← Ансаб

Ансаб · id 897

موسوعة القبائل العربية

محمد سليمان الطيب

Полный текст (10 849 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

كم ذلول وسمها وسم مخيف … لجت الضلعان في كثر الجعار وسمنا من فوق وسم أهله يبين … تظهر الكفة عليها كالشعار وقال شاعر آخر: يا جراد طار ما وقّع … ورد النقرة يبا ماها قال وقع قال ما وقع … ديرتي وابعد ممساها يوم حضرم (١) وسطهم صقّع … بندقه وا زين مرماها كم رحول حسها قعقع … لجة الضلعان برغاها كم ذلولٍ وسمها مطقّع … فوقها الكفة (٢) وسمناها كم هنوفٍ نهدها صقّع … طشت المخنق بيمناها (معركة شريفة) (٣) التي دارت بين قبيلة بني رشيد وقبيلة عنزة وكان زعيم قبيلة بني رشيد في هذه المعركة هو الشيخ جاسم بن برّاك، وكانت قبيلة عنزة تتمثل في ولد سليمان عمومًا وزعيمهم مشعان العواجي، وولد علي وزعيمهم فرحان الأيدا، وكان معهم بعض من القبائل من بلي وجهينة والشرارات كما قال الشاعر عتقا بن مجبي الداموكي وهو ممن خاضوا تلك المعركة: جمع جهينة مع بلي والشرارات … مثل التهامي يوم شمسه تغيبي وقبيلة بني رشيد في ذلك اليوم لم يكن عددها كثير ولكن النصر يؤتيه من يشاء فكان حليفها في هذه المعركة، وقد دارت رحى المعركة على عنزة ووقع شيخ ولد علي فرحان الأيدا في الأسر، وكان عدد القتلى من قبيلة عنزة تسعة وتسعين فارسًا استنادًا إلى ما قاله شاعر من عنزة:

стр. 3292

ثلاث رداتن على العسر واللين … والرابعة مارد الأول لتالي وش عاد لو في كل رده ثلاثين … ما صابنا دون الجهامه جفالي ولو طاح دون الشيخ تسعة وتسعين … وردوا مبيعة العمار الغوالي وفي المعركة قُتل الشيخ جاسم بن برّاك الذي يناهز الثمانون عامًا من عمره، وقال ابن مجبي الرشيدي: مالي حسايف غير شيخ لنا مات … واثراه عنده مثل طنش الخشيبي تسعة وتسعين من مدال المهمات … اللي ذبحنا في معرج الشعيبي وحيث إن الشيخ فرحان الأيدا وقع أسيرًا بيد الفارس المشهور (ثامر بن سعيده) قال الشاعر: حتى أنت يا فرحان الأيدا وليناك … عقناك وأنت فوق زبن الهذيبي وابن سعيده زبنك لين نجاك … والا أنت لو صبحت مالك مجيبي ولا يستوي للموت مثلك وشرواك … ياللي بلوذات المساعر تطيبي وسجلت بهذه الموقعة قصائد كثيرة تغنى بها شعراء بني رشيد وعنزة وقد دوِّن بعضها في دواوين الشعر النبطي - انظر مجلة اليمامة - وسنأتي على ذكر ما ورد فيها في فصل عن فرسان بني رشيد. (ويوم الحسو) كان بين قبيلة بني رشيد بقيادة الشيخ صنيتان بن شميلان الملّقب "لوفان" (١)، وبين قبيلة مُطير بقيادة الشيخين ابن درويش وابن شرار، وقال الشاعر:

