- وقال عن بنو يفرن: بطن من قبيلة زناته الكبرى ظهر على مسرح السياسة في أواخر عهد الدولة الإدريسية، وكانت هذه القبيلة منافسة لقبيلة مغراوة تحارب تارة مع الأمويين وتارة ضدهم، وأشهر زعمائها أبو الكمال بن زيري الذي أسس إمارة تمتد من سلا إلى فاس، إلى أن اضمحلت في عهد المرابطين سنة ٤٦٩ هـ، وكان لأمراء بني يفرن الفضل الأكبر في القضاء على البرغواطيين المستقرين بالساحل، وتخريب مدنهم وتشتيت شملهم فلم تقم لهم قائمة بعد ذلك في عهد المرابطين والموحدين حيث اختفوا نهائيا من مسرح المغرب.
وفي ص ١٨٦ قال عن بني يزناسن: هذه الكلمة محرفة عن كلمة بن يزناتن - أي زناته - وتطلق على مجموعة كبرى من القبائل الزناتية المستقرة بين نهري ملوية وكيس بالمغرب الشرقي.
وفي ص ١٨٧ قال عن مغراوة: فرع من قبيلة زناته الكبرى ابتدأ ظهورها في أواخر القرن الرابع حينما انضمت إلى الأموين بالأندلس وحاربت الأدارسة، وأشهر زعمائها الأمير زيري بن عطية الذي أسس إمارة مستقلة استمرت نحو نصف قرن من ٣٨١ إلى ٤٢٨ هـ وجعل عاصمتها وجدة (مدينة مغربية ترب حدود الجزائر).
- وفي ص ٢٠٧ قال عن فازاز: بطن من بطون زناته كان يحتل في القديم منطقة تادلا وما حولها إلى مكناس وملوية ووادي العبيد، وساهم أفرادها في جميع الحروب في عهد المرابطين والموحدين والمرينيين، وقد اندثر هذا الاسم اليوم وحل محله اسم القبائل المتساكنة بهذا الإقليم، وأنجبت هذه القبيلة عددا من الأعلام المشهورين في تاريخ المغرب والأندلس.
وقإل عن بعض قبائل البربر في المغرب:
* أوَرْبَة (١): قبيلة من قبائل البرانس كانت تحتل المنطقة الواقعة بين زرهون وتازا، وكان زعيم هذه القبيلة عند قدوم المولى إدريس هو الأمير إسحاق أو عبد الحميد الأوربي الذي تنازل وبايع الإمام بالخلافة في آخر القرن الثاني.
стр. 2627
* جزولة: قبيلة كبيرة قامت بدور مهم في عهد المرابطين، وكانت تستقر قرب جبال الأطلس الكبير جنوبًا، واتحدت مع جدالة ولمطة ومسوفة ولمتونة تحت راية الإمام عبد الله بن ياسين، وساهمت في المعارك التي انتهت بتأسيس الدولة المرابطية، وأنجبت هذه القبيلة عددًا من العلماء والصلحاء وقواد الجيش.
* رجراجة: هذه القبيلة هي مقر السادات الرجراجيين المشهورين بالمغرب وبالأخص بقبيلة الشياظمة حيث توجد أضرحة أسلافهم المقدسين، وقبيلة رجراجة التي ينتسب إليها هؤلاء الأفاضل تستقر بجنوب نهر تانسيفت، وكان لها فضيلة السبقية إلى الإسلام في عصر ظهوره، كما كانت من أولى القبائل المغربية المناصرة للإسلام والمدافعة عنه وبالأخص عند ظهور برغواطة بتامسنا، واشتهر منهم في العصر الأول للإسلام سبعة رجال هم المعروفون برجال رجراجة وهم: سيدي واسمان أو واسمين في طرف جبل الحديد برباط تاوريرت، وسيدي أبو بكر اشماس بزاوية اقرمود وابنه صالح، وسيدي عبد الله ادناس بالمشهد، وسيدي علي بوخابية بطرف وادي تانسيفت بزاوية التوابت، وسيدي يعلى بن واصل بامسكن، وسيدي سعيد بن يبقي بتمازت.
* كومية: قبيلة تنتسب إلى البرابرة البتر، وكانت تحتل المنطقة الواقعة حول تلمسان وإليها ينتسب الخليفة عبد المؤمن بن علي الكومي مؤسس دولة الموحدين المتوفى سنة ٥٥٨ هـ.
* لمتونة: مجموعة كبرى من قبائل البرانس الصنهاجية، ومن بينها لمتونة وجدالة ومسوفة، وكان موطنها الأصلي بالصحراء الكبرى بين المغرب والسودان ومن رجالاتها العظام أبو بكر بن عمر ويحيى بن عمر ويوسف بن تاشفين مؤسسو دولة المرابطين الملثمين بالمغرب الأقصى.
* مصمودة: مجموعة قبائل عظيمة من البرانس كان لها التقدم على غيرها قبل الفتح الإسلامي وبعده، وتستقر هذه القبائل منذ القدم بجنوب أم الربيع والأطلس الكبير إلى شواطئ المحيط، ولعبت هذه القبائل دورًا عظيمًا في تاريخ المغرب على عهد الموحدين والحفصيين والمرينيين.
стр. 2628
* صنهاجة: إحدى القبائل الكبرى وأعظم قبائل البرانس بالمغرب حتى لا تكاد ناحية من بلاد المغرب تخلو من بطن من بطونها، ويقال: إنها تنتمي إلى أصل حِمْيَري يماني، وكانت صنهاجة بعد الفتح الإسلامي تؤيد الفاطميين ضد قبائل زناتة التي كانت تؤيد الأمويين، وبسبب ذلك نشأ بين القبيلتين نزاع استمر عدة قرون.
وأسست هذه القبائل الصنهاجية إمارات مستقلة بتونس (بنو زيري)، وبالجزائر (بنو حماد)، وبالمغرب الأقصى (المرابطين) وبالأندلس (بنو زيري أيضًا بغرناطة).
ولا تزال مجموعة من هذه القبائل تحمل نفس الاسم لحد الآن بإقليمي تارة والناطور في شرق وشمال المملكة المغربية.
* غمارة: مجموعة من قبائل تحتل مناطق شاسعة بالريف والبحر المتوسط شمال المغرب من بينها قبائل بني زيات سميح وبني رزين وبني منصور. . . إلخ، واشتهر من زعمائها في القديم يوليان الغماري صاحب سبتة وطنجة الذي سهَّل للفاتحين العرب عملية غزو الأندلس.
* سكساوة: قبيلة بناحية ايمنتانوت جنوب مراكش كانت تدعى قديمًا بسكسيوة، واشتهر أمرها في عصر الموحدين والمرينيين وبها حصن القاهرة الذي بنى في عهد الأشراف السعديين، وبوسط القبيلة ضريح للا عزيزة السكسيوية التي كانت تتمتع بنفوذ روحي عظيم على السكان خلال العصر المريني حتى كانت تشد إليها الرحال (١)!؟.
* هرغة: قبيلة كبرى تحتل المنطقة الممتدة جنوب مراكش على ضفاف الأطلس الكبير شرق تارودانت، وقد اندثر الاسم وحل محله عدد من أسماء القبائل المتساكنة هناك.
* هنتاتة: أطلق هذا الاسم على مجموعة من القبائل القاطنة بالأطلس الكبير في عصر الموحدين بين جبل كيك وتينمل، واندثر هذا الاسم منذ عصر
стр. 2629
الأشراف السعديين، وكان لرجال هذه القبائل دور هام في الحروب التي خاضها الموحدون ضد خصومهم، وإليها ينتسب أنصار المهدي بن تومرت وكبيرهم أبو حفص الهنتاتي جد الملوك الحفصيين بتونس، وإلى هذه القبيلة الأطلسية التجأ أبو الحسن المريني بعد عودته من تونس عند زعيمها الأمير عبد العزيز الهنتاتي إلى أن توفي بها سنة ٧٥٢ هـ ومنها نقل إلى مراكش.
* هسكورة: قبيلة كانت تستقر في السوس الأدنى جنوب تارودانت، وهناك منطقة سكورة الواقعة بإقليم ورزازات.
* هوارة: قبيلة كبرى من القبائل التي اشتهرت في العصر العلوي بالمغرب الأقصى وتستقر الآن في منطقتين: الأولى بسوس قرب أكادير، والثانية في سهول مصون بين تارة وجرسيف.
* الأوداية: قبيلة كبرى من قبائل الجيش المخزني استخدم الملوك العلويون أفرادها بالجيش وأقطعوهم الأراضي الفلاحية بالرباط وفاس ومكناس.
стр. 2630
ما قاله أحمد توفيق المدني عن القبائل البريرية ومواطنها بالقطر الجزائري
أولا: البربر الخُلَّص
١ - في عمالة قسنطينة:
من قبائل كُتامة: بنو خطاب في المنطقة الجبلية من القل إلى بجاية ومجانة، وبني سيلين قرب الميلية، وأولاد محمد قرب جيجل، وعياد قرب أقبو، وبنو مروان قرب ميلة، وجملة ما بين سطيف وجيجل.
ومن قبائل صنهاجة: أمزيتة وعجيصة ما بين مجانة ونوغة، وواسين وبنو يفرن في جبل أوراس وهم من زناتة ويدعونهم الشاوية.
٢ - في عمالة الجزائر:
من قبائل صنهاجة في جبال الجرجرة المسماة بلاد القبائل الكبرى: زواوة، وفليسة، وقسطولة، وأوقنون، وبنو راتن، وبطروم، وبنو منقلات، وعمور، وبنو يحيى، وهجر (١)، وفتاية.
وتنتشر هذه القبائل في غربي مدينة الجزائر فيما بين شرشال وتنس والونشريس.
وفروع زناته هي: بنو توجين، وبنو مناد، وبنو مناصر، وزقزوق، وتيعرين، وزنداك، ومغراوة، وبنو كادي.
وفي جبال الونشريس قبائل مطماطة، ولواتة، وراشد.
وفي بلاد الشبكة في وسط الصحراء الجزائرية قبائل بني ميزاب وهم من نفوسة (غربي ليبيا) وغيرهم.
стр. 2631
٣ - في عمالة وهران:
قبيلتا ولهاصة والطرارة وهما من السنوس، تقطنان الجبال التي تكتنف تلمسان شمالًا وغربًا، وقبيلتا مزونة ومديونة وهما من زناتة وتقطنان الجبال الواقعة غرب مدينة مستغانم، وقبائل مطماطة (١) وتيغرين وشقالة وبرناص وهي من قبائل بني راشد وتقطن من كربي جبال ونشريس إلى ناحية جبال عمور.
ثانيا: البربر المستعربون
ويوجد في الجزائر إلى جانب تلك القبائل التي بقيت إلى يومنا هذا بربرية خالصة قبائل أخرى أيضًا بربرية، لا تمت إلى البربر إلا بالنسب فقط، وقد ابتلعها العرب فأصبحت عربية لغة وأخلاقًا وعوائد، ومنها الكثير يجهل أنه من أصل بربري مستعرب بمرور الزمن فهي اليوم معتبرة قبائل عربية ومواطنها كما يلي:
١ - في عمال قسنطينة:
سكان ناحية الوادي القبلي ووادي الكبير ووادي ابن صالح ووادي الساحل قبائل ريغا، والظهارة، والقبالة، ويسكنون جبال بو طالب والنواحي المحيطة بها.
