيد الهلالي، يعيشون الآن في غرب السودان، فإذا اتجهنا إلى الشرق وجدنا التأئير القصصي أقوى من التأثير السلالي، ولو أن الهلاليين قد دخلوا حقا بجموعهم من طريق الشرق إلى الغرب وسلكوا هذا الطريق الذي وصفته الروايات، لكان من المنتظر أن نجد لهذه الجموع بقايا في شرق السودان ينتسبون إلى بني هلال أو إلى أبي زيد، وهذا ما لا نجده إلا في القليل النادر، ومن الراجح لدينا أن الهلاليين دخلوا السودان بعد التغريبة بزمن قصير، وأنهم اتخذوا طريق وادي النيل، ثم انحرفوا غربا على امتداد وادي الملك إلى كردفان ثم دارفور، ويحدثنا المقريزي أن بني هلال كانوا من جملة عربان الصعيد الذين اشتركوا في حملة السلطان قلاوون في عام ٦٨٦ هـ الموافق ١٢٨٧ م على بلاد النوبة، وأن الحملة انقسمت إلى فرقتين، فرقة منها اتبعت البر الغربي من النيل، والأخرى سارت من البر الشرقي. وليس ببعيد أن يكون بنو هلال قد اتخذوا طريق البر الغربي مع الفرقة الأولى ثم استقروا في غربي السودان. وفي غرب السودان نجد عددا من الجماعات تنتسب إلى الهلاليين أو إلى أبي زيد منهم: التنجور، والفور، والرزيقات، وهلالية البرقد، والزيادية. وبالإضافة إلى التأثير السلالي في هذه الجماعات نجد التأثير القصصي يتمثل في رواياتهم وفي بعض الأحيان يمتزج اللونان من التأثير بحيث يصعب على الباحث أن يميز بينهما، ومع هذا فليس هناك ما يدعو إلى الشك في نسبتهم إلى الهلالية، كما صنع ماك مايكل، إذ إن اختلاط الجانبين من التأثير - أحيانا - لا يعني بحال الشك في صحة انتساب هذه الجماعات أو أصولها الأولى إلى الهلاليين جملة وتفصيلا.

стр. 2375

وإلى جانب هذه الجماعات التي انتسبت إلى بني هلال أو إلى أبي زيد؛ نجد وحدات من الحلف الهلالي القديم تنتقل إلى السودان وتحمل كل وحدة منها اسمها الخاص مثل بني سُلَيْم وبني فزارة الذيبن كانوا من حلفاء هلال من البداية، وفي السودان اليوم قبيلة تعرف باسم بني سُلَيْم تنتمي إلى مجموعة البقارة وتعيش على النيل الأبيض من جهة الغرب في أرض كردفان، أما بنو فزارة فقد أطلق النسابون اسمهم على مجموعة تعيش في الجهات الشرقية والوسطى من كردفان وهي تتألف من العشائر الآتية: دار حامد، وبني جرار، والبزعة، والشنابلة، والمعاليا، وقد عرفت هذه المجموعة باسم فزارة في القرنين الماضيين، أما اليوم فقد انتشر عقدها فصارت وحدات منفصلة كل وحدة تُسمى باسمها الخاص. وفزارة قبيلة قيسية كان منها بطون في صعيد مصر والوجه البحري، ولا تزال قرى تحمل اسمهم في مصر، ففي الصعيد فزارة التابعة لمديرية جرجا، والفزارية التابعة لمنفلوط وغيرها. ويبدو من دراسة المجموعة الفزارية في السودان أن لبعضها - على الأقل - صلة ببني هلال، ففي روايات دار حامد أن جدهم حامدًا حين قدم إلى غرب السودان لقي أبا زيد الهلالي فاستشاره في المكان الذي يتخذه مقاما له، فأشار عليه بسكنى بقعة معينة في كردفان. والزيادية ينتسبون إلى اليوم لأبي زيد الهلالي. والبزعة يزعمون أنهم جاءوا أصلا من شمالي إفريقيا، ولا نعرف إن كانوا من الحلف الهلالي الذي جنح إلى المغرب أو كانوا من غيره، وبنو جرار يربطون نسبهم بالبزعة، أما التأثير القصصي للهلالية في السودان، فهو عام في الشرق والغرب، كما قلنا. ويتمثل فيه أبوزيد مغامرًا طوافًا خبيرا بمسالك السودان ومجاهله، بطلا شجاعًا يضرب به المثل فيقال: "فارس هلاله" ويتمثل به الشعراء في مدح أبطالهم، وله قصص في الحب جعلوا مسرحها في السودان، وربط رواة السودان بين أحمد سفيان مؤسس أول سلطنة إسلامية في دارفور، وبين أبي زيد، فزعموا أن أحمد هو أخو أبي زيد وأن أباهما هو الأمير رزق الذي لعب دورًا في قصة أبي زيد الهلالي، وأن رزقا هذا في بعض الروايات هو جد قبائل الرزيقات في غربي السودان وإلى جانب هذا الطابع المحلي في التأثير القصصي، نجد الرواة يعرفون القصة الشائعة في سائر الأقطار العربية، ويقصُّونها في المجالس.