стр. 3293

لا عاد يوم على تالي الجيش … بيمن شعيب الحسو عند الثمايل جونا كما العسكر جموع ابن درويش … وابن شرار وكل سمو القبائل جونا على تسعين قبل أدهم الجيش … واقفوا على عشرين والدم سايل بلوفهم لوفان مروي المعاطيش … لوفان لواف العدو بالفعايل وقال ابن شرار المطيري بالخيل المقتولة: تريحوا من عقبهم بالحواشيش … وتحلبوا اللي لهن من عدايل ومعروف أن قبيلة بني رشيد من أولى القبائل المؤيدة للملك عبد العزيز آل سعود وقد شاركت في توحيد المملكة، ولها رجالات وفرسان سقطوا في ساحة الشرف والجهاد، ومن أبرز قادة بني رشيد الشيخ سرور بن سمران بن سمرة شيخ شمل بني رشيد بالحجاز حيث غزا على الأشرار والمتمردين عدة غزوات بإذن من الملك الراحل عبد العزيز آل سعود ﵀، ومن أهمها غزوة يوم التمة (المليليح) بقيادة سرور بن سمرة وبين عدد من قادة الأشرار الخارجين عن طاعة الملك عبد العزيز، وقد غنم فرسان الرشايدة غنائم كثيرة بلغ خمس الغنائم ألفي رأس من الإبل، وقال شاعر من بني رشيد: بنياقكم جبنا دفوع الخراعيب … وهرجن على غير الصحيح خساره والخمس يرسل للملك بالمكاتيب … ألفين غير اللي خذوهن سباره وقال شاعر آخر في كثرة الغنائم: صار خمس الكسب بأعداد الألوف … غير من نفل زياده بالسبار

стр. 3294

(ويوم حميرا) بين بني رشيد والأشرار وهم الخارجون عن طاعة الملك عبد العزيز وقد أخضعهم بنو رشيد للطاعة وفي هذه المعركة قُتل بعض فرسان بني رشيد (١)، وقال الشاعر (٢): أمس الضحى دندن البارود … في خشم حبران (٣) بالكنّه الهجن خلن نما وسعود … وثامر قعد يزعج الونّه وطشن خنيفر وهن جهود … وأموات الإخوان للجنه اللي قتل يومه الماعود … واللي على الهجن جابنّه (غارة ابن موقد) حيث شدّ ابن موقد، وهو عقيد من قبيلة حرب على ديار بني رشيد فكانت غارته على العوامرة، فتصدى له فرسان العوامرة بقيادة ضيف الله بن علي العويمري وابنه الفارس ثاري، ودارت بينهم معركة أدت إلى مقتل ابن موقد عقيد حرب ومعه ابن أخيه، حيث توجد قبورهم في غرب جبل البصر من ديار العوامرة، وفي ذلك يقول الشاعر: يوم ابن موقد نوانا بغاره … يبا الطمع متخيرٍ كل مغوار مواقده جونا سواة النماره … ذرفين الأيدي من صليبين الأشوار جونا كما سيل ضرب له قراره … قبل طلوع الشمس مع فج الأنوار وقمنا عليهم مع مبادي نهاره … وتعاقبه صم الرّمَك والدخن ثار وياسرع رجعت جيشهم بانكساره … نصر من الله ربنا والي الأقدار اللي سلم منهم تنحى لداره … أقفى معيف ولا يعود لها الدار في غارته ياما خسر من خساره … أقفى حزين ضايق البال محتار خلف (٤) شرب من كاس بقعا مراره … عقب القهاوي شرب كاسات الأمرار يوم إن ثاري باللقا شب ناره … وأركا على جيش المعادين بالنار

стр. 3295

واحد نشوفه طاح بالمعاره … عليه هلي دمعتك يم دوار ربعي على كيد المعادي حراره … أحر من سم السقطري ليا سار (ويوم رخة) وهذه المعركة وقعت بالقرب من جبل يسمى رخة في نجد، وكانت بين الشيخ مزعل بن شميلان الرشيدي ومن معه وبين جموع ابن رشيد (الشمّري) حاكم حائل في ذلك الوقت، حيث بدأت من طلوع الشمس وحتى غروبها، وقيل أن السيف وسر - أي قبض والتصق - على يد الفارس دهيم بن عمير الرشيدي وذلك من كثرة الدماء وشدة القتال الضاري، وقد انتصر بنو رشيد على حاكم حائل في هذا اليوم، وفي هذا المعركة يقول شاعر من بني رشيد: الحمد للمعبود فرّاض الصلاه … والشكر له محمد النجوم السايرات الواحد اللي ما يتمنن في عطاه … اللي نصرنا يوم جنّا سارحات بالضيغمي حنّا لنا مثلك عزا (١) … والخيل حنّا فوقهن ومدربات واللي نوانا بالطمع يأخذ جزاه … من دونها نرخص عمار غاليات (يوم المغددية) غزا الشيخ مشل العواجي مع لابة من قومه عَنَزة في صبيحة أحد الأيام في عصر الجهل ما قبل الحكم المسعودي الميمون، على ذوي علي من العوامرة في المغددية وهي فوق جبل البصر أو تحت الشعب، وهي من مساكن ذوي علي العوامرة، ودارت رحى المعركة بين العواجي وقومه، والشيخ راشد وأولاده من ذوي علي العوامرة من بني رشيد، وكتب الله النصر لراشد في هذه المعركة، وقُتل حثار العواجي أخي مشل، كما قُتل جواد مشل العواجي فوقع أسيرًا بيد راشد، ولكن مشل دخل على راشد، ومن عادات العرب لا تقتل العاني أو الدخيل بل تسعى على إبقاء حياته والحفاظ عليه وقد أرسل مشل بعد ذلك سالما

