← Ансаб

Ансаб · id 897

موسوعة القبائل العربية

محمد سليمان الطيب

Полный текст (10 849 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

الله بأحد أمراء البربر حسن بن علي بن دواس الكتامي المُلقَّب بسيف الدولة وذي المجدين سنة ١٠٢٣ م الموافق ٤١٤ هـ، فقد أمر بإحضاره إلى القصر فدخله ولم يكن يدخله من قبل حذرا على نفسه، فأخرج من ساعته مقتولا، وأقام ثلاثة أيام ينادي عليه المنادي: هذا جزاء من غدر مواليه، ثم دفع إلى عبيده فدفنوه. ويظهر أن المعز بن باديس الذي كان يتمتع بدهاء كبير وحيلة واسعة فكر في التآمر على الفاطميين للإطاحة بحكمهم وإراحة المغاربة وسائر المسلمين من جورهم ومخرقتهم، ورأى أن ذلك أجدى عليه من الثورة السافرة عليهم وأحرى أن يبلغه إلى مقاصده وغاياته، فأخذ يكاتب الوزير أحمد بن علي الجرجرائي وزير الظاهر العبيدي مستميلا ومعرضا بالتحزب معه عليهم، يفعل ذلك رمزا وتعريضا لعله يرى منه قبولا له فيجد معه في السعي عليهم، وكتب مُرّة إلى الجرجرائي بخطه قطعة تمثل فيها بقول القائل: وفيك صاحبت قوما لا خلاق لهم … لولاك ما كنت أدري أنهم خلقوا يشير إلى الفاطميين ويزعم أنه إنما أبقى عليهم بعض الإبقاء لأجل حبه فيه، فلما وقف عليها الجرجرائي قال: ألا تعجبون من هذا الأمير، صبي مغربي بربري يريد أن يخدع شيخًا بغداديا عربيا، واتهمه بأنه إنما يكاتبه ليوقع بين الخليفة ووزيره إن عثر على هذه الرموز. وكان الجرجرائي هذا أحد رجال الدولة الفاطمية سياسة ودهاء وثقوب ذهن واستنارة بصيرة، وقد استوزره الظاهر الفاطمي ثم ابنه المستنصر، ومن عجيب أخباره أن الظاهر غضب عليه فأمر بقطع يديه لأمر استوجب القطع فقطعتا معا، فخرج من فوره وجلس بالديوان الخدمته على عادته وقال: إن أمير المؤمنين لَمْ يعزلني، وإنما عاقبني بجنايتي، فلما بلغ الظاهر ذلك استعظمه وشرف لديه، وأقره في عمله ثم رفعه إلى رتبة الوزارة بعدما كان في الدواوين، وكان كثير المصادرة الأموال الولاة وأمتعتهم وربما صرح لهم بقوله: أبيتم إلَّا الخيانة، فقال فيه محمد بن عبد الله الأنصاري الشاعر: أغمد لسانك والتزم … طرق السلامة والصيانه

стр. 2452

كم ذا تقول أبيتم … إلَّا الجناية والخيانه أتراهم قطعوا يديك … على النزاهة والأمانه وقد استبد بالدولة سنة (١٠٢٣ م - ٤١٤ هـ) بعد وفاة ست الملك انتهضته إلى أن توفي سنة (١٠٤٤ م - ٤٣٦ هـ) فولي الوزارة بعده الحسن بن علي اليازوري فخاطبه الولاة من كلّ الآفاق ولم يولوه، فأنف من ذلك وعظم عليه، وساءت العلائق بينه وبين ثمال بن صالح الكلابي صاحب حلب والمعز بن باديس صاحب إفريقيا اللذين كانا يحقدان عليه أشد الحقد، وأدى الأمر إلى أن حلف المعز بن باديس ليخلعن طاعة الفاطميين ويحولن الدعوة إلى بني العباس، فأرسل بيعته إلى أبي جعفر عبد الله القائم بأمر الله العباسي ببغداد سنة (١٠٤٨ م - ٤٤٠ هـ) (١) وأمر بالدعاء له والرضا عن الخلفاء الأربعة والعباس وبقية العشرة ولعن بني عبيد فوق المنابر، فابتهج النّاس أيما ابتهاج بهذا التحول، وعادوا إلى أداة صلاة الجمعة بعد ما قطعوها دهرا فرارا من دعوة العبيديين حتى كان الرجل إذا بلغ إلى المسجد قال سرا: اللهم اشهد ثم ينصرف فيصلي الجمعة ظهرًا، ثم بدل السكة سنة (١٠٤٩ م - شعبان ٤٤١ هـ) وسبك ما كان في بيت المال من الدنانير والدراهم التي عليها أسماء بني عبيد ومنع رواجها وقطع أسماءهم من الرايات والبنود ونشر الرايات السود وهدم دار الإسماعيلية، وفي سنة (١٠٥١ م - جمادي الثانية ٤٤٣ هـ) جمع الخياطين وأخرج لهم شق الكتان من فندقه وأمرهم أن يصبغوها بالسواد ثم فصلوها ثيابا وكسا الفقهاء والقضاة والمؤذنين بها وخرج بهم في موكب حافل إلى الجامع الكبير بالقيروان فأدوا فيه صلاة الجمعة وقد لبسوا شعار بني العباس. ولم تكن تصرفات المعز بن باديس لتخفى على الفاطميين خطورتها خصوصًا بعد أن انضم الأمير جبارة بن مختار سنة (١٠٦١ م - ٤٤٣ هـ) إليه وكتب إليه بالسمع والطاعة وأخبره أنه وأهل برقة أزالوا المنابر التي كان يُدعى عليها للعبيديين وأحرقوا راياتهم وتبرأوا منهم ولعنوهم في مساجدهم ودعوا للقائم بأمر الله العباسي، ولكنهم لَمْ يكونوا يقدرون على توجيه جيش إلى إفريقيا لخضد شوكته

стр. 2453

وإعادته إلى طاعتهم أو تنحيته، وبقي صنائع الدولة وأولياء الدعوة من كتامة واجمين مرتبكين حتى خطرت للوزير اليازوري فكرة اعتقد أنه يستطيع بتنفيذها من المعز دون أن يجيش له جيشا أو يتحمل فيه نصبا، وهي فكرة خطرت لسلفه الجرجرائي من قبل وعاجله الموت قبل إخراجها إلى حيز العمل، فقد كانت بطون من قبيلة بني هلال العربية من أثبج وجشم ورياح ورغبة وعدي تقيم بصعيد مصر قد عم الدولة ضررهم، وأحرق البلاد شررهم، فرأى اليازوري أن يغريهم ببني باديس الصنهاجيين ويدفعهم لمحاربتهم نصرة للمذهب الشيعي ودفاعا عن الدولة، فإن ظفروا بالمعز وصنهاجة كانوا أولياءها وعمالها بإفريقيا وسائر المغرب، وإن كانت الدبرة عليهم قوَّم اعوجاج صنهاجة بوسيلة أخرى. والواقع أن اليازوري كان يستهدف من وراء توجيه العرب إلى المغرب هدفين اثنين: أحدهما ظاهر هو الانتقام من صنهاجة، والثاني خفي هو التخلص من هؤلاء الأعراب الذين كانت إقامتهم بصعيد مصر تسبب للدولة الفاطمية كثيرًا من المتاعب، وتجعل السكان معرضين لعدوانهم باستمرار. ولم يضع اليازوري وقته متدبرا ولا مترددا لعلمه أن الدولة ستفوز بإحدى الحسنيين إن لَمْ تفز بهما معا، فإما أن ينتصر الأعراب على صنهاجة ويعودوا إلى مصر منتصرين فيكونون قد انتقموا للدولة من خصومها، وإما أن تهزمهم صنهاجة فيهيم من نجا منهم من القتل على وجهه بصحاري المغرب وبرقة فتلين قناتهم ويزول عن الدولة خطرهم، وإما أن ينتصروا ويطيب لهم المقام بالمغرب وحينئذ تكون الدولة قد ظفرت بالأعداء البعيدين وتخلصت من عناصر الفتنة القريبين. ففي سنة (١٠٤٩ م - ٤٤١ هـ) استقدم اليازوري مشايخ العرب وأمراءهم وألان لهم القول وأجزل العطاء وأعرب لهم عن رغبته في توليتهم أعمال إفريقيا، ثم استنفر القبائل العربية لعبور النيل وكانوا ممنوعين منه وأعطى لكل واحد منهم بعيرًا ودينارا وقال لهم: قد أعطيتكم المغرب وملك المعز بن باديس فلا تفتقرون، ولم يرسم لهم خطة للعمل لعلمه أنهم لا يحتاجون إلى وصية، وكتب إلى أهل إفريقيا يقول: أما بعد فقد أنفذنا إليكم خيولًا فحولا، وأرسلنا عليها رجالًا كهـھولا، ليقضي الله أمرا كان مفعولًا" فجاز العرب النيل أفواجا وساروا إلى برقة فنزلوا بها

стр. 2454

وفتحوا واستباحوها وكتبوا لمن بقي من إخوانهم بشرني النيل يرغبونهم في عبوره واللحاق بهم، فأجازوا بعدما أعطوا دينارين لكل رأس وأخذ منهم أضعاف ما أخذوه، ولما لحقوا بإخوانهم تقارعوا على البلاد، فكان شرقها من حظ سُلَيْم، وغربها من حظ بني هلال، فأقامت قبيلة هيب من سُلَيْم وأحلافها من رواحة وناصرة وعمرة بأرض برقة، وسارت قبائل بني هلال من رياح، والأثبج، ورغبة بعد ذلك إلى إفريقيا والمغرب. ولا يُعرف بالتدقيق عدد الأعراب الذين عبروا النيل بقصد الدخول إلى المغرب وتنفيذ السياسة الفاطمية فيه، ويظهر أنهم لَمْ يعبروه جميعًا وأن عشائر كثيرة منهم قررت البقاء بأرض مصر واستمرت مقيمة بها بعد ذلك بقرون، ولكن الذين ساروا إلى المغرب منهم كانوا من قوة الأبدان والتمرس بالضراب والطعان والاستهانة بالموت والشره إلى النهب والسلب بحيث كان وقوف أهل برقة في وجههم أمرا مستحيلا، فلذلك استسلموا له بعد ما رأوهم ينسفون عمرانهم ويخربون مدنهم كأجدابيا وسرت وأسمرا والمدينة الحمراء، ويوسعون لهم في الأرض التي تسعهم جميعًا صابرين على ما يتعرضون له يوميا من ظلم وعسف وإرهاق. ولقد كان من الممكن أن يقف الأمر عند هذا الحد، ويكتفي الأعراب بالمقام في برقة ويقنع الفاطميون منهم بذلك، تخلصا من الأضرار التي كانوا يلحقونها بفلاحي مصر وإمعانا لامتداد التمرد إلى شرق حدود برقة لولا أن خطر للمعز بن باديس أن يستخدمهم جنودا ويستبدلهم بأبناء عمه الصنهاجيين، فقد ساءت ظنونه في ذلك الوقت بصنهاجة وكرههم وحقد عليهم من غير أن يظهر لهم شيئًا من ذلك، وحدث أن قدم عليه بعد مرور مدة على استقرار العرب بيرقة مؤنس بن يحيى الصنبري أمير رياح من بني هلال وكان سيدا في قومه، شجاعا عاقلًا، فلطف محله عند المعز وحلا في عينيه واستخلصه لنفسه وأصهر إليه، وشاوره يومًا من الأيام في استقدام قبيلة رياح لاتخاذهم جندا فقبح له ذلك وحذره سوء عاقبته، وعرفه بتفرق القوم واعتيادهم الفتن والفوضى وعدم انقيادهم إلى الطاعة، ولكن المعز لَمْ يسمع له كلامًا وبقي يلح عليه في استقدامهم حتى

