المريني، فرده بخفي حنين، وقتله بنو حميد أيام أبي حمو الأول، فخلفه ابنه عثمان واختلفت أيامه مع بني حميد سلما وحربًا، ثم حالف سويدا، ولحق في قومه بالمغرب احتماء بعريف بن يحيى السويدي، ثم عادوا إلى مواطنهم لما زحف أبو الحسن إلى تلمسان، فقتل بنو حميد عثمان، وخلفه رديفه هجرس بن غانم بن هلال إلى أن مات، فخلفه سُلَيْم بن داود، ثم ابنه ساسي، فلم يزل ساسي بن سُلَيْم لعبد الواد، وانتقل إلى النضر من عروة.
وكان رئيس بني حميد لعهد يغمراسن معروف بن سعيد بن رباب ثم ابنه يعقوب، وكان مع داود بن هلال في إنجاد عامر لأبي بكر بن زغلي على رياح، ثم ابنه إبراهيم، وهلك بعد مقتل سعيد بن داود، فخلفه ابنه عامر، وكان شهمًا حازمًا حسن السمعة، ووفد على أبي سعيد سلطان مرين قبل سنة ٧٢٠ هـ وخطبه بنته، فأنكحه عامر إياها، ووصله السلطان بمال وفير، وقتله عثمان بن سعيد اليعقوبي غدرًا.
وخلفه ابنه صغير وفر في قومه إلى الصحراء لما ملك أبو الحسن تلمسان ونزل القليعة جنوب مزاب، ثم جاءه تائبًا، وصحبه إلى تونس وحضر معه وقعة القيروان وعادت تلمسان لعبد الواد، فأخلص لهم الطاعة، وملك أبوعنان تلمسان فأصحر كعادته، وردد الغارات على أطراف ممالك مرين، ووصل يده بأعدائهم، وبلغه خلاف يعقوب بن علي الذوادي على أبي عنان فوفد بقومه عليه، وأبو حمو الثاني يومئذ بتونس، فاتفق يعقوب وصغير على تجهيزه لطلب ملك سلفه بتلمسان، فعاد به صغير في جمع من الذواودة أبلغوهم تخوم بلادهم. ولقيتهم سويد فهزموها، واحتلوا تلمسان بعد وفاة أبي عنان ومات صغير سنة ٧٦١ هـ ودفن بالعباد، واحتفى أبو حمو بجنازته.
وخلف صغيرا أخوه خالد، ويرادفه عبد الله بن صغير، وكان أبو حمو قد قرب إليه عبد الله بن عسكر بن معرف بن يعقوب بن معروف بن سعيد فحملت الغيرة خالدًا على الخلاف، ووصل يده بعبد العزيز سلطان مرين، وحارب أبا حمو ونال منه ثم غمس يده في ثورة أبي زيان، فأخرج له أبو حمو ابنه أبا تاشفين في جموع سويد والديالم والعطاف وغيرهم، وكانت جموع خالد عظيمة لكن أبا
стр. 2417
تاشفين هزمه وقتل عبد الله وملوك ابني أخيه صغير في وادي مينة سنة ٧٧٧ هـ وهلك خالد على فراشه سنة ٧٧٨ هـ.
وخلفه المسعود بن صغير، فكان دون عمه، وافترقت عنه الجموع وتخلى عنهم أبو زيان، وضاقت به السبل فاستأمن لأبي حمو هو وساسي بن سُلَيْم، فأمنهما وقومهما، وعزم على استئصالهم فقبض ذات يوم على المسعود وعشرة من بني عامر بن إبراهيم، وصبح أبو تاشفين أحياء بني يعقوب بسيرات، ثم اعترض فلهم ببني راشد فعظمت النكاية، ونجا ساسي إلى النضر، وشفع أبو العباس سلطان مرين بسعي ونزمار بن عريف في المسعود وجماعته، فسرحهم أبو حمو، وعادوا إلى الخلاف، وضعفت مرين عن صريخهم. فاستصرخوا صاحب تونس أبا العباس الحفصي؛ فوعدهم. ووفد عليه علي بن عمر بن إبراهيم كبير الثائرين على أبي حمو بعد ابن عمه خالد، فلم يزده على المواعيد، وهنالك خضع لأبي حمو فقدمه علي بني عامر، وكان قد استبد برئاسة عامر بعد خلاف خالد بن عامر عمه سُلَيْمان بن إبراهيم ويرادفه عبد الله بن عسكر إلى أن عزله أبو حمو بعلي ابن أخيه فلحق ببني يعقوب النازلين على أبي بكر بن عريف.
هذا ما أفادناه ابن خلدون من أخبار العرب وإننا لنأسف لإغفال من بعده هذا الشأن، فلم نجد حديثًا نصله بحديثه الا نتفا لا تجلي غامضًا وقد تكون رسائل صغيرة مبعثرة في زوايا الوطن لو جمعت لتكونت منها حلقات لهذه السلسلة، غير أننا لم نسمع بها، ولعل الله يبعث في الأمة روحًا علمية فيظهر كل ما لديه من حلقات.
رؤساء القبائل
كانت رئاسة البوادي بالجزائر الحفصية لشيوخ من القبائل القوية، وقد مرت أخبار العرب في بابها، وأظهر المعاصرين لهم من البربر هم مليكش وزواوة وصنهاجة وسدويكش وبنو تليلان وريغة وورقلة.
وكان مليكش مستعلين بمتيجة على الثعالبة، وهم تابعون لوالي الجزائر يستقيمون باستقامته وينحرفون بانحرافه، ورفع منزلتهم أبو زكريا يحيى الأول فعقد لشيخهم منصور سنة ٦٤٠ هـ ومنحه أبهة الملوك مزاحمة ليغمراسن بن زيان،
стр. 2418
ومر به العبدري سنة ٦٨٩ هـ فرماه باللؤم والبخل وكل نقيصة؛ لكنه شاعر لا تؤخذ عنه الحقائق التاريخية، ولم تزل رئاسة متيجة لبني منصور حتى غلب على الجزائر أبو حمو الزياني سنة ٧١٢ هـ ففروا إلى الحفصيين، وأخذ الثعالبة بعدهم في الظهور.
وكان من زواوه بنو يراتن ذوي سيادة، ورئاستهم في بني عبد الصمد، وشاخت منهم عجوز اسمها شمسي، لها عشرة بنين عظم أمرها بهم، ونزل عليها ابن هيدور من خدام أبي عبد الرحمن بن أبي الحسن المريني مدعيًا أنه أبو عبد الرحمن وداعيًا إلى الثورة على أبيه، وأبو الحسن يومئذ بمتيجة، فسرب الأموال في بنيها وقومها، فأجارته وقامت بدعوته حتى تبين كذبه، فنبذته ولحق بالذواودة.
وكانت عمدة بجاية جنود صنهاجة، ولها إقطاعات بنواحيها ولكبرائها مكانة في الدولة، فكان يعقوب بن خلوف منهم يلقب المزوار ويستخلفه ببجاية أبو زكريا المنتخب، ومات فخلفه ابنه عبد الرحمن واستخلفه خالد الأول لما نهض إلى تونس سنة ٧٠٩ هـ فثبت على ولائه له لما دعا أبو بكر بقسنطينة لنفسه، فزحف له أبو بكر وكانت بينهما معركة، وعاد أبو بكر إلى قسنطينة مفلولا، وانتهبت صنهاجة معسكره واتبعته إلى ميلة وحاصرته بقسنطينة أيامًا ثم عادت إلى بجاية.
وفي هذه المرة ظهر ابن اللحياني بطرابلس محاربًا لخالد الأول فوصل أبو بكر يده به وأوفد عليه حاجبه ابن غمر وتظاهر بنكبته، فصادر منازله وسطا بحاشيته، فعل ذلك كيدا لابن الخلوف، واستيقن ابن الخلوف اختلال أمر خالد وطمع في حجابة أبي بكر، وسفر بينهما عثمان بن سباغ الذوادي وغيره فأحكموا السلم بينهما وعهد أبو بكر بحجابته لابن الخلوف، وارتحل إلى بجاية سنة ٧١٢ هـ فلقيه ابن الخلوف بفرجيوة، ومن الليل غدر به أبو بكر، فقتله وأغذ السير إلى بجاية، فدخلها على حين غفلة، وغضب عثمان بن سباع وصنهاجة لهذه الخيانة فوصلوا أيديهم بأبي حمو الأول الزياني.
ومن زعماء صنهاجة منصور بن إبراهيم بن الحاج، ثار سنة ٧٥٣ هـ على مرين المحتلين ببجاية ولكن كبار البجائيين خشوا سطوة أبي عنان فبعثوا إليه بطاعتهم وأخرجوا منصورًا وحزبه من المدينة فتفرقوا في الجهات ولحق كبراؤهم
стр. 2419
بتونس، ثم كانت لصنهاجة كرة أخرى على يد أحمد ابن القاضي لما تقلص ظل الدولة الحفصية عن الجزائر وظهر بها الأتراك.
وكان بنو تليلان ممتنعين بجبلهم الممتد شمال ميلة وقسنطينة إلى أن غلب الموحدون على إفريقيا فوفد شيخهم أبو بكر على الخليفة بمراكش وتقرب إليه بفرض المغرم على جبل قومة وثبت عقبه على الولاء لدولتي الموحدين وبقوا على رئاستهم بالجبل، وعرفوا بأولاد ثابت وسمي الجبل بهم، ويظهر أن جبلهم هو المدعو اليوم سقاو، بقاف بدوية مخففة قبالة ميلة، فإن سقاو كثير المياه والثمار وبه آثار حصون مدهشة، وقد قال يحيى بن خلدون: "فتح أبو حمو الزياني ميلة آخر شوال سنة ٧٥٨ هـ وأصمد قومه رابع يوم فتحها إلى جبل بني ثابت" اهـ.
ومن بني ثابت حسن بن إبراهيم بن أبي بكر بن ثابت، ولَّاه أبو بكر حجابته لما خرج إلى بجاية سنة ٧١٢ هـ وأناب بقسنطينة أخاه عبد الله، ثم عاد ابن غمر من وفادته على ابن اللحياني، فسعى بينهما لدى أبي بكر كي يخلو له وجهه فقتل عبد الله بفرجيوة سنة ٧١٣ هـ وكان أخوه حسن قد خرج لجباية الوطن، فأوعز أبو بكر بقتله إلى عبد الكريم بن منديل السدويكشي فقتله بوادي القطن، وهو واد شرقي ميلة قريب منها يصب في وادي قسنطينة.
قال ابن خلدون: وكان آخرهم رئاسة بالجبل علي؛ أدرك دولة بني مرين بإفريقيا وولي بعده ابنه عبد الرحمن ووفد على أبي عنان بفاس ولما استجد السلطان أحمد حفيد أبي بكر دولته بإفريقيا استولى عليهم ومحى أثر مشيختهم ورئاستهم وصيَّرهم في عداد جنده وحاشيته واستعمل في الجبل عماله" اهـ.
وبقية بني ثابت مساكنون اليوم لقبيلتنا أولاد مبارك، وهم قليلون يدَّعون الشرف الشرعي شأن الأسر التي فقدت الشرف الحربي.
وكانت رئاسة سدويكش في أولاد سواق ثم في بني سيلين، ومواطنهم في عمل بجاية وقريتهم بنو ورار بتخفيف الراء هي آخر ذلك العمل، وربما دعيت بني وراء أو بني ياوراء أو بني تاوريرت، وهي في آخر وطن فرجيوة غربًا بقربها أنقاض مدينة إيكجان وبمقربة من أنقاضها اليوم قرية بني عزيز، وكانت تمر بها
стр. 2420
الطريق من قسنطينة إلى بجاية فذكرها أديب قسنطينة علي بن الفكون في نظم رحلته إلى مراكش بقوله:
وكم أورت ظباء بني ورار … أوار الشرق بالريق الشهي
وجمع العبدري بينها وبين ميلة، فقال في رحلته:
"ثم وصلنا إلى بني ورار ثم إلى ميلة فلم نر إلا رسومًا بحوادث الدهر محيلة، وكلاهما على شكل مدينة ليست بثمينة ولا متينة عمل البلاء فيهما وفي السكان وأدخل الجميع في خبر كان، وفي كلتيهما عين تسح وعنصر يجود ولا يشح، وبنو ورار أعمر المحلين وعينهما أغزر العينين" اهـ، واليوم بنو ورار خراب وميلة لم تزل عامرة.
وكان رئيس أولاد سواق هو علي بن علاوة بن سواق ثم أبناءه طلحة فيحيى فمنديل الذي عزله أبو بكر، وأدال من بني علاوة بني عمهم أولاد يوسف بن حمو بن سواق، فلحق بنو علاوة بجبل عياض، ثم كانت لهم كرة أيام أبي عنان. فعقد على سدويكش لمهنا بن تازير بن طلحة، ولكن قتله أولاد يوسف، فعاد بنو علاوة إلى جبل عياض، ورأس عليهم عدوان بن عبد العزيز بن زروق بن علي بن علاوة، ثم هلك وافترق بعده أمرهم، وبقيت رئاسة سدويكش لأولاد يوسف.