стр. 2376

ما قاله مبارك بن محمد الهلالي الميلي (١) عن نزوح الهلاليين إلى المغرب جاء العرب أولا إلى المغرب فاتحين منظمين معمرين (بالمعنى اللغوي لا السياسي المستعمل اليوم) مقتصرين على سكنى المدن غير مزاحمين للبربر في أراضيهم، وتمرن البربر على عهدهم في الشؤون الدولية حتى تبوأوا المناصب العالية أيام العبيديين فلحق كثير من العرب بالمشرق، ومن بقي منهم بقي خاملا. فالعبيديون هم الذين أخرجوا العرب من المغرب، ثم كانوا هم الذين أعادوهم إليه لما نبذ الصنهاجيون طاعتهم، لكن هؤلاء العرب جاءوا منتقمين من البربر مزاحمين لهم في أوطانهم لا في سلطانهم. وهؤلاء العرب هم بنو سُلَيْم وبنو هلال وأحلافهم من جُشَم والخُلَّط والمعقل، وتجتمع هذه القبائل غير المعقل في منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلاق (بالعين المهملة) بن مُضَر. فسُلَيْم هو ابن منصور، يقال أنه كان في أوائل القرن الثالث للميلاد، وجُشَم هو ابن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور، وهلال هو ابن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن، ويقال أنه كان أوائل القرن الخامس للميلاد، والخُلَّط من بني المنتفق بن عامر بن عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. وأما المعقل فينسبون أنفسهم إلى جعفر بن أبي طالب، ونسابة بني هلال يعدونهم في بطونهم. قال ابن خلدون: "والأنسب أن يكونوا يمنيين من المعقل واسمه ربيعة إحدى بطون مَذْحِج" ا هـ. وموطن سُلَيْم فيما بين المدينة وخيبر وتيماء، ومجال هلال في بسائط الطائف إلى جبل غزوان شرقي مكة، وجُشَم حيث هلال وبقية هوازن، وبنو المنتفق بأرض تيماء من نجد، والمعقل بالبحرين. هذه مواطنهم في الجاهلية، وبعد الإسلام حافظوا عليها مع توسعهم في غيرها.