стр. 2455

قال له ذات يوم: إنما تريد انفرادك، حسدا منك لقومك؛ فعزم مؤنس على الخروج الاستنفار قومه بعد ما قدم للمعز العذر واشهد بعض رجال دولته، ثم سار متوجها إليهم ووعدهم وغبطهم ووصف لهم كرامة السلطان والإحسان إليهم، وما زال يرغبهم في المسير إليه حتى قبلوا فتقدم هو في ركب منهم لَمْ يعهدوا نعمة ولا تمرسوا بحضارة، فما كادوا يشاهدون أول قرية حتى استفزهم الطمع وتنادوا: هذه القيروان! ونهبوها من حينها، ولما بلغ الخبر إلى المعز عظم ذلك عليه، ولكنه ظل مع ذلك يشك في حدق مؤنس وحسن نصيحته، وقال: إنما فعل هذا ليصحح قوله ويظهر نصحه، وأمر بالختم على داره وتثقيف أولاده وعياله حتى يعلم ما يكون من أمره، فلما بلغ مؤنسا ما فعل بأهله اشتد غضبه وعظم حنقه، وقال: قدمت النصيحة فحاق الأمر بي، ونسبت الخطيئة إلي، فكان أشد القوم ضررا وأعظمهم نكاية فيما بعد. وحاول المعز أن يتدارك الأمر بالسياسة ولكن بعد فوات الأوان، فأخرج الفقهاء إلى الأعراب يوصون ويعظون، ويعرضون العهود والشروط، ويعلمونهم أن السلطان سرح عيالاتهم ورفع الثقاف عن أموالهم وأمتعتهم، فأظهروا الاستجابة واستشعروا الطاعة، وأخذ الفقهاء عليهم عهودا ومواثيق فأرسلوا شيوخا منهم إلى المعز تأكيدا لما اتفقوا عليه مع الفقهاء، ولكنهم ما لبثوا أن نكثوا العهود وأمعنوا في الأرض عبثا وفسادا. وظهر للمعز أن يختبر قوة العرب، فسرح إليهم نخبة من جيش النظامي هزموها شر هزيمة، فاستشاط غضبا وتقبض على أخ لمؤنس الرياحي كان لا يزال مقيما بالقيروان، ولكنه أدرك أن الأمر جد، وشعر بإمارته يحدق بها خطر لا يتقي منه بالانتقام العائلي، فقرر الاستنجاد بحلفائه والأمراء من قرابته، فبعث بالصريخ إلى ابن عمه القائد ابن حماد أمير القلعة فأمده بكتيبة من ألف فارس، وكتب إلى المستنصر بن خزرون أمير مغراوة الذي كان منتجعا في البادية فوصل إليه في ألف فارس واستنفر جميع قبائل صنهاجة وزناته، وفي يوم الإثنين ١٣ أبريل سنة (١٠٥٢ م - ١٠ ذي الحجة ٤٤٣ هـ) عيَّد المعز عيد الأضحى ثم مشى في اليوم التالي إلى ناحية قرية تعرف ببني هلال ومعه جيشه النظامي وحلفاؤه ومن لف

стр. 2456

لفهم من الحشم والأتباع والأولياء وبقايا عرب الفتح، فلما انتصف النهار جاءته الأخبار بقرب وصول العرب إليه فأمر جيشه الذي كان يبلغ عدده ثلاثين ألفًا بالنزول في أوعار وأودية قرب جبل حيدران، لكن فرسان العرب الذين كانوا يبلغون ثلاثة آلاف فقط عاجلوهم قبل أن يتم النزول، وما كاد القتال ينشب حتى تحيز عرب الفتح إلى جهة الهلاليين للعصبية القديمة، وخذلت صنهاجة وزناته، ووصلت رماح العرب إلى المعز ولم ينجه من الموت إلَّا عبيده الذين استماتوا في الدفاع عنه حتى قُتِل منهم خلق كثير فداء له، وأخيرا فرَّ إلى القيروان بعد ما هلك من رجاله ثلاثة آلاف ودخل المنهزمون أيضًا في حالة يُرثى لها وفقد من العسكر عدد كبير لَمْ يعرف ما آل إليه أمرهم، واستولى العرب على معسكر السلطان وحازوا ما فيه من المال والمتاع والكراع، وفي هذه المعركة نظم الشاعر الرياحي علي بن رزق قصيدته التي مطلعها: لقد زار وهنا من أميم خيال … وأيدي المطايا بالذميل مجال والتي يقول فيها: وإن ابن باديس لأكبر مالك … لعمري ولكن ما لديه رجال ثلاثون ألفًا منهم هزمتهم … ثلاثة آلاف، وذلك ضلال ثم سار العرب بعد ذلك لحصار القيروان، وجعل كلّ من سبق من شيوخهم إلى قرية يُسمي نفسه لأهلها ويؤمنهم ويعطيهم قلنسوته أو رقعة مكتوبة علامة يعرف بها غيره من الشيوخ أنه سبقه، ثم نكثوا عهودهم بعد ذلك فخربوا القرى وسلبوا أهلها جميع ما يملكون وتركوهم حفاة عراة يبكون جوعا وبردا، فضاقت الأرض بالقيروان على أهلها وانفض من حول المعز قرابته وأولياؤه، فاضطر بعد سنين من الحصار إلى مفاوضة شيوخ العرب وصاهر ثلاثة من أمرائهم ببناته. وأثناء الحصار كان العرب يوسعون رقعة نفوذهم ومناطق سلطانهم، فملكوا جميع الساحل وبلاد قسطيلية وتغلب عائد بن أبي الغيث المرداسي أحد أصهار المعز الثلاثة على مدينة تونس وسباها سنة ١٠٥٤ م، وملك أبو مسعود من شيوخهم مدينة عنابة صلحًا، وفي سنة ١٠٥٥ م اقتسموا المغرب الأدنى الاقتسام

стр. 2457

الأول فكانت طرابلس وما يليها من حظ بطون زغبة، وباجة وما يليها من حظ مِرْدَاس من رياح، ثم اقتسموه الاقتسام الثاني فكانت البلاد من تونس إلى الغرب البطون هلال وهم: رياح، وزغبة، والعقل، وجشم، وقرة، والأثبج، والخلط، وسفيان. وفي يوم السبت (١ نوفمبر ١٠٥٧ م - ١ رمضان ٤٤٩ هـ) استولى الأعراب على القيروان فخربوها وطمسوا معالم حسنها، واستصفوا ما كان لآل بلكين في قصورها، وكان المعز قد انسحب منها قبل يومين تحت حماية خفير منهم هو صديقه القديم مؤنس بن يحيى الصنبري أمير رياح الذي كان المعز أصهر إليه في إحدى بناته وأنكحه إياها فسار في خفارته إلى المهدية ونزل بها على ابنه تميم، وتبعه العرب إليها فحاصروها وواصلوا التضييق على صنهاجة وزناته بعد ذلك حتى غلبوهما على الضواحي، واتصلت بينهم الفتن والحروب، وأغزاهم أمير تلمسان جيشًا بقيادة وزيره أبي سعدى خليفة اليفرني فغلبوه وقتلوه بعد حروب طويلة بنواحي الزاب، ولم تزل الفتن متتابعة، والحروب مسترسلة حتى تمت الغلبة للعرب على صنهاجة وزناته معا، وأطاعتهم جميع بلاد إفريقيا وجنوب المغرب الأوسط. وكذلك نجحت السياسة التي رسمها الوزير الفاطمي الحسن بن علي اليازوري للانتقام من المعز بن باديس، ولكنه انتقام لَمْ يكن لسوء الحظ قاصرًا عليه وحده، بل شمل الأرض والإنسان والحيوان جميعًا. وكان الخليفة الفاطمي المستنصر لما سرح العرب إلى إفريقيا عقد لرجالاتهم على أمصارها، وقلدهم أعمالهم، فعقد لموسي بن يحيى المرداسي وقومه من رياح على القيروان وباجة، ولقبيلة زغبة على طرابلس وقابس، وللحسن بن سرحان وقومه من الأثبج على قسطيلية (١)، فلما ملكوا الأمصار ساموا أهلها الخسف والظلم فثاروا بهم وأخرجوهم منها، فاكتفوا بملك الضواحي وشددوا الخناق على أهل المدن.

стр. 2458

وإلى هذا الحين كان المد العربي قد وصل غربًا إلى عمالة قسنطينة وإقليم الزاب، وصار الملتحم بين العرب والبربر بجبال بني راشد وما وراءها من سهوب مزاب بالمغرب الأوسط، وانعقد الصلح بين العرب وبين الأمراء الصنهاجيين على أنَّ يستقل الأولون بملك الضواحي والأرياف، وينفرد الأخيرون بملك المدن، ووضعت الحرب أوزارها مؤقتًا. واحتال الصنهاجيون بعدما أنهكتهم الحروب في تفريق كلمة العرب والتضريب بينهم، واستغلال خلافاتهم القَبَلية لمظاهرة بعضهم على بعض، وحدث في تلك الأثناء خلاف بين الأثبج ورغبة فظاهر الناصر بن علناس أمير القلعة الأثبج على خصومهم من بني عمهم، واستنفر أمراء زناته وكان فيهم زيري بن عطية المغراوي ملك فاس، فاجتمعت صنهاجة وزناته في الأربس وجرت بينهم وبين عرب رياح معركة طاحنة انهزمت فيها صنهاجة، فاستبيحت خزائن الناصر وفساطيطه ومضاربه، وقتل أخوه القاسم، ونجا هو إلى قسنطينة وعرب رياح في اتباعه، ثم لحق بالقلعة فتبعوه إليها وأمعنوا في جنباتها عبثا وتخريبا، وعطفوا على ما هناك من المدن مثل طبنة والمسيلة فدمروها وشردوا أهلها، ومالوا على المنازل والقرى والضياع فتركوها قاعا صفصفا، وغوَّروا المياه واحتطبوا الشجر وأظهروا في الأرض الفساد حتى تركوا تلك الأقاليم (أفقر من بلاد الجن وأوحش من جوف العير) على حد تعبير ابن خلدون (١). وقد اضطر هذا الغزو القاسي دولة صنهاجة إلى هجران قلعة بني حماد قاعدة الإمارات الغربية ومقر حكومتها، فاختط الناصر بن علناس مدينة بجاية بالساحل، ونقل إليها ذخيرته ومتاعه وأعدها لنزله وجعلها عاصمة ملكه، ونزلها ابن المنصور من بعده فأصبحوا في مأمن نسبي بها، نظرا لمنعة الجبال المحيطة بها، ووعورة مسالكها، وصعوبة السير فيها على الرواحل العربية، ولما صفا أمر المغرب العبد المؤمن بن علي سنة (١١٤٧ م - ٥٤١ هـ) وتملك الأندلس كانت الأخبار ترد عليه باستمرار عن تفاقم الحالة بإفريقيا، واختلاف أمرائها واستطالة العرب عليها بالعبث والفساد، فكان يتشوق إلى حسم مادة الفوضى وتثبيت النظام في تلك

стр. 2459

البلاد التي طلع بها كوكب سعده منذ التقى في بجاية إحدى مدنها بإمامة المهدي، ويتطلع إلى نظمها في سلك الدعوة المودعدية كما انتظمت أقطار المغربين الأقصى والأوسط والأندلس والصحراء، ولم يكن يثنيه عن النهوض إليها إلَّا إقباله في السنين الأولى من حياة الدولة الجديدة على تنظيم الحكومة وترتيب الإدارة والقضاء على الخوارج وتجهيز الجيوش لصد عادية النصارى الذين تطاولوا على مسلمي الأندلس أثناء حروب المرابطين والمودعدين، فلما كانت سنة (١١٥١ م - ٥٤٦ هـ) نهض عبد المؤمن لفتح ما بقي من المغرب الأوسط، والمغرب الأدني، فاستولي على الجزائر ووفد عليه فيها أبو الجليل بن شاكر أمير الأثبج وحباس بن مشيفر من أعيان جشم فتلقاهما بالمسرة، وغمرهما بالمبرة، وعقد لكل واحد منهما على قومه، ثم استولى على بجاية وقلعة بني حماد وقسنطينة، فسمعت بذلك قبائل بني هلال المقيمة بإفريقيا فخفت مسرعة إلى الغرب وعسكرت بظاهر باجة وتعاهد شيوخها على محاربة الموحدين وإنقاذ مُلك بني حماد، وحينما كان الخليفة عبد المؤمن بن علي في طريق عودته إلى عاصمة ملكه بالمغرب الأقصى وافته الأخبار بمسيرهم إلى سطيف، فأرسل مددا إلى ابنه الأمير عبد الله والي بجاية وأمره بملاقاتهم وخضد شوكتهم، فالتقى الفريقان بسهول سطيف ودارت رحى الحرب بينهم ثلاثة أيام ثم انتهت بانهزام العرب واستلحامهم وسبي نسائهم وأسر أبنائهم وغنم أموالهم وأمتعتهم، فكانت تلك أعنف صدمة تلقوها منذ دخولهم إلى بلاد المغرب قبل مائة عام (١) وأثرها راجعوا بصائرهم ودخلوا في دعوة الموحدين وأذعنوا لحكمهم، ثم وفد على الخليفة بعد رجوعه إلى مراكش كبراؤهم فوصلهم ورجعوا إلى قومهم مغتبطين. وأقام عبد المؤمن على رفاق مع العرب إلى أن تحرك من مدينة سلا يوم الأحد (١ مارس ١١٥٩ م - ١٠ صفر ٥٥٤ هـ) وسار إلى المغرب الأدني لمعالجته أموره استعادة مدينة المهدية من أيدي النصارى الذين كانت وطأتهم البرية والبحرية مشتدة بسببها على المسلمين باستمرار، وأثناء حصاره للمهدية الذي دام سبعة أشهر