أولاد أبو النور وتالغمة ينتشرون في السهول بين سطيف وقسنطينة، وزردازة بين غرابة والعروش، ولهاصة وصنهاجة على مقربة من عنابة، وأولاد سلطان في نقاوس، والحنانشة في سوق أهراس، والنمامشة قرب تبسّة، والحراكتة قرب عين البيضاء، وبنو ولبان في جهة السمندو.
٢ - في عمالة الجزائر:
تسكن في المنطقة الجبلية الممتدة من وادي الساحل إلى المدية، ومن صور الغزلان (أومال) إلى سهول متيجة.
стр. 2632
ومن القبائل الصنهاجية المستعربة: متنان ومزغنة وجعد وطلغاتة وبوطوية وخليل (١)، كما تسكن ناحية تيطري جنوب المدية من صنهاجة المستعربة أيضًا قبائل الأرباع وسنجاص والأغواط (٢).
٣ - في عمالة وهران:
قبيلة بوطوية في جهة سان لو، وقبيلة لواتة في جنوبي الأصنام، وقبيلة بني لايت بين ثنية الحد وتيارت، وقبيلة بني واسين قرب عمي موسى، وزناتة قرب تلمسان، وقبيلة بني راشد قرب صور الغزلان.
стр. 2633
ما قاله مبارك الميلي الهلالي عن قبائل البربر في الجزائر (١)
تمهيد:
عرف البربر في العرب أساتذة ماهرين مخلصين لا فاتحين غالبين يسوسونهم بالعسف، ويسومونهم سوء العذاب، ثم يمنون عليهم بأنهم تعبوا في تمدينهم أو يملكون عليهم أراضيهم، ثم يسبونهم بأنهم لا يحسنون تعميرها.
ترقى البربر في ظل الحكومة العربية، ولكنهم أسرعوا بطلب الاستقلال قبل قدرتهم عليه، وإنما بعثهم على ذلك ما بقي فيهم من عروق الفوضى ومنافسة قبائلهم بعضها لبعض، حتى إذا جاء الدور العبيدي أتموا دروسهم العملية في الحياة النظامية فأصبحوا قادرين على الاستقلال.
وفي القرن الخامس استقل البربر بوطنهم من غير كفران لفضل العرب، فكانت حكومات صنهاجة معترفة بالسيادة العباسية أو الفاطمية، ثم ظهرت دولة الموحدين في القرن السادس، فلم تعترف بالسيادة للفاطميين أو العباسيين، إذ كانت دولتاهم يومئذ على فراش الاحتضار.
وكان عصر الموحدين هو شباب العصر البربري، اتحد فيه سكان المغرب أجمع تحت راية واحدة، وبلغوا من حسن الإدارة وانتشار المعارف ورقي الحضارة مبلغًا عظيمًا، ثم أخذ هذا العصر في الهِرم، حتى غلب الإسبان على كثير من السواحل وجاء الأتراك فقضوا على ما بقي للبربر من استقلال. والحق أن البربر يومئذ ليسوا بأهل للحكم كما أن الأتراك ليسوا بأهل للسياسة.
كان مبتدأ العصر البربري في القرن الخامس ومنتهاه في القرن العاشر، وحكم أثناء هذه المدة ست دول كبرى هي: دول بني حماد، والمرابطين، والموحدين، والحفصيين، وبني مرين، وبني زيان.
стр. 2634
ومعرفة أنساب القبائل البربرية ومواطنها ما يعين على ما كان بينها في هذا العصر من ولاء وحلف أو عداء وسيف، فرأينا أن نعيد القول في ذلك بما يناسب هذا العصر.
وقد شاء الله أن يكون للعرب وجود جنسي في عصر البربر السياسي، كما كان للبربر وجود جنسي في عصر العرب السياسي؛ غير أن بين الوجودين فرقًا، فإن العرب مؤثرون في البربر في العصر العربي سياسيا ودينيا؛ وفي العصر البربري اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا أيضًا.
ويقطن الوطن الجزائري من البربر: زناتة، وصنهاجة، وكُتامة، وزواوة، وعجيسة، وازداجة، ومسطاسة، وبنو فاتن، وبطون من لواتة، ونفزاوة، وهوارة، وزواغة، ومكناسة، ومصمودة، ولمطة، وأوربة. ومن هذه القبائل والبطون ما لها فروع في بقية المغرب، ومنها ما ينتسب في العرب القحطانيين أو العدنانيين انتسابا دعا إليه حب العرب لا ثقة الرواية بالنسب.
ولقد ذكرنا هذه القبائل والبطون سالفا، ثم ظهرت بطون وأفخاذ كان لها شأن في هذا العصر البربري، وتغيرت مواطن كثيرين منهم إما بهجوماتهم بعضهم على بعض كما فعلت صنهاجة بزناتة، وإما بهجومات الهلاليين. فنبين في هذا الباب ما حدث من بطون وما تجدد من أوطان بما يناسب العصر البربري.
وقد رأينا أن نتبع ابن خلدون في أسلوب الحديث عن البربر، فنذكر كل قبيلة على حدة، فإن ذلك أدخل في البيان وأنسب بالحياة البربرية المستقلة قبائلها بعضهم عن بعض، وإذا كانت البطون صغيرة جمعناها في فصل لقلة الكلام عليها.
стр. 2635
القبائل البربرية الجزائرية
زناتة:
زناتة أشبه البربر حياة بالعرب؛ لأن أكثر موطنهم الصحراء يتخذون بيوت الشعر للظعن، قال ابن خلدون: "وكانت مكاسبهم الأنعام والماشية وابتغاؤهم الرزق من تحيف السابلة وفي ظل الرماح المشرعة، وكانت لهم في محاربة الأحياء والقبائل ومنافسة الأمم والدول ومغالبة الملوك أيام ووقائع، نلم بها ولم تعظم العناية باستيعابها فنأتي به، والسبب في ذلك أن اللسان العربي كان غالبًا لغلبة دولة العرب وظهور الملة العربية، فالكتاب والخط بلغة الدولة ولسان الملك، واللسان العجمي مستتر بجناحه مندرج في غماده، ولم يكن لهذا الجيل من زناتة في الأحقاب القديمة ملك يحمل أهل الكتاب على العناية بتقييد أيامهم وتدوين أخبارهم، ولم تكن مخالطة بينهم وبين أهل الأرياف والحضر حتى يشهدوا آثارهم لإبعادهم في القفر وتوحشهم عن الانقياد، فبقوا غفلا إلى أن درس منهم الكثير ولم يصل إلينا بعد ملكهم إلا الشارد القليل يتبعه المؤرخ المضطلع في مسالكه ويتقراه في شعابه ويثير من مكامنه" اهـ.
وقد أخذت زناتة بالخارجية، ثم فارقتها تدريجًا حتى لم يبق منهم عليها إلا القليل، وكانوا منقسمين سياسيًا إلى إدريسيين ورستميين وأغلبيين. ولهم حروب مع جيرانهم صنهاجة، فلما ظهرت دولة بني عبيد والتهم صنهاجة، وعادتهم زناتة فاتسعت واجهة الخلاف بين القبيلتين.
وكانت رئاسة زناتة لمغراوة، ووفد أميرهم صولات بن وزمار على عثمان بن عفان ﵁، فعقد له على قومه، قال ابن خلدون: "فاختص صولات وسائر الأحياء من مغراوة بولاء عثمان وأهل بيته من بني أمية، وكانوا خالصة لهم دون سائر قريش، وظاهروا دعوة المروانية بالأندلس رعيا لهذا الولاء" اهـ.
стр. 2636
ومظاهرة مغراوة وسائر زناتة لمروانية الأندلس إنما حدثت أيام بني عبيد، فالظاهر أن سببها منافسة صنهاجة، وقد تقوت صنهاجة ببني عبيد على أعدائها الأقدمين فنالت منهم قتلا وجلاء، وكانت نكبتهم على يد بلقين بن زيري سنة ٣٦٩ هـ، قال ابن خلدون: "دوَّخ بلقين في هذه السنة المغرب، وانكفأ راجعًا، ومر بالمغرب الأوسط، فالتحم بوادي زناتة ومن إليهم من الخصاصين، ورفع الأمان على كل من ركب فرسًا أو أنتج خيلًا من سائر البربر، ونذر دماءهم، فأقفر المغرب الأوسط من زناتة، وصاروا إلى ما وراء ملوية من بلاد المغرب الأقصى إلا ما كان من رجوع بني يعلى بن محمد إلى تلمسان وملكهم إياها" اهـ.
وقد لحق كثير من زناتة بالأندلس في العصرين العربي والبربري، وضربوا هنالك مع ملوك الطوائف بسهم، وكان منهم جيش عظيم للغزو أيام بني الأحمر بغرناطة.
وكان منهم جراوة قوم الكاهنة ذوي سلطان، ثم انقضى أمرهم لأول الفتح، ومنهم مغراوة قوم صولات بن وزمار جد بني خزر، واستمر سلطانهم إلى أن غلبتهم صنهاجة، فنزحوا إلى المغرب الأقصى، وأسسوا إمارات بتلمسان وفاس وسجلماسة وأغمات قضى عليها المرابطون، وأسسوا أيضًا إمارة بطرابلس قضى عليها النرمان وتجدد لهم ملك بشلف في العصر البربري ومنهم يفرن قوم صاحب الحمار، ويعلي بن محمد بن صالح مؤسس مدينة أفكان؛ ولبنيه دولة بالمغرب الأقصى قبل ظهور المرابطين ومنهم بنو يلومي وبنو ومانو، كان لهم شأن في العصر البربري، وهذه طبقة أولى عند ابن خلدون. والطبقة الثانية هم بنو مرين ملوك فاس، وبنو عبد الواد ملوك تلمسان، وبنو توجين أصحاب وانشريس.
وأشهر قبائل زناتة: جراوة، ويرنيان، ووجديجن، وواغمرت، وورقلة، ودمر، وبنو ومانو، وبنو يلومي، ويفرن، ومغراوة، وواسين، وحديث نسب زناتة
стр. 2637
إلى البربر أو قحطان أو عدنان، وما للناس في أنساب قبائلها وأفخاذها حديث يطول جلبه وتضعف جدواه، وقد أطال في ذلك ابن أبي زرع وابن خلدون.
جراوة؛ كان موطنهم بأوراس ثم انتثر عقدهم فأكلتهم القبائل، وكانت طائفة منهم بنواحي ملوية سميت بهم مدينة هناك كانت للعلويين، ولم يكن لهم ذكر في العصر البربري.
يرنيان، متفرقون في مواطن زناتة، وجمهورهم على وادي ملوية مجاورين لمكناسة، ثم اختلطوا ببني مرين لما ظهرت دولتهم.
وجديجن، كان جمهورهم بمنداس شرقي يفرن وشمال لواتة وغربي مطماطة، ونكحت منهم امرأة في لواتة، فعيرها نساؤهم بالفقر، فتذمرت إلى عنان أميو وجديجن، فغضب لها، واستجاش أحلافه، فنصره يعلى بن محمد اليفرني وكلمام في مغيلة وعزانة في مطماطة، وفي بعض نسخ ابن خلدون غرابة، وكانت حرب مات فيها عنان، وغلب وجديجن لواتة، فملكوا عليهم السرسو، وذلك أيام العبيديين، ثم غلبهم على مواطنهم بنو يلومي وبنو ومانو، فلم يكن لهم ذكر في العصر البربري.
واغمرت وتدعى أيضًا غمرت، جمهورهم جنوب صنهاجة فيما بين الدوسن ومشنتل، ثم غلبهم العرب على السهول فاعتصموا بالجبال قبلة المسيلة وصنهاجة وقعدوا عن الظعن، ثم صاروا في أقطاع الذواودة.