стр. 2377

وفي ولاية عبد الله بن الحبحاب انتقلت طائفة من سُلَيم إلى مصر، ثم لحق بهم أحياء من هلال وأحلافهم، واشتغلوا بالفلاحة والكسب، فراشوا وكثروا. ودخل إخوانهم بالجزيرة في دعوة القرامطة سنة ٣١٦ وحارب الفاطميون القرامطة بالشام، وانتصر عليهم العزيز بن المعز، فنقل كثيرًا من سُلَيْم وهلال إلى صعيد مصر، وأمعن في نقل هلال بحيث لم يبق منهم بنجد إلا العاجز عن الحرب ونزل بنو قرة من هلال ببرقة. كانت هذه القبائل بادية ظواعن، أشرف أعمالهم الغارة وأطيب مكاسبهم النهب، لم يتهذبوا بآداب الإسلام، ولم يقدر على إخضاعهم لا الأمويون ولا العباسيون ولا الفاطميون، فأكثروا من الفساد، وتضرر بهم العباد والبلاد. هذه الصورة موجزة من خبر هذه القبائل قبل دخولها المغرب، وكان حظ الجزائر منهم بعد نزوحهم إلى قبيلة هلال وأحلافها، ولم يدخلها من سُلَيْم إلا القليل؛ ولهذا اقتصرنا في عنوان الباب على بني هلال. نزوح الهلاليين إلى إفريقيا كان بنو عبيد بمصر يدبرون الثورات بالمغرب كي لا يفقدوا نفوذهم منه. فساء ذلك ملوك صنهاجة وخشوا إن قطعوا دعوتهم أن يوجدوا السبيل على سلطانهم لمنافسيهم من أقربائهم ومشاقيهم من كتامة وغيرها، ولما ولي المعز بن باديس نصر أهل السنة وهم أكثر السكان وأضعف الشيعة حتى لا يستطيعوا مقاومته متى قطع دعوة بني عبيد. وكان وزير بني عبيد المتحكم في دولتهم أبا القاسم الجرجرائي فطمع المعز في استفساده عليهم، ولكن لم ينل معه مراده، وتوفي سنة ٤٣٨ هـ فخلفه اليازوري، وكان دونه شأنًا. فاستخف به المعز وخاطبه بما أحفظه، فأظلم الجو بينهما، وأعلن المعز الدعاء لبني العباس سنة ٤٤٠ هـ وعجز كل من بني عبيد بمصر وشيعتهم بالمغرب عن إعادة الدعوة العبيدية بإفريقيا. فرأى اليازوري أن يرسل على المعز عرب الصعيد، فإن ظفروا به وإلا فلها ما بعدها. وفي سنة ٤٤٢ هـ أذن اليازوري لعرب الصعيد بإجازة النيل، ورغبهم في أرض المغرب وأعان من أجابه منهم ببعير ودينار، وأقطع زغبة طرابلس وقابس،

стр. 2378

ورياحا القيروان وباجة، ودريدا قسنطينة، وكتب إلى المعز: "قد أنفذنا إليكم خيولا فحولا وأرسلنا عليها رجالا كهولا ليقضي الله أمرًا كان مفعولا". نزل رعيل العرب برقة، وأعجبتهم أرضها، فكتبوا إلى إخوانهم بالصعيد يرغبونهم في اللحاق بهم، ولكن حكومة بني عبيد لم تأذن لهم هذه المرة إجازة النيل إلا بأداء دينارين لكل شخص، فأخذ القادرون على الأداء في الرحيل حتى ضاقت بهم برقة، فبقي بنو سُلَيْم بها، وتقدم بنو هلال إلى إفريقيا. كان كل من بني عبيد وصنهاجة يجهلون نتيجة هذه الحملة، فاستكثر المعز من شراء العبيد حتى اجتمع له منهم ثلاثون ألفًا، وتقدمت رياح سنة ٤٤٣ هـ لامتلاك أقطاعها، فاحسن المعز إلى أميرهم مؤنس بن يحيى وأصهر إليه وأسكنه ببعض قصوره بالقيروان، فحسنت معه نية مؤنس وعاد تشاؤم المعز بمقدمهم تفاؤلا، ففكر في اتخاذ جند منهم يتقوى بهم علي بني عمه الحماديين. وعرَّفه مؤنس عواقب دخول العرب مملكتهم، وحذره فسادهم، فأبى إلا استقدامهم، فذهب إليهم مؤنس بدعوى المعز، فقدموا ولكن بدعوى المستنصر الفاطمي وأخذوا يعيثون في الأرض فسادًا. ساءت نية المعز مع مؤنس واتهمه بإغراء العرب على الفساد، فقبض على أخيه وأهله بالقيروان، فورم أنف مؤنس لفعلته، وجمع العرب ووضع بين أيديهم زربية قائلا: هل يستطيع أحد أن يبلغ وسطها دون أن يطأ حواشيها؟ قالوا: لا، قال كذلك القيروان لا نملكها إلا إذا ملكنا ضواحيها. استعد المعز لحرب العرب فجمع عبيده وقومه وبقايا عرب الفتح، واستمد ابن عمه الحمادي فأمده بألف فارس، واستنفر زناته، فأتاه منهم ألف فارس، ولحق برياح زغبة وعدي، وكانت جموع المعز أضعافهم، ولكن قد قيل قديمًا: "للكثرة الرعب وللقلة النصر". تزاحف الجمعان، فانخزل عرب الفتح إلى إخوانهم الهلاليين، وخانت زناتة وصنهاجة الحمادية، فترك المعز معسكره للعرب، وفر إلى القيروان، واستولى العرب على إفريقيا ومدنها مثل أبة والإربس وباجة، وخشي المعز على نفسه بالقيروان، فلحق في خفارة بعض أمراء العرب بالمهدية سنة ٤٤٩ هـ وذاق وبال