стр. 2460

ظهرت من بني سُلَيْم ضروب من المنافرة والمشاقة والتعدي بجهات قابس، فكان الخليفة يستدعيهم إلى الجهاد معه ويستدنيهم منه ويهيب به إلى نبذ العصيان والدخول فيما دخلت فيه جماعة المسلمين، ويبعث لهم في ذلك المخاطبات البليغة والأشعار الرائقة كقصيدة صهره القاضي ابن عمران التينمللي التي يقول فيها على لسان مخدومه: أسُلَيْم دعوة ذي إخاء مرشد … هاد إلى الحق المبين المسعد ومذكر ما كان أسلاف لكم … فضلوا به أفعال كلّ مسدد بجهاد أعداء الإله، ونصرهم … لرسول ربهم النَّبِيّ محمد وتعرفوا أنا عليكم صبر … حتى يعود جواب هذا المنشد لكنه كان يصبر على سُلَيْم ولا ترد عليه عنهم إلَّا أخبار السوء، فلما بلغه تماديهم في الغي والفساد واستيلائهم على مدينة قابس واستباحتها بعث إليهم عسكرا ضخما بقيادة قريبه ووزيره عبد السلام الكومي، فاسترد المدينة واستأصل شأفة بني سُلَيْم، واستخلص بعد ذلك مدن الجنوب التونسي والإقليم الطرابلسي من أيدي المتغلبين عليها منهم ومن غيرهم، ولما ثني عنانه إلى المغرب سنة ١١٦٠ م بلغه أن الأعراب عادوا إلى الثورة والتشغيب فسرح إليهم جيشا من الموحدين نازلهم قرب القيروان وأوقع بهم وقتل كبيرهم محرز بن زياد الفارغي من بني علي إحدى بطون رياح (١)، وخلال هذه الوقائع وأثناءها أدرك عبد المؤمن بثاقب ذهنه وسديد نظره أن غريزة الفتنة متأصلة في العرب لا يمكن تخليهم عنها، فرأى أن يستغل طبيعتهم الحربية لمصلحة الدولة وطاقتهم التخريبية ضد أعدائها الداخليين والخارجيين، فاستلحق عددًا كبيرًا منهم بعسكره، ولم يعد من حركته الأفريقية إلى المغرب الأقصى إلَّا وهو يجر وراءه من عرب رياح وجُشَم وعدي وقبائلهم ما يضيق به الفضاء، على عدد الذباب وعدد الحصا (٢).

стр. 2461

وقد حركت انتصارات عبد المؤمن على عرب المغرب الأدنى ولاسيما عرب رياح الذين كانوا أشد نكاية ألسنة شعراء دولته، فبعثوا إليه أو أنشدوا بين يديه بعد رجوعه قصائد يهنئونه فيها بالانتصار، ويصفون ما حل بالعرب من هزيمة وانكسار، فمن ذلك قول الشاعر أحمد بن سيد الأشبيلي المعروف باللص من قصيدة: فأتت على شيع الضلال كما أتي … ضوء الصبح على سواد الغيهب ومضت على حد الحسام أعارب … نكثوا عهودا أبرمت في يعرب لما حداهم للجهاد مشمر … ذهبوا من التأويل أخبث مذهب فكأنما ألقي الكتاب إليهم … أن الجهاد عليهم لَمْ يكتب ورأوا غماما لَمْ يشكوا - ضلة - … في أن مسراها لبرق خلب غطى على أبصارهم قدر الردى … فاستنزروها وهي ملء السبسب والمرء يطمع بالمطالب ما دنت … منه ويوسيه بعيد المطلب ولربما حسب الفتي أطماعه … بالترب وهي منوطة بالكوكب ولو أن غدرهم لذل نالهم … منه لكن الغدر صعب المركب لكنه أرقاهم من عزة … أعلا المراقي في الجناب الأقرب بدروا بطوع كالحيا في طيه … خلف كذاكي برقه المتلهب كالعروض إلَّا أن في أحشائه … أفعى اليباب استجمعت لتوثب أولى لهم من بطشة قيسية (١) … أخذ البريء بها بذنب المذنب قد كان في أولى الوقائع زاجر … فيها لذي القلب الذكي الغلب لَمْ لا؟ وما ذكرت رياح يومها … ألا أراها الطفل مثل الأشيب

стр. 2462

ولم يكد عبد المؤمن يستحلق أولئك الأعراب بالجندية حتى بدأ يعلن عن مراده فيهم ونيته في توجيههم إلى القتال بالأندلس، وصار يبعث لمسلمي الجزيرة رسائل وقصائد يخبرهم فيها بما سيقوم به هؤلاء العرب من جهاد لأعداء الدين، ويطمئنهم على مصيرهم في تلك البلاد، وقد كانوا يومئذ في ضيق شديد من تكالب النصارى عليهم، فمن ذلك ما ورد في قصيدة بعث بها طي رسالة مؤرخة في ربيع الأول عام (٥٥٥ هـ - مارس ١١٦٠ م) من محلته المنصورة قرب مدينة قسنطينة إلى أهل الأندلس: فيا معشر الأشياخ من كلّ طالب … ومن حافط للذكر ألفاظه سرد نبشركم أنا اهتممنا بأمركم … فلبتكم منا المسومة المجرد ويصحبنا من خالص العرب معشر … أنابوا فما ردوا وتابوا فما ارتدوا رأوا في ذبوهم عبرة فتيقظوا … وكان لهم في غي غيرهم رشد ستغزو بلاد الروم منهم عصائب .... ويحمي حمى التوحيد من خيلهم جند فطوبى لأهل الغرب ما ذا يرونه … لقد جل قدرا أن يحيط به الحد جيوش بنصر الله تهمي عليكم … يروق بها وهد ويزهي بها نجد ويشجي بمرآها الأعادي كأنما … عليهم بها صم الشوامخ تنهد ستعلم أرض الروم أي فوارس … على ظهرها منهم إذا وفد الوفد وأي رجال للحروب إذا بدت … أسود شري بخشي ترابيها الأسد وأنا وإياهم لحتم غلابنا … لهم وكلام الوحي ليس له رد وبر عبد المؤمن بوعده لأهل الأندلس، فإنه لَمْ يمكث بالمغرب بعد رجوعه من إفريقيا إلَّا بقدر ما أعاد ترتيب الجيش وتسليحه، وهيأ ميرة أجناده وعلف دوابه، ثم عبر البحر إلى الأندلس في شهر نوفمبر (١١٦٠ م - ذو القعدة ٥٥٥ هـ) مصطحبا معه كتائب وفيرة العدد شديدة الشره إلى الحرب والقتال فلفت منظرهم وهم بحال من البداوة والفطرة، وبازياء حربية غريبة لَمْ تؤلف رؤيتها - أنظار النّاس، فأعجبوا بهم واستبشروا بمقدمهم، ونظم الشعراء في تمجيدهم والإشادة بشجاعتهم ونجدتهم، والتعبير عن الآمال المعلقة عليهم القصائد الغر الطوال.

стр. 2463

وبعدما تعرف عبد المؤمن على احتياجات الأندلس ورتب حاميات تقيم في ثغورها عاد إلى المغرب في أوائل عام (١١٦١ م - ٦٥٦ هـ) فأقام بمراكش سنة مكن فيها جيشه وحاشيته من الراحة والاستجمام، وعكف هو فيها على النظر في الشؤون العامة ودمج العرب في الجيش النظامي وتدريبهم على الفنون الحربية وإعدادهم للجولات المقبلة، ثم كتب منهم كتائب بعث بعضها إلى مختلف المدن المغربية لحماية الرعية وتأمين السابلة وبعث كتائب أخرى إلى الأندلس للرباط بالثغور وجهاد الأعداء، فنزل بعضهم بجهات قرطبة ونزل بعض آخر بجهات أشبيلية مما يلي مدينة شريش، وأبلت في تلك السنة والسنة التي تليها أحسن البلاء في حرب النصارى والثوار المنتشرين ببعض الجهات وحققت عليهم جميعًا انتصارات باهرة أطلقت بمدحهم السنة الشعراء، فمن ذلك قول أبي العباس الجراوي (١) يهنئ أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي بأحد هذه الانتصارات ويذكر دور العرب في تحقيقه: لو راء موسى ما فعلت وطارق (٢) … زريا بما لهما من الآثار أتممت ما قد أملوه وفاتهم … من نصر دين الواحد القهار بعراب خيل فوقهن أعارب … من كلّ مقتحم على الأخطار أكرم بهن قبائلا أقلالها … في الحرب يغنيها عن الإكثار وانظر إذا اصطفت كتائبها إلى … ما تحمد الكتاب في الأسطار لو أنَّها نصرت عليًّا لَمْ ترد … خيل ابن حرب ساحة الأنبار ولما توفي عبد المؤمن بن علي ليلة الخميس (١٧ مايو ١١٦٣ م - ١٠ جمادي الآخرة ٥٥٨ هـ) سار ابنه وخلفه أبو يعقوب يوسف العسري على نهجه في جلب العرب من المغرب الأدنى واستئلافهم واستئناسهم وإلحاقهم بالجندية وتسخيرهم في أغراض الدولة من حفظ أمن وقمع فتن وقتال أعداء بالحدود، وكان يوجه لهم المخاطبات النثرية والشعرية التي تفعل فيهم فعل السحر فيستجيبون وينقادون

стр. 2464

ويردون عليه زرافات ووحدانا بقضهم وقضيضهم وهم في حالة من الإجهاد والإعياء والجوع والعري والفوضى فيصلح أحوالهم ويكلهم إلى المكلفين بشؤونهم من أمراء بيته أو قادة جنده فينظمونهم في سلك الجندية ويدربونهم على الفنون الحربية حتى يصيروا أهلا لخوض الحروب النظامية متمرسين باستعمال أسلحة غير الأسلحة التقليدية التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم القادمين بها من صعيد مصر وصحراء الجزيرة العربية، وكان الخليفة إذا أراد توجيههم إلى قتال أعدائه بالمغرب أو الأندلس بأمر شعراء دولته أن ينظموا أشعارا حماسية في مدحهم والإشادة بشرف أرومتهم ومضاء عزائمهم وكفايتهم في الحروب وينشدوها على مسمع منهم تحميسا لهم وتشجيعا وهو نوع من الدعاية يستعمله اليوم خبراء الحرب السيكولوچيون بوسائل تختلف شكلا ولا تختلف موضوعا، فمن تلك الأشعار قصيدة أحمد بن عبد السلام الغفجومي الجراوي الفاسي التالية يمدح بها قبائل بني هلال ويحضهم على القتال: أحاطت بغايات العلا والمفاخر … على قدم الدنيا هلال بن عامر ورانوا سماء بدءا وعودة … بزهر خصال كالنجوم الزواهر أوائلهم في الجود والبأس غاية … وكم تركوا من غاية للأواخر وكم فيهم من مثل كعب وحاتم … وكم فيهم من مثل عمرو وعامر وكم قد أقاموا من عروش موائل … وكم قد أقالوا من جدود عواثر وكم لهم من حكمة تبهر النها … ومن مثل في الشرق والغرب سائر ومن خطبة تستنزل العصم من عل … وتقضي بتكليل النفوس النوافر هم أطلعوا في ليل كل عجاجة … كواكب أطراف الرياح الخواطر هم مزقوا بالبيض كلّ ممزق … ممالك شادتها ملوك الأكاسر أجيبت بهم في آل ساسان دعوة … بخير عبَّاد الله باد وحاضر مآثر أسلاف تلاها بنوهم … بأمثالها أكرم بها من مآثر وآخر مجد شفعوه بأول … وأول مجد شفعوه بآخر