ورقلة، وتدعى أيضًا ورقلان، موطنهم بالصحراء جنوب الزاب، ولهم المصر المعرف بهم إلى اليوم، ومعهم جمع من بني زنداق ونزل عليهم كثير من زناتة الزاب لما أجلاهم عنه الهلاليون.
دمر؛ من أوسع بطونهم بنو ورنيد، ومن ورنيد بنو ورتاتين، وبنو تفورت، وبنو برزال، وكان بنو برزال بجبل سالات من ناحية بوسعادة، وبقية ورنيد
стр. 2638
بصحراء تلمسان إلى سعيدة، وتغلب عليهم بنو راشد، فانقبضوا إلى الجبل المضاف إليهم المطل على تلمسان، ولم يكن لدمر كبير شأن في العصر البربري.
بنو ومانو؛ كانوا بالعدوة الشرقية من مينة إلى أسافل شلف، وظهر أمرهم بعد إجلاء صنهاجة لمغراوة، فكان لهم ذكر أيام الحماديين، وبعدهم تغلب عليهم بنو عبد الواد، وبنو توجين، فازدردتهم القبائل.
بنو يلومي؛ كانوا مجاورين لومانو غربًا منافسين لهم إلى أن غلبهم بنو توجين على مواطنهم، فتفرقوا أوزاعا في القبائل.
يفرن؛ كان منهم بالجريد بنو واركو ومرنجيصة، وغلب عليهم بنو هلال وسُلَيْم، فاستكانوا للحفصيين، ومنهم فريق بالزاب أجلاهم الهلاليون إلى ورقلة وغيرها، وجمهورهم بالمغرب الأوسط من نواحي تلمسان إلى تيهرت إلى جبل راشد وغلبتهم صنهاجة، فلم يكن لهم شأن بالجزائر البربرية.
مغراوة؛ مساكنون لبني يفرن، وبينهم منافسات فمنهم بالزاب، وجمهورهم بالمغرب الأوسط من شلف إلى تلمسان إلى جبل مديونة، وبطونهم كثيرة منها بنو زنداق بالحضنة حول مقرة، ومنها بنو ورا بشلف، ومنها الأغواط فيما بين الزاب وجبل راشد، ولهم مدينة لم تزل إلى اليوم تسمى بهم جنوب أطلس الصحراء الشرقي، ذكرت في عهد بني عبيد. قال ابن خلدون: "وهم مشهورون بالنجدة والامتناع من العرب" اهـ - والمحقق عند أهلها وأعرابها أن الهلاليين تغلبوا على أطراف مدينتهم، وبها بستان يعرف اليوم باسم هلال، وبجبل كسال طائفة معروفة اليوم باسم غواط كسال لم يذكرهم ابن خلدون. ومنها ريغة بعضهم بجبل عياض إلى نقاوس، تغلب عليهم العرب، وبعضهم بوادي ريغ لهم على عدوتيه قصور كثيرة، وفلاحات متنوعة، خرَّب أجلها ابن غانية، ومن تلك القصور تقرت، ومنها سنجاس بالجريد والزاب وأرض مشنتل وجبل كريكرة وجبل راشد وشلف،
стр. 2639
وقد تغلب عليهم الهلاليون، فاستكانوا للدول، ومنها بنو ورسيفان، وبنو ورتزمان، وبنو يلنت، وبنو بوسعيد، وكلهم بشلف.
واسين؛ كانوا ينتقلون فيما بين الزاب وسجلماسة صحراءَ وتلًا، ومن بطونهم بنو راشد بالجبل المضاف إليهم، وغلبوا مديونة وبني ورنيد على بسائطهما، ثم تغلب عليهم العمور من بني هلال، فبقي بعضهم مساكنا لهم بالجبل، ومنها بنو مرين، وأفخاذهم كثيرة، ولي الملك منها بنو وزرير فخذ بني عبد الحق وبنو واطاس، واختصوا بعد الملك بالمغرب الأقصى، ومنها بنو بادين وأفخاذهم كثيرة منها بنو عبد الواد بعضهم بأوراس، وجمهورهم أقطعهم الموحدون بلاد بني ومانو، ثم ملكوا تلمسان، ومن فصائلهم بنو ياتكين، وبنو ولو، وبنو ورسطيف، ومصوجة، وبنو تومرت، وبنو القاسم؛ ومن بني القاسم بنو مطهر، وبنو يكزيمن، وبنو دلول، وبنو كمي، وبنو طاع الله قوم يغمراسن بن زيان مؤسس دولة تلمسان. ومؤرخو دولتهم ينسبون بني القاسم في الأدارسة. قال ابن خلدون: "وهو زعم لا مستند له إلا اتفاق بني القاسم هؤلاء عليه مع أن البادية بعداء عن معرفة هذه الأنساب والله أعلم بصحة ذلك، وقد قال يغمراسن بن زيان لما نسبوه إلى إدريس، برطانتهم ما معناه: فإن كان هذا صحيحًا فينفعنا عند الله وأما الدنيا فإنما نلناها بسيوفنا" اهـ.
ومن أفخاذ بادين بنو توجين كانوا منافسين لبني عبد الواد وتقدموا إلى التل فانبثوا في السرسو وونشريس إلى المدية شرقًا وسعيدة وجبل راشد غربًا، ثم غلبهم الهلاليون على ما عدا جبل وانشريس، ويجمع فصائلهم جذمان أحدهما سرغين وفي بعض نسخ ابن خلدون بدل سرغين منهم بنو يرناتن بجبل يغودو نواحي نهر واصل، وبنو منكوش، وبنو تيغرين بوانشريس، ومن تيغرين أولاد عزيز بن يعقوب، وثانيهما مدن منهم بمنداس بنو مادون، وبنو قاضي بالقاف في ابن خلدون ولعله ماضي، ومنهم بنواحي فرندة بنو يدللتن.
стр. 2640
قال أبو راس: "وبلغني عمن رأى تأليفا في ذكر بني بادين أن توجين اثنان أحدهما بالواو بعد التاء شريف والآخر زناتي، والذي أعرفه من بطونهم بنو ازندار وبنو وكيمار، ومنهم فرقة كبيرة بأرضهم، الأولى إزاء جبل راشد" اهـ.
ومن أفخاذ بادين مصاب بالوطن المعروف بهم المدعو اليوم مزاب والزاي والصاد متقاربان، وفي اللسان البربري حرف يقرب مخرجه من مخارج الزاي والصاد والسين، فيختلف النطق به عند التعريب، وصاحب الترجمان المعرب من قبيلة صيان بالمغرب الأقصى يدعونه الصياني والزياني.
قال ابن خلدون: "وقصور مصاب سكانها لهذا العهد شعوب بني بادين من بني عبد الواد، وبنو توجين، ومصاب، وبني رزدال فيمن انضاف إليهم من شعوب زناتة، وإن كانت شهرتها مختصة بمصاب" اهـ.
وبنو عبد الواد الذين بمزاب من بني مطهر بن يمل بن يزقن بن القاسم، وقال أبو راس بمزاب لماية وأخلاط من صنهاجة وغيرهم.
صنهاجة:
صنهاجة بكسر الصاد وقد تضم. قال ابن خلدون:
"هم أكثر أهل المغرب لهذا العهد، لا يكاد قطر من أقطاره يخلو من بطن من بطونهم في جبل أو بسيط، حتى لقد زعم كثير من الناس أنهم الثلث من أمم البربر" اهـ.
وكانوا فيما بين زناتة وزواوة، وانحدرت منهم أمة إلى الجنوب في أزمنة قديمة، فكثروا بالصحراء جنوب المغرب حتى عمروا ما بين غدامس شرقًا ونول غربًا والسودان جنوبًا، وتشعبت بذلك صنهاجة إلى شعبين عظيمين بقي أحدهما بالجزائر واستوطن الآخر الصحراء، وهم الملثمون، واختلفت حياتهما باختلاف الموطن.
стр. 2641
فأما صنهاجة الجزائر فهم أهل مدر من مدنهم أشير والمدية ومليانة ومتيجة والجزائر، أسلموا لأول الفتح، ودان بالخارجية بعضهم من مجاوري زناتة، ثم فارقوها. قال ابن خلدون:
"ولصنهاجة ولاية لعلي بن أبي طالب، كما أن لمغراوة ولاية لعثمان بن عفان ﵄، إلا أنا لا نعرف سبب هذه الولاية ولا أصلها" اهـ.
وقدمنا البحث معه في ولاية مغراوة، ونرى أن ولاية صنهاجة لعلي سببها نزول أبنائه بينهم وكونهم آل البيت، وأما أخذهم بدعوة بني عبيد فإنما كان منافسة لزناتة الثائرة عليهم، على أن الإمارات العلوية كان سقوطها على أيديهم.
ومن بطونهم تلكاتة قوم زيري بن مناد، ومنهم فريق بجهات بجاية والمدية بفتحتين فكسرة فياء مشددة أهل المدية المعروفة إلى اليوم بهم، وبنو مزغنة أهل مدينة الجزائر، وبنو خليل ومتنان وبنو جعد وبطوية وبنو إيفاون.
وظهرت منهم دولتا بني باديس وبني حماد، ولحق بعض أبناء زيري المخالفون على إخوانهم بالأندلس، واستولوا على غرناطة حتى غلبهم عليها المرابطون، ثم غلب الموحدون صنهاجة على أمر المغرب، وغلبتهم بطون من هلال على مواطنهم فانحصروا بالجبال.
وأما صنهاجة اللثامية فمن أشهر قبائلهم لمتونة ومسوفة وقدالة، وهم أهل شعر ظواعن. قال البكري: "وجميع قبائل الصحراء يلتزمون النقاب لا تبدو منه إلا محاجر العينين ولا يفارقونه في حال من الأحوال، حتى أن الرجل لا يعرف وليه وحميمه إلا إذا تنقب، ولو زال قناع قتيل لم يعرف حتى يعاد عليه القناع، وطعامهم صفيف اللحم الجاف مطحونا ويصب عليه السمن أو الشحم المذاب، وشرابهم اللبن أغناهم عن الماء فلا يشربه أحدهم إلا شهر، وقوتهم مع ذلك مكينة وأبدانهم صحيحة" اهـ.
стр. 2642
وكانوا وثنيين، وأسلم بعضهم على يد عقبة بن نافع، ولم يعمهم الإسلام إلى القرن الثالث، ولكنه إسلام اسمي، ولم يأخذوا به حقيقة وعملا إلا في القرن الخامس على يد عبد الله بن ياسين الجزولي.
وكان منهم أمراء، ولهم في جهاد السودان مواقف، ثم ظهرت منهم دولة المرابطين دولة الدين والعدل، وذهبت على يد الموحدين، وبقايا الملثمين يعرفون اليوم بالتوارق، ومر علينا بالأغواط سنة ١٣٤٨ بعض رؤسائهم، فرأينا لثامهم على ما وصف به أسلافهم.
كُتامة وزواوة:
يميل ابن خلدون إلى أن زواوة بطن من كتامة، فرأينا جمعهما في فصل، فأما كتامة فشعب عظيم، كانوا من لدن الفتح معتزين بكثرتهم لا يسومهم الأمراء بهضيمة إلى أن ظهرت الرافضية بالمغرب، فدانوا بها، وملكوا المغرب باسم بني عبيد ثم مصر والشام واختطوا القاهرة، ولهم بها حارة مضافة إليهم ذكرها السخاوي في تحفة الأحباب، وظهر منهم أمراء عظام مثل حباسة بن يوسف أمير برقة وقائد الأساطيل العبيدية، والحسن بن أبي خنزير أمير صقلية، وماكنون بن ضبارة أمير طرابلس، وجعفر بن فلاح أمير الشام وفاتحه، وبني لقمان أمراء قابس وفي أحدهم يقول الشاعر:
لولا ابن لقمان حليف الندى … سل على قابس سيف الردى
ثم انتقل الأمر من أيديهم إلى صنهاجة، وجاء الهلاليون فساكنوهم في كثير من النواحي مثل عنابة وقالمة وجنوب قسنطينة، ففارقهم المُلك وأكلتهم الأوطان وبقيت منهم بقايا ذات سيادة بوطنها في العصر البربري، حتى استولت عليهم مصمودة والحفصيون، وانتقل بعضهم إلى المغرب الأقصى ونزل فريق منهم نواحي دلس من وطن زواوة.