قال ابن خلدون: "ويرادف أولاد سواق في الرئاسة على بعض أحياء سدويكش بنوسكين، ومواطنهم جوار لواتة بجبل بابور وما إليه من نواحي بجاية، ورئاستهم في بني موسى بن ثاير، أدركنا ابنه صخر بن موسى، واختصه السلطان أبو يحيى بالرئاسة على قومه، وكان له مقامات في خدمته، ثم عرف بالوفاء مع ابنه الأمير أبي حفص، فلم يزل معه إلى أن أوقع به بنو مرين بناحية قابس، فقطعه السلطان أبوالحسن من خلاف، وهلك بعد ذلك فخلفه ابنه عبد الله، وكان له شأن في خدمة صاحب بجاية وهلك أعوام الثمانين، فخلفه ابنه محمد وهو لهذا العهد". اهـ.
يظهر أن سكين محرف سيلين، فإن الموطن لبني سيلين، وبني صخر معروفون برئاستهم، وكان لهم أيام السلطان أبي عمر عثمان تغلب على وطن
стр. 2421
بجاية، وأعفوا ذكر أولاد يوسف، ففي سنة ٨٤٠ هـ نازل السلطان نفسه عبد الله بن عمر بن صخر، ولم ينل منه حتى قتل غدرا سنة ٨٤٣ هـ وحملت رأسه إلى السلطان، وفي سنة ٨٤٦ هـ قتل محمد بن يحيى السيليني عبد المؤمن بن أحمد والي بجاية، وعظم صيت محمد بن سعيد من بني صخر من بعد، واختلفت أحواله مع السلطان بين ولاء وعداء، فنقله وأهله سنة ٨٦٤ هـ إلى تونس، ثم سرحه سنة ٨٦٧ هـ فأثار عليه محمد المتوكل سلطان تلمسان سنة ٨٧٠ هـ وكان يدعو له من قبل. وقد انقطعت عنا أخبار شمال الجزائر الحفصية بعد المراكشي الذي انتهى إلى أيام أبي عمر عثمان. أما الجنوب فكانت به لورقلة وريغة رئاسة، وربما قطعتها الدولة فتجددت بعد حين، ولم تزل الإمارة بورقلة وتقرت حتى العصر التركي.
قال ابن خلدون ما ملخصه: "اختطت ريغة ما بين الزاب وورقلة قرى كثيرة في عدوة وادي ينحدر من الغرب إلى الشرق منها المصر الكبير والقرية المتوسطة والأطم، قد نضدت حفافيها النخيل وانساحت خلالها المياه، "وكان وادي ريغ من عمل الزاب وفي إقطاع الذواودة، فكثيرا ما يعسكر عليهم ابن مزني أو الذواودة لاقتضاء الجباية، وأكبر تلك الأمصار تقرت وهو مصر مستبحر العمران بدوي الأحوال كثير المياه والنخل، وكانت رئاسته لعبيد الله بن يوسف بن عبد الله ثم لأبنائه داوود فيوسف فمسعود ثم الحسن بن مسعود ثم ابنه أحمد شيخها اليوم، وتماسين دون تقرت في العمران والخطة، ورئاسته لبني إبراهيم من ريغة أيضًا وسائر أمصار ريغة كل مصر منها مستبد بأمره وحرب لجاره، وورقلة اختطوا المصر المعروف بهم، ودخله أبو زكريا الأول في مطاردته لابن غانية، فزاد في تمصيره، واختط مسجده العتيق ومأذنته المرتفعة ونقش في الحجارة اسمه وتاريخ وضعه، وهو باب أهل الزاب إلى السودان، ويعرف رئيسه باسم السلطان شهرة غير نكيرة بينهم، وهو اليوم أبو بكر بن موسى بن سُلَيْمان من بني أبي غبول، فخذ من بني واكير إحدى بطون بني ورقلة، ورئاستهم متصلة في عمود هذا النسب، وكان يوسف بن عبيد الله صاحب تقرت تغلب على أبي بكر أزمان حداثته" اهـ.
стр. 2422
وقال الزركشي ما ملخصه: "وكان يوسف بن حسن من بيت مشيخة تقرت قد منع جبايته لأول دولة أبي عمر عثمان، فخرج إليه سنة ٨٥٣ هـ وحاصره وقطع النخيل، ودافعه يوسف أيامًا حتى عجز، فدخل عليه المدينة، وقدم عليها قائدًا من قبله، وأخذ يوسف وولده وأخاه وعمه وأهله فاعتقلهم بتونس، ثم بلغه خلاف أهل تقرت، فخرج إليهم آخر سنة ٨٦٩ هـ وأغرمهم مالا وهدم سور البلد، وقدم عاملا بورقلة، وأخذ منها ومن مزاب مالا جليلا، وقفل فدخل تونس في رجب سنة ٨٧٠". انتهى قول مبارك الهلالي الميلي.
стр. 2423
بعض ما قاله الدكتور إحسان عباس عن اجتياح بني همل للمغرب (*)
قال عن خزرون بن خليفة بن وروا (٤٢٩ - ٤٣٠ هـ) في طرابلس الغرب:
يذهب التجاني إلى أن الوالي السابق سعيد بن خزرون قتلته زُغبة سنة ٤٢٩ هـ، وقد استشكل ابن خلدون على هذا؛ لأن زُغبة لم تصل إفريقيا إلا بعد سنة ٤٤٠ هـ إلا إذا كان بعض بطونها قد هاجر في تاريخ مبكر، وهذا شيء لم يرد عند أحد من المؤرخين (١)، وعلى الرغم من أن ابن خلدون يثير هذا الاعتراض فإنه هو نفسه يتحدث في غير موطن من كتابه عن قتل زغبة لسعيد بن خزرون (٢)، وإذا أخذنا بهذا الرأي وجب علينا أن نجعل حكم سعيد بعد سنة ٤٤٣ هـ، أو أن نفترض أن سعيدا الذي قتلته زغبة شخص غير الذي تقدم ذكره، أترى أن التجاني حين ذكر ٤٢٩ هـ كان يعني ٤٤٩ هـ؟ إذا صح هذا تغير تاريخنا للفترة التي حكم فيها بنو خزرون بعد سعيد.
وأيا كان المسؤول عن مقتل سعيد فإن الذي خلفهُ هو خزرون بن خليفة حفيد وروا، المتقدم الذكر، وكان أبو الحسن بن المنمر الثائر على التشيع من أكبر شخصيات طرابلس الدينية، ففتح المدينة له فدخلها وأقام فيها أشهرا، ثم لما كان شهر ربيع الأول من سنة ٤٣٠ هـ وصل المنتصر بن خزرون يقود عساكر زناته، ففرَّ خزرون بن خليفة من طرابلس ودخلها المنتصر وعاقب أبا الحسن بن المنمر بمصادرة أملاكه وبنفيه من البلد ونكل بأقاربه وعذبهم (٣).
وقال عن المنتصر بن خزرون (٤٣٠ هـ - ٤٦٠ هـ) مع بني هلال:
في أيامه جدد المعز محاولاته لأخذ طرابلس فهاجمها في عام ٤٣٠ هـ، فبرزت إليه زناته وهزمته، وكانت أخته أم العلو بنت باديس في الأسرى، غير أن
стр. 2424
المنتصر أطلقها وردها إلى أخيها، وهاجم المعز زناته مرة أخرى، ولم تكن حاله في الهجوم الثاني خيرا من الأول، ثم عاود الهجوم ثالثة فكان النصر حليفه، وأذعنت زناته لسلطانه واتقته بالمهادنة، وهدأت الأحوال من حول المنتصر، وفي أيام المسالمة بينه وبين المعز أهدى إليه المعز هدايا كثيرة وأعطاه مائة ألف دينار دفعة واحدة (١).
وفي أيامه داهمت العربان من بني هلال إفريقيا ودارت بينها وبين زناته حروب طاحنة في منطقة طرابلس، ثم وجد المنتصر أنه لا قبل له بها، فاكتفى بحكم طرابلس - البلد وحده - تاركا ما حوله كله لزغبة، ثم جاءت سُلَيْم فدفعت زغبة عن ضواحي طرابلس واستقرت فيها، ورأى المنتصر أن من مصلحته محالفة القبائل البدوية من بني عدي الهلاليين فشاركهم في غزو مملكة بني حماد وهاجم المسيلة وأشير ولكن ناصر بن حماد استطاع أن يهزمه ففر إلى أشير وتحصن فيها.
وقال عن بني قُرَّة الهلاليين في برقة:
من الواضح أن بني قُرَّة الذين كانوا يحتلون الجبل الأخضر من برقة قد شاركوا أقرباءهم من الهلاليين في الانسياح والغزو بزعامة شيخهم ماضي بن مقرب، ثم انضاف إلى جماعاتهم بنو خزرون الزناتيون رغم ما وقع من معارك بين الفريقين أول حلول القبائل منطقة طرابلس، وقد تحدثنا كيف قام المنتصر بن خزرون معهم بشن الحرب علي بني حماد ثم كيف امتدت موجة سُلَيْم من برقة حتى ولاية طرابلس ودفعت بني زغبة عن مواطنها الأولى.
وتوالت موجات الأعراب هؤلاء، إذ يحدثنا ابن عذاري أن فريقا منهم اندفع من برقة سنة ٤٦٨ هـ ونزل حول القيروان.
وقال عن دخول طرابلس في طاعة الموحدين وتصدي بني هلال لهم:
يتضح لنا الانشطار الكامل في الأهداف إذا نحن عدنا قليلا في الزمن لنقارن بين نظرة أهل طرابلس إلى الموحدين ونظرة شيوخ القبائل البدوية - ومن خلفهم قبائلهم - إلى تلك الدولة الناشئة، فالطرابلسيون - مثلا - أبوا أن يقوموا
стр. 2425
بحملة "دعاية" ضد الموحدين، ولعل الانتصارات الموحدية هي التي شجعتهم على الثورة وبعثت في نفوسهم أملا بأنهم رغم بعد الموحدين عنهم يستطيعون الركون إلى القوة المعنوية التي أخذ الموحدون يشيعونها في نفوس الناس في الشمال الإفريقي ضد سيطرة الحاكم الأجنبي، وعلى النقيض من ذلك كان موقف شيوخ هلال من الأثبج وعدي ورياح ورغبة وغيرهم - امتدادا من أرض طرابلس حتى أقصى ما بلغوه من حدود الاستيطان في المغرب - فإنهم حين وجدوا أن عبد المؤمن قد استولى على بلاد بني حماد، رأوا أن يقاتلوه ويوقفوه عند حدوده، وتشاور محرز بن زياد وجبارة بن كامل وحسن بن ثعلب وعيسى بن حسن وغيرهم من الشيوخ، واجتمع أمرهم على أن دولة الموحدين هي العدو الكبير الذي لا بد لهم من مواجهته بحزم، وتحالفوا على التعاون وأن لا يخون بعضهم بعضا، وقرروا أن يجمعوا في المعركة حريمهم وأولادهم وأموالهم لتكون الحرب استيئاسا، وكان ملك صقلية من وراء هذه الحركة يحرضهم ويستنفرهم بل إنه عرض عليهم أن يرسل لهم بعض جيشه، وكانت النهاية هي هزيمتهم أمام الموحدين في معركة سطيف بالمغرب الأوسط (الجزائر حاليا) كما ذكرت المصادر التاريخية، وقد رحَّلوا قسمًا منهم إلى المغرب الأقصى.
وقال عن استنفار الموحدين لبني هلال في غزو الأندلس:
عندما عقد أمير المؤمنين النية على غزو الأندلس سنة ٥٦٦ هـ فإنه كلف ابن الطفيل بأن يستنفر العرب فكتب إليهم قصيدة مطلعها (١):
أقيموا صدور الخيل نحو المغارب … غزو الأعادي واقتناء الرغائب
وفيها يقول لهم:
ألا فابعثوها همة عربية … تخف بأطراف القنا والقواضب
أفرسان قيس من هلال بن عامر … وما جمعت من طاعن ومُضارب
لكم قبة للمجد شدوا عمادها … بطاعة أمر الله من كل جانب
стр. 2426
دعوناكم نبغي خلاص جميعكم … دعاء بريئا من جميع الشوائب
نريد لكم ما نبتغي ننفوسنا … ونؤثركم زلفى بأعلى المراتب
فلا تزهدوا في نيل حظكم الذي … لكم فيه فوز من جميع المطالب
بكم نصر الإسلام بدءا فنصره … عليكم - وهذا عوده - جد واجب
فلما تأخر قدومهم عليه بعث بقصيدة أخرى؛ فخف إلى مراكش منهم أعداد شاركوا في الغزو إلى الأندلس؛ وقد ظلت قبائل هلال ورياح وزغبة تدين بطاعة الموحدين، حتى إنا لنراها عام ٥٧٦ هـ عندما توجه أبو يعقوب إلى قفصة والقيروان تلتف من حوله بالتأييد ويحضر إليه "جميع أشياخ العرب من قبيل رياح بالبدار والمسارعة بالطاعة".
