- فمن عمرو: بنو حَيْدان - ومنهم مُهْرة وهي قبيلة بناحية الشحر من بلاد اليمن ومنهم في عُمان وكان منهم مخلاف اليمن، وتنسب إليهم الإبل المُهْرية الشهيرة في الجزيرة العربية.
ومن عمرو أيضًا - بنو بَهْراء - وبلادهم في الشام ومنهم صحابة للنبي ﷺ أشهرهم المقْداد بن الأسود (١) وبه يشتهر، كما ذكره ابن حزم باسم (حليفه) ابن خال النبي ﷺ ، ومن عمرو - بلِّي - وسوف نُفصِّل عنهم في هذا المجلد من موسوعة القبائل العربية.
- أما أَسْلُم: فمنه قبائل أشهرها جُهَيْنة، وهو جُهَيْنة بن زيد بن ليث بن سَوَّد بن أسْلُم بن الحافي بن قُضَاعة .. وسوف نُفصِّل أيضا عن جُهَيْنة في هذا المجلد من الموسوعة .. ومن أسْلُم قبائل أخوة لجُهيْنة مثل بنو نِهْد بن زيد وهم قلائل وقد سكنوا بلاد اليمن ثم الشام. وهناك أيضًا بنو سعد بن هذيم، وبنو ضنة بن سعد هذيم، وبنو هذيم بن زيد، ومن أشهر بطون سعد بن هذيم: بنو الحارث بن سعد هذيم، وبنو عُذْرة بن سعد بن هذيم، وهم غير عُذرة من كلب بن وبرة من قبائل عمران بن الحافي بن قُضَاعة.
وعن بني عُذرة بن سعد بن هذيم سوف نُلخِّص دورها المهم وتزعمها لقبائل قُضَاعة التي ساعدت قُصي بن كِلاب القُرَشي جد النبي ﷺ في أخذه مفاتيح الكعبة من خُزَاعة.
- أما عمران: فمنه قبيلة سَلِيح وكان منها ملوك الشام قبل الغساسنة وهم من ضجعم بن حماطة بن سعد بن سليح (عمرو) بن حلوان بن عمران، وقبائل جَرْم (٢) بن ربَّان وقيل زبَّان، وتَغْلب والبرك والثعلب وأسد (٣)، والثعلب وأسد أبناء وبرة مثل القيّن والنمر (٤) وكلب (٥) والأخيرة هي أشهر قبائل عمران بن الحافي
стр. 282
وكانت أكثرها عددًا وقوة وكانت تسكن (شمال المملكة العربية السعودية) في دومة الجندل قرب (سكاكة)، ويوجد في الشام فروع كثيرة منها وكان من (عُذرة) - بني كَلْب بن وبرة - زيد (١) بن حارثة ﵁ الذي تبناه الرسول فترة من الزمن وكان يُدْعى زيد بن محمد حتى حرَّم الله التبني فدُعِي زيد بن حارثة، وقد رفض العودة مع أبيه وقومه حبًا في الرسول ﷺ ، وقد تزوج زينب بنت جحش الأسدية ثم طلقها بعد تعاليها عليه، وقد أنزل الله في قرآنه وأحل رواج النبي ﷺ بها بعد زيد حتى لا يكون هناك حرج على زواج نساء الأبناء بالتبني، وفي نفس الوقت حُرِّم التبني في الإسلام، وكان زيد صبيًّا قد أسِر في غزوة من قبل بنو الجسْر من (القين) القُضَاعيين على قبيلته القُضَاعية - بني كَلْب، وقد بيع في مكة فاشترته السيدة خديجة ﵂، وقيل أن النبي ﷺ اختاره واستبقاه له، وقد قُتل شهيدًا في حروب المسلمين بالشام مع الروم (غزوة مؤتة)، وكان ابنه أسامة بن زيد قائدًا وهو شاب صغير آخر أيام الرسول ﷺ في غزوة إلى الشام (البلقاء والداروم - فلسطين) كما ذكر ابن هشام، والبلقاء في بلاد الأردن الأن إلى أقصى الشمال من المملكة الأردنية الهاشمية.
وكانت بلاد قُضَاعة في الشحر ثم نجران ثم الشام كما سوف نُلخِّص ما ورد في معجم ما استعجم للبكري .. وكان للقُضَاعيين ملْكٌ في بلاد الشام والحجار إلى بلاد العراق وفي إيلة وجبال الكرك بالأردن إلى مشارف الشام، وقد استعملهم الروم على بادية العرب هناك، وقد غزا عمرو بن العاص ناحية من بلاد قُضَاعة (عُذرة) في غزوة ذات السلاسل في ٧ هـ في حياة الرسول، وكان القُضَاعيون أشداء في الحروب، وقد حاربوا مع الروم في الشام ثم تركوا هرقل تباعًا وأسلم منهم كثيرون .. والتفصيل عن قبائل قُضَاعة لا يتسع لنا في هذا المجال وسنكتفي فقط بقبيلتي بَلِّي وجُهْيَنة لأنهما القبيلتين اللتين حافظتا على كيانهما القَبَلي حتى الآن دون سائر قُضَاعة.
стр. 283
لمحة عن بني عُذْرَة - قُضَاعة
عُذْرَة بطن عظيم من أسْلُم، وهو عُذرَة بن سعد بن هذيم بن زيد بن ليث بن سَوَّد بن أسلُم بن الحافي بن قُضَاعة .. وقد تفرَّعت منه أفخاذ كثيرة، وكان منهم في اليمن وأغلبهم كان في شمال الحجاز والشام، وعُذرة مشهورون بشدة العشق .. وقد قال سعيد بن عُقبة لأحد بني عُذْرة وهو لا يعرفه: ممن الرجل؟ قال مجيبًا: من قوم إذا عشقوا ماتوا!! قال سعيد له عُذري ورب الكعبة. ثم سأله: ومم ذاك يا أخ عُذرة؟ قال العُذري: لأن في نسائنا صباحة وملاحة وفي رجالنا جمال وعِفة.
وقال أبو عبيد: كان من عُذرة هؤلاء جميل بن عبد الله بن معمَّر وصاحبته بثينة بنت حِبا بن ثعلبة، وذكر ابن حزم أن لحِبْا صحبة وقال: منهم عروة بن حزام وصاحبته عفراء وهو ابن عمها وقد اشتد عليهَا حُبًا حتى مات من هواها!!
وقال الحمداني: أن من عُذرة جماعة بدمياط قرب ساحل البحر في الديار المصرية وكانوا حلفاء لسُنبُس (١) (طيئ) القحطانية.
عُذرة في التاريخ العربي
أهم ما يُذكر (٢) لبني عُذرَة هي وقفتهم إلى جانب قُصي بن كلاب القُرَشي جد النبي ﷺ الذي جمع قُريشا من كنَانة ونزع مفاتيح الكعبة من خُزَاعة، وقد قاتلوا مع من عاونهم من قومهم قُضَاَعة مع قصي ومن عاونه من قريش وقومه كنَانة العدنانية ضد خُزاَعة ومن عاونها من بني بكر - كنَانة، وصلة قُصي ببني عُذرةَ وقُضَاعة نشأت من زواج أم قُصي بأحد بني عُذرَة، فقد قدم ربيعة بن حرام العُذري إلى مكة المكرمة بعد هلاك كلاب بن مُرة والد قُصي وتزوج بفاطمة بنت سعد بن سيل، وكان زهرة أخو قُصي رجلًا وقصي طفل فطيم، وقد انتقل طبعًا مع أمه إلى ديار عُذرَة ونشأ قُصي لا يعرف أبًا سوى ربيعة ولا يعلم في أصله شيئا، فلما كان غلامًا يفعه دون البلوغ (حزورا) سابه رجل من قُضَاعة فعيَّره بأنه
стр. 284
دعيّ، أي أن قُصي يدَّعي أنه ابن ربيعَة، وقال له: لست منا وانما أنت مُلْصَقٌ فينا .. فدخل قُصي على أمه فاطمة وقد وجَم وحزن لذلك، فقالت له: يا بني صدق ما قاله الرجل لك إنك لست منهم، ولكن رهطك خير من رهطه، وآباؤك أشرف من آبائه، وانما أنت قُرشي وأخوك وبنو عمك بمكة المكرمة وهم جيران بيت الله الحرام، فدخل مسرعًا مع قافلة سيارة حتى أتى مكة، وقد كان قُصي يسمى زيدًا وسبب تسميته قُصي لما أنه بَعُدَ أو كان قَصيا أي بعيدًا عن بلده وقومه، وقد دُعي بعد ذلك مُجَمَّعا لما أنه أول رجل يجمع بني فِهْر (قُريش) من قومهم كِنَانة بعد أن كانوا بيوتات مبعثرين وليس لهم أي كيان عشائري موحد، وقد رأى قُصي أن قُريشًا هم قُرْعَة بني إسماعيل وصريح ولده وأحق من خُزاعَة في مفاتيح الكعبة، ودعى قُصي رجالًا من قريش وكنَانة لإخراج خُزَاعة من الحرم وقد أجابوه، وأرسل إلى إخوانه من أمه فاطمة وَعلى رأسهم رِزَاح بن ربيعة العُذْري يطلب المدد والعون فأجابوه بفرسان من عُذْرة وسائر قُضَاعة، وخرجت خُزَاعة تعاونها بكر من كِنَانة لمحاربة قُصي ومن معه، فاقتتل الفريقان قتالًا شديدًا فكثُر القتلى بين الفريقين جميعًا، ثم تداعوا للصلح والتحكيم وقد اختاروا لذلك رجلًا من بكر - كنانة!.
ورغم أنه من خصوم قُصي، أي قبيلته التي شذت عن كِنَانة وكانت تقف مع خُزَاعة إلا أن هذا الرجل كان عادلًا واسمه يعمر بن عوف، وقد قضى بأن قُصيا هو أولى بالكعبة وأمر الحرم بمكة من خُزَاعة، وأن كل دم أصابه قُصي من خُزَاعة أو بكر (كِنَانة) موضوع يشدخه تحت قدميه، وأما ما أصابت خُزَاعة وبكر من قريش ومن عَاونها من باقي كِنَانة وقُضَاعة ففيه الديَّة مؤداة، وأن يُخَلَّى بين قُصي وبين الكعبة، فسُمِّي يَعْمُر بن عوف (من بكر - كِنَانة) - الشدَّاخ - لما أنه قد شدخ من الدماء ووضع فيها، وتولى قُصي أمر الكعَبة ومكة وصار هو زعيم قومه، وما كانت تُنْكح امرأة قُرشيَّة أو يتزوج قُرَشي إلا في داره ويُعقد لها بعض ولده، وما كانت تدرع جارية من قريش إذا بلغت إلا في داره، وكان يُشق عليها فيها درْعُها ثم تدرعهُ ثم ينطلق بها إلى أهلها، وكان أمره في قومه في حياته ومماته كالدين المُتَّبع لا يُعمَل بغيره!!.
стр. 285
وكان أول من عمل دار الندوة، وجعل بابها إلى مسجد الكعبة، وفيه كانت قريش تقضي أمورها، فكان أول من سكن داخل الحرم مع قومه، وقد بلغ حدَّا من الدهاء.
"شعر رِزاح بن ربيعة العُذْري - القُضَاعي"
وقد قاله في إجابته لنصرة أخيه من أمه قُصي بن كلاب القُرشي قال رزاح:
لما أتى من قُصي رسول … فقال الرسول: أجيبوا الخليلا
نهضنا إليه نقود الجياد … ونطرح عنا الملول الثقيلا
نسير بها الليل حتى الصباح … ونكمي (١) النهار لئلا نزولا
فن سراع كورد القطا … يجبِّن بنا من قُصي رسولا
جمعنا من السر من أشمذين (٢) … ومن كل حي جمعنا قبيلا
فيا لك حلبة (٣) ما ليلة … تزيد على الألف سيبًا (٤) رسيلا (٥)
فلما مررن على عسجر (٦) … وأسهلهن من مستناخ سبيلا
وجاورن بالركن من ورقان (٧) … وجاوزن بالعرج حيا حلولا
مررن على الحيل (٨) ما ذقنه … وعالجن من مر ليلًا طويلا
ندني من العوذ (٩) أفلاءها (١٠) … إرادة أن يسترقن الصهيلا
فلما انتهينا إلى مكة … أبحنا الرجال قبيلًا قبيلا
стр. 286
نعاورهم ثم حد السيوف … وفي كل أوب خلسنا العقولا
نخبزهم (١) بصلاب النسور … خبز القوي العزيز الذليلا
قتلنا خُزَاعة في دارها … وبكرًا قتلنا وجيلًا فجيلا
نفيناهم من بلاد المليك … كما لا يحلُّون أرضًا سهولا
فأصبح سبيهم في الحديد … ومن كل حي شفينا الغليلا
وقال أيضًا ثعلبة بن عبد الله (هذيم القُضَاعي) في ذلك من أمر قُصي القُرشي حين دعاهم فأجابوه:
جلبنا الخيل مضمرة تُعالى (٢) … من الأعراف (٣) أعراف الجناب (٤)
إلى غوري تهامة فالتقينا … من الفيفاء في قاع باب
فأما صوفة الخنثي فخلوا … منازلهم محاذرة الضراب
وقام بنو علي (٥) إذ رأونا … إلى الأسياف كالإبل الطراب
وردَّ قُصي بن كِلاب على أخيه رزاح العُذري قائلًا:
أنا ابن العاصمين (٦) بني لؤي … بمكة منزلي وبها رُبْيت
إلى البطحاء قد علمت مَعْد … ومروتها رضيت بها رضيت
فلست لغالبٍ إن لم تأتل رزاح … بها أولاد قَيْذر والنبيت (٧)
ناصري وبه أُسامى … فلست أخاف ضَيْمًا ما حييت
стр. 287
قُصي ودوره في خلاف قُضَاعة مع بعضها البعض:
لما استقر رزاح بن ربيعَة العُذْري في بلاده نشر الله عُذْرَة وبارك فيها، وقد كان بين رزاح وبين نِهْد بن زيد وحوتكة بن أسلم وهما بطنان من أَسْلُم مثل عُذْرة، فأخافهم رزاح حتى لحقوا باليمن وأُجلوا من بلاد قُضَاعة، فقال قُصي بن كِلاب القرشي وكان يحب قُضَاعة ونماءها واجتماعها ببلادها لما بينه وبين رِزاح من الرحِم (أي أخيه لأمه) هذا أولًا، وثانيًا لبلائهم عنده إذا دعاهم إلى نصرته وقد كرهَ ما صنع بهم رزاح فقال قُصي شعرًا:
ألا من مُبلِّغ عني رزاحًا … فإني قد لحيتك في اثنين
لحيتك في بني نهد بن زيد … كما فرَّقت بينهم وبيني
وحوتكة بن أَسْلُم إن قومًا … عنوهم بالمساءة قد عنوني
стр. 288
قبائل قُضَاعة ومراحل تطورها قبل الإسلام
عن الكلبي عن ابن عباس (*) قال:
اقتسم ولد مَعْد بن عَدْنان (من ولد إسماعيل ابن الخليل إبراهيم ﵉ أرض الحجاز فصارت سبعة أقسام:
- فصار (لعمرو) بن مَعْد بن عَدْنان وهو قُضَاعة (١) لمساكنهم ومراعي أنعامهم جدة من شاطئ البحر وما دونها إلى منتهى ذات عرق إلى حيز الحرم من السهل والجبل، وبها موضع لكَلْب يدعى الجدير (جدير كَلْب)، وبجدة ولد جَرم بن ربَّان بن حلوان بن عمران بن الحافي (الحاف) بن قُضَاعة وبها سميت جدة!
قلت: وهنا لنا وقفة بأن تسمية جدة بهذا الاسم موضع خلاف بين المؤرخين، وقد أيد رأي من بين هؤلاء أن سبب تسمية جدة بهذا الاسم لموت أمنا حواء في هذا المكان فعرفت لبني آدم أن جدتهم (الجدة) الأولى قبرها بهذا الموضع، فصار يقال جدة على مر الأجيال .. والله أعلم.
- وصار لمُضَر بن نِزار بن مَعْد بن عَدْنان حيز الحرم إلى السراوات وما دونها من الغور وما والاها من البلاد لمساكنهم ومراعي أنعامهم من السهل والجبل.
- وصار لربيعة بن نِزار بن مَعْد بن عَدْنان مهبط الجبل من غمر ذي كنْدة وبطن ذات عرق وما صاقبها من البلاد في نجد إلى الغور من تهامة، فنزلوا ما أصابهم لمساكنهم ومراعي أنعامهم من السهل والجبل.
- وصار لإياد وأنمار ابني نزار بن مَعْد عَدْنان ما بين حد أرض مُضَر إلى حد نجران وما صاقبها من البلاد.
- وصار لقِنْص (٢) وسنام وسائر ولد مَعْد بن عَدْنان (وهم البائدين) أرض مكة وشعابها وما صاقبها من البلاد، فأقاموا بها مع من كان بالحرم من بقايا جُرْهُم القحطانية (أصهار أبينا إسماعيل ﵇.
стр. 289
ولم يزل أولاد (مَعْد) في منازلهم هذه كأنهم قبيلة واحدة في اجتماع كلمتهم وائتلاف أهوائهم تضمهم المجامع وتجمعهم المواسم وهم يد على من سواهم حتى وقعت الحرب بينهم فتفرقت جماعتهم وتباينت مساكنهم، وأول حرب وقعت بين العدنانية كانت بسبب قتل حَزِيمة بن نَهد بن زيد بنِ لَيث بن سود بن أسْلُم بن قُضَاعة (ليذْكُر) من عَنَزة (ربيعة بن نِزار)، وكان حَزِيمة قد التقى بيذْكُر العَنَزي وكانا يجمعان أو يجتنيان القرظ (١) فوثب حَزِيمة على يذْكُر فقتله، وكان ذلك بسبب ضرب بني ربيعة له لتعرضه لابنه يذكُر بالشِعر، وكان حَزِيمة فتى فاتكًا متعرضًا بالأذى.
وفي مقتل يذْكُر العَنَزي من قبل حَزِيمة القُضَاعى قال العرب: حتى يئوب قارظ عنزة، وقال بشر بن أبي خازم:
فرجي الخير وانتظري إيابي … إذا ما القارظ العَنَزي آبا
فلما فُقِدَ يذْكر قيل لحَزِيمة: أين يذْكُر؟ قال: فارقني فلست أدري أين سلك؟ فاتهمته بنو ربيعة، وكان بسبب ذلك شر وضغينة ما بين ربيعَة وقُضَاعة لما أن يذكُر العَنَزي المقتول مجحودًا لم يتحقق أمره فيؤخذ بدَمِه، وظل هذا الحال من الغُبْن الكامن في صدور بني ربيعة حتى قال حَزِيمة القُضَاعي شِعرًا صرح واعترف فيه بقتل يذكُر العَنَزي.
وحين بلغ الشعر لبني ربيعة زاد الشر الذي بلغ حدا لا تهدأ ولا تنام علي هذا الصنيع من قبل حَزِيمة، وبالمثل اعتبر بنو مُضَر أن الضَيْم يلحقهم لما أن ربيعَة ومُضَر أبناء رجل واحد هو نِزَار، فاجتمعت ربيعَة ومُضَر على قُضَاعة وحالفتهم كنْدة القحطانية، واجتمعت قُضَاعة وحالفتهم عَكْ بن عدنان والأشعريون (٢) القحطانية .. فاقتتل الفريقان فهُزِمَت قضَاعة وأجْلوا عن منارلهم وظعنوا مُنْجدين أي عُنوة (٣) من بني نزار (ربيعة ومُضَر)، فقال عامر (٤) بن الظرب بن عياذ بن بكر
стр. 290
ابن يشكر بن "عَدَوان" (١) بن عمرو بن قيس عَيَلان بن مُضَر بن نزار - في نصر بني نِزار على قُضَاعة، وطردهم من بلاد بني عدنان كلها قال شعرًا منه:
قُضَاعة أجلينا من الغور كله … إلى فلجات الشام تزجى المواشيا
لعمري لئن صارت شطيرًا ديارهم … لقد تأصر الأرحام من كان نائيا
وما عن تقال كان إخراجنا لهم … ولكن عقوقًا منهم كان باديا
بما قدم (٢) النهدي لا در دره … غداة تمنى بالحرار (٣) الأمانيا
فسارت تيم اللات بن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قُضَاعة وفرقة من بني رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة وفرقة من الأشعرين نحو بلاد البحرين حتى وردوا هِجْر وبها يومئذ قوم من النِبَط فأجلوهم عنها، فقال مالك بن زهير بن عمرو بن فَهْم بن تيم اللات بن أسد وبرة:
نزعنا من تهامة أي حي … فلم تحفل بذاك بنو نِزار
ولم أك من أناسكم ولكن … شرينا دارًا آنسة بدار
فلما نزلوا بهِجْر قالوا للزرقاء بنت زهير - وكانت كاهنة - ما تقولين يا زرقاء؟ قالت: سعف وإهان وتمر وألبان خير من الهوان.
ثم ٠ أنشدت تقول:
ودَعْ تهامة لا وداع مخالق … بذمامه مكن قلى وملام
لا تنكري هجر مقام غريبة … لن تعدمي من ظاعنين تهام
قالوا وما ترين يا زرقاء؟ قالت مقام وتنوخ ما ولد مولود وأنفقت فروخ إلى أن يجيء غراب أبقع أصمع أنزع عليه خلخالًا ذهب فطار فألهب ونعق فنعب يقع
стр. 291
على النخلة السحوق بين الدور والطريق فسيروا على وتيرة ثم الحيرة الحيرة، فسميت تلك القبائل تنوخ (من قُضَاعة) لقول الزرقاء مقام وتنوخ، ولحق بهم قوم من الأزْد القحطانية فصاروا إلى وقت أو عهد ابن عباس في تَنوخ أو عهد البكري بعد الإسلام بعدة قرون لذكره كلمة - صاروا إلى الآن - ولحق سائر قُضَاعة موت ذريع، ونزلت فرقة من بني حلوان بن عمران يقال لهم بنو تزيد بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قُضَاعة ورئيسهم عمرو بن مالك التزيدي فنزلوا عَبْقر من أرض الجزيرة، فنسج نساؤهم الصوف وعملوا منه الزرابي فهي التي يقال لها العَبْقرية، وعملوا البرود وهي التي يقال لها التزيدية، وأغارت عليها الأعاجم فأصابتهم وسبت نساء منهم فذلك قول عمرو بن مالك بن زهير:
ألا لله ليل لم ننمه … على ذات الخضاب مجنبينا
وليلتنا بآمد (١) لم ننمها … كليلتنا بميَّا فارقينا
وأقبل الحارث بن قراد البهراني (من بهراء بن عمرو بن الحاف بن قُضَاعة) ليعيث في بني حلوان فعرض له أباغ بن سليح صاحب عين أباغ فاقتتلا، فقُتل أباغ ومضت بهراء حتى لحقوا بالأعاجم فهزموهم وأستنقذوا ما بأيديهم من بني تزيد من السبي .. فقال (٢) الحراث بن قراد البهراني:
كأن الدهر جمع في ليالي … ثلاث بتهن بشهر زور
صفقنا للأعاجم من معد (٣) … صفوفًا بالجزيرة كالسعير
لقيناهم بجمع من عِلاف (٤) .... ترادى بالصلادمة الذكور
وسارت سَلِيح بن عمرو بن الحاف بن قُضَاعة يقودها الحدرجان بن سَلَمَة حتى نزنوا ناحية فلسطين على بني أذينة بن السميدع من عامِلة، وسارت أسْلُم بن
стр. 292
الحاف (عُذْرة ونِهْد وحَوتكة وجُهَيْنة والحارث بن سعد) حتى نزلوا من الحِجْر (١) إلى وادي القِرَى (٢)، ونزلت تنوخ البحرين سنتين، ثم أقبل غراب في رجليه حلقتا ذهب فسقط على نخلة وهم في مجلسهم فنعق نعقات ثم طار، فذكروا قول الزرقاء فارتحلوا حتى نزلوا الحيرة غرب العراق وأول من اختطها هم، ورئيسهم مالك بن زهير، واجتمع إليهم لما اتخذوا بها المنازل ناس كثير من سواقط القرى فأقاموا بها زمانا، وأغار عليهم سابور الأكبر ذوي الأكتاف (كِسرى فارس) فقاتلوه، وكان شعارهم يومئذ "يا لعُبَّاد الله" فسموا العُبَّاد، وهزمهم سابور ملك فارس، فسارت قبائل أسْلُم إلى الحضر من الجزيرة يقودهم الضيزن بن معاوية التنوخي من قبيلة تنوخ (عمران بن الحاف) ونزلوا الحضر، وهو بناء بناه الساطرون الجرمقاني فأقاموا به مع (الزبَّاء) فكانوا من رجالها وولاة أمرها، فلما قتلها عمرو بن عدي استولوا على المُلك حتى غلبتهم غسَّان (الأزد)، وأغارت حمْيَر (اليمن) على بقية قُضَاعة فخيَّروهم بين أن يقيموا على خراج يدفعونه إليهم أو يخرجوا عنهم، فخرجوا وهم كَلْب وجَرْم والعِلاف وهم بنو ربان أخي تَغْلب بن حلوان، وهم أول من عمل الرحال العلافية وعِلاف لقب لربَّان، فلحقوا بالشام فأغارت عليهم بنو كِنَانة بن خُزيمة (مُضَر العدنانية) بعد ذلك بدهر فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، فانهزموا ولحقوا بالسماوة فهي منازلهم حتى وقت الراوي (البكري في القرن الرابع الهجري).
جلاء قبائل قضَاعة عن تهامة
قال ابن شبه: ثم ظعنت قُضَاعة كلها من غور تهامة، وسعد هذيم ونهد ابنا زيد بن ليث بن سود بن أسْلُم بن الحاف بن قُضَاعة منجدين، فمالت كلب بن وبرة بن تَغْلِب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قُضَاعة إلى حضن والسي وما صاقبها من البلاد، عدا شكم اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب فإنهم انضموا إلى نهد بن زيد اللات بن أسد بن وبرة بن تَغْلب بن حلوان بن عمران إلى البحرين وتُنِّخوا بها، ولحقتهم عصيمة بن اللبو بن امرئ مناة بن قتيبة بن النمر بن وبرة مع
стр. 293
كلب فانضموا إليهم، ولحقت بهم قبائل من جَرْم بن ربَّان بن حلوان بن عمران وثبتوا معهم بحضن فأقاموا هنالك، وانتشرت سائر قبائل قُضَاعة في البلاد يطلبون المتسع من المعاش ويؤمون الأرياف والعمران، فوجدوا بلادًا واسعة خالية في أطراف الشام قد خرب أكثرها واندفنت آبارها وغارت مياهها لإخراب بختُنَصر (١) لها، فافترقت قُضَاعة فرقًا أربعًا ينضم إلى الفرقة طوائف من غيرها يتبع الرجل أصهاره وأخواله.
فسار ضَجْعم بن حماطة بن عوف بن سعد بن سَلِيح بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قُضَاعة، ولبيد بن الحدرجان السليحي في جماعة من سَلِيح وقبائل قُضَاعة إلى أطراف الشام ومشارفها، وملك العرب يومئذ ظرب بن حسان بن أذينة بن السميدع بن هوبر العمليقي فانضموا إليه وصاروا معه، فأنزلهم مناظر الشام من البلقاء إلى حوارين إلى الزيتون، فلم يزالوا مع ملوك العماليق يغزون معهم المغازي ويصيبون معهم الغنائم حتى صاروا مع الزبَّاء بنت عمرو بن ظرب بن حسان المذكور، فكانوا فرسانها وولاة أمرها، فلما قتلها عمرو بن عدي بن نصر اللخْمي استولت قُضَاعة على المُلك في جنوب الشام، حتى غلبتهم غسَّان (الأزد) على المُلك فصاروا مع غسَّان حلفاء، وسليح وقبائل في قُضَاعة ظلت في ديارهم بالشام، وسار عمرو بن مالك التزيدي في تزيد وعشم ابني حلوان بن عمران وجماعة من علَاف (رَبَّان) بن حلوان وابنيه عوف بن رَبَّان، وجَرْم بن رَبَّان إلى أطراف الجزيرة ثم خالطوا قراها وعمرانها وكثروا بها، وكانت بينهم وبين الأعاجم هناك وقعة فهزموا الأعاجم وأصابوا فيهم، فقال شاعر قُضَاعة جُدِّي بن الدهاء وأنشد شعره وشعر عمرو بن مالك وقد تقدم ذكرهم.
فلم يزالوا بناحية الجزيرة حتى أغار عليهم سابور ذوي الأكتاف (٢) فافتتحها وقتل بها جماعة من تزيد وعِشم وعِلاف وبقيت منهم بقية لحقت بالشام، وسارت بلِّي وبهْراء وخَوْلان بنو عمرو بن الحاف بن قُضَاعة ومُهْرة بن حَيْدان ومن لَحِق بهم إلى بلاد اليمن فوغلوا فيها حتى نزلوا مأرب أرض سبأ بعد افتراق الأزد منها،
стр. 294
وأقاموا فيها زمانًا ثم أنزلوا عبدًا لإراشة بن عامر بن عبيلة بن قسميل بن فران بن بلِّي يقال له أشعب في بئر بمأرب وأدلو عليه دلاءهم، فطفق الغلام يملأ لمواليه ويؤثرهم عن غيرهم من قُضَاعة أو يبطئ عن زيد اللات بن عامر أخي إراشة بن عامر (من بلِّي)، فغضب زيد اللات وأهله فحط على العبد (أشعب) صخرة وقال: دونك يا أشعب فدمغته فاقتتل القوم ثم تفرقوا، فتقول قُضَاعة إن خَولان (١) أقامت باليمن فنزلوا مِخْلاف خَولان، وإن مُهْرة أقامت هناك وصارت منازلهم الشِحْر وإن صهرة بن حَيْدان عمران بن الحاف وأنه خَولان بن عمرو بن الحاف ويأبى نسابة اليمن ذلك فيقولون هو: خَولان بن عمرو بن مالك بن أدد بن زيد بن يشْجُب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشْجُب بن يعرب بن قحطان.
ولَحِق عامر بن زيد اللات بن عامر بن عبيلة بسعد العشيرة، وهكذا فبنو زيد اللات فيهم فيقولون: زيت اللات بن سعد العشيرة، وقال المثلم بن قرط البلوي في ذلك:
ألم تر أن الحي كانوا بغبطة … بمأرب إذ كانوا يحلُّونها معا
بلي وبهراء وخَوْلان إخوة … لعمرو بن حاف فرع منه قد تفرَّعا
أقام بها خَوْلان بعد ابن أمة … فأثرى لعمري في البلاد وأوسعا
فلم أر حيا من مَعْدٍ عمارة … أجل بدار العز منا وأمنعا
وانصرفت جماعة من تلك القبائل راجعين إلى بلادهم من تهامة والحجاز فقدموها وتفرقوا فيها، فنزل ضُبيعة بن حرام بن جعل بن عمرو بن جشم بن ودم بن ذبيان بن هميم بن ذهل بن هني بن بلي - في ولده وأهله بين أمْج وغروان (غرَّان)، وهما واديان يأخذان من حرَّة بني سُلَيم ويفرغان في البحر ولهم أنعام وأموال، ولضبيعة إبل يقال لها الدجحان سود، فطرقهم السيل وهم نيام فذهب
стр. 295
بضُبيعة وابلة فقالت نائحته. سال الواديان أمْج وغروان فذهب بضُبيعة بن حرام وإبله الدحجان.
وتحول ولد ضُبيعة ومن كان معهم من قومهم إلى المدينة وأطرافها وهم سَلَمة بن حارثة بن ضُبيعة وواثلة بن حارثة والعجلان بن حارثة، فنزلوا المدينة وهم حلفاء الأنصار ثم استوبئوها فتحول إلى الجندل والسقيا والرحبة، ونزل بنو أنيف بن جشم بن تميم بن عوذ مناة بن ناج بن تميم بن إراشة بن عامر بن عبيلة (بلي) في قباء وهم رهط طلحة بن البراء الأنصاري، ونزل بنو غُصينة وهم بنو سواد بن وي بن إراشة (بلِّي) في المدينة وهم رهط المُجَذَّر بن ذياد البلوي الصحابي البدري، ونزل المدينة أيضًا بنو عبيد بن عمرو بن كلاب بن دهمان بن غنم بن ذهل بن هميم المذكور وهم رهط أبي بردة بن نيار بن عمرو بن عبيد بن عمرو العقبي البدري الذي حضر موقعة بدر مع النبي ﷺ . وأقام بمعدن سُلَيْم (فاران بن بلي) في طائفة من بلي وهم بنو الأخثم بن عوف بن حبيب بن عُصيَّة بن خِفاف بن امرئ القيس بن بُهْثة بن سُلَيْم، أي نسبوا إلى بني سُلَيْم بن منصور، العدنانية وهم الذين يقال لهم القيون ويزعمون أن أصلهم من بلي.
وخاصم رجل منهم يقال له عُقيل بن فُضيل من بني الشريد من (سُلَيْم) في معدن (١) فاران زمن عمر بن الخطاب ﵁، فقال في ذلك خفاف بن عمرو السُّلَمي:
متى كان للقينين قين طمية … وقين بلِّي معدنان بفاران!
فقال عُقيل بن فُضيل وهو يتقرب إلى بلي وينسب إليهم:
أنا عُقَيْل ويقال السُّلَمي … وأصدق النسبة أني من بلِّي
ونزلت قبائل من بلِّي أرضًا يقال لها شغب وبدا وهي فيما بين تيماء والمدينة فلم يزالوا بها حتى وقعت الحرب بين (بني خُشينة) بن عكارمة بن عوف جشم بن ودم بن هميم بن ذهل بن هني بن بلي وبين (الرَبَعة) بن معْثم بن ودم بن هميم بن
стр. 296
ذهل بن هني بن بلي، هكذا قال ابن شبة ويقول البكري: إنما الرَبَعة هؤلاء بفتح الراء والباء هم ولد سعيد بن هميم بن ذهل بن هني بن بلي وقد قُتل أناس منهم في حربهم مع بني خُشَيْنة، فلحقت خُشَينة بعدها بتيماء في شمالي نجد فأبت اليهود أن يدخلوهم حصنهم وهم على غير دينهم، فتهودوا فأدخلوهم تيماء فكانوا معهم زمانا ثم خرج منهم نفر إلى المدينة فأظهر الله الإسلام فبقية أولادهم بها ومنهم: عويِّم بن ساعدة وقد انتسب ولده إلى عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، ومنهم أيضًا كعب بن عُجْرة كان مقيمًا في نسبه من (بلي) في المدينة مع الأنصار .. أما باقي بطون خُشينة في تيماء فقد أقاموا مع اليهود حينئذ حتى أنزل الله بأسه ونقمته عليهم، فقال أبو الذيال أحد بني خُشينة بن عكارمة يبكي على اليهود لما أنه دخل في دينهم وسكن معهم قال:
لم تر عيني مثل يوم رأيته … برعبل ما أحمر الأراك وأثمرا
وأيامنا بالكبس قد كان طولها … قصيرًا وأيام برعبل أقصرا
فلم أر من آل السموءل عصبة … حِسان الوجوه يخلعون المعذرا
ولحق الديل وأشرس وعوف وبنو زيد بن عامر بن عبيلة في بني تَغْلِب، فصاروا معهم يقولون نحن بنو زيد اللات بني عمرو بن غنم بن تَغْلب ولهم يقول الأَخْطَل:
لزيد اللات أقدام صغار … قليل أخذهن من النعال!
ولحق أخوهم عامر بن زيد بمَذْحِج القحطانية فانتسب إلى سعد العشيرة فقال هو زيد اللات بن سعد العشيرة.
أول من خرج إلى نجد من قُضَاعة
وكان أول من ذهب من قُضَاعة إلى أرض نجد فأصحر في صحرائها جُهَيْنة ونهد وسعد هذيم وكلهم بنو زيد بن ليث بن سود بن أسْلُم بن الحاف بن قُضَاعة فمرَّ بهم راكب فقال لهم: من أنتم؟ فقالوا: بنو الصحراء، فقالت لهم العرب: صُحَّار وهو اسم مشتق من الصحراء، وقال زهير بن جناب الكلبي في ذلك وهو يعني بني سعد بن زيد:
стр. 297
فما إبلي بمقتدرٍ عليها … ولا جملي الأصيل بمُسْتعار
ستمنعها الفوارس من بلِّي … وتمنعها فوارس من صُحار
ويمنعها بنو القَيِّن بن جِسْر … إذا أوقدت للحدثان ناري
وعيقها بنو نهد وجَرْم … إذا طال التجاول في الغوار
بكل مناجد جلد قواه … وأهيب عاكفون على الدوار
وقال بشر بن سوادة بن شلوة التّغْلِبي القُضَاعي إذ نعى بني عدي أسامة بن مالك التغلبيين إلى بني الحارث بن سعد هذيم بن زيد بن سود بن أَسْلُم بن الحاف بن قُضَاعة:
ألا تغني كِنانة عن أخيها … زهير في الملمات الكبار
قيبرز جمعنا وبنو عدي … فيعلم أينا مولى صُحار
وقال بشر بن أبي خازم الأسدي (من أسد العدنانية):
وشب لطيئ الجبلين حرب … تهر لشجوها منها صُحار
وقال حاجز الأزدي (أزد شنوءة) القحطانية وهو أحد بني سلامان بن مفرج وذلك في الحرب التي كانت بين الأزد ومَذْحِج وأحلافها، وهو يعني نهد بن زيد وقد ضِم إليهم جَرْم بن ربَّان بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قُضَاعة، وكانت نهد وجَرْم حلفاء بتلك البلاد ومتجاورين وكانت جَرْم قد أصحرت فأقامت بنجد:
فجاءت خَثْعم وبنو زيد … ومَذْحِج كلها وابنا صُحْار
فلم نشعر بهم حتى أناخوا … كأنهم ربيعة في الجِمار
وقال عباس بن مردالس السُّلَمي في الحرب التي كانت بين بني سُلَيْم وبني زبيد، وعباس يعني نهدًا وضم إليهم جَرْم بن رُبَّان:
فدعها ولكن هل أتاها مقادنا … لأعدائنا نزجى الثقال الكوانسا
بجمع نريد ابني صُحار كليهما … وآل زبيد مخطئًا أو ملامسا
стр. 298
فأقامت جُهَيْنة ونهد وسعد بصحار في نجد زمانًا فكثروا وتلاحق أولادهم حتى وثب حَزِيمة (١) بن نهد وكان شئومًا فاتكا جريئًاعلى الحارث وعرابة ابني سعد بن زيد فقتلهما، فقالي في ذلك نهد أبوه:
وهل نجاتي من دعوى عرابة أن … صارت محلة بيتي السفح والجبلا
وحاجة مثل حر النار داخلة … سلبتها بكناز ذمرت جملا
مطوية الزور طي البئر دوسرة … مفروشة الرجل فرشًا لم يكن عقلا
وصية نهد لأولاده
وكان نهد منيعًا كثير التبع والولد وعمَّر عُمرًا طِويلًا وهو أكثر قومه ولد لصلبه وهم أربعة عشر ذكرًا .. وأولاده هم: مالك، وحزِيمة، وعمرو وهو الذي يقال له كَبِد بني نهد، وزيد، ومعاوية، وصباح، وكعب، وحنظلة، وعائر، وعائذة، وجشم وهو الطول، وشبابة، وأبان، وعائدة.
وأوصى نهد بنيه حين حضرته الوفاة فقال: أوصيكم بالناس شرا ضربًا أزا وطعنا وخزا كلموهم نزرا وانظروهم شزرا واطعنوهم دسرا، اقصروا الأعنة، وطرروا الأسنة، وارعوا الغيث حيث كان.
فقال الرجل من ولده يرون أنه حَزيمة: وإن كان على الصفا؟ فقال نهد حافة الصفا فلم يُرخِّص لهم في ترك النجعة!
فهذه وصية نهد التي تذكرها العرب، قال هبيرة بن عمرو بن جرثومة النهدي:
وأوصى أبونا فاتبعنا وصاته … وكل امرئ موصى أبوه ذاهب
فأوصى بألا تُستباح دياركم … وحاموا كما كنا عليها نضارب
إذا أوقدت نار العدو فلا يزل … شهاب لكم ترمي به الحرب ثاقب
يفرج عن أبنائنا ونسائنا … جلاد وطعن يردع الخيل صائب
وما زاد عنا الناس إلا سيوفنا … وخطية مما يترص زاعب (٢)
وكِنْدة تهذي بالوعيد ومَذْحِج … وشَهْران من أهل الحجاز وواهب
стр. 299
وقال عمرو بن مرة بن مالك النهدي أحد بني زوى بن مالك زمن علي بن أبي طالب:
رحلت إلى كلاب بحر بلادها … فلم يسمعوا في حاجتي قول قائل
وكانوا كظني إذ رحلت إليهم … وما عالم بالمكرمات كجاهل
رهنت يميني في قُضَاعة كلها … فأبت حميدا فيهم غير خامل
بذلك أوصاني زوي بن مالك … ونهد بن زيد في الخطوب الأوائل
وأوص بألا تُسْتباح دياركم … وحاموا عليها تنطقوا في المحافل
وغالوا بأخذ المُكْرمات فإنها … تفوز غداة السبق عند التفاضل
وكان حنظلة بن نهد من أشراف الصرب وكان له منزلة بعكاظ في مواسم العرب وبتهامة والحجاز ولذلك يقول قائلهم:
حنظلة بن نهد … خير ناشٍ في مَعْد
وقد عاش الذويد واسمه جُذَيْمة بن صبح بن زيد بن نهد زمنًا طويلًا لا تذكر العرب من طول عُمْر أحد ما تذكر من طول عمره وزعموا أنه عاش أربعمائة عام، وقال حين حضرته الوفاة:
يا رب يُبنى لذويد بيته
يا رب غيل حسن ثنيته
ومعصم موشم لويته
ومغنم في غارة حويته
لو كان الدهر بلى أبليته
أو كان قرني واحدًا كفيته
فلما قتل حَزِيمة ابنا سعد بن زيد تدابر القوم وتقاتلوا وتفرقوا إلى البلاد التي صاروا إليها.
стр. 300
قال ابن الكلبي: وكان أول الأمر جُهَيْنة في مسيرهم إلى جبالهم وحلولهم بها فيما حدثني أبو عبد الرحمن المدني عن غير واحد من العرب: أن الناس بينما هم حول الكعبة إذ هم بخلق عظيم قد آزى رأسه أعلى الكعبة فأجفل الناس هاريين، فناداهم ألا تراعوا فأقبلوا إليه وهو يقول:
لا هم رب البيت ذي المناكب
ورب كل راجل وراكب
أنت وهبت الفتية السلاهب
وهجمة يُحار فيها الحالب
وثلة مثل الجراد السارب
متاع أيام وكل ذاهب
فنظروا فإذا هي امرأة فقالوا: ما أنت إنسية أم جنيَّة؟ قالت: لا بل إنسية من آل جُرهُم أهلكنا الذر زمان يعلم بمجحفات وبموت لهذم للبغي منا وركوب المأثم.
ثم قالت: من ينحر لي كل يوم جزورا ويعد لي زادًا وبعيرا ويبلغني بلادًا قورا - أي واسعة - أعطه مالًا كثيرا .. فانتُدب لذلك رجلان من جُهَينة فساروا بها أياما حتى انتهت إلى جبل جُهَيْنة، فأتت على قرية غل وذر فقالت: يا هذان احتفرا هذا المكان، فاحتفرا عن مال كثير من ذهب وفضة فأوقرا بعيريهما، ثم قالت لهما: إياكما أن تلتفتا فيُخْتَلس ما معكما، قال: وأقبل الذر حتى غشيهما فمضيا غير بعيد فالتفتا فأخْتُلِس ما كان معهما من المال وناديا هل من ماء؟ قالت: نعم انظرا في موضع هذه الهضاب ثم قالت وقد غشيها الذر:
يا ويلتي يا ويلتي من أجلي
رى صغار الذر يبغي هُبَلي
سلطن يفرين على محملي
يار أين أنه لابد لي
من منعة أحرز فيها معقلي
стр. 301
ودخل الذر منخريها ومسامعها فوقعت لشقها فهلكت، ووجدت الجُهنيان عند الهضبة الماء وهو الماء الذي يقال له مِشْجَر وهو بناحية فرش مَلَل من مكة على سبع أو نحوها من المدينة على ليلة إلى جانب مثعر وهو ماء لجُهينة معروف .. فيقال أنهما بقيا بتلك البلاد وصارت بها جماعة من جُهينة .. وكانت بقايا جُذام سكان أرض تلك البلاد يقال لها يَنْدُد فأجلتهم عنها جُهينة وبها نخل وماء، فقال رجل من جُذام حين ظعن منها وألتفت مُتحسِّرًا إلى يَنْدُد ونخلها:
تأبري ينْدُد لا آبر لك!
وكان لعجوز من جُذام هناك نخيلات بفناء بيتها، وكانت إذا سُئلت عنهن قالت: هن بناتي فقيل لهن: (بنات بحنه) ولا يغلمونها كانت بموضع قبل يَنْدُد وفيها يقول الراجز:
لا يغرس الغارس إلا عجوه
أو ابن طاب ثابتًا في نجوه
أو الصياحي أو بنات بحنه
فنزلت جُهَيْنة تلك البلاد وتلاحقت قبائلهم وفصائلهم فصارت نحوًا من عشرين بطنًا، وتفرقت قبائل جُهينة في تلك الجبال وهي الأشعر والأجرد وقدس وآره ورضوى وصندد، وانتشروا في أوديتها وشعابها وعراضها وفيها العيون والنخل والزيتون والبان والياسمين والعسل وضرب من الأشجار والنبات، وأسهلوا إلى بطن إضم وأعراضه وهو واد عظيم تدفع فيه أودية ويفرغ في البحر، ونزلوا ذا خشب ويَنْدُد والحاضرة ولقفا والفيض وبواط والمصلى وبدرا وجفاف وودان وينبع والحوراء ونزلوا ما أقبل من العرج والخبيتين والرويثة والروحاء، ثم استطالوا على الساحل وامتدوا في التهائم وغيرها حتى لقوا بلْيًا وجُذام بناحية حقل (١) من ساحل تيماء، وجاورهم في منازلهم على الساحل قَبائل من كنَانة، ونزلت طوائف من جُهينة بذي المروة وما يليها إلى فيف، فلم تزل جُهَيْنة بمناَزلها حتى جاورتهم بها أشْجَع بن ريث بن غَطَفان بن سعد بن قيس عَيْلان بن مُضر، ثم نزلتها أيضًا معهم مُزينة من أد بن طابخة بن إلياس بن مُضَر، فتجاورت هذه القبائل في هذه البلاد
стр. 302
وتنافسوا فيها وبيان ما صار لكل قبيلة من تلك الجبال وبلادها في الموضع الذي فيه فحالفت بطون من جُهينة بطونًا من قيس عَيلان (مضَر) ونزلوا ناحية خيبر وحرَّة النار إلى القُف، وفي ذلك يقول الحسين بن حمام المُرِّي من غَطَفان في الحرب التي كانت بين صرمة بن مُرة وسهم بن مُرة:
فيا أخوينا من أبينا وأمنا … دروا موالينا من قُضَاعة يذهبا
فإن أنتم تفعلوا لا أبا لكم … فلا تعلقونا ما كرهنا فنغضبا
فلم تزل جُهَيْنة في تلك البلاد وجبالها والمواضع التي حصلت لها اليد الذي صار لأَشْجَع (غَطَفان) ومُزينة في المنازل والمحال التي هم بها إلى أن قام الإسلام وهاجر النبي ﷺ إلى المدينة المنورة، ثم ظعنت بعد جُهَيْنة، وسعد بن هذيم ونهد ابنا زيد بن ليث بن أَسْلُم بن الحاف بن قُضَاعة فنزلوا وادي القِرَى والحجر والجناب وما والاهن من البلاد، ولحقت بهم حوتكة بن سود بن أَسْلُم بن الحاف بن قُضَاعة وفصائل من قدامة بن جَرْم بن ربَّان وهو عِلاف بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قُضَاعة وبنو ملكان بن جرْم عدا شكْم بن عدي بن غنم بن ملكان بن جَرْم، وهم بطن ينسبون إلى فزارة من غَطَفان (قَيس عَيْلان) ويقولون شكم بن ثعلبة بن عدي بن فزارة، والقوم حيث وضعوا أنفسهم أي هم أدرى بنسبهم.
فنزلت هذه القبائل تلك البلاد فلم يزالوا حتى كثروا وانتشروا فوقعت بينهم الحرب، وكان العدد والقوة والعزة والثروة في قبائل سعد بن زيد، فأخرجوا نهدًا وحوتكة وبطون جَرْم منها ونفوهم عنها، ورئيس بني سعد يومئذ رزاح بن حرام بن ضنة بن عبد بن كبير بن عُذْرة بن سعد بن زيد - وكما سبق ذكره فهو أخو قُصي بن كِلاب القُرَشي لأمه - ولم تجتمع قُضَاعة على أحد غير رِزاح وزهير بن جناب الكَلْبي - فقال زُهير لما بلغه الذي كان من أمرهم وإخراج رزاح قومه تلك القبائل من تلك البلاد كرامة لذلك، وعرف ما في تفرقهم من القلة والوهن وقد ساءه فقال شعرًا منه:
ألا من مبلِّغ عني رزاحًا … فإني قد لحيتك في اثنين
لحيتك في بني نهد بن زيد … كما فرقت بينهم وبيني
حوتكة بن أسلُم إن قوما … عنوكم بالمساءة قد عنوني
стр. 303
قلت. وفي سيرة ابن هشام للنبي ﷺ ذكر أن هذه الأبيات قائلها قُصي بن كِلاب القُرَشي وليس زُهَير بن جَنَاب الكَلْبي القُضَاعي، والله تعالى أعلم بمن قالها.
فظعنت نهد وحوتكة وجَرْم من تلك البلاد وافترقت منها فصائل في العرب فلحقت بنو أبان وبنو نهد ببني تَغْلِب بن وائل (ربيعة)، فيقال أنهم رهط الهذيل بن هُبيرة التَغْلبي، وقد قال عمرو بن كلثوم التَغْلِبي فارس ربيعة وتغلب الشهير وهو يعني الهُذيَل بن هبيرة:
هلكت وأهلكت العشيرة كلها … فنهدك نهد لا أرى لك أرقما!
وقال بشر بن سوادة بن شلوة في ذلك للهُذيل بن هبيرة:
أنهديًا إذا ما جئت نهدًا … وتُدعى بالجزيرة من نِزار
ألا تغنى كِنَانة عن أخيها … زُهير في الملمات الكبار
قيبرز جمعنا وبنو عدي … فيعلم أينا مولى صُحار
وقد قال خِرَاش أن هذا الشعر لعمرو بن كلثوم التَغْلِبي وليس لبشر.
وسارت حَوْتكة بعد إلى مصر، وأقام منهم أناس مع بِلِّي وأناس مع بني حُميس من جُهَينة وأناس مع بني لأى من عُذْرَة.
وسارت قبائل جَرْم ونهد إلى بلاد اليمن، وهم مالك وحَزِيمة وصباح وزيد ومعاوية وكعب وأبو سود وبنو نهد فجاوروا مَذْحِج القحطانية في منازلهم من نجران وتثليث وما والاها، فنزلوا منها أرضًا تلي السراة يقال لها أديم وأمرهم يومئذ جميع وكلمتهم واحدة وغلبوا على بعض تلك البلاد، وناكرتهم طوائف من قبل مَذحِج وطمعوا فيهم فقال عبد الله بن دهثم النهدي في ذلك:
لأخرجن صريمًا من مساكنها … والمرتين وهمام بن سيار
لم أدر ما يمن وأرض ذي يمن … حتى نزلت أديمًا أفسح الدار
وصريم المذكور في البيت الأول هو رجل من بني زوى بن مالك بن نهد، أما المُرَّتان هما مُرَّة بن مالك بن نهد وأخ له آخر له اسم غير مُرة فسماهما المرتين بأحدهما .. وقال عمرو بن معد يكرب الزبيدي فارس زبيد وبلاد اليمن:
لقد كان الحواضر ماء قومي … فأصبحت الحواضر ماء نهد
стр. 304
وقال هبيرة بن عمرو النهدي القُضَاعي وهو يذكر قبائل مَذْحِج وخَثْعَم وتنمرهم لهم وتواعدهم إياهم:
وكِنْدة تهذي بالوعيد ومَذْحِج … وشَهْران من أهل الحجاز وواهب
قال الراوي: ونزلت خَثْعَم السراة قبل، فكثرت بطون جَرْم ونِهْد بها وفصائلهم فتلاحقوا فاقتتلوا وتفرقوا وتشتت أمرهم ووقع الشر بينهم وفي ذلك يقول أبو ليلى النهدي وهو خالد بن الصقعب (جاهلي):
أتعرف الدار قفرًا أم تحييها … أم تسأل الدار عن أخبار أهليها
دار لنهد وجَرْم إذ هم خُلّط … إذ العشيرة لم تشمت أعاديها
حتى رأيت سراة الحي قد جنحت … تحت الضبابة ترمينا ونرميها
وأصبح الود والأرحام بينهم … زرق الأسنة مجلوزًا نواحيها
إذ لا تشايعني نفس لقتلهم … ولا لأخذ نساء الهون أسبيها
فلحقت نهد بن زيد ببني الحارث بن كعب فحالفوهم وجامعوهم، ولحقت جَرْم بن ربان ببني زُبيد فحالفوهم وصاروا معهم، فنسبت كل قبيلة مع حلفائها يغزون معهم ويحاربون من حاربهم حتى تحاربت بنو الحارث وبنو زُبيد في الحرب التي كانت بينهم فالتقوا وكان على بني الحارث عبد الله بن عبد المدان وعلى بني زبيد عمرو بن مَعْد يكرب الزبيدي، فتعبى القوم فعُبيَّت جَرم لنهد وتواقع الفريقان فاقتتلوا فكانت الدبرة يومئذ على بني زبيد وفرَّت جَرْم من حلفائها من زبيد، فقال عمرو بن مَعْد يكرب في ذلك وهو يذكر جَرْفا وفرارها عن زبيد قائلًا:
لحا الله جَرْمًا كلما ذر شارق … وجوه كلاب هارشت فازبأرت
ظللت كأني للرماح درية … أقاتل عن أبناء جَرْم وفرَّت
ولم تغن جَرْم نِهْدُها إذ تلاقتا … ولكن جَرْمًا في اللقاء ابذعرَّت
ومعنى ابذعَرَّت .. أي تفرقت.
فلحقت جَرْم بنهد وحالفوا بني الحارث وصاروا يغزون معهم إذا غزوا ويقاتلون معهم من قاتلوا، فقال في ذلك عمرو بن مَعْد يكرب .. قال ابن الكَلْبي:
стр. 305
أنشد فيها أسعر بن عمرو الجعفي قال أنشد فيها خالد بن قطن الحارثي:
قل للحُصين إذا مررت به … ابصر إذا راميت من ترمي
تهدي الوعيد لنا وتشتمنا … كمُعَرض بيديه للدهم
أرأيت إن سبقت إليك يدى … بمُهنَّدٍ يهتز في العظم
هل يمنعك أن هممت به … عبداك من نهدومن جَرْم
وقال خالد بن الصقعب النهدي فيما كان بين نهد وجَرْم:
عقدنا بيننا عقدًا وثيقًا … شديدًا لا يوصل بالخيوط
فتلك بيوتنا وبيوت جَرْم … مُضْرَجة بأبدان شميط
ويؤويها الصريخ إلى طحون … كقرن الشمس أو كصفا الأطيط
فلم تزل جَرْم ونهد بتلك البلاد وهي على ذلك الحلف حتى أظهر الله الإسلام ومن هنالك هجر منهم وبها بقيتهم، وأقامت قبائل سعد هذيم بن زيد بن ليث بن سود بن أسلُم بن قُضَاعة بمنازلهم من وادي القِرَى والحجر والجناب وما والاها من البلاد فانتشروا فيها وكثروا بها وتفرقوا أفخاذًا وقبائل فَكان في عُذرة بن سعد وأمه عاتكة بنت مُر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مُضَر، العدد والشرف ومنهم رزاح بن ربيعة أخو قُصي بن كلَاب لأمه وفيهم كان بيت عُذْرَة بن سعد وأمهُ فاطمة بنت سعد بن سيل وهي أم قُصَي بن كلاب، القُرَشي.
وقال الراوي: كان أهل وادي القِرَى وما والاها من اليهود يومئذ كانوا نزلوها قبلهم على آثار من آثار ثمود والقرون الماضية قبلهم، فاستخرجوا كظائمها وأساحوا عيونها وغرسوا نخلها وجنانها، فعقدوا بينهم حلفًا وعقدًا وكان لهم فيها على اليهود طُعْمَة وأكُل في كل عام، ومنعوها لهم من العرب ودفعوا عنها قبائل بلِّي بن عمرو بن الحاف بن قُضَاعة وغيرهم من القبائل، وقد كان النعمان بن الحارث الغسَّاني أراد أن يغزو وادي القِرَى وأهله وأجمع على ذلك فلقيه نابغة بني ذبيان (من غَطَفان قيس عَيْلان) واسمه زياد بن معاوية، فأخبره خبرهم وحذره إياهم ليصده عنهم، وذكر له بأسهم وشدتهم ومنعهم بلادهم ودفعهم عنها من أرادها وقال في ذلك.
стр. 306
لقد قلت للنعمان يوم لقيته … يريد بني حِن ببرقة صادر
تجنَّب بني حِنْ فإن لقاءهم … كريه وإن لم تلق إلا بصابر
هم قتلوا الطائي بالحِجْر عنوة … أبا جابر واستنكحوا أم جابر
وهم ضربوا أنف الفزاري بعدما … أتاهم بمعقود من الأمر فاقر
وهم منعوها من قُضَاعة كلها … ومن مُضَر الحمراء عند التغاور
وهم طرفوا عنها بلِّيًا فأصبحت … بلِّي بوادٍ من تهامة غائر
فتطمع في وادي القِرَى وجنوبه … وقد منعوه من جميع المعاشر
وهم منعوا وادي القِرَى من عدوهم … بجمع مبير للعدد المكاثر
أبو جابر هو ابن الجلاس بن وهب بن قيس بن عبيد بن طريف بن مالك بن جدعاء بن ذهل بن رومان الطائي .. وبنو حِن بن ربيعة بن حرام بن ضنة من بني عُذْرَة بن سعد هذيم.
فلم يزالوا على ذلك قد منعوا تلك البلاد وجاوروا اليهود فيها حتى قدم وفدهم على رسول الله ﷺ جمرة بن النعمان بن هوذة بن مالك بن سمعان بن البياع بن دليم بن عدي بن حزاز بن كاهل (بن عُذْرَة)، فجعل له النبي ﷺ رمية سوطة وحضر فرسه من وادي القِرَى، وجعل لبني عُريِّض من اليهود تلك الأطعمة التي ذكرنا في كل عام من ثمار الوادي، وكان بنو عُريض أهدوا إلى النبي ﷺ خزيرًا أو هريسة وامتدحوه، فطُعْمَة بني عُريِّض جارية إلى اليوم ولم يُجْلَوا فيمن أجلي من باقي اليهود.
قال هشام حدثنا محمد بن عبد الرحمن الأنصاري ثم العجلاني عن إبراهيم بن البكير البلوي عن يثربي بن أبي قسيمة السلاماني عن أبي خالد السلاماني، قال: خرج رجل من مداش وهو ابن شق بن عبد الله بن دينار بن سعد بن هذيم يقال له ورد فلقى جَمْرة بن النعمان بعد أن أقطعه رسول الله ﷺ الوادي فكسر عصا كانت بيد جمرة، فاستأدى جمرة عليه النبي ﷺ ، فقال النبي: دعوا أسد الهروات أي (الهَلكَة) وأقطعه بوادي القِرَى يقال له: حائط المداش.
стр. 307
وكانت (كلْب) بن وبرة بن تَغْلب حلوان بن عمران بن الحاف بن قُضَاعة وجَرم بن رَبَّان وعُصيمة بن اللبو بن امرئ مناة بن (فتية) وقيل: قتيبة بن النمر بن وبرة بن تَغلب بن حلوان بمنازلها من حضن وما والاها من ظواهر أرض نجد ينتجعون البلاد ويتبعون مواقع القطر، حتى انتشرت قبائل بني نِزار بن مَعْد وكثرت وخرجت من تهامة إلى ما يليها من نجد والحجاز، فأزالوهم عن منازلهم ورحَّلوهم عنها ونافسوهم فيها فتفرقوا عنها، فظعنت جَرْم بن رَبَّان عن مساكنهم من حضن وما قاربه، فتوجهت طائفة منهم إلى ناحية تيماء ووادي القِرَى مع بني نِهد بن زيد وحَوتكة بن سود بن أسْلُم فصاروا أهلها وسكانها، فلم يزالوا بها حتى وقعت بينهم وبين قبائل سعد هُذَيم بن زيد حرب فأخرجوهم بنو سعد منها فلحقوا ببلاد اليمن ومقامهم هنالك في مقدم حديث قُضَاعة وتفرقهم.
وسارت ناجية بن جَرْم وراسب بن الخزرج بن جدة بن جَرْم وقدام بن جَرْم وملكان بن جَرم متوجهين إلى عُمان، فمروا ببلاد اليمامة فأقامت طائفة منهم بها ومضت جماعتهم حتى قدموا عُمان فجاوروا الأزد بها وأقاموا معهم وصاروا من أتلاد عُمان الذين فيها وفيه يقول الملتمس:
إن عِلافا ومن بالطود من حضن … لما رأوا أنه دين خلابيس
ردوا إليهم جمال الحي فاحتملوا … والضيم ينكره القوم المكاييس
ويقال: إن سامة بن لؤى (١) بن غالب القُرَشي خرج من الحرمِ فنزل عُمان وبها تزوج امرأته الجَرْمية هناك والتي منها ولده وهي ناجية بنت جرْم فيما ذكر الكلبي، أما جَرم فيقولون ناجية بن جَرم تزوج هند بنت سامة بن لؤى .. وقال غيؤ الكلبي هي ناجية بن الخزرج بن جدة بن جَرْم بن رَبَّان القُضَاعي.
وفي الأغاني: أن بنو ناجية هؤلاء ارتدُّوا عن الإسلام ولما ولي الإمام علي بن أبي ظالب - كرم الله وجهه - الخلافة دعاهم إلى الإسلام فأسْلم بعضهم وأقام الباقون على الرِّدة فسباهم وأسترقهم فاشتراهم مُصْقَلة بن هُبيرة.
стр. 308
فصار بنو سامة بن لؤي بعُمَان حيًّا حريدًا شديدًا ولهم منعة وثروة يقال لهم بنو ناجية وفي ذلك يقول المسيب بن عِلس الضبعي:
وقد كان سامة في قومه … له مأكل وله مشرب
فساموه خسفًا فلم يرضه … وفي الأرض عن خسفهم مذهب
فقالت لسامة إحدى النساء … ما لك يا سامة لا تركب
أكل البلاد بها حارس … مطل وضرغامة أغلب
فقال بلى إنني راكب … وإني لقومي مُستعْتب
فشد أمونا بأنساعها … بنخلة إذ دونها كبكب
فجنبها الهضب تردي به … كما شجى القارب الأحقب
فلما أتى بلدًا سره … به مرتع وبه معزب
وحِصن حصين لأبنائهم … وريف لعيرهم مخصب
تذكر لما ثوى قومه … ومن دونهم بلد غرّب
فكرت به حرج ضامر … فآبت به صلبها أحدب
فقال ألا فأبشروا وأظعنوا … فصارت عِلاف ولم يعقبوا
ولمّ فيه رحلتهم في السماء … نحس الحزاتين والعقرب
فبلغه دلج دائب … وسير إذا صاح الجندب
فحين النهار يرى شمسه … وحينا يلوح لها كوكب
ولحق بهم فيما يقال بنو فدي بن سعد بن الحارث بن سامة بن لؤي فانتسبوا إليهم، وكان فدي بن سعد قتل ابن أخ له يقال له حمزة بن عمرو بن سعد ثم لحق باليحمد بن حمى بن عثمان بن نصر بن (زهران) - الأزد - وقال عدي بن وقاع العقوي: منقذ بن عمرو بن مالك بن فهم وإنما سمي العقي؛ لأنه قتل أخاه جرموزا فقيل عقه فسمي لقتله إياه العقي، فقال في شأن جَرْم ونزولهم عُمان ووقعة كانت هنالك بينهم:
стр. 309
ناج ابن جَرْم فما أسباب جيرتكم … بني قدامة أن مولاهم فسدا
دليتموهم بأمراس لمهلكة … جرد تبين في مهواتها جردا
أخرجتموهم من الأحرام فانتجعوا … يبغون خيرًا فلاقوا نجعة حشدا
إلى عُمان فداستهم كتائبنا … يوم الرئال فكانوا مثل من حُصِدا
وانحازت كَلْب من منازلها التي كانوا بها من حضن وما والاه إلى ناحية الربذة وما خلفها إلى جبل طمية، وفي ذلك يقول زهير بن جناب الكلبي وهو يوصي بنيه ويذكر منزلة طمية:
ابني إن أهْلِك فأني قد بنيت لكم بنيه
وتركتكم أرباب سادات زنادكم وديه
ولكل ما نال الفتى قد نلته إلا التحيه
ولقد شهدت النار للسلاف توقد في طميه
ويعني هنا زهير في نظمه هذا يوم خزازى حين أوقدوا النار لكليب التغلبي (بني ربيعة) قائد بني عدنان ضد جيوش اليمن القحطانية. ويقول الراوي: فوقعت بين قبائل (كلب) حرب فاقتتلوا فكانت كلها يدًا على بني كِنَانة بن بكر بن عوف بن عُذُرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب فظهرت بنو كِنَانة كلها.
قال هشام: الصحة من ذلك أن عامر بن عوف بن بكر بن عوف بن عُذْرة وعبد الله من كِنَانة بن بكر بن عوف وأحلافهم كانوا يدًا على بني كِنَانة وأحلافها فظهرت بنو كِنَانة على هاتين العمارتين: بنو عامر وبني عبد الله، وفي ذلك اليوم تحالفت أحلَاف كلب كلها فتفرقت كلب كلها وتباينت في ديارها ومنازلها، فظعنت قبائل من بني عامر بن عوف بن بكر إلى أطراف الشام وناحية تيماء فيمن لحق بهم أو كان معهم، وليست لعامر بادية، ونزلت كلب ومن حالفهم وصار معهم من قبائل كلب بخبت دومه إلى ناحية بلاد طيئ من الجبلين وحيزهما إلى طريق تيماء، وبدومه غلبهم بنو عليم بن جناب فقال أوس بن حارثة بن أوس الكلبي (جاهلي) وذلك في الحرب التي كانت بينهم.
стр. 310
سقنا رفيدة حتى احتل أولها … تيماء يذعر من سلافها جدد
سرنا إليهم وفينا كارهون لنا … وقد يصادف في المكروهة الرشد
حتى وردنا على ذبيان ضاحيه … إنَّا كذلك على ما خيلت نرد
بيوت الرياسة في قُضَاعة
قال هشام عن الشرقي: وكان أول بيت في قُضَاعة في حنظلة بن نهد بن زيد بن ليث بن أَسْلُم بن الحاف بن قُضَاعة، وكان صاحب فتاحهم أبي الحكم في الخصومات وهو حكمهم الذي يحكم بينهم وله يقول القائل:
حَنْظَلة بن نِهْد … خير ناشٍ في مَعْد
وكان وبرة بن تَغْلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قُضَاعة مرض مرضه فرفع يده إلى السماء فقَال: اللهم أدلني، أي اجعل لي دولة وغَلَبة من نهد، قال الراوي: وعز قُضَاعة يومئذ وشرفها في نهد، وكان حنظلة بن نهد صاحب فتاحة تهامة وصاحب العرب بعكاظ حين تجتمع في أسواقها، فتحول ذلك إلى كلب بن وبرة فكان أول كلبي جمع كلب وضربت عليه القبة عوف بن كِنَانة بن عوف بن عُذرة بن زيدة اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب، ودُفع إليه ود وهو صنم كان لقوم نوح، ثم ضُربت من بعده على الشجب بن عبد ود بن عوف، ثم ضُربت من بعده على ابنه عبد الله بن الشجب، ثم ضُربت على ابنه عامر بن عبد الله وهو المتمني، ثم تحولت إلى زُهير بن جناب وصار له الشرف والبيت فلم يزل فيه عمره حتى هلك، ثم تحول إلى عدي بن جناب فكان منهم الحارث بن حصْن بن ضمضم بن عدي بن جناب، ثم تحول إلى ابنه ثعلبة ثم إلى عمرو بن ثعَلبة وظلَّ حتى زمن الراوي.
وقال الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمداني اليماني في تفرُّق قُضَاعة: أن عامرًا ماء السماء بن حارثة جرد وندب إلى الشام بأمر الملك الملطاط بن عمرو أحياء قُضَاعة وولى عليهم زيد بن ليث، فافترقوا عنه فمنهم من رجع إلى اليمن ونسلهم بها إلى اليوم وهم مُهْرَة ومَجيد، ومنهم من نزل الحجاز ونسلهم بها إلى اليوم وهم بِلِّي وبَهْراء ابنا عمرو بن الحاف بن قُضَاعة، وأقام بنو زيد أيضًا في الحجاز فافترقت بها نسله من سعد وعُذْرَة وجُهَيْنة ونِهْد، فأما نهد فارتفعت إلى
стр. 311
نجد العليا وقد كانت دهرًا بتهامة وأما من مضى من قُضَاعة إلى الشام ومصر والبحرين فنسلهم بها إلى اليوم وهم كَلْب وتَنوخ وسَلِيح وخشين والقَيِّن.
بلِّي
نسب القبيلة .
هو بلِّي بن عمرو بن الحافي بن قُضاعة.
ديار بلِّي في المملكة العربية السعودية:
تنتشر عشائر بلي في الوقت الحاضر في شمال الحجاز (شمال غرب المملكة العربية السعودية)، وتبدأ ديار بلي من الشمال الغربي حيث يحدها مع الحويطات - وقبلها بني غقبة - وادي داما وهو وادٍ يركز على جبال الحُمر بين شواق والديسة وسليسل، وما سال منه في الشمال في وادي سليسل هي ديار الحويطات خلفاء بني عُقبة، وما سال من الغرب في وادي داما إلى البحر هي ديار بلِّي التاريخية، والفاصل هو وادي داما مجرى السيل (١)، وحدود ديار بلِّي من الشمال الشرقي فهو وادي الأثيل وهو الحد بين بلي وقبيلة بني عطية.
أما ديرة بلِّي من الشرق فتمتد حتى أعلى وادي العُلا الفاصل بين بلِّي وعَنَزة وهو يصب في وادي الحمض من شرقه،
وأما من الجنوب فتنتهي ديار بلِّي عند وادي الحمض الفاصل بين قبيلة جهينة القُضَاعية (أبناء عمومة بلي) وهو واد يصب غربًا في البحر الأحمر - الحد الغربي لقبائل الحجاز وباقي قبائل جنوب غرب المملكة حتى حدود اليمن -.
لمحة عن ديار بلي قديمًا من مصنفات المؤرخين
كانت ديار بلِّي بين المدينة المنورة ووادي القِرى من منقطع دار جُهينة إلى حد دار جُذام بالنبك (بلدة شمال المملكة العربية السعودية)، وعلى شاطئ البحر الأحمر ثم عينونا من خلفها ثم إلى ميامن البر إلى حد تبوك ثم إلى جبال الشراه ثم إلى معان (جنوب المملكة الأردنية) ثم راجعا إلى إيلة (العقبة) إلى تقول المغار (موصع كانت تنزله قبيلة لحم في شمال المملكة السعودية).
стр. 314
ومن ديار بلِّي أمْج وغران وهما واديان يأخذان من حرَّة بني سُلَيْم وينتهيان في البحر. ولبلِّي دار بشغب وبدا قرب البحر الأحمر ولهم الجزل والرحبا والسقيا وهجشان ومدين وفاران وخبين والهدم وذات السلاسل.
قال عبد الرحمن بن خلدون المؤرخ الكبير:
كانت مواطن بلِّي شمال جُهَيْنة إلى عَقَبة إيلة على العدوة الشرقية من بحر القلزم (الأحمر)، وقد أجاز منهم إلى العدوة الغربية وانتشروا ما بين بلاد صعيد مصر وبلاد الحبشة، وكثروا هنالك وغلبوا على بلاد النوبة وفرَّقوا كلمتهم وأزالوا مُلْكهم وحاربوا الحبشة فأرهقوهم - إلى عهد ابن خلدون في نهاية القرن الثامن الهجري.
وقال المقريزي:
كانت بلِّي في الشام فنادى رجل من بلِّي: يآل قُضَاعة فبلغ ذلك الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ فكتب إلى عامله على الشام أن يُسيِّر ثلث قُضَاعة إلى مصر فتفرقت بطون بلِّي في الديار المصرية، ثم صار لبلّي جسر سوهاج غربًا إلى قرب غرب قمولة، وصار لها من الشرق من عقبة قاو الخراب إلى عيذاب في صحراء أسوان.
وقال القلقشندي:
كانت منازل بلِّي حتى عهده أي في أواخر القرن الثامن الهجري في الداما (١) وهي دون عيون القصب (عينونا) إلى أكرى فم المضيق وعليهم درك الحجيج هنالك وقال: منهم جماعة في الصعيد المصري.
وقال الحمداني:
ديار بلِّي في أخميم (سوهاج) وما تحتها أي جنوبها من بلاد الصعيد المصري.
وفي قبائل العرب لأحمد لطفي السيد:
"أن في عهد الدولة الفاطمية بمصر اجتمعت بلِّي وجهينة على بطون قريش في أخميم والصعيد المصري وأزاحتها، فاستنجدوا بالخليفة الفاطمي في القاهرة
стр. 315
فأرسل عساكر لنجدة قريش فأخضع العُصاة من بلِّي وجهينة ومكَّن لقريش في ديارها بصعيد مصر".
وذكر جرجي زيدان:
"إن بلِّي كانوا في مصر منذ عهد ظهور النصرانية، وكانوا في مصر ما بين القُصير على البحر الأحمر وقنا على ضفاف النيل بصعيد مصر، وكان عليهم الاعتماد في نقل التجارة الهندية قبل ظهور الإسلام".
وفي عام ٨ هـ بعد ظهور الإسلام انضمت بلِّي إلى هرقل ملك (قيصر) الروم في غزوة مؤتة، وكان مع هرقل عدد كبير من القبائل من قُضَاعة مثل بلِّي وبَهراء وبَلقين وأيضا معه لَخْم وجُذام وعَامِلة القحطانية، فبلغ عدد المستعربة مع الروم مائة ألف محارب يقودهم رجل من بلِّي.
وبعث النبي ﷺ عمرو بن العاص القُرَشي في سرية فقاتلهم، ثم قدم وفد من بلي عام ٩ هـ على النبي ﷺ فأسلموا، فقال لهم الرسول ﷺ : (الحمد لله الذي هداكم للإسلام، فكل من مات على غير الإسلام فهو في النار). ثم ودعوا النبي ﷺ بعد أن أجازهم ورجعوا إلى بلادهم.
وظل من بلِّي بطون في الشام مع الروم حتى عام ١٤ هـ وساروا مع هرقل الروم حتى نزل إنطاكية في شمال غرب سوريا، وكان معه من العرب لَخْم وجُذْام وبلقين وعَامِلة.
قلت: وانضمت قبائل العرب إلى جيش المسلمين بعد أن هزم الله الروم في المعارك الضارية التي دارت في الشام، مما دفع العرب إلى الزحف غربًا إلى مصر لطرد الروم منها وتأمين بلاد الشام من ناحية الغرب.
تاريخ بلِّي في الجاهلية والإسلام
كان لبلي (١) وجود في مصر والشام في عهد ظهور النصرانية واعتنق
стр. 316
معظمهم هذا الدين وكانت منطقتهم ما بين الأقصر وقنا وكان عليهم الاعتماد في نقل التجارة الهندية قبل ظهور الإسلام.
وذكر البلاذري في فتوح البلدان أن بطون بلي التي توطنت في تخوم الشام وقفت موقفا معاديا مع الرسول ﷺ منذ أوائل دعوته، وكانت بلي ضمن قبائل عربية أخرى حليفة للدولة البيزنطية، وقد ساهموا في قتال جيش العرب المسلمين في معركة مؤتة في شرق الأردن عام ٨ هـ/ ٦٦٩ م وأوقعوا بجيش المسلمين نظرًا لأن المعركة غير متكافئة، حيث قابل جيش المسلمين وتعداده ثلاثة آلاف رجل جيشًا كاملًا من الروم والعرب تعداده مائتي ألف رجل، وكان قائد التحالف القبلي العربي مع الروم رجلا من بلي يقال له "مالك بن رافلة" وقد استمر عداء بلي في الشام للنبي بعد مؤتة، إذ بلغ الرسول ﷺ أن جمعا من بلي وقُضاعة قد تجمعوا بغية الزحف على أطراف الحجار، فدعا عمرو بن العاص فعقد له لواءً أبيض وجعله معه راية سوداء، وبعثه في سراة المهاجرين والأنصار في ثلاثمائة مقاتل وأمرهُ أن يستعين بما يمر به من قبائل العرب القاطنين في بلاد قُضاعة من بلقين وعُذرة وبلي؛ وذلك أن عمرو بن العاص كان ذا رحم بهم، وكانت أم والده العاص بن وائل بلوية، فأراد الرسول أن يتألفهم بعمرو. وهذه هي الغزوة التي تعرف بـ" ذات السلاسل" وقد وصل عمرو إلى بلاد بلي فقهرها وأجبر أهلها على الهرب والتفرق، ويبدو أن الرسول أراد أن يمحو آثار نكسة مؤتة ويوجه الدعوة للقبائل النازلة هناك للدخول في الإسلام من جهة، وترك الانحيار للبيزنطيين وتذكيرهم بما لهم من رحم مع المسلمين من جهة أخرى.
وإذا كانت فروع بلي النارلة في الشمال قد ناصبت الرسول ﷺ العداء فإن فروعها التي كانت تنزل الحجار، أقامت معه صلات أكثر ودا، فقد كان بين الكثيرين من البلويين وأهل المدينة المنورة تحالفات سبقت الإسلام واعتناق أهل
стр. 317
المدينة له، وحين أسلموا ظلت هذه التحالفات قائمة، كما كان بعض البلويين يقيمون في المدينة حين هاجر إليها الرسول كحلفاء لبعض بطون الأنصار من الأوس والخزرج، فلمّا أسلم هؤلاء أسلموا وكانوا من أوائل الصحابة الذين حسن إسلامهم، وقاتلوا مع النبي ﷺ في غزوة بدر وما بعدها، وحين أرسل عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل، كان يتوقع أن يكون البلويون الشماليون عونًا له في حروبه ضد الروم ومن حالفهم من العرب، لما كان بينه وبين قومهم القاطنين في الحجاز من صلات ود وتآزر، حتى أن جيش عمرو كان يضم بعض البلويين الشماليين، وأن الرسول قد أوصاه أن يستعين بمن مر به من العرب - كما أسلفنا - وقد حقق عمرو بعض النجاح في هذا المجال، ولم تمض أشهر قليلة على ذات السلاسل حتى كان وفد من بلي يزور الرسول ﷺ في عام الوفود ويقدم له فروض الطاعة والولاء ويعلن إسلامه، وقال لهم النبي ﷺ : "الحمد لله الذتي هداكم للإسلام، فكل من مات على غير الإسلام فهو في النار" ثم ودعوا رسول الله بعد أن أجارهم ورجعوا إلى بلادهم.
بلي بعد وفاة الرسول ﷺ -:
حين انتقل رسول الله ﷺ إلى جوار ربه وقامت حركة الردة، وجد عرب شمال الحجاز فرصة سانحة للعودة إلى ما كانوا عليه من ولاء لبيزنطة، هذا فضلا عن تمسك بعضهم بالنصرانية التي كانت دينهم، لكن المهم في الأمر أن عرب شمال الحجاز هؤلاء لم يكونوا عنيفين في ردتهم، كما كانت الحال بالنسبة لبعض المرتدين في أماكن أخرى في الجزيرة العربية، ولم يشغلوا بال الخليفة أبي بكر وذلك بسبب الموقع الجغرافي، وأخل أمرهم إلى زمن لاحق، وأولى اهتمامه إلى من شكلوا خطرا على دولة الإسلام من عرب نجد واليمن. وهكذ فإن عمليات عسكرية صغيرة كانت كافية لأبي بكر ﵁ لاستعادة السيادة على
стр. 318
وقال (١): البحر من ورائكم والعدو من أمامكم فأين المفر؟ فليس لكم والله إلا الصدق والصبر، واعلموا أنكم في هذه الجزيرة أضيع من الأيتام في مآدب اللئام، وقد استقبلكم عدوكم بجيشه وأسلحته وأقواته موفورة وأنتم لا وزر لكم غير سيوفكم ولا أقوات إلا ما تستخلصونه من أيدي أعدائكم، وإن امتدت بكم الأيام على افتقاركم ولم تنجزوا لكم أمرًا ذهبت ريحكم وتعوضت القلوب من رعبها منكم الجرأة عليكم، فادفعوا عن أنفسكم خذلان هذه العاقبة من أمركم بمناجزة هذا الطاغية (لدريق ملك الأندلس) فقد ألقت به إليكم مدينته المحصَّنة، وإن انتهار الفرصة فيه لممكن لكم إن سمحتم بأنفسكم للموت، وإني لم أحذركم أمرًا أنا عنه بنجوة، ولا أحملنكم على خطة أرخص متاع فيها التفوس إلا أبدأ فيها بنفسي، واعلموا أنكم إذا صبرتم على الأشق قليلًا استمتعتم بالأرفة الألذ طويلًا، فلا ترغبوا بأنفسكم عن نفسي فما حظكم فيه أوفر من حظي، وقد بلغكم ما أنشئت هذه الجزيرة من الحور الحِسان من بنات اليونان، والرافلات في الدرر والمرجان والحُلل المنسوجة بالعقيان، المقصورات في قصور الملوك ذوي التيجان، وقد انتخبكم الوليد بن عبد الملك من الأبطال عربانًا، ورضيكم لملوك هذه الجزيرة أصهارًا وأختانًا، ثقة بارتياحكم للطعان واستماحكم بمجالدة الأبطال والفرسان، ليكون حظه منكم ثواب الله على إعلاء كلمته وإظهار دينه بهذه الجزيرة، وليكون مغنمها خالصًا لكم من دون المسلمين سواكم، والله تعَالى ولي إنجادكم على ما يكون لكم ذكرًا في الدارين، واعلموا أني أول مجيب إلى ما دعوتكم إليه، وأني عند ملتقى الجمعين حامل بنفسي على طاغية القوم لدريق فقاتله إن شاء الله، فاحملوا معي فإن هلكت بعده فقد كفيتكم أمره ولن يعوركم بطل عاقل تسندون أمركم إليه، وإن هلكت قبل وصولي إليه فاخلفوني في عزيمتي هذه واحملوا
стр. 319
بأنفسكم عليه واكتفوا المهم من فتح هذه الجزيرة بقتله فإنهم بعده يُخذَلون .. وانتهت خطبة طارق البربري في جيش البربر المسلمين ومن معهم من بعض العرب، وتمكن طارق من الملك (اليوناني من القوط) وقتله وانتصر المسلمون وفتحوا الأندلس وانتصفوا من الروم، وصار مجد العرب عظيمًا مئات السنين، ولم يذهب دم عُقبَة القُرَشي وزُهَير البَلَوي هباءً والحمد لله رب العالمين ورحِم الله الشهيدين عُقبة القرشي وزهير البلوي، وكما قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران].
تفصيل آخر عن الصحابة من بلي
قال ابن هشام:
أ) من شهدوا بيعة العقبة الأخيرة للنبي ﷺ :
- هاني بن نيار (أبو بُردة) بن عمرو بن عبيد بن كلاب بن دهمان بن غنم بن ذبيان بن هميم بن كاهل بن ذهل بن هني بن بلي.
كان حليف الأوس (الأنصار) في المدينة المنورة وشهد غزوة بدر الكبرى.
- مَعْن بن عدي بن الجد بن العجلان بن حارثة بن ضُبيعة البلوي.
كان حليف الأوس (الأنصار) في المدينة المنورة وقد قُتل يوم اليمامة شهيدًا في خلافة أبي بكر الصديق ﵁.
- خُديج بن سلامة بن أوس بن عمرو بن الفرافر البلوي.
كان حليف الخزرج (الأنصار) في المدينة المنورة.
- أبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة بن خزمة بن أصرم بن عمرو بن عمارة من بني غُصَينة (بلي).
كان حليف الخزرج (الأنصار) في المدينة المنورة.
ب) (من شهدوا من بلي غزوة بدر)
١ - حلفاء الأوس:
- عبد الله بن طارق البلوي (مات يوم الرجيع شهيدًا في الظهران بمكة).
стр. 320
وفي فتح بلاد المغرب كان لزهير بن قيس البلوي قيادة الجيش الذي وجهه عبد العزيز بن مروان الأموي إلى شمال أفريقيا، فبعد استشهاد عُقبة بن نافع الفهري عام ٦٤ هـ اضطر المسلمون للتخلي عن فتوحاتهم غرب برقة، وارتد معظم البربر عن الإسلام ولم يستطع العرب المسلمون المبادرة بالأخذ بالثأر من هؤلاء البربر وقتئذ، وحال دون ذلك النزاع بين عبد الله بن الزبير والخليفة الأموي عبدالملك بن مروان، ثم انتهز الأخير فترة هدوء فأرسل جيشا إلى أفريقيا سيره أخوه عبد العزيز بن مروان، وعقد لواءه لزهير بن قيس البلوي، الذي كان بالأمس القريب عدوا له وقاتله في إيلة - كما أسلفنا - واستطاع المسلمون أن يهزموا جيش الروم والبربر سنة ٧٠ هـ وقُتل في هذه المعركة كسيلة رعيم البربر، وترك زهير حامية بالقيروان (تونس) ورحل يريد الرجوع إلى مصر فكان يمياى إلى الزهد والعبادة، ولكنه فوجئ في برقة بحملة أنزلها الروم من البحر، حين بلغهم أنه تقدم من برقة إلى أفريقيا الشمالية وترك برقة خالية من العساكر فعاث هؤلاء القراصنة في برقة فسادًا، فلما رأى رهير هؤلاء ينهبون الذراري والنساء قرب شاطئ البحر ووجد استغاثاتهم قرر ملاقاة هؤلاء الجند بما معه من العسكر الأقلاء، حيث ترك الباقين في أفريقية، وكانت معركة حامية الوطيس لدرجة أن عانق الروم العرب من شدة الالتحام، ولكن نظرا لكثرة جنود الروم فقد تغلبوا على زهير ورفاقه واستشهدوا عن آخرهم في المعركة، ويذكر البلاذري في "فتوح البلدان" أن قبور زهير ومن معه كانت موجودة هناك في برقة وتدعى قبور الشهداء. وإذا كان زهير قد استشهد على يد هؤلاء القراصنة من الروم، فقد أفلح في حملته في القضاء على قوة البربر بهزيمته لكسيلة وحشوده من البربر. وهكذا انتهت حياته بعد عُقبة بن نافع الفهري في سبيل نشر الإسلام في أفريقيا الشمالية.