وهكذا تم للعرب استيطان الجزائر بالرهبة من سيوفهم أولا وبالرغبة فيها أخيرًا، فأقطع لهم ملوك البربر الإقطاعات وأجزلوا لأمرائهم الصلات، وأضيفت إفريقيا الشمالية إلى جزيرة العرب جنسيا بعد ما تبعتها دينيا وسياسيا.
نتائج النزوح الهلالي
أرسل الفاطميون الهلاليين إلى المغرب انتقامًا من المعز ودولة صنهاجة الشرقية فنزحوا إليه لا حبا في نصرة الفاطميين ولا بغضا في صنهاجة، ولكن طلبًا للرزق بالتقلب في بواديه بين الصحراء والتل.
ولما دخلت رياح إفريقيا لم تبدأ بالشر حتى كان ما كان من قبض المعز على أسرة أميرها مؤنس، فحمل بسوء سياسته العرب على تنفيذ ما رسم لهم الفاطميون من تملك المناطق المعينة لهم.
كان عدد من أجاز النيل من رياح وزغبة وعدي يربو على ألف ألف نفس، المقاتلة منهم نحو خمسين ألفًا وسلاحهم سيف ورمح وقوس ودرع، وكان البربر يفوقونهم عُددًا وعَددًا ولكن تخاذلوا أمامهم فاكتسب العرب صيتًا ملأ قلوب السكان رعبًا، والرعب أهم أسباب الفوز في الحرب.
حصرت الحرب العرب في إفريقيا، ولم يزل إخوانهم يتواردون عليهم من المشرق، فضاق بهم ما احتلوه من الأوطان، ونتج عن ذلك خراب العمران وسوء حياة السكان، وأحصى عليهم الجغرافيون والمؤرخون حتى اقتلاع عود للوقود أو رفع حجر للأثافي.
بقيت الجزائر في نجوة من فساد الهلاليين حتى حالف الناصر بن علناس قبيلة الأثبج وخرج لامتلاك تونس، فأغرى به ابن عمه تميم بن المعز بقية العرب وكانت وقعة سببية سنة ٤٥٧ هـ فهزم الناصر، وتبعه العرب إلى القلعة.
قال ابن خلدون: "فنازلوها وخربوا جناتها واحتطبوا عروشها وعاجوا على ما هنالك من الأمصار مثل طبنة والمسيلة، فخربوها وأزعجوا ساكنيها، وعطفوا على المنازل والقرى والضياع والمدن فتركوها قاعًا صفصفًا أقفر من بلاد الجن وأوحش من جوف العير! وغوروا المياه واحتطبوا الشجر وأظهروا في الأرض الفساد" ا هـ.
стр. 2382
وفي قوله "أقفز من بلاد الجن وأوحش من جوف العير" مبالغة أجنبية عن أسلوب التاريخ، فإن الإدريسي تتبع الحملة الهلالية أحسن تتبع ووصف طبنة ومقرة والمسيلة وغيرها بالعمران.
عجزت صنهاجة الغربية أمام الهلاليين كأختها الشرقية، وغلبوا أيضا زناته بالصحراء، ونشأ عن ذلك فوضى في الوطن، فانقطعت الصلة بين المدن بإخافة السبل، وفر الفلاحون من الضواحي، فوقفت التجارة والفلاحة، وانحصرت العمارة والأمن في السواحل شمال قسنطينة حيث لا شر بين العرب والبربر.
وكان ضرر الحرب بالجزائر أقل منه بتونس وطرابلس؛ لأن الجزائر لم تكن هي المقصودة بهذه الحملة؛ ولم تطل بها مدة الحرب؛ وسواحلها حيث كتامة كانت منطقة سلم؛ ووسطها به معاقل منيعة وجبال حصينة؛ وجنوبها حيث اشتدت الحرب في صحراء ليس فيها كبير عمارة.
والمسؤول عما لحق المغرب من أضرار الحرب هي صنهاجة التي لم تحسن سياسة هؤلاء العرب وجرأتهم عليها بما كان بين دولتيها من تنافس، وقد بالغ كُتَّاب العربية في تقدير تلك الأضرار ثم حمَّلوا الهلاليين مسؤوليتها؛ ذلك لأنهم كتبوا لدول بربرية ولم يكن للهلاليين حكومة تطمعهم في إنعامها، ولبداوتهم لم يهتموا بدعاية سياسية تنشر لهم أو عليهم، واتخذ كُتَّاب الفرنسية مبالغات كُتَّاب العربية سُلَّمًا لثلب العرب، وصاروا يطرون البربر بعد ما كانوا يقذفونهم بأشنع القذائف في الدورين الروماني والبيزنطي، واقتصر في هذا الغرض على كلمة واحدة للكاتب العسكري كاريت، حيث قال:
"كان هجوم العرب الفاتحين كالإعصار يقتلع الأشجار ويهدم المنازل، وهجوم الهلاليين كالحريق الهائل الذي يذر الأشجار والمساكن رمادًا تذروه الرياح فما أبقاه الأعصار قضى عليه الحريق، وما بقي عن السياسة العربية قائما بالمغرب ذهب به الطبع العربي الهدَّام، فتمم الهلاليون أعمال التخريب التي ابتدأها الخلفاء الأولون" اهـ.
قلت: أما تجد في هذه الجملة التي هي غيض من فيض ريح مسيحية القرون الوسطى وروح الاستعمار العصري؟ لعل كاريت تصور حربا أوربية لآلاتها المدمرة
стр. 2383
واستعار نتائجها لنتائج حرب سلاحها السيف والقوس، أو لعل عاطفته على هذا الوطن أمام الهجوم العربي استعمارها من إنسان كامل رأى الحملات الأوروبية على الأمم المستضعفة؛ اسمح لي أيها الكاتب أن أقول لك: لست بمؤرخ يحترمه القارئ ولا بسياسي يغر البربر فإنهم لا يرضون عن تحاملك على العرب ولا سيما الفاتحين.
البربر يعلمون أن ما نتج عن هجوم الهلاليين ليس ناشئا عن عداوة جنسية أو قسوة حربية؛ ولذلك اختلطوا بهم وأخذوا عنهم عوائد اجتماعية وأخلاقا فاضلة أضافوها إلى عوائدهم وأخلاقهم، واستعرب كثير منهم لما وجدوا في العربية ثروة لفظية وأدبا راقيا إعانة على فهبم الدين، واستبدلوا بحياتهم حياة عربية.
فكان نفوذ الهلاليين في البربر اجتماعيا لغويا جنسيا، كما كان نفوذ الفاتحين دينيا سياسيا، ويمتاز نفوذ العرب في غيرهم من الأمم بأنه غير ناشئ عن دعاية سياسية وأنه خالد خلود الراسيات لا يذهب بذهاب سلطانهم ولا توهن من قوته الدسائس الأجنبية، بل لا يكترث بها إلا اكتراث القائل:
يا ناطح الجبل العالي ليوهنه … اشفق على الرأس لا تشفق على الجبل
الحياة الهلالية
الهلاليون بداة ظواعن، يسكنون بيوتا يستخفونها يوم ظعنهم، ويكسبون الخيل لركوبهم والأنعام لحمل أثقالهم والتغذي بألبانها واتخاذ الملابس والأثاث من أوبارها وأصوافها وأشعارها، ينتجعون بها الصحراء شتاء والتل صيفا ويبتغون الرزق في غالب أحوالهم من القنص وتخطف الناس في السبل، ويجمعون أيام كونهم بالتل الحبوب لقوت سنتهم. قال ابن خلدون: "وربما يلحق أهل العمران أثناء ذلك معرات من أضرارهم بإفساد السابلة ورعي الزرع مخضرا والتهابه قائما وحصيدا، إلا ما أحاطته الدولة وذادت عنه الحامية في الممالك التي للسلطان عليهم فيها سبيل. اهـ
وتغلب الهلاليون على طرق القوافل، فلا يجتازها غيرهم إلا بخفارة أحدهم، فوقفت حركة البربر التجارية من هذه الناحية ولكن الهلاليين قاموا به أحسن قيام ووسعوا نطاق التجارة بين التل والصحراء.
стр. 2384
ولم يحافظ على حياة الظعن من الهلاليين إلا القبائل القوية وأحلافها، أما من ضعف منهم فكانوا ينزلون المدن والقرى البربرية أو يحدثون لأنفسهم قرى بالزاب والصحراء، ويشتغلون بالفلاحة ويستبدلون بالشاء البقر.
وكانت زناته وبعض البربر على مثل هذه الحياة البدوية من قبل مجيء الهلاليين؛ لأنها حياة ناشئة عن طبيعة الوطن لا دخل للنسب فيها، ولتشابه الحياتين تأثر الهلاليون بزناته في بعض عوائدهم. قال ابن خلدون متحدثا عن العرب:
"شعارهم لبس المخيط في الغالب، ولبس العمائم تيجانا على رءوسهم، يرسلون من أطرافها عذبات يتلثم قوم منهم بفضلها، وهم عرب المشرق، وقوم يلفون منها الليت والإخدع قبل لبسها ثم يتلثمون بما تحت أذقانهم من فضلها، وهم عرب المغرب حاكوا بها عمائم زناته من أمم البربر قبلهم، كذلك لقنوا منهم في حمل السلاح اعتقال الرماح الخطية وهجروا تنكب القسي، وكان المعروف لأولهم ومن بالمشرق لهذا العهد منهم استعمال الأمرين.
"فهذه كلها شعائرهم وسماتهم، وأغلبها عليهم اتخاذ الإبل والقيام على نتاجها وطلب الانتجاع بها لارتياد مراعيها ومفاحص توليدها، بما كان معاشهم منها، فالعرب أهل هذا الشعار من أجيال الآدميين، كما أن الشاوية أهل القيام على الشاة والبقر، لما كان معاشهم فيها؛ فلهذا لا يختصون بنسب واحد بعينه إلا بالعرض؛ ولذلك كان النسب في بعضهم مجهولا عند الأكثر، وفي بعضهم خفيا عن الجمهور، وربما تكون هذه السمات والشعائر في أهل نسب آخر فيدعون باسم العرب" اهـ.
ولسان الهلاليين مضري، حافظوا عليه ببداوتهم في المفردات والتراكيب ووجوه البلاغة وأساليب الخطاب.
قال ابن خلدون:
"وفيهم الخطيب المصقع في محافلهم ومجامعهم، والشاعر المفلق على أساليب لغتهم، والذوق الصحيح والطبع السليم شاهدان بذلك، ولم يفقدوا من أحوال اللسان المدون إلا حركات الإعراب في أواخر الكلم فقط" اهـ.
стр. 2385
وقد ذكر العبدري في رحلته - وهو من أهل القرن السابع الهجري - أن عرب برقة لم يزالوا يعربون أكثر أقوالهم، ويتحدثون بما يعد عند العلماء غريبا، وذكر ما سمعه من أقوالهم المعربة وألفاظهم الغريبة، وعلل ذلك بعدم اختلاطهم بالناس وقال: هم أفصح من عرب الحجاز وغيرهم.
فلعل الهلاليين إنما فسد لسانهم بالجزائر لاختلاطهم بالبربر، ويشهد لذلك أننا نرى اليوم عرب الصحراء القليلي الاختلاط بغيرهم أصح عربية وأقوم مخارج حروف، وعرب السواحل المغمورين بالبربر أفسد نطقا بالحروف وأردى لغة، ومع هذا فالهلاليون أثروا من حيث اللغة في البربر ممثر مما تأثروا بهم.
وذكر ابن خلدون أن بداة العرب شرقا وغربًا يمتازون عن أهل الحضر بأن مخرج القاف لديهم بين مخرجي الكاف والقاف الحضرية، ولم تزل هذه القاف البدوية لعهدنا، وهي مثل القاف الأعجمية التي نجدها في الأعلام البربرية والإفرنجية وغيرها، مثل بلقين وتاقرا وقسال وقوتية، وكان الأقدمون كالبكري يرسمونها جيمًا، فيقولون بلجين وتاجرا، ومن بعدهم كابن خلدون يرسمونها كافًا، فيقولون بلكين، وكُتَّاب عصرنا يرسمونها غينًا، فيقولون غسال وغوتية، وأنا أختار رسمها قافا إذ هي مثل القاف البدوية مخرجًا.
وكانت أخلاق الهلاليين هي أخلاق الجاهلية بما فيها من حسنات وسيئات كالجود والشجاعة وعزة النفس وإباية الضيم وحفظ العهد وحسن الجوار والاعتراف بالجميل والتمدح بالغارة وبغض الصنائع والحرف.
ومعارفهم هي معارف الجاهلية من عناية بالأنساب وكل ما يتصل بحياتهم البدوية، وليس لهم من الإسلام بعد الشهادتين كبير علم أو عمل، وقد تأثروا من هذه الناحية بالبربر، فنبذ القاطنون بالنواحي الخصبة حياة الغارة والفتن، وحيى فيهم الشعور الديني، وظهر منهم من دعا إلى السنة، ورابطوا في الثغور لحمايتها من النرمان، ولم يُعرف عنهم إعانة الكفار أو الاستعانة بهم حتى كانوا بنو زيان أواخر أيامهم يستعينون بعضهم على بعض لنيل الملك بالإسبان النازلين بوهران، فجروا معهم أحلافهم من عامر وزغبة القاطنين بنواحي وهران، فأصبحوا من بعد جندًا لنصارى الإسبان.