стр. 2465

لهم كلّ جلد في الجلاد مشمر … سريع إلى صوت الصريخ مبادر هزبر عليه لبدة من مفاضة … وناب وظفر من سنان وباتر إذا صال يوم الروع أورد قرنه … موارد موت ما لها من مصادر تعاين منه مثل باز مصرصر … على مل فتخاء الجناحين كاسر إذا شبت الهيجاء أول وارد … وإن خفت الأبطال آخر صادر يبادر منه القرن أغلب غالب … حديد شبا الأنياب دامي الأظافر يثور إليه حاسرا غير دارع … ويقضي عليه دارعا غير حاسر بنو عامر أنتم صميم فصمموا … إلى الموت تصميم الليوث الحواذر ولا تتوانوا في حظوظ نفوسكم … فأنكم أهل النها والبصائر ومن شكر آلاء الخليفة صولة … على الكفر تبقى غامرا كلّ عامر تميل الجبال الشم منها مخافة … وتسكن أمواج البحار الزواخر ولابد من يوم على الكفر أيوم … تعم به الدنيا وفود البشائر دعاكم لما يحييكم وارث … الهدي وجامع أشتات العلا والمفاخر وأحزم من ساس الديانة والدنا … وأكرم مأمول وأحلم قادر إلى أمره في كلّ أمر ونهيه … يروح ويغدر كل ناه وآمر إذا نامت الأملاك عما يهمها … ارعي الدين والدنيا له طرف ساهر فلا برح الإسلام منه مؤيدا … بمنصور رايات على الكفر ناصر والحق أن القبائل العربية أغنت في جهاد نصارى الأندلس غناء لا مثيل له، وخففت العبء عن أهل المغرب والأندلس الذين اضطلعوا به وحدهم قرونا، وإننا لنجد في المراسلات الحكومية والنصوص الأدبية الراجعة إلى هذا العهد ما يشهد لهؤلاء العرب الداخلين إلى أقصى المغرب والأندلس بحسن النية وخلوص السريرة

стр. 2466

وصدق العزيمة على خدمة الدول ومجاهدة الأعداء، ونجتزئ فيما يلي بإيراد أبيات من قصيدة بعث بها سنة (١١٦٧ م - ٥٦٢ هـ) الأمير البطل عمر بن المؤمن إلى أخيه السلطان يوسف متشوقا إليه وواصفا غزوة جبل الكوكب بشمال المغرب وما حقق فيها العرب للخليفة من نصر على الثائر سبع بن منخفاد، وهي من شعر بن حربون: سل الجبل المكرم حيث ضاهت … عباب البحر أنعمك الجسام تلقتنا بأشواق إليكم … مشاهده المقدسة العظام تطلع نحوكم حبا وودا … كما يتطلع البلد الحرام جنبناها بيمنكم كراما … على صهواتها عرب كرام إذا انتاشوا رماحهم تدلي … أحم النقع وانحط القتام أباة الضيم إن أمروا بأمر … فكل عزيز كفر مستضام إذا قادتهم أبناء قيس (١) … فلا لحم تعد ولا جُذام لهاميهم العطايا لَمْ يزالوا … يلف عليهم الجيش اللهام إلَّا الله منهم كلّ ذمر … يقبل سيفه الموت الزؤام بهش إلى لقاء الفرن حتى … كان الطعن بينهما ذمام يضم إلى العشيرة كلّ خير … كما نجي عشيرته ضمام وذلك ما جعل الخليفة يستدرج العرب بمختلف الوسائل - ومن أعظمها الشعر - إلى دخول المغرب الأقصى واللحاق بالجندية ويستدعيهم بإلحاح كلما نادي منادي الجهاد، ففي سنة (١١٧٠ م - ٥٦٦ هـ) لما عزم على القيادة بالغزوة الكبرى إلى الأندلس كتب إليهم يستدعيهم ويهيب بهم إلى الغزو ويصف ما هم عليه من الشجاعة والزعامة، وكان ما خاطبهم به القصيدة التالية من شعر أبي بكر بن الطفيل:

стр. 2467

أقيموا صدور الخيل نحو المغارب … لغزو الأعادي واقتناء الرغائب واذكوا المذاكي العاديات على العدا … فقد عرضت للحرب جرد السلاهب فلا تُقتنى الآمال إلَّا من القنا … ولا تكتب العلياء بغير الكتائب ولا يبلغ الغايات إلَّا مصمم … على الهول ركاب ظهور المصاعب يرى غمرة الهيجاء أعذب مشرب … وإن أعرضت زرقا جمام المشارب ويأنف إلَّا مكسبا من حسامه … ويعرض عزا عن جميع المكاسب ألا فابعثوها همة عربية … تحف بأطراف القنا والقواضب أفرسان قيس من هلال بن عامر … وما جمعت من طاعن ومضارب لكم قبة للمجد، شدوا عمادها … بطاعة أمر الله من كلّ جانب وقوموا لنصر الدين قومة ثائر … وفيئوا إلى التحقيق فيئة راغب دعوناكم نبغي خلاص جميعكم … دعاء بريئا من جميع الشوائب نريد لكم نبتغي لنفوسنا … ونؤثركم زلفى بأعلا المراتب فلا تزهدوا في نيل حظكم الذي … لكم فيه فور من جميع المعاطب بكم نصر الإسلام بدءا فنصره … عليكم وهذا عوده جد واجب فقوموا بما قامت أوائلكم به … ولا تغفلوا أحياء تلك المناقب وقد جعل الله النَّبِيّ وآله … ومهديه منكم بلا عيب عائب وفزتم بتخصيص الخليفة بعده … ونسبته الدنيا بزلفي الأقارب وطائفة المهدي منكم وأنها … لتحنو عليكم باتصال المناسب ومن ذا الذي يسمو ليبلغ شأوكم … إذا كنتم فوق النجوم الثواقب نصحناكم والنصح في الدين واجب … بما لكم فيه صلاح العواقب وخاطبكم عنا بيان محصحص … يشق سناه داجبات الغياهب هو الأمر أمر الله منج ومسعد … لكل منيب ناصح الجيب تائب

стр. 2468

وفيه ذعاف للعداة إذا انتحى … تمكن ما بين اللهي والترائب وأنتم على التخصيص أجدر من بنى … بذروته بيتًا رفيع الذوائب فإنكم قيس وفرسان ربنا … على الأرض من قيس بغير مغالب (١) خذوا حظكم فالأمر جد وإنما … يكون بقدر الحد قدر المناصب وقد فاز بالتقدير منكم معاشر … بما قدموه من حميد المذاهب تحث بهم نحو البدار إلى الهدى … عتاق جياد أو عتاق نجائب فطاروا إلى الداعي سراعا كأنهم … قداح تلقى الفوز من رمي ضارب فخصوا من التكريم والبر بالذي … يكون جديرا بالولي المصاقب فنالوا محل السبق فانفسحت لهم … رياض الأماني سائحات المذانب وقد شاهدوا من حرمة الأمر ما قضى … لهم بامان من جميع النوائب فما لكم والنوم عن خير همة … تقلص أنباء الشؤون الجواذب وتعطفكم بالمشرفية والقنا … منادح عز ساميات الطالب وما هي إلَّا دعوة عز ذكرها … فعز بها في الله كلّ مصاحب حذار! فإعراض الفني عن نجاته … وتضييعه للحزم إحدى المعايب وما الحزم إلَّا طاعة الله أنَّها … هي الحرم المناع من كلّ طالب نعدكم السيف الذي ليس يثني … إذا ما نبا سيف براحة ضارب ونجعلكم صدر القناة إذا غدت … تأطر ما بين الحشا والترائب وقد كان من أقوالكم ما علمتم … فإن كان فعل فالرجا غير خائب وليس خطيب الصدق من قال فانبري … ولكن فعل الحر أصدق خاطب وما خُلُق الأعراب أخلاف موعد … ولكن صدق الوعد خُلُق الأعارب سنعلم من أوفي ومن خاس عهده … ومن كان من آتٍ إلينا وذاهب وتظهر أحوال يروق سماعها … فيرغب في أمثالها كلّ راغب

стр. 2469

وحينما أبطأ العرب في تلبية هذا النداء خاطبهم يستعجلهم، ويبين لهم نيته العازمة على الجهاد ويسترحلهم، بالقصيدة التالية أيضًا وهي من شعر ابن عياش (١). أقيموا إلى العلياء هوج الرواحل … وقودووا إلى الهيجاء جرد الصواهل وقوموا لنصر الدين قومه ثائر … وشدوا على الأعداء شدة صائل وأسروا بني قيس إلى نيل غاية … من المجد تجنى عند برد الأصائل فما العز إلَّا ظهر أجرد سابح … تموت الصبا في شده المتواصل وأبيض مأثور كان فرنده … على الماء محبوك وليس بسائل بنو العم من عليًّا هلال بن عامر … وما جمعت من باسل وابن باسل تعالوا فقد شدت إلى الغزو نية … عواقبها منصورة بالأوائل هي الغزوة الغراء والموعد الذي … تنجز في أفق المدى المتطاول بها تفتح الدنيا بها تبلغ المني … بها ينصف التحقيق من كلّ باطل عزمنا وأمر الله لابد واقع … على وقعة تودي بدين الفياصل بجيش يضل الطير في حجراته … وتحجب عنه الشمس سحب القساطل وتحسر فيه الطرف من كلّ جانب … بحور دلاص عادمات السواحل ويطلع ليل النقع فيه كواكبا … من البيض أو من مرهفات المناصل ويضحي به بحر الدماء مفجرا … باسمر عسال وأبيض ناصل بأيدي رجال قد وفوا بعهودهم … وخاضوا لنصر الدين أمواج هائل فما وهنوا يومًا ولا فلَّ عزمهم … ولا حيرتهم معضلات النوازل فطيروا إليها يا هلال بن عامر … ثقالًا خفافا بين حاف وناعل ولا تخدعوا عن حظكم من إجابة … تبوئكم في المجد أسنى المنازل وتقطعكم ص در الندى إذا نبت … بمن لَمْ يكن منكم صدور المحافل أهبنا بكم للخير والله حسبنا … وحسبكم والله أعدل عادل فما همنا إلَّا صلاح جميعكم … وتسريحكم في ظل أخضر هاطل

стр. 2470

ولما وصلت القصيدتان إلى أحياء العرب بنواحي القيروان والزاب تناشدوهما وأعجبوا بفصاحتهما وهزتهم الأريحية الإسلامية والحمية العربية فأخذوا يتوجهون إلى مراكز التجمع بضواحي بجاية ومعهم العمال والأمناء، حتى إذا اكتمل جمعهم سار بهم واليها الأمير السيد يحيى بن عبد المؤمن إلى المغرب، وكان عدد فرسانهم أربعة آلاف يضاف إليهم المشاة ومعهم من الدواب والميرة والسلاح ما يجل عن الحصر، وعندما وصلوا إلى تلمسان انضم إليهم واليها الأمير السيد موسى بن عبد المؤمن بألف فارس عربي و من عنده من العساكر النظامية مشاة وركبانا، فسار هذا الجيش الضخم تهتز الأرض تحت سنابك خيله وتصطك جنبات الفضاء بدقات طبوله ونغمات غيطاته، ويظهر أن الخليفة قلق مما قد يحدثه ورود هؤلاء العرب الذين لَمْ يألفوا نظاما في أعداد ضخمة على حاضرته، فأرسل بتعليمات مشددة إلى أخويه بالطريق يأمرهما بالرفق في المشي والتزام النظام والمحافظة على الخيل، ومر كلّ شيء بسلام خلال مراحل الطريق حتى وصلوا مراكش فاستبشر الخليفة بوصولهم، واستعرضهم بالفحص المتّصل بها يوم السبت (١٢ ديسمبر ١١٧٠ م - ٢ ربيع الثاني ٥٦٦ هـ) وفي اليوم التالي أمر أشياخهم بالدخول عليه لتجديد البيعة وأخذ العهد وتمادي دخولهم إلى يوم الأربعاء ٣٠ ديسمبر من العام المذكور، وبعد يومين شرع في إطعامهم ضيافة لهم على العادة العربية المألوفة، فكان يدخل منهم كلّ يوم إلى البحيرة المعدة للضيافة ثلاثة آلاف رجل فيطعمون، ودام ذلك مدة خمسة عشر يومًا، وبدرت من العرب خلال أيام الضيافة بوادر فوضى عدت سوء أدب منهم وجرأة، فقاطعهم الخليفة ثلاثة أيام ثم صفح عنهم، وفي يوم الأحد ١٧ يناير ١١٧١ م أمر بتمييزهم في رحبة قصره العتيق بدار الحجر داخل حضرته استعدادا للذهاب بهم إلى الأندلس فكان يدخل منهم كلّ يوم قدر معلوم وخلال التمييز الذي استمر خمسة عشر يومًا كان الأعراب يدخلون في حال من الخصاصة والفوضى تضحك الحاضرين، فكان الخليفة يغضي لهم عن كلّ ذلك ويأمر بإصلاح حالهم وإعطائهم ما يلزمهم من الكسوة والسلاح وتعيين القواد لكل فريق منهم، لمعرفته بحاجتهم وضرورتهم ومبادرتهم إلى طاعته وانقيادهم لخلافته، ولما في نفسه من إرادة الجهاد بهم لأعداء الله تعالى فيتألف قلوبهم بذلك (١)، وبعد