стр. 2379

سوء ظنه بمؤنس واغتراره بقوته. وتلاحق إلى الهلاليين إخوانهم بالصعيد ونجد، ودامت حركة الهجرة نحو نصف قرن، وموجتها في أتجاه نحو الغرب. الهلاليون بالجزائر تقدم الهلاليون وأحلافهم نحو الجزائر، فدخلوها من ثلاث جهات: الأولى جهة السواحل حيث تقطن كتامة ويضعف نفوذ صنهاجة أو ينعدم، تقدموا إليها من نواحي باجة، فانتشروا على ضواحي القالة وعنابة وقسنطينة إلى القل إلى جبال بابور. وتقدم الهلاليين في هذه الناحية أسبق منه في سواها، ولم نجد خبرًا عن دفاع كتامة لهم، فإما أن يكون بنو عبيد كتبوا إليها بتأييدهم، وإما أن تكون هي التي تقربت منهم نكاية في صنهاجة. وكلام الإدريسي عن مدن هذه الجهة يدل على حسن علائق أهلها مع العرب فالقالة كانت حالتها حسنة والعرب يمونونها بحبوبهم، وقسنطينة قال: إن أهلها مياسير، بينهم وبين العرب معاملات ومشاركة في الحرث والادخار. الجهة الثانية جهة الهضاب ما بين الأطلسين التلي والصحراوي، حيث الحكومة الحمادية ثابتة القدم، تقدموا إليها من نواحي الإربس وانتهوا أيام الإدريسي إلى وادي الساحل وجبال البيان. دافعتهم صنهاجة عن هذه الجهة. فغلبوها على الضواحي، وحصروها بالمدن الحصينة والقلاع المنيعة، فإن الإدريسي لما ذكر المدن الواقعة شمال أوراس ذكر أنها في حال سيئة من حصار العرب لها، قال في حصن ماوس: "حصن عامر بأهله، وكانت العرب تملك أرضه وتمنع أهله الخروج منه إلا بخفارة رجل منهم، ودار ملول شرقي طبنة على مرحلة منها، قال: "إنها مدينة عامرة بها حصن فيه مرصد مشرف على محال العرب يستطلع منه حركاتهم" ودار ملول ذكرها ياقوت بلفظ إرملول. وذكر الطريق من بجاية إلى قلعة بني حماد وعدد منازلهم، فلما بلغ الباب قال: "وهي جبال يمر بينها الوادي المالح، وهناك مضيق وموضع مخيف ومنه إلى حصن السقائف إلى حصن الناظور إلى سوق الخميس، وبه المنزل. وهذه الأرض