وقال عن قراقوش وابن غانية ودور قبائل هلال وسُلَيْم معهما:
… ومما يقوي ما ذهبت إليه أن أعمال قراقوش تجاوزت طرابلس بكثير قبل ذلك العام، وأن لجوءه للموحدين ثم أيضا قبل ذلك فلعل تاريخ ٥٨٦ هـ - إن صح - يشير إلى احتلاله الثاني لمدينة طرابلس.
ولكن إذا كان قراقوش قد استولى على طرابلس في ذلك العام الذي ذكرته (أي ٥٧٩ هـ) فماذا كان موقف ابن مطروح رئيسها؟ أعتقد أن ابن مطروح كان قد تنازل قبل ذلك بقليل عن رياسة البلد لشيخوخته، وأن هناك واليا تسلم أمر طرابلس من قبل الموحدين، ولكن المصادر لم تذكره، ولم يكن في مقدور الموحدين أن يخفوا لنجدة طرابلس بسرعة، خصوصا وأن قراقوش وحلفاءه شغلوهم بالهجوم على منطقة قابس وغيرها.
وذلك أنه في تلك الأثناء وصل إلى طرابلس مغامر آخر هو علي بن غانية الذي كان يسعى ليعيد سلطان قومه الملثمين، فوجد في قراقوش حليفا ضد الموحدين، كما استمال كافة العربان من بني سُلَيْم، واجتمع إليه من كان منحرفا عن طاعة الموحدين من قبائل هلال مثل جشم ورياح والأثبج، والتف حوله قومه لمتونة، ولم يبق مخلصا للموحدين من العربان سوى بني زغبة، وبهذه الجموع قام
стр. 2427
علي بن غانية بغارات كثيرة افتتح فيها بلاد الجريد (سنة ٥٨١ هـ) وأقام الدعوة العباسية (١).
كتب إليه بالطاعة وأظهر دعوة التوحيد، ذلك هو أبو زيان الذي تصفه الرسالة السابقة الموحدية بأنه زعيم من رعماء الأغزار يضاهي قراقوش في قدره ويقاسمه في أمره (٢)؛ وهذا أمر تنفرد بذكره هذه الرسالة ولم أجده في غيرها من مصادر، ولعل أبا زيان هذا - وكنيته تدل على أنه "تأقلم" مغربيا ولم يعلن التوحيد فحسب - هو الذي خلفه قراقوش على حكم طرابلس، فلما وجد أنه يستطيع أن يعمل لحسابه الخاص استقل عن صاحبه.
ولم يكن قراقوش مخلصا في انضمامه إلى الموحدين ولكنه رأى فقدان أهله وأبنائه وضياع جهوده السابقة وخذلان صاحبه أبي زيان له وشهد كل ما بناه يتهاوى فرأى أن يرتاح قليلا وينال شيئا من الامن، ولا ندري المدة التي مكثها وهو يعيش في ظل الموحدين، غير أن انضواءه إليهم كان يعني حالة اضطرارية هي نتيجة النصر الذي أحرزه المنصور، ولم يكن خضوع قراقوش وقهر ابن غانية من ثمرات ذلك النصر فحسب، بل كان نقل العربان الضالعين معهما - ومع كل ثائر - من منطقة إفريقيا إلى المغرب الأقصى على سبيل الاحتجاز والإقامة القسرية نصرا آخر، وكان هؤلاء العربان هم جُشَم ورياح، وإذ لم يبق على ولائه للموحدين إلا قبائل زغبة، وقد أسكن المنصور قبيلة رياح ومعها زعيمها مسعود بن زمام في منطقة تدعى الهبط من أرض المغرب، وبدا قراقوش لعين الرائي حينئذ مفردا من كل نصير مسلوبا من جميع الوسائل التي يحتاجها الرجل المغامر.
ولكن هذا الغزي لم يتعود الحياة المطمئنة الوادعة؛ ولذا فإنه فر من حضرة السيد أبي زيد بن أبي حفص ومضى إلى مقره القديم، مدينة قابس، ودخلها بالحيلة واستولى عليها، وقتل جماعة من أشياخ ذباب والكعوب منهم محمود بن طوق أبو المحاميد وحميد بن جارية أبو قبيلة الجواري (٣)، وارتكب بهذا العمل
стр. 2428
أكبر غلطة، كلفته حياته من بعد؛ لأن العرب لا ينامون على الثأر مهما يطل عليه الأمد، ولقي حليفه علي بن غانية مصرعه عام ٥٨٤ هـ، فخلفه في مظاهرة قراقوش أخوه يحيى بن غانية.
ثم إنَّ قراقوش عاد إلى طرابلس فحاصرها واستولى عليها، ولعلَّ ذلك كان سنة ٥٨٦ هـ أو التي بعدها، وكان يعاونه في هذا زعيم رياح: مسعود بن سلطان بن زمام، وإنما نفترض ذلك لأن ابن خلدون يحدثنا "أن مسعودا فر من بلاد الهبط في المغرب بعد أن نفاه الموحدون هناك ولحق ببلاد طرابلس ونزل على زغب وذباب من قبائل بني سُلَيْم ووصل إلى قراقوش وحضر معه فتح طرابلس حتى افتتحها" (١) وكان فراره في أبطال من بني رياح، عاونوا قراقوش على احتلال طرابلس.
وكانت العلاقة بين قراقوش ويحيى بن غانية قد فسدت، فما إن سمع يحيى أن قراقوش قد عاد إلى طرابلس حتى زحف إليه من منطقة الجريد، فلما عرف قراقوش بقدومه فرَّ عن طرابلس مخلفا عليها نائبا له يُدعى ياقوت الافتخار؛ والتقى يحيى بقراقوش في مكان من جهة طرابلس اسمه المحسن (٢) فانكسر قراقوش كسرة شنيعة وتوغل في جبال طرابلس ويحيى الميورقي يتبعه، فبلغ قراقوش في هربه مدينة ودَّان واعتصم فيها.
وقام الذواودة من رياح وزعيمهم محمد بن مسعود (٣)، واعتزموا على معاودة الحرب وتعاقدوا على الثبات والصبر وانطلقوا يتألفون الأعراب من كل ناحية حتى اجتمع إليهم من بطون سُلَيْم: ذباب وزغب والشريد وعوف، فبادرهم أبو محمد سنة ٦٠٦ هـ ولقيهم بجبل نفوسة (٤). وفلَّ عسكر ابن غانية وأخذ ما
стр. 2429
معه من أسلحة وكراع غنيمة، وقتل أمير قُرَّة سماد ابن نخيل وشيخ الذواودة محمد بن مسعود وابن عمه حركات ابن الشيخ وزعيم قبيلة مغراوة وغيرهم (١).
وكان بنو ذباب حلفاء ابن غانية موتورين من قراقوش؛ لأنه قتل منهم جماعة حين دخل قابس، فحفزوا ابن غانية على المسير إليه وهو مستقر بودان طلبا لثأرهم، فسار إليه ابن غانية في الذبابيين سنة ٦٠٩ هـ وحصره إلى أن نفد زاده، فاستسلم مشترطا على الأعراب أن يقتلوه قبل ابنه، ففعلوا، وصلبه ابن غانية بظاهر ودَّانى (٢).
وقد بقيت المنازعات بين ابن غانية والموحدين في مد وجزر، وفي شعبان سنة ٦١٤ هـ زار أبو محمد عبد الواحد بن أبي حفص مدينة طرابلس، وأمر بأن يبني حول سورها فصيل أقصر منه، وقد سمي هذا الفصيل: "الستارة" (٣)؛ ولما توفي الشيخ أبو محمد سنة ٦١٨ هـ، وكان قد هدَّأ الأحوال، وقضى على أكثر الفتن، وخلفه في ولاية إفريقيا أبو العلاء إدريس، فعاد ابن غانية يجدد محاولاته، وكان قد اتخذ ودان مركزا له بعد التخلص من قراقوش - فأرسل الموحدون جيشا لحصاره فيها، ففرَّ منها إلى الزاب، فتعقبه أبو زيد حتى نازله وهزمهُ، ولقي ابن غانية مصرعه وقضيت بذلك الفتنة التي أرقت دولة الموحدين عدة سنوات مريرة.
стр. 2430
ما قاله الشريف محمد بن منصور عن قبائل بني هلال (١)
تمهيد:
بداية الاستيطان العربي بالمغرب
لا أنوي أن أعيد في الصفحات التالية ما سبق لي الحديث عنه من أخبار الفتح العربي لبلاد المغرب، وإنما أبغي الحديث فيها عن بداية استقرار العرب فيه واستعراب أهله، سواء كانوا بحال جنود وموظفين يثبتون سلطة الخلافة الإسلامية في ربوعه ويديرون أموره العمومية ويؤمنون مسالكه وطرقه، أو كانوا بحال تجار ورجال أعمال يمشون في مناكبه ابتغاء المال الكثير والربح الوفير، أو كانوا بحال قبائل وعشائر استهواها ما سمعت عن سعة أرضه وخصب تربته وجمال طبيعته فشدت إليه الرحال وسارت بقضها وقضيضها تطوي الأرض إليه طيا حتى ألقت به عصا التسيار، وطاب لها بين أهله المقام والاستقرار.
ومن نافلة الكلام أن نقول أن هذا الاستقرار مضافًا إليه انتشار الإسلام بين قبائل البربر كان أعظم حادث سجلهُ تاريخ المغرب الطويل، فقد كان من نتائج الأول امتزاج سكانه الأصليين بالعناصر العربية امتزاجًا وثيقًا واصطباغهم بصبغتها وتكلمهم بلغتها واستئناسهم إلى ثقافتها ومدنيتها، وكان من نتيجة الثاني اعتناقهم من غير استثناء لعقيدة سماوية ملأت قلوبهم وشغلت عقولهم، ووجهت تفكيرهم وتصرفهم، وهو أمر لم ينجح فيه فاتحون غير العرب في قديم أو حديث.
ولقد بدأ تطلع المسلمين إلى الاستيلاء على المغرب في فجر الخلافة الباكر، إذ لم يكد عمرو بن العاص يفرغ من فتح مصر حتى بدأ يعد العدة لفتح الأقطار التي تليها غربًا، وكان قواده وجنوده يميلون إلى مواصلة الفتح ونشر كلمة الإسلام في أقطار جديدة وبين قوم آخرين غير الذين دانوا لحكمهم بوادي النيل، وزاد في حماسهم وتقوية عزائمهم ما وجدت طلائعهم الأولى التي اتصلت ببلاد المغرب في سكانها من دعة ومسالمة، وما أحرزت من مغانم ومكاسب بأقل جهد.
стр. 2431
وكانت القبائل البربرية التي واجهها المسلمون لأول احتكاكهم ببلاد المغرب هي لواتة ونفوسة ونفزة وهوارة التي أسلست لهم مقادتها وأطاعتهم بهولة وسارت معهم تدلهم على الطرق وتعينهم على الروم الذين انحصرت فيهم المقاومة بالمدن لأول الفتح، وأظهر بربر برقة بالخصوص منتهى الإخلاص للحكم الجديد حتى ذكر البلاذري من حديث محمد بن سعد عن الواقدي عن مسلمة بن سعيد عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة: أنهم كانوا يبعثون بخراجهم إلى والي مصر من غير أن يأتيهم حاث أو مستحث، فكانوا أخصب قوم في المغرب (١).
وتفيد بعض الروايات أن إخلاص بربر برقة للحكم الإسلامي لم يكن نتيجة غزو وفتح وإنما كان نتيجة إيمان واقتناع سبقا دخول العرب إلى بلاد المغرب، فقد روى الشطيبي أنهم أرسلوا رسلا منهم إلى عمرو بن العاص قبل أن يخلص من فتح مصر يعرضون عليه الدخول في الإسلام على يديه، فاستطاع عمرو أن يفهم منهم ما يريدون بواسطة ترجمان نقل إليه كلامهم، فأرسلهم إلى عمر بن الخطاب الذي رحب بهم أجمل ترحيب؛ لأن أحد الحاضرين أخبره أنهم البربر أولاد بر بن قيس عيلان (٢) فسألهم عمر بن الخطاب عن عاداتهم وعلاماتهم فلما أخبروه بها بكى؛ لأن النبي ﷺ كان قد تنبأ بفتح بلاد لأهلها هذه الصفات، ثم حمد الله على ذلك، وبعث إلى عمرو يأمره أن يقدمهم على الجند، وأعادهم إلى بلادهم مكرمين محملين بالهدايا (٣).
ومثل ذلك يحكى عن صولات بن وزمار أمير مغراوة الذي هاجر إلى المدينة المنورة أو أشخص إليها عندما وقع أسيرًا بين أيدي العرب لأول الفتح فاجتمع بأمير المؤمنين عثمان بن عفان وأسلم على يديه وحَسُنَ إسلامه، فَمنّ عليه عثمان ولقاه برا وقبولا لمكانه من قومه، وعقد له على عمله فاختص صولات هذا وسائر أحياء مغراوة بولاء عثمان وأهل بيته من بني أمية، وكانوا خاصة لهم دون قريش،
стр. 2432
وظاهروا دعوة المروانيين بالأندلس رعيًا لهذا الولاء، كما اختصت قبائل صنهاجة بالولاء لعلي بن أبي طالب وكان لها مقامات صدق في نصرة بنيه والدفاع عن دعوتهم خلال القرون الأولى لظهور الإسلام بأرض المغرب.
