← Ансаб

Ансаб · id 897

موسوعة القبائل العربية

محمد سليمان الطيب

Полный текст (10 849 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

البضائع التي كانت القوافل تحملها من الشمال، وهذه التجارة لا تزال موجودة ولكنها تجري بصفة غير مباشرة وأصبحت تجارة داخلية في الهجار. كان الملح والتمور يجري تبادلها في العصور الماضية في البلدان الواقعة على منعطف النيجر بالجمال والغنم والذرة والأرز، كما كانت الجمال وجلود الماعز تباع في غدامس في مقابل السيوف والثياب المطرزة والتمور والشاي والسكر، وهذا المركز التجاري العريق "غدامس" لا يزال حتى الآن مهما لإنتاج الأدوات والأواني المعدنية والسيوف وللتجارة فيها. وإلى جانب تجارة القوافل يمارس الطوارق نشاط مراقبة القوافل في الأراضي الواسعة التي تخضع لسيطرتهم، فقد ذكر المستكشف الألماني بارث منذ نحو قرن أن أمنوكل الهجار، "جيمانا" كان يسيطر على جميع النشاط التجاري الذي يجري عن طريق القوافل بين مرزق وتمبكتو، وهذه الحالة ربما كانت ترجع إلى عدة قرون قبل ذلك التاريخ، والمعروف على أي حال، أن طوارق الهجار كانوا يسيطرون على طرق التجارة في المنطقة التي تمتد بين "أوادان" وجنوبه حتى شمال نيجيريا وذلك على الأقل، منذ أوائل القرن الخامس عشر الميلادي. كان الطوارق الذين يسيطرون على طرق التجارة في المناطق الجنوبية الغربية يمدون القوافل التي تمر بهذه الأراضي بأدلاء ومرشدين مسلحين لحمايتها، وفي مقابل خدمات الحماية يفرضون إتاوة تقدر قيمتها على أساس قيمة البضائع التي تنقلها القافلة وعلى أساس ثروة مسيِّرها، على أن أصحاب القوافل كانوا كثيرًا ما يرفضون الرضوخ لتقديرات الطوارق، كما أن بعض القوافل تصطحب معها في بعض الأحيان مرشدين وحراسا مسلحين، وفي هذه الحالة تسير القافلة بدون حماية. ولكن الطوارق يتعرضون لها في معظم الحالات ليثبتوا سلطانهم في أراضيهم، وحتى يتخذوا من القافلة الممتنعة موعظة ودرسا لغيرها، وهكذا كان الطوارق، مثل عرب الشعانبة، جيرانهم في الشمال، يفرضون سلطانهم على حركات التبادل التجاري في الصحراء الجنوبية الغربية قرونا عديدة، ومثل غيرهم من القبائل الصحراوية القوية، كان الطوارق يمارسون نشاطًا آخر مربحا من الناحية الاقتصادية، وذلك هو نشاط الغارة على القبائل الأخرى، إما لغرض السلب

стр. 2662

والنهب وإما بسبب الأحقاد بين القبائل وطلب الثأر، وهذه الغارات كثيرًا ما تتخذ شكل هجمة ليلية مفاجئة بها جماعة صغيرة من الرجال تستولي على ما أمكنها الاستيلاء عليه من الماشية ثم تختفي في الطبيعة الصحراوية ولا سبيل إلى تعقب أثرها، وعبيد الطوارق كانوا هم أيضًا يقومون بغارات على القرى السود التي تقع في أطراف الصحراء ويعودون بسبي يعزز ما يملكه المخيم من اليد العاملة، على أن هذه الغارات اختفت في العصور الحديثة نتيجة لتحريم الاسترقاق، كما اختفى المورد الذي يجنيه الطوارق من حماية القوافل ومن تسيير القوافل، عقب حلول السيارة الشاحنة محل الجمل في نقل البضائع عبر الصحراء، وهذه التطورات كان لها أثر قوي، ولوحظ منذ أواخر القرن الماضي في تدهور الاقتصاد الصحراوي في الهجار - ذلك الاقتصاد الذي لم يكن يتسم بالقوة على كل حال، في أي عصر في تاريخ هذا الشعب الذي ظل القرون تلو القرون متمسكا بنمطه الثقافي الخاص وبطريقة معيشته التي لا يرضى بها بديلًا. وهذا النمط الثقافي سوف يفتض الاستعمار الفرنسي أسراره ويوقف نموه الطبيعي بعدما بسط سيطرته على الهجار عقب المعركة التي وقعت في واحة "تيت" الصغيرة بين جيش فرنسي بقيادة الملازم "كونتنست" والطوارق في ٧ مايو ١٩٠٢ م، والتي أبدى فيها رجال الهجار ضروبا من الشجاعة والبطولة لا تقل عما أبدوه في معارك سابقة، ولا سيما في الموقعة التي تحمل اسم "فلاتر" والتي سبق الحديث عنها، فقد أصبحت طريق الهجار بعد ذلك مفتوحة أمام رجال الإدارة العسكرية الفرنسية وأمام أنماط الثقافة الاستعمارية، وخصوصًا أمام أفواج المبشرين بتوجيه شيخهم، شارل دوفوكول، بحماية حراب "لابيرين". والطوارق الرحل يعيشون في خيام خاصة تصنع عادة من جلود الماعز، وأحيانًا من جلود الغنم أو العجول، ولكن النبلاء يتخذون لأنفسهم خياما من جلد الموفلون الذي يعتبر الكلمة الأخيرة في البذخ والأناقة، والجلد يدبغ ويجهز بصفة خاصة ويكون ناعم الملمس وذا لون يميل إلى الحمرة، وبعد إعداده يقطع إلى قطع متلائمة ثم تخاط كل قطعة بأخرى بعناية بخيط من الجلد نفسه، وعدد القطع الضرورية لصنع خيمة يتراوح بين ٣٠، ١٥٠ قطعة وذلك حسب كبر حجم الخيمة

стр. 2663

وصغره والخيمة المتوسطة المنتهية الصنع تزن عادة ما يتراوح بين ٢٥، ٣٠ كيلو جراما، ومتى انتهي من صنع الخيمة ركبت على أعمدة عمودية أفقية من الخشب. وأثاث الخيمة يتكون من جلود الغنم المصنوعة ومن السجاد الذي يستورد من الشمال وأكياس الجلد التي تودع فيها المواد الغذائية والأمتعة الشخصية والسروج والأسلحة والأواني المصنوعة من الخشب ومن النحاس والفخار، ومن المقاعد ذات الأشكال المختلفة، والأسلحة والمواد الغذائية تودع في جناح الرجال من الخيمة، وأما الأدوات التي تستعمل للطهي فهي توضع في الجناح المخصص للنساء، وأما القربة التي تحتوي على الماء فإنها تعلق على عمودين من الخشب عند مدخل الخيمة. ويحاط فناء الخيمة بسياج لرد الريح كما يحاط المطبخ الذي يوجد في الفناء بسياج لنفس الغرض، وعلى بعد نحو ٨٠ مترًا من الخيمة تقام خيمة أخرى للعبيد والخدم. وفي بعض الأحيان، ولا سيما خلال شهور الحر الشديد حينما يبقى المخيم في مكانه مدة طويلة (وهذه هي الحالة خصوصًا في زمن القحط حينما يصبح من الخطر الابتعاد عن أماكن المياه الدائمة)، تطوى الخيام وتقام زريبة في مكان المخيم، وهي عبارة عن بنايات مكعبة أو مستديرة مواد البناء فيها هي القصب وصحائف النخيل مثبتة على إطار من الخشب. والمخيمات تقام دائمًا في مكان غير ملحوظ ومرتفع، وذلك فيما عدا الأوقات التي لا تغطي الشمس فيها غيوم وحينما يثق الناس بأنه لا يوجد خطر نزول المطر فجأة وتنجم عنه سيول، وكل خيمة تشغلها عائلة واحدة تتكون في العادة من جميع أفرادها، والمخيم قلما يزيد عدد الخيام فيه عن ٥ أو ٦ خيمات، ولكن مخيم أمنوكل يحتوي عادة على ما يتراوح بين ١٥ و ٢٠ خيمة. كانت ملابس طوارق الهجار في القديم تتكون من قمصان مصنوعة من الجلد تنزل إلى ما تحت الركبة وحواشيها مزينة بالزخارف، وهذا القميص قد استمر حتى أوائل القرن التاسع عشر، على الأقل؛ لأن السائح ليون ذكر أن رجالًا من الطوارق زاروا مرزق في سنة ١٨١٩ وكانوا يرتدون هذه القمصان، ولكن

стр. 2664

المستكشف دوفيريي، يخبرنا بعد ذلك بأربعين سنة بأن هذه القمصان أصبحت نادرة في الهجار، والقطعة الأخرى التي اختفت بين ملابس الطوارق هي نوع من لباس الرأس يشبه الطربوش، وهو مصنوع من اللباد وتدار حوله عمامة خاصة، وعلى الرغم من أن بعض رجال القبائل المغربية لا يزالون يرتدون هذه "الطرابيش" حتى الآن، وإن كانت تمثل لباس الرأس الشائع في الهجار أثناء زيارة دوفيريي له، فهو قد اختفى منذ نحو نصف قرن من الزمن. ورجال الطوارق حاليًا يلبسون سراويل فضفاضة سوداء أو ذات لون أزرق وغامق، مصنوعة من القطن تنزل حتى الركبة وطرفي الرجلين حتى العقب، وفوقه قميص واسع من القطن حلت محله "القندورة" التي لم تعش طويلًا بينهم حيث حل محلها هي الأخرى اللباس الأوروبي الذي قضى على الملابس التقليدية في مختلف أنحاء الجزائر، وكذلك كان الطوارق يلبسون رداء خارجيا فضفاضا مصنوعا من الصوف في أيام البرد، ولكن هذا اللباس حل محله البرنوس المستعمل في الشمال. وينتعل الطوارق نوعين من لباس الرِّجل، أحدهما عبارة عن صندل ينعكف آخره على أصابع القدم ويمسك بواسطة خيط من الجلد ويمتد بين الأصبع الكبير والأصبع الصغيرة إلى الكاحل (رسغ القدم)، والنوع الثاني يستورد من السودان، وهو عبارة عن صندل مسطح أوسع من القدم بنحو بوصة في جميع الاتجاهات ويربط بخيط رقيق من الجلد بالرجل. هذا بالنسبة إلى الرجال، وأما نساء الطوارق فيلبسن ثوبًا مصنوعا من القطن يتدلى من الخصر حتى ما تحت الركبة، وسراويل فضفاضة مثل سراويل المدنيات في الجزائر، ولو أنها أقصر قليلًا، وكذلك يلبسن نوعا من "القندورة" بيضاء وأخرى زرقاء فوقها، ويتوّج كل ذلك شال ووشاح يغطي الرأس أزرق مصنوع من القطن، وكذلك كانت الطوارقيات في الماضي يلبسن في الصيف نوعا من القبعات واسعة الحواشي مخروطية الشكل مصنوعة من القش، ولكن هذا اللباس اختفى الآن تقريبًا.

стр. 2665

يتفق الباحثون على أن الطوارق قبيل بربري من أقدم من سكن الصحراء، وهذه الحقيقة التي أشار إليها الرحَّالة المغربي "ابن بطوطة" وأكدها من قبل أبو عبيد البكري الذي كان يكتب في أوائل القرن الحادي عشر الميلادي حيث يقول في وصف تادمكة (في أدرار إيفوغاس) ما يلي: "وتادمكة أشبه بلاد الدنيا بمكة، ومعنى تادمكة: هيئة مكة، وهي مدينة كبيرة بين جبال وشعاب، وهي أحسن بناء من مدينة غانة ومدينة كوكو، وأهل تادمكة بربر مسلمون، وهم يتنقبون كما يتنقب بربر الصحراء، وعيشهم من اللحم واللبن ومن حبٍّ تنبته الأرض من غير اعتمال، ويجلب إليهم الذرة وسائر الحبوب من بلاد السودان، ويلبسون الثياب المصبوغة بالحمرة من القطن والنولي وغير ذلك، وملكهم يلبس عمامة حمراء وقميصا أصفر وسراويل زرقاء، ودنانيرهم تسمى "الصلع"؛ لأنها ذهب محض غير مختومة، ونساؤهم فائقات الجمال لا تعدل بهن أهل بلد". على أن الباحثين الحديثين، وفي مقدمتهم بن هزرا (Benhazra) وبلانجرون (Blongueron) يتفقون على أن عددًا من القبائل التابعة للطوارق والمعدودة منها، تنتمي إلى أصل عربي أو إلى أصل طارقي عربي مختلط، وهؤلاء يجتمعون في عدد من العشائر تضمها علاقات تشبه علاقة القبيلة ويسمون "إسوكمرن (Isoquamaren). ويقول بن هزرا: إن إسوكمرن يزعمون أنهم ينحدرون من أصل امرأة اشتراها عربي من الغزاة العرب الذين جاءوا إلى البلاد في منتصف القرن السابع (كذا) الميلادي، ولكن الطابع الأسطوري لهذه القصة واضح؛ حيث إن ذلك يعني أن هؤلاء العرب وصلوا إلى أدرار قبل الفتح العربي للمغرب بعدة أجيال، وبالتالي، فإن هذه القصة ليست أصح ولا أقرب إلى المنطق التاريخي من تلك التي يرددها مؤرخو العجائب والغرائب من الغربيين الذين يزعمون أن الطوارق ينحدرون من قبيل من أصل الصليبيين ضلوا طريقهم بعد هزيمتهم في الشرق وقطعوا الفيافي تائهين حتى استقر بهم المقام في الهجار. ويعتقد مؤرخ الصحراء والمستكشف المعاصر "لهوط" (Lhote) أن إسوكمرن ينحدرون من آباء من العرب وأمهات من الطوارق ينتمين إلى منطقة تادميت، ولكن بلانجرون يرى أنهم ينحدرون من أصل عربي من واحتي تيديكلت وتوات،

стр. 2666

هزمهم الطوارق في القرن الثامن عشر أو قبل ذلك ثم اختلطوا بهم وضموهم إلى قبائلهم. ولكن هذا الانتساب إلى العروبة، ليس له فيما يبدو أي تأثير على وضع إسوكمرن الاجتماعي، حيث إن الطوارق يضعونهم في نفس المرتبة التي يضعون فيها العشائر (التابعة) غير النبيلة، على أن إسوكمرن الذين أثروا في العصور الأخيرة وأصبحوا يملكون كثيرًا من الجمال، يتمتعون بسمعة ونفوذ كبير استعاضوا به عما فاتهم من الشرف في التنظيم الهرمي الطارقي. ومن أهم عشائر إسوكمرن عشير اريجناتن (Irreguenaten) التي تعيش في منطقة تامسنا، في جنوب الهجار وتمتد مجالات رعيها من هناك في الاتجاه الشمالي الغربي، عبر أدرار إيفوغاس، لتصل أحيانًا إلى عرق "الشيش"، ويسود الاعتقاد بأنهم ينحدرون من أصل عرب القرارة (١) ونساء من طوارق أبوتناتن، وهذه العشيرة الكثيرة العدد، أصابت ثراء واسعًا بحيث أقاموا لأنفسهم نوعا من الاستقلال الذاتي وحصلوا على مركز رفيع لا تحلم به كثير من العشائر التابعة من الطوارق. وهم يتفرغون إلى فرعين أساسيين: اهجرانن وستافنن، يرجع كل منهما فيما يعتقدون إلى جد عربي غير جد الثاني. والملاحظ أن العشائر التي تنتمي إلى أصل عربي من الطوارق تعيش خارج جبال الهجار، في القوس الذي يحيط بها في المغرب والجنوب الغربي والجنوب الشرقي وفي الجنوب حوالي أراضي قبيل الطوارق أجار. لم تستقر أسرة من الأشراف في الطوارق - فيما نعرف - قبل الأسرة المغربية التي هاجرت إلى هنا، وأقامت دولة شملت طوارق الهجار وطوارق أجار، وحكمت دولة "امنانن" (وربما كان ذلك تحريف امامن = الأئمة) حتى سنة ١٦٥٠ م حينما اغتال رجل من قبيلة أوراغن أجار "جمعة" آخر هؤلاء السلاطين الأئمة. وقد تلى هذا الحدث عهد من الفوضى والحرب الأهلية التي استمرت طويلًا.

стр. 2667

ما قاله الشريف محمد بن منصور المغربي عن قبائل البربر (١): أقسام البربر لم يلفت النظام القبلي السائد في الشمال الأفريقي أنظار الأمم والشعوب التي اتصلت بسكانه قبل العرب؛ فلهذا كانت تطلق عليهم كلمة بربر دون تمييز بين طائفة تعيش على نمط من الحياة وبين طائفة أخرى تعيش على نمط غيره، والتقسيم الوحيد الذي أثر عنها كان يتعلق بالبلاد لا بالسكان، ويقوم على اعتبارات جغرافية وإدارية، لا على اعتبارات اجتماعية وقبلية، وربما يرجع سبب ذلك إلى أن تلك الأمم كانت بعيدة عن البداوة لا تعرف المجتمعات القبائلية ولا تتفهم طبائع أهلها، أو أنها لم تحتك بالبربر احتكاكا كبيرًا ولم يتغلغل سلطانها إلى داخل البلاد. أما العرب الذين جاءوا إلى بلاد المغرب في أواخر القرن السابع الميلادي فإنهم فهموا الحياة فيها حق الفهم، إذ وجدوها لا تختلف عن حياة بلادهم في شيء، كما أنهم توغلوا في داخليتها وخالطوا قبائلها وساكنوهم وصاهروهم وعاشوا وإياهم في كنف الإسلام متساوين، فلهذا كانت لهم نظرة أخرى إلى البربر غير نظرة الأمم والشعوب التي تعرَّفت عليهم قبلهم، وفهم آخر لمجتمعهم غير فهمهم، وتقسيمات أخرى غير تقسيماتهم تقوم على اعتبارات قبلية لا على اعتبارات جغرافية أو إدارية تبعًا لذلك. لقد قسم الإغريق والرومان البلاد المغربية إلى أفريقيا ونوميديا وموريطانيا قيصرية وأخرى طنجيطانية، وجيتوليا، وحافظ العرب على روح هذا التقسيم لما جعلوها مشتملة على مغرب أقصى ومغرب أوسط ومغرب أدنى (أو إفريقيا) وصحراء، ولكنهم زادوا على هذا التقسيم الترابي فقسموا السكان أنفسهم إلى بربر بتر، وبربر برانس. وقد وقف الباحثون العصريون حيارى أمام هذا التقسيم الجديد من العرب يحاولون أن يجدوا له تعليلا أو تأويلا، ويتساءلون عن الأسس التي بناها العرب عليه وميزوا بها بين طائفتين مختلفتين من السكان، فعلى أساس وجود بربر من

стр. 2668

أهل الوبر (سكان الخيام) وبربر من أهل المدر (سكان البيوت) حاول كوتيي Gautier تأويل انقسامهم إلى بتر وبرانس، فقال: إن البتر هم أهل البداوة والرحلة، والبرانس هم أهل الحضارة والاستقرار، وذلك يشبه انقسام البربر في التاريخ القديم إلى نوميديين وموريطارنيين وانقسامهم في التاريخ الحديث إلى عرب وقبائل (١)، وهذه النظرية ذات حظ من الصحة والصواب؛ لأن معظم قبائل البرانس يعيش عيشة استقرار في السهول والجبال الخصبة التي تكثر فيها الأمطار وتجود التوبة بأطيب الغلال، بينما يعيش معظم قبائل البتر متنقلا بين السهوب والهضاب والمناطق الرعوية الصحراوية أو القريبة من الصحراء، ولكن هذا الاختلاف في الحياة الاجتماعية بين البرانس والبتر لا ينطبق على جميع قبائلهم، فالحضارة والبداوة متبادلتان بينها، فبعض قبائل البرانس يعيش في جوف الصحراء عيشة بدوية تمثل أنقى صور البداوة كقبائل الملثمين الذين يسميهم الكُتَّاب الأوربيون الرعاة الكبار أو الجمالين الرحَّالة الكبار تمييزًا لهم عن الرعاة الصغار رعاة البقر والغنم، وقد ظلت قبائل الملثمين تعيش عيشتها البدائية في قلب الصحراء تقتات من التمر والقديد وحليب النوق، ولا تعرف الخبز ولا الدقيق في حين كان العرب يبنون صروح الحضارة ويحبون حياة البذخ والترف في المغرب الشمالي والأندلس، ومثل هذا ينطبق على قبائل البتر المتبدية، فقد كانت منها قبائل مستقرة تعيش عيشة حضرية مثل قبيلة كومية وقبيلة أوربة. ومن الباحثين من رجح أن يكون الفارق بين الطائفتين ثقافيا، ذاكرًا أن قبائل البرانس المستقرة تأثرت بمظاهر الحضارة البونيقية واللاتينية والإغريقية بينما بقيت البتر بمعزل عنها لبداوتها ورحلتها، ولكن رد على من رأى هذا الرأي بمثل ما رد على من رجح أن يكون الفارق اجتماعيا من أن البداوة والحضارة أو النقلة والإقامة متبادلة ومشتركة بين الطائفتين معًا. وفكر وليام مارسي في تفسير لفظتي البتر والبرانس تفسيرًا لغويا وتقسيم البربر إلى طائفتين على أساس الثياب التي تلبسانها، فعنده أن العرب نظروا في

стр. 2669

البربر فلاحظوا اختلافًا في أزيائهم، فمنهم قبائل ترتدي البرنس الطويل ذا القب (١) المخروطي، وهذه سموها البرانس ومنهم قبائل تلبس برنسًا قصيرًا لا قب له وهذه سموها البتر أي الناقصة المبتورة مثل بتراء زياد ابن أبيه، وهذا التأويل غريب يبعث على الضحك والسخرية وهو لا يخرج عن كونه مجرد افتراض لا يقوم على أساس قوي، وقد لاحظ كوتي الذي حسبه ينبني على معرفة عميقة باللغة! أنه افتراض لا ينطبق على القبائل البربرية كلها، فالملثمون من بربر الصحراء يصعب إدراجهم في طائفة من الطائفتين، وهم برانس ولكنهم لا يلبسون البرنس مطلقًا، ولا يحتمل أنهم لبسوه في عصر من العصور، كما لا يظن أن هناك علاقة بين قب البرنس وبين اللثام عند أهل الصحراء، ثم يلاحظ كوتيي أن البرنس هو لباس الفرسان، وأن الذين يلبسونه حاليًا في المغرب هم حفدة البتر على الخصوص. ومن الباحثين من جعل الفارق شبه سلالي، فذكر أن الطائفتين تمثلان موجتين مختلفتين إحداهما تمثل أهل البلاد الأصليين والأخرى تمثل الوافدين الجدد الذين اغتصبوا منهم بلادهم وزاحموهم فيها، ولعل هذه النظرية أصح النظريات لوجود ما يدل عليها من روايات النسابين والمؤرخين واستنتاجات الباحثين الاجتماعيين، وإليها مال العلَّامة رود Rodd الذي يعد من أكبر الباحثين في التوارك (٢) والمؤرخين لهم في العصر الحاضر، فقد ذكر أن هذا التقسم باق إلى اليوم في قبائل التوارك، وأن القرية الواحدة تشتمل على عنصرين متباغضين بغضا سرمديا، أحدهما ينتمي إلى البرانس والآخر يعتزى إلى البتر، وعلل ذلك بأن هذا الخلاف الدائم لا بد أن يكون منبعثًا في الأصل على اختلاف سلالي (٣). وذكر ابن خلدون أن علماء النسب متفقون على أن البربر يجمعهم جذمان عظيمان، أحدهما يسمى مادغيس الملقب بالأبتر؛ ولذلك يقال لشعوبه البتر، والآخر يُدعى برنس ويقال لشعوبه البرانس، وذكر أن بين النسابين خلافًا هل هما لأب واحد؟ فعن ابن حزم فيما حدثه به يوسف الوراق عن أيوب بن أبي يزيد

стр. 2670

صاحب الحمار أنهما لأب واحد، وربما نقل عن أيوب بن أبي يزيد نفسه أنهما لأبوين متباعدين، ويصحح ابن خلدون رواية ابن حزم عنه لأنه أوثق. ويتفق نسابو البربر كهانئ بن بكور الضريسي، وسابق بن سُلَيْمان المطماطي، وكهلان بن أبي لؤي، وغيرهم أن البتر من ولد بر بن قيس بن عيلان. والبرانس من ولد يونس بن سفجو بن أبزج بن جناح بن واليل بن شراط بن تام بن دويم بن دام بن مازيغ بن كنعان بن حام بن نوح ﵇. ومهما كان من أمر هذا التقسيم فإنه يدل على حالة البلاد ويتلاءم مع نفسية سكانها وطبيعة مجتمعهم القَبَلي، كما يدل تقسيم العرب إلى عدنانية وقحطانية على نفس الحالة والطبيعة، وإدراك هذا التقسيم ينير السبيل لفهم تاريخ البربر قبل الإسلام وبعده، فقد أثر تأثيرًا عميقًا في علاقة البربر بالأمم والشعوب التي وفدت عليهم مهاجرة مسالمة أو محاربة متحكمة، كما أثر النزاع بين البرانس والبتر أثرًا بعيد المدى في علاقة البربر بالعرب بعد مجيء الإسلام، فقد حالفت قبائل زناته البترية العرب منذ البداية، بينما حملت قبائل البرانس عبء المقاومة والدفاع، ولما دان البربر لسلطان الإسلام حالفت زناته البترية الخلافة الأموية ووالت صنهاجة البرنسية العلويين وتعصبوا لهم وأيدوا الإمام إدريس بن عبد الله الكامل حينما التجأ إلى المغرب الأقصى، وعندما نبغت نابغة الفاطميين واستقام لهم الأمر كانت كتامة وصنهاجة من البرانس خير أعوانهم وأكثر جنودهم حمية وإخلاصًا؛ فلذلك أمعنوا في اضطهاد الزناتيين والفتك بهم حتى اضطروهم إلى الاعتصام بالخلافة، وأصبح الصراع في المغرب بين الأموين والفاطميين ثم الزيريين مجرد نزاع بين صنهاجة وزناته في الواقع أي بين البتر والبرانس، وكان بلكين بن زيري أمير صنهاجة يقول: لا أمان عندي لبربري ركب فرسًا أو نتج خيلًا أبدًا حيثما سلك من البلاد (١) وقريب من ذلك حدث في الأندلس بعد سقوط الخلافة الأموية، إذ احتدم النزاع بين زناته وصنهاجة مما هدد الوحدة الإسلامية يومئذ بالخطر الجسيم (٢).

стр. 2671

البربر البتر تنتمي هذه الطائفة من البربر إلى مادغيس الأبتر بن بر بن قيس بن عيلان بن مصر بن نزار بن معد بن عدنان. قال أبو محمد بن حزم في الجمهرة: ما علم النسابون لقيس بن عيلان ابنًا اسمه بر أصلًا (١). وعند نسابي البربر، وحكاه البكري وغيره: أنه كان لمُضَر ولدان: إلياس وعيلان، أمهما الرباب بنت حيدة بن عمرو بن معد بن عدنان، فولد عيلان بن مصر ولدين: قيس ودهمان: أما دهمان فولده قليل، وهم أهل بيت من قيس يقال لهم بنو أمامة، وكانت لهم بنت تُسمى البهاء بنت دهمان، وأما قيس بن عيلان فولد له أربعة بنين: سعد وعمرو، أمهما عربية اسمها مزنة بنت أسد بن ربيعة بن نزار، وبر وتماضر، أمهما كنعانية (بربرية) من الشام اسمها تمزيغ بنت مجدل بن غمار بن مصمود، وكانت قبائل البربر يسكنون يومئذ الشام ويجاورون العرب في المساكن ويشاركونهم في المياه والمراعي والمسارح ويصهرون إليهم: فتزوج بر بن قيس بن عيلان بنت عمه البهاء بنت دهمان بن عيلان، فحسده إخوته على ذلك، فخشت أمه - وكانت من دهاة النساء - عليه منهم، وكاتبت أخواله سرًا ثم رحلت إليهم مع ابنها وزوجته وهم إذ ذاك ساكنون بفلسطين وأطراف الشام، فولدت البهاء لبر بن قيس ولدين: علوان ومادغيس، فمات علوان صغيرًا وبقي مادغيس فكان يُلقَّب بالأبتر، وهو أبو البتر من البربر، وتزوج مادغيس بن بر بأملل بنت واطاس بن محمد بن مجدل بن غمار فولدت له زحيك (٢) بن مادغيس. وقال الطبري: خرج بر بن قيس ينشد ضالة بأحياء البربر فهوى جارية وتزوجها فولدت. وعند غيره من نسابة البربر أنه خرج فارا من أخيه عمرو بن قيس، وفي ذلك تقول أخته تماضر:

стр. 2672

لتبكي كل باكية أخاها … كما أبكي على بر بن قيس تحمل عن عشيرته فأضحى … ودون لقائه أنضاء عيس ومما ينسب إلى تماضر أيضًا: وشطت ببر داره عن بلادنا … وطوح بر نفسه حيث يمما وأزرت ببر لكنة أعجمية … وما كان في الحجاز بأعجما كأنا برًا لم نغر بجيادنا … بنجد ولم نقسم نهابًا ومغنمًا وإذا كان الرواة قد أطلقوا لخيالهم العنان فرسموا لنا الصورة المتقدمة عن خروج بر الأبتر من الحجاز ولحاقه مع أمه بقبائل البربر بفلسطين فإنهم لم يرسموا صورة مماثلة عن خروج البربر البتر أبنائه من فلسطين ودخولهم إلى المغرب، إلا ما يذكرونه من هجرة الكنعانين بعد انهزامهم أمام بني إسرائيل، وقد سبق لنا أن اليهود هم الذين سموا أولئك الكنعانيين بربرًا فحملوا معهم الاسم وعرفوا به وحده أثناء انتقالهم إلى المغرب وبعده. ويتألف البربر البتر بن شعوب كثيرة يجمعها أربعة أجذام (١): ١) أداسة بنو أداس بن زحيك بن مادغيس الأبتر بن بر بن قيس بن عيلان، وبطونهم كلها في هوارة؛ لأن أم أداس تزوجها بعد زحيك بن مادغيس - أوريغ ابن عمه برنس والد هوارة على القول بأن مادغيس وبرنس أخوان، فدخل نسب بنيه كلهم في هوارة. (٢) بنو لوا الأكبر بن زحيك بن مادغيس الأبتر، ومنهم بطنان عظيمان: نفزاوة بنو نفزاو بن لوا الأكبر، ولواتة (٢) بنو لوا الأصغر المسمى باسم أبيه. (٣) نفوسة بنو نفوس بن زحيك بن مادغيس الأبتر، وهم من أوسع قبائل البتر وفيهم شعوب كثيرة.

стр. 2673

٤) ضريسة (١) بنو ضريس بن زحيك بن مادغيس الأبتر، ويجمعهم جذمان عظيمان: بنو تمصيت بن ضريس، وبنو يحيى بن ضريس. وقبائل البربر البتر في معظمها قبائل رحالة بدوية تنزل بسلسلة الأودية الرعوية الممتدة امتدادا متصلا من طرابلس إلى تازة، وتنتشر في أقاليم النخيل الممتدة من غدامس إلى السوس الأقصى، وتكون غالبية سكان القرى الصحراوية، ومنها قبائل بمناطق التل، وقد أصبحوا بحكم لصوقهم بهذه الأوطان أهم قبائل البدو بالمغرب وأكثرها نقلة وترحالا، وتمتاز بالروح الحربية العالية والتفوق في القتال، وفرسانها من أشجع فرسان البربر قاطبة، وقد قامت بدور من أكبر الأدوار في نشر الإسلام بالمغرب والأندلس والصحراء ؤتحملت تضحيات كبيرة في جهاد أعداء الدين. أما اعتزازها بالنسبة العربية فلا يعادله اعتزاز، وقد استمسك لها كتابها وشعراؤها وافتخروا بها على من عداهم، وألقموا بها حجرا أفواه الساعين في تأريث نار العصبية بين العرب والبربر. فمن ذلك قول عبيدة بن قيس العقيلي: ألا أيها الساعي لفرقة بيننا … توقف هداك الله سبل الأطايب فأقسم أنا والبرابر إخوة … نمانا وهم جد كريم المناصب أبونا أبوهم قيس عيلان في الذرى … وفي حومة يشفي غليل المحارب فنحن وهم ركن منيع وإخوة … على رغم أعداء لئام المناقب فأنا لبر ما بقي الناس ناصر … وبر لنا ركن رفيع المناكب نعد لمن عادى سوابق ضمرا … وبيضًا تقط الهام يوم التضارب وبر بن قيس عُصبة مضرية … وفي الفرع من أحسابها والذوائب

стр. 2674

وقيس قوام الدين في كل بلدة … وخيرة معد عند حفظ المناسب وقيس لها المجد الذي يقتدى به … وقيس لها سيف حديد المضارب ومن ذلك أيضًا قول يزيد بن خالد يمدح البربر: أيها السائل عنا أصلنا … قيس عيلان بنو العز الأول نحن ما نحن؟ بنو بر الندى … عرف المجد وفي المجد دخل وابتنى المجد فأورى زنذه … وكفانا كل خطب ذي جلل إن قيسا يعتزي بر لها … ولبر يعتزي قيس الأجل ولنا الفخر بقيس أنه … جدنا الأكبر فكاك الكبل إن قيسا قيس عيلان هم … معدن الحق على الخير دلل حسبك البربر قومي أنهم … ملكوا الأرض بأطراف الأسل وببيض تضرب الهام بها … هام من كان عن الحق نكل أبلغوا البربر عني مدحا … حيك من جوهر شعر منتخل

стр. 2675

البربر البرانس هؤلاء هم البربر المستقرون الذين ينزل معظمهم في المناطق الساحلية القريبة من البحر والأخرى الجبلية الممتدة عبر المغرب، وفي هذه المناطق التي تطيب فيها التربة وتكثر الأمطار تكون الزراعة ميسورة والحياة المستقرة بداعي المصلحة أمرًا مفروضًا، وقد تمكنت قبائل البرانس بحكم استقرارها ومجاورتها لسيف البحر أن تتحضر وتتأثل المال وتستفيد مما كان المهاجرون والفاتحون الأجانب يأتون به من مدنيات وثقافات، كما نمت فيها لنفس السبب روح المقاومة وكثر تعلقها بالأرض التي تقيم فيها والتي لم تألف أن تبرحها كالبتر الرحَّل، وهذا ما جعلها تستميت في مقاومة العرب لأول الفتح الإسلامي، بينما وضع البتر أيديهم في أيدي العرب لتشابه الحياة عند الفريقين واستهدافهما لكثير من المقاصد المنبعثة عن غرائز طبعا عليها أو عادات ألفاها. وقد وصفهم ابن خلدون فقال: إنهم كانوا على عهده من أوفر قبائل البربر وأكثر أهل المغرب، فلا يكاد قطر من أقطاره يخلو من بطن من بطونهم، في جبل أو بسيط، حتى زعم كثير من الناس أنهم الثلثان من البربر، وكان لهم في الحروب ذكر، وفي الخروج على الأمر شأن. أما شعوبهم فاتفق النسابون على أنها منحصرة في سبعة: أ - ازداجة: ويعرفون أيضًا بوزداجة، ويعدهم بعض النسابين البربر من البتر، ويقال: إن ازداجة من زناتة، ووزداجة من هوارة. ب - أوربة: بنو أورب بن برنس، وهي بفتح الألف وفتح الواو وسكون الراء، وتعرف اليوم بوربة فقط. ج - أوريغة: بنو أوريغ بن برنس، ويزعم كثير من النسابين أنهم يرجعون إلى أصل عربي. د - كتامة: بنو كتام أو كتم بن برنس، ويؤكد نسابو العرب أنهم عرب حِمْيَريون. هـ - مصمودة: بنو مصمود بن برنس.

стр. 2676

و - صنهاجة: بنو صنهاجة بن برنس، يؤكد النسابون العرب أنهم من العرب الحِمْيَريين مثل كُتامة، وأصل الكلمة صناك بالصاد المشم بالزاي والكاف القريب من الجيم (الزناكة) إلا أن العرب نقلوه إلى لسانهم وزادوا فيه الهاء بين النون والألف. ز - عجيسة: بنو عجيس بن برنس، وأصل عجيس عدس بتشديد الدال ومعناه البطن بالبربرية، فلما عربه العرب قلبوا داله جيمًا مخففًا. وقد زاد النسابة البربري سابق المطماطي وأصحابه: لمطة وهسكورة وكزولة في شعوب البرانس: وأنكر نسابون آخرون أن تكون صنهاجة وكتامة من شعوبهم مؤكدًا أنهما شعبان عربيان تخلفا في المغرب بعد غزوة قام بها العرب في زمن سحيق، ومثل هذا الدعوة في حق زناتة بالنسبة للبربر البتر، وكيفما كان حجج المثبتين والمنكرين فالشيء المحقق هو أن هذه القبائل وغيرها من القبائل المتنازع في نسبها كانت معروفة في المغرب من قديم، وموجودة فيه قبل وفادة العرب الجدد الذين جاءوا إليه مع الإسلام، فلذلك سنذكرهم مع قبائل البربر مشيرين إلى ما وقع من الخلاف في أنسابهم وتواريخ استقرارهم بالمغرب لدى الكلام على كل قبيلة.

стр. 2677

شعوب البتر ١ - شعب أداسة بنو أداس بن زحيك بن مادغيس الأبتر، اختلطت قبائلهم بقبائل هوارة البرنسية؛ لأن أم أداس تزوجها بعد زحيك ابن عمه أوريغ بن برنس والد هوارة على القول بأن مدغيس وبرنس أخوان. من أشهر قبائلهم: أ - أندارة (١). ب - أوطيطة. ج - ترهونة (٢) باسمها سميت مدينة ترهونة قرب طرابلس، ومنها فرقة مستقرة على عدوتي وادي لكوس شمال مدينة وزان بالمغرب الأقصى، تعرف باسمها الأصلي المعرب: رهونة. د - صنبرة (٣). هـ - هداغة. و - هنزولة (٤). ز - وشتاتة (٥) منها قبيلة معروفة باسمها مستقرة بالجبال القريبة من نهر مجردة بالقطر التونسي، وكانت فرقة منها تسكن جبل زالغ المشرف على مدينة فاس، وإليها ينسب الموضع المسمى باب وشتاتة منه.

стр. 2678

٢ - شعب لواتة هم بنو لوا (بضم اللام) الأصغر بن لوا الأكبر بن زحيك بن مادغيس الأبتر، ذكر النسابون أن لوا الأكبر خلف ابنه لوا الأصغر حملا فسمي باسم أبيه. وكانت القبيلة تُدعى في الأصل لوات على عادة البربر في إضافة الألف والتاء إذا أرادوا التعميم في الجمع، فلما جاء العرب حملوه على الأفراد وألحقوا به هاء الجمع فصار لواتة. ذكر لابن حزم فيما يرويه في الجمهرة (١) أن نسابي البربر يزعمون أن لواتة ومزاتة وسدراتة من القبط، وأنكر ذلك ابن خلدون بشدة قائلا: ليس ذلك بصحيح، وابن حزم لم يطلع على كتب علماء البربر في ذلك. وقبائل لواتة كثيرة جدا، ويرجع المعروف منها إلى أربعة من أبنائه: زاير، وكطوط، وماصل (٢)، ونيطط. فمن ابنه زاير: أ - مزيتة - من أكبر قبائل لواتة، ما زالت فرقة منها بالمغرب الأوسط معروفة باسمها الأصلي قرب مدينة سطيف. ومن ابنه كطوط: ب - جدانة - ربما كانت منها قبيلة كدانة (بجيم بدوي) إحدى قبائل أولاد سعيد بشاوية المغرب الأقصى. ج - مغاغة ومن ابنه ماصل: د -عزوزة - ما زالت بقية منها قرب مرسى أزفون بجبال زواوة من المغرب الأوسط معروفة باسمها الأصلي.

стр. 2679

هـ - أكورة (١) و - جرمانة: عدها سابق المطماطي من بطون ماصل اللواتيين منها بطن مندمج في قبيلة بني محمد القريبة مساكنها من بجاية. ز - مغانة: يوجد بطن بهذا الاسم مندرج في قبيلة الدواير بحوز وهران. ومن ابنه نيطط: ح - سدراتة: وهم بطون كثيرة اختلطت بقبائل مغراوة وبطونها، قال ابن حزم في الجمهرة: ويقال أن مغراو - وهو من زناتة - تزوج أم سدرات، فصار سدرات أخا أولاد مغراو لأمهم واختلط نسبة بهم (٢)، ولهذه القبيلة فروع كثيرة وبطون عديدة مستقلة بنفسها ومعروفة باسمها الأصلي أو مندمجة في غيرها ومعروفة بأسماء فرعية، منها قبيلة سدراتة قرب مدينة برج بوعريرج بالمغرب الأوسط، وقبائل (آيت سدرات) القريبة من وادي درعة بالمغرب الأقصى. كانت قبيلة لواتة تقيم بمواطنها الأصلية بالأقاليم الشرقية وخاصة ببرقة وعلى حدود مصر، وكانت لهم في الماضي مدن عريقة مثل لبدة وزويلة وبرقة وقصر حسان، ولما بدأ المسلمون محاولاتهم بالأولى لفتح الشمال الأفريقي كانت لواتة أول قبيلة واجهوها فأسلمت وأعانتهم على الفتح وانساحت معهم إلى جهات طرابلس وشط الجريد وجبل أوراس ومنطقة الزاب، وانتشرت بطونها وفروعها الكثيرة بعد ذلك في جميع بلاد المغرب من نهر النيل إلى المحيط الأطلسي، فمنهم بواحات مصر وقرى الصعيد والجبال المعروفة بهم قبلة قابس وصفاقس، وأحياء بالجبال المطلة على سهل متيجة، وبسيط تاكرارت القريب من بجاية، وبجهات وادي مينا (وهران)، وفاس وتادلة من المغرب الأقصى، وقد اندثرت بعض البطون والأحياء اللواتية اليوم من تلك الجهات أو اندرجت في قبائل طرأت عليها، ولكن بعض القرى بقي مع ذلك يحمل اسمها لسكناها بها في القديم.

стр. 2680

٣ - شعب نفزاوة هم بنو يطوفت (١) بن نفزاو، بن لوا الأكبر، بن زحيك بن مادغيس الأبتر، وينطق زاي نفزاوة بين الزاي والشين. كانت قبائل نفزاوة تقيم في الأول جنوبي شط الجريد وما يتاخمه من إقليم طرابلس شرقًا وصحراء عمالة قسنطينة غربًا حتى سميت المنطقة كلها بلاد نفزاوة، ثم تفرقت تلك القبائل بعد ذلك في سائر المغرب حاملة معها أسماءها الفرعية ولم تبق إلا قبيلة واحدة صغيرة تحمل الاسم الأصلي بشط الجريد، ويقال: إن قبيلة نفزة الموجودة في شمال القطر التونسي هي إحدى قبائل نفزاوة، وأن اسمها عرب واختصر أثناء فرارها أمام الزحف الهلالي من مواطنها الأصلية بالجنوب إلى مواطنها الجديدة بالشمال. من أشهر قبائلهم: أ - راتيمة: (٢) بهذا الاسم تعرف اليوم منها قبيلة تسكن على بعد ٥٠ كم إلى الجنوب الغربي من مرسى شرشال، بعمالة الجزائر. ب - زهيلة: كانت تقيم بقيتهم في عهد ابن خلدون بنواحي بادس مندمجون في غمارة، وكان منهم لعهد مشيخته أبو يعقوب البادسي أكبر الأولياء وآخرهم بالمغرب. ج - مجر (٣) لعلها بفتح الميم وسكون الجيم وضم الراء مع مد، فإذا كانت كذلك فبقاياها مندمجة في قبيلة زروال المغربية (بطن بني مجرو). د - مرنيسة: قال ابن خلدون: لا يعلم لهم موطن، ومن أعقابهم أوزاع بين احياء العرب بإفريقيا، منهم قبيلة شهيرة تحمل الاسم نفسه مستقرة شمال إقليم تازة من المغرب الأقصى. هـ - مكلاتة: عدها ابن حزم في الجمهرة من قبائل نفزاوة، وكذلك ابن

стр. 2681

خلدون فيما نقله عن سابق المطماطي، لكنه أورد قولا ضعيفا ينفي نسبتها إلى نفزاوة ويرفع نسبها إلى حِمْيَر، ويذكر أن مكلات وقع إلى يطوفت بن نفزاو صغيرا فتبناه فقط، كانت مواطنها غير بعيدة عن مكناس، وذكر البكري أنها واقعة في الطريق بين فاس وسجلماسة على بعد مرحلتين جنوب مدينة صفرو، ويعرف بها موضع قرب مدينة فضالة بالمغرب الأقصى، وتنسب اليها أسر نبيهة. و - غساسة: سكنت منها فرقة بساحل بطوية من ريف المغرب الأقصى، وإليها تنسب قرية غساسة المسامتة لمدينة مليلية من الجهة الغربية، وكانت في الماضي حاضرة البحر ومرسى أساطيل المغرب، وهي من المدن المغربية التي وصفها لسان الدين بن الخطيب في كتابه (معيار الاختيار، في ذكر المعاهد والديار)، والقبيلة مندرجة اليوم في قبائل قلعية، وقد تنوسي اسمها الأصلي ولم يبق إلا أسماء أسر تذكر به، كما اندثرت القرية نفسها وبقيت منها أطلال واسم مبربر. ز - سوماتة: كانت بقية منها في جهات القيروان، واستقرت فرقة منها قرب مليانة بالمغرب الأوسط، وفوق ترابها توجد اليوم قرية حمام ريغة وقرية بومدفع، واستقرت فرقة أخرى بجبال الهبط من المغرب الأقصى، وهي معروفة باسمها الأصلي بين قبائل جبالة بإقليم تطوان، وباسمها المبربر تسمى قرية (يسوماتن) من قرى قبيلة بني جناد بجبال زواوة بالقطر الجزائري. ح - ورغوس: كذا كتبت في جمهرة ابن حزم، وكتبت في تاريخ ابن خلدون وردغوس، والظاهر أن الأول أصح لوجود ما يدل عليه في كتب أخرى ككتاب المسالك والممالك (١) الذي ذكر قبيلة ورغروسة من جملة القبائل البربرية التي كانت تسكن مدينة تيجس العتيقة، وتوجد اليوم بحوز بسكرة قبيلة تسمى ودغروس لعلها من بقايا القبيلة المذكورة. ط - وردين ي - وركول (٢) ك - وسيف: (٣) منها اليوم فرقة بجبال زواوة من المغرب الأوسط يعرفون

стр. 2682

ببني وسيف، فرقة (آيت وسيف) بإقليم سوس وبطون مندرجة في قبائل رقيطة ومنتاكة ومكونة وسكساوة من المغرب الأقصى. ل - ولهاصة: أكبر قبائل نفزاوة، سميت باسم أبيها ولهاص، ابن يطوفت، ابن نفزاو، وإلى ولديه ترغاش ودحية تنتمي بطونها العديدة، تسكن اليوم فرقة من قبيلة ولهاصة على عدوتي نهر تافنا عند مصبه بالبحر المتوسط شمال تلمسان، وتسكن فرقة أخرى منها ببسيط عنابة جنوب بحيرة فزارة كانوا في زمن ابن خلدون يركبون الخيل ويأخذون بمذاهب العرب في زيهم ولغتهم وسائر شعارهم كما هو حال هوارة، ودخلت منها فرقة أخرى إلى الأندلس مجاهدة تنسب إليها أسر أندلسية مجيدة كأسرة القاضي منذر بن سعيد البلوطي. ٤ - شعب نفوسة بنو نفوس بن زحيك بن مادغيس الأبتر. قال ابن خلدون: هم بطن واحد تنسب إليه نفوسة كلها، وكانوا من أوسع قبائل البربر وفيهم شعوب كثيرة. كانت مواطن جمهورهم بإقليم طرابلس، وإليهم ينسب الجبل المشهور الواقع قبلتها، وكانت مدينة صبرة في مواطنهم وتعزى إليهم، وهي كانت باكورة الفتح لأول الإسلام وخربها العرب بعد استيلائهم عليها فلم يبق منها إلا الأطلال ورسوم خافية، ثم تفرقوا بعد ذلك بأقاليم مصر والمغرب. من أشهر قبائلهم: أ - بنو زمور: وهم غير قبائل زمور وزمورة البرنسيين، ولكنهم يختلطون بهم ويلتبسون للاسم الموحد لكلا الفريقين. ب - ماطوسة: توجد بقاياها مندرجة في قبيلة بني خلفون على الضفة اليمنى لوادي يسر شرقي الجزائر. ج - بنو مسكور (١) منهم بطن مندمج في قبيلة آيت ونير الساكنة قرب زاكورة بالمغرب الأقصى.

стр. 2683

٥ - شعب ضريسة بنو ضريس بن زحيك بن مادغيس الأبتر تنتمي قبائلهم كلها إلى ولديه تمصيت (١) ويحيى. فمن ولد فاتن بن تمصيت: أ - درنة: (٢) إخوة مغيلة ومعدودون منها، منهم فرقة مندمجة في قبيلة بني بودرار بجبال جرجورة بالمغرب الأوسط، وأخرى (ودرنة) بجنوب القطر التونسي. ب - كشاتة: هم أيضًا إخوة لمغيلة ومعدودون منها، منهم فرقة مندرجة في قبيلة البهاليل القريبة من صفرو بالمغرب الأقصى. ج - كومية: بكاف بدوي، كانوا يعرفون قديمًا بصطفور أو صدفورة، ولهم ثلاثة بطون منها تفرعت قبائلهم وبطونهم: ندرومة وصغارة وبني يلول، وكانت مواطنهم الأصلية بجبال ترارة الواقعة على سيف البحر شمال غرب تلمسان، وهم قبيل عبد المؤمن بن علي مؤسس دولة الموحدين من بني عابد منهم، خف جمهورهم إلى مراكش وسكنوها على عهد الدولة الموحدية فاعتضد بهم خلفاؤها وأنفقوهم في الفتوح والعسكرة فأكلتهم الأقطار فانقرضوا وبقيت منهم بمواطنهم الأصلية بقايا. د - لماية: من أكبر قبائل ضريسة وأوفرها عددًا، كانوا ظواعن بإفريقيا والمغرب وجمهورهم موطنًا بالتخوم الجنوبية مما يلي الصحراء، وهم الذين نزل عليهم عبد الرحمن بن رستم مؤسس الدولة الرستمية فبايعوه بالخلافة وبنوا له مدينة تيهرت، ثم أكلتهم الحروب التي حدثت فيما بعد بين الممالك والإمارات المغربية وخربت تيهرت التي اختطوها فهلكوا بهلاكها وبقيت منهم فرق أوزاعًا في القبائل، باسمهم سميت قرية لماية الواقعة بين زوارة وطرابلس.

стр. 2684

هـ - مديونة: من أشهر قبائل المغرب، كان جمهورهم بنواحي تلمسان بين جبل بني راشد والجبل المنسوب إليهم قبلة وجدة، ودخلت منهم جماعات وفيرة العدد إلى الأندلس مع طلائع الفتح الإسلامي فكان لها بها استفحال، ثم زاحمتهم القبائل في بلادهم حتى ألجأتهم إلى حصون جبل تاسالة وجبل وجدة، منهم فرق معروفة باسمها الأصلي بالمغربين الأقصى والأوسط، وبطون مندرجة في قبائل أخرى ومواضع مسماة باسم القبيلة أو مضافة إليه. و - مطماطة: اسم أبيهم مصكاب، ومطماط ليس إلا لقبا له، وتعتبر مطماطة شعبا لاشتمالها على قبائل عديدة لا يخلو منها مكان بالمغرب، وإليهم ينسب الجبل الشهير الواقع في جنوب القطر التونسي وسيأتي الكلام مفصلا عنهم. ز - مطغرة: (١) من أوفر قبائل ضريسة، كان جمهورهم بالمغرب الأقصى على عهد الفتح الإسلامي، وساهموا في فتح الأندلس مع طارق بن زياد وأجازت منهم أمم إليها بعد ذلك، واستقروا بها، وهم موجودون اليوم بنواحي تلمسان وفاس وقرى تافيلالت وتوات، ومنهم أوزاع في أعمال المغرب الأوسط وإفريقيا. ح - مغيلة: كان منهم جمهوران أحدهما قرب مصب وادي شلف بالمغرب الأوسط، والآخر بالمغرب الأقصى، وهم إحدى القبائل التي قامت بنصرة الإمام إدريس بن عبد الله الكامل لما حل بالمغرب وحملت البربر على طاعته والدخول في أمره، لم يبق منهم على عهد ابن خلدون بمواطنهم الشرقية جمع ولا حي، وأكثريتهم موجودة اليوم بناحية فاس وصفرو وتازة من المغرب الأقصى. ط - صدينة: إحدى القبائل التي قامت مع مغيلة لنصرة إدريس بن عبد الله الكامل، منها بطن مندرج في قبيلة شراكة قرب فاس، وبها سميت قرية قرب تطوان. ومن ولد يحيى بن ضريس:

стр. 2685

ي - زناته: من ولد أجانا أو زانا (١) بن يحيى بن ضريس، أضيفت إليه الألف والتاء للتعميم عند الجمع على طريقة البربر فصارت جانات أو زانات، فلما عربه العرب عاملوه معاملة المفرد وأضافوا إليه هاء الجمع فصار زناته، وقيل في نسبهم أنهم عرب من حِمْيَر. وهذا الشعب من أكبر شعوب البربر على الإطلاق تسنموا ذروة المُلك والإمارة في الإسلام مرات عديدة، فمنهم بنو مدرار ملوك سجلماسة، وخلفاء الموحدين، وبنو مرين ملوك فاس وبنو عبد الواد ملوك تلمسان وسواهم، وتنضوي تحت زناته قبائل كثيرة وبطون عديدة، وكانت مواطنهم الأصلية بصحراء المغرب ما بين غدامس إلى وادي الساورة، ثم طلعت منهم جماعات إلى التل فاستوطنت المغرب الأوسط وملأت سهوله وجباله حتى سمي وطن زناته كما استوطنوا القسم الشرقي من المغرب الأقصى إلى جبال تازة، وهم موجودون اليوم في كل مكان بالبلاد المغربية، معروفون باسمهم الأصلي أو بأسماء قبائلهم وبطونهم الفرعية مثل يفرن وجراوة ويلمان وبرزال ودمر ومغراوة وصمار. ك - زوارة: منهم بطون مندمجة في قبيلة بني موسى (دوار سيدي حمودة) وقبيلة صنهاجة (دوار الشركة) وقبيلة أولاد عطية (دوار الصوادق) بالمغرب الأوسط، وبهم سميت المدينة الساحلية الواقعة إلى الغرب من طرابلس، وقد التبست هذه القبيلة على كثير من المؤرخين والنسابين فحسبوها قبيلة زواوة التي يرجح أنها من بربر كتامة البرانس. ل - زواغة: بنو سمكان (٢) بن يحيى إخوة زوارة، ينقسمون إلى ثلاثة بطون: بنو دمر بن زواغ، وبنو واطيل بن زحيك بن زواغ، وبنو ماجر بن تيفون بن زواغ، وهم أوزاع في القبائل منتشرون في جميع البلاد المغربية، منهم قبيلة معروفة باسمهم الجامع في ناحية فج مزالة بالقطر الجزائري، وكانت منهم في أول الفتح الإسلامي فرقة بظاهر فاس إليها ينسب بسيط زواغة الواقع بينها وبين صفرو وجبل كندر.

стр. 2686

م - مكناسة: هم في الحقيقة شعب كبير تنطوي تحته جميع بطون مكناسة وأوكته وورتناج أبناء ورسطف بن يحيى بن ضريس والقبائل المتفرعة عنها، كانت مواطنهم الأصلية على وادي ملوية من لدن منبعه بجبال الأطلس المتوسط إلى مصبه بالبحر الأبيض وما يقارب ذلك الوادي من جبال وسهول، وباسمهم سميت مدينة مكناس الحاضرة المغربية الشهيرة، ولا تزال بقاياها بجوار تازة تُدعى باسمها الأصلي، وكذلك توجد قبيلة منها تحمل نفس الاسم قرب مدينة عمي موسى بعمالة وهران، وتوجد أوزاعها وقبائلها الفرعية بسائر أقطار المغرب العربي، ودخلت منها فرق إلى الأندلس اشتهر منها بعض البيوت كبيت بني وانسوس رهط الوزير سُلَيْمان بن وانسوس.

стр. 2687

شعوب البرانس ١ - شعب أزداجة يعرفون أيضًا بوزداجة، وكثير من نسابي البربر يعدونهم في بطون زناته، وقد يقال: إن أزداجة من زناتة البترية، ووزداجة من هوارة البرنسية. كانت مواطنهم بناحية وهران من المغرب الأوسط، وكانت لهم كثرة ووفور، واعتزاز وآثار في الفتن والحروب إلى أن استأصلهم يعلي بن أبي محمد اليفرني بأمر الخليفة الناصر الأموي سنة ٤٤٣ هـ وهجر الرؤساء منهم إلى الأندلس فلم تبق منهم إلا أوزاع تقيم على حال من الذل والهضيمة وتنتظم في عداد القبائل الغارمة. من بطونهم: أ - مسطاسة: يقال إنهم بطن مندرج فيهم فقط، ويقال أيضًا: إنهم ولد مسطاس أخي أزداج، منهم أوزاع بالمغرب الأقصى، وأسرة شهيرة. ب - بنو مسكن بجيم بدوية كانوا مجاورين لوهران. ٢ - شعب أوربة ولد أورب بن برنس، كانوا من القبائل التي لها الكثرة والغلب لعهد الفتح الإسلامي لوفرة عددهم وشدة بأسهم، وكان أميرهم يومئذ سكرديد بن زوغي بن بارزت بن برزيات، توفي سنة ٧١ هـ بعد ما ولي عليهم ٧٣ سنة، لا تزال بقاياها بناحية تازة معروفة باسمها الأصلي المعرب (وربة)، وتزعم قبيلة آيت وريبل أنها منحدرة منها. من قبائلهم: أ - ديقوسة. ب - رغيوة: لا تزال معروفة بهذا الاسم شمال إقليم فاس، ومنها بطن مندرج في قبيلة التلاغمة (دوار راس سكين) بالمغرب الأوسط. ج - زهجوكة: كُتبت في تاريخ ابن خلدون زهكوجة، وينطق بها اليوم

стр. 2688

محليا جهجوكة أيضًا، كانت مواطنها بجهات القصر الكبير من المغرب الأقصى، وبها سميت قرية هناك، ذكر البكري أنها كانت مقر أحد أمراء الأدارسة، وزهجوكة مشهورة بين قبائل جبالة بالرقص والغناء وتضرب بها الأمثال في ذلك. د - لجاية: لامها أصلي كلام لمدية ولمتونة الصنهاجيتين، لا تزال موجودة قرب وادي ورغة شمال إقليم فاس، وقد حرفت إلى بجاية في النسخ المطبوعة من تاريخ ابن خلدون، والصواب هو ما أثبتناه؛ لأن بجاية بعيدة عن مواطن أوربة، ومعدودة كتامة أو صنهاجة بالمغرب الأوسط كما سيأتي. هـ - مزياتة: تعرف اليوم بمزيات فقط، مواطنها قرب وادي ورغة شمال إقليم فاس. و - نفاسة. ز - ونيجة. ٣ - شعب أوريغة ويقال لشعب أوريغة أو ريغة اختصارًا، ويقال لهم أيضًا هوارة تغليبا، وهم بنو أوريغ بن برنس. زعم كثير من النسابين أن شعوب أوريغة وقبائلها من عرب اليمن، وقيل من عاملة إحدى بطون قضاعة، أو من ولد المسور بن السكاسك بن وائل بن حِمْيَر، وإذا تحروا الصواب في نسب أوريغ قالوا: إنه ابن خبور بن المثنى بن المسور، وعند هؤلاء النسابين أن هوارة وصنهاجة ولمطة وكزولة وهسكورة إخوة يعرف جميعهم ببني ينهل وأن المسور جدهم جميعًا وقع إلى البتر ونزل على بني زحيك بن مادغيس الأبتر، وكانوا أربعة: أداس، وضريس، ولوا، ونفوس، فزوجوه أخته تيصكي (١) العرجاء بنت زحيك. وبطون أوريغة التي تتفرع عنها شعوبهم وقبائلهم كثيرة جدا فيها من أبناء أوريغ وفيها من أبناء غيره، وقد تقدم أن قبائل أداسة البترية اندمجت في هوارة

стр. 2689

منهم، كما اندمج فيهم عدد آخر من القبائل البرنسية قبل الإسلام، ومن القبائل العربية بعده. وكانت مواطن جمهورهم لأول الفتح الإسلامي بنواحي طرابلس وما يليها من برقة، ظواعن وآهلين، ثم انساحوا مع الزحوف الإسلامية إلى سائر جهات المغرب والصحراء، وعبروا البحر مجاهدين إلى الأندلس مع طارق بن زياد، وإلى صقلية مع أسد بن الفرات، وكانت لهم وقائع وأيام وحوادث وآثار كثيرة في القرون الأولى التي تلت دخول المسلمين إلى البلاد المغاربية. ويندرج تحت اسم أوريغة أربعة شعوب وعدد من القبائل والبطون. أما الشعوب فهي المتنسلة من أبناء أوريغ الأربعة: ١ - ملد بن أوريغ ويقال لقبائله بنو لهان أو لهانة فقط. ٢ - مقر بن أوريغ وينطق ويكتب أيضًا مغر بالغين على عادة أهل الصحراء في قلب القاف غينًا. ٣ - قلدن بن أوريغ. ٤ - هوار بن أوريغ. أما القبائل والبطون المندمجة فيهم، فمنهم قبائل شعب أداسة التي سبقت لدى الكلام على شعوب البتر، يقال: إن أم أداس تزوجها بعد زحيك بن مادغيس الأبتر (أوريغ بن برنس) فاختلط نسب أداسة مع نسب أوريغة بسبب ذلك، ومنهم قبائل برنسية وأخرى عربية شاركتها في المواطن والمراعي طوعًا أو كرها، ورافقتها في الزحوف والمرابط فأصبحت وإياها شيئًا واحدا. وجميع هذه الشعوب والقبائل والبطون الوريغية غلب عليها اسم هوارة، لان هوار بن أوريغ أكبر إخوته سنا وأسيرهم ذكرًا فانتسبوا إليه جميعًا. فمن قبائل لهانة بني لهان بن ملد بن أوريغ: أ - أسيل. ب - سطات: كتبت في تاريخ ابن خلدون سطط، وفي جمهرة ابن حزم ستات، لعل إليها نسبة المدينة القريبة من الدار البيضاء، وليس منها قبيلة سطة الشهيرة بإقليم فاس، فهذه من شعب صنهاجة كما سيأتي.

стр. 2690

ج - مليلة (١): من أكبر قبائل البلاد المغربية، لها فروع في جميع الجهات مستقلة بنفسها أو مندمجة في غيرها، وينسب إليها عدة مواضع. د - مسراتة: باسمها سميت المدينة الليبية الشهيرة. هـ - ونيفن: عدها سابق المطماطي في جملة قبائل لهانة. و - ورفل: لغل من بطن ورفلة المندرج في قبيلة أولاد سيدي يحيى (دوار بن الكفيف) المستقرة قرب تبسة بالمغرب الأوسط. ومن قبائل مقر أو مغر: أ - زمور: يوجدون بكثرة في جميع البلاد المغربية. ب - كبا: كذا وردت في جمهرة ابن حزم وكتبت (كياد) في تاريخ ابن خلدون. ج - كركودة: من القبائل التي زارها سابق المطماطي وأصحابه. د - ماواس: منهم فروع بالمغرب كانت مندرجة في قبيلة بطوية. هـ - منداسة: أبناء منداس بن مقر، إليهم ينسب وادي منداس من عمالة وهران، وكانت مواطنهم هناك إلى أن استفحل أمر مطماطة فأخرجوا منداسة منها وغلبوهم على أمرهم، وهم قبيلة سعيد بن عبد الله المنداسي الشاعر الفحل صاحب (العقيقة) في مدح الرسول ومادح السلطان مولاي إسماعيل ابن الشريف العلوي. و - سراي: وكتبت أيضًا مسراي ومسرات. ز - ورجين: عدها سابق وأصحابه في بني مقر، وهم موجودون اليوم قرب عنابة معروفون باسمهم الأصلي: بني ورجين. ومن قبائل فلدن: أ - بيانة: كتب أيضًا بياتة.

стр. 2691

ب - فل: كتب أيضًا بل، ويظهر أن الأول أصح لوجود ما يدل عليها من أسماء القبائل البربرية مثل آيت وفلة. ج - قمصانة: كتب أيضًا قمصاتة. د - ورسطيف: كتب أيضًا ورصطيف. ومن ولد هوار بن أوريغ قبائل بني كهلان التي هي: أ - زكارة: يوجدون بناحية شرشال والأصنام بالمغرب الأوسط، وبجبال الهبط بالمغرب الأقصى، وقد كتب الاسم بالواو بدل الراء في تاريخ ابن خلدون (زكاوة) والأول أصح، إذ لا تعرف قبيلة بالاسم الأخير في البلاد المغربية. ب - مجريس. ج - مسلاتة بها سميت بلدة ساحلية في ليبيا. د - غريان: بها سميت قرية واقعة جنوب مدينة طرابلس. هـ - ورغة: لا تزال منها بقية بالجنوب التونسي، وإليها ينسب نهر بشمال المغرب الأقصى كانت فرقة منها تسكن على عدوتيه. ويقال: إن من بني كهلان الهواريين أيضًا قبائل ونيفن وورجين ومليلة التي تقدمت، وكذلك القبائل الآتية: أ - بنو كسي. ب - لشوة. ج - هكارة: سكان المنطقة الوسطى والشرقية من صحراء المغرب، وبهم تعرف المنطقة كلها هكار، وأصل هكارة هوارة قلبت العجمة واوًا أعجميا يخرج بين الكاف العربي والقاف. د - هيوارة: عدها سابق وأصحابه من جملة قبائل بني كهلان الهواريين، وذكرهم ابن خلدون مع بطون بني يلول من كومية. هـ - ورتاكط.

стр. 2692

٤ - شعب كُتَامة من أشهر شعوب البربر وأشدهم قوة وبأسًا وأكثرهم استقرارًا وتمرسًا بالحضارة، ينسبون إلى أبيهم كتام أو كتم بن برنس، ويؤكد الطبري وابن الكلبي وغيرهما من نسابي العرب أنهم من حِمْيَر، وأن أفريقش بن قيسي بن صيفي من ملوك التبابعة الذي افتتح إفريقيا بقبائل العرب في زمن قديم خلفهم وصنهاجة به عند رجوعه من غزوته وسماهم البربر لما رأى من لغطهم وتغير لغتهم بعد اختلاطهم بأهل البلاد الأصليين عدة سنوات. كانت قبائل كتامة موجودة من قديم في جميع نواحي المغرب، إلا أن جمهورهم كان عند الفتح الإسلامي موطنًا بأرياف إقليم قسنطينة وشرق المغرب الأوسط على العموم من جبل أوراس جنوبًا إلى سيف البحر ما بين عنابة وبجاية، وكانت لهم في تلك المواطن مدن مذكورة مثل سطيف وباغاية ونقاوس وبلزمة وميلة وقسنطينة والقل وجيجل أكثرها لهم وبين ديارهم ومجالاتهم، لكنهم تنكروا مع ذلك لنسبهم وأخذوا يفرون منه بعد ما أصبح المثل السائر في الذلة بين القبائل لما نكرتهم الدول بسبب انتحالهم لبعض المذاهب الشاذة، ولم تبق منهم إلا قبيلة واحدة معروفة باسمها الأصلي مستقرة بشمال المغرب الأقصى. ولكتامة قبائل وبطون كثيرة يجمعها كلها ابناه غرسن ويسودة. فمن قبائل غرسن - بنو يناوة وهم: أ - جيملة: بكسر الجيم ومد وسكون الميم، مازالت معروفة إلى اليوم بهذا الاسم، وهي ساكنة على عدوتي وادي جندين بين جيجل وسطيف من المغرب الأوسط.

стр. 2693

ب - لهيصة: لا تعرف مواطنهم، ومنهم القائد الشهير أبو حميد دواس بن صولان اللهيصي الذي عقد له على تيهرت القائد عروبة بن يوسف الكتامي سنة ٢٩٨ هـ. ج - مسالتة: توجد بقاياها اليوم معروفة بهذا الاسم مندرجة في قبيلة الساحل القبلي (دوار تالا - إيفاسين) بين أقبو وسطيف بالمغرب الأوسط. - وبنو ينطاسن وهم: أ - إجانة. ب - أوفاس. ج - غسمان. - وبنو إيان وهم: - ملوزة: وتكتب أيضًا ملوسة بالسين، منهم قبيلة شهيرة معروفة باسمها إلى اليوم مستقرة بجوار المسيلة بالمغرب الأوسط، وبطن مندرج في قبيلة أنجرة بين سبتة وطنجة سميت به قرية دعاها أبو عبيد البكري ملوثة، ومن ملوسة أيضًا بنو زلدوي أهل الجبل المطل على قسنطينة. - ومن قبائل غرسن أيضًا: أ - ماوطن. ب - معاذ. ج - قلان. - ومن قبائل يسودة بن كتام: أ - دنهاجة: منها بطن معروف باسمها إلى اليوم مندرج في قبيلة زرديزة (دوار بو طيب) المستقرة بين سكيدة وعنابة، وذكر ابن خلدون أن إليها تنسب قصور

стр. 2694

كتامة بالمغرب لعهده (١)، وذكر أبو عبيدة في المسالك والممالك مكانًا منسوبًا إليهم قريبًا من جبل صرصر يُسمى قصر دنهاجة، قال: إنه على تل وتحته نهر عظيم وفيه آثار للأول، وبه كان ينزل ملوك المغرب في قديم الدهر. ب - متوسة: ما زالت معروفة بهذا الاسم إلى الآن مع مجموعة قبائل الحراكتة قرب مدينة العين البيضاء بعمالة قسنطينة، ومنها بطن مندمج في قبيلة جيملة الساكنة بين جيجل وسطيف يُدعى متوسين. ج - فلاسة. د - وريسن. هـ - زواوة: عدهم بعض النسابين إخوة زواغة البتريين من ولد سمكان بن يحيى بن ضريس بن زحيك بن مادغيس الأبتر، واضطرب ابن حزم في الجمهرة فذكرهم مرة مع قبيلة ضريسة البترية (٢) ومرة جعلهم من كتامة لما تكلم على البيوتات البربرية بالأندلس (٣) وحصل مثل هذا التردد لابن خلدون فذكرهم مع البتر ومع البرانس مع ميله إلى الاعتقاد أنهم من كتامة للموطن ونحلة التشيع معهم لعبيد الله الفاطمي، (والمواطن أوضح دليل عليه، وإلا فأين مواطن زواغة وهي بطرابلس وبالمغرب الأقصى من مواطن كتامة)؟ وهو يرى أن التصحيف هو الذي حمل على الغلط في نسبهم، فقد صحف اسم زوازة بالزاي إخوة زواغة إلى زواوة بالواو فاستمر التصحيف وجمعت زواغة وزواوة معًا في نسب سمكان. ويظهر لي أن ابن خلدون نفسه وقع هنا في خطأ بسبب التصحيف، فالاسم الذي صحف وكان مثار هذا الالتباس هم زوارة بالراء التي سميت بها مدينة زوارة الليبية وتعرف منها بطون إلى اليوم، وليس زوارة التي لا تعرف بين قبائل البربر في قديم ولا حديث.

стр. 2695

وزواوة في الحقيقة شعب كبير يشتمل على عدد من القبائل، وهم يسكنون الجبل المنسوب إليهم الواقع إلى شرق مدينة الجزائر بين بجاية ودلس، (وهو أعصم معاقلهم وأمنع حصونهم، فلهم به الاعتزاز على الدول، والخيار عليها في إعطاء المغرم (١)، ومنهم أوزاع مستقرة في سائر البلاد المغاربية. و - كُتامة: قبيلة مستقرة بإقليم الحسيمة من المغرب الأقصى، وهي معدودة مع مجموعة صنهاجة السراير رغم اختلافهما في النسب. ز - مصالة: تنطق أيضًا مزالة بإشمام الزاي صادًا، ما زالت معروفة إلى اليوم باسمها، مستقرة بالعدوة اليسرى لوادي يداس على بعد ٢٦ كم إلى الشمال الغربي من مدينة بجاية، وإليها تنسب مدينة فج مزالة الواقعة إلى الجنوب من مرسى جيجل. ح - بنو قنسيلة. ط - سدويكش. ي - بنو بستيتن: يعرفون اليوم بستيتن وأهل ستيتن، منهم قبيلة مستقرة قرب البيض على بعد ٢٠ كم إلى الشمال الشرقي منها، ومنهم فرقة مندرجة في بني كلال بجهة دبدو بإقليم وجدة. ك - هشتيوة. ل - بنو تليلان: ما زالوا موجودين معروفين باسمهم قرب الميلية إقليم قسنطينة. ٥ - شعب مصمودة هم أقحاح البربر الذين لم يختلطوا بسواهم إلا نادرًا، وأهل المغرب الأقصى الأولون المختصون بسكنى جباله منذ الأحقاب المتطاولة، لم يخرجوا منه إلا بعد مجيء الإسلام إما لنشره بين من يجاورهم من الأمم والشعوب، وإما لتوطيد نفوذ الإمارات والممالك المغربية فيما خلف وطنهم من أوطان. وهم أبناء مصمود بن يونس والد شعوب البرانس.

стр. 2696

كانت مواطنهم الأصلية تبتدئ في شمال المغرب الأقصى، من حدود بلاد الريف من جهة الشرق إلى المحيط الأطلسي من جهة الغرب، ثم تمتد مساحلة إلى الجنوب شاملة سهول أزغار (الغرب) وتامسنا (الشاوية) ودكالة والحوز حتى تتصل بجبال الأطلس الكبير إلى سفوحها الخلفية المطلة على إقليم سوس، ثم تسير شرقًا من رؤوسها الداخلة في المحيط الأطلسي إلى ملتقاها بجبال الأطلس المتوسط بين تازة وتادلة عند ثنية المعدن المعروفة ببني فازاز المفضية إلى آكرسلوين بناحية سجلماسة حيث تبتدئ مواطن الزناكة (١) فهم أهل الجبال وغيرهم أهل البسائط إلا قليلا. وتشتمل مصمودة على شعوب وعدد كبير من القبائل تعرف بأسماء فرعية، ولم يبق معروفًا منها بالاسم الأصلي إلا قبيلة واحدة مستقرة قرب مدينة وزان إلى الشمال الغربي من فاس، وبطون مندمجة في قبائل مصمودية وغير مصمودية بالمغرب الأقصى والجزائر، وفيما يلي أهم شعوب مصمودة وقبائلها: أ - برغواطة: أكد ابن خلدون في صيغة الجزم أن برغواطة (شعب من شعوب المصامدة معروف (٢) بعد ما ذكر قبل هذه العبارة بقليل (أنهم كانوا شعوبًا كثيرة متفرقة (٣) والذي يتتبع كلام المؤرخين الذين عاشوا قبل ابن خلدون يقرون وكانوا معاصرين لبرغوطة يفهم أن هذه الكلمة ليست لها دلالة سلالية بالمرة وإنما تدل على نحلة دينية أطلقت على القبائل التي اتبعتها فقيل لها برغواطة كما يقال الشيعة والخوارج والرافضة والمعتزلة، وأصل الكلمة على ما ذكر المؤرخون أن صالح بن طريف أو يونس مؤسس ديانة برغواطة أصله من فحص برباط بالأندلس فقيل لكل من دخل في الديانة التي ادعى أنه أوحي إليه بها برباطي أو أبرباط، ثم أحاله العرب بألسنتهم إلى برغواط وأضافوا إليها هاء الجمع فصار برغواطة، أما أتباع هذه النحلة الذين يطلق عليهم هذا الاسم فهم بنو صالح بن طريف واثنتا

стр. 2697

عشرة قبيلة من قبائل البتر والبرانس ذكرها بأسمائها أبو عبيد البكري في المسالك والممالك (١) كما ذكر سبع عشرة قبيلة أخرى كانت تطيعهم وتحسب من مملكتهم مع بقائها متمسكة بالإسلام. كانت المنطقة التي شاعت فيها ديانة برغواطة هي منطقة تامسنا بالمغرب الأقصى الممتدة من نهر سلا (٢) إلى نهر أم الربيع، أي ما يعادل المنطقة التي تسكن فيها حاليا قبائل الشاوية وزعير، وكانت في الأصل موطنًا لزناتة وزواغة حتى نزل بها طريف صاحب ميسرة الحقير الذي سن لأهلها مذهبًا لم يلبث ابنه صالح أن صيره ديانة، فانضمت إليهم قبائل أخرى عرفوا وإياهم باسم المذهب الذي يدينون به، وقد استمر هذا المذهب قائمًا إلى منتصف القرن الخامس الهجري، ولكن أتباعه بقوا منذ تأسيسه معرضين لهجمات الإمارات والممالك الإسلامية بالمغرب والأندلس وتنكيلها، ومن أشهر الأمراء والقواد الذين فتكوا بهم الأمير تميم اليفرني بعد سنة ٤٢٠ هـ والفقيه عبد الله بن ياسين الجزولي داعية الموحدين الذي استشهد وهو يقاتلهم بكريفلة من أرض زعير سنة ٤٥٠ هـ. وقد اندثر اسم برغواطة منذ ذلك التاريخ وحل محل أتباعه في مواطنهم أو شاركهم فيها قبائل عربية طارئة وأخرى بربرية متعربة مثل مالك وسفيان، وعامر وحصين، والشاوية وزعير. ب - تينملل (٣): من قبائل مصمودة على عهد الموحدين، كانوا يعدلون هرغة قبيلة المهدي بن تومرت داعيتهم في التعصب له لتحيزه إليهم وبناء داره ومسجده بينهم، وقد ذكر صاحب كتاب (الأنساب في معرفة الأصحاب) أحد عشر بطنًا (٤) لتينملل، وتسمي القبيلة اليوم أهل وادي نفيس وهي واقعة إلى

стр. 2698

الجنوب الغربي من مراكش قرب قرية أميزميز، ولم يبق معروفًا منها بتينملل إلا المكان الذي يوجد فيه مسجد المهدي بن تومرت وقبور الموحدين المنبوشة. ج - حاحة: هم شعب يشتمل على عدد من القبائل، ما زالوا معروفين باسمهم الأصلي ومستقرين بمواطنهم الأولى على سيف البحر بين مدينتي الصويرة وأكدير. د - دكالة: من النسابين من عدهم من صنهاجة، ولعل السبب الذي أوقعهم في ذلك الخطأ ما رأوه من تعصب دكالة للدولة اللمتونية في منتصف القرن الخامس الهجري خلاف سائر قبائل مصمودة التي بادرت إلى الدخول في دعوة الموحدين، وما زالت دكالة مستقرة اليوم حيث كانت في القديم، على سيف البحر والسهول المجاورة له بين وادي أم الربيع ووادي نسيفة (تنسيفت)، وهم شعب يشتمل على عدد كبير من القبائل والبطون، وقد داخلهم في القرن السادس والقرن السابع من الهجرة العرب من موجة الهلاليين وأحلافهم فعربوهم وانقسمت دكالة منذ ذلك العهد إلى دكالة الحمراء وهي الجنوبية التي تحيط بآسفي وتسمي اليوم عبدة، ودكالة البيضاء وهي الشمالية التي تحفظ اسم دكالة. هـ - ركراكة: أشرف قبائل مصمودة لسبقهم إلى الإسلام وجهادهم في سبيله حتى ليقال أن قدماءهم شدوا الرحلة إلى النبي محمد ﷺ بمكة في أول ظهوره وكلموه باللغة البربرية فأجابهم بها وأسلموا ورجعوا للمغرب. كانت مواطنهم على عدوتي وادي نسيفة (تنسيفت) عند مصبه في البحر ثم تلاشوا في القبائل، فبعضهم بسوس وبعضهم بالسراغنة وبعض آخر في جهات أخرى، ولم يبق منهم في مواطنهم الأولى إلا قبيلة مندمجة في شعب الشياظمة. و - كدميوة: ذكر مؤلف كتاب (الأنساب) لها ٤٦ بطنًا، وقسمها إلى كدميوة الجبل وكدميوة الفحص، وهي مستقرة إلى الجنوب من مراكش وبها تقع قرية أميزميز. ز - كلاوة: تقع إلى الجنوب الشرقي من مراكش بينها وبين ورزازات، وهي

стр. 2699

اليوم منقسمة إلى كلاوة شمالية (دائرة آيت ورير) وكلاوة جنوبية (دائرة ورزازات). ح - كنفيسة: تقع شمال وادي سوس، ذكر في كتاب (الأنساب) لها اثنان وعشرون بطنًا وعد بعضها، وأكثر هذه البطون قبائل مستقلة اليوم بنفسها معروفة بأسمائها الفرعية مثل زداغة (ادا وزداغ) ومنتاكة ومدلاوة وسكساوة إلخ. ط - صادة: تعريب كلمة ايصادن واصادن واصادة ذكروا في كتاب (الأنساب في معرفة الأصحاب) مرة مع هسكورة الظل، ومرة مع القبائل المضافة، وذكر ابن خلدون أن منهم بطن مسفاوة وبطن ماغوس، وروي في صيغة الاحتمال أن منهم أيضًا غمارة ورهونة وأمول، ويظهر أن القبيلة كانت لها فروع بشمال المغرب ووسطه، فقد ذكرهم أبو عبيد البكري في مسالكه وممالكه من جملة القبائل المضافين إلى برغواطة، كما ذكر لهم مدينة قريبة من وادي ورغة قال أنها مدينة بها آثار ذات أعناب وأشجار كثيرة. ي - غمارة هم مصمودة الشمال، ومن أشهر شعوب البربر وقبائلهم، سموا باسم والدهم غمار بن مصمود، وقيل غمار بن سطاف بن مليل بن مصمود، وقيل غمار بن اصاد بن مصمود، وتزعم العامة أنهم عرب غمروا في الجبال فسموا غمارة، وهو مذهب عامي. كانت مواطنهم تمتد على ساحل البحر المتوسط من حد بلاد الريف إلى المحيط الأطلسي، ثم تمتد على السهول الساحلية حيث كان يسكن بنو حسان منهم قبل دخول العرب الهلاليين حتى تصل إلى تامسنا حيث مواطن قبائل برغواطة، ثم حدثت تغيرات كثيرة في مساكن القبائل المصمودية منذ القرن السادس الهجري الذي غمرت فيه المغرب موجات من العرب الهلاليين والمنضافين إليهم فزاحموا قبائل البربر، ومنهم غمارة بالسهول وألجأوها إلى الجبال واضطر من بقي منها في غير الجبل إلى التعرب والاندماج فيهم، وقد تضاءلت المنطقة التي تسكنها القبائل المسماة اليوم غمارة وهي واقعة إلى الجنوب الشرقي من تطوان على ساحل البحر،

стр. 2700

ولكن قبائل غمارة المعروفة بأسمائها الفرعية ما زالت تعمر منطقة أوسع وأكبر، كما أن قبائل أخرى معروفة بالاسم الأصلي أو الأسماء الفرعية انتقلت من مواطنها الأولى إلى مواطن جديدة بالمغرب الأقصى والمغرب الأوسط. ك - هرغة: قبيلة المهدي بن تومرت داعية الموحدين، واسمها البربري أرغن، يظهر أنها كانت قبيلة كبيرة، وعدد صاحب (الأنساب) بطونها والمضافين إليها، لكنهم دثروا وتلاشوا وانتفقوا في القاضية من كل وجه، لما كانوا أشد القوم بلاء في القيام بالدعوة وأصلاهم لنارها بقرابتهم من صاحبها وتعصبهم على أمره، ولم يبق منهم إلا أخلاط وأوشاب، أمرهم إلى غيرهم من رجالات المصامدة لا يملكون عليهم منه شيئًا (١). بقاياهم موجودة اليوم بإقليم أكدير إلى الشرق من مدينة رودانة (ترودانت) قرب وادي سوس. ل - هزرجة: ذكروا في كتاب (الأنساب) بالاسم السابق المعرب وبالاسم الأصلي المبربر ايليزركن وعدوا فيه من جملة القبائل، ولا تعرف اليوم قبيلة بهذا الاسم، وأحسب قبيلة الزرقيين الموجودة إلى الجنوب من وادي درعة من بقايا قبيلة هزرجة. م - هزميرة: كانت مستقرة بحوز مراكش. ن - هنتاتة: واسم جدهم هنتات ينتي بلسان المصامدة، ذكر لهم في كتاب (الأنساب) تسعة بطون مثل غيغاية ووزكيتة، فلا شك أن مواطنهم كانت حيث القبيلتان المذكورتان جنوب مراكش، كانوا على عهد الموحدين تلو قبيلة هرغة وقبيلة تينملل بما كانوا عليه من الكثرة والبأس ولما كان لشيخهم أبي حفص عمر بن يحيى - جد ملوك الدولة الحفصية - من صحبة المهدي والاعتزاز على المصامدة وقد انمحى اسم هنتاتة اليوم وحلت محله أسماء بطونها التي ارتقت إلى قبائل، ولكن بعض الأسر مازالت تنسب إليها خصوصا بمدينة صفاقس التونسية.
следующие страницы →