стр. 2386
وللقبائل الهلالية مناطق تتقلب فيها ظعنًا وإقامة، ولكل رئيس منها يُلقَّب أميرًا أو شيخًا أو سيدًا، والغالب أن يكون معه من قبيلته رئيس تابع له يُلقَّب رديفًا، وقلما تخرج رئاسة القبيلة من بيت إلى آخر، وللرئيس صفات يمتاز بها من كبر سن ورجاحة عقل وفصاحة لسان وفضل وجود، وليس للحكومة عزله إلا أن تكون قبيلته ضعيفة.
وكثيرًا ما تكون الحروب بين الهلاليين إما بين قبيلتين متجاورتين لأسباب أهمها التنازع على وسائل الحياة ولاسيما بالصحراء، وإما بين أفراد القبيلة الواحدة لأسباب أهمها التنازع على الرئاسة، ولا يفض الخصام كالحسام، وينتج عن هذه الحروب ضعف قبيلة واستعلاء أخرى، فتضطر الضعيفة إما للجلاء إلى ناحية أخرى وإما للاحتماء بقبيلة أقوى، فتضع القبيلة الحامية على المحمية عربية أو بربرية ضريبة معلومة يسمونها خفارة، وهي آية الشرف الحربي، واليوم لم يزل لبعض القبائل على غيرها خفارة يقبضونها باسم الشرف الديني، ويحرفون لفظها إلى غفارة كما حرفوا أصل وضعها.
وقد احتاجت الحكومات البربرية إلى القبائل العربية، فقربت رؤساؤهم بالمصاهرة والمجالسة، وأقطعتهم الأراضي، واعتمدت عليهم في جباية الخراج وتجنيد الجنود، وعرف العرب أن نعمتهم تلك لا تدوم إلا بضعف الحكومة فكانوا يحدثون لها المشاكل ويدبرون عليها الثورات، ويتحدثون ضدها متى خشوا قوتها نابذين ما بينهم من تراث، وينقسمون على الحكومات متى تعددت، وقد أصبحت الحكومات الحفصية والزيانية والمرينية كل منها تعتمد على قبائل عربية سلمًا وحربًا.
ولم تكن مشاغبة الهلاليين للحكومات البربرية لطمع في الملك أو طلب للفوضى. وإنما كانت لحفظ حياتهم البدوية، وكانت القبائل البربرية تتواثب على الملك إرضاء لشهوات زعمائهم لا لاختلاف مبادٍ أو تباين غايات، ونتج عن سياسة هذين الجنسين المشتركين في الدين والوطن نتائج سيئة عادت عليهم جميعهم بالوبال.
قال ابن خلدون: "وكان في هؤلاء العرب لعهد دخولهم إفريقيا رجالات يذكرون، وكان من أشهرهم حسن بن سرحان وأخوه بدر وفضل بن ناهض؛ وهم
стр. 2387
من دريد بن الأثبج، وماضي بن مقرب من قرة، وسلامة بن رزق من كرفة، وشبانة بن الأحيمر وأخوه صليصل من بني عطية من كرفة، وذياب بن غانم من بني ثور، ومؤنس بن يحيى من مرداس رياح لا مرداس سُلَيْم، وزيد بن زيدان من الضحاك، ومليحان بن عباس (وفي نسخة ثليجان بن عابس) من حِمْيَر، وزيد العجاج بن فاضل ويزعمون أنه مات بالحجاز قبيل دخول إفريقيا، وفارس بن أبي الغيث وأخوه عامر (وفي نسخة عابد) والفضل بن أبي على ينسبونهم في مرداس رياح كل هؤلاء يذكرون في أشعارهم، وكان ذياب بن غانم رائدهم في دخول إفريقيا ويسمونه لذلك أبا مخيبر، وشعوبهم لذلك العهد - كما نقلنا - هم زغبة ورياح والأثبج وقرة وكلهم من هلال بن عامر وربما ذكر فيهم بنو عدي، ولم نقف على أخبارهم، وليس لهم لهذا العهد حي معروف فلعلهم دثروا وتلاشوا وافترقوا في القبائل" اهـ.
الهلاليون ومواطنهم بالجزائر
العرب المستوطنون بالجزائر إنما هم الهلاليون وأحلافهم، أما سُلَيْم فإنما تقدمت منهم قبيلة عوف في أواخر القرن الثامن من تونس إلى ناحية عنابة، وأحلاف الهلاليين هم عرب المعقل وأحياء من فزارة وأشجع من بطون غطفان، وجُشَم بن معاوية بن بكر بن هوازن، وسلول بن مرة بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن، وعمرة بن أسد بن ربيعة بن نزار، وفي بعض نسخ ابن خلدون عترة بالتاء بدل الميم، وثور بن معاوية بن عبادة بن ربيعة البكاء بن عامر بن صعصعة، وعدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان بن مضر، وطرود بطن من فهم بن قيس عيلان.
هذا ما ذكره ابن خلدون، ولم يعتن بأخبار غير المعقل منهم، وعد باقيهم مندرجين في هلال، وفي الأثبج منهم خصوصًا، نعم طرود لم يزالوا معروفين باسمهم ودخلوا أرض سوف بعد ابن خلدون، ونقل كاريت عن ابن الرقيق أن السكاكين فيمن دخل مع الهلاليين، وسكون بطن من كندة إحدى القبائل اليمنية.
ولما أخذ ابن خلدون في شرح أحوال هؤلاء العرب قال: "ونخص منهم بالذكر من كان لهذا العهد بحية وناجعته، ونطري ذكر من انقرض منهم" اهـ.
стр. 2388
ونحن نقدم الكلام في المعقل ثم نقفي ببني هلال. تحيز المعقل منذ أمد قديم إلى الهلاليين، ودخلوا معهم المغرب في عدد دون المائتين ونزلوا غربيهم وانتشروا في الصحاري، فاعتزوا وعفوا وكثروا بمن اندمج فيهم من غير نسبهم من أشجع وفزارة وبني سُلَيْم. ومن بني هلال أحياء مع المعقل أيضًا من مسلَّم وسعيد والعمور وكرفة والمهاية وحصين.
ومواطنهم تمتد من قبلة تلمسان إلى المحيط الغربي إلى سجلماسة ودرعة حيث يجاورون الملثمين، وملكوا على زناته قصور توات وتامنطيت وتيقورارين وورقلة واقتضوا منهم الضرائب.
ومن بطونهم ذوو حسان بالسوس الأقصى، وذوو منصور بين ملوية ودرعة منهم العمارنة والمنبات بطنان يعرفون بالأحلاف، ومن بطون المعقل ذوو عبيد الله بن صقيل وإخوانهم الثعالبة من ثعلب بن علي بن بكر بن صقيل.
أما ذوو عبيد الله فمواطنهم بين تلمسان ووجدة إلى مصب وادي ملوية في البحر ومنبعث وادي صا من القبلة. ويبلغون في رحلتهم إلى تيقورارين وتوات ويجاورهم شرقًا بنو عامر من هلال، وبين القبيلتين حروب.
وهم بطنان الهداج والخراج، والهداج يجاورون ذوي منصور غربًا والخراج شرقًا، والخراج منهم الجعاونة أبناء جعوان، والغسل أبناء غاسول، والمطارفة أبناء مطرف، والعثامنة أبناء عثمان، ومن العثامنة أولاد عبد الملك وفيهم رئاسة الخراج ومعهم ناجعة من المهايا، ينتسبون تارة إلى المهايا من عياض وتارة إلى مهايا بن مطرف.
وأما الثعالبة فموطنهم بمتيجة. قال ابن خلدون: "ويظهر أن نزولهم لها حين كان ذوو عبيد الله في مواطن عامر لهذا العهد، وكان بنو عامر في مواطن سويد، فكانت مواطنهم لذلك العهد متصلة بالتلول الشرقية، فدخلوا من ناحية قزول وتدرجوا إلى ضواحي المدية، ونزلوا جبل تيطري إلى أن ملك بنو توجين المدية وغلبوهم على تيطري، فنزلوا إلى متيجة" اهـ.
وذكر ابن خلدون انتساب المعقل إلى جعفر بن أبي طالب وفنده، ويظهر لي أن نسب جعفر في الثعالبة صحيح وأنه جعفر أخو عبد الله الكامل الذي ملك أبناؤه
стр. 2389
متيجة في القرن الثالث، فلا يبعد أنهم بقوا هنالك بعد ذهاب ملكهم حتى نزل عليهم الثعالبة.
وأما الهلاليون فقبائل عديدة وبطون كثيرة، ولضبط الحديث عنهم نعد هلالا شعبا، ونسلك في تفصيل فروعه الترتيب اللغوي الذي نظمه من قال:
الشعب ثم قبيلة وعمارة … بطن وفخذ والفصيلة تابعة
فقبائل هلال هي الأثبج ورياح ورغبة وقرة بن عبد مناف وكلهم أبناء أبي ربيعة بن نهيك بن هلال، وعمائر الأثبج هي دريد وكرفة وعياض والضحاك ولطيف والعمور والعاصم ومقدم، والعمارتان الأخيرتان نقلهم بنو عبد المؤمن إلى المغرب الأقصى كما نقلوا قبيلة قرة، وعمائر رياح هي مرداس وسعيد وعامر وعلي، وعمائر زغبة هي: يزيد وحصين ومالك وعامر وعروة.
١ - دريد، كانت إليهم رئاسة هلال، ومدحهم شعراؤهم، وكان منهم الحسن بن سرحان رئيس الأثبج أجمعين عند دخولهم إفريقيا، وأخته الجازية التي كانت تحت الشريف بن هاشم صاحب الحجاز، وولايته عليه من سنة ٤٣٠ إلى ٤٥٣ هـ ولهذا الشريف منها ابن اسمه محمد ولي الحجاز بعد أبيه، ولما أجمعوا الرحلة إلى إفريقيا تحيلوا في نقل الجازية معهم، وتزوجها بعده ماضي بن مقرب من قرة، واجتمع على حربهم من إخوانهم كرفة وقرة وعياض، وكان الظهور غالبا لدريد.
ومن بطونهم أولاد سرور وأولاد عطية وأولاد عبد الله، وأولاد عطية رئاستهم في فخذ أولاد مبارك بن حباس، ومن أفخاذ أولاد عبد الله وجار الله وتوبة، ورئاسة أولاد جار الله في فصيلة أولاد عنان بن سلَّام، ورئاسة توبة بين فصيلتي أولاد وشاح وأولاد مبارك بن عابر، وفي بعض نسخ ابن خلدون عابد بالدال بدل الراء، وهؤلاء أولاد مبارك هم فصيلتنا القاطنون بين بني تليلان وبني خطاب.
ومواطن دريد ما بين بونة وقسنطينة إلى طارف مصقلة وما يحاذيها من القفر، وطارف قرية ذكرها ياقوت، وكان أولاد مبارك بن حباس بتلة بن حلوف من ناحية قسنطينة، ثم غلبتهم عليها توبة زحفت إليهم. من طارف مصقلة فدثروا
стр. 2390
وتلاشوا، ثم قعدت توبة عن الظعن واستبدلت الشاه والبقر بالإبل، وعليها للسلطان غرامة وعسكرة، وأولاد سرور وأولاد جار الله مجاورون لتوبة وعلى سننهم في الحياة، هذه حالتهم في الجزائر لعهد ابن خلدون قبل ستة قرون.
٢ - كرفة، كان لهم جمع وقوة وبطونهم كثيرة منها بنو محمد بن كرفة، والمراونة بنو كثير بن مروان بن قطن بن كرفة، وأولاد نابت بن فاضل بن محمد بن كليب، والحدلجات أربعة بطون هم بنو كليب بن عطية بن قطن يعرفون بالكلبة بالباء أو الياء نسختان لابن خلدون، وبنو شبيب بن محمد بن كليب يعرفون بالشببة، وأولاد صبيح بن فاضل يعرفون بالصبحة، والسراحنة أولاد سرحان بن فاضل، ومن أفخاذ أولاد نابت أولاد مساعد وأولاد ظافر وأولاد قطيفة، ومن فصائل أولاد مساعد أولاد علي بن جابر بن مفتاح بن مساعد، وفيهم رئاسة كرفة.
وموطن الحدلجات بأوراس مما يلي زاب تهودا، وأولاد نابت أقطعهم الحفصيون جانب أوراس الشرقي والزيبان الشرقية، وبنو محمد والمراونة تلقاء أولاد نابت ظواعن في القفار، وكرفة كانوا محالفين لصنهاجة ثم الحفصيين، ولما ضعف نفوذ الحفصيين بالزاب انقبضوا إلى جبل أوراس، وقلما يظعنون إلى تخوم الزاب.
٣ - عياض، كان لهم عدد وقوة ومن بطونهم الزبر بنو زبير وأولاد صخر وأولاد رحمة والمهاية والخراج والمرتفع، ومن أفخاذ المرتفع أولاد حناش رئاستهم في فصيلة أولاد عبد السلام، وأولاد تبان رئاستهم في فصيلة أولاد محمد بن موسى، وأولاد عبدوس أو غندوس (١) نسختان لابن خلدون رئاستهم في فصيلة بني صالح، ورئاسة الخراج في فخذ أولاد زائدة بن عباس، ورئاسة المهاية في فخذ أولاد ديفل.
قال ابن خلدون: "وعياض نزلوا بجبل القلعة بني حماد وغلبوا قبائله على أمرهم وصاروا يتولون جبايتهم، وطول الجبل من المشرق إلى المغرب ما بين ثنية غنية والقصاب إلى وطن بني يزيد بن زغبة، فأوله مما يلي غنية للمهاية والزبر، وبعدهم المرتفع والخراج، ويلي الخراج غربًا أولاد صخر وأولاد رحمة وهذا آخر وطن الأثابج" اهـ.