وقد حار المؤرخون في تعليل خضوع بعض قبائل البربر للعرب دون حرب ومبادرتهم إلى إرسال الخراج بأنفسهم دون أن يستحثهم حاث أو يدخل بلادهم باب، فمنهم من عزا ذلك إلى خوفهم من قوة العرب التي عرفوا بها من غاراتهم الأولى ثم من الطليعة التي أرسلها عمرو إلى بلادهم بقيادة عُقبة بن نافع الفهري، ومنهم رأى ذلك الخضوع نتيجة حتمية للحكم البيزنطي الذي أنهك قواهم وصيرهم في حالة عجز كامل عن المقاومة، ولكن أحدًا من المؤرخين الأوربيين على الخصوص لَمْ يعز ذلك الخضوع إلى العدل الذي ساس به المسلمون البربر والرحمة التي وجدها هؤلاء في كنفهم الشيء الذي جعلهم يرون فيهم هداة منقذين لا غزاة طامعين.
وسار المسلمون يفتحون أرض برقة وطرابلس قرية قرية ومدينة مدينة، وانحصرت المقاومة في البيزنطيين الذين اعتصموا ببعض المراسي الساحلية والحصون الداخلية، ومال البربر إلى جانب المسلمين وقاتلوا في حفوفهم ولم يقفوا موقف المتفرج كما فعل قبط مصر أثناء اقتتال المسلمين والروم، وكان من المتوقع أن يسير الفتح بسرعة عظيمة ويصل المسلمون إلى المحيط الأطلسي في أقصر مدة لولا أن الخليفة عمر بن الخطاب منع واليه عمرو بن العاص من مواصلة الزحف على إفريقيا بدعوى أنَّها مفرقة غادرة مغدور بها، فاضطر قائد الجيش الإسلامي في الرجوع إلى مصر من البلاد التي فتحها تاركًا حبل أمرها على الغارب.
على أنَّ هذا التوقف لَمْ يطل لحسن الحظ أمده، إذ لَمْ تمر إلَّا فترة يسيرة على خلافة عثمان بن عفان حتى عزل عمرًا بعبد الله بن سعد بن أبي سرح، فبدأ والي مصر الجديد بمجرد وصوله إليها يتشوق في العودة إلى المغرب لإتمام ما بدأه سلفه من الفتح، وصار يبعث المسلمين في جرائد من الخيل فيصيبون من أطراف إفريقيا ويغنمون، ثم كتب إلى الخليفة يستأذنه في السير إليها ويستمده، ويظهر أن عثمان اهتم بالأمر اهتمامًا عظيمًا، فبدأ يستشير الصحابة ثم جمع أكابرهم فزينوا
стр. 2433
له مواصلة الفتح، فاستنفر حينئذ المسلمين من جميع الجزيرة العربية لغزو إفريقيا فاستجابوا له وبدأوا يتوافدون زرافات ووحدانًا على الجرف، وهو مكان يبعد ثلاثة أيام عن المدينة، وأعان الخليفة الجيش الغازي بألف بعير من ماله الخاص يحمل عليها ضعفاء المجاهدين، وفرق السلاح وحمل على الخيل، وأمر النّاس بالأعطيات.
ومن حسن الحظ أن النصوص التاريخية حافظت لنا على أسماء كبراء الصحابة وأعداد مجاهدي القبائل الذين انضموا إلى هذا الجيش المعروف في كتب التاريخ بجيش العبادلة الاشتراك عدد من الصحابة المشهورين فيه يسمى كلّ واحد منهم بعبد الله، فهم العناصر العربية الأولى المعروفة أصولها التي دخلت إلى بلاد المغرب وكان لها في مشارفه استقرار، وفي بداية تعرب أهله أيد وآثار، فمن كان هذا الجيش يشمل عليه:
- بنو هاشم: عدة في مقدمتهم عبد الله بن عباس وعبيد الله بن عباس.
- بنو تيم: عدة في مقدمتهم عبد الله بن أبي بكر الصديق وعبد الله بن طلحة.
- بنو عدي: عدة في مقدمتهم عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن زيد بن الخطاب.
- بنو أسد (١): عدة في مقدمتهم عبد الله بن الزبير.
- بنو سهم: عدة في مقدمتهم عبد الله بن عمرو بن العاص وعبد المطلب بن السائب بن وداعة.
- بنو أمية: عدة في مقدمتهم مروان بن الحكم وأخوه الحارث.
- بنو زهرة: عدة في مقدمتهم المسور بن مخرمة بن نوفل وعبد الرَّحمن بن الأسود بن عبد يغوث.
والفروع السابقة من قريش.
стр. 2434
- بنو عامر: عدة في مقدمتهم السائب بن عامر بن هشام وبشر بن أرطاة.
- بنو هذيل: عدة منهم أبو ذؤيب خويلد بن خالد الشاعر، وعبد الله بن أنس، وأبو ذر الغفاري، ومعاوية بن حديج، ورويفع بن ثابت، وأبو زمعة البلوي، وعقبة بن نافع الفهري (١).
- جُهَيْنة: ٦٠٠٠ مجاهد.
- أسلم (خُزَاعَة): ٣٠٠ مجاهد.
- مُزَيْنَة: ٨٠٠ مجاهد.
- بنو سُلَيْم: ٤٥٠ مجاهدًا.
- بنو الدئل، وضمرة (كِنَانة): ٥٠٠ مجاهد.
- عبس وأشجع و فزارة (غَطَفَان): ٧٠٠ مجاهد.
- بنو كعب (٢): ٤٠٠ مجاهد.
وقد تضخم عدد هذا الجيش الذي فصل عن الجرف في شهر أكتوبر سنة ٦٤٧ م (محرم ٢٧ هـ) بمن انضم إليه من الجند الذي كان مقيمًا بمصر حتى بلغ ٢٠ ألفًا ساروا جميعًا مع عبد الله بن سعد إلى إفريقيا وهزموا الروم وقتلوا قائدهم كريكوريوس (جرجير) بمكان قريب من سبيطلة، ثم حاصروا فلولهم المنهزمة بحصن الجم، لكن هذا الانتصار لَمْ يكن من عواقبه استيطان العرب في إفريقيا ولو بحال حاميات عسكرية؛ لأنَّ عبد الله بن سعد رجع إلى مصر بعد أن صالحه الروم على مال مشترطين عليه أن يرحل بمن معه من العرب، فلم يول على البلاد التي فتحها أحدًا ولم يتخذ بها قيروانًا.
стр. 2435
ومن القصص الطريفة التي يوردها المؤرخون لدى كلامهم على معركة سبيطلة أن جرجير قائد جيش الروم أمر مناديًا أن ينادي في الجيش: من قتل عبد الله بن سعد فله مائة ألف دينار وأزوجه ابنتي! وكانت فتاة جميلة تجيد الرماية وركوب الخيل، فلما سمع عبد الله بن سعد النداء رد عليه بالنداء في معسكر المسلمين: إن من قتل جرجيرا من المسلمين فله ابنته ومن معها، فيقال أنَّها صارت بعد هزيمة الروم لعبد الله بن الزبير، ويقال أنَّها خرجت في سهم رجل من الأنصار، فانصرف بها قد حملها على بعير له وجعل يرتجز:
يا ابنة جرجير تلقي نحلتك … لقيت بالنحلة ثكلى أبتك
لتأخذن في الطريق عقبتك … لتسقين شر ماء قربتك
شر عجوز بالحجاز ربتك!
قالت: فما يقول هذا الكلب؟ فأخبرت بذلك، فألقت بنفسها عن البعير الذي كانت عليه فدق عنقها فماتت!.
وسواء صحت هذه القصة أم لَمْ تصح فقد أحببت ذكرها هنا لأنَّها تمثل من جهة عزة النفس عند البربر، وتسجل لنا من جهة أخرى أول شعر معروف قاله العرب وهم يفتحون بلاد المغرب.
وتوقف الفتح والاستيطان بعد الصلح ورجوع عبد الله بن سعد، ولكن البلاد المفتوحة أولًا (برقة وطرابلس) ظلت على ولائها للمسلمين حتى في سنوات الفتنة والتنازع على الخلافة بين علي ومعاوية، ولم تسجل حركات معادية ولا نقض للعهود في الأراضي التي صالح عليها الروم المسلمين في جنوب القطر التونسي ووسطه، فلما نفض المسلمون أيديهم من الخلاف بعد مقتل على وتملك معاوية، وأعيد عمرو بن العاص إلى ولاية مصر استأنف هذا الفتوح وأرسل إلى إفريقيا معاوية بن حديج على رأس جيش إسلامي يتركب من عشرة آلاف جندي فيهم عدد من كبار الصحابة والتابعين كعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن الزبير
стр. 2436
ابن العوام، وعبد الملك بن مروان، ويحيى بن الحكم بن أبي العاص، وعدة من أشراف قريش ونفر كبير من جند مصر، فتغلب على جيش بيزنطي أرسل حديثًا إليها، وتقدم شمالًا حتى أفضى إلى سهل تونس، ونزل في مكان يسمى القرن اتخذه مركزًا لأعماله، بنى فيه دورًا وحفر آبارًا سميت بآبار حديج، وهو من الأسماء العربية الأولى التي دعيت بها أمكنة بأرض المغرب، وكانت الأخبار استفاضت يومئذ بين البربر عن عدل المسلمين ورحمتهم، فكانوا يرحبون بمقدمهم أجمل ترحيب، سيما وأن الجيش الإسلامي كان يضم عددًا من إخوانهم بربر مصر وبرقة الذين كانوا يتكلمون لغتهم ويطلعونهم بواسطتها على فضائل الإسلام ويزينون لهم الإيمان به ليرتفع مستواهم وينالوا خير الدنيا والآخرة.
ولما اسندت القيادة العامة إلى عُقبة بن نافع سنة ٦٧٠ م (٥٠ هـ) وسار إلى إفريقية في عشرة آلاف فارس، منهم ٢٥ صحابيًّا أمعن النظر في سياسة الفتح وعواقبها، ورأى أن الغرض الأسمي ليس هو تحقيق النصر والاستيلاء على الغنائم ولكنه التمكين لدين الله بين سكان البلاد المفتوحة وتوطيد أركان الحكم الإسلامي فيها، غير أن ذلك لا يتأتي بغارات متقطعة، وإنما يتأتي بإقامة مستمرة في البلاد المفتوحة وإنشاء مدن إسلامية عربية بين البربر ينطلق منها الإشعاع الديني والثقافي إليهم، وتنتهي معها حالة الشك والتردد التي كانت تجعل الطائعين منهم يسلمون عند ظهور القوة العربية ويكفرون عند مغيبها، يضاف إلى ذلك أن القوات الإسلامية وقد سيطرت تقريبًا على القطر التونسي أصبحت بعيدة جدًّا عن مراكز انطلاقها ومخازن إمدادها فلم يكن بد من تأسيس مدينة إسلامية تكون مقر الإدارة والقيادة على غرار المدن التي أنشأها المسلمون بالمشرق كالبصرة والكوفة بالعراق والفسطاط بمصر، ليمكن بعد تأسيسها مواصلة الفتح والتوغل في داخلية المغرب.
وقد استشار عُقبة أصحابه في الأمر وعبر لهم عن الدوافع التي تحفزه إلى بناء هذه المدينة قائلًا لهم: (إن أفريقيا إذا دخلها إمام تحوم أهلها بالإسلام، فإذا خرج منها رجع من كان أسلم بها وارتد إلى الكفر، وأرى لكم يا معشر المسلمين أن تتخذوا بها مدينة نجعل فيها عسكرًا وتكون عز الإسلام إلى آخر الدهر) ومن الطبيعي أن يعجب أصحاب عُقبة بالفكرة ويتحمسوا لها؛ لأنهم بالإضافة إلى
стр. 2437
الأسباب السياسية الإستراتيجية كانوا شديدي الشوق إلى إقامة أسرهم وحفظ متاعهم بمدينة حصينة قريبة من مجالات غزوهم، بل بلغ بهم الحماس إلى الاتفاق على أن يكون أهلها مرابطين فيها واقترحوا تقريبها من البحر ليتم لهم أجر الجهاد وأجر الرباط، ولكن عُقبة ارتأى أن يكون موقع المدينة وسطا بين الساحل والداخل حتى لا تكون عرضة لهجمات الأساطيل البيزنطية وغارات البربر، واختار بنفسه الموقع واختط فيه مدينة القيروان وأشرف على بنائها مدة أربع سنوات من ٦٧١، حتى ١٧٥ م أي من ٥١ حتى ٥٥ هـ كان خلالها يغزو ويبعث السرايا، فدخل في الإسلام كثير من البربر واتسعت خطة المسلمين وقوي جنان من هناك من الجنود بمدينة القيروان واطمأنوا على المقام فثبت فيها الإسلام (١).