стр. 2471

توزيع المنح والصلات عليهم وعلى أشياخهم وسائر الجنود تحرك الخليفة بالجميع من مراكش صبيحة يوم السبت ١٣ مارس، وكاد العرب يقتتلون في الطريق بسبب تزاحمهم على عبور وادي أم الربيع، لولا أن تدارك الخليفة الأمر بجد وحكمة، وأثناء الاستراحة برباط الفتح ميزت القوات الموحدية من جديد، وحضر على تمييز العرب الأمير يحيى والي بجاية يعينه عبد الله المالقي الذي كان يعرفهم ويضبط أنسابهم، فكان عدد فرسان العرب وحدهم عشرة آلاف فارس، ثم أجار البحر إلى الأندلس في يوم السبت (٨ مايو ١١٧١ م - ١ رمضان ٥٦٦ هـ) وأقام فيها خمسة أعوام حقق خلالها أعمالًا عمرانية وحربية كثيرة شارك العرب في تحقيقها بحظ مرموق. وإذا كان هؤلاء العرب النازحون إلى المغرب الأقصى قد استقاموا على الطريقة خلال هذه السنين فإن إخوانهم الذين أقاموا بمواطن قوتهم وعزتهم بإفريقيا بقوا على عادتهم في الفوضى والاضطراب يظهرون الطاعة ويخفون العصيان، ويسكنون إذا أحسوا بقوة الدولة ويتحركون إذا شعروا بضعفها، وقد اضطر الخليفة يوسف إلى الذهاب بنفسه إلى قفصة سنة ١١٨٠ م لتقويم اعوجاجهم والضرب على أيديهم وتأديبهم، وكاد يذهب إليهم مرّة ثانية سنة ١١٨٣ حينما أسر بنو سُلَيْم أخاه عليًّا قرب قابس لولا أن سرحوه مقابل مال فدى به نفسه وأصحابه، وخلال تلك السنين لَمْ يكن سيل العرب ينقطع عن المغرب، فقد استلذوا رخاء العيش فيه والجهاد بالأندلس وما يدرّه عليهم من ربح وفير وغنم كثير، حتى ذكروا أن أشياخهم الذين وردوا على الخليفة يوسف بالرباط سنة ١١٨٤ م وهو يستعد للذهاب إلى الأندلس شرطوا له على أنفسهم أن يحضروا لهذه الغزوة في ١٣٠ ألفًا ما بين فارس وراجل. على أنَّ الفرصة سنحت لعرب المغرب الأدنى لإشباع نهمهم من الفتن والفوضى عقب وفاة الخليفة يوسف وتملك ابنه يعقوب المنصور (١١٨٤ م - ٥٨٠ هـ) فقد خرج بساحله بنو غانية المسوفيون حكام جزائر الباليار من قبل المرابطين فاستولوا على بجاية في الأول فانتقض العرب على الدولة وانضموا إليهم فاحتلوا بهم الجزائر ومليانة وحاصروا قسنطينة، فسرح يعقوب المنصور لمحاربتهم

стр. 2472

الأمير عبد الرحمن بن عمر في أعداد وافرة وجموع متكاثرة، وشد عضد جيشه البري بالأسطول، ومع أن الأمير المذكور نجح في استعادة جميع المدن المذكورة فإنه لم يتمكن من القضاء على رءوس الفتنة التي فر بها العرب إلى شط الجريد، حيث استجمعت قواها ونظمت صفوفها واعتزت بمن انضم إليها من الغز (١) وأعادت الكرة من جديد على عمالة قسنطينة تجاذب الدولة حبل السلطة فيه، وفي سنة ١١٨٦ م توالت على الخليفة أنباء مزعجة عن تضييق بني غانية والأعراب من حلفائهم على بلاد الجريد فنهض إليهم من مراكش يوم الأربعاء (٣ شوال ٥٨٢ هـ) ولم يصحب معه من عرب المغرب إلا بني زيان من عرب رباح (٢) رعيا لقدم هجرتهم؛ وذلك احتياطا من انضمامهم خلال القتال إلى إخوانهم للعصبية، ولما وصل إلى تونس سرح إليهم الأمير يعقوب بن عمر بن عبد المؤمن في عسكر الموحدين، فهزموه بوطا عمرة، فلم يسع الخليفة إلا الخروج إليهم بنفسه، فخرج من تونس في يوم الأحد (٦ سبتمبر ١١٨٧ م - فاتح رجب ٥٨٣ هـ) وعرج في طريقه على القيروان فآلمه ما رأى من اندثار محاسنها وخراب مآثرها وأشجاه منظر مسجدها المبارك العتيق يعشش فيه البوم وينعق الغربان فأمر بتجديده وفرشه، ثم سار حتى التقى بعلي بن غانية وحلفائه من العرب والغز بحامة دقيوس فهزمهم وفر علي مجروحا إلى خيمة أعرابية عجوز ومات بها وولى الثائرون عليهم أخاه يحيى مكانه، وأثر هذه الوقعة استلحق يعقوب المنصور الأغزاز بجيشه، وأقام إلى منتصف شوال بالجنوب التونسي يعالج أمر الثائرين، ثم عاد إلى تونس، ومنها ذهب إلى المهدية في (شهر مارس ١١٨٨ م - محرم ٥٨٤ هـ) فأقام بها ريثما وضع للعرب قوانين يوقف عليها وربط أشغالهم بها، ثم عاد إلى المغرب الأقصى فوفد عليه شيوخ العرب مبدين توبتهم، فأمر بانتقال عرب رياح وجُشَم من بني هلال بن عامر إلى سكناه فنزل الأولون ببلاد الهبط (جبالة) وأرغار (الغرب) ما بين

стр. 2473

طنجة وسلا، ونزل الأخيرون بتامسنا والحور ما بين سلا ومراكش، وكان قصده من هذا الترحيل كسر شوكة إخوانهم بإفريقيا من جهة وتقوية جيشه بهم من جهة ثانية، ولكن كل ذلك لم يفد شيئا، فإن الأولين أمعنوا في العبث والفساد حتى هم سنة ١١٩٤ م بالمسير إليهم لما توالت عليه رسائل أبي سعيد بن أبي حفص مخبرة باستفحال ضررهم وتوالي تواطئهم مع الثوار من بني غانية لولا انشغاله بجهاد نصارى الأندلس في تلك السنة، كما أن إخوانهم الذين انتقلوا إلى سكنى المغرب الأقصى شرعوا يقومون فيه أعمال الشغب الغريزية فيهم بعدما كثر عددهم وأصبحت لهم فيه مواطن عامرة بهم وحدهم، وهذا ما جعله يقول عند وفاته: ما ندمت على شيء فعلته في خلافتي إلا على ثلاث وددت أني لم أفعلها: الأولى إدخال العرب من إفريقيا إلى المغرب مع أني أعلم أنهم أهل فساد، والثانية بناء رباط الفتح أنفقت فيه بيت المال وهو بعد لا يعمر، والثالثة إطلاقي أسارى الأراك ولابد لهم أن يطلبوا بثأرهم (١) ومع هذا الندم فإنه أوصى بالعرب خيرا وهو يجود بأنفاسه الأخيرة وطلب من الموحدين أن يداروهم ويلاطفوهم ويحسنوا إليهم غاية الإحسان، ويشغلوهم بالحركات ولا يتركوهم للعطلة والراحات. وكذلك صار المغرب مملوءا من أدناه إلى أقصاه بالعرب، وسكانه الأولون من بربر وعرب فتح مزاحمين بهم فيه، وصا ارت علامة التمايز بين القبائل الأصلية والأخرى الطارئة كلمة (بني) وكلمة (أولاد)، فكل قبيلة يبتدئ اسمها ببني مثل بني ورياغل هي من قبائل البربر، وكل قبيلة يبتدئ اسمها بأولاد مثل أولاد جامع هي عربية الأصل. وقد كان لهذا الزحف العربي الثاني الكبير آثار بعيدة المدى في حياة المغرب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعمرانية، ولا تزال هذه الآثار تطبعها إلى الآن، ويلاحظ بادي ذي بدء أن هذه الآثار كانت سلبية في النصف الشرقي من البلاد، أي إلى منتهى ما بلغه العرب في زحفهم الأول وهو المغرب الأدنى بأسره وما حاذاه من شرق المغرب الأوسط، فقد انقض الأعراب على تلك البلاد كالطوفان الغامر واللهب المتأجج والجراد الكاسح ينسفون المدن ويخربون القرى

стр. 2474

ويغورون الآبار ويعذقون الأشجار ويمعنون في قتل السكان دون تمييز بين محارب ومسالم، ولا بين رجل وامرأة، وكبير وصغير، حتى تقلصت بوصولهم إلى ذلك الجزء من أرض المغرب ظلال الحضارة وذوت أدواح المدنية وأصبحت حواضر برمتها كانت مفخرة من مفاخر الإسلام ومأثرة من مآثر العروبة مثل القيروان وقلعة بني حماد وطنبة والمسيلة وغيرها خرابا ويبابا، وغاض معين العلم والأدب والفقه والتأليف والتصنيف في تلك الجهة بعد ما كانت يناييعها فياضة وأسواقها رائجة ومعاهدها عامرة، وهذا ما جعل أهل البلاد قاطبة عربهم وبربرهم تنقبض صدورهم من وصول هؤلاء الأعراب، وتتعوذ ألسنتهم لمجرد ذكرهم، حتى انبرى مؤرخ عربي وطني نبيه هو عبد الرحمن بن خلدون الحضرمي يحمل عليهم وعلى أمتهم تلك الحملات العنيفة ويحكم عليهم وعليها أحكاما قاسية في تاريخه متأثرا مما عاين من آثار وحشيتهم وثمار همجيتهم. أما النتائج الإيجابية فهي كثيرة أيضا، ومن أهمها أن البلاد المغاربية أخذت شكلها القومي الجديد، وصارت لها لغة جديدة يتخاطب بها العوام بعد أن كان استعمال اللغة العربية مقصورا على الدواوين الرسمية وبعض الحواضر التي أنشأها عرب الفتح وترعرعت في حضن العروبة، ومن الثابت تاريخيا أن اللغة البربرية بقيت هي السائدة في المغربين الأقصى والأوسط إلى الزحف الثاني الكبير، وأن خطب الجمع في حاضرة عربية مثل فاس، وفوق منبر جامع إسلامي كبير مثل جامع القرويين كانت تلقى باللغة البربرية إلى ما بعد قيام دولة الموحدين، ولكن دخول العرب هذه المرة جعل السيادة للغة العربية على جميع بلاد المغرب، كما جعل أهل البلاد الأصليين تتلاقح دماؤهم بدماء عناصر قوية جديدة تشترك معهم في كثير من خلال الحسن وخصال السوء، فكان لذلك أكبر تأثير على الأجيال المغربية التي ولدت فيما بعد جسمانيا وفكريا. ونحن عندما نقول اللغة لا نعني بها لغة القرآن الفصيحة المعربة، وإنما نعني بها العربية العامية التي نتحدث بها الآن، فالعرب الذين دخلوا إلى المغرب في منتصف القرن الحادي عشر الميلادي وأعطوه طابعه القومي الحالي لم يكونوا يتكلمون لغة فصيحة معربة ولا كان آباؤهم يتكلمونها قبل قرون، وإنما كانوا

стр. 2475

يتكلمون لهجة عربية خاصة هي التي اقتبسها منهم أهل المغرب وصاروا يتحدثون بها مثلهم مضيفين إليها كلمات محلية قليلة غير مغيرين من حروفها ولا نبراتها الصوتية إلا ما فرضت طبيعة مناطقهم البربرية تغييره، وقد كان لهذه اللغة أو اللهجة أدب خاص بها يتمثل في أشعارها وأزجالها وحكمها وأمثالها التي تصور حياة أهلها وتسجل وقائعهم وتخلد بعض حكاياتهم الغرامية كقصة الجازية الشهيرة. ودخل إلى المغرب مع هؤلاء الأعراب عدد كبير من أهل الصعيد المصري والأرمن والترك والتحق بهم فيما بعد عدد كبير آخر من السودان ومهاجري الجزيرة الأندلسية فكان لكل ذلك آثاره وعواقبه، كما تسرب إليه معهم عدد كبير من وسائل العيش وأدواته التي لم تكن معروفة فيه من قبل كالخيمة مثلا، وكثير من النظم والعادات التي تلائم حياة الرحَّل ولا تلائم حياة المستقرين، كنظام (الدوار) الذي هو عبارة عن مخيم مستدير الشكل تسكنه عشيرة أو عمارة أثناء إقامتها وتحمل خيامه وأدواته أثناء ظعنها. وعلى الجملة فإن الزحف العربي الثاني الكبير على بلاد المغرب لم يكن يضارعه في قوة فعاليته وسرعة تأثيره إلا الزحف الأول الصغير، كلاهما أعطى البلاد المغرب شيئا وكيَّف حياة أهله تكييفا حاسما، فالزحف الأول أعطاهم العقيدة والإيمان، والزحف الثاني أعطاهم اللغة والقومية. وبعد، فمَنْ يكون هؤلاء الأعراب الذين زحفوا على المغرب هذا الزحف الكبير وأثروا فيه وفي أهله كل هذا التأثير؟ وما هي أنسابهم وشعوبهم وقبائلهم؟