стр. 2391
٤ - الضحَّاك، كانوا بطونًا كثيرة، وهم مفترقون على أميرين منهم هما أبو عطية وكلب بن منيع، ولأول دولة الموحدين غلب كلب أبا عطية واستقل بالرئاسة.
وكان نجعهم بالزاب، ثم تغلب عليهم الذواودة وأصاروهم في جملتهم، فعجزوا عن الظعن ونزلوا المدن.
٥ - لطيف، بطونهم كثيرة منها اليتامى وأولاد كسلان بن خليفة بن لطيف، واللقامنة أولاد لقمان بن خليفة، ومن أفخاذ اليتامى ذوو مطرف وذوو أبي الخليل وذوو جلال بن معافي، ومن أفخاذ اللقامنة أولاد جرير بن علوان بن محمد بن لقمان، وبرَّاز بن معن بن محيي.
وغلبتهم رياح والذواودة، فانتقل بعضهم إلى المغرب الأقصى ونزل فريق من برَّاز على العطاف من زغبة. وعجز الباقون عن الظعن فاتخذوا بالزاب الآطام والقرى ونزلوا مدنه مثل الدوسن وتهودة وبادس وغريبو وتنومة.
قال ابن خلدون: "ولهم عنجهية لم يفارقوها منذ أيامهم القديمة لهذا العهد، وبين المتجاورين منهم بقصور الزاب فتن متصلة، وعامل الزاب يدرأ بعضهم ببعض، ويستوفي جبايته منهم جميعًا" اهـ.
٦ - العمور، ليسوا من الأثبج وإنما هم ملحقون بهم، ويحتمل أنهم من عمرو بن عبد مناف بن أبي ربيعة بن نهيك بن هلال أو من عمر بن رويبة بن عبد الله بن هلال، قال ابن خلدون: "وليسوا من ولد عمر بن أبي ربيعة بن نهيك بن هلال" اهـ.
وهم بطنان مُرَّة وعبد الله، فمُرَّة على كثرتهم مفترقون في القبائل والمدن وحدانا، وعبد الله فخذان ماضي ومحمد، ومحمد فصيلتان عنان وعزيز، ومن عنان شكر وفارس، ومن شكر زكرير ومحيَّا.
وفي العمور فرسان وأكثرهم رجالة وليسوا في ولاء دولة ولا لهم رئاسة ولا ناجعة لافتراق كلمتهم، وبين أولاد شكر فتن متصلة، فحالف أولاد محيَّا سويد بن زغبة، وحالف أولاد زكرير بني عامر من زغبة.
стр. 2392
وموطن العمور يمتد من أوراس على الحضنة والصحراء إلى جبل راشد المضاف اليوم إليهم، وليس لهم سبيل إلى التل، ونزل أولاد شكر جبل راشد، ثم استقل به أولاد محيَّا، وطردوا منه أولاد زكرير إلى جبل كسال غربيه، وهو جبل يطل على البيض، وباقي العمور بسفح أوراس إلى مواطن غمرة غربا، وهم تحت طاعة رياح.
٧ - مرداس، بطونهم كثيرة منها الذواودة أولاد ذواد، وصنبر بن عقيل بن مرداس، ومسلَّم بن عقيل، وعامر بن يزيد بن مرداس، ومن الذواودة أولاد عساكر بن سلطان وأولاد محمد بن مسعود بن سلطان وأولاد سباع بن يحيى، ومن عامر بنو موسى وجابر وبنو محمد، ومن بني محمد مشهور ومعاو وعلي المُلقَّب سودان، ومن مسلَّم رحمان وأولاد جماعة وفيهم رئاسة مسلَّم بين أولاد شكر بن حامد بن كسلان بن غيث بن رحال بن جماعة، وبين أولاد زرارة بن موسى بن قطران بن جماعة.
وكانت رئاسة رياح لمرداس في صنبر قوم مؤنس بن يحيى، ثم صارت للذواودة وكان منهم مسعود بن سلطان وأخوه عساكر، واستمرت الرئاسة في عقبهما.
٨ - سعيد، من بطونهم أولاد يوسف بن زيد، ومن أولاد يوسف أولاد عيسى بن رحاب بن يوسف، وأولاد ميمون بن يعقوب بن عريف بن يعقوب بن يوسف، ورئاسة سعيد في أولاد ميمون ويرادفهم أولاد عيسى، وسعيد أحلاف لأولاد محمد من الذواودة.
ومع سعيد لفائف من المخادمة والغيوث وهم من ولد مخدم بن مشرف بن الأثبج، ومن نفاث إحدى بطون جُذام، ومن زنارة إحدى بطون لواتة من البربر.
٩ - عامر، منهم الأخضر، رئاستهم في أولاد ثامر بن علي بن تمام بن عمار بن خضر، والأخضر ومسلَّم من مرداس أحلاف لأولاد سباع بن يحيى من الذواودة ولم يتحدث ابن خلدون عن عمارة علي.
وبطون رياح كانت تنقلب من الجريد إلى القيروان إلى الزاب إلى المسيلة إلى ورقلة، ولهم أقطاع بالحضنة ونواحي قسنطينة وبجاية.
стр. 2393
١٠ - يزيد، بطونهم كثيرة منها جواب وبنو كرز وبنو موسى والمرابعة بنو مربع والخشنة بن خشين وحميان وأولاد لاحق وأولاد معافى وبنو سعد بن مالك بن عبد القوي بن عبد الله بن سعيد بن محمد بن عبد الله بن مهدي بن يزيد، ومنهم من يزعم أن مهديا هو ابن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وليس بصحيح، ولبني سعد ثلاثة أفخاذ هم بنو منصور بن سعد، وبنو ماضي بن رزق بن سعد وبنو زغلي بن رزق.
ولبني يزيد محل من زغبة بالكثرة والشرف وللدول بهم لذلك عناية وهم أول من أقطعتهم الدول بالتلول والضواحي، وكانت رئاستهم لأولاد لاحق ثم لأولاد معافى ثم صارت لبني سعد واختص بها منهم بنو زغلي.
ويزيد مجاورون غربًا للأثبج ورياح، يقطنون سهل حمزة والدهوس وأرض بني حسن من صنهاجة إلى متيجة، وما يتصل بذلك ريفًا وصحراء، وهم مقيمون لا يظعن إلا قليل منهم، وينزل معهم إخوانهم عكرمة فإنه ويزيد أبناء عيسى بن زغبة، وفي بعض نسخ ابن خلدون عبس بدل عيسى، وفي أيام يغمراسن بن زيان انتقل منهم حميان إلى صحراء تلمسان، وانتقل فريق من عكرمة إلى جبال كريكرة قبلة السرسو.
١١ - حصين، لهم بطنان عظيمان جندل وخراش، ومن جندل خشعة وأولاد سعد بن خنفر بن مبارك بن فيصل، وفي بعض النسخ فضيل بن سنان بن سباع بن موسى بن كمام بن علي بن جندل، ومن أولاد سعد فصيلة بني خليفة، ومن خراش أفخاذ أولاد مسعود بن مظفر بن محمد الكامل ابن خراش، وأولاد فرج بن مظفر، وأولاد طريف بن معبد بن خراش يعرفون بالمعابدة، ومن أولاد مسعود فصيلة رحاب بن عيسى بن أبي بكر بن زمام بن مسعود، ومن أولاد فرج فصيلة بني خليفة بن عثمان بن موسى بن فرج، ومن أولاد طريف فصيلة أولاد عريف.
ورئاسة حصين مفترقة على الفصائل المذكورة، وموطنهم غربي بني يزيد إلى جبل تيطري ونواحي المدية.
١٢ - مالك، بطونهم ثلاثة: بخيس والحرث وسويد، ومن الحرث أفخاذ غريب والعطاف والديالم بني ديلم، ومن غريب فصيلة بني منيع ومن منيع بنو
стр. 2394
مزروع وأولاد يوسف، ومن فخذ العطاف فصيلة أولاد يعقوب، ومن الديالم فصيلتان: العكارمة أبناء عكرمة بن مزروع بن صالح بن ديلم، وأولاد إبراهيم بن رزق بن رعاية بن مزروع، ومع الديالم إخوانهم بنو زياد من إبراهيم وأولاد هلال بن حسن وبنو نوال بن حسن والدهاقنة أولاد دهقان بن حسن، فإن ديلما هو ابن حسن بن إبراهيم.
ولسويد أفخاذ منها فليتة وجوثة وصبيح وأولاد ميمون وشبابة ومجاهر، ومن شبابة الحساسنة بنو حسان، ومن مجاهر غفير وشافع ومالف وبو رحمة وبو كامل وحمدان وهبرة، ومن حمدان أولاد عيسى بن عبد القوي بن حمدان، وهبرة تزعم أنها من قوم المقداد بن الأسود الصحابي البدري، فهم من قضاعة، وقد ينتسب بعضهم إلى تجيب من بطون كندة.
وكانت مواطن مالك جنوب بني توجين المستولين على ما بين سعيدة والمدية، ثم استولت سويد على بلاد توجين ما عدا جبل وانشريس، وكان لسويد المنزلة العليا في دولتي بني زيان وبني مرين، ونزلت هبرة نواحي البطحاء بالضفة اليمنى من نهر مينة، والعطاف بسهول غربي مليانة، والديالم قبلة وانشريس، ونزلت بطن بخيس نواحي وهران.
١٣ - عامر، بطونهم ثلاثة أولاد يعقوب وبنو شافع وبنو حميد، ومن شافع فخذي بني مطرف والشقارة، ولحميد أفخاذ وفصائل منها بنو عبيد بن حميد، ومنهم المحارزة بنو محرز بن حمزة بن عبيد، والعقلة بنو عقيل بن عبيد، والحجز بنو حجاز بن عبيد، ومن الحجز حجوش وحجيش، ومن حجوش حامد ورباب ومحمد، ومن محمد الولالدة بنو ولاد بن محمد.
ورئاسة عامر في بني يعقوب، وكانت عامر أحلافا لبني يزيد يظعنون بظعنهم ثم انتقلوا في عهد بني عبد الواد إلى قبلة تلمسان ولهم جبل تاسالة، ويتقلبون هنالك بين وهران والصحراء.
١٤ - عروة، هم بطنان حميس والنضر، ومن حميس عبيد ويقظان وفرغ، ومن فرغ أولاد نائل، ومن يقظان أولاد عايد، ومن بطن النضر أولاد خليفة والحماقنة وشريفة والصحارى وذوو زيان وأولاد سُلَيْمان.
стр. 2395
وأولاد نائل أحلاف لأولاد محيَّا من العمور، وبنو يقظان وعبيد الله أحلاف لسويد يظعنون معهم، والنضر رئاستهم في أولاد خليفة وهم منتبذون بالقفر ويصعدون إلى أطراف مواطن حصين والديالم والعطاف، والصحارى أكثرهم بجبل مشنتل المضاف اليوم إليهم.
هذه فروع هلال ومواطنهم في القرنين الثامن والتاسع، اعتمدنا في جلها على ابن خلدون مع تصحيح ما فيه من تحريف في الأعلام، ومن تلك الفروع ما تغيرت أوطانه أو اتسعت فصائله أو اندثر اسمه.
وذكر كاريت أن مرمول أحصى مقاتلة عرب الجزائر في القرن العاشر بنحو (١٩٩٥٠٠) وأعتذر عن قلة هذا العدد بأن مرمول تارة يستند في إحصائه إلى اليقين وأخرى يعتمد على أقل تقدير، قال: ويمكن إحصاء المقاتلة وغيرهم من شيوخ ونساء وصبيان بنحو تسعمائة ألف ونحن لا نقفو ما ليس لنا به علم، وإنما نرى من الجدول الذي نقله عن مرمول أنه أهمل كثيرًا من القبائل العربية، فيكون ذلك الإحصاء دون الحقيقة بمراتب، وهذا جدول مرمول.
القبيلة … البطن … الموطن … المقاتلة
١ - السكاكين … أولاد صبير … بين تلمسان ووهران … ٢٣٠٠٠
٢ - بنو هلال
بنو عامر … بين تلمسان ووهران … ٦٠٠٠٠
أولاد هوروا … جهة مستغانم … ١٨٠٠٠
أولاد عقبة … جهة مليانة … ١١٥٠٠
أولاد هبرة … بين مستغانم ووهران … ٣٠٠٠
أولاد مسلَّم … جهة المسيلة … -
رياح … الحنانشة … بين قسنطينة وبونة … ٢٠٠٠٠
أولاد سعيد … بين تنس ونوميديا … ١٨٠٠٠
٣ - المعقل
أولاد حسان … الثعالبة … في متيجة ونوميذيا … ٤٤٠٠٠
أولاد حسان … أولاد سعيد … بين مستغانم وشلف … ٢٠٠٠
стр. 2396
أحوال العرب الهلالية لعهد الحفصيين والزيانيين والمرينيين
استكان العرب بعد ثورة ابن غانية لقوة الدولة التي عرفت كيف تسوسهم، لكن الحفصيين نواب بني عبد المؤمن بتونس استقلوا عنهم وحنو إلى وطنهم، فطمعوا في فتح مراكش، ولم يقووا على تحقيق أمانيهم إلا بمعاضدة زناته، فعاضدتهم وهي تسرحسوا في ارتغاء، وكانت النتيجة سقوط الدولة المؤمنية وقيام ثلاث دول مكانها هي الحفصية والزيانية والمرينية.
لم تعترف هذه الدول بعضها ببعض بالاستقلال، فاستمرت الحروب بينهم، وربما وقعت الحرب بين الأمراء المرشحين للملك في الدولة الواحدة، وتقاربت قواتهم الحربية والسياسية فلم ينحسم النزاع.