ويظهر أن رجال الحكم في دمشق لَمْ يرضوا عن انصراف عُقبة إلى بناء القيروان رغم أن عمله كان رشيدًا واستبطأوا وصول الغنائم والأسلاب التي كانت لا تخلو من روميات وبربريات جميلات، فعزلوه بابي المهاجر دينار مولي مسلمة بن مخلد والي مصر الجديد الذي أساء معاملته، ولكنه سلك سياسته في توطين العرب بصفة دائمة بإفريقية، ويقال أنه نزل بقرية بربرية قرب القيروان تسمى تكرور أو تيكروان (٢) فبنى فيها ومصرها وجعل منها مدينة ثانية للعرب بالمغرب، ومما يؤثر لأبي المهاجر أنه عدل عن خطة عُقبة السياسية والعسكرية التي كانت تتسم بشيء من الصرامة وجنح إلى سياسة الرفق واللين والمداراة، فاستطاع بها أن يستميل البربر ويصل في حملاته إلى تلمسان حيث اكتسب كسيلة زعيم قبائل أوربة للإسلام واتخذه حليفًا وعاد به إلى القيروان.
وبعد سبع سنوات عُزل أبو المهاجر بعدما مهد المغرب الأوسط بحسن سياسته ومهارة قيادته وكثر الاختلاط بين العرب والبربر، وبدأ الزواج المختلط يؤتي ثمرات طيبة من نوع طارق بن زياد، وأعيد عُقبة بن نافع إلى إفريقية من جديد سنة ٦٨٢ م فجدد بناء القيروان وشيدها فعمرت وعظم شأنها.
ثم عزم على المسير إلى المغرب الأقصى لنشر الإسلام بين أهله نابذًا سياسة
стр. 2438
الموادعة والمداراة التي سلكها أبو المهاجر ونجح فيها غاية النجاح، وقد نصح أبو المهاجر عُقبة بعدم المسير بنفسه والاكتفاء بتوجيه وآلٍ إلى طنجة قائلًا: (ليس بطنجة لك عدو؛ لأنَّ النّاس قد أسلموا، وهذا رئيس البلاد - يعني كسيلة - فابعث معه واليا (١) ولكن عُقبة أبي إلَّا أن يخرج بنفسه مضيعًا بذلك فرصة كبرى لنشر الإسلام والعروبة بسرعة ودون كبير عناء، فسار على رأس جيش قوامه ١٥.٠٠٠ جندي مخلفًا بالقيروان حامية صغيرة تحت قيادة زهير بن قيس البلوي، فافتتح مدن الزاب وحصونه مثل باغاية والمسيلة، وكان القتال يجري مع الروم وحدهم، ويظهر أن سياسة الشدة التي سلكها عُقبة جعلت جماعات من البربر تميل إلى الروم، فإنه لَمْ يكد يصل إلى تيهرت حتى وجد نفسه أمام حلف كبير من الروم والبربر لَمْ ير المسلمون له مثيلا من قبل، ولكنه تَغْلِب عليهم جميعًا بعد جهد جهيد وتوغل في المغرب الأقصى حتى بلغ طنجة، فسارع بليان صاحب تلك النواحي إلى خطب وده، ثم ذهب عُقبة إلى وليلي وتامسنا وقطع جبال دون إلى السوس الأقصى وانتهى إلى وادي درعة وصحراء تافيلالت، ولما انقلب راجعًا وبلغ مدينة طبنة سرح الجيش إلى القيروان وبقي في جماعة من أصحابه، وهنالك انقلب عليه كسيلة الذي كان يمعن في إهانته خلال المسير مخالفا عن أمر أبي المهاجر، فحشد أهله وبني عمه واعترض عُقبة قرب قرية تهودة بالأوراس فدافع وأصحابه حتى استشهدوا سنة ٦٨٣ م (٢)، وكان لهذه الهزيمة أثرها البعيد بالنسبة لاستيطان العرب ببلاد المغرب، فقد فر من القيروان جيش مصر بقيادة حنش بن عبد الله الصنعاني لا يلوي على شيء، وانسحب بعد ذلك جماعات أخرى من الجند والعرب والموالي البربر إلى طرابلس بقيادة زهير بن قيس البلوي الذي كان يميل إلى الإقامة والقتال، ومشي كسيلة إلى القيروان فدخلها وتأمر على من بقي بها من الشيوخ والنساء والأطفال، وعاملهم معاملة طيبة؛ لأنه لَمْ يرتد عن الإسلام على ما يظهر، وتقلص بدخوله إليها النفوذ العربي في إفريقية وما وراءها من أرض المغرب.
стр. 2439
ولم تفد الحملة التأديبية التي قام بها زهير بن قيس ضد كسيلة بعد ذلك بأربعة أعوام (٦٨٨ م) وقتله فيها قرب ممش شيئًا في إعادة المد العربي إلى إفريقيا وإن ضمن بها الأمن للقيروان وأبعد عنها الأخطار، فقد اضطر في الرجوع إلى برقة لما بلغه خروج أسطول رومي كبير من صقلية وإرسائه على ساحلها، وأثناء هذا الرجوع ارتكب نفس الغلطة التي ارتكبها عُقبة قبله عند رجوعه من المغرب الأقصي، فقد سلك الطريق الساحلي مع سبعين من جنوده تاركًا معظم الجيش سائرًا في الطريق العام، ولما أبصر جنود الروم يحملون سبي المسلمين من نساء وأطفال إلى سفنهم خاض لإنقاذهم معركة غير متكافئة كان فيها حتفه، وقد نال الشهادة هو وجميع من معه.
ولا يعرف بدقة ما صارت إليه أحوال إفريقيا والمغرب في فترة الأربع سنوات التي تلت مقتل زهير، والظاهر أن القيروان بقيت إسلامية عربية لا تتعرض لأعمال عدائية من جانب الروم ولا من جانب البربر، وأن برقة استمرت كذلك يليها مولي العبد العزيز بن مروان اسمه تليد، فلما انتهت الأزمة الثانية للخلافة الإسلامية بمقتل عبد الله بن الزبير سنة ٦٩٢ م اتجه نظر الخليفة عبد الملك بن مروان إلى المغرب، فجهز جيشًا كبيرًا عهد بقيادته إلى حسان بن النعمان أحد مشاهير قواد الشام كما عهد إليه بولاية المغرب، وهو أول قائد من أهل الشام يتولى الولاية والقيادة بالمغرب بعد ما كان الولاة والقادة قبله من جند مصر، فسار حسان يجر وراءه جيشًا كثيفًا لَمْ يدخل المغرب مثله من قبل، إذ بلغ جنوده ٤٠ ألفًا، ولما بلغ طرابلس زاد عدده بمن انضم إليه من عرب إفريقيا وطرابلس، وبعد ما أصلح من شأنه وقبل الفصول عن طرابلس عين قائدين يسيران في مقدمته أحدهما عربي: محمد بن أبي بكير، والثاني مغربي: هلال بن ثوران اللواتي، ولا شك في أن انضمام عرب طرابلس إلى الجيش يدلُّ على استقرار جاليات عربية بمدنها الساحلية وقراها الداخلية، كما يدلُّ تعيين قائد من البربر على تمكن الإسلام من قلوب أهل القسم الشرقي من البلاد المغاربية وعلى المساواة التي كان يعامل بها المسلمون القادمون من الجزيرة العربية إخوانهم الذين أسلموا حديثًا على أيديهم، ومشي حسان حتى بلغ القيروان وقد أضمر في نفسه أن يطبق خطة عسكرية أساسها مقابلة أعدائه من روم وبربر كلّ على حدّة حتى يسهل عليه التغلب على
стр. 2440
مقاومتهم، ثم توجه إلى قرطاجنة عاصمة إفريقيا القديمة على رأس جيشه فضرب عليها الحصار حتى اشتدت الوطأة على الروم فطلبوا الأمان ولما أوقف القتال هربوا في المراكب فلم يصب إلَّا قليلًا من ضعفائهم، وبالاستيلاء على قرطاجنة صفا له شمال تونس، ثم عاد إلى القيروان لعلاج المجروحين وإعداد العدة للمعركة الجديدة، وخلال استراحة الجيش بها انعقد حلف بين عدد من القبائل البربرية تحت زعامة امرأة بربرية من قبيلة جراوة (١) تسميها الروايات العربية الكاهنة تارة، ودهيا بنت ماتيت بن تيفان تارة أخرى، والظاهر أن الكلمتين معا وصفان لا اسمان، وكيفما كان الأمر فقد كانت امرأة عجيبة تختلط في أخبارها لغرابتها الحقيقة بالأسطورة، وعندما خرج إليها حسان منفذا الشطر الثاني من خطته بدأت هي في تنفيذ خطة عسكرية أخرى تتلخص في تخريب البلاد على نطاق واسع تأييسًا للعرب من المقام فيها، وهي السياسة التي تعرف اليوم بسياسة الأرض المحرقة والتي لا يحجم القادة العسكريون في العصر الحديث عن تطبيقها إذا دعاهم داع إستراتيجي إليها، فعندما اقترب حسان من حصن باغاية أمرت الكاهنة أتباعها بتخريبه حتى لا يعتصم به ويقيم به حامية عربية، ثم التقى الجيشان على عدوتي وادي نيني أحد روافد وادي مسكيانة (٢) فانهزم حسان هزيمة منكرة وترك في ميدان القتال عددًا كبيرًا من شباب العرب وثمانين أسيرًا فسمي الوادي وادي البلاء أو وادي العذارى تذكيرًا بالنكبة التي حلت بالمسلمين فيه.
وانسحب حسان إلى ما وراء طرابلس حتى بلغ إلى موضع قرب مدينة تاورغة يبعد ٢٥٠ كم عن طرابلس إلى الشرق فأقام على آبار به سميت منذ ذلك العهد بآبار حسان ورمم بعض حصونه القديمة وبني حصونًا جديدة، أما الكاهنة فيظهر أنَّها لَمْ تكن تحقد على المسلمين لأنَّها أطلقت أسراهم واستبقت منهم يزيد بن خالد (٣) الذي أعجبها جماله وشجاعته ورجاحة عقله فتبنته حسب التقاليد البربرية وجعلته مستشارًا لها، ثم درست موقفها من العرب وعلمت أنهم لابد
стр. 2441
عائدون بعد حين كما فعلوا بعد الهزائم السابقة التي حلت بهم، فقالت لمجلس شوراها: (أن العرب إنما يطلبون من إفريقيا المدائن والذهب والفضة، ونحن إنما نريد منها المزارع والمراعي فلا نرعى لكم إلَّا خراب إفريقيا كلها حتى ييأس منها العرب فلا يكون لهم رجوع إليها إلى آخر الدهر (١) فقام أتباعها يعذقون الشجر وينفون العمران، وكانت إفريقيا كما يحدث التاريخ ظلا واحدًا من طرابلس إلى طنجة، وقرى متصلة ومدائن منتظمة حتى لَمْ يكن في أقاليم الدنيا أكثر خيرات ولا أوصل بركات ولا أكثر مدائن وحصونا من إقليم إفريقيا والمغرب، مسيرة ألفي ميل، فخربت الكاهنة ذلك كله (٢)، وقد أسفر هذا التخريب عن نتيجة عكسية فإن الذين أيسوا من المقام في البلاد كانوا هم الروم الذين ركب أكثرهم السفن ورحل عنها للاستقرار الدائم في حقلية وإسبانيا وإيطاليا، أما العرب الذين كان قائدهم حسان يطلع على ما يجري فيها بواسطة خالد بن يزيد مُتبنى الكاهنة ومستشارها فإنهم عادوا إليها سنة ٦٩٨ م مع جماعة من البربر البتر فاستقبلهم من بقي بها من الروم بحفاوة، وخرجوا إليهم مستغيثين مما نزل بهم من الكاهنة، ولم يقصر البربر كذلك في الاحتفال بعودة العرب والترحيب وتحيزوا إليهم بشكل إيجابي وأمدوهم بالرجال والأموال، ولما قرب حسان من جبل أوراس حيث كانت تقيم الكاهنة انضم إليه ولداها بإشارة منها على ما يذكر، ثم دارت المعركة الفاصلة التي قتلت فيها الكاهنة وانخضدت شوكة المقاومة الأخيرة ضد المسلمين فتمهد الطريق الاستيطان العرب بصفة دائمة ببلاد المغرب، وحسن إسلام البربر بعد أن ارتدوا ثلاث عشرة مُرّة!!