стр. 2476

أنساب العرب الداخلين إلى المغرب وبعض أخبارهم غلب إطلاق اسم بني هلال على جميع العرب الذين دخلوا المغرب في منتصف القرن الحادي عشر حتى ليظن الظان أنه لم يدخله شعب من العرب سواهم، والحقيقة أن شعوبا عربية أخرى دخلته مع بني هلال وبعدهم، وأن بني هلال أنفسهم لم يكونوا يرجعون إلى أرومة واحدة، بل كانت معهم قبائل وبطون كثيرة أضيفت إليهم وهي لا تجتمع معهم في نسب قريب. ويمكن رد جميع القبائل والبطون العربية التي دخلت بلاد المغرب إلى ثلاثة شعوب: أ - بنو هلال. ب - المعقل. ج - بنو سُلَيْم. ونفصل فيما يلي القول في أنساب هذه الشعوب موردين بعض أخبارها قبل دخولها إلى المغرب وأثناءه. ١ - بنو هلال: أما بنو هلال فجدهم الذي ينسبون إليه هو هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر (١). كانت مواطنهم في الجاهلية ببسائط الطائف ما بينه وبين جبل غزوان، وكان يساكنهم فيها بنو نمير بن عامر، وبنو جُشَم، فلما جاء الإسلام وتوسع العرب في الفتوح انتقلوا جميعا إلى بادية الشام وسكنوا الجزيرة الفراتية، فكان بنو نمير بنواحي حران، وبنو هلال بناحية دمشق، واستمروا مقيمين هناك يتكسبون من فلح الأرض ورعي الماشية تارة، ومن الغزو وقطع الطريق أخرى، وكان خلفاء بني العباس يبعثون لهم البعوث تلو البعوث لزجرهم وكف عاديتهم عن المسافرين ولا سيما حجاج بيت الله الحرام. ولما استولى شيعة الفاطميين على الشام وانتزعوه من أيدي القرامطة

стр. 2477

وأعادوهم إلى البحرين، نقلوا بني هلال هؤلاء إلى سعيد مصر وأنزلوهم بالعدوة الشرقية من نهر النيل، فأضروا بالبلاد وساموا أهلها الذل والهوان. ومن المؤكد تاريخيا أن قبيلة من شعب هلال تُدعى بني قُرَّة كانت تسربت إلى المغرب قبل زحف جمهورهم عليه، ولها في الحكاية عن دخولها إليه طرق في الخبر غريبة يكاد القاح فيها والمستريب أن يرمى عندها بالخلط والجنون، منفي حكاية الجازية بنت سرحان الشهيرة مع شريف مكة شكر بن أبي الفتوح التي عفت عن خبرة عزة وكثير، وليلى وقيس المجنون، وهي أصل قصة أبي زيد الهلالي الشهيرة، وسترد لدى الكلام عن بني قرة، وقد استوطن بنو قرة هؤلاء أرض برقة بعد ما تغلبوا على مقاومة قبائل لواتة ومزاتة وزناته، وكان لهم بها وبمصر تشغيبات على الحاكم بأمر الله الفاطمي قتل منهم بسببها جماعة وأحرقهم بالنار لفسادهم، ونبغ فيهم معلم للقرآن يُدعى أبا ركوة زعم أنه الوليد بن هشام من ذرية عبد الرحمن الداخل الأموي فبايعوه وألحقوا الهزائم بالجيوش الفاطمية تحت رأيته إلى أن ظفر به وبهم الخليفة الفاطمي سنة ٣٩٧ هـ. وأقام جمهور بني هلال بشرق النيل إلى أن خطرت للوزير الفاطمي الحسن اليازوري فكرة إجارة العرب إلى المغرب تخلصا من شرهم وانتقاما من المعز بن باديس، فكانت بطون بني هلال أول من عبر النيل وسار إليه، وكان فيهم من غيرهم كثير من فزارة وأشجع وجشم وسلول ومعقل وعمرة وبني ثور وعدوان وطرود اندرجوا في الأثبج خاصة وصاروا وإياهم شيئا واحدا. وكان من أشرافهم عند دخولهم إلى المغرب الحسن بن سرحان أخو الجازية المومأ إليها، وأخوه بدر، وفضل بن ناهض، وثلاثتهم من بطن دريد بن الأثبج، وماضي بن مقرب من بني قرة، وسلامة بن رزق الشهير بأبي زيد من بني كثير، وشبان بن الأحيمر وأخوه صليصل من بني عطية، وذياب بن غانم من بني ثور ومؤنس بن يحيى من بني صنبر بطن من بطون مرداس رياح لا مرداس سُلَيْم، وزيد بن زيدان وينسبونه في الضحاك، وسُلَيْمان بن عباس من حِمْيَر (١) وسواهم كثير.

стр. 2478

أما تشعب بني هلال إلى قبائل وبطون وتفاصيل أخبارهم بعد دخولهم إلى المغرب فقد تقدم بعضها وسيرد في هذا الفصل بعد سرد نبذة عن المعقل وبني سُلَيْم. المعقل نسب هذا الشعب من العرب الداخلين إلى المغرب خفي مجهول عند الجمهور، ويعدهم نسابو العرب من بطون هلال وليس ذلك بصحيح، أما هم فيدَّعون أنهم آل البيت من ذرية جعفر بن أبي طالب، وهو ادعاء غير مسلم به؛ لأن الطالبيين والهاشميين أهل إقامة وحضر وليسوا أهل بادية وانتجاع، ورجح ابن خلدون أن يكونوا يمنيين؛ لأن من هؤلاء بطنين يُسمى كل واحد منهما بالمعقل على ما ذكره ابن الكلبي وغيره، أحدهما من قضاعة والآخر من مذحج، والغالب أنهم من هذا البطن الأخير. وقد كان عرب المعقل يسكنون قرب البحرين مع القرامطة قبل دخولهم المغرب، ولما دخلوه لم يكن عدلاهم يتجاوز المئتين، فاعترضهم بنو سُلَيْم فتحيزوا إلى الهلاليين ونزلوا بآخر مواطنهم مما يلي وادي ملوية ورمال تافيلالت، وجاوروا زناته في القفار فعفوا وكثروا وانتشروا في صحراء المغرب الأقصى، فعمروا أطرافها وتغلبوا في فيافيها وحالفوا زناته بها في جميع الأوقات، ولم يبق منهم بإفريقيا إلا جمع قليل اندرج في جملة بني كعب من سُلَيْم وصاروا أعوانهم المخلصين. ولما طلع الزناتيون إلى التل، وأسسوا مملكتهم بفاس وتلمسان وإمارات أخرى صغيرة بالمغرب الأوسط تفرد عرب المعقل بالصحراء ونموا فيها نموا كبيرا بمن انضاف إليهم من القبائل من غير نسبهم مثل العمور وأشجع والشظة والمهايا والشعراء والصباح وبني سُلَيْم، فملكوا القصور التي اختطتها زناته وفرضوا الضرائب على مواطنيها وصارت يدهم الطولى بجميع الأقطار الصحراوية الواقعة بين المحيط الأطلسى وتيديلكت.

стр. 2479

وقد اشتهر عرب المعقل هؤلاء باحترام الأنفس والأموال وامتثال أوامر المخزن (الحكومة) فلم يكونوا ينتهكون حرمة الناس ولا يعترضون القوافل التجارية بأذى أو مكروه، الشيء الذي جعل سلاطين المغرب يقدرونهم حق قدرهم ويجازونهم على ذلك بالإقطاعات المديدة والعطايا العديدة. بنو سُلَيْم هم بنو سُلَيْم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان. من أوسع بطون مُضَر وأكثرها جموعا، كانت مواطنهم الأولى بنجد، وكانت الرئاسة عليهم فيها لبني الشريد بن عصية بن خُفاف بن بهثة بن سُلَيْم، ولما أدركهم الإسلام كان منهم عناد، ومن بطونهم المشهورة قبائل عصية ورعل وذكوان الذين دعا عليهم رسول الله ﷺ لما فتكوا بأصحابه، ثم أسلموا وخاضوا فيما خاضت فيه بقية القبائل العربية من شؤون الخلافات والفتوح، وصاروا في عهد الخلافة العباسية أولي فتنة وبغي، تبلغ بها الجسارة إلى الإغارة على المدينة نفسها، فكان العباسيون يسرحون الكتائب لمحاربتهم والإيقاع بهم، فيذعنون إلى الطاعة ويخلدون إلى السكينة في قفارهم بقدر ما يستجمون ويتتعشون فيعودون إلى حالهم، وبلغ من كراهية أحد خلفاء بني العباس لهم أنه نهى ابنا له عن التزوج منهم. ولما ظهر القرامطة غمسوا أيديهم في فتنتهم، وحالفوا أبا الطاهر وبنيه أمراء البحرين مع بني عُقَيْل بن كعب، فلما ذهبت ريحهم وانقرض أمرهم اعتنق بنو سُلَيْم مذهب الشيعة وتغلبوا على البحرين بدعوتهم لما أن القرامطة كانوا متشيعين، واستمروا سادة هناك حتى قام بنو الأصفر بدعوة العباسيين، فانتزعوا البحرين باسمهم من أيدي بني سُلَيْم في أيام بني بويه وطردوهم عنها فلحقوا بصعيد مصر وأقاموا به مع بقية الأعراب حتى أجازهم الوزير اليازوري إلى إفريقيا مع العرب الهلاليين، فاستوطنوا برقة وجهات طرابلس زمنا ثم ساروا إلى إفريقيا والمغرب وكان لهم شعبا وقبائل وبطونا ووقائع وأحداث سبق ذكر بعضها.

стр. 2480

شعوب بني هلال بنو هلال أحد الشعوب العربية الثلاثة الداخلة إلى المغرب، لكنهم كانوا من كثرة العدد وتعدد البطون بحيث غطى اسمهم على اسمي الشعبين الآخرين. ويشتمل هذا الشعب على عدد كبير من القبائل، بعضها ينتمي إليه حقيقة بالنسب، وبعضها نسبه في غيره ولكنه محسوب منه ومضاف إليه، ومن هذه القبائل قبائل أكلتها الحروب أثناء الزحف وبعده فاندثرت ولم يبق منها إلا اسمها يذكر بها، ومنها قبائل عفت وتناسلت ونمت فصارت لها البطون والأفخاذ الكثيرة، فارتفعت من رتبة القبائل إلى رتبة الشعوب. ويمكن حصر شعوب بني هلال الأصليين كالتالي: أ - الأثبج. ب - جُشَم. ج - رياح. د - زغبة. ونستعرض فيما يلي كل شعب من هذه الشعوب ذاكرين قبائله وموردين نبذا من أخبارها. ١ - الأثبج: أبوهم الأثبج بن أبي ربيعة بن نهيك بن هلال كانوا أوفر عددا من غيرهم وأكثر بطونا فكان لهم التقدم بذلك على سواهم. من قبائلهم: أ - دريد: أعز قبائل الأثبج وأعلاهم كعبًا، وكانت رئاسة الأثبج كلها للحسن بن سرحان منهم عند دخولهم إلى إفريقيا، واستقروا ما بين عنابة وقسنطينة إلى طارف مصقلة وما يحاذيها من القفر، ولهم بطون كثيرة مثل أولاد عطية، وأولاد سرور، وأولاد جار الله، وتوبة، ولكل بطن عمارات وعشائر، منهم قبيلة قوية شمال تونس معروفة بالاسم الأصلي (دُرَيْد)، أما البطون قد ارتفعت بدورها إلى مرتبة القبائل وهي معروفة بأسمائها إلى الآن.