стр. 2380

كلها تجولها العرب وتضر بأهلها وسوق الخميس حصن بأعلى جبل وبه مياه جارية، ولا تقدر العرب عليه لمنعته، وبه من المزارع والمنافع قليل، ومنه إلى حصن مطماطة في أعلى جبل إلى سوق الإثنين وبه المنزل وهو قصر حصين. والعرب محدقة بأرضه وبه رجال يحرسونه مع سائر أهله، ومنه إلى حصن تافكلات (في غيره تافلكات) إلى تازكي (حصن صغير) إلى قصر عطية على أعلى جبل ثم إلى حصن القلعة مرحلة، وجميع هذه الحصون أهلها مع العرب في هدنة، وربما أضر بعضهم ببعض، غير أن أيدي الأجناد بها مقبوضة، وأيدي العرب مطلقة في الأضرار، وموجب ذلك أن العرب لها دية مقتولها وليس عليها دية فيمن تقتل" اهـ. الجهة الثالثة جهة الصحراء حيث تكثر خيام زناته الخاضعة لبني حماد. تقدموا إليها من ناحية سبيبة إلى تبسَّة، وانتشروا جنوب أوراس على قرى الزاب وانتهوا أيام الموحدين إلى مزاب وجبل راشد. دافعتهم زناته عن هذه الجهة، وكانت أملك للبأس من صنهاجة لبداوتها وتقارب ما بين حياتها وحياة العرب، فكانت بين الفريقين مواقف صعبة أكثر الهلاليون من ذكرها في أشعارهم، وقُتل في بعضها أبو سعدى خليفة اليفرني بالزاب، وهو قائد صاحب تلمسان من بني يعلى. قال ابن خلدون: "وتغلب العرب على الضواحي في كل وجه وعجزت زناته عن مدافعتهم بإفريقيا والزاب، وصار الملتحم بينهم في الضواحي بجبل راشد ومصاب" اهـ. ولما استتب الأمر للموحدين نزعت إليهم زغبة ونزلت مع بني بادين من زناته قبلة المغرب الأوسط من مزاب إلى جبل راشد، واتحدوا على دفاع ابن غانية الميورقي. قال ابن خلدون: "وانعقد بينهم حلف على الجوار والذب عن الأوطان وحمايتها من معرة العدو في اهتبال عرتها وانتهاز الفرصة فيها، وأقامت زغبة في القفار، وبنو بادين بالتلول والضواحي" اهـ. ولما ضعفت الدولة الموحدية المؤمنية ونشأت دولتا بني زيان وبني مرين احتاجت الدولتان إلى العرب لتعزيز سيادتهما، فدخل الهلاليون وأحلافهم شمال المغرب الأوسط من عمالة وهران.

стр. 2381

وهكذا تم للعرب استيطان الجزائر بالرهبة من سيوفهم أولا وبالرغبة فيها أخيرًا، فأقطع لهم ملوك البربر الإقطاعات وأجزلوا لأمرائهم الصلات، وأضيفت إفريقيا الشمالية إلى جزيرة العرب جنسيا بعد ما تبعتها دينيا وسياسيا. نتائج النزوح الهلالي أرسل الفاطميون الهلاليين إلى المغرب انتقامًا من المعز ودولة صنهاجة الشرقية فنزحوا إليه لا حبا في نصرة الفاطميين ولا بغضا في صنهاجة، ولكن طلبًا للرزق بالتقلب في بواديه بين الصحراء والتل. ولما دخلت رياح إفريقيا لم تبدأ بالشر حتى كان ما كان من قبض المعز على أسرة أميرها مؤنس، فحمل بسوء سياسته العرب على تنفيذ ما رسم لهم الفاطميون من تملك المناطق المعينة لهم. كان عدد من أجاز النيل من رياح وزغبة وعدي يربو على ألف ألف نفس، المقاتلة منهم نحو خمسين ألفًا وسلاحهم سيف ورمح وقوس ودرع، وكان البربر يفوقونهم عُددًا وعَددًا ولكن تخاذلوا أمامهم فاكتسب العرب صيتًا ملأ قلوب السكان رعبًا، والرعب أهم أسباب الفوز في الحرب. حصرت الحرب العرب في إفريقيا، ولم يزل إخوانهم يتواردون عليهم من المشرق، فضاق بهم ما احتلوه من الأوطان، ونتج عن ذلك خراب العمران وسوء حياة السكان، وأحصى عليهم الجغرافيون والمؤرخون حتى اقتلاع عود للوقود أو رفع حجر للأثافي. بقيت الجزائر في نجوة من فساد الهلاليين حتى حالف الناصر بن علناس قبيلة الأثبج وخرج لامتلاك تونس، فأغرى به ابن عمه تميم بن المعز بقية العرب وكانت وقعة سببية سنة ٤٥٧ هـ فهزم الناصر، وتبعه العرب إلى القلعة. قال ابن خلدون: "فنازلوها وخربوا جناتها واحتطبوا عروشها وعاجوا على ما هنالك من الأمصار مثل طبنة والمسيلة، فخربوها وأزعجوا ساكنيها، وعطفوا على المنازل والقرى والضياع والمدن فتركوها قاعًا صفصفًا أقفر من بلاد الجن وأوحش من جوف العير! وغوروا المياه واحتطبوا الشجر وأظهروا في الأرض الفساد" ا هـ.