стр. 2643
قال ابن خلدون: "وبقي في مواطنهم الأولى بجبل أوراس وجوانبه بقايا من قبائلهم على أسمائها وألقابها، وآخرون تغير لقبهم، وكلهم رعايا معبدون للمغارم إلا من اعتصم بقنة الجبل مثل بني زلدوي بجبلهم وأهل جبال جيجل" اهـ.
ومن بطونهم: كتامة سدويكش، وبنو تليلان، وبنو يستيتن، وهشتيوة، ومسالتة، وبنو قنسيلة في بطون كثيرة يجمعها جذمان هما غرسن ويسودة. وعد ابن خلدون من بطون يسودة فلاسة، ودنهاجة، ومتوسة، ووريسن، وعد من بطون غرسن مصالة، وقلدن، وماوطن، ومعاذ، ويناوة، وينطاسن، وإيان.
ومن يناوة لهيصة وجيملة ومسالتة، ومن ينطاسن لطاية وأجانه وغسمان وأوفاس، ومن إيان ملوسة، ومن ملوسة بنو زلدوي، ومن سدويكش كايازة وسقدال وبنو عياد وبنو سقين وسيلين وطرسون وطرغيان وموليت وبنو لماي وبنو زعلان والبويرة وبنو مروان ووارمكسن وأولاد سواق، ومن سواق أولاد علاوة وأولاد يوسف، ومن يوسف بنو محمد وبنو المهدي وبنو إبراهيم والعزيزيون نسبوا إلى أمهم تاعزيزت.
وسدويكش يكسبون الإبل والخيل والبقر، وينتقلون ببيوتهم في البسائط ما بين قسنطينة وبجاية، وينتسبون في سُلَيم من بطون مُضَر. ونقل ابن خلدون أنهم من كتامة، وأيدهم بكون موطنهم من مواطن كتامة، ويقويه عندي كون بعض بطونهم لم تزل لغتها حتى اليوم بربرية.
ولم يذكر ابن خلدون في بطون كتامة كثيرًا من البطون المعروفة اليوم بفرجيوة ولا ذكر من سكان الجبال بين السكيكدة وجيجل غير بني تليلان، وهناك من هم أكثر منهم مثل بني والبان وبني تفوت وبني خطاب وبني يدر، فإما أن تكون تلك البطون لا شأن لها لعهده، وإما أن يكون أهملها لقلة خسرته بتلك الجبال فإنه لم يحدثنا عنها لا بقليل ولا بكثير، واسم خطاب معروف منذ القرن الثالث؛ فقد ذكر اليعقوبي في مراسي ميلة قلعة خطاب، ويقول الشيخ عبد القادر
стр. 2644
الراشدي في رسالة له أن تفوت أصله تفورت حذفت راؤه، وهو محض غلط فإن تفورت فخذ من دمر إحدى بطون زناتة، ولم يدخل على كتامة في تلك الجبال غير العرب.
وأما زواوة فكانوا ممتنعين بجبالهم إلى أن أسس بنو حماد بجاية، فانقادوا لها. قال ابن خلدون: "واتصل إذعانهم إلى هذا العهد"، وكان لهم مرسى الدجاج قبل بجاية كعاصمة تجارية تأتيها القوافل برا وسفن الأندلسيين بحرا، وسيادتها في فراوسن وإيراتن بطنان فيما بين بجاية ودلس، ورئاسة إيراتن في بني عبد الصمد لم تزل فيهم لعهد ابن خلدون، وعلى حصانة موطنهم نفذ إليهم الهلاليون وغيروا من مراكز بطونهم بعض التغيير، وفيهم بيوتات من آل البيت، ومن بطون زواوة: بنو مجسطة، ومليكش، وبنو كوفي، ومشدالة، وبنو زريقف، وبنو قزيت، وكرسفينة، ووزلجة، وموجة، وزقلاوة، وبنو مرانة، وبنو جناد، وبنو واقنون، وفراوسن، وإيراتن، وأفليسن، واعزوزن. وقيل: إن مليكش من صنهاجة.
قال ابن خلدون: "ومن قبائلهم المشهورة لهذا العهد بنو يجر، وبنو منقلات، وبنو يترون، وبنو يني (وفي بعض النسخ بنو ماني)، وبنو يوغرادان، وبنو يتورغ، وبنو بو يوسف، وبنو عيسى، وبنو بو شعيب، وبنو صدقة، وبنو غبرين، وبنو كشطولة" اهـ.
وبنو غبرين كانوا بجبل الزان، وانتقلوا بعد ابن خلدون إلى جنوب تمقوت قاله بوليفة في كتابه "جرجرة" المؤلف بالفرنسية، وعليه اعتمدنا في تصحيح أعلام البطون المذكورة.
لواتة ونفزاوة:
لوا الأكبر بن زحيك بن مادغيس الأبتر له ولدان هما نفزاو ولوا الأصغر، فمن ولد نفزاو نفزاوة وإخوانهم بنو لوا الأصغر اختصوا باسم لواتة.
стр. 2645
فأما لواتة فكانوا ظواعن، ولهم في الخارجية مواقف وفي حرب بني عبيد مقامات، فأكلتهم الحروب، وأغرقهم سيل الهلاليين فلم يكن لهم في العصر البربري كبير ذكر.
ومن بطونهم صدراتة بنواحي بسكرة ومزاتة بنواحي باغاية وبلزمة وغيرهما. ومن مزاتة محيحة بحائين أو جيمين ودكمة في أفخاذ استوعبها ابن خلدون، ومنعني من نقلها ضعف الثقة برسمها، ويعرف باسم لواتة ثلاث فرق:
الأولى بأوراس: وهم بنو سعادة وبنو ريحان وبنو باديس، ويدهم هي العالية على من هناك من هوارة وكتامة. قال ابن خلدون: "تبلغ خيالتهم ألفا وتجاوز رجالاتهم العدة". ثم غلب عليهم الهلاليون، فصار بنو سعادة في أقطاع أولاد محمد من الذواودة ومن جملة رعاياهم، ودخل بنو ريحان وبنو باديس في طاعة ابن مزني (١) صاحب بسكرة، ولبني باديس أتاوة على بلد نقاوس يقتضونها إذا انحدر الأعراب إلى مشاتيهم، فإذا رجع الأعراب إلى مصايفهم انقبضوا إلى جبلهم.
الثانية قبيلة تاهرت ظواعن على وادي مينة يبلغون شرقًا إلى جبل يغود، يقال: إن بعض أمراء القيروان نقلهم معه في غزوة وأنزلهم هنالك، وكانت لهم حروب مع وجديجن وزناتة أزاحتهم عن موطنهم إلى جبل يغود وجبل دراق (بتشديد الراء) وانتشروا من هنالك إلى الجبال المطلة على متيجة. قال ابن خلدون: "وهم لهذا العهد في عداد القبائل الغارمة، وجبل دراق في إقطاع ولد يعقوب بن موسى مشيخة العطاف من زغبة" اهـ.
الثالثة بنواحي بجاية. قال ابن خلدون: "يتولون بسيط تاكرارت من أعمالها ويعتمرونها فدنا لمزارعهم ومسارح لأنعامهم، ومشيختهم لهذا العهد في ولد راجح ابن صواب منهم، وعليهم للسلطان جباية مفروضة وبعث مضروب" اهـ.
стр. 2646
وأما نفزاوة فكانوا أيضًا خوارج، وخضدت الدول شوكتهم، وزاحمهم الأعراب من بني سُلَيْم في موطنهم فافترقوا في القبائل، ولم يكن لهم في العصر البربري كبير شأن.
وأشهر مواطن نفزاوة جنوب قسنطينة غربي الجريد يتصلون بالرمال. قال اليعقوبي: "ولهم عدة مدن عظماها التي ينزلها العمال يقال لها بشرة" اهـ. ولهم بطون في جميع أقسام المغرب منها غساسة بنواحي مرسى مليلة وزاتيمة بساحل برشك وزهيلة بنواحي بادس منهم في عهد مشيخة ابن خلدون وأبو يعقوب البادسي المشتهر بالولاية وسوماتة بنواحي القيروان منهم منذر بن سعيد قاضي عبد الرحمن الناصر بقرطبة ومرنيسة لا يعرف لهم موطن، ومنهم أوزاع بين أحياء للعرب بإفريقيا، ومنها مجرة وورسيف ومكلاتة لا يعرف لهم موطن، ومنها ولهاصة وهي ذات أفخاذ منها ورفجومة وورتدين، ومن ورفجومة زكولة وزجالة.
وتعرف بولهاصة أمتان إحداهما بساحل تلمسان مجاورة لكومية اندرجت فيها، والأخرى ببسيط بونة استعربت في زيها ولغتها وسائر شعائر العرب، قال ابن خلدون: "وهي في عداد القبائل الغارمة، ورئاستهم في بني عريف منهم (وفي بعض نسخه عريض) وهي لهذا العهد في ولد حازم بن شداد بن حزام بن نصر بن مالك بن عريف (وفي بعض النسخ عريض أيضًا) وكانت قبلهم لعسكر بن بطان منهم" اهـ.
وورفجومة افترقوا بعد ركود ريح الخوارج أوزاعا في القبائل، وبقي من زجالة منهم فرق بمرماجنة وهنالك قرية ببسيطها تنسب إليهم، وكان منهم محمد بن سعيد الزجالي من كتاب بني أمية، وداعبه بعض الوزراء فأجابه بما أحفظه. فشكاه الوزير إلى الحاجب عيسى بن شهيد، فقال له الحاجب في ذلك. فأنشده:
وما الحر إلا من يدين بمثل ما … يدان ومن يخفي القبيح وينصف
همو شرعوا التعريض قذفا فعندما … تبعناهمو لاموا عليه وعنفوا
стр. 2647
بنو فاتن:
كان بنو فاتن منهم الظاعن الراحل والقاطن المقيم، ودانوا بالخارجية ثم فارقوها بعد ظهور الأدارسة لا سيما بعد سقوط الدولة الرستمية، ونزح كثير منهم إلى الأندلس، ولم يكن لهم كبير ذكر في العصر البربري ما عدا كومية من بطونهم، فقد ظهر منها عبد المؤمن بن علي مؤسس الدولة الموحدية المؤمنية دولة العلم والنظام.
وبطونهم هي: مطغرة، وكومية، ومديونة، ومغيلة، وملزوزة، وكشانة، ودونة، وصدينة، ومطماطة، ولماية. فأما مطغرة ويعرفون بالمداغر فجمهورهم بالمغرب الأقصى ويتصلون شرقًا بكومية واندمجوا فيها منذ شهور الدولة الموحدية. ومنهم جنوب تلمسان بفقيق أمة في قصور متقاربة ائتلف منها مصر كبير مستبحر بالعمران ضاح من ظل الملك، ورئاستهم في بني سيد الملك منهم، وفي شرقيها على مراحل منها قرى أخرى متتابعة متصاعدة قليلا إلى الشمال آخرها جنوب جبل راشد على مرحلة منه وهي في مجالات بني عامر من زغبة، وشرقي هذه القصور على خمس مراحل القليعة يعتمرها رهط منهم ومنهم أوزاع في أعمال المغرب الأوسط وإفريقيا.