стр. 2481

ب - كرفة: بنو كرفة بن الأثبج، كانت لهم جموع وقوة أثناء الزحف الكبير، وسكنوا في البداية حيال جبل أوراس مما يلي شرقه، ونقل منهم الموحدون بطونًا إلى المغرب الأقصى، والحفصيون بطونًا أخرى إلى تونس، وربما يصلون في النجعة إلى تخوم الزاب، بطونهم كثيرة مثل أولاد نابت، والكلبية، والشبه، والسرحانية. ج - لطيف: أولاد لطيف بن سرح بن مشرف بن أثبج كانوا ذوي كثرة ونجعة إلى أن غلبهم الذواودة على الضواحي فعجزوا عن الظعن وسار من سار منهم إلى المغرب مع جمهور الأثبج ونزلت بقيتهم ببلاد الزاب وعمروا منها المدن والقرى مثل الدوسن، وغربيو، وتهودا، وتنومة، وبادس، وكانت فيهم عنجهية منذ رئاستهم القديمة استمرت لاصقة بهم إلى عهد ابن خلدون، وللطيف بطون كثيرة ارتفعت إلى درجة قبائل، منها اليتامي: ذوو مطرف، وذوو أبي الخليل، وذوو جلال أولاد كسلان بن خليفة بن لطيف، ومنهم اللقامنة أولاد لقمان بن خليفة بن لطيف، ومنهم أولاد جرير، وأولاد نزار، ومزنة الذين يرجع إليهم نسب بني مزني المشهورين ولاة الزاب في المغرب الأوسط (الجزائر). د - مقدم: أولاد مقدم بن مشرف بن أثبج، كانوا ذوي قوة وعدد بين الأثبج، ولما مالوا إلى بني غانية وشقوا عصا الطاعة على الموحدين أشخصهم يعقوب المنصور مع جُشَم إلى المغرب وأسكنهم بسيط تامسنا منه. هـ - الضحاك: بنو الضحَّاك بن مشرف بن أثبج، كانوا يسكنون بالزاب إلى أن غلبهم الذواودة عليه وصيروهم في جملتهم. و - العاصم: أبناء عاصم بن مشرف بن أثبج، كانوا من القبائل التي انضمت إلى بني غانية فنقلهم الموحدون إلى المغرب وأنزلوهم ببسيط تامسنا. ز - العمور: هؤلاء العرب الملحقين ببني هلال، ويظن أنهم من ولد عمرو بن عبد مناف بن هلال إخوة بني قرة بن عبد مناف، وليسوا من ولد عمرو بن أبي ربيعة بن نهيك بن هلال الذي ينتمي إليه رياح وزغبة والأثبج، إذ لا علاقة بين الفريقين، وقد يكون انتماؤهم إلى عمرو بن رويبة بن عبد الله بن هلال، وكل ذلك معروف ذكره الكلبي، ولم تكن لهم في المغرب رئاسة ولا ناجعة تظعن لقلة

стр. 2482

عددهم واختلاف كلمتهم، وفيهم فرسان وأكثرهم رجالة، وكانوا يسكنون بالضواحي والجبال ما بين جبل أوراس شرقا وجبل بني راشد غربا في الجهات المقابلة للحضنة والصحراء، أما المناطق الشمالية فكانوا يتحامونها خوفا من سطوة الحكومات؛ فلذلك بقوا قريبين من مواطن القفر والجدب. وهم ينقسمون إلى بطنين كبيرين: بني قرة وبني عبد الله، وكل بطن يقسم بدوره إلى عمائر وعشائر، وهم معروفون اليوم باسمهم الأصلي وبأسماء فروعهم، وأكثريتهم موجودة على الحدود الجزائرية المغربية مما يلي العين الصفراء وواحات فكيك. ح - عياض: أبناء عياض بن مشرف بن أثبج، كانوا مقيمين ببادية المغرب الأدنى ثم غربوا ونزلوا الجبل الذي فيه قلعة بني حماد وغلبوا قبائله على أمرهم، وسكنوه بطوله من الشرق إلى الغرب ما بين ثنية غنية والقصاب إلى وطن بني يزيد بن زغبة، فأولهم مما يلي غنية المهايا، وبعدهم المرتفع والخراج من بطونهم، ولكل منهم فروع كثيرة. ط - بنو قرة: قبيلة متسعة لكنها متفرقة في المدن والقبائل وحدانا، كانوا يسكنون قرب بسكرة متصلين غربا إلى مواطن غمرة، وفيهم بطون كثيرة. ٢ - جشم: أبو هذا الشعب هو جُشَم بن معاوية بن بكر بن هوازن، واندمجت فيها قبائل أخرى من الأثبج كبني قُرة والمقدم والعاصم فعدوا منهم وغلب اسم جُشَم عليهم جميعا. نقل الموحدون جمهورهم إلى المغرب الأقصى وأسكنوهم بسيط تامسنا والحوز ما بين سلا ومراكش فتخلوا منذ ذلك التاريخ عن عادة النجعة والريادة واستقروا متكسبين بفلح الأرض واستيلاد الماشية. من أشهر قبائلهم: أ - بنو جابر: كانت مواطنهم بسفح جبل تادلة يسهلون إلى البسيط تارة ويأوون أخرى إلى قننة وهضابه إذا أحسوا بتهديد، وكانت رئاستهم على عهد بني

стр. 2483

مرين في ورديغة من بطونهم، ومن الناس من يجعل نسبهم في زناته أو لواتة مستدلين على ذلك بمجاورتهم للبربر. ب - الخُلَّط: هذا القبيل معدود من جُشَم من غير أن يكون من نسبهم، فهم أبناء المنتفق من بني عامر بن عُقَيْل بن كعب، كانوا شيعة للقرامطة بالبحرين ثم ارتحلوا إلى مصر فإفريقيا عندما غلبهم عليها بنو أبي الحسين التغلبيون القائمون بدعوة العباسيين، ثم دخلوا إلى المغرب مع الأعراب ونقلهم يعقوب المنصور إلى المغرب الأقصى فأسكنهم بسيط تامسنا، وكانت لهم فتن وحروب مع سلاطين الموحدين وبني مرين واستقروا بأخرة حيث هم الآن من بسيط الغرب قرب القصر الكبير مختلطين فيه بقبيلة طليق. ج - سفيان: أدخلهم يعقوب المنصور إلى المغرب الأقصى فسكنوا أولا قرب آسفى، ثم انتقلوا إلى الشمال فسكنوا في بسيط الغرب حيث هم الآن وبقي الحارث والكلابية من بطونهم ينتجعون أرض السوس وقفاره ويطلبون بلاد حاحة من المصامدة فبقيت فيهم لذلك شدة وبأس، ومن أشهر بطونهم أولاد جرمون وأولاد مطاع. ٣ - رياح: هو رياح بن أبي ربيعة بن نهيك بن هلال بن عامر. كان هذا الشعب من أعز قبائل بني هلال نفرا وأوفرهم جمعا عند دخولهم إلى بلاد المغرب، وكانت رئاستهم على عهد الزحف لمؤنس بن يحيى الصنبري الذي أصهر إليه المعز بن باديس ببنته، ثم كان من أشد العرب نكاية وأكثرهم ضررا أثناء حصار القيروان لمعرفته بعوراتها، ونقل منهم يعقوب المنصور قبائل هوية إلى المغرب الأقصى. قبائل رياح كثيرة ارتقى كل واحدة منها إلى مرتبة شعب، ونعرض فيما يلي أهمها: ١ - الخضر: أولاد الخضر بن عامر بن رياح، وقيل: عامر بن زيد بن مرداس بن رياح وقيل غير ذلك، كانت رئاستهم في أولاد تأمر بن علي بن تمام بن عمار بن خضر بن عامر بن رياح، وكان بنو مرين مختصين بحلف هذا القبيل.

стр. 2484

ب - مرداس: بنو مرداس بن رياح، أكبر بطون رياح على الإطلاق وأكثرهم ذكرا أثناء الزحف الكبير، وهم قوم مؤنس بن يحيى صاحب المعز بن باديس وصهره، ومن أشهر بطونهم قبيلة الذواودة العظيمة وفروعها الكثيرة بالمغرب الأوسط، وأولاد صنبر قوم مؤنس بن يحيى المتقدم، وأولاد مسلَّم، وأولاد عامر بن يزيد الذين منهم بنو موسى وبنو جابر، وسودان، ومشهور (المشاهرة) ومعاوية، ومواطنهم مجاورة لتوزر بشط الجريد. ج - أولاد سعيد: بنو مالك بن رياح، كانت رئاستهم في أولاد يوسف، ومن بطونهم أولاد عيسى، ومع هذا القبيل لفائف من العرب من غيرهم مثل المخادمة والفجور ونفاث. د - أولاد مسلَّم: بنو مسلَّم بن عُقيل بن مرداس بن رياح، ينتسب بعضهم إلى الزبير بن العوام، ويقول من ينكر عليهم ذلك إنما هو الزبير بن المهايا أحد بطون عياض من عرب الأثبج، ورئاسة هذا الفريق في أولاد جماعة تارة تكون في أولاد شكر وتارة في أولاد زرارة، وإلى هذا البطن ينتمي سعادة القائم بالسنة في رياح في بداية القرن الثامن الهجري. ٤ - زغبة: ينتمي هذا الشعب إلى زغبة بن أبي ربيعة بن نهيك بن هلال بن عامر. كانت لهم كثرة وعزة عند دخولهم إلى المغرب، وتغلبوا في الأول على نواحي طرابلس وقابس وقتلوا سعيد بن خزرون من ملوك مغراوة بطرابلس، ولم يزالوا مقيمين هناك إلى أن ملك الموحدون إفريقيا وثار بنو غانية المسوفيون بها فتحيزت رغبة إلى الموحدين فرعوا لهم ذلك وصيروهم يدا واحدة مع بربر بني بادين في حماية المغرب الأوسط من ابن غانية وأتباعه، فصارت مجالاتهم ما بين المسيلة وقبلة تلمسان في القفار، واستقر بنو بادين وسائر زناته بالتلول. ولما ملك بنو مرين فاس وبنو عبد الواد تلمسان واستقرت زناته بالمدن دخلت زغبة إلى التل وتغلبوا على أهله وفرضوا الأتاوة على أكثرهم، وخلت مواطنهم بالقفر منهم فعمرها عرب المعقل وغلبوا على من بقي من زغبة هناك وجعلوا عليهم خفارة يؤدونها من الإبل، ولكن قبائل زغبة تعاقدوا على رفع هذا الذل

стр. 2485

عنهم فرفعوه ودفعوا بني المعقل عن وطنهم فاستقروا به لما منعهم الزناتيون من وطء التل، فلما فشلت ريح الزناتيين بكثرة الخوارج وتعدد الثورات عادت زغبة إلى التلول واستطالت بها وغلبتهم عليها وأقطعتهم الحكومات أكثرها ترضية واستظهارا واتقاء لشرهم فإنهم كانوا أشد العرب ضررا حتى صار الناس يتطيرون إذا ذكر اسمهم لأنه نذير شؤم ونحس، وصارت كلمة (زغبي) نسبة إليهم تعادل كلمة مشؤوم منحوس. تشتمل رغبة على خمس قبائل كبيرة ارتفعت كل منها إلى مرتبة شعب: أ - حصين: ينقسمون إلى بطنين كبيرين، جندل وخراش، فمن جندل أولاد خنفر، ورئاستهم في بني خليفة، وسادتهم أولاد خشعة، ومن خراش أولاد مسعود رئاستهم في أولاد رحاب، وأولاد فرج رئاستهم في بني خليفة، وأولاد طريف المعروفون بالمعابدة رئاستهم في أولاد عريف، وعلا يزال هذا الفريق يعرف باسمه الأصلي في المغرب الأقصى والمغرب الأوسط، ففي المغرب الأقصى يوجدون بحوز مدينة سلا، وفي المغرب الأوسط يوجدون بحوز بجاية، كما تعرف بطونهم فيهما أيضا. ب - بنو مالك: يعرفون باسمهم الأصلي في المغرب الأقصى ومواطنهم فيه تقع بإقليم القنيطرة بسهول الغرب حيث تقع قريتا سوق الأربعاء وأحد كورت، ومن بطونهم سويد، والعطاف، والديالم، والهبرة، وصبيح، وغريب. ج - بنو عامر: مواطنهم الكبرى حول مدينة وهران ودخلت جماعات منهم إلى المغرب الأقصى فاستقرت قرب سلا، والعرائش، وطنجة، وقرب فاس مع قبيلة شراكة، ومن بطونهم الشهيرة بنو يعقوب وبنو حميد وبنو شافع. د - عروة: وهم بطنان: النضر ومنه (أولاد خليفة، والخماننة، وشريفة، والصحارى) وخميس ومنه (عبيد الله، وفرغ، ويقظان) ولكل منهم بطون وعمائر كثيرة. هـ - بنو يزيد: كانت لهم مكانة بين قبائل رغبة لشرههم وكثرتهم، وللدول بهم عناية، ومنهم بطون كثيرة مثل حميَّان، وجواب، وبنو كرز، وبنو موسى، والمرابعة، والخشنة، والعكارمة.