وكان ملوك تلك الدول في حاجة إلى العرب لكن اضطربت سياستهم معهم، فإذا كانت الحرب واحتاجوا إليهم أقطعوهم الأراضي الواسعة وجباية القبائل المستضعفة ونفحوهم بالهدايا والأموال وقربوهم بالصهر والاستشارة، وإذا استغنوا عنهم بالسلم قلبوا لهم ظهر المجن وحاولوا تجريدهم من امتيازاتهم فلم يعدم العرب في الامراء المرشحين للملك والملوك الطامعين في التوسع ما يعينهم على إحداث ثورة للاحتفاظ بامتيازاتهم.
وكان العرب يحسنون الاستفادة في أمثال هذه الظروف لتقوية حريتهم وتوسيع مجالات تنقلهم في الشمال والجنوب وكانوا يفترقون حسب افتراق مصالحهم على الدول والملوك.
ونتج عن هذه السياسة ضعف الدول وفقد الأمن وقلة الإنتاج واستحكام العداوة بين القبائل وطمع إسبانيا في امتلاك المغرب، ولولا قيام الدولة التركية بأساطيلها في وجوه الدول الأوربية للحق المغرب بالأندلس أو صقلية. على أن عوامل الافتراق التي غرست في هذا الدور لم تزل تنخر جسمنا إلى اليوم.
والمسئول عن هذه النتائج السيئة هم الحفصيون الذين أسقطوا الدولة المؤمنية حامية الأندلس وآسية العرب ثم عجزوا عن حفظ المغرب وتوحيده، ثم اضطربت سياستهم مع العرب وقووا أغراضهم في الحياة البدوية بدلا من تمدينهم وتهذيبهم،
стр. 2397
والعرب بداة لا غرض لهم في المُلك، فليس عليهم ضمان في هذه النتائج السياسية التي هي خاصة المُلك ولعلنا بهذا الفصل وضعنا أساس البحث للناقد البصير في قواعد ابن خلدون الاجتماعية التي وضعها على حساب العرب البداة دون الحفصيين الملوك الذين كان ريشه منهم وهواه معهم، يعرف ذلك من عرف حياته ودقق النظر في أساليب تاريخه، فأدرك الفرق بين أسلوبه في الدولة الحفصية وأسلوبه في غيرها، حتى أنه أجهد نفسه في تصحيح نسب ابن تومرت في آل البيت ونسب الحفصيين في آل عمر بن الخطاب ﵁ مع أنه أنكر أنسابًا هي أقوى من هذين النسبين والكمال لله.
رياح والأثبج وسُلَيْم
كانت قبيلة عوف من سُلَيْم تجاور رياحا على حدود عمالة قسنطينة، وتبلغ ناجعتها نواحي بونة، ولها بطنان هما مرداس وعلَّاق، ومن علَّاق حصن ويحيى ومن حصن حكيم وبنو علي، ومن يحيى الكعوب، ومن الكعوب أولاد مهلهل وأولاد أبي الليل، ومن أولاد أبي الليل الأعشاش.
وكان أبو زكرياء الحفصي اصطنع عوفًا على رياح فأخرجتهم إلى عمالة قسنطينة، وجازتها الدولة على ذلك بالتضريب في بطونها، حتى لا يستبدوا عليها فكان المغلوبون من عوف ينزلون على رياح للإجلاب على الدولة، واستقرت رئاسة عوف في أولاد مهلهل وأولاد أبي الليل، وتنازعوا أمرهم بينهم وأصبح حال الدولة بينهم حال القائل؛ رضى هذي يحرك سخط هذي.
وحكيم من عوف كانوا يحالفون تارة أولاد مهلهل وأخرى أقتالهم، واشتهر من شيوخ حكيم أبو زيد بن عمر بن يعقوب وابنه خليفة ومحمد بن مسكين وخليفة ابن أخيه، وكان منهم أول القرن التاسع الشيخ المرابط أحمد بن أبي صعنونة بن عبد الله بن مسكين.
وكان بمقرة بيوت من ذباب ومرداس، أوقع بهم المستنصر سنة ٦٥١ هـ واعتقل منهم بالمهدية في تونس رحاب بن محمود وابنه في آخرين.
стр. 2398
وأقطع الحفصيون كرفة من الأثبج بادس والزاب الشرقي وجباية الأوراس الشرقي؛ ليوقعوا رياحا بين نارين، فلم تفعل كرفة أكثر من المحافظة على إقطاعها، ولم يجدوا في بقية بطون الأثبج من يقدر على مقاومة رياح، وإن بقيت في بعضهم رئاسة.
قال ابن خلدون: "ورئاسة أولاد وشاح من دريد لعهدنا منقسمة بين سجيم بن كثير بن جماغة بن وشاح، وأحمد بن خليفة بن رشاش بن وشاح، ورئاسة أولاد مبارك بن عابد منقسمة أيضًا بين نجاح بن محمد بن منصور بن عبيد بن مبارك، وعبد الله بن أحمد بن عنان بن منصور" اهـ.
وكان شيخ محيَّا من العمور في القرن الثامن هو عامر بن أبي يحيى بن محيَّا حج ولقي بمصر يوسف الكوراني شيخ الصوفية، فلقن طريقه وحمل عليه قومه وعني بتأمين السبل فحارب النضر جيرانه لإفسادهم، فاغتالوه.
وفي عصره كان شيخ أولاد زعرير؛ يغمور بن موسى بن أبي زيد بن زكرير فكان يناهضه في شرفه، ولكن عامرًا تسوَّد عنه لجمعه بين مشيختي القبيلة والطريقة.
وكانت عياض من الأثبج تتولى جباية جيرانها من البربر لصاحب بجاية، وأكثر الأثبج عجزوا عن الظعن وأقاموا بالمدن، وانضوى تحت لواء رياح الضحَّاك ولطيف والعمور الشرقيون.
غلبت رياح أولا على منطقتي الهضاب والصحراء من عمالة قسنطينة إلى زاغر من عمالة الجزائر، وعنوا بالفلاحة وتربية المواشي، فأثروا وكثروا واعتزوا على الدولة الحفصية لبعدهم عن عاصمتها، وأصبحوا مأمنا لكل مسخوط من الدولة وعونًا لكل ثائر يخطب المُلك.
وكانت لهم امتيازات وإقطاعات منحهم إياها ملوك أعانوهم على تبؤ العرش أو على حمايته من ثائر عليه حتى أن الذواودة كان لهم بقسنطينة عطاء معلوم مرتب على مراتبهم، علاوة على ما بأيديهم من البلاد وما لهم من خفارات، وكانوا معفين من الضرائب وكان هذا مما يضر بمالية الدولة.
стр. 2399
وكانت الحكومة إذا آنست من نفسها القوة انتقمت منهم على إعانتهم لثائر أو نقصتهم عطاءهم أو منعتهم إياه، فلم يعدموا في ملوك زناتة أو أمراء البيت الحفصي قائدا للثورة، وهكذا استمرت حياة رياح والحفصيين، واختلفت أيامهم سلمًا وحربًا، ولم تزد رياحًا الأيام إلا قوة.
وكانت بطانة الحفصيين يستعملون نفوذهم مع رياح وغيرها في مصالحهم الخاصة وحسب أهوائهم، فربما دعوا القبيلة اليوم إلى طاعة الملك ودعوها غدا إلى حربه، وهذا عبد الرحمن بن خلدون كان مع الحفصيين فدعا رياحًا لطاعتهم ثم فارقهم. فدعاها لأبي حمو الثاني سنة ٧٦٩ هـ، ثم حملها على حربه ومخالفة عدوه عبد العزيز بن أبي الحسن سنة ٧٧٢، ومع هذا التلاعب الذي لم يسلم منه فيلسوفنا نراه يؤنب العرب إن جرؤوا على الدولة وقتئذ.
وكانت بطون رياح تبعًا للذواودة الذين كان منهم مسعود بن سلطان وأخوه عساكر ومحمد بن مسعود، واستمرت الرئاسة في أولاد مسعود ومال عنهم أبناء عساكر للدولة سنة ٦٦٦ هـ فولى المستنصر رئاستهم مهدي بن عساكر ثم ابنه ماضي ثم موسى بن ماضي، وأقطعتهم الدولة نقاوس، وحالفتهم عياض، ولكن غمرهم أولاد مسعود.
وكان محمد بن مسعود مع يحيى بن غانية وتوفي بعد وفاته، فخلفه ابنه موسى وكان عظيم الصيت معتزا على الدولة، ووفد على أبي زكرياء لما نزل بياغاية سنة ٦٤٧ هـ فبايعه، وتوفي أيام المستنصر فخلفه ابنه شبل، واستطال على الدولة، وبايع أبا القاسم بن عبد الرحمن ابن الأمير عبد الواحد سنة ٦٦١ هـ وقد نزل عليه بنقاوس، وخرج إليه المستنصر سنة ٦٦٤ هـ فبلغ المسيلة وأعجزه، فعاد إلى تونس، وأمر عامل بجاية أبا هلال باستئلافه.
وخرج المستنصر سنة ٦٦٦ هـ فعسكر بالحضنة على ثنايا الزاب إزاء جموع رياح، وترددت الرسل بين شبل وأبي هلال، فأقنعه بحسن عاقبة الوفادة على السلطان، فقدم هو وأخوه يحيى وسباع بن يحيى بن دريد بن مسعود وطلحة بن ميمون بن دريد وحداد بن مولاهم بن خنفر بن مسعود، ودريد بن تازير شيخ أولاد نابت من كرفة، فضرب المستنصر أعناق هؤلاء الأمراء وصلب أشلاءهم
стр. 2400
بزرايا قرب نقاوس حيث بايعوا ابن عمه أبا القاسم، وأجفلت رياح والعساكر أثرها تنهبها حتى قطعت وادي جدي، فرجعت العساكر، ولحق أولاد يحيى بن دريد بيغمراسن بن زيان، وبنو محمد بن مسعود بيعقوب بن عبد الحق فأكرموهم ووصلوهم بالمال والخيل والإبل والكراع.
وعادت رياح فغلبت على ورقلة ووادي ريغ، وتقدموا إلى الزاب فهزموا عامله عثمان بن محمد بن عتو، ثم قتلوه بقطاوة، وملكوا أوراس أيضا، وقتلوا موسى بن ماضي، وأخذوا الحضنة، واضطرت الدولة إلى مهادنتهم، فأقطعهم السلطان أبو إسحاق أخو المستنصر ما غلبوا عليه.
ونشأ سباع بن شبل في كفالة عمه مولاهم ابن موسى، ورئيس على قومه وأقطعته الدولة المسيلة، وتربى علي بن سباع في حجر عمه طلحة بن يحيى وصارت إليه المسيلة وبقيت في عقبه، وكانت مقرة في إقطاع أحمد بن عمر بن محمد بن مسعود، وخلف سباع بن شبل ابنه عثمان العاكر، وخلف علي بن سباع ابنه سُلَيْمان فتنازعا رئاسة قومهما، وافترق أولاد مسعود إلى فرقتين أولاد محمد وأولاد سباع بن يحيى، وافترقت عليهم رياح، فكان سعيد مع أولاد محمد، ومسلَّم والأخضر مع أولاد سباع، واقتسموا المواطن بورقلة وريغ والزاب والحضنة والتلول، فكان لأولاد سباع المسيلة وجبال عياض ومتنان ووانوغة ونواحي بجاية، ولأولاد محمد مقرة والزاب الأوسط ونواحي قسنطينة، وكانت طولقة والزاب الغربي بينهم، فتقاتلوا عليه حتى اختص به أولاد سباع، ولكن مواطن أولاد محمد أخصب وأوسع وسيادتهم أعظم وعددهم أكثر.
ثم افترقت رئاسة أولاد سباع بين علي وعثمان ابني سباع بن يحيى، وعثمان هذا هو الذي وفد سنة ٧٠١ هـ على السلطان يوسف وهو محاصر لتلمسان وحرضه على مُلك بجاية.
وخلف علي بن سباع ابنه سُلَيْمان ثم أبا سُلَيْمان عطية ويوسف ثم عثمان بن يوسف الذي أخذ بطاعة أبي عثمان المريني، ويرادف أولاد سُلَيْمان إخوتهم أولاد يحيى أخي سُلَيْمان.
وانتقلت رئاسة أولاد محمد إلى أولاد أحمد بن عمر صاحب مقرة، فتولاها
стр. 2401
أبو يحيى بن أحمد إلى أن هلك أوائل المائة الثامنة، فخلفه أخوه علي، وكان أعظم أمراء رياح، وخلفه ابنه يعقوب، وطالت مدته، حتى توفي سنة ٧٩٠ هـ بنقاوس ودفن ببسكرة واشتهر من أبنائه صولة ومحمد.
وكان يعقوب بن علي أعظم أمراء رياح من سبقه منهم ومن لحقه؛ له ولوع بالفلاحة والعمران، اختط قرية فرفار قرب طولقة، ونزل عليه بها ابن خلدون في وفادته على سلطان تونس سنة ٧٨٠ هـ وله أملاك بطولقة ونقاوس والصحراء والتل، وله رغبة في السلم، وكثيرا ما يصلح بين أمراء الحفصيين أو بين الأمراء والرعايا، ونزل عليه الأمير أبو يحيى زكرياء لما ثار على أخيه سنة ٧٥٩ هـ وأصهر إليه في ابنة أخيه سعيد، فأنكحه إياها.