стр. 3296

إلى أهله لم يصب بسوء. فصارت هذه الحادثة حِسْنة من الشيخ راشد بن علي العويمري على العواجي على مر الزمان وحتى حكم الملك/ عبد العزيز آل سعود ومن ثم إبطال الغزو والتقاتل وأمور الفوضى السائدة وقتئذ في جزيرة العرب. قال الشيخ راشد بن علي: والله ما أذبح من وقع في أيدينا … بالأسر والله ذاكره بالكتابي حيثه سلوم جدودنا الأولينا … والله وعد قاتله بالعذابي أمرٍ فرضه الله على المسلمينا … تروف بالأسرى على كل بابي وش عاد لو إنه عدوًّا مبينا … تكريم من ربك عظيم الثوابي فعلٍ فعلته فعل الغانمينا … مفعول من قبلي بطرق الصوابي وبعض الاريا من الجاهلينا … ما همني قوله ولا خذ له حسابي وقيلت قصيدة من أحد العوامرة من بني رشيد ليخلّدوا هذه الحادثة العجيبة: جانا العواجي معتدينا بلابة … يبغون أخذ نياقنا، الشجعاني قمنا عليهم والسعد عند الله … في ساعة يافي بها الديّانِ قاموا وقمنا واستهلت وأمطرت … في مسلبات الصمع والنوناني يوم أمطرت دم النشامى سيلها … من دون وضحا حلوة الألباني ينخى ويندبنا ياسمنا عَوْدنا … يقول وين عيالي الظفراني من دون وضحا حل بيع أرواحكم … عدايل الخطّار والورعاني هوشوا بحد السيف وعيدان القنا … من دون وضح كفهن ريلاني حثّار لاقانا ويا قشر لقوته … وقع قتيلٍ ملتقى الفرساني وشمام طاحت مهرته بسلاحنا … اللي تحالي قايد الغزلاني طاحت جواد الشيخ دون نياقنا … مشل كنه نادر العقباني وأنجاه راشد يوم ربي عثبره … هاذي سلوم البدو والحضراني عيال رشيد وحاضرين نياقنا … أولاد عبس وجدنا عدناني ياما فديناهن بكل مجوّخ … ليّا طار عج الخيل بالميداني هاذي فعالينا وعقب جدودنا … والعنك ياهرج بلا برهاني

стр. 3297

(غزوة خلف العواجي) غزى الشيخ خلف العواجي (١) على العوامرة من بني رشيد العبسي مرتين كسب بالمرة الأولى وخسر بالثانية، فلقد قال قصيدة يتمنى الكسب بعد غزوته الأولى التي كسب بها ومن قصيدته هذه الأبيات: لو اهني من تبع الصمع خلفات … وجيشٍ مع الكفة عليه الردوعي من ربعةٍ من ناطحين المهمات … واصبّح على دار الرشيدي جموعي فلما وصلت هذه القصيدة أسماع الشيخ راشد بن علي العويمري قال: يا اللي تمنانا بحرب وغارات … وشرهن على اللي ياسمون الردوعي شرهن تريد تتبع الصمع خلفات … وناوي تصبحنا بكثر الجموعي أقلط ولك عندي هدية وشرهات … سيف مضاريبه تقص الضلوعي من كف شغموم بوقت المثارات … ما فيه لك رحمه عديم قطوعي نجيك من فوق المهار السريعات … كلٍ على قبا صهاتٍ طلوعي وإن ما انتهيت وتبت من كل ما فات … يحرم عليَّ مدخلي للفروعي لا يوهقك يومٍ مضى يا خلف فات … ذودٍ كسبته من توالي النجوعي والحر يكفيه النظر والاشارات … ولا أنت غشيم في ملاقي ربوعي عوامره تسقيك بالسم جرعات … ونحط في كبد المعادي نقوعي ودارت المعركة بين خلف العواجي وبين ذوي علي ومنهم الفارس رويشد بن علي وأخاه فالح بن علي وكانت معركة دامية أدت إلى قتل أربعين ذلولًا من جيشه وعددٍ من رجاله، ومن ضمن المقتولين دليل جيش العواجي وهو رجل يُدعى مصيبيح فانهزم العواجي والباقي من رجاله هزيمة نكراء لم تثر له بعدها ثائرة على العوامرة. (معركة العلم) وهي من المعارك المشهورة بين سعود بن رشيد الشمَّري حاكم حائل وبين بني رشيد العبسي حيث اتجه ابن رشيد لحرب بني رشيد بجبل