стр. 2486

شعوب معقل يزعم المعقليون أنهم هاشميون من ذرية جعفر بن أبي طالب، ويعدهم النسابون العرب من بطون هلال، ورجح ابن خلدون أن يكونوا من ولد معقل واسمه ربيعة بن كعب بن ربيعة بن كعب بن الحارث من بطون مذحج اليمنيين. يذكر نسابتهم أن معقل جدهم خلف ولدين: سحير ومحمد، فولد سحير عبيد الله جد ذوي عبيد الله، وثعلب جد الثعالبة، وولد محمد مختارا جد ذوي حسان والشبانات، ومنصورا جد ذوي منصور، وجلالا وسالما وعثمان الذين منهم قبيلة الرقيطات الشهيرة بناحية سوس. ١ - الثعالبة: كانوا يسكنون أولا في المغرب الأوسط بجبل تيطري حيث مدينة أشير، ثم غلبهم عليه بنو توجين فانتقلوا إلى فحص متيجة المجاور لمدينة الجزائر فسكنوه تحت حماية قبيلة ملكيش، وقد تتبع ملوك بني عبد الواد هذه القبيلة بالقتل والسبي والنهب إلى أن دثرت في نهاية القرن الثامن الهجري ولم يبق لها منذ ذلك التاريخ وجود. وإلى هذه القبيلة ينتسب علَّامة الجزائر سيدي عبد الرحمن الثعالبي المتوفى سنة ١٤٧٠ م بالجزائر صاحب المؤلفات الشهيرة. ٢ - ذوي حسان: بنو مختار بن محمد بن معقل، كانت مواطنهم في الأول بنواحي ملوية إلى أن استصرخهم علي بن بدر الزكندري صاحب السوس بعد الموحدين فصارخوه وارتحلوا إليه بظعونهم وحمدوا مواطن سوس فأقاموا بها لعدم المزاحم وصارت مجالاتهم بها وغلبوا جزولة وأصاروهم في جملتهم ومن ظعونهم ووضعوا الأتاوات على المدن والقرى الموجودة بها وببرية شنكيط (١) وكانت رئاستهم في أولاد أبي الخليل منهم. أكثرية ذوي حسان توجد اليوم بصحراء شنكيط ووادي الذهب، وهم بها ينقسمون إلى أربعة أقسام: أولاد احيى من عثمان وهم سكان أدرار مستقرون وقد

стр. 2487

ينتجعون، ثم واد وعيش الذين يسكنون تكانت في أغلب الأوقات، والترارزة سكان القبلة أي الأراضي الممتدة من أكيدي والعقل إلى حدود السنيغال، وأولاد عبد الله أو البراكنة وهم متفرقون منهم من يسكن شمامة وهم أبناء السيد، ومنهم من يسكن فيما بين امشتيل وأفطوط وهم أبناء أحمد أكيدي، وبعضهم يسكن الرك، أي القاع وهم ابن هيبة، وأبناء نغماش. ٣ - ذوي منصور: أولاد منصور بن محمد بن معقل، وهم معظم قبائل المعقل وجمهورهم كانت مواطنهم تخوم المغرب الأقصى من قبلته ما بين ملوية ودرعة يجاورهم وراءها إلى الجنوب إخوانهم ذوو حسان. وهم ينقسمون إلى أربع قبائل: أ - أولاد حسين: كانت لهم العزة على ذوي منصور كافة، ورئاستهم في أولاد خالد بن جرمون، وكانت مجالاتهم وسيطرتهم على الأراضي الواقعة خلف جبال الأطلس ما بين سجلماسة وسوس. ب - أولاد أبي الحسين: إخوة المتقدمين، إلا أنهم عجزوا عن الظعن معهم فسكنوا قصورا بالقفر ما بين تافيلالت وتيكورارين (كورارة). ج - المنبات: كانت مواطنهم مجاورة لأولاد حسين من جهة الشرق ومجالاتهم بتافيلالت وصحرائها، وقد يصعدون في التل مع نهر ملوية حتى يبلغوا مصبه بالبحر الأبيض ويفرضون على أهله الضرائب والأتاوات، وهم يطلقون على أنفسهم اسم المنابهة والنسبة إليه منبهي. العمارنة: أولاد عمران بن منصور إخوة المتقدمين، كانت مواطنهم ومجالاتهم مثل مواطن المنابهة ومجالاتهم، ورئاستهم في العصر المريني كانت في أولاد مظفر منهم يرادفهم فيها أولاد عمارة. ويطلق على العمارنة والمنبات معا اسم الأحلاف، وبهذا الاسم تدعى اليوم قبيلة بإقليم وجدة.

стр. 2488

٤ - ذوي عبيد الله: كانت مواطنهم ما بين تلمسان ووجدة إلى مصب وادي ملوية بالبحر ومنبع وادي زا (صاع) بالجنوب، وتنتهي رحلتهم في القفار إلى قصور توات وتمنطيت، وربما عاجوا شمالا إلى تسابيت وكورارة، وكانوا يجاورون بني عامر، ولهم معهم ومع بني عبد الواد قبل الجاه والسلطان فتن وحروب موصولة صاروا بسببها أحلافا لبني مرين، ولما ضعفت الدولة توطنوا التلول وتملكوا وجدة وندرومة ومواطن بني يزناسن وبني سنوس ومديونة إقطاعا من السلطان وفرضوا على أهلها الضرائب وصارت لهم جبايتها، كما فرضوا على مرسى هنين ضريبة الأجازة (الزطاطة) منه إلى تلمسان فلا يسير المسافر بينهما أيام حلولهم بساحتها إلا في خفارتهم وعلى ضريبة معلومة يؤديها إليهم. وينقسم ذوو عبيد الله إلى بطنين كبيرين: الخراج والهراج. فالخراج من أولاد خراج بن مطرف بن عبيد الله، وكانت رئاستهم في أولاد عبد الملك منهم، ولهم قبائل كثيرة، من أشهرها: أ - الجعاونة: بنو جعوان بن خراج. ب - المطارفة: بنو مطرف بن خراج. ج - العثامنة: بنو عثمان بن خراج. د - الغسل: بنو غاسل بن خراج، وهم معروفون إلى اليوم بهذا الاسم مستقرون بجماعة الرمشي شمالي تلمسان. وكانت مع هذه القبائل ناجعة تسمى المهايا ينتسبون تارة إلى المهايا بن عياض المتقدم ذكره لدى الكلام على الأثبج من شعوب بني هلال، وينتسبون تارة أخرى إلى المهايا بن مطرف فيكونون إخوان المطارفة من هذا القبيل. أما الهراج فمن ولد الهراج بن مهدي بن محمد بن عبيد الله، كانوا يسكنون إلى الغرب من مواطن بني عمهم الخراج مجاورين لبني منصور، وأكبر قراهم قرية تاوريرت الشهيرة ببسيط أنكاد، وخدمتهم كانت في الغالب مع بني مرين، وفي الأقل مع بني عبد الواد، ورئاستهم في أولاد يعقوب بن هبا بن هراج، وأشهر قبائلهم:

стр. 2489

أ - أولاد فكرون. ب - أولاد مرين. ج - أولاد مناد. ٥ - الرقيطات: ينتمون إلى جلال وسالم وعثمان أبناء مختار بن محمد بن معقل، كانوا بادية لذوي حسان ينتجعون معهم بإقليم سوس، وما زالت بقاياهم بناحية رودانة منه يعرفون باسمهم الأصلي الرقيطات. ٦ - الشبانات: أولاد شبانة بن مختار بن محمد بن معقل، كانوا يسكنون بإقليم سوس مع إخوانهم ذوي حسان، وينقسمون إلى بطنين كبيرين: بني ثابت وأولاد علي، ما زال الشبانات معروفين باسمهم الأصلي، داخل شعب الشراردة بناحية سيدي قاسم من إقليم القنيطرة بالمغرب الأقصى، ومنهم بطون مندرجة في قبيلة الودايا بحوز فاس، وأخرى بناحية الصويرة وناحية تادلة وناحية الجديدة. مواطن القبائل العربية كما يصعب على المؤرخ رسم خريطة تحدد بتدقيق مواطن البربر ومجالاتهم من أرض المغرب، ويصعب عليه أيضا رسم خريطة مماثلة تحدد بنفس الدقة مواطن العرب ومجالاتهم منها، ويرجع السبب في ذلك إلى أن القبائل العربية والبربرية اختلطت خلال هذه الأربعة عشر قرنا من إسلام المغرب اختلاطا قويا بالصهر والحلف والجوار، وتعرب منها بربر وتبربر منها عرب، وكثرت الدعوى في النسب والاستلحاق من طرف والخلع والجحود من طرف آخر، وغلبت العاطفة والهوى على طائفة من المؤرخين وأوقع الوهم طائفة أخرى منهم في أخطاء وأغلاط حتى صارت التفرقة بين جماعة وجماعة أمرا صعبا، وأصبح الباحث كلما أراد شيئا من ذلك تواجهه حقيقة وجود أمة مغربية متماسكة متداخلة الأصول العربية والبربرية. ولو جاز الاعتماد على اللغة وحدها واتخاذها مقياسا للتمييز بين سلالة وسلالة لكان جميع الليبيين والتونسيين عربا لأنهم لا يتكلمون اليوم غير العربية،

стр. 2490

ولو جاز أيضا أن تكون أسماء القبائل المغربية دالة وحدها أيضا على أصولها لجعلنا بني مطير ورهونة مع العرب مع أنهم بربر، وجعلنا أدوعل ومدلش وتجكانت مع البربر مع أنه لا خلاف في أن الأولى علوية والثانية أموية، والثالثة حِمْيَرية. ومع ذلك فإن في الإمكان الكلام على مواطن العرب اعتمادا على عدد من المقاييس مجتمعة كاللغة والتسميات والنصوص التاريخية وأقوال السكان أنفسهم، وسنذكرها ونذكرهم مغفلين ذكر القبائل الأخرى العربية لسانا البربرية أصلا التي سبق الكلام عليها وعلى مواطنها في الفصل السابق. فبلاد برقة والتخوم المغربية - المصرية تقيم قبائل هيب من بني سُلَيْم وتنجع، يختلط معهم من العرب غيرهم لفائف من فزارة ورواحة، وأشهر القبائل من هيب شماخ الذين حازوا خصب برقة ومرجها فكان لهم العدد والعز بسبب ذلك، يجاورهم شرقا بنو لبيد، وقبيلتا شمال ومحارب اللتان كانت رئاستهما في بني عزاز المعروفين أيضا بالعزة، ويجاورهم غربا بنو حميد سكان إجدابيا ونواحيها. وإلى الغرب من مواطن هيب ومجالاتها تسكن قبائل بني سُلَيْم الأخرى وتغطي مواطنهم جميع الإقليم الطرابلسي وتمتد إلى قابس وشط الجريد، ومن أشهر قبائلهم المحاميد والجواري، ومن قابس تمتد مواطنهم ومجالاتهم في اتجاه شمالي غربي إلى ناحية عنابة بالمغرب الأوسط يجاورهم قبائل سلمية منهم كحكيم وأولاد علي والكعوب وطرود ورياح، وقبائل هلالية مثل دريد الأثبجيين. وفي المغرب الأوسط تحتل القبائل العربية أكثرية عمالة قسنطينة، ففي الشمال يوجد بنو مرداس السلميون قرب عنابة، وعطية في ناحية جيجل، ودريد بين تبسَّة ووادي الزناتي، وكرفة قرب العين البيضاء، وأولاد ماضي قرب برج بو عريرج، يليهم أولاد صولة في الزاب، والذواودة بين الزاب والحضنة، وأولاد سعيد والمخادمة وأولاد جلال وفارس وعامر في الهضاب العليا والصحراء. وإلى الغرب منهم يسكن بقايا الثعالبة بسهل متيجة، وأولاد ماضي ورياح وبني منصور والخشنة وجواب ويزيد ومربع وسُلَيْمان حول سور الغزلان، والبرَّاز والعطاف وجندل جنوب مليانة وعلى سهول شلف، وتسكن قبائل نزليوة،
следующие страницы →