وكان يعقوب قد بايع أبا الحسن المريني، وفد عليه في زحفه على تونس بأرض بني حسن قرب البرواقية، وذهب معه أخوه أبو دينار سُلَيْمان إلى المغرب حتى مات فوفد على ابنه أبي عنان وأكرمه، وطلب منه تسهيل السبيل لفتح تونس، فلما زحف إليها أبو عنان باياف يعقوب وأخوه سُلَيْمان، وخالفهما أخوهما ميمون إلى ولاء الحفصيين، ثم رأى يعقوب محاولة أبي عنان لانتزاع امتيازاتهم فنبذ طاعته سنة ٧٥٨ هـ، وخالفه إليه ميمون، ورام أبو عنان إرضاء يعقوب أو القبض عليه، فلم يقدر على أكثر من تخريب قصوره بالصحراء والتل.
ثم حج يعقوب وعاد فألقى قومه في حرب مع أمير قسنطينة إبراهيم ابن السلطان أبي العباس لمحاولته نزع امتيازاتهم، فسعى في الصلح وطلب من إبراهيم إنصاف العرب فأعرض عنه فاعتزل يعقوب الحرب وتوفي فخلفه ابنه محمد وفرق عنه إبراهيم كلمة رياح وحاربه فانهزم، فلما أصحر محمد جد إبراهيم في حماية التلول عنه واضطره إلى المصيف في الزاب سنة ٧٩٢ هـ ثم هجم على التل في السنة التالية، ومات الأمير إبراهيم وتفرقت جموعه فتقدم محمد بن يعقوب إلى نواحي قسنطينة ونادى بالأمان فأمنت الطرق وصلحت أحوال الرعايا وبعث إلى السلطان أبي العباس بطاعته.
وفي سنة ٧٩٦ هـ ولي قسنطينة أبو بكر بن أبي العباس وعكف على لذاته وأساءت بطانته الإدارة فانقضَّت رياح على الدولة وقتلوا في بعض حروبهم معها قائد قسنطينة جا الخير سنة ٨٣٣ هـ.
стр. 2402
وكان كبير الذواودة سنة ٨٣٨ هـ عيسى بن محمد، وكلمته مع السلطان محمد الرابع المنتصر مسموعة، ومن معاصريه سباع بن محمد ولعله أخوه وبينهما اختلاف، ومن شيوخ الذواودة في منتصف القرن التاسع الهجري أحمد بن علي، ومنهم نصر بن صولة ولا أدري أصولة هذا هو ابن يعقوب بن علي أم غيره؟
وآخر كلمة في تاريخ دولتي الموحدين للزركشي قوله: "وفي أواسط المحرم من عام ٨٨٢ هـ ورد على السلطان، نصر بن صوله شيخ الذواودة طالبا للعفو فعفا عنه وانصرف إلى أهله بعد الإحسان خديما" اهـ.
رياح والإصلاح
كان القرن السابع الذي سقطت فيه الدولة المؤمنية مبدأ انحطاط عام، فكثر الملوك وتزاحمهم وتحاربهم، ووجدت الرعايا سبيلا إلى الفوضى والولاة سبيلا إلى الجور، وفشت المنكرات وأخيفت الطرقات.
وفي أوائل القرن الثامن الهجري ظهر من رياح ثم من رحمان رجل يُدعى سعادة كانت أمه من الصالحات ونشأ هو على العبادة والزهد وارتحل إلى المغرب فصحب أبا إسحاق التسولي شيخ الفقهاء الصالحين يومئذ وعاد إلى قومه بفقه صحيح وورع وافر ونزل طولقة، وأنذر عشيرته وبث دعوته، فأجابه خلق كثير بالزاب وريغ وكثير من البلدان، فلقبهم السنية.
ومن مشاهير مريديه من أولاد مسعود أبو يحيى بن أحمد وعطية بن سُلَيْمان وحسن بن سلامة من أولاد طلحة بن يحيى بن دريد، ومن أولاد عساكر عيسى بن يحيى بن إدريس، ومن زغبة هجرس بن علي اليزيدي ورجالات من العطاف.
استظهر سعادة بهؤلاء الأمراء وأتباعهم على تأمين السبل وتغيير المنكر وإحياء السنة، ودعا منصور بن مزني أمير الزاب إلى إعفاء الرعية من المغرم والمكس وسائر الظلامات، فهم بقتله ولكن حال دونه مريدوه، وبايعوه على إقامة السنة والموت دونه.
واعتد منصور سعادة ثائرا فاستعد لحربه واستنجد أمير بجاية خالد بن أبي زكرياء المنتخب واستمال إليه بعض رياح فمال إليه علي بن أحمد منافسة لأخيه
стр. 2403
أبي يحيى، وسُلَيْمان بن علي منافسة لعطية بن سُلَيْمان وخشي سعادة من الإقامة في طولقة، فابتنى بضواحيها زاوية انتقل إليها بمريديه.
ثم زحف سعادة إلى بسكرة سنة ٧٠٣ هـ وسنة ٧٠٤ هـ وحاصر بها منصورا فامتنعت عليه أولًا وثانيا وانحدرت رياح إلى مشاتيها سنة ٧٠٥ هـ فبقي في قل من مريديه، ومع ذلك حاصر مليلي، فصبَّحه بها منصور في جند الدولة ورياح وبعد جولة استشهد سعادة.
نعي سعادة إلى السنية بمشاتيهم، فصعدوا إلى الزاب برئاسة أبي يحيى بن أحمد وزحفوا إلى بسكرة مرارا، وقطعوا نخيلها وأحرقوا عمال الدولة بالنار فصرخ منصور في أوليائه من الذواودة فلبوه وعقد على الجند لابنه علي ومعه علي بن أحمد على رياح، وكانت المعركة بالصحراء سنة ٧١٣ هـ فقتل علي بن منصور وأسر علي بن أحمد، فأطلقه عيسى بن يحيى لمكان أخيه، وعظم أمر السنية بعد هذا الانتصار.
ثم هلك أبو يحيى وعيسى بن يحيى وكاد أمر السنية ينحل فاتفقوا على استدعاء عالم يقيم لهم أمر الدين يجمع كلمتهم فاختاروا الفقيه أبا عبد الله محمد بن الأزرق من فقهاء مقرة، أخذ على أبي الزواوي كبير شيوخ بجاية، فارتحل إليهم ونزل على حسن بن سلامة ووالاهم أبو تاشفين الأول إضعافا للحفصيين الذين كان معهم في حرب، فصار يبعث إليهم بالهدايا ويخص عالمهم ابن الأزرق بجائزة معلومة كل سنة.
وخلا وجه رياح لعلي بن أحمد بموت أخيه، فقاتل هؤلاء السنية مرارا ثم هلك حسن بن سلامة، واستدعى ابن مزني الفقيه ابن الأزرق لقضاء بسكرة ليقضي على دعوة سعادة، فأجابه، وطويت صحيفة السنية.
وبعد حين غاضب علي بن أحمد بن مزني، فأحيا هذه الدعوة، وحاصر بسكرة سنة ٧٤٠ هـ وأقام عليها أشهرا، ثم عاد إلى موالاة ابن مزني، وهكذا حاولت إصلاح المجتمع رياح، فذهبت مساعيها لاختلافها أدراج الرياح، وكفى سعادة أنه أدى الواجب وفاز بالشهادة.
стр. 2404
قال ابن خلدون: "وبقي من عقب سعادة في زاويته بنون وحفدة يوجب لهم ابن مزني رعاية؛ وتعرف لهم أعراب الفلاة من رياح حقا في إجارة من يجيرونه من أهل السابلة، وبقي هؤلاء الذواودة ينزع بعضهم أحيانا إلى إقامة هذه الدعوة فيأخذون بها أنفسهم غير متصفين من الدين والتعمق في الورع بما يناسبها ويقضي حقها، بل يجعلونها ذريعة لأخذ الزكاة من الرعايا ويتظاهرون بتغيير المنكر يسرون بذلك حسوا في ارتغاء فينحل أمرهم لذلك وتخفق مساعيهم ويتنازعون على ما يحصل بأيديهم ويفترقون على غير شيء" اهـ.
إمارة بني مزني ببسكرة
كانت قاعدة الزاب الحفصي (مقرة) من أرض الحضنة، فكانت بسكرة تابعة لها ومشيختها لبني رمان منذ سقوط الدولة الحمادية، وكان بنو مزني بقرية حياس قربها، وملكوا بها جنات النخيل والثمار بمياهها، وانتقلوا إليها، وشارك كبارهم في مجالس شوراها، فاستنكف منهم بنو رمان وتلاحوا بالكلام، وانتهى أمرهم إلى سلطان تونس فمال مع بني رمان لقدمهم، ولكن النزاع لم يفصل وأصلتوا سيوفهم، وتقاتلوا في سكك بسكرة.
وفي سنة ٦٥١ هـ دعا أبو إسحاق لنفسه مغاضبًا لأخيه المستنصر فبايعته رياح بنقاوس وزحفوا به إلى بسكرة فبايعه من مشيختها فضل بن علي بن أحمد بن الحسين بن علي بن مزني وأبى أهلها موافقته، وعزموا على قتله فخرج إلى أبي إسحاق الذي لم يتم أمره وأجاز معه إلى الأندلس حتى توفي المستنصر وعاد مع أبي إسحاق إلى تونس.
وبنو مزني ينتسبون إلى مازن بن فزارة، قال ابن خلدون: "والذي تلقيته عن نسابة الهلاليين أنهم بنو مزنة بن ديفل بن محيَّا بن جرير من فصائل لطيف، وهو الصحيح فإن أهل الزاب كلهم من أفاريق الأثبج عجزوا عن الظعن ونزلوا قراه على من كان بها قبلهم من زناته وطوالع عرب الفتح، وإنما نزعوا عن نسب الأثبج لما صاروا إليه من المغرم والوضائع" اهـ.
وفي سنة ٧٧٨ هـ ملك أبو إسحاق تونس وجازى فضلا عن صحبته إياه بولاية الزاب فنزل بسكرة وخضع له بنورمان ظاهرا، وحالفوا أولاد جرير
стр. 2405
وأغروهم بقتل فضل وتناول الأمر من يده وهو يومئذ بقرية ماشاش قرب بسكرة ولهم اختلاط مع أهلها بالنسب والصهر فقتلوه ظاهر البلد سنة ٨٨٣ هـ وانتقلوا إلى بسكرة فنبذ لهم بنو رمان عهدهم لعامين من حلفهم، فلم تسعهم المدينة ولا قرية ماشاش لقربها فتفرقوا في وادي ريغ، واستبد بنو رمان ببسكرة وتغلبت رياح على الزاب.
وكان منصور بن فضل لما قتل أبوه بتونس فخشي بنو رمان غائلته، وسعوا به لدى السلطان أبي حفص فاعتقله إلى أن تمكن من الفرار ولحق بأوراس فنزل على أشبه من كرفة خير منزل، ثم لحق ببجاية سنة ٧٩٢ هـ وأبو زكرياء بن أبي إسحاق يومئذ مستقل بها والزاب في طاعة صاحب تونس فتقرب إليه منصور واستظهر به على ولاية الزاب على أن يحول دعوته إليه كما فعل أبوه مع أبيه من قبل فسرحه سنة ٧٩٣ هـ بالجنود إلى بسكرة واستبعد بنو رمان صاحبهم بتونس فوفدوا على أبي زكريا مبايعين خائفين من منصور فأمنهم وجعل أحكامهم إلى قائد عسكره وكتب إلى منصور بالعفو عنهم ففتحوا أبواب المدينة لمنصور وعسكر بجاية وبعد أن ثبتت قدم منصور في بسكرة أجلى بني رمان عنها كما أجلوا قبل أولاد جرير، وكما تدين تدان.
أعجبت حكومة بجاية بصدق طاعة منصور وحسن إدارته، فأضافت له ورقلة ووادي ريغ والحضنة وجبل أوراس، وبقيت كذلك لخلفه، فإمارة بني مزني تمتد من ورقلة جنوبًا إلى المسيلة ونقاوس شمالا، ومن الدوسن غربًا إلى باديس شرقًا، ودخلت مواطن عياض وسدويكش في هذه الإمارة أيام منصور خاصة.
ولهذه الإمارة مواصلات تجارية مع أهالي السودان وما حولها من الأوطان، ولتوسطها بين الصحراء والتل جمعت بين خواصهما: تجد فيها النخيل والزيتون والإبل والبقر، وتحسن بها تربية المواشي وفلاحة الحبوب والثمار. فكان أهلها أغنياء وأمراؤها تشبه ثروتهم ثروة الملوك.
قال العياشي المغربي في رحلته: "وبسكرة من أعظم المدن وأجمعها لمنافع كثيرة مع توفر أسباب العمران فيها، قد جمعت بين التل والصحراء ذات نخيل كثير وزرع كثيف وزيتون ناعم وكتان جيد وماء جار في نواحيها وأرجاء متعددة
стр. 2406
تطحن بالماء ومزارع حناء إلى غير ذلك، وبالجملة ما رأيت في البلاد التي سلكتها شرقًا وغربًا أحسن منها ولا أحصن ولا أجمع لأسباب المعاش" اهـ.
وذكر أن عام ستين وألف بعد الهجرة كان عام وباء وأنه مات به في بسكرة نحوا من سبعين ألف نفس، وهذا يرشد إلى مبلغ عمرانها بعد بني مزني بأكثر من قرنين ونصف قاست فيها ألوانا من الشر وضروبًا من الفتن فكيف يكون عمرانها أيام سعادتها وهنائها تحت حكم بني مزني؟
أحسن بنو مزني سياسة الرعية، وعاشوا مع رياح أحسن مما عاش معهم الحفصيون حتى أن ثورة سعادة لم تشمل رياحًا أجمعين، وكان مع بني مزني علي بن أحمد ثم نافسهم لاستئثارهم بمال الجباية دونه، فثار عليهم متدثرًا بالسنية، ولكن يوسف بن منصور استمال ابنه يعقوب وابن عمه سُلَيْمان بن علي بن سباع، وأنزلهما معه بسكرة وأنكح أخته يعقوب، ثم انعقدت السلم بين يوسف بن مزني وعلي بن أحمد حوالي سنة ٧٤٠ هـ فلم تنقض بعد.