وأما كومية فثلاث بطون هي: ندرومة وصغارة وبنو يلول، وأفخاذهم كثيرة منهم بنو عابد قوم عبد المؤمن بن علي. قال ابن خلدون: "فمن ندرومة نفوطة وحرسة وفردة وهفانة وفرانة؛ ومن بني يلول مسيفة ووتيوة وهييشة وهيوارة ووالغة؛ ومن صغارة ماتيلة وبنو حباسة" اهـ. ومواطنهم سيف البحر من ناحية أرشقول وتلمسان.
قال صاحب المعجب: "وكومية كثيرة العدد جمة الشعوب لم يكن لها في قديم الدهر ولا حديثه ذكر في رئاسة ولا حظ من نباهة، إنما كانوا أصحاب فلاحة
стр. 2648
ورعاة غنم وأصحاب أسواق يبيعون فيها اللبن والحطب وسوى ذلك من سقط المتاع، فأصبحوا اليوم بكون عبد المؤمن منهم وليس فوقهم أحد ببلاد المغرب" اهـ.
وكان الخليفة عبد المؤمن غريبًا بين قبائل المصامدة، فنقل من كومية إلى مراكش في دفعة واحدة أربعين ألف فارس. قال ابن خلدون: "وأكلت كومية الأقطار في تجهيز الكتائب وتوزع الممالك فانقرضوا، وبقي بمواطنهم الأولى بقايا منهم بنو عابد، وهم في عداد القبائل الغارمة" اهـ.
وأما مديونة فجمهورهم بنواحي تلمسان إلى جبل مديونة جنوب وجدة غربًا وجبل راشد شرقًا يظعنون في تلك الجهات، ويجاورهم شرقًا بنو يلومي الوارثون لموطن يفرن وغربًا مكناسة وشمالًا كومية وولهاصة. وانتقل جمع منهم إلى الأندلس ومن بقي تغلبت عليهم زناتة من بني راشد وتوجين. فانحصروا بجبل تسالة وغيره من المعاقل.
وأما مغيلة فأمتان إحداهما بالمغرب الأقصى، ومعهم صدينة، والأخرى على وادي شلف عند مصبه في البحر، ومعهم ملزوزة ودونة وكشانة. قال ابن خلدون: "ولم يبق من مغيلة بذلك الوطن جمع ولا حي".
وأما مطماطة فمنهم بإفريقيا وبالمغرب الأقصى، وجمهورهم بتلول منداس من نواحي تيهرت، ومن مشاهيرهم سابق بن سليمان المطماطي. قال ابن خلدون: "وهو كبير نسابة البربر ممن علمناه" وذكر لهم بطونا كثيرة منهم غرذاي.
ونقل أن منداس سمي بمن نزل به من بطون هوارة وتغلبت عليه مطماطة قال: "وبقية هؤلاء القوم لهذا العهد بجبل وارشنيس لحقوا به لما غلبهم بنو توجين من زناتة على منداس وصاروا في عداد القبائل الغارمة" اهـ. ووارشنيس هو وانشريس (١).
وأما لماية فظواعن بإفريقيا والمغرب، وجمهورهم بأرض السرسو شرقيهم
стр. 2649
وشمالهم مطماطة ومكناسة ولواتة وغربيهم زواغة، وانتشر عقدهم بسقوط الدولة الرستمية. قال ابن خلدون: "وبقيت فرق منهم أوزاعا في القبائل، ومنهم جربة الذين سميت بهم الجزيرة البحرية تجاه ساحل قابس" اهـ.
وقال أبو راس: "من لماية من فارق الخارجية كأهل فرندة والحوارث، وهم منتشرون بالمغرب الأوسط" اهـ.
هوارة:
كانوا منهم الظاعن والآهل، ولهم في الردة آثار ثم في الخارجية مواقف. وأجاز جمع عظيم منهم إلى الأندلس، ومن بقي على كثرتهم أخضعتهم الدول لسلطانها فتفرقوا في الجهات، ولم يكن لهم كبير شأن في العصر البربري.
وبطونهم كثيرة منها ونيفن بنواحي تبسَّة، وبنو كملان كانوا حيث المسيلة ونقلهم القائم العبيدي إلى فج القيروان فلما كانت ثورة صاحب الحمار آزروه، فسطا بهم المنصور بن القائم حتى قطع ذكرهم، ومنها مليلة ولعل عين مليلة القرية الموجودة اليوم جنوب قسنطينة سميت بهم، ومنها هقار بالصحراء جوار لمطة من الملثمين.
وكان جمهورهم بطرابلس وبرقة. قال ابن خلدون: "ومن قبائلهم أمم كثيرة في مواطن من أعماله تعرف بهم وظواعن شاوية تنتجع لمسرحها في نواحيها، وقد صاروا عبيدا للمغارم في كل ناحية، وذهب ما كان لهم من الاعتزاز والمنعة أيام الفتوحات بسبب الكثرة، وصاروا إلى الافتراق في الأودية بسبب القلة" اهـ.
وأشهر مواطنهم بالجزائر ثلاثة: الأول القلعة المطلة على البطحاء من نواحي سيق غربي نهر مينة ملكوها بعد انقراض أمر بني يلومي، ومن بطونهم هناك مسراتة وكانت رئاستهم في بني عبد العزيز، ثم انتقلت إلى بني عمهم بني إسحاق.
الثاني أوراس، وهم تحت سيادة لواتة.
стр. 2650
الثالث نواحي تبسَّة إلى باجة. وقد بسط ابن خلدون الكلام عن أهل هذه النواحي فهاك عبارته:
"ومن هوارة بأرض التلول من إفريقية ما بين تبسَّة إلى مرماجنة إلى باجة ظواعن صاروا في عداد الناجعة من عرب بني سُلَيْم في اللغة والزي وسكنى الخيام وركوب الخيل وكسب الإبل وممارسة الحروب وإيلاف الرحلتين في الشتاء والصيف في تلولهم، وقد نسوا رطانة البربر، واستبدلوا منها فصاحة العرب، فلا يكاد يفرق بينهم، فأولهم مما يلي تبسَّة قبيلة ونيفن، ورئاستهم لهذا العهد في ولد بعرة بن حناش بن ونيفن لأولاد سليم بن عبد الواحد بن عسكر بن محمد بن بعرة، ثم لأولاد زيتون بن محمد بن بعرة ولأولا حمان بن فلان بن بعرة، وكانت الرئاسة قبلهم لسارية من بطون ونيفن، ومواطنهم ببسائط مرماجنة وتبسَّة وما إليهما، وتليهم قبيلة أخرى في الجانب الشرقي منهم، يعرفون بقيصر، ورئاستهم في بيت بني مؤمن ما بين ولد زعزاع وولد حركات، ومواطنهم بفحص أبة وما إليها من نواحي الأربس، وتليهم إلى جانب الشرق قبيلة أخرى منهم يعرفون ببصوة، ورئاستهم في بيت الرمامنة لولد سليمان بن جامع منهم، ويرادفهم في رئاسة بصوة قبيلة ورمانة ومواطنهم ما بين تبرسق إلى حامة إلى جبل الزنجار الإطار على ساحل تونس وبسائطها، ويجاورهم متساحلين إلى ضواحي باجة قبيلة أخرى من هوارة يعرفون ببني سليم، ومعهم بطن من عرب مضر من هُذَيْل بن مدركة بن إلياس جاءوا من مواطنهم بالحجاز مع الهلاليين عند دخولهم المغرب واختلطوا في هذه الناحية بهوارة، ومعهم أيضًا بطن من رياح ينتمون إلى عتبة بن مالك بن رياح، ومعهم أيضًا بنو حبيب من مرداس بني سُلَيْم، والجميع مثل هوارة في الظعن والمغرم".
"هؤلاء الظواعن من هوارة وغيرهم أهل بقر وشاء وخيل ولسلطان إفريقيا عليهم وظائف من المغرم مقرر وبعث من العسكر مفروض يحضر بمعسكر السلطان
стр. 2651
متى استنفروا لذلك ولرؤسائهم إزاء ذلك إقطاعات ومكان في الدول بين رجالات البدو" اهـ بتصرف قليل.
مصمودة وبقية القبائل:
١ - أوربة، كانوا ذوي كثرة وأولي قوة، ومنهم لأول الفتح كسيلة أميرهم وبعد الفتح استقروا بالمغرب الأقصى، وكانت منهم في القرن الثالث طائفة حول نقاوس ذكرها اليعقوبي.
٢ - لمطة، هم إخوة صنهاجة، وجمهورهم بالصحراء، ومنهم قبيلة بين تلمسان وإفريقيا.
٣ - عجيسة، من بطونهم بنو عوسجة، وكانوا مجاورين لصنهاجة، ومن سهولهم فحص عجيسة قرب مدينة الغدير، ومن حصونهم جبل كيانة، وكانت لهم يد في نصرة صاحب الحمار، ثم خضعوا لبني عبيد، وأسس حماد بن بلقين مدينة القلعة بجبل كيانة، فراموا كيدها مرارًا، فاستلحمتهم الدولة، ثم ورثت مواطنهم عياض، فتفرقوا في القبائل شرقًا وغربًا، قال ابن خلدون:
"وبقاياهم لهذا العهد في ضواحي تدلس والجبال المطلة على المسيلة" اهـ.
٤ - ازداجة، من النسابين من يعدهم في قبائل زناتة، ومن بطونهم بنو مسقن، وموطنهم نواحي وهران، وكان لهم اعتزاز على الدول حتى اختلفت عليهم جنود العبيديين والأمويين، وأوقع بهم يعلي بن محمد اليفرني سنة ٣٤٣ هـ ففرق جمعهم ولحق رؤساؤهم بالأندلس، ومن بقي منهم استكان للذل وأداء المغرم.
٥ - مسطاسة، قيل إنهم إخوة ازداجة وقيل بطن منهم، وكانوا مندرجين معهم في الموطن، ومن رؤسائهم من أجاز إلى الأندلس، وحال من بقي كحال ازداجة.
стр. 2652
٦ - زواغة، من بطونهم بنو واطيل ودمر أهل جبل دمر الممتد جنوب قابس إلى أن يتصل شرقًا بجبل نفوسة، ومن دمر فخذ سمكان وهم أوزاع في القبائل، منهم قرب ميلة فريق يعرفون بزواغة، وبنو واطيل كانوا بنواحي شلف، ومن زواغة من كانوا غربي السرسو. قال ابن خلدون: "ولم يتأد إلينا من أخبار زواغة وتصاريف أحوالهم ما نعمل فيه الأقلام" اهـ.
٧ - مكناسة، كان لهم في الخارجية قدم، وضربت في الرافضية الإسماعيلية بسهم، ثم قامت بدعوة بني أمية على عهد عبد الرحمن الناصر وكان كبيرها موسى بن أبي العافية، ولبنيه بتسول ونواحي فاس ملك أدركهم عليه المرابطون.
وبطونهم كثيرة، ومواطن جمهورهم بتسول وتازا ووادي ملوية من مصبه في البحر إلى سجلماسة، ومنهم أمة حوالي تيهرت بينها وبين غليزان، قال ابن خلدون: "ومن مكناسة أوزاع في القبائل لهذا العهد مفرقون في نواحي إفريقيا والمغرب الأوسط" اهـ.
٨ - مصمودة، ذكر البكري منهم أمة حول بونة، وموطنهم بالمغرب الأقصى في جبل درن تجاورهم صنهاجة اللثامية جنوبًا إلى بلاد السوس، وبطونهم هنالك كثيرة لا تحصى منها هرغة وهنتانة وتينيل وقنفيسة وقدميرة ودكالة وهسكورة.
قال ابن خلدون: "يسير الراكب في جبل درن معترضا من تامسنا وسواحل مراكش إلى بلاد السوس ودرعة من القبلة، ثماني مراحل وأزيد، تفجرت فيها الأنهار وجلل الأرض خمر الشعراء، وتكاثفت بينها ظلال الأدواح وركت مواد الزرع والضرع، وانفسحت مسارح الحيوان ومراتع الصيد، وطابت منابت الشجر، ودرت أفاويق الجباية" اهـ.
وقال صاحب المعجب: "ومصمودة مطبوعون على سفك الدماء شاهدت من ذلك أيام كوني بسوس ما قضيت به العجب" اهـ.
стр. 2653
وكان منهم قبل الإسلام أمراء، وأسلموا لأول الفتح، ولهم مع جيرانهم الملثمين حروب وفتن، ولم يزالوا في حدود وطنهم حتى ظهرت منهم دولة الموحدين وفازت منهم هنتاتة بحظ عظيم من الملك على يد أبنائها الحفصيين، فتفرقوا لذلك في ممالكهم، ومنهم أولاد نعمون الذين لم يزل عقبهم بقسنطينة.
ولم تكن مصمودة لتستغل ما وهبها الله من كثرة عدد وخصب موطن ومناعة موقع، لولا أن قبض الله لها من أبنائها محمد بن تومرت، ذلك الرجل الذي كلما أمعن المفكر النظر في حياته ازداد إيمانا بالطفرة واستيقن أن من يبني حياة أمته على قاعدتها هو العظيم الخارق للعادة، وأن من يبني حياة الأمم على قاعدة التدرج وفاقًا لمبدأ النشوء والارتقاء فإنما هو من العظماء العاديين.
стр. 2654
الطوارق بربر جنوب الجزائر
قال إسماعيل العربي عن الطوارق:
على الرغم من أن الطوارق يتمتعون بخصائص أصيلة تميزهم عن جميع القبائل الصحراوية، فهم يشتركون في بعض السمات مع جيرانهم التيدة، وهم مثل التيدة، يرتدون لباسا من القطن ويحملون اللثام الذي اشتهروا والذي اتخذوه إشارة ورمزا لهم منذ أقدم العصور. وهذا التشابه في العادات هو الذي جعل فليكس جوتيه يعتقد أن الطوارق الأوائل استولوا على الأراضي التي كانوا يحتلونها واغتصبوها من قوم لهم شكل زنجي عام من أقارب التيدة، ولكن هذا الرأي كان ولا يزال مجرد فرض وحتى لو كان صحيحًا فهو لا يلقي ضوءا على أصل الطوارق، حيث إن أصل التبو (التيدة) لا يزال مجهولًا لدينا، فلا نعرف ما إذا كانوا من الزنوج أو هم ينتمون إلى قبائل الشمال.
واللثام الذي يحمله الطوارق، على عكس الاعتقاد السائد، ليس بلباس وقائي ضد رياح الصحراء وزوابعها الرملية (ولو كانت له هذه المزية لسارعت جميع قبائل الصحراء إلى تبنيه منذ أجيال طويلة)، ولكنه عادة عريقة حيث كان قدماء الطوارق يحملونه لوقاية الفم والمناخر، وبالتالي، مداخل الجسم من تسرب الأرواح الخبيثة إليه.
وقبيل الطوارق ينقسم إلى ثلاثة فروع أساسية: طوارق تاسيلي ناجَّار وأهجار، وأدرار نيفوغاس، وهي موزعة على هذا الترتيب من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي، ولكن معظم الطوارق الذين يقدر عدد مجموعتهم بنحو ١٤٠ ألف نسمة موزعون في مناطق أخرى غير هذه، ولا سيما في آبر وشمال السودان وشرقيه، على أن أهجار هي مركز القبيل، وهي المعقل الذي استعصى على النفوذ الأجنبي من جميع الأنواع وفي جميع الأوقات.
والأراضي التي كان يعيش فيها الطوارق وينتجعون الكلأ قديمًا أراضي شاسعة تمتد على وجه التقريب حتى شمال ورقلة وحتى القطرون شرقًا، ووراء
стр. 2655
خط يسير من "أولف" إلى تمبكتو غربًا، وجنوبا حتى منعطف نهر النيجر وحدود نيجيريا الشمالية، ولكنه في غضون القرون الأخيرة تقلصت هذه الرقعة تدريجيًا لعدة عوامل أهمها الضغط الذي مارسه العرب عبر القرون من الشرق والشمال، ثم توغل الاستعمار الفرنسي والإيطالي في الصحراء في الأزمنة الحديثة.
ونتيجة لتقلص هذا المجال الحيوي، اتجه الطوارق تدريجيًا إلى الهجرة إلى أدرار نيفوغاس والي آير والسودان، على أن ظروف القحط وغيرها كثيرًا ما كانت دافعًا للانتقال بعيدًا عن الرقعة التي تعيش فيها قبيلة من قبائل الطوارق.
وقد حدث عقب الثورة التي قام بها الطوارق في الفترة ١٩١٦ - ١٩١٨، أن هاجرت جموع كبيرة من آير إلى نيجيريا التي كانت تحت الحكم البريطاني، كما غادرت جماعات كبيرة من قبيلة "طايطوق" منازلها في غرب أهجار لتستقر في المناطق الواقعة غربي أجاديس.
ولكن التحركات الأولى الهامة التي عرفها الطوارق ترجع إلى القرن الثامن الميلادي (الثاني الهجري) عندما أحس هذا القبيل بآثار الغزو العربي.
وأهجار الطوارق تشمل مساحته على وجه التقريب المنطقة التي تمتد بين أمجيد وجزام وجنت واوالَّن، على نحو ١٤٠،٠٠٠ ميل مربع، والإحصاءات التي تتعلق بالرحل قلما تكون دقيقة، وهي على العموم مجرد تقديرات.
والتقديرات الحديثة لسكان هذه المنطقة هي كما يلي: ٤٤٠٠ من الطوارق ونحو ٤٠٠٠ من الزنوج وذلك بالإضافة إلى ٣٥٠٠ من الحراثين المستقرين وعدد صغير من العرب الذين يعملون في التجارة.
والطوارق ينقسمون إلى عدد من القبائل، وكل قبيلة تنقسم إلى أفخاذ وعشائر، ولكن الرحَّل منهم ينقسمون اجتماعيا إلى أسياد نبلاء وأتباع وعبيد من الزنوج، وصفة النبل تتحلى بها العشيرة كلها، وأما الفرد فهو إنما يكتسبها بالانتماء.
وطوارق أهجَّار يتكونون من ثلاث قبائل، وهي "كل رولة" و"تيغيه ملَّت" و"طيطوق"، وعلى رأس كل واحدة منها عشيرة نبيلة تحمل اسمها، وبما أن
стр. 2656
العشيرة النبيلة تفضل جميع عشائر القبيلة، فإن رئيس العشيرة النبيلة هو بالضرورة رئيس القبيلة، والعشائر النبيلة واتباعها مصنفة على الترتيب المقدم، وهكذا، فإن رئيس "كل رولة" هو رئيس قبيلته، وهو في نفس الوقت، (أمنوكل) رئيس قبائل أهجار.
ورئيس العشيرة الأولى يختاره مجلس يتكون من رؤساء أسر العشيرة، ولكن هذا الاختيار لكي يصبح نافذا يقتضي الأمر أن يؤكده مجلس للقبيلة يتكون من رؤساء العشائر من الذكور يمثل القبيلة كلها، والأمر كذلك بالنسبة إلى اختيار (أمنوكل) الذي يجب أن يصدق عليه رؤساء العشائر في القبائل كلها، والرئاسة من ناحية الأم وليس من ناحية الأب.
ومركز العشيرة في القبيلة عائم نوعا ما، فإن عشيرة ما تستطيع في أوقات الشدة أن تنطوي تحت علم قبيلة تضمن لها حماية أقوى مما تقدمه لها قبيلتها، وقد كانت عشائر الأتباع في الماضي تغير ولاءها كثيرًا وتتردد بين قبيلة وأخرى.
والزواج يقع عادة - وليس دائمًا - في داخل العشيرة وفي الدرجة الثانية من القرابة، وطفل الطوارق يرث الجاه والثروة عن طريق الأم، وذلك بغض النظر عما إذا كانت تنتمي إلى عشيرة أبيه أم لا، ولكن الميراث في الطوارق يجري حسب القواعد المتبعة في الشريعة الإسلامية (للذكر مثل حظ الأنثيين).
وأطفال الطوارق يعيشون وتجري تربيتهم في حضن العشيرة التي اختار الأبوان الانتماء إليها بصفة دائمة. والأرملة وأطفالها غير المتزوجين كثيرًا ما يعيشون في كنف خالهم، ومتى كان أحدهم متزوجا عاشت أمه وإخوته معه.
واحتفاظ الرجل بزوجة واحدة في وقت واحد هو القاعدة بين الطوارق، والطلاق قد يقع ولكن الناس هناك يعتبرونه أبغض الحلال عند الله، وعلى عكس ما زعمه بعض الكُتَّاب، مثل "بلا نجرنون"، فإن الزنى بين الطوارق في رأي الباحثين ليس أكثر شيوعا منه لدي غيرهم من الشعوب الإفريقية، التي يفترق فيها الزوجان مدة قد تصل إلى بضعة أشهر، وما ردده بعض الكُتَّاب الأوروبيين من القول بأن المرأة الطوارقية في الهجار تهب نفسها للضيوف والأصدقاء فهو قول لا أساس له من الصحة، وهو من الأساطير الكثيرة التي سجلها بعض السياح الذين
стр. 2657
كانوا تحت تأثير الاعتقاد بأنهم وحدهم الذين عرفوا الهجار وكتبوا عنه، ونحن ندرك مدى بعد هذه الأقوال عن الحقيقة إذا عرفنا أن العرف المعمول به بين الطوارق يسمح للرجل الذي خانته زوجته بقتلها هي وصاحبها.
والعرف والتقاليد تمنح العروس الحق بأن تحتفظ لنفسها بكل ما تملكه، بما في ذلك الماشية، وذلك في الوقت الذي يتولى فيه الرجل جميع النفقات المنزلية وتكاليف حفلة الزواج من جيبه الشخصي، على أن المرأة تستطيع المساهمة في هذه التكاليف والنفقات إن شاءت ذلك، وهذا كله يتفق مع أحكام الشريعة السمحاء.
والمرأة الطوارقية تعامل بكثير من الاحترام والتبجيل ولو أنها لا تتحمل أية مسؤولية اجتماعية خارج حدود منزلها.
يعتبر العرف الزعيم "أمنوكل" في الهجار هو مالك الأرض، وبهذه الصفة يعطي للعشائر أراضي محددة لاستغلالها ولا يحق لغير صاحب الحق الدخول إليها إلا بإذن الأمنوكل، وذلك فيما عدا العشائر النبيلة التي تتمتع بالحرية في الرعي في أية أرض تشاء. وكثير من الطوارق يملكون بساتين النخيل وحدائق وأشجار الفواكه في المناطق الزراعية، وبعضهم يملك أيضًا حقوقا للصيد في مناطق معينة.
وكما هي الحالة عند التيدة، فإن الذين يحرثون الأرض ويعنون بالبساتين وجني الغلال في أوقات نضجها، هم الحراثون (من السود) أو الخمَّاسون، وأما الطارقي الذي يعتز بنفسه فيرى أن العمل الزراعي مشين ولا يتنازل لممارسته.
والعشائر غير النبيلة تدفع ضريبة سنوية لزعيم القبيل أمنوكل أو لرئيس قبيلتها أو لكليهما، والضريبة تدفع عينا في شكل أكيال من التمر والذرة واللحم المجفف والزبدة والمهارى (١) ورءوس الغنم والماعز والمنتجات المصنوعة، وكذلك تدفع العشيرة جزءًا من المنتجات المستوردة، كما تقدم نصيبًا من الأرباح التي تحققها في تجارة القوافل للأمنوكل، وذلك في مقابل الحماية التي يقدمها لأتباعه وسهره على شؤون الأمن والنظام.
стр. 2658
يعيش شعب الطوارق مثل جميع القبائل الرُحَّل، على الماشية التي تعيش بدورها في المراعي، والمراعي نوعان في بلاد الطوارق: ذات العشب الضعيف والمائل إلى الصفرة والشجيرات والحسك المنتشرة بصورة غير منتظمة هنا وهناك، ولا سيما في قيعان الأودية، والنوع الثاني يتمثل في العشب الأخضر والكثيف الذي ينبت وينمو وقتا قصيرا في مناطق معينة عقب سقوط الأمطار.
والمراعي في الهجار قليلة وموزعة في مناطق متباعدة في صحراء أهجار، ولهذا يحتاج الرحل من الطوارق إلى التنقل الكثير لإرضاء حاجة مواشيهم إلى العشب الطري، حيث إن المراعي التي تقع حول المخيم لا تلبث أن ينفذ ما فيها من الكلأ، ويزيد من وطأة الحاجة الدائمة إلى التنقل ندرة مواقع المياه والآبار، فإنه كثيرًا ما يحدث أن يعثر الرُحَّل على مرعى خصيب العشب ولكنهم لا يستطيعون استغلاله إلا يومًا أو يومين بسبب بعده عن موقع الماء.
وهذه المجموعة من الاعتبارات هي التي فرضت على طوارق الهجار ضرورة انقسام القبائل إلى مخيمات صغيرة سريعة التنقل تتكون من جزء صغير من عشيرة، وفي بعض الأحيان من أسرة واحدة، تنتقل من مرعى إلى آخر كل فترة تتراوح بين أسبوع أو شهر، وهذا التنقل كثيرًا ما يكون لمسافة طويلة، ولو أنه لا يخرج من نطاق حدود أراضي القبيلة.
وبمجرد ما تحط الرحال وتقام الخيام يأخذ الرجال في استغلال المرعى قبل أن يشرعوا في استكشاف المناطق المجاورة بحثًا عن مرعى جديد وموقع جديد للمخيم، وهكذا طوال السنة.
والذين يقومون بقيادة المخيم بين الطوارق الرُحَّل، هم نبلاء القبيلة ورؤساء العشائر التابعة لها، وهم الذين يتولون عملية البحث عن مراعي جديدة كما يقومون في نفس الوقت بدور الحراس والمدافعين عن المخيم ضد غارات الأعداء ويتربصون بالقوافل التي يمكنهم الغارة عليها وسلبها.
وأما رجال العشائر التابعة، فإن دورهم ينحصر في الأعمال اليومية وفي رعي المواشي، في الوقت الذي يشكلون فيه احتياطًا مسلحًا حينما تدعو الحاجة إلى ذلك أي متى توقعت معركة كبيرة، وأما العبيد فيقومون بالخدمة في داخل المخيم.
стр. 2659
وهكذا نجد أن توزيع الاختصاص والعمل الاقتصادي، توزيع محكم في قبائل الطوارق في الهجار، وطبقة النبلاء والرؤساء الذين تقع عليهم المسؤولية في الدفاع عن القبيلة والهجوم في الغارات طبقة أساسية خلقتها ظروف حياة الرحَّل في مناطق تمثل القوة فيها أساس الحق والقانون، وهذا التنظيم الذي فرضته اعتبارات تتصل بالحياة اليومية، لا توجد صلة شبه بينه وبين نظام الإقطاع الذي كان يقف على قمته النبلاء في أوروبا في العصور الوسطى، والذين حاولوا المقارنة بين النظامين إنما كانوا يعتبرون ظواهر التقسيم الطبقي وليس حقيقته وطبيعة الدوافع إليه، والنظام السائد في الطوارق نظام ديمقراطي من حيث إن رئيس القبيلة وأمنوكل نفسه، إنما يتم اختياره بطريق انتخاب حر يشترك فيه ممثلو العشائر التابعة ورؤساء القبائل على قدم المساواة مع رؤساء العشائر النبيلة، وهؤلاء يستطيعون خلع الرئيس - على الأقل نظريًا، بنفس الطرق السلمية التي ينصِّبونه بها. وبالتالي، فإنه من الممكن القول بأن نظام الحكومة الذي يسير عليه طوارق الهجار نظام جمهوري ديمقراطي وليس بأرستقراطي عسكري.
وقطعان الجمال والغنم والماعز تمثل مجموع رأس المال الذي يملكه شعب الطوارق مجمل استثماراته، وبالتالي فهي تشكل أساس الاقتصاد القومي في الهجار، والثروة الحيوانية في الهجار قدرت بأرقام تختلف باختلاف العصور التي تناول فيها الباحثون هذا الموضوع، ولكنه يبدو أن الأرقام التالية مطابقة للواقع في السنوات الأخيرة (في السبعينيات) ولو أنها أرقام تقريبية: ١٢٠٠٠ رأس من الجمال، ٢٠٠٠ رأس من الغنم، ٢٠،٠٠٠ رأس من الماعز، ٥٠٠٠ حمار، نحو ٣٠٠ رأس من البقر.
وهكذا نرى أن هذه الثروة الحيوانية متواضعة، ولا سيما إذا اعتبرنا أن الحمير غير منتجة ولا تصلح إلا لحمل الأثقال، وعدد ما يملكه طوارق الهجار من البقر ليس له أية أهمية تذكر، ومجموع المال المحتفظ بها في الهجار لا يتجاوز ٤٥٠٠ جملا، والباقي تخرج للرعي مع الرُحَّل في منطقة تامسنا وعلى أطراف السودان، في منتصف المسافة بين آير ومنعطف نهر النيجر، وكذلك تخرج معظم القطعان للرعي خارج منطقة الهجار، ولا سيما في أراضي تين زواتنة التي تمتد في الجنوب الغربي للهجار، وفي شمال شرق تامسنا
стр. 2660
والطوارق يعنون بتربية جمال الركوب عناية خاصة ويبذلون كثيرًا من الجهد لإعداد الجمل لمهمته منذ السنة من عمره ويخُصى الذكر في سن الخامسة.
وإذا كانت الثروة الحيوانية والبساتين تشكل القاعدة الأولى لاقتصاد طوارق الهجار، فإن التجارة لها مكانتها أيضًا في هذا النظام، والمادة الأولى في هذه التجارة هي الملح الذي سبق أن لاحظنا أنه يشكل حجر الزاوية، بل والعملة الصعبة أيضًا، للتبادل التجاري في الصحراء الكبرى كلها.
ففي شهر أبريل أو مايو يرسل بعض الطوارق خدمهم من السود للعمل في منجم "امدرور" لاستخراج الملح لمدة أسبوعين أو ثلاثة، وفي شهر يوليو ينقلون شحنات من الملح على ظهور الجمال ويمرون بمراعي تامسنا حيث يتيحون فرصة من الراحة لجمالهم، وبعد ذلك يبدلون بعضها بجمال أكثر حيوية وأشد قوة ويمضون بها في اتجاه المراكز التجارية الواقعة على الحدود الشمالية للنيجر، وهناك تجرى المعاملات التجارية لمدة نحو شهرين بالملح الذي يبادله الطوارق بالتمور والحمير والجمال والذرة وغير ذلك من منتجات الشمال والمنتجات المصنعة المستوردة، مثل ملابس القطن والأحذية والأواني المنزلية والآلات المصنوعة من الصلب والحديد والأسلحة والذخيرة.
وفي شهر يناير يعود طوارق الهجار إلى الشمال ويستريحون بعض الوقت مرة أخرى في تامسنا، قبل أن يواصلوا سفرهم إلى بلدهم حيث يصلون في شهر مارس، أو أوائل أبريل.
والرحلة التجارية الأخرى التي يقوم بها الطوارق هي التي تتجه فيها القوافل إلى أسواق "تيدكلت" و"توات"، وهي تبدأ من الهجار في شهر يناير أو أوائل فبراير وتنتهي في شهر أبريل. وفي هذه الأسواق يبيع الطوارق الجمال والغنم والماعز والحمير ومنتجات الألبان، مثل السمن، ويشترون في مقابلها التمر والملابس القطنية وأغطية الصوف التي تُصنع في القرارة، والشاي والسكر.
على أن هذه الأسواق قد تقلصت كثيرًا في غضون الثلاثين سنة الماضية بسبب تدخل الوسطاء المجهزين بالشاحنات والذين استولوا على عمليات نقل هذه
стр. 2661
البضائع التي كانت القوافل تحملها من الشمال، وهذه التجارة لا تزال موجودة ولكنها تجري بصفة غير مباشرة وأصبحت تجارة داخلية في الهجار.
كان الملح والتمور يجري تبادلها في العصور الماضية في البلدان الواقعة على منعطف النيجر بالجمال والغنم والذرة والأرز، كما كانت الجمال وجلود الماعز تباع في غدامس في مقابل السيوف والثياب المطرزة والتمور والشاي والسكر، وهذا المركز التجاري العريق "غدامس" لا يزال حتى الآن مهما لإنتاج الأدوات والأواني المعدنية والسيوف وللتجارة فيها.
وإلى جانب تجارة القوافل يمارس الطوارق نشاط مراقبة القوافل في الأراضي الواسعة التي تخضع لسيطرتهم، فقد ذكر المستكشف الألماني بارث منذ نحو قرن أن أمنوكل الهجار، "جيمانا" كان يسيطر على جميع النشاط التجاري الذي يجري عن طريق القوافل بين مرزق وتمبكتو، وهذه الحالة ربما كانت ترجع إلى عدة قرون قبل ذلك التاريخ، والمعروف على أي حال، أن طوارق الهجار كانوا يسيطرون على طرق التجارة في المنطقة التي تمتد بين "أوادان" وجنوبه حتى شمال نيجيريا وذلك على الأقل، منذ أوائل القرن الخامس عشر الميلادي.
كان الطوارق الذين يسيطرون على طرق التجارة في المناطق الجنوبية الغربية يمدون القوافل التي تمر بهذه الأراضي بأدلاء ومرشدين مسلحين لحمايتها، وفي مقابل خدمات الحماية يفرضون إتاوة تقدر قيمتها على أساس قيمة البضائع التي تنقلها القافلة وعلى أساس ثروة مسيِّرها، على أن أصحاب القوافل كانوا كثيرًا ما يرفضون الرضوخ لتقديرات الطوارق، كما أن بعض القوافل تصطحب معها في بعض الأحيان مرشدين وحراسا مسلحين، وفي هذه الحالة تسير القافلة بدون حماية. ولكن الطوارق يتعرضون لها في معظم الحالات ليثبتوا سلطانهم في أراضيهم، وحتى يتخذوا من القافلة الممتنعة موعظة ودرسا لغيرها، وهكذا كان الطوارق، مثل عرب الشعانبة، جيرانهم في الشمال، يفرضون سلطانهم على حركات التبادل التجاري في الصحراء الجنوبية الغربية قرونا عديدة، ومثل غيرهم من القبائل الصحراوية القوية، كان الطوارق يمارسون نشاطًا آخر مربحا من الناحية الاقتصادية، وذلك هو نشاط الغارة على القبائل الأخرى، إما لغرض السلب
стр. 2662
والنهب وإما بسبب الأحقاد بين القبائل وطلب الثأر، وهذه الغارات كثيرًا ما تتخذ شكل هجمة ليلية مفاجئة بها جماعة صغيرة من الرجال تستولي على ما أمكنها الاستيلاء عليه من الماشية ثم تختفي في الطبيعة الصحراوية ولا سبيل إلى تعقب أثرها، وعبيد الطوارق كانوا هم أيضًا يقومون بغارات على القرى السود التي تقع في أطراف الصحراء ويعودون بسبي يعزز ما يملكه المخيم من اليد العاملة، على أن هذه الغارات اختفت في العصور الحديثة نتيجة لتحريم الاسترقاق، كما اختفى المورد الذي يجنيه الطوارق من حماية القوافل ومن تسيير القوافل، عقب حلول السيارة الشاحنة محل الجمل في نقل البضائع عبر الصحراء، وهذه التطورات كان لها أثر قوي، ولوحظ منذ أواخر القرن الماضي في تدهور الاقتصاد الصحراوي في الهجار - ذلك الاقتصاد الذي لم يكن يتسم بالقوة على كل حال، في أي عصر في تاريخ هذا الشعب الذي ظل القرون تلو القرون متمسكا بنمطه الثقافي الخاص وبطريقة معيشته التي لا يرضى بها بديلًا.
وهذا النمط الثقافي سوف يفتض الاستعمار الفرنسي أسراره ويوقف نموه الطبيعي بعدما بسط سيطرته على الهجار عقب المعركة التي وقعت في واحة "تيت" الصغيرة بين جيش فرنسي بقيادة الملازم "كونتنست" والطوارق في ٧ مايو ١٩٠٢ م، والتي أبدى فيها رجال الهجار ضروبا من الشجاعة والبطولة لا تقل عما أبدوه في معارك سابقة، ولا سيما في الموقعة التي تحمل اسم "فلاتر" والتي سبق الحديث عنها، فقد أصبحت طريق الهجار بعد ذلك مفتوحة أمام رجال الإدارة العسكرية الفرنسية وأمام أنماط الثقافة الاستعمارية، وخصوصًا أمام أفواج المبشرين بتوجيه شيخهم، شارل دوفوكول، بحماية حراب "لابيرين".
والطوارق الرحل يعيشون في خيام خاصة تصنع عادة من جلود الماعز، وأحيانًا من جلود الغنم أو العجول، ولكن النبلاء يتخذون لأنفسهم خياما من جلد الموفلون الذي يعتبر الكلمة الأخيرة في البذخ والأناقة، والجلد يدبغ ويجهز بصفة خاصة ويكون ناعم الملمس وذا لون يميل إلى الحمرة، وبعد إعداده يقطع إلى قطع متلائمة ثم تخاط كل قطعة بأخرى بعناية بخيط من الجلد نفسه، وعدد القطع الضرورية لصنع خيمة يتراوح بين ٣٠، ١٥٠ قطعة وذلك حسب كبر حجم الخيمة
стр. 2663
وصغره والخيمة المتوسطة المنتهية الصنع تزن عادة ما يتراوح بين ٢٥، ٣٠ كيلو جراما، ومتى انتهي من صنع الخيمة ركبت على أعمدة عمودية أفقية من الخشب.
وأثاث الخيمة يتكون من جلود الغنم المصنوعة ومن السجاد الذي يستورد من الشمال وأكياس الجلد التي تودع فيها المواد الغذائية والأمتعة الشخصية والسروج والأسلحة والأواني المصنوعة من الخشب ومن النحاس والفخار، ومن المقاعد ذات الأشكال المختلفة، والأسلحة والمواد الغذائية تودع في جناح الرجال من الخيمة، وأما الأدوات التي تستعمل للطهي فهي توضع في الجناح المخصص للنساء، وأما القربة التي تحتوي على الماء فإنها تعلق على عمودين من الخشب عند مدخل الخيمة.
ويحاط فناء الخيمة بسياج لرد الريح كما يحاط المطبخ الذي يوجد في الفناء بسياج لنفس الغرض، وعلى بعد نحو ٨٠ مترًا من الخيمة تقام خيمة أخرى للعبيد والخدم.
وفي بعض الأحيان، ولا سيما خلال شهور الحر الشديد حينما يبقى المخيم في مكانه مدة طويلة (وهذه هي الحالة خصوصًا في زمن القحط حينما يصبح من الخطر الابتعاد عن أماكن المياه الدائمة)، تطوى الخيام وتقام زريبة في مكان المخيم، وهي عبارة عن بنايات مكعبة أو مستديرة مواد البناء فيها هي القصب وصحائف النخيل مثبتة على إطار من الخشب.
والمخيمات تقام دائمًا في مكان غير ملحوظ ومرتفع، وذلك فيما عدا الأوقات التي لا تغطي الشمس فيها غيوم وحينما يثق الناس بأنه لا يوجد خطر نزول المطر فجأة وتنجم عنه سيول، وكل خيمة تشغلها عائلة واحدة تتكون في العادة من جميع أفرادها، والمخيم قلما يزيد عدد الخيام فيه عن ٥ أو ٦ خيمات، ولكن مخيم أمنوكل يحتوي عادة على ما يتراوح بين ١٥ و ٢٠ خيمة.
كانت ملابس طوارق الهجار في القديم تتكون من قمصان مصنوعة من الجلد تنزل إلى ما تحت الركبة وحواشيها مزينة بالزخارف، وهذا القميص قد استمر حتى أوائل القرن التاسع عشر، على الأقل؛ لأن السائح ليون ذكر أن رجالًا من الطوارق زاروا مرزق في سنة ١٨١٩ وكانوا يرتدون هذه القمصان، ولكن
стр. 2664
المستكشف دوفيريي، يخبرنا بعد ذلك بأربعين سنة بأن هذه القمصان أصبحت نادرة في الهجار، والقطعة الأخرى التي اختفت بين ملابس الطوارق هي نوع من لباس الرأس يشبه الطربوش، وهو مصنوع من اللباد وتدار حوله عمامة خاصة، وعلى الرغم من أن بعض رجال القبائل المغربية لا يزالون يرتدون هذه "الطرابيش" حتى الآن، وإن كانت تمثل لباس الرأس الشائع في الهجار أثناء زيارة دوفيريي له، فهو قد اختفى منذ نحو نصف قرن من الزمن.
ورجال الطوارق حاليًا يلبسون سراويل فضفاضة سوداء أو ذات لون أزرق وغامق، مصنوعة من القطن تنزل حتى الركبة وطرفي الرجلين حتى العقب، وفوقه قميص واسع من القطن حلت محله "القندورة" التي لم تعش طويلًا بينهم حيث حل محلها هي الأخرى اللباس الأوروبي الذي قضى على الملابس التقليدية في مختلف أنحاء الجزائر، وكذلك كان الطوارق يلبسون رداء خارجيا فضفاضا مصنوعا من الصوف في أيام البرد، ولكن هذا اللباس حل محله البرنوس المستعمل في الشمال.
وينتعل الطوارق نوعين من لباس الرِّجل، أحدهما عبارة عن صندل ينعكف آخره على أصابع القدم ويمسك بواسطة خيط من الجلد ويمتد بين الأصبع الكبير والأصبع الصغيرة إلى الكاحل (رسغ القدم)، والنوع الثاني يستورد من السودان، وهو عبارة عن صندل مسطح أوسع من القدم بنحو بوصة في جميع الاتجاهات ويربط بخيط رقيق من الجلد بالرجل.
هذا بالنسبة إلى الرجال، وأما نساء الطوارق فيلبسن ثوبًا مصنوعا من القطن يتدلى من الخصر حتى ما تحت الركبة، وسراويل فضفاضة مثل سراويل المدنيات في الجزائر، ولو أنها أقصر قليلًا، وكذلك يلبسن نوعا من "القندورة" بيضاء وأخرى زرقاء فوقها، ويتوّج كل ذلك شال ووشاح يغطي الرأس أزرق مصنوع من القطن، وكذلك كانت الطوارقيات في الماضي يلبسن في الصيف نوعا من القبعات واسعة الحواشي مخروطية الشكل مصنوعة من القش، ولكن هذا اللباس اختفى الآن تقريبًا.
стр. 2665
يتفق الباحثون على أن الطوارق قبيل بربري من أقدم من سكن الصحراء، وهذه الحقيقة التي أشار إليها الرحَّالة المغربي "ابن بطوطة" وأكدها من قبل أبو عبيد البكري الذي كان يكتب في أوائل القرن الحادي عشر الميلادي حيث يقول في وصف تادمكة (في أدرار إيفوغاس) ما يلي: "وتادمكة أشبه بلاد الدنيا بمكة، ومعنى تادمكة: هيئة مكة، وهي مدينة كبيرة بين جبال وشعاب، وهي أحسن بناء من مدينة غانة ومدينة كوكو، وأهل تادمكة بربر مسلمون، وهم يتنقبون كما يتنقب بربر الصحراء، وعيشهم من اللحم واللبن ومن حبٍّ تنبته الأرض من غير اعتمال، ويجلب إليهم الذرة وسائر الحبوب من بلاد السودان، ويلبسون الثياب المصبوغة بالحمرة من القطن والنولي وغير ذلك، وملكهم يلبس عمامة حمراء وقميصا أصفر وسراويل زرقاء، ودنانيرهم تسمى "الصلع"؛ لأنها ذهب محض غير مختومة، ونساؤهم فائقات الجمال لا تعدل بهن أهل بلد".
على أن الباحثين الحديثين، وفي مقدمتهم بن هزرا (Benhazra) وبلانجرون (Blongueron) يتفقون على أن عددًا من القبائل التابعة للطوارق والمعدودة منها، تنتمي إلى أصل عربي أو إلى أصل طارقي عربي مختلط، وهؤلاء يجتمعون في عدد من العشائر تضمها علاقات تشبه علاقة القبيلة ويسمون "إسوكمرن (Isoquamaren). ويقول بن هزرا: إن إسوكمرن يزعمون أنهم ينحدرون من أصل امرأة اشتراها عربي من الغزاة العرب الذين جاءوا إلى البلاد في منتصف القرن السابع (كذا) الميلادي، ولكن الطابع الأسطوري لهذه القصة واضح؛ حيث إن ذلك يعني أن هؤلاء العرب وصلوا إلى أدرار قبل الفتح العربي للمغرب بعدة أجيال، وبالتالي، فإن هذه القصة ليست أصح ولا أقرب إلى المنطق التاريخي من تلك التي يرددها مؤرخو العجائب والغرائب من الغربيين الذين يزعمون أن الطوارق ينحدرون من قبيل من أصل الصليبيين ضلوا طريقهم بعد هزيمتهم في الشرق وقطعوا الفيافي تائهين حتى استقر بهم المقام في الهجار.
ويعتقد مؤرخ الصحراء والمستكشف المعاصر "لهوط" (Lhote) أن إسوكمرن ينحدرون من آباء من العرب وأمهات من الطوارق ينتمين إلى منطقة تادميت، ولكن بلانجرون يرى أنهم ينحدرون من أصل عربي من واحتي تيديكلت وتوات،