стр. 3298

العلم وعند وصوله العلم أمر ابن رشيد لتعبئة المدافع لتدعم مهمة البنادق ودارت المعركة وقتل أصحاب المدافع والبنادق وغنم فرسان بني رشيد الأسلحة والخيول والذخائر والمواد الغذائية والمدافع، وانهزم سعود أبو خشم ومن معه ورجعوا لحائل بعد هزيمتهم. قال الشاعر من بني رشيد: اللي تمهزى الضلع بالحملات … والدرب مسدودٍ عليه كب المدافع وابغض اللقوات … كت الرقب غصب عليه ابن رشيد اللي خذ القنطات … خيل العدا عيّت تجيه من سمع ذكره ما رجى لذ الحياة … مطوعٍ شيخان نجد اللي تبيه يا زين جدع الجيش بالحملات … بمشوكٍ ما ينتسيه حِنّا سلاليل عبس نروي المرهفات … وضلع العلم ما حدٍ يجيه يوم الدخن مثل مزون مردفات … منا ومنهم مير عان الله عليه وقيلت أيضًا قصيدة بهذه المناسبة نذكر منها: ابن رشيد وجاك من باب حايل … سند جنوب وراح نيه طواله جمع مع جمعه جميع القبايل … سند شعيب نابيات جباله ميراث جد اليا هرج كل قايل … ضلع موصٍ به الشايب عياله لو لم جمعه ما حصله نفايل … مرهن على ضلع العلم من هباله يوم أشهب الدخان مثل المخايل … ردوه عن دربه وقتلت رجاله قلت: لما تقدم تبرز لنا أهمية بني رشيد في الجزيرة العربية، وأنها ذات خطر حربي؛ لما تتمتع به من مواقع حصينة، وثانيا وهو الأهم تميُّز فرسانها بشجاعة نادرة هي مضرب الأمثال في مواجهة الأعداء والفتك بهم في أي وقت وتحت أي ظروف ومهما كانت قوة العدو، حيث إن هذا الشيء لم يؤثر إطلاقا من ثبات

стр. 3299

ورباطة جأش المقاتلين من بني رشيد، ومقارعة المعتدين بكل قوة واقتدار وصلابة، وردهم على أعقابهم مخذولين مدحورين. كما أن معارك بني رشيد مع الأتراك تبرز لنا الوطنية وحب الحرية وبغض السيطرة الأجنبية على العرب من أي جنس، حتى ولو كان هؤلاء الأتراك يدينون بدين الإسلام، وما هم في الحقيقة إلا أعداء للعرب ينهبون خيراتهم بدون وجه حق متسترين وراء الدين الإسلامي، والإسلام بريء من خزاياهم وأفعالهم مع الأمة العربية. ومن الواضح أيضًا أن التأييد القوي من قبل قبيلة بني رشيد للملك عبد العزيز آل سعود - طيب الله ثراه - كان ذا أثر فعال في نشر الأمن والقضاء على المتمردين والأشرار في غرب الجزيرة العربية، وكان الشجاعة وإخلاص بني رشيد تقديرًا في نفس موحد الجزيرة، ومن ثم في نفوس خلفائه من بعده من العائلة المالكة من أسرة الملك عبد العزيز آل سعود، أعزهم الله ووفقهم لخير البلاد والعباد.