وكانت بطانة أمراء الحفصيين ببجاية تحسد بني مزني على هنائهم وثروة إمارتهم، فتسعى بهم لدى الأمراء، وكان بنو مزني يطفئون تلك السعايات بتوفير الجبايه للأمراء وإتحاف بطانتهم بالهدايا، وربما لم ينجح هذا الدواء فيضطر بنو مزني إلى نصب أحد الحفصيين للمُلك ومبايعته ضد الأمير السابق أو إلى موالاة زناته أهل تلمسان وفاس.
ففي أيام أبي البقاء بن أبي زكريا فر يحيى بن خالد ابن السلطان أبي إسحاق إلى منصور بن مزني وقد فسد ما بينه وبين أبي البقاء فبايعه وأجلب به على قسنطينة، ووسوس ليحيى بعض حاشيته في منصور فعزم على نكبته إذا تم أمره وشعر به منصور فنبذه، وراجع طاعة أبي البقاء وخاب سعي يحيى، فنزل على منصور، وأقام تحب جرايته وحرسه مرصدًا للعواقب إلى أن مات سنة ٧٢١ هـ فكان ابن اللحياني كل يصانع منصورًا من أجله بالجوائز وأقطعه من أملاك السلطان بضواحي تونس أملاكًا ورثها عنوة بنوه.
ودعا منصور لأبي تاشفين الأول أيام أبي بكر أخي أبي البقاء، وترددت إليه العساكر فأعجزها، وبقي على ذلك إلى أن خلفه ابنه عبد الواحد، فلم يلبث أن
стр. 2407
غاضبه عامل بجاية محمد بن أبي الحسين ابن سيد الناس فدعا لصاحب تلمسان ونازلته عساكر بجاية مرارًا من غير طائل، ثم انعقد بينهما صهر وسلم.
ووالى يوسف بن منصور أبا الحسن المريني لما ملك تلمسان، واقتصر مع الحفصيين على دفع الجباية لهم ثم تحرك أبو الحسن لفتح تونس، فوفد عليه في جموع الذواودة بأرض بني حسن وذهب إليه سنة ٧٤٩ بجبايته واجتمع بقسنطينة مع عمال المغرب بجبايتهم ووفدي صاحبي السودان والأندلس بهداياهم، وبلغتهم نكبة أبي الحسن، فهم بهم القسنطينيون وأجارهم يعقوب بن علي وأنزلهم يوسف بسكرة وكفاهم مهماتهم شهورًا، وأقام على ولائه لأبي الحسن حتى هلك، وملك ابنه أبو عنان تلمسان، فبايعه وأمده في فتح قسنطينة سنة ٧٥٤ هـ ودله على الطريق في اتباعه يعقوب بن علي، وأنزله بعساكره ظاهر بسكرة ثلاثا أغرب في ضيافتهم على كثرتهم بما تحدث الناس به دهرًا، وقدم إليه جبايته قناطر من الذهب، فخلع عليه أبو عنان وأجزل صلته، ثم أوفد عليه ابنه أحمد سنة ٧٥٩ هـ بهدية فيها عتاق الخيل وفاره الرقيق، وتوفي أبو عنان فأتحفه خلفه بتحف ملوكية، وانقطعت الطرق بالثورات فخفره صغير بن عامر شيخ بني عامر حتى أبلغه مأمنه.
وأجلى أبو حمو الثاني أبا زيان محمد بن عثمان الثاني عن مملكته سنة ٧٧٨ هـ فنزل على صاحب توزر يحيى بن يملول، واتحد يحيى وأحمد بن يوسف على استغلاله ضد الحفصيين، فراسل أحمد أبا حمو بكف أبي زيان عنه وإشغاله هو للحفصيين بالإجلاء على مملكتهم ثم طرد الحفصيون يحيى بن يملول فلحق ببسكرة ومعه أبو زيان، فأوفد أحمد بن يوسف على أبي حمو يعقوب بن علي سنة ٧٨٠ هـ لاستنجاز وعده في حرب الحفصيين، ومات يحيى بن يملول وترك صبيا، فسرحه أحمد لاسترجاع توزر فلم يقدر أبو حمو على أكثر من إمداده بالمال.
وخرج سلطان تونس أبو العباس لحرب أحمد بن يوسف، فسعى يعقوب بن علي في السلم، وحمل أحمد على الطاعة، وأرسل إلى السلطان بالشفاعة، وسرحوا أبا زيان إلى قسنطينة إيذانًا بنفض أيديهم من أبي حمو، وبلغت رسل
стр. 2408
أحمد بهديتهم وطاعة أبا العباس أول سنة ٨٨٣ هـ وهو معسكر بساح تبسَّة فأعرض عن حربه.
ثم مرض بعدها في الطاعة، فخرج إليه سنة ٨٨٦ هـ ومعه بني سُلَيْم، ومر بتبسَّة وجنوب أوراس وتهودا، وانضم إليه أولاد سباع بن شبل وانفت بقية رياح من دخول سُلَيْم مواطنها، وتناوش الفريقان القتال، وانتبذ عنهم يعقوب ساعيًا في الصلح فتم بإقلاع السلطان عن بسكرة وبذل أحمد له طاعته وجبايته.
وقويت الدولة الحفصية بضعف دولتي زناته، وقطعت عنها كل المستبدين، ولم يبق إلا بنو مزني، فخرج إليهم السلطان أبو فارس بن أبي العباس سنة ٨٠٤ هـ ومكث أيامًا ببئر الكاهنة، ثم دخل بسكرة يوم السبت سابع جمادى الثانية، وولى عليها من قواده وحمل معه أحمد بن يوسف إلى تونس، فانتهت أمارة بني مزني.
وقد عاشت هذه الإمارة نحوًا من قرن ونصف تخللها بنو رمان بين فضل بن علي وابنه منصور، ولم يعرف الزاب إلى اليوم عصرًا كعصرها هناء ورغادة عيش لما كان عليه بنو مزني من حسن التدبير والإدارة، فقد أحسنوا معاملة الذواودة، فاستعانوا بهم، وعرفوا ما بالبلاط الحفصي من دسائس فوصلوا أيديهم بزناته التي لولا تطاحن دولتيها حتى ضعفتا ما سقطت هذه الإمارة في دور اكتهالها.
ومما يحسن ختم هذا الفصل به أبيات للسان الدين ابن الخطيب بعث بها أثناء رسالة لابن خلدون وهو مقيم على أحمد بن يوسف، وهي:
من أنكر غيثا منشؤه … في الأرض وليس بمخلفها
فبنان بني مزني مزن … تنهل بلطف مصرفها
مزن مذ حل ببسكرة … يومًا نطقت بمصحفها
شكرت حتى بعبارتها … وبمعناها وبأحرفها
ضحكت بأبي العباس من الأ … يام ثنايا زخرفها
وتنكرت الدنيا حتى … عرفت سنه بمعرفها
стр. 2409
وهذا جدل أمراء بني مزني
الولاية … الولاية
الأمير … هجري … ميلادي … الأمير … هجري … ميلادي
فضل بن علي ٦٧٨ … ١٢٧٩ أخوه يوسف بن منصور ٧٢٩ … ١٣٢٩
ابنه منصور ٦٩٣ … ١٢٩٤ ابنه أحمد … ٧٦٧ … ١٣٦٥
ابنه عبد الواحد ٧٢٥ … ١٣٢٥ … النهاية … ٨٠٤ … ١٤٠٢
رئاسة الثعالبة بمتيجة وأخبار المعقل
كان الثعالبة مستضعفين عاجزين عن الترحال، فاستقروا بالتل، وتغلبت عليهم توجين أيام كانوا بتيطري ثم مليكش وولاة الجزائر لما انتقلوا إلى متيجة أواخر القرن السابع الهجري، وأدوا المغارم لدول الحفصيين والمرينيين الذين تداولوا ملك متيجة والجزائر، وبقوا غفلًا من حلف القبائل وإقطاع الدول إلى أن نشأ فيهم سالم بن إبراهيم.
وكان رئيس الثعالبة سباع بن ثعلب بن علي ومر به ابن تومرت فأكرمه فكان إذا وفد على خلفاء الموحدين وضعوا على عمامته دينارًا عظيمًا إكرامًا له، واستمرت الرئاسة في عقبه، فكانت أولا لبني يعقوب بن سباع، ثم لبني محمد بن سباع.
ولما ملك أبو الحسن المريني تلمسان ولى عليهم أبا الحملات بن عايد بن ثابت بن محمد بن سباع، وهلك بالطاعون سنة ٧٤٩ هـ فخلفه إبراهيم بن نصر بن حنيش بن أبي حميد بن ثابت، وهلك أيام أبي عنان، فخلفه ابنه سالم، واستولى على تلمسان بعد أبي عنان أبو حمو الثاني.
وفي ذي الحجة سنة ٧٦٧ هـ ثار أبو زيان محمد بن عثمان الثاني على ابن عمه أبي حمو، وبايعه حصين وملك سنة ٧٨٦ هـ مليانة والمدية، ووالي الجزائر يومئذ علي بن غالب من بيوتاتها، ونفر أهلها من السلطان أبي حمو فاستبد بها، وساعدت هذه الظروف سالم بن إبراهيم على وضع ذل المغرم عن عاتق قومه، فوصل يده بأبي زيان، ووسوس لأهل الجزائر أن واليهم يريد الدعاء لأبي حمو،
стр. 2410
فثاروا به، وأخرجه سالم إلى حيه وعجل له بحينه واستبد بالجزائر داعيًا لأبي زيان.
وخرج أبو حمو سنة ٧٧١ هـ إلى متيجة، فأخضع الثعالبة وأخذ منهم جباية السنوات الماضية، وامتنعت عليه الجزائر ثم ملك عليه عبد العزيز سلطان مرين تلمسان سنة ٧٧٢ هـ وطرد أبا زيان ووضع الثعالبة مغارم ثقيلة، ثم مات سنة ٧٧٤ هـ وعاد أبو حمو إلى تلمسان وأبو زيان إلى تيطري.
وفي سنة ٧٧٦ هـ سعى محمد بن عريف شيخ سويد في إطفاء هذه الفتنة، فتم الأمر بخروج أبي زيان إلى رياح وأداء أبي حمو له إتاوة سنوية، وأوفد على أبي حمو سالم بن إبراهيم وشيوخ حصين وأعيان الجزائر، فأمنهم وعادوا إلى طاعته وبقي سالم على رئاسته بالجزائر ومتيجة وعمال أبي حمو تستوفي منه الجباية، وكل ينتظر الفرصة لشفاء صدره من الآخر.
وفي سنة ٧٧٨ هـ تآمر سالم ومرضى القلوب على أبي حمو، واستقدموا أبا زيان فغلب أبو حمو على الثورة وطلب سالم الأمان لنفسه على مفارقة أبي زيان فمنحه إياه، وخرج أبو زيان إلى الجريد وعاد أبو حمو إلى تلمسان مضمرًا الفتك بسالم لكثرة تلاعبه بالعهود، فلما كان فصل الشتاء وانحدرت العرب الذين يخشاهم أبو حمو إلى مشاتيهم نهض إلى متيجة، فأجفلت أمامه الثعالبة إلى رءوس الجبال، وبعث سالم أبناءه وأولياءه إلى الجزائر وتحصن هو بجبل بني خليل، ثم نزل كثير من الثعالبة إلى أبي حمو مستأمنين، وانتقل سالم إلى بني ميسرة من جبال صنهاجة وبعث أخاه ثابتًا إلى أبي حمو فاقتضى منه العهد ونزل إلى ابنه أبي تاشفين أواخر رمضان، فقبض عليه أبو حمو ولم يراع عهده ولا ذمة ابنه، واستولى على الجزائر وقفل إلى تلمسان فقتل سالما في شوال وتتبع إخوانه وقبيلتة بالقتل والسبي والنهب حتى دثروا، ثم قتل الأتراك منهم لأول استيلائهم على الجزائر مقتلة عظيمة ضاعفت ضعفهم.
وإذا لم يظهر من الثعالبة أمراء عظام فكفاهم فخرًا عبد الرحمن الثعالبي دفين الجزائر وعالم القرن التاسع الهجري، وأبو مهدي عيسى عالم القرن الحادي عشر الهجري، ولعل الشيخ عبد الرحمن من فرع محمد بن سباع ولكن الناس
стр. 2411
يرفعون نسبه إلى علي بن أبي طالب ﵁ كأنهم لم يكتفوا بشرف العلم.
وقد حكى الإخباريون أن الشيخ محمد المقري التلمساني كان يحضر مجلس السلطان أبي عنان فإذا دخل مزوار الشرفاء قام به السلطان فمن دونه إلا المقري فقال له المزوار ذات يوم مالك لا تقوم لي مثل السلطان إكرامًا لجدي فأجابه أما شرفي فمحقق بالعلم الذي أبثه، وأما شرفك فمن لنا بصحته بعد مضي أكثر من سبعة قرون؟ ولو تحققناه لأقمنا هذا السلطان من مجلسه وأجلسناك مكانه!