ويعتبر حسان بن النعمان الفاتح الحقيقي للمغرب وأول منظم للحكومة الإسلامية فيه، فهو لَمْ يكتف بخضد شركة المقاومين وإقناعهم بعدم جدوى المقاومة والحرب في حد المسلمين عما جاءوا إلى المغرب لأجله وهو نشر دين الله وإعلاء كلمته بين سكانه، وإنما اهتم بعد أن تم له النصر العسكري بشؤون الإدارة والعمران الشيء الذي استقامت معه الحياة في بلاد عاشت سنين طويلة في فوضى واضطراب لا مثيل لهما، فهو الذي أسس مدينة تونس وأنشا بها مرسى جلب له
стр. 2442
من مصر ألف قبطي بنسائهم وأولادهم وكلفهم بصناعة سفن الجهاد وعمارتها، والتفت إلى القيروان عاصمة الولاية الإسلامية الجديدة فجدد مسجدها، كما أنه أول من (دون الدواوين وصالح على الخراج وكتبه على عجم إفريقيا وعلى من أقام معهم على دين النصرانية (١)، واستالف البربر بأن جنَّد منهم ١٢.٠٠٠، جندي عقد عليهم لابني الكاهنة، كلّ واحد منهما على ستة آلاف فارس، وأخرجهم مع العرب لتمهيد البلاد وقتال الكافرين، ولم يكتف بذلك، وبإعطائهم حقهم من الغنائم، بل رتب لهم أيضًا أعطيات تصرف لهم من بيت المال وأقرهم على ما بأيديهم من الأرض التي اعتبرها فتحت صلحًا لا عنوة، وقسم المغرب خططًا لهم، أي أنه اختص كلّ قبيلة بخطة تتصرف فيها وتؤدي مالها وتكون مسؤولة عنها، وباختصار لَمْ تشهد بلاد المغرب واليا حكيمًا ولا قائدًا رحيمًا بعد أبي المهاجر عرف كيف يستميل البربر، ويستألفهم بحسن سلوكه إلَّا حسان بن النعمان الذي سوى التسوية كلها بين العربي والبربري ولم يعتبر أحدهما غالبًا حاكمًا والآخر مغلوبا محكومًا.
ومن الطبيعي أن تبقى في هذه الأزمنة المبكرة جماعات من البربر غير مسلمة خاصة في المناطق الجبلية بالمغربين الأوسط والأقصي، وأن يكون إسلام من أسلم من البربر سطحيا في معظم الحالات لانعدام لغة مشتركة للفهم والتفاهم، فلا العرب كانوا قادرين على إفهام البربر حقيقة الدين لجهلهم اللغة البربرية، ولا البربر كانوا يستطيعون فهم تلك الحقيقة من العرب لعدم معرفتهم اللغة العربية، أما الأمر الأول وهو إسلام من لَمْ يسلم من البربر فقد عالجه الولاة الذين جاءوا بعد حسان بن النعمان، من موسى بن نصير إلى الشريف إدريس بن عبد الله الكامل وابنه إدريس الثاني اللذين تم على أيديهما إسلام بربر المغرب الأقصي، وأما المشكل الثاني فقد عالجهة الخلفاء والولاة بانتخاب جماعة من فقهاء التابعين وانتدابهم لتعليم البربر القرآن وتفقيههم في الدين، وأول من فعل ذلك عُقبة بن نافع الذي ترك بين البربر جماعة من الفقهاء يعلمون البربر أحكام دينهم منهم صاحبه شاكر الذي ينسب إليه الرباط المشهور، ثم موسى بن نصير متمم فتح
стр. 2443
الأندلس الذي انتدب عددًا من الفقهاء لتعليم البربر، ومن الخلفاء عمر بن عبد العزيز الأموي الذي أرسل مع واليه إسماعيل بن عبيد الله المخزومي عشرة من فقهاء التابعين انبثوا بين البربر يعلمونهم أصول الدين ويبصرونهم بأحكامه، ويلقنونهم مبادئ اللغة العربية التي لا يمكن فهم القرآن والسنة حق الفهم إلَّا عن طريقها، وقد أخذ عن هؤلاء التابعين جماعة من أهل البلاد كانوا يقصدونهم للتعلم عليهم بالقيروان وغيرها ثم يعودون إلى قبائلهم فيولون القضاء وغيره من الوظائف والخطط الدينية، وقد ذكرهم المالكي في رياض النفوس (١).
ومما لا ريب فيه أن جميع العوامل كانت متوافرة لإسلام البربر كافة وتعربهم بسرعة وقيامهم بأكبر الأدوار في نشر الدين خارج بلادهم منذ انتصار حسان بن النعمان على الكاهنة وخلال مدة ولايته التي سلك فيها أفضل السياسات الاستئلاف البربر وإمالتهم إلى جانب الإسلام والعروبة، يدلك على ذلك أن الجيش الإسلامي الأول الذي دخل الأندلس كان يقوده قائد من أهل البلاد طارق بن زياد، وأن معظم جنوده كانوا بربرًا (١٢.٠٠٠) ولم يكن فيه من العرب إلَّا ثلاثمائة أو أقلّ، وقد كان النصر السريع الذي أحرزه جيش طارق حافزًا لمن تخلف من البربر المسلمين على عبور البحر والاشتراك في الحرب والمساهمة في الغنم الوفير، كما أن غلبة الروح الديني على الفتح واختلاط الجنود العرب الذين جاءوا بعد مع موسى بن نصير بالجنود من البربر وتآخيهم في ساحات القتال وإقامة مراكز على طول الطريق بين القيروان وطنجة وسبتة لاستراحة الجند وخزن الميرة أدت كلها إلى تثبيت إسلام البربر وإظهارهم على العربية، ومنذ تم الفتح أخذ العرب يفدون بكثرة على الأندلس للحرب والسكني مارين ببلاد المغرب مختلطين بأهلها، فازداد كلّ فريق معرفة بالفريق الآخر، ولم يعد العربي في المغرب غريب الوجه واليد واللسان.
ولو بقيت الأمور تسير على ما كانت عليه أيام حسان ليست حركة الاستيطان العربي واستعراب البربر بخطى سريعة، ولكان من الممكن تعرب المغاربة قبل تعرب المصريين رغم قربهم من الجزيرة العربية، ولكن حدثت بالمشرق والمغرب
стр. 2444
في آن واحد أحداث كان من عواقبها تضاؤل عدد المهاجرين العرب إلى المغرب وظهور مذاهب دينية انتهت بانفصاله عن خلافة المشرق سياسيا مع بقائه مستمسكًا بالدين الجديد.
أما أحداث المشرق فكانت تتمثل في الخلافات المذهبية التي قامت بين الشيعة والخوارج، والخلافات السلالية التي قامت بين القيسية واليمنية، والخلافات السياسية التي قامت بين العلويين والأمويين ثم بين هؤلاء وبني العباس، وما نشأ عنها من انصراف الخلفاء عن التفكير في المغرب وقلة الاهتمام بأموره.
وأما أحداث المغرب فكانت تتمثل في هذا اللون الجديد من السياسة الذي أراد الولاة بعد حسان أن يطبقوه فيه جهلًا وغرورًا وترضية لرجالات الدولة بدمشق وبغداد الذين لَمْ تكن مطامعهم تقف عند حد، وضد جميع الأسس التي يقوم عليها الدين الإسلامي من عدل ومساواة ورفق بالنّاس واحترام لأنفسهم وأموالهم وصيانة لحريتهم وكرامتهم.
فقد أمعن موسى بن نصير في جمع السبي من ذكور وإناث، حتى صار عبيده وإماؤه من البربر والروم يعدون بعشرات الآلاف، وقد اندهش الخليفة الوليد بن عبد الملك الأموي لما أخبره موسى أن سبي سكوما - مدينة قبيلة أوربة - وحدها بلغ مائة ألف، فكتب إليه: (ويحك، أظنها إحدى كذباتك! فإن كنت صادقًا فهذا حشر الأمم)!
ولم يقف عسف الولاة عند حد السبي وتوجيه الفتيات الجميلات بالمئات إلى الخلفاء والأمراء والوزراء بالمشرق بل تجاوزه إلى إهانة النّاس ومعاملتهم بما يكرهون، فقد بدا ليزيد بن مسلم لما قدم واليًا على أفريقيا سنة ٧٢٢ م الموافق ١٠٣ هـ أن يسم حراسه من البربر بميسم الذل، فقام على المنبر خطيبًا وقال: (إني رأيت أن اسم حرسي في أيديهم كما تصنع ملوك الروم بحرسها، فأرسم في يمين الرجل اسمه، وفي يساره حرسي ليُعرفوا بذلك من بين سائر النّاس، فإذا وقفوا على أحد أسرع لما أمرت به، ولكن هذا الوالي الذي وصفه المؤرخون بأنه كان ظلومًا غشومًا كان أيضًا جهولًا بنفسية البربر وما صار لهم من اعتزاز بالدين الجديد، فلم يكد حرسه يعلمون بنيته حتى استاءوا مما عزم عليه وقالوا: (جعلنا
стр. 2445
بمنزلة النصاري) فلما خرج من داره لصلاة المغرب قتله في مصلاه حارس منهم يُسمى حريز، أما عمر بن عبد الله المرادي عامل طنجة من قبل عبيد الله بن الحبحاب فقد أداه الغرور إلى التفكير في تخميس البربر زعمًا منه أنهم فيء للمسلمين، فكان فعله سببا في حدوث ثورة عارمة ما زالت تعظم وتنمو حتى أدت بالمغرب إلى الاستقلال عن حكم الشرقيين.
والحق أن الولاة لَمْ يكونوا دائما صادرين فيما يرتكبون من الظلم والعسف في غريزة شخصية، وإنما كانوا يدفعون في كثير من الأحيان إلى العنف دفعًا من رؤسائهم بالمشرق، فقد كان هؤلاء يستحبون طرائف المغرب ويطلبونها من عمالهم بإفريقيا فيبعثون لهم البربريات السنيات، فلما أفضى الأمر إلى ابن الحبحاب مناهم بالكثير، وتكلف لهم أو كلفوه أكثر مما كان، فاضطر إلى التعسف وسوء السيرة كما يقول ابن عذاري (١).
ومن أمثلة الولاة وجورهم التي ذكرها ابن خلدون أن الرؤساء بالمشرق كانوا يطلبون من ولاة المغرب إتحافهم بأفرية عسلية الألوان فكان هؤلاء يتغالون في جمع ذلك من ماشية البربر، حتى كانت الصرمة من الغنم تستهلك بالذبح لاتخاذ الجلود العسلية من سخالها ولا يوجد فيها مع ذلك إلَّا الواحد وما قرب منه، فكثر عبثهم بذلك في أموال البربر وجورهم عليهم (٢).
والحق أيضًا أن البربر كظموا غيظهم وصبروا طويلًا على الظلم احترامًا لهؤلاء الذين هدوهم إلى الدين وإبقاء على رابطة الخلافة التي تجمع بينهم وبين سائر المسلمين، وقد بلغت بهم الثقة بالخلفاء إلى الدرجة التي كانوا يقولون معها لا نخالف الأئمة بما تجني العمال، وإلى أنهم أرسلوا وفدا من عشرين رجلًا برئاسة ميسرة المدغري ليبلغ إلى الخليفة هشام شكواهم التي كانت تتلخص في عدول الولاة والقواد عن تطبيق مبدأ المساواة بين العرب والبربر، فقد صار القائد إذا غزا جهة أو حاصر مدينة قدم الجند البربري وأخر الجند العربي، وإذا استولى الجيش على غنيمة حرم البربر حقهم فيها بدعوى أن ذلك أخلص لجهادهم! فكان الوفد
стр. 2446
يريد أن يعرف أعن رأي أمير المؤمنين ذلك أم لا؟ ولكن بطانة السوء التي لَمْ يكن يرضيها اجتماع الخليفة بالوفد حالت بينهم وبين لقائه، فرجع إلى بلده غضبان أسفًا، وصدق البربر بعدها ما كان يقوله لهم العرب المناوئون لحكم بني أمية من أن الولاة والقادة إنما يعملون بأمر الخلفاء، فكان ذلك سببًا في ظهور المذهب الخارجي بالمغرب وثورة ميسرة المدغري المعروف بالفقير (١).
على أنَّ ثورة البربر هذه المرة (٧٤٠ م) لَمْ تكن تعني ثورتهم على الإسلام ولا على العرب رغم حداثة عهدهم بهما، بل كانت ثورة على السلطة الجائرة فقط، فقد بقوا مستمسكين بالدين كأشد ما يكون الاستمساك، واستمروا على ثقتهم بالعرب المقيمين ببلادهم، إذ على أيديهم تعلموا المذهب الخارجي، وبتشنيعهم علي بني أمية شقوا عصا الطاعة على الخلافة، ولم يثبت أن البربر اضطهدوا العرب خلال هذه الثورة وإنما وثبوا فقط على الحاميات العسكرية التي استمرت على ولائها للخلفاء، ومع أن البربر حققوا انتصارات باهرة على القوات العربية فإن السلطة الخلافية بالمشرق سربت لمحاربتهم الجيوش تلو الجيوش، فكان عدد العرب يتضخم بذلك في الغرب بالتدريج والبلاد تصطبغ بصبغتهم شيئًا فشيئًا، ويكفي أن نعرف أن الجيش الأول الذي وصل لقمع الثورة بقيادة كلثوم بن عياض القشيري (٢) في يوليو سنة ٧٤١ م (رمضان ١٢٣ هـ) كان يشتمل على سبعين ألف مقاتل، وأن الجيش الثاني الذي أرسل في السنة التالية (فبراير ٧٤٢ م) كان يشتمل على ٣٠ ألفًا لَمْ يلبثوا أن عززوا بعشرين ألفًا آخرين، وقد أمكن بوصول هذه القوات أن تستعرب مدن بأسرها في وقت مبكر كتلمسان وسبتة وطنجة وأصيلة، علاوة على المدن التي سبقت إلى التعرب مثل طرابلس والقيروان وتونس وبلدان قسطيلة (شط الجريد) والزاب.
стр. 2447
والجدير بالذكر أن دعاية قوية مصدرها عرب القيروان على ما يظهر انتشرت بين المسلمين مرغبة إياهم في سكني إفريقيا والمغرب مبينة ما أعد من الأجر والثواب لمن يرابط فيهما، ولم تبق مدينة من مدن المغرب الشهيرة إلَّا نسبت إلى الرسول أحاديث في بيان فضلها وفضل ساكنيها، بل نسب إلى الرسول حديث يذكر أن طائفة من أمته ﵊ لا يزالون ظاهرين على الحق بالمغرب لا يضرهم من خالفهم حتى تقوم الساعة، وعلى العكس من ذلك اختلفت أحاديث وآثار في ذم البربر والتنقيص من شأنهم شبيهة بالأحاديث والآثار التي اختلقت بالمشرق اختلاقا للحط من قدر الفُرس، أما الشعر فقد استعمل أيضًا من بعض العنصريين العرب بالمغرب والأندلس في هذا الغرض الخسيس وإن كان بعض أبياته لا يخلو من طرافة ودعابة كقول من قال:
رأيت آدم في نومي فقلت له … أبا البرية إن النّاس قد حكموا
أن البرابر نسل منك قال إذن … حواء طالق إن كان الذي زعموا
وقد كان لهذا الاستعلاء الذي يتنافي مع الدين القويم والعقل السليم رد فعل عنيف بعد ذلك لدى مستعربة البربر فنظموا الأشعار وكتبوا الرسائل وألفوا الكتب التي تعيب التفاخر بالأنساب وتبين أن النّاس في حكم الشرع والعقل سواء لا يتفاضلون إلَّا بصالح الأعمال مما يعرف تفاصيله المتخصصون في الآداب العربية بالمغرب.
وباختصار، فإن الحركات التي كانت تتهيأ بالمشرق للإطاحة بحكم بني أمية تهيئ مثيلها بالمغرب وسبقها إلى الظهور في نهاية منتصف القرن الثامن الميلادي الإعلان استقلاله عنها، فلم تكد الخلافة الأموية تلفظ أنفاسها حتى ظهرت الدول الوطنية المغربية: دولة بني صالح بنكور، ودولة بني مدرار بسجلماسة، ودولة بني رستم بتيهرت، ثم دولة بني مروان بالأندلس، ودولة الأدارسة بفاس، ودولة الأغالبة بالقيروان، ولم تفد الجهود السياسية والعسكرية التي بذلها بنو العباس شيئًا في إبقاء الولايات المغربية تابعة للخلافة كما كانت منذ الفتح الإسلامي الأول.
стр. 2448
وقد استطاعت الدول الجديدة أن تثبت الأمن وتفرض السلطة، وعملت من الساعات الأولى على تنظيم الحكومة والإدارة فعُيِّن الوزراء والحجاب وأنشئت الدواوين وعُبِّئت الجيوش وضربت السكة، وأرسل العمال والقضاة والجباة إلى المدن والقرى ورُتبت المسالح بالحدود والثغور، وكان التنظيم يبني على أسس عربية صرفة ويعتمد فيه تقليد نظام الخلافة في بغداد حتى لدى الدول البربرية الصرفة المنعزلة في الصحراء والبعيدة عن مجالات العرب كدولة بني مدرار بسجلماسة، وقد أغرى قيام هذه الدول أنصارها الدينيين والسياسيين على الهجرة إليها من البلاد العربية، فهاجر أنصار بني أمية زرافات ووحدانا إلى الأندلس، وهاجر الشيعة إلى فاس للإقامة في كنف الأدارسة، وهاجر الخوارج إلى سجلماسة وتيهرت، واستمر الذاهب والآيب ما بين بغداد والقيروان نظرًا للصلات الوثيقة التي كانت تربط إمارة بني الأغلب بخلافة بني العباس، وكان المهاجرون إلى البلاد المغربية من طبقات ممتازة تنتمي في الغالب إلى عالم الجيش والإدارة والمال أو إلى دنيا العلم والفقه والأدب، وكذلك صار لكل خليفة أو سلطان أو أمير شعراء ينظمون مفاخره، وكُتَّاب يُعبِّرون عن أغراضه، ومعلمون يُعلِّمون أمراء بيته، وعلماء يحتجوُّن بالدين لتثبيت سلطانه، وفقهاء يعظون بحضرته، ومؤلفون يكتبون أيامه ووقائعه، وأقبل أهل البلاد الأصليون (البلديون) يكرعون من مناهل العلم الصافية وحياض الأدب والثقافة الثرة، تارة يكتفون بمن كان بين ظهرانيهم من العلماء والفقهاء المهاجرين، وتارة يسافرون لطلب العلم بمراكزه الكبيرة بالحرمين ومصر والشام والعراق فيعودون مملوئي الوطاب علمًا وأدبًا وحكمة، وكان الحجّ إلى بيت الله الحرام من أقوى الأسباب في اتصالهم بأئمة الفقه والأدب بأقطار الشرق وتقوية الصلات العلمية بينها وبين أقطارهم المغربية، وبالجملة فإن القرن الثاني الهجري لَمْ يكد ينصرم حتى كانت مدن الغرب الإسلامي القيروان وطبنة وتلمسَان وتيهرت وسجلماسة وسبتة وفاس وقرطبة وطليطلة وباجة وطرطوشة تنافس مدن الشرق الإسلامي كالفسطاط والقدس ودمشق والحرمين والبصرة والكوفة وبغداد علمًا وأدبًا وعمرانًا وحضارة، وحتى أخذت البلاد المغربية تسير بخطى ثابتة في طريق الاستعراب دون تعثر أو نكوص.
стр. 2449
الزحف الثاني الكبير (١)
مضت السنون تتلوها السنون على انتشار الإسلام بالمغرب ودخول العرب إليه واستقرار جماعات كثيرة العدد منهم به، ولم يكن مر السنين وقيام الإمارات والممالك العربية والبربرية إلَّا ليزيد الإسلام قوة والعربية تمكينًا، فإن البربر منذ أسلموا حسن إسلامهم ولم تكن الفتن والثورات التي قاموا بها بالمغرب والأندلس منذ بداية القرن الثاني الهجري إلَّا احتجاجًا على الظلم واستنكارًا لعبث الولاة.
وكان انتظام المغرب والأندلس في سلك المملكة الإسلامية وما شاع في الشرق جمال طبيعتهما ووفرة خيراتهما وحسن نسائهما سببًا قويًّا في هجرة عدد من قبائل الجزيرة العربية وبادية الشام وما بين النهرين إليهما برسم الجهاد أولًا والاستقرار ثانيًا، كما كان بعدهما عن مقر الخلافة مغريًا لعدد كبير من المضطهدين السياسيين والدينيين باللجوء إليهما ونشر العقائد والمذاهب التي عجزوا عن نشرها بمواطنهم الأصلية بين أهلهما، وكذلك احتضنت الشعوب المغاربية المذهب الخارجي، وآوت إدريس بن عبد الله الكامل وأخذت بضبع المروانيين بعد ما قضي العباسيون على بني أمية، ومع أن دخول هذه الشخصيات والمذاهب إلى المغرب أحدث فيه كثيرًا من الهيجان والاضطراب فإنه كان أيضًا من العوامل القوية في شيوع اللغة العربية والإقبال على تعلمها ورواج الآراء المذهبية وانشغال العقول بها إلى أن استقرت الحالة بظهور مذهب أهل السنة على ما عداه من المذاهب، واقتداء النّاس في العقائد بأبي الحسن الأشعري وفي الفروع بمذهب مالك بن أنس إمام دار الهجرة، باستثناء فئات قليلة من أعوان الدولة العبيدية الرسميين وشيعتها الكتاميين بإفريقيا.
على أنَّ مصير هذه الفئات الشيعية الإفريقية كان رهنًا بحلول الظروف المناسبة؛ لأنَّ الشعب هناك كان سني الاعتقاد، لا يؤمن بنسب العبيديين الفاطميين ولا يقبل ترهاتهم التي ذرت قرونها بالمغرب ثم وجدت في مصر بعد انتقالهم إليها مرتعًا خصبًا، وقد كانوا لا تسنح لهم فرصة إلَّا اهتبلوها للقضاء عليهم وحسم مادتهم، ففي سنة ١٠١٧ م الموافق ٤٠٧ هـ ثار أهل القيروان بجماعة من الشيعة
стр. 2450
كانوا يسكنون درب المعلى منها فقتلوهم ونهبوا دورهم وأمتعتهم ثم امتدت الثورة عليهم إلى البلدان فقتلوا حيثما ثقفوا، وقتل أيضًا من لَمْ يعرف مذهبه بالشبهة لهم، ولم ينج من نقمة العامة حتى جماعاتهم التي خرجت بنسائها وأطفالها تريد الهجرة إلى صقلية وجهات أخرى أكثر أمنا.
وفي الوقت نفسه كانت ظروف أخرى تهيأ في الخفاء للقضاء على المذهب الشيعي في المغرب وإحداث القطيعة التامة بين بني عبيد المستخلفين بالقاهرة وبني باديس الصنهاجيين المتآمرين باسمهم بإفريقيا، وقد نجح في خلق تلك الظروف واحد من أروع الوزراء وأقوم الفقهاء هو الفقيه علي بن أبي الرجال معلم المعز بن باديس الصنهاجي الذي تولى الإمارة سنة ١٠١٦ م الموافق ٤٠٦ هـ وهو ابن ثمانية أعوام، فلم يزل هذا الفقيه يُقبِّح له المذهب الشيعي وينقص له قدر بني عبيد ويحبب إليه مذهب أهل السنة والجماعة ويزين له مذهب الإمام مالك بن أنس إلى أن اقتنع وأصبح يكره المذهب الشيعي ويمقت بني عبيد من غير أن يعلم الشيعة ولا أهل القيروان بذلك، حتى بدرت منه بادرة سنة ١٠٢٦ م الموافق ٤١٧ هـ انفضح بها معتقده وانكشفت سريرته، فقد خرج في بعض الأعياد إلى المصلي في زينته وحشوده، فكبا به فرسه، فذكر اسم الخليفتين أبي بكر وعمر متبركا، فسمعه الشيعة الذين كانوا في عسكره فمالوا إليه ليقتلوه ولكن عبيده ورجاله ومن كان يكتم المذهب السني من أهل القيروان أنقذوه ومالوا على الشيعة ميلة واحدة فوضعوا السيوف في أعناقهم وقتلوا منهم ثلاثة آلاف حتى سُمي الموضع الذي قتلوا فيه بركة الدم، ثم صاح فيهم صائح الموت فقتلوا بجهات كثيرة من إفريقيا، فأعلن النّاس حينئذ بالمعتقد الحق، ونادوا بشعار الإيمان، وحذفوا من أذان الصلاة جملة (حي على خير العمل) فأغضى الخليفة الظاهر وابنه المستنصر بعده عن ذلك، واعتذر المعز بالعامة فقبل عذره.
ومن أن الملوك الفاطميين كانوا لا يفتأون يخلعون على المعز بن باديس ألقاب الشرف والمجد كتلقيبه بشرف الدولة وعضدها تأليفا لقلبه، ويرسلون إليه الهدايا النفيسة وسجلات التشريف التي لَمْ ينلها أحد غيره فإن المعز كان يحذرهم ويخشى بطشهم، سيما بعد ما رأى كيف فعل أحد خلفائهم الظاهر لإعزاز دين
стр. 2451
الله بأحد أمراء البربر حسن بن علي بن دواس الكتامي المُلقَّب بسيف الدولة وذي المجدين سنة ١٠٢٣ م الموافق ٤١٤ هـ، فقد أمر بإحضاره إلى القصر فدخله ولم يكن يدخله من قبل حذرا على نفسه، فأخرج من ساعته مقتولا، وأقام ثلاثة أيام ينادي عليه المنادي: هذا جزاء من غدر مواليه، ثم دفع إلى عبيده فدفنوه.
ويظهر أن المعز بن باديس الذي كان يتمتع بدهاء كبير وحيلة واسعة فكر في التآمر على الفاطميين للإطاحة بحكمهم وإراحة المغاربة وسائر المسلمين من جورهم ومخرقتهم، ورأى أن ذلك أجدى عليه من الثورة السافرة عليهم وأحرى أن يبلغه إلى مقاصده وغاياته، فأخذ يكاتب الوزير أحمد بن علي الجرجرائي وزير الظاهر العبيدي مستميلا ومعرضا بالتحزب معه عليهم، يفعل ذلك رمزا وتعريضا لعله يرى منه قبولا له فيجد معه في السعي عليهم، وكتب مُرّة إلى الجرجرائي بخطه قطعة تمثل فيها بقول القائل:
وفيك صاحبت قوما لا خلاق لهم … لولاك ما كنت أدري أنهم خلقوا
يشير إلى الفاطميين ويزعم أنه إنما أبقى عليهم بعض الإبقاء لأجل حبه فيه، فلما وقف عليها الجرجرائي قال: ألا تعجبون من هذا الأمير، صبي مغربي بربري يريد أن يخدع شيخًا بغداديا عربيا، واتهمه بأنه إنما يكاتبه ليوقع بين الخليفة ووزيره إن عثر على هذه الرموز.