стр. 2382

وفي قوله "أقفز من بلاد الجن وأوحش من جوف العير" مبالغة أجنبية عن أسلوب التاريخ، فإن الإدريسي تتبع الحملة الهلالية أحسن تتبع ووصف طبنة ومقرة والمسيلة وغيرها بالعمران. عجزت صنهاجة الغربية أمام الهلاليين كأختها الشرقية، وغلبوا أيضا زناته بالصحراء، ونشأ عن ذلك فوضى في الوطن، فانقطعت الصلة بين المدن بإخافة السبل، وفر الفلاحون من الضواحي، فوقفت التجارة والفلاحة، وانحصرت العمارة والأمن في السواحل شمال قسنطينة حيث لا شر بين العرب والبربر. وكان ضرر الحرب بالجزائر أقل منه بتونس وطرابلس؛ لأن الجزائر لم تكن هي المقصودة بهذه الحملة؛ ولم تطل بها مدة الحرب؛ وسواحلها حيث كتامة كانت منطقة سلم؛ ووسطها به معاقل منيعة وجبال حصينة؛ وجنوبها حيث اشتدت الحرب في صحراء ليس فيها كبير عمارة. والمسؤول عما لحق المغرب من أضرار الحرب هي صنهاجة التي لم تحسن سياسة هؤلاء العرب وجرأتهم عليها بما كان بين دولتيها من تنافس، وقد بالغ كُتَّاب العربية في تقدير تلك الأضرار ثم حمَّلوا الهلاليين مسؤوليتها؛ ذلك لأنهم كتبوا لدول بربرية ولم يكن للهلاليين حكومة تطمعهم في إنعامها، ولبداوتهم لم يهتموا بدعاية سياسية تنشر لهم أو عليهم، واتخذ كُتَّاب الفرنسية مبالغات كُتَّاب العربية سُلَّمًا لثلب العرب، وصاروا يطرون البربر بعد ما كانوا يقذفونهم بأشنع القذائف في الدورين الروماني والبيزنطي، واقتصر في هذا الغرض على كلمة واحدة للكاتب العسكري كاريت، حيث قال: "كان هجوم العرب الفاتحين كالإعصار يقتلع الأشجار ويهدم المنازل، وهجوم الهلاليين كالحريق الهائل الذي يذر الأشجار والمساكن رمادًا تذروه الرياح فما أبقاه الأعصار قضى عليه الحريق، وما بقي عن السياسة العربية قائما بالمغرب ذهب به الطبع العربي الهدَّام، فتمم الهلاليون أعمال التخريب التي ابتدأها الخلفاء الأولون" اهـ. قلت: أما تجد في هذه الجملة التي هي غيض من فيض ريح مسيحية القرون الوسطى وروح الاستعمار العصري؟ لعل كاريت تصور حربا أوربية لآلاتها المدمرة