وبقية المعقل غير الثعالبة ذوو كثرة وانتجاع، ومواطنهم بين زناته فكانوا أحلافا لهم، وأكثر انجياشهم إلى مرين، وكان المنبات من ذوي منصور أحلافًا ليغمراسن بن زيان؛ وذوو عبيد الله محاربين له، ثم خضع الخراج منهم لبني عبد الواد، إذ كانت مواطنهم في مملكتهم فأدوا لهم الخراج وعسكروا معهم.
ولما أخذت الدولة في الضعف منحت الخراج خفارة وجدة وندرومة وبني يزناسن ومديونة وبني سنوس، ثم أقطعتهم إياها، فتملكوها وتملكوا أيضًا هنين ووضعوا على المجيز منها إلى تلمسان ضريبة فصارت جباية معظم مملكة تلمسان الغربية لهم.
ولما تملك أبو الحسن المريني تلمسان استخدم ذوي عبيد الله، وانتزع منهم كثيرًا من أملاكهم بالصحراء فثار عليه شيخهم يعقوب بن يغمور بن عبد الملك من العثامنة، ولكن لم يفعل أكثر من تشرده بالصحراء وولي مكانه منصور بن يعقوب ابن عبدالملك ثم ابنه رحو، ولما عادت تلمسان لبني عبد الواد صدق يعقوب بن يغمور في ولائهم، ورأس على قومه ومات فخلفه ابنه طلحة، وكان لرحو مقامات في خدمة أبي حمو الثاني، فولَّاه رئاسة قومه، وجعل طلحة رديفه، ويظهر أن رئاسة الخراج مغمورة برئاسة عامر وسويد من زغبة. زُغْبَة
تمتد مواطن زغبة غربي مواطن رياح على جنوب عمالتي الجزائر ووهران وتقدموا مع أحلافهم بني بادين إلى التل أواخر الدولة المؤمنية، ونقل يغمراسن بن
стр. 2412
زيان بني عامر من نواحي زاغز إلى جنوب تلمسان أشجاء للمعقل الذين كثر عبثهم هنالك، وتبعت حميان بني عامر، وصارت في عدادهم ثم خشي يغمراسن على دولته من زغبة فحجرهم بالصحراء وأذلهم بالمغرم والعسكرة في جنده، واستمروا على ضعفهم المالي والسياسي مدة عظمة دولة تلمسان.
وكانت بين قبائل زناته حروب خاضت زغبة غمارها توسلًا إلى دخول التل، فلما تمكن الضعف من بني عبدالواد أيام أبي حمو الثاني نزل أبو زيان ابن عمه جبل تيطري سنة ٧٦٧ هـ وقام بدعوته حصين وسويد وبعض بني عامر، وكاد يتغلب على تلمسان وداعت ثورته نحو اثنتى عشرة سنة توالت فيها على أبي حمو الهزائم وتغلبت زغبة على كثير من التلول، ولم تنجل هذه الغمرة عن أبي حمو إلا بإقطاعه زغبة كل ما تغلب أعداؤه منها أو طمع فيه أولياؤه.
تقوت زغبة بهذه الإقطاعات ووضعت عنها ذل المغرم وجبت من في أراضيها من البربر وحرمت عروة لضعفها من الإقطاع، وقعدت حصين وأكثر بني يزيد عن الظعن.
ولزغبة حروب مع جيرانها فكانت بين بني يزيد والذواودة حروب وتغلبت الذواودة على الدهوس، فاستنجد بنو يزيد بعامر وهم يومئذ جنوبهم فأنجدوهم، وأخرجوا رياحًا عنهم، ففرض لهم أبو بكر بن زغلي رئيس بني يزيد على قومه ألف غرارة من الحبوب يأخذونها كل سنة وعرفت هذه الضريبة بالغرارة، وكانت حروب أيضًا بين عروة وجيرانهم من العمور ومسلَّم وسعيد؛ وبين سويد وبني عامر مع جيرانهم من المعقل وكانت فتن بين بطون زغبة المتجاورين.
وتنقلت رئاسة بني يزيد في كثير من بطونهم ثم استقرت في بني زغلي. فوليهم زيان بن زغلي ثم أخوه ديفل ثم أخوهما أبو بكر ثم ابناه ساسي فمعتوق ثم موسى بن أبي الفضل بن زغلي كان أيام أبي الحسن المريني، ثم أخوه أحمد ثم أخوهما علي ثم أبو الليل بن موسى وتوفي سنة ٧٩١ هـ فخلفه ابنه.
ومن رؤساء حصين لعهد ابن خلدون علي بن صالح بن ذياب بن مبارك بن محيَّا بن مهلهل بن شكربن عامر بن محمد بن خشعة.
стр. 2413
ومن رؤساء عروة لعهده محمد بن زيان بن عسكر بن خليفة بن النظر ويرادفه سمعون بن أبي يحيى بن خليفة بن عسكر.
وأقوى بطون زغبة سويد أحلاف مرين وبنو عامر أحلاف بني عبد الواد، ويحالف سويدا محيَّا من العمور والعطاف والديالم وبنو يقظان وعبيد الله من زغبة، ويحالف بني عامر أولاد زكرير من العمور والنضر من زغبة، وموطن بني عامر تسالة وملاته إلى هيدور جبل وهران، وموطن سويد ما بين وانشريس وتلمسان عرضًا وخليج رزيو والشط الشرقي طولا، وينحدرون شتاء إلى مزاب فيمرون بأفلو وتاجموت، وموطنهم أغنى مواطن زغبة وأكثرها سكانا ومع ذلك لم يبلغ بنو عامر ولا سويد عظمة الذواودة لكثرة الفتن بالمغرب الأوسط وخلوه من إمارة كإمارة بني مزني تؤيد إخوانها من العرب ولعدم اجتماع كلمة زغبة على هذين البطنين.
وكانت سويد موالين لعبد الواد قبل تملكهم تلمسان، ورئاستهم لأولاد عيسى بن عبد القوي، وكان رئيسهم لعهد يغمراسن مهدي بن عيسى ثم ابنه يوسف وأقطعه ببلاد سيرات والبطحاء وأقطع ابن عمه عنتر بن طراد بن عيسى قرارة البطحاء ورأس بعد يوسف أخوه عمر، وأدناه يغمراسن، فربما استخلفه في خروجه للحرب على تلمسان ومملكتها الشرقية، ثم كانت بينهما فتنة هلك فيها عمر، وتأخر قومه فنزلوا خلف مواطن توجين وحالفوهم على حرب عبد الواد.
ورأس طغون سويد عثمان بن عمر وترك من الأبناء ميمونًا وسعيدًا ويحيى، فخلفه ميمون ثم تغلب عليه سعيد، فلحق ببني مرين وتوفي بسجلماسة أيام الأمير أبي على أخي السلطان أبي الحسن، ووفد سعيد بن عثمان على السلطان يوسف المريني وهو محاصر لتلمسان فأكرمه ثم أجمع قتله، ففر إلى قومه وأجلب أثناء ذلك الحصار على أطراف التلول فملك السرسو وجبل كريكرة، وعادت تلمسان لعبد الواد وأفضى أمرها إلى أبي تاشفين الأول، وكانت بينه وبين عريف بن يحيى مودة، فقربه إليه ثم سخطه فلحق ببني مرين سنة ٧٢٠ هـ وانتقم منه أبو تاشفين بسجن عمه سعيد، فلم يزل مسجونًا حتى توفي حوالي سنة ٧٣٧ هـ.
стр. 2414
وخلف سعيد ابنه سمعون، وهلك سنة ٧٣٢ هـ فخلفه أخوه عطية، وهلك بعد فتح تلمسان، فعقد أبو الحسن مكانه لونزمار بن عريف، فغضب المسعود بن سعيد ولحق ببني عامر. وأجلب على أبي الحسن بالدعي ابن هيدور، ففرق ونزمار جموعهم، ثم رقي أبو عنان ونزمار إلى مجلسه وعقد على بادية سويد لأخيه عيسى وقتله أبو حمو الثاني في زحفه إلى تلمسان وعقد مكانه على سويد لميمون بن سعيد، فدس عليه محمد وأبو بكر ابنا عريف من اغتاله، وخلفاه في رئاسة قومهما وغمسا أيديهما في ثورة أبي زيان وأطمع محمد أبا حمو في استصلاح أخيه وطالت تمنيته إياه، فاتهمه بالمراوغة وأودعه السجن سنة ٧٧٠ هـ فلحق أبو بكر بأخيهما ونزمار، وحمل عبد العزيز المريني على فتح تلمسان، وبعد وفاة عبد العزيز عاد أبو حمو إلى تلمسان، واستقام معه ونزمار وحمل أخويه على مصافاته، فأقطع أبو حمو أبا بكر كلميتو ومحمدا مازونة.
وأعظم رؤساء سويد هما عريف بن يحيى بن عثمان وابنه ونزمار، فقد اتخذ أبو الحسن المريني عريفًا خليلا ووزيرًا مشيرًا وسفيرًا بينه وبين ملوك مصر وتونس وغرناطة ورفع مقامه على كل عربي في ممالكه، وهو الذي كان يغريه بفتح تلمسان، وحضر معه فتحها وفتح تونس، وكان على يمينه في موكب دخوله تونس وعاد لحرب عبد الواد لما ملكوا تلمسان، فهزموه ولم يجد السبيل للعود إلى تونس، فلحق بفاس، وأكرمه أبو عنان الثائر يومئذ على أبيه، وتوفي أيامه وكان منجبًا، فاشتهر من أبنائه ونزمار ومحمد وأبو بكر وعيسى.
وكان ونزمار أكبرهم، وعقد له أبو الحسن بعد فتح تلمسان على قبيلة بني مالك وجعل له رئاسة البدو بجميع ممالكه وأخذ الصدقات والضرائب منهم، فعكف على بابه كبراء العرب وشيوخهم ونزلوا على إشارته، ولما أوقعت مغراوة بأبي الحسن سنة ٧٥٠ هـ أنجاه إلى جبل العمور، وألحقه بسجلماسة، فبعث إليه أبوه عريف بالرجوع عنه إرضاء لأبي عنان، فلما خلص الأمر لأبي عنان أقطع ونزمار قلعة تاوغزوت والسرسو كثيرا من بلاد توجين وهلك عريف فاستقدمه وأجلسه مجلس أبيه حذو أريكته.
стр. 2415
وبعد موت أبي عنان كثرت الاضطرابات بالمغربين الأوسط والأقصى فنبذ ونزمار مجلس السلطان، وانتبذ بوادي ملوية، وبنى هنالك قصر مرادة وغيره وتوجهت إليه ملوك مرين وغيرهم وشيوخ العرب ورؤساء الأقطاع مستشيرين صادرين عن رأيه، وكان يحاول استئصال دولة عبد الواد وهو علة ضعفهم ومحرك الحروب والثورات عليهم، وخرب أبو حمو قصر مرادة من منتزهاته سنة ٧٨٥ هـ فانتقم منه ونزمار بإدخال مرين تلمسان وتخريبهم قصور الملك بها ولم أعلم متى مات؟ ويظهر أن سويدا بعده تلاشى أمرها، ولم يبق لرؤسائهم كبير اعتبار.
وبنو عامر كانت رئاستهم في بني يعقوب ويرادفهم بنو حميد، ثم سخط عثمان بن يغمراسن بني يعقوب ورضي عن بني حميد لاستقامتهم على طاعته. فاستشاط بنو يعقوب غيرة لتقديم بني عمهم، ووصلوا أيديهم بمرين ثم حالفوا سويدا، وعظمت رئاسة بني حميد، وتعددت بطونهم، فعد منها الشيخ عبد القادر المشرفي سبعًا وستين، ولم يسلم بنو حميد بعد من الخلاف على دولة عبد الواد فكان من رؤسائهم من وصلوا أيديهم بمرين أو بالحفصيين. ثم كان بين أبناء أبي حمو الثاني نزاع شديد على الملك كان لبني عامر فيه اليد الطولى، ثم أصبحوا بعد سقوط دولة بني عبد الواد بعضهم جندًا لإسبان وهران وبعضهم رعية لهم.
وكان رئيس بني يعقوب إمرة يغمراسن وابنه داود بن هلال بن عطاف بن رداد بن كريش بن عياد بن منيع بن يعقوب، وكان أبو بكر بن أبي إسحاق الحفصي لدى عثمان بن يغمراسن، ورام امتلاك بجاية على عمه أبي حفص فمنعه، فتظاهر بالصيد، ولحق بداود بن هلال، فأمره عثمان برده عليه، فأبى وأوصله إلى عطية بن سُلَيْمان الذوادي، فتغلب على بجاية، وأقطع داود أرض كدارة من بسيط حمزة، وسخطه عثمان بن يغمراسن فلحق بالصحراء، وكان حصار يوسف بن يعقوب لتلمسان، فوفد عليه داود برسالة من أبي زكريا، فكان ليوسف في تلك الرسالة ريبة، فلما قفل من عنده بعث إثره من قتله في سيق.
وخلفه ابنه سعيد، وانجلى الحصار عن تلمسان، فرضي عنه عبد الواد لقتل مرين أباه، ثم دفعته الغيرة من مكانة بني حميد إلى الوفود على السلطان أبي ثابت
стр. 2416
المريني، فرده بخفي حنين، وقتله بنو حميد أيام أبي حمو الأول، فخلفه ابنه عثمان واختلفت أيامه مع بني حميد سلما وحربًا، ثم حالف سويدا، ولحق في قومه بالمغرب احتماء بعريف بن يحيى السويدي، ثم عادوا إلى مواطنهم لما زحف أبو الحسن إلى تلمسان، فقتل بنو حميد عثمان، وخلفه رديفه هجرس بن غانم بن هلال إلى أن مات، فخلفه سُلَيْم بن داود، ثم ابنه ساسي، فلم يزل ساسي بن سُلَيْم لعبد الواد، وانتقل إلى النضر من عروة.