وكان الجرجرائي هذا أحد رجال الدولة الفاطمية سياسة ودهاء وثقوب ذهن واستنارة بصيرة، وقد استوزره الظاهر الفاطمي ثم ابنه المستنصر، ومن عجيب أخباره أن الظاهر غضب عليه فأمر بقطع يديه لأمر استوجب القطع فقطعتا معا، فخرج من فوره وجلس بالديوان الخدمته على عادته وقال: إن أمير المؤمنين لَمْ يعزلني، وإنما عاقبني بجنايتي، فلما بلغ الظاهر ذلك استعظمه وشرف لديه، وأقره في عمله ثم رفعه إلى رتبة الوزارة بعدما كان في الدواوين، وكان كثير المصادرة الأموال الولاة وأمتعتهم وربما صرح لهم بقوله: أبيتم إلَّا الخيانة، فقال فيه محمد بن عبد الله الأنصاري الشاعر:
أغمد لسانك والتزم … طرق السلامة والصيانه
стр. 2452
كم ذا تقول أبيتم … إلَّا الجناية والخيانه
أتراهم قطعوا يديك … على النزاهة والأمانه
وقد استبد بالدولة سنة (١٠٢٣ م - ٤١٤ هـ) بعد وفاة ست الملك انتهضته إلى أن توفي سنة (١٠٤٤ م - ٤٣٦ هـ) فولي الوزارة بعده الحسن بن علي اليازوري فخاطبه الولاة من كلّ الآفاق ولم يولوه، فأنف من ذلك وعظم عليه، وساءت العلائق بينه وبين ثمال بن صالح الكلابي صاحب حلب والمعز بن باديس صاحب إفريقيا اللذين كانا يحقدان عليه أشد الحقد، وأدى الأمر إلى أن حلف المعز بن باديس ليخلعن طاعة الفاطميين ويحولن الدعوة إلى بني العباس، فأرسل بيعته إلى أبي جعفر عبد الله القائم بأمر الله العباسي ببغداد سنة (١٠٤٨ م - ٤٤٠ هـ) (١) وأمر بالدعاء له والرضا عن الخلفاء الأربعة والعباس وبقية العشرة ولعن بني عبيد فوق المنابر، فابتهج النّاس أيما ابتهاج بهذا التحول، وعادوا إلى أداة صلاة الجمعة بعد ما قطعوها دهرا فرارا من دعوة العبيديين حتى كان الرجل إذا بلغ إلى المسجد قال سرا: اللهم اشهد ثم ينصرف فيصلي الجمعة ظهرًا، ثم بدل السكة سنة (١٠٤٩ م - شعبان ٤٤١ هـ) وسبك ما كان في بيت المال من الدنانير والدراهم التي عليها أسماء بني عبيد ومنع رواجها وقطع أسماءهم من الرايات والبنود ونشر الرايات السود وهدم دار الإسماعيلية، وفي سنة (١٠٥١ م - جمادي الثانية ٤٤٣ هـ) جمع الخياطين وأخرج لهم شق الكتان من فندقه وأمرهم أن يصبغوها بالسواد ثم فصلوها ثيابا وكسا الفقهاء والقضاة والمؤذنين بها وخرج بهم في موكب حافل إلى الجامع الكبير بالقيروان فأدوا فيه صلاة الجمعة وقد لبسوا شعار بني العباس.
ولم تكن تصرفات المعز بن باديس لتخفى على الفاطميين خطورتها خصوصًا بعد أن انضم الأمير جبارة بن مختار سنة (١٠٦١ م - ٤٤٣ هـ) إليه وكتب إليه بالسمع والطاعة وأخبره أنه وأهل برقة أزالوا المنابر التي كان يُدعى عليها للعبيديين وأحرقوا راياتهم وتبرأوا منهم ولعنوهم في مساجدهم ودعوا للقائم بأمر الله العباسي، ولكنهم لَمْ يكونوا يقدرون على توجيه جيش إلى إفريقيا لخضد شوكته
стр. 2453
وإعادته إلى طاعتهم أو تنحيته، وبقي صنائع الدولة وأولياء الدعوة من كتامة واجمين مرتبكين حتى خطرت للوزير اليازوري فكرة اعتقد أنه يستطيع بتنفيذها من المعز دون أن يجيش له جيشا أو يتحمل فيه نصبا، وهي فكرة خطرت لسلفه الجرجرائي من قبل وعاجله الموت قبل إخراجها إلى حيز العمل، فقد كانت بطون من قبيلة بني هلال العربية من أثبج وجشم ورياح ورغبة وعدي تقيم بصعيد مصر قد عم الدولة ضررهم، وأحرق البلاد شررهم، فرأى اليازوري أن يغريهم ببني باديس الصنهاجيين ويدفعهم لمحاربتهم نصرة للمذهب الشيعي ودفاعا عن الدولة، فإن ظفروا بالمعز وصنهاجة كانوا أولياءها وعمالها بإفريقيا وسائر المغرب، وإن كانت الدبرة عليهم قوَّم اعوجاج صنهاجة بوسيلة أخرى.
والواقع أن اليازوري كان يستهدف من وراء توجيه العرب إلى المغرب هدفين اثنين: أحدهما ظاهر هو الانتقام من صنهاجة، والثاني خفي هو التخلص من هؤلاء الأعراب الذين كانت إقامتهم بصعيد مصر تسبب للدولة الفاطمية كثيرًا من المتاعب، وتجعل السكان معرضين لعدوانهم باستمرار.
ولم يضع اليازوري وقته متدبرا ولا مترددا لعلمه أن الدولة ستفوز بإحدى الحسنيين إن لَمْ تفز بهما معا، فإما أن ينتصر الأعراب على صنهاجة ويعودوا إلى مصر منتصرين فيكونون قد انتقموا للدولة من خصومها، وإما أن تهزمهم صنهاجة فيهيم من نجا منهم من القتل على وجهه بصحاري المغرب وبرقة فتلين قناتهم ويزول عن الدولة خطرهم، وإما أن ينتصروا ويطيب لهم المقام بالمغرب وحينئذ تكون الدولة قد ظفرت بالأعداء البعيدين وتخلصت من عناصر الفتنة القريبين. ففي سنة (١٠٤٩ م - ٤٤١ هـ) استقدم اليازوري مشايخ العرب وأمراءهم وألان لهم القول وأجزل العطاء وأعرب لهم عن رغبته في توليتهم أعمال إفريقيا، ثم استنفر القبائل العربية لعبور النيل وكانوا ممنوعين منه وأعطى لكل واحد منهم بعيرًا ودينارا وقال لهم: قد أعطيتكم المغرب وملك المعز بن باديس فلا تفتقرون، ولم يرسم لهم خطة للعمل لعلمه أنهم لا يحتاجون إلى وصية، وكتب إلى أهل إفريقيا يقول: أما بعد فقد أنفذنا إليكم خيولًا فحولا، وأرسلنا عليها رجالًا كهـھولا، ليقضي الله أمرا كان مفعولًا" فجاز العرب النيل أفواجا وساروا إلى برقة فنزلوا بها
стр. 2454
وفتحوا واستباحوها وكتبوا لمن بقي من إخوانهم بشرني النيل يرغبونهم في عبوره واللحاق بهم، فأجازوا بعدما أعطوا دينارين لكل رأس وأخذ منهم أضعاف ما أخذوه، ولما لحقوا بإخوانهم تقارعوا على البلاد، فكان شرقها من حظ سُلَيْم، وغربها من حظ بني هلال، فأقامت قبيلة هيب من سُلَيْم وأحلافها من رواحة وناصرة وعمرة بأرض برقة، وسارت قبائل بني هلال من رياح، والأثبج، ورغبة بعد ذلك إلى إفريقيا والمغرب.
ولا يُعرف بالتدقيق عدد الأعراب الذين عبروا النيل بقصد الدخول إلى المغرب وتنفيذ السياسة الفاطمية فيه، ويظهر أنهم لَمْ يعبروه جميعًا وأن عشائر كثيرة منهم قررت البقاء بأرض مصر واستمرت مقيمة بها بعد ذلك بقرون، ولكن الذين ساروا إلى المغرب منهم كانوا من قوة الأبدان والتمرس بالضراب والطعان والاستهانة بالموت والشره إلى النهب والسلب بحيث كان وقوف أهل برقة في وجههم أمرا مستحيلا، فلذلك استسلموا له بعد ما رأوهم ينسفون عمرانهم ويخربون مدنهم كأجدابيا وسرت وأسمرا والمدينة الحمراء، ويوسعون لهم في الأرض التي تسعهم جميعًا صابرين على ما يتعرضون له يوميا من ظلم وعسف وإرهاق.
ولقد كان من الممكن أن يقف الأمر عند هذا الحد، ويكتفي الأعراب بالمقام في برقة ويقنع الفاطميون منهم بذلك، تخلصا من الأضرار التي كانوا يلحقونها بفلاحي مصر وإمعانا لامتداد التمرد إلى شرق حدود برقة لولا أن خطر للمعز بن باديس أن يستخدمهم جنودا ويستبدلهم بأبناء عمه الصنهاجيين، فقد ساءت ظنونه في ذلك الوقت بصنهاجة وكرههم وحقد عليهم من غير أن يظهر لهم شيئًا من ذلك، وحدث أن قدم عليه بعد مرور مدة على استقرار العرب بيرقة مؤنس بن يحيى الصنبري أمير رياح من بني هلال وكان سيدا في قومه، شجاعا عاقلًا، فلطف محله عند المعز وحلا في عينيه واستخلصه لنفسه وأصهر إليه، وشاوره يومًا من الأيام في استقدام قبيلة رياح لاتخاذهم جندا فقبح له ذلك وحذره سوء عاقبته، وعرفه بتفرق القوم واعتيادهم الفتن والفوضى وعدم انقيادهم إلى الطاعة، ولكن المعز لَمْ يسمع له كلامًا وبقي يلح عليه في استقدامهم حتى
стр. 2455
قال له ذات يوم: إنما تريد انفرادك، حسدا منك لقومك؛ فعزم مؤنس على الخروج الاستنفار قومه بعد ما قدم للمعز العذر واشهد بعض رجال دولته، ثم سار متوجها إليهم ووعدهم وغبطهم ووصف لهم كرامة السلطان والإحسان إليهم، وما زال يرغبهم في المسير إليه حتى قبلوا فتقدم هو في ركب منهم لَمْ يعهدوا نعمة ولا تمرسوا بحضارة، فما كادوا يشاهدون أول قرية حتى استفزهم الطمع وتنادوا: هذه القيروان! ونهبوها من حينها، ولما بلغ الخبر إلى المعز عظم ذلك عليه، ولكنه ظل مع ذلك يشك في حدق مؤنس وحسن نصيحته، وقال: إنما فعل هذا ليصحح قوله ويظهر نصحه، وأمر بالختم على داره وتثقيف أولاده وعياله حتى يعلم ما يكون من أمره، فلما بلغ مؤنسا ما فعل بأهله اشتد غضبه وعظم حنقه، وقال: قدمت النصيحة فحاق الأمر بي، ونسبت الخطيئة إلي، فكان أشد القوم ضررا وأعظمهم نكاية فيما بعد.
وحاول المعز أن يتدارك الأمر بالسياسة ولكن بعد فوات الأوان، فأخرج الفقهاء إلى الأعراب يوصون ويعظون، ويعرضون العهود والشروط، ويعلمونهم أن السلطان سرح عيالاتهم ورفع الثقاف عن أموالهم وأمتعتهم، فأظهروا الاستجابة واستشعروا الطاعة، وأخذ الفقهاء عليهم عهودا ومواثيق فأرسلوا شيوخا منهم إلى المعز تأكيدا لما اتفقوا عليه مع الفقهاء، ولكنهم ما لبثوا أن نكثوا العهود وأمعنوا في الأرض عبثا وفسادا.
وظهر للمعز أن يختبر قوة العرب، فسرح إليهم نخبة من جيش النظامي هزموها شر هزيمة، فاستشاط غضبا وتقبض على أخ لمؤنس الرياحي كان لا يزال مقيما بالقيروان، ولكنه أدرك أن الأمر جد، وشعر بإمارته يحدق بها خطر لا يتقي منه بالانتقام العائلي، فقرر الاستنجاد بحلفائه والأمراء من قرابته، فبعث بالصريخ إلى ابن عمه القائد ابن حماد أمير القلعة فأمده بكتيبة من ألف فارس، وكتب إلى المستنصر بن خزرون أمير مغراوة الذي كان منتجعا في البادية فوصل إليه في ألف فارس واستنفر جميع قبائل صنهاجة وزناته، وفي يوم الإثنين ١٣ أبريل سنة (١٠٥٢ م - ١٠ ذي الحجة ٤٤٣ هـ) عيَّد المعز عيد الأضحى ثم مشى في اليوم التالي إلى ناحية قرية تعرف ببني هلال ومعه جيشه النظامي وحلفاؤه ومن لف