стр. 2383

واستعار نتائجها لنتائج حرب سلاحها السيف والقوس، أو لعل عاطفته على هذا الوطن أمام الهجوم العربي استعمارها من إنسان كامل رأى الحملات الأوروبية على الأمم المستضعفة؛ اسمح لي أيها الكاتب أن أقول لك: لست بمؤرخ يحترمه القارئ ولا بسياسي يغر البربر فإنهم لا يرضون عن تحاملك على العرب ولا سيما الفاتحين. البربر يعلمون أن ما نتج عن هجوم الهلاليين ليس ناشئا عن عداوة جنسية أو قسوة حربية؛ ولذلك اختلطوا بهم وأخذوا عنهم عوائد اجتماعية وأخلاقا فاضلة أضافوها إلى عوائدهم وأخلاقهم، واستعرب كثير منهم لما وجدوا في العربية ثروة لفظية وأدبا راقيا إعانة على فهبم الدين، واستبدلوا بحياتهم حياة عربية. فكان نفوذ الهلاليين في البربر اجتماعيا لغويا جنسيا، كما كان نفوذ الفاتحين دينيا سياسيا، ويمتاز نفوذ العرب في غيرهم من الأمم بأنه غير ناشئ عن دعاية سياسية وأنه خالد خلود الراسيات لا يذهب بذهاب سلطانهم ولا توهن من قوته الدسائس الأجنبية، بل لا يكترث بها إلا اكتراث القائل: يا ناطح الجبل العالي ليوهنه … اشفق على الرأس لا تشفق على الجبل الحياة الهلالية الهلاليون بداة ظواعن، يسكنون بيوتا يستخفونها يوم ظعنهم، ويكسبون الخيل لركوبهم والأنعام لحمل أثقالهم والتغذي بألبانها واتخاذ الملابس والأثاث من أوبارها وأصوافها وأشعارها، ينتجعون بها الصحراء شتاء والتل صيفا ويبتغون الرزق في غالب أحوالهم من القنص وتخطف الناس في السبل، ويجمعون أيام كونهم بالتل الحبوب لقوت سنتهم. قال ابن خلدون: "وربما يلحق أهل العمران أثناء ذلك معرات من أضرارهم بإفساد السابلة ورعي الزرع مخضرا والتهابه قائما وحصيدا، إلا ما أحاطته الدولة وذادت عنه الحامية في الممالك التي للسلطان عليهم فيها سبيل. اهـ وتغلب الهلاليون على طرق القوافل، فلا يجتازها غيرهم إلا بخفارة أحدهم، فوقفت حركة البربر التجارية من هذه الناحية ولكن الهلاليين قاموا به أحسن قيام ووسعوا نطاق التجارة بين التل والصحراء.

стр. 2384

ولم يحافظ على حياة الظعن من الهلاليين إلا القبائل القوية وأحلافها، أما من ضعف منهم فكانوا ينزلون المدن والقرى البربرية أو يحدثون لأنفسهم قرى بالزاب والصحراء، ويشتغلون بالفلاحة ويستبدلون بالشاء البقر. وكانت زناته وبعض البربر على مثل هذه الحياة البدوية من قبل مجيء الهلاليين؛ لأنها حياة ناشئة عن طبيعة الوطن لا دخل للنسب فيها، ولتشابه الحياتين تأثر الهلاليون بزناته في بعض عوائدهم. قال ابن خلدون متحدثا عن العرب: "شعارهم لبس المخيط في الغالب، ولبس العمائم تيجانا على رءوسهم، يرسلون من أطرافها عذبات يتلثم قوم منهم بفضلها، وهم عرب المشرق، وقوم يلفون منها الليت والإخدع قبل لبسها ثم يتلثمون بما تحت أذقانهم من فضلها، وهم عرب المغرب حاكوا بها عمائم زناته من أمم البربر قبلهم، كذلك لقنوا منهم في حمل السلاح اعتقال الرماح الخطية وهجروا تنكب القسي، وكان المعروف لأولهم ومن بالمشرق لهذا العهد منهم استعمال الأمرين. "فهذه كلها شعائرهم وسماتهم، وأغلبها عليهم اتخاذ الإبل والقيام على نتاجها وطلب الانتجاع بها لارتياد مراعيها ومفاحص توليدها، بما كان معاشهم منها، فالعرب أهل هذا الشعار من أجيال الآدميين، كما أن الشاوية أهل القيام على الشاة والبقر، لما كان معاشهم فيها؛ فلهذا لا يختصون بنسب واحد بعينه إلا بالعرض؛ ولذلك كان النسب في بعضهم مجهولا عند الأكثر، وفي بعضهم خفيا عن الجمهور، وربما تكون هذه السمات والشعائر في أهل نسب آخر فيدعون باسم العرب" اهـ. ولسان الهلاليين مضري، حافظوا عليه ببداوتهم في المفردات والتراكيب ووجوه البلاغة وأساليب الخطاب. قال ابن خلدون: "وفيهم الخطيب المصقع في محافلهم ومجامعهم، والشاعر المفلق على أساليب لغتهم، والذوق الصحيح والطبع السليم شاهدان بذلك، ولم يفقدوا من أحوال اللسان المدون إلا حركات الإعراب في أواخر الكلم فقط" اهـ.

стр. 2385

وقد ذكر العبدري في رحلته - وهو من أهل القرن السابع الهجري - أن عرب برقة لم يزالوا يعربون أكثر أقوالهم، ويتحدثون بما يعد عند العلماء غريبا، وذكر ما سمعه من أقوالهم المعربة وألفاظهم الغريبة، وعلل ذلك بعدم اختلاطهم بالناس وقال: هم أفصح من عرب الحجاز وغيرهم. فلعل الهلاليين إنما فسد لسانهم بالجزائر لاختلاطهم بالبربر، ويشهد لذلك أننا نرى اليوم عرب الصحراء القليلي الاختلاط بغيرهم أصح عربية وأقوم مخارج حروف، وعرب السواحل المغمورين بالبربر أفسد نطقا بالحروف وأردى لغة، ومع هذا فالهلاليون أثروا من حيث اللغة في البربر ممثر مما تأثروا بهم. وذكر ابن خلدون أن بداة العرب شرقا وغربًا يمتازون عن أهل الحضر بأن مخرج القاف لديهم بين مخرجي الكاف والقاف الحضرية، ولم تزل هذه القاف البدوية لعهدنا، وهي مثل القاف الأعجمية التي نجدها في الأعلام البربرية والإفرنجية وغيرها، مثل بلقين وتاقرا وقسال وقوتية، وكان الأقدمون كالبكري يرسمونها جيمًا، فيقولون بلجين وتاجرا، ومن بعدهم كابن خلدون يرسمونها كافًا، فيقولون بلكين، وكُتَّاب عصرنا يرسمونها غينًا، فيقولون غسال وغوتية، وأنا أختار رسمها قافا إذ هي مثل القاف البدوية مخرجًا. وكانت أخلاق الهلاليين هي أخلاق الجاهلية بما فيها من حسنات وسيئات كالجود والشجاعة وعزة النفس وإباية الضيم وحفظ العهد وحسن الجوار والاعتراف بالجميل والتمدح بالغارة وبغض الصنائع والحرف. ومعارفهم هي معارف الجاهلية من عناية بالأنساب وكل ما يتصل بحياتهم البدوية، وليس لهم من الإسلام بعد الشهادتين كبير علم أو عمل، وقد تأثروا من هذه الناحية بالبربر، فنبذ القاطنون بالنواحي الخصبة حياة الغارة والفتن، وحيى فيهم الشعور الديني، وظهر منهم من دعا إلى السنة، ورابطوا في الثغور لحمايتها من النرمان، ولم يُعرف عنهم إعانة الكفار أو الاستعانة بهم حتى كانوا بنو زيان أواخر أيامهم يستعينون بعضهم على بعض لنيل الملك بالإسبان النازلين بوهران، فجروا معهم أحلافهم من عامر وزغبة القاطنين بنواحي وهران، فأصبحوا من بعد جندًا لنصارى الإسبان.
следующие страницы →