وكان رئيس بني حميد لعهد يغمراسن معروف بن سعيد بن رباب ثم ابنه يعقوب، وكان مع داود بن هلال في إنجاد عامر لأبي بكر بن زغلي على رياح، ثم ابنه إبراهيم، وهلك بعد مقتل سعيد بن داود، فخلفه ابنه عامر، وكان شهمًا حازمًا حسن السمعة، ووفد على أبي سعيد سلطان مرين قبل سنة ٧٢٠ هـ وخطبه بنته، فأنكحه عامر إياها، ووصله السلطان بمال وفير، وقتله عثمان بن سعيد اليعقوبي غدرًا.
وخلفه ابنه صغير وفر في قومه إلى الصحراء لما ملك أبو الحسن تلمسان ونزل القليعة جنوب مزاب، ثم جاءه تائبًا، وصحبه إلى تونس وحضر معه وقعة القيروان وعادت تلمسان لعبد الواد، فأخلص لهم الطاعة، وملك أبوعنان تلمسان فأصحر كعادته، وردد الغارات على أطراف ممالك مرين، ووصل يده بأعدائهم، وبلغه خلاف يعقوب بن علي الذوادي على أبي عنان فوفد بقومه عليه، وأبو حمو الثاني يومئذ بتونس، فاتفق يعقوب وصغير على تجهيزه لطلب ملك سلفه بتلمسان، فعاد به صغير في جمع من الذواودة أبلغوهم تخوم بلادهم. ولقيتهم سويد فهزموها، واحتلوا تلمسان بعد وفاة أبي عنان ومات صغير سنة ٧٦١ هـ ودفن بالعباد، واحتفى أبو حمو بجنازته.
وخلف صغيرا أخوه خالد، ويرادفه عبد الله بن صغير، وكان أبو حمو قد قرب إليه عبد الله بن عسكر بن معرف بن يعقوب بن معروف بن سعيد فحملت الغيرة خالدًا على الخلاف، ووصل يده بعبد العزيز سلطان مرين، وحارب أبا حمو ونال منه ثم غمس يده في ثورة أبي زيان، فأخرج له أبو حمو ابنه أبا تاشفين في جموع سويد والديالم والعطاف وغيرهم، وكانت جموع خالد عظيمة لكن أبا
стр. 2417
تاشفين هزمه وقتل عبد الله وملوك ابني أخيه صغير في وادي مينة سنة ٧٧٧ هـ وهلك خالد على فراشه سنة ٧٧٨ هـ.
وخلفه المسعود بن صغير، فكان دون عمه، وافترقت عنه الجموع وتخلى عنهم أبو زيان، وضاقت به السبل فاستأمن لأبي حمو هو وساسي بن سُلَيْم، فأمنهما وقومهما، وعزم على استئصالهم فقبض ذات يوم على المسعود وعشرة من بني عامر بن إبراهيم، وصبح أبو تاشفين أحياء بني يعقوب بسيرات، ثم اعترض فلهم ببني راشد فعظمت النكاية، ونجا ساسي إلى النضر، وشفع أبو العباس سلطان مرين بسعي ونزمار بن عريف في المسعود وجماعته، فسرحهم أبو حمو، وعادوا إلى الخلاف، وضعفت مرين عن صريخهم. فاستصرخوا صاحب تونس أبا العباس الحفصي؛ فوعدهم. ووفد عليه علي بن عمر بن إبراهيم كبير الثائرين على أبي حمو بعد ابن عمه خالد، فلم يزده على المواعيد، وهنالك خضع لأبي حمو فقدمه علي بني عامر، وكان قد استبد برئاسة عامر بعد خلاف خالد بن عامر عمه سُلَيْمان بن إبراهيم ويرادفه عبد الله بن عسكر إلى أن عزله أبو حمو بعلي ابن أخيه فلحق ببني يعقوب النازلين على أبي بكر بن عريف.
هذا ما أفادناه ابن خلدون من أخبار العرب وإننا لنأسف لإغفال من بعده هذا الشأن، فلم نجد حديثًا نصله بحديثه الا نتفا لا تجلي غامضًا وقد تكون رسائل صغيرة مبعثرة في زوايا الوطن لو جمعت لتكونت منها حلقات لهذه السلسلة، غير أننا لم نسمع بها، ولعل الله يبعث في الأمة روحًا علمية فيظهر كل ما لديه من حلقات.
رؤساء القبائل
كانت رئاسة البوادي بالجزائر الحفصية لشيوخ من القبائل القوية، وقد مرت أخبار العرب في بابها، وأظهر المعاصرين لهم من البربر هم مليكش وزواوة وصنهاجة وسدويكش وبنو تليلان وريغة وورقلة.
وكان مليكش مستعلين بمتيجة على الثعالبة، وهم تابعون لوالي الجزائر يستقيمون باستقامته وينحرفون بانحرافه، ورفع منزلتهم أبو زكريا يحيى الأول فعقد لشيخهم منصور سنة ٦٤٠ هـ ومنحه أبهة الملوك مزاحمة ليغمراسن بن زيان،
стр. 2418
ومر به العبدري سنة ٦٨٩ هـ فرماه باللؤم والبخل وكل نقيصة؛ لكنه شاعر لا تؤخذ عنه الحقائق التاريخية، ولم تزل رئاسة متيجة لبني منصور حتى غلب على الجزائر أبو حمو الزياني سنة ٧١٢ هـ ففروا إلى الحفصيين، وأخذ الثعالبة بعدهم في الظهور.
وكان من زواوه بنو يراتن ذوي سيادة، ورئاستهم في بني عبد الصمد، وشاخت منهم عجوز اسمها شمسي، لها عشرة بنين عظم أمرها بهم، ونزل عليها ابن هيدور من خدام أبي عبد الرحمن بن أبي الحسن المريني مدعيًا أنه أبو عبد الرحمن وداعيًا إلى الثورة على أبيه، وأبو الحسن يومئذ بمتيجة، فسرب الأموال في بنيها وقومها، فأجارته وقامت بدعوته حتى تبين كذبه، فنبذته ولحق بالذواودة.
وكانت عمدة بجاية جنود صنهاجة، ولها إقطاعات بنواحيها ولكبرائها مكانة في الدولة، فكان يعقوب بن خلوف منهم يلقب المزوار ويستخلفه ببجاية أبو زكريا المنتخب، ومات فخلفه ابنه عبد الرحمن واستخلفه خالد الأول لما نهض إلى تونس سنة ٧٠٩ هـ فثبت على ولائه له لما دعا أبو بكر بقسنطينة لنفسه، فزحف له أبو بكر وكانت بينهما معركة، وعاد أبو بكر إلى قسنطينة مفلولا، وانتهبت صنهاجة معسكره واتبعته إلى ميلة وحاصرته بقسنطينة أيامًا ثم عادت إلى بجاية.
وفي هذه المرة ظهر ابن اللحياني بطرابلس محاربًا لخالد الأول فوصل أبو بكر يده به وأوفد عليه حاجبه ابن غمر وتظاهر بنكبته، فصادر منازله وسطا بحاشيته، فعل ذلك كيدا لابن الخلوف، واستيقن ابن الخلوف اختلال أمر خالد وطمع في حجابة أبي بكر، وسفر بينهما عثمان بن سباغ الذوادي وغيره فأحكموا السلم بينهما وعهد أبو بكر بحجابته لابن الخلوف، وارتحل إلى بجاية سنة ٧١٢ هـ فلقيه ابن الخلوف بفرجيوة، ومن الليل غدر به أبو بكر، فقتله وأغذ السير إلى بجاية، فدخلها على حين غفلة، وغضب عثمان بن سباع وصنهاجة لهذه الخيانة فوصلوا أيديهم بأبي حمو الأول الزياني.
ومن زعماء صنهاجة منصور بن إبراهيم بن الحاج، ثار سنة ٧٥٣ هـ على مرين المحتلين ببجاية ولكن كبار البجائيين خشوا سطوة أبي عنان فبعثوا إليه بطاعتهم وأخرجوا منصورًا وحزبه من المدينة فتفرقوا في الجهات ولحق كبراؤهم
стр. 2419
بتونس، ثم كانت لصنهاجة كرة أخرى على يد أحمد ابن القاضي لما تقلص ظل الدولة الحفصية عن الجزائر وظهر بها الأتراك.
وكان بنو تليلان ممتنعين بجبلهم الممتد شمال ميلة وقسنطينة إلى أن غلب الموحدون على إفريقيا فوفد شيخهم أبو بكر على الخليفة بمراكش وتقرب إليه بفرض المغرم على جبل قومة وثبت عقبه على الولاء لدولتي الموحدين وبقوا على رئاستهم بالجبل، وعرفوا بأولاد ثابت وسمي الجبل بهم، ويظهر أن جبلهم هو المدعو اليوم سقاو، بقاف بدوية مخففة قبالة ميلة، فإن سقاو كثير المياه والثمار وبه آثار حصون مدهشة، وقد قال يحيى بن خلدون: "فتح أبو حمو الزياني ميلة آخر شوال سنة ٧٥٨ هـ وأصمد قومه رابع يوم فتحها إلى جبل بني ثابت" اهـ.
ومن بني ثابت حسن بن إبراهيم بن أبي بكر بن ثابت، ولَّاه أبو بكر حجابته لما خرج إلى بجاية سنة ٧١٢ هـ وأناب بقسنطينة أخاه عبد الله، ثم عاد ابن غمر من وفادته على ابن اللحياني، فسعى بينهما لدى أبي بكر كي يخلو له وجهه فقتل عبد الله بفرجيوة سنة ٧١٣ هـ وكان أخوه حسن قد خرج لجباية الوطن، فأوعز أبو بكر بقتله إلى عبد الكريم بن منديل السدويكشي فقتله بوادي القطن، وهو واد شرقي ميلة قريب منها يصب في وادي قسنطينة.
قال ابن خلدون: وكان آخرهم رئاسة بالجبل علي؛ أدرك دولة بني مرين بإفريقيا وولي بعده ابنه عبد الرحمن ووفد على أبي عنان بفاس ولما استجد السلطان أحمد حفيد أبي بكر دولته بإفريقيا استولى عليهم ومحى أثر مشيختهم ورئاستهم وصيَّرهم في عداد جنده وحاشيته واستعمل في الجبل عماله" اهـ.
وبقية بني ثابت مساكنون اليوم لقبيلتنا أولاد مبارك، وهم قليلون يدَّعون الشرف الشرعي شأن الأسر التي فقدت الشرف الحربي.
وكانت رئاسة سدويكش في أولاد سواق ثم في بني سيلين، ومواطنهم في عمل بجاية وقريتهم بنو ورار بتخفيف الراء هي آخر ذلك العمل، وربما دعيت بني وراء أو بني ياوراء أو بني تاوريرت، وهي في آخر وطن فرجيوة غربًا بقربها أنقاض مدينة إيكجان وبمقربة من أنقاضها اليوم قرية بني عزيز، وكانت تمر بها
стр. 2420
الطريق من قسنطينة إلى بجاية فذكرها أديب قسنطينة علي بن الفكون في نظم رحلته إلى مراكش بقوله:
وكم أورت ظباء بني ورار … أوار الشرق بالريق الشهي
وجمع العبدري بينها وبين ميلة، فقال في رحلته:
"ثم وصلنا إلى بني ورار ثم إلى ميلة فلم نر إلا رسومًا بحوادث الدهر محيلة، وكلاهما على شكل مدينة ليست بثمينة ولا متينة عمل البلاء فيهما وفي السكان وأدخل الجميع في خبر كان، وفي كلتيهما عين تسح وعنصر يجود ولا يشح، وبنو ورار أعمر المحلين وعينهما أغزر العينين" اهـ، واليوم بنو ورار خراب وميلة لم تزل عامرة.
وكان رئيس أولاد سواق هو علي بن علاوة بن سواق ثم أبناءه طلحة فيحيى فمنديل الذي عزله أبو بكر، وأدال من بني علاوة بني عمهم أولاد يوسف بن حمو بن سواق، فلحق بنو علاوة بجبل عياض، ثم كانت لهم كرة أيام أبي عنان. فعقد على سدويكش لمهنا بن تازير بن طلحة، ولكن قتله أولاد يوسف، فعاد بنو علاوة إلى جبل عياض، ورأس عليهم عدوان بن عبد العزيز بن زروق بن علي بن علاوة، ثم هلك وافترق بعده أمرهم، وبقيت رئاسة سدويكش لأولاد يوسف.
قال ابن خلدون: "ويرادف أولاد سواق في الرئاسة على بعض أحياء سدويكش بنوسكين، ومواطنهم جوار لواتة بجبل بابور وما إليه من نواحي بجاية، ورئاستهم في بني موسى بن ثاير، أدركنا ابنه صخر بن موسى، واختصه السلطان أبو يحيى بالرئاسة على قومه، وكان له مقامات في خدمته، ثم عرف بالوفاء مع ابنه الأمير أبي حفص، فلم يزل معه إلى أن أوقع به بنو مرين بناحية قابس، فقطعه السلطان أبوالحسن من خلاف، وهلك بعد ذلك فخلفه ابنه عبد الله، وكان له شأن في خدمة صاحب بجاية وهلك أعوام الثمانين، فخلفه ابنه محمد وهو لهذا العهد". اهـ.
يظهر أن سكين محرف سيلين، فإن الموطن لبني سيلين، وبني صخر معروفون برئاستهم، وكان لهم أيام السلطان أبي عمر عثمان تغلب على وطن