стр. 3300

ما قاله المؤرخون عن فروع بني رشيد العبسيين: - ذكر نعوم شقير في تاريخ سيناء ص ٧٢٥ قائلًا عن بني رشيد: من قبائل العرب في مصر، تنسب إلى عرب الحجاز وتقيم في مديرية جرجا بصعيد مصر (١). - وذكر أيضًا في تاريخ السودان ج ١ ص ٦٠ قائلًا عن بني رشيد في السودان (٢): من قبائل العرب، تقيم في الصحراء الشرقية المعروفة بصحراء البجة بالسودان، وهي قريبة عهد بها، وقد هاجرت إليها من الحجاز عام ١٢٨٨ هـ/ ١٨٧١ م، بسبب قتال وقع بينها وبين بعض القبائل هناك، فعبرت البحر الأحمر من جدة، ونزلت في أرض الحباب، وكانت تعد وقتئذ نحو ألف رجل، ومعهم أسلحتهم، وأولادهم، وإبلهم، فاعترضهم الحباب، وجرت بين الفريقين وقائع أدت إلى سفك الدماء، وهم حتى سنة ١٩٠٣ م فريقان: أحدهما تابع لحكومة السودان والآخر لحكومة أريتريا. - قلت: ورد تحقيق في مجلة (المجلة) الأسبوعية عن بني رشيد بالسودان فيه: أن هؤلاء البدو أو القوم ذوي البشرة البيضاء المائلة إلى الصفرة من شدة الفحة الشمس، وهم أكثر من تسعين فرعًا، وهم أحدث الهجرات العربية إلى القطر السوداني، حيث جاءت إليه من موطنها الأصلي في نجد حوالي عام

стр. 3301

١٨٠٠ م، وأشهر فروعها بالسودان البراعصة والزنيمات والبراطيخ، ويقطن بنو رشيد كرعاة للإبل في المنطقة الغربية من مدينة كسلا عاصمة الإقليم الشرقي، ويعملون بالإضافة إلى الرعي في التجارة بين أسواق السودان ومصر والسعودية، بينما استقرت أقلية منهم في العمل الزراعي بمشروع خشم القربة في أراضي البطانة بالسودان. وبنو رشيد يعتبرون من أغنى القبائل في السودان، إذ إنهم يتاجرون في الإبل التي يصل ثمن الواحد منها في أسواق مصر أكثر من ألف جنيه بينما يصل سعر الهجن إلى أسعار خيالية. ورغم ثراء بني رشيد فالرشيدي مازال يسكن في بيت الشعر ولا يودع أمواله في البنوك، ويمتلك أحدث أنواع الأسلحة النارية بدءًا بالطبنجة إلى الكلاشينكوف و (الآر. بي. جي)، وما زال الرشيدي يفتخر بسيفه ويتمنطقه في غدوه ورواحه، وتتغنى نساء بني رشيد في السودان بفرسانهم الشجعان ويقلن: ياللي يتمنى حربنا .. رصاص في كبد العدو .. ربعي حماة الدار .. جاءت نقالة الحد الرهيف (١) ومازال بنو رشيد يتغنون بأشعار العرب القديمة ويحكون قصة عنترة بن شداد العبسي وأبو زيد الهلالي وغيرهما، وبنو رشيد على الرغم من أنهم بدأوا حياة الاستقرار حديثًا في قرى أعطتهم إياها الحكومة السودانية، لكنهم لم يأمنوا لها فغادروها إلى حياة البداوة، لأن لهم قانونهم الخاص بهم، فرئيس القبيلة عندهم هو قاضيها وهو حاكمها وهو ممثلها لدى السلطات، فهو الذي ينفذ الأحكام خاصة إذا كانت إعدام القاتل أو قطع يد السارق أو رجم الزاني، ولكنهم يلجأون إلى المحاكم المدنية السودانية في حالات الخصومات مع القبائل الأخرى وما أكثرها في بلاد السودان. - وفي كتاب السودان لمحمود شاكر ذكر بني رشيد من قبائل السودان وقال: بنو رشيد هي قبيلة قدمت حديثًا من بلاد الحجاز في القرن التاسع عشر، وأقام بعضهم في إقليم طوكر، وانتقل بعضهم إلى إقليم عطبرة.

стр. 3302

وفي كتاب بني رشيد طنايا عبس (١) ذكر الأستاذ مبروك بن مبارك الرشيدي عن نسب قبيلته قائلًا: "ذُكرت شجرة نسب لقبيلة بني رشيد نقلًا عن مخطوطات محفوظة لدى أحد عُمَد ومشايخ القبيلة في بلاد السودان حيث ذكرت أنه: رشيد العبسي الشهير بالزول وهو رشيد بن مرشود بن سعد بن بريعص بن رشيد بن مريبيع بن سلمان بن مبارك بن مرشود بن راشد بن مريبيع بن ربيع بن الحارث بن حذيفة الذي ينتهي نسبه إلى قطيعة بن عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان بن مُضر بن نزار بن معد بن عدنان. وذكر أيضًا أن رشيد الذي تكونت منه القبيلة في القرن الخامس الهجري هو رشيد بن مريبيع خلاف رشيد الزَوْل موحد القبيلة في بداية القرن الثامن الهجري وهو من أحفاد الأول. وقد ذكر أيضًا أحداثًا عن بني رشيد نسجلها في الموسوعة لتمام الفائدة. علاقة مشايخ بني رشيد بالأشراف ١ - في عام ٤٥٠ هـ أعطى والي مكة أرض بني هلال لرشيد بن مريبيع، وقد كانت له ولوالده علاقة طيبة مع الشريف شكر ابن أبي الفتوح الحسن بن جعفر الحسني أمير مكة واستمرت علاقات أبنائهم مع بعضهم البعض. ٢ - في عام ٦٧٣ هـ دخل رشيد (الزول) على الشريف محمد والي مكة وعقد معه اتفاقًا على أن يساعده في استعادة أرض قومه ولم شملهم وطرد الغزاة وتم ذلك بالفعل.

стр. 3303

٣ - في عام ٩٠٧ هـ عيَّن الشريف هزَّاع والي مكة مخصصات لمشائخ العربان، ومن بني رشيد الشيخ عجوين بن راشد الرشيدي والشيخ حامد بن عائض الرشيدي والشيخ عايش بن عائض الرشيدي وكانت علاقتهم طيبة بكل ولاة مكة حتى عام ٩١٣ هـ في عهد الشريف بركات والي مكة. وكذلك استمرت علاقاتهم وأبنائهم من بعدهم حتى عام ٩٦٣ هـ بالسيد مانع الحسيني ومن بعده زيد بن محسن والي مكة عام ١٠٤٣ هـ وحتى عام ١٠٨٤ هـ مع الشريف بركات بن محمد والي مكة، حيث تحول جزء كبير من بني رشيد إلى نجد عام الخير ١٠٨٩ هـ وفي عام ١٠٩٠ هـ قام مشائخ بني رشيد بمساعدة الشريف بركات والي مكة عندما استغاث بهم لحسم الاضطرابات التي نشأت في المدينة المنورة وأبرم معهم اتفاقية لحماية الحجاج. ٤ - في تلك السنوات قامت مشكلة في ولاية مكة بين الشريف عبد الكريم بن محمد والشريف سعد بن زيد، وفي عام ١١٠٣ هـ تدخل المشائخ الثلاثة: الشيخ رشيد بن حماد والشيخ راشد بن مرشود والشيخ سالم الزلامي؛ لإصلاح الخلاف بين الأشراف، نسبة للعلاقة الوطيدة التي ربطت بينهم وبين حكام مكة منذ أيام أجدادهم. في عام ١١١٦ هـ نشبت حرب بين الشريفين سعد بن زيد والشريف عبد الكريم بن محمد، وانتصر فيها الشريف عبد الكريم وهذه الحرب خلقت مشكلة كبرى بين بني رشيد والأشراف حكام مكة نسبة لفشل الصلح وانقسام العائلة. في عام ١٢٠١ هـ تم تنصيب الشريف سرور بن مساعد بواسطة الأتراك وكان لتنصيبه الواقع السيئ في نفوس بني رشيد؛ لأنه استعمل معهم أسلوب التهديد. في عام ١٢٢٦ هـ أصبح مشائخ بني رشيد وفرسان القبيلة بقيادة الشيوخ السمرة وآل الشيخ عائد من المساندين للجيش العربي الذي أرسله أمير نجد سعود بن عبد العزيز بقيادة ابنه عبد الله وكانت الحملة التركية على الحجاز بقيادة طوسون باشا ابن محمد علي باشا وأبلى بنو رشيد فيها بلاءً حسنًا.

стр. 3304

في عام ١٢٣١ هـ الخلاف بين السعوديين ومحمد علي باشا، وحملة محمد علي على نجد بقيادة ابنه إبراهيم باشا انضم فرسان بني رشيد بقيادة آل برَّاك إلى الجيش المسعودي وكان لهم رد فعل بارز في هذه المعركة. في عام ١٢٥٥ هـ، ١٢٥٦ هـ حملة الأتراك بقيادة سليم باشا أطزبير لحصار المدينة وكان لبني رشيد دور فاعل في هذه المعركة بقيادة فرسانها وشيوخها. في عام ١٢٦٨ هـ تولى الشريف عبد المطلب بن غالب ولاية مكة، وفي عهده انحدرت العلاقات بين بني رشيد والأشراف إلى الدرك الأسفل نسبة لمساندة بني رشيد للجيش السعودي ضد الأتراك. ونتيجة للخلافات القائمة بين الأشراف أنفسهم حول كراسي الحكم مما حدا ببني رشيد للعصيان حتى نشبت بينهم وحكام مكة الذين حرَّضوا أتباعهم ضد بني رشيد ودامت هذه الحرب لسنوات وكانت سببًا في نزوح جزء منهم للسودان وأريتريا ونجد ومصر. وبقيت جذورهم وأساسهم جهة المدينة المنورة ونجد وأمراء شملهم، وقد سجل شعراء بني رشيد قصة هذه الخلافات في بعض قصائدهم كما قال أحد شعرائهم: شريف ما نعرف شريف … ما نعرف إلَّا ربنا نعبا له الملح النظيف … واللجيني اللي صبنا والسيف أبو حدٍ رهيف … حتى نصفي حقنا وعندما رحلوا من تهامة لغرب البحر الأحمر في السودان وأريتريا قال أحد شعرائهم: يا فاطري من بعد مرتع تهامه … وأرض الحجاز ونابيات الرسومي اليوم في بحر عسى به سلامه … إن جاه ريح راح موجه يعومي ثلاثة أيام حسابًا تمامه … متوجهين بك مغيب النجومي ٥ - في عام ١١٥٨ هـ ظهور محمد بن عبد الوهاب وكان الشيخ زايد بن الشيخ فرحان العويمري من المعجبين بدعوته والمتحمسين لها. وفي ١٢١٨ هـ تولى

стр. 3305

الشريف عبد المعين أمر مكة من الأمير سعود، وكان أبناء الشيخ زايد ابن الشيخ فرحان العويمري من القواد الذين دخلوا مع الأمير سعود مكة. ٦ - في عام ١٢٣٠ هـ يقوم الشيخ مبارك ابن الشيخ زايد العويمري بمساعدة طامي بن شعيب الموالي لآل سعود في حربه ضد الأتراك في منطقتي الحجاز وعسير ويشترك كذلك في مساعدة النجديين ضد الأتراك في (تربه) ويستشهد فيها. ٧ - في عام ١٢٦٨ هـ كان الشيخ سليم ابن الشيخ سالم العويمري وجماعته من بني رشيد من أقوى المحاربين ضد القوات التركية التي أرسلها عباس باشا والي مصر لإخضاع أهل عسير وكانت القوات السعودية بقيادة عايض بن مرعي أمير منطقة عسير وانتصر فيها السعوديون عام ١٢٦٩ هـ. ٨ - في عام ١٢٨٨ هـ اشتد الخلاف بين بني رشيد والأشراف نتيجة موالاة بني رشيد لآل سعود عقب الخلافات التي نشأت بين حكام مكة من الأشراف وانقسامهم وكان على رأس بني رشيد في ذلك الوقت الشيخ سعد ابن الشيخ سليم العويمري. من أخبار رشيد العبسي الشهير بالزول العرب بطبيعتهم أمة مغالبة مجالدة مساورة معاندة لا ترضى بالضيم ولا تقبل الذل ولا تغض على الهوان، ولقد تروضوا على المخاطرة واعتادوا القتل والقتال والفوا الصول والصيال فانتزعت من نفوسهم غريزة الخوف وغلبت عليهم الحرية الشخصية وصارت الحرب عندهم تهيج لأوهى سبب وتشعل لأقل حدث وما تخبو إلَّا لتستعر، وقد تظل ملتهبة بين القبائل أعوامًا طوالا لا تهدأ نارها ولا تخبو أوارها. ولقد كانت الحرب التي اندلعت بين عبس وأحلاف القبائل عليها في نجد في أواخر القرن السابع الهجري ما هي إلا صورة منها. لقد هجمت قبيلة عبس على

стр. 3306

قبيلة في جبال طيئ ونهبت أموالها. كانت هذه القبيلة في تلك الحقبة من أبنائها حكام في العراق والشام، ولهذا حرَّضوا وساعدوا القبائل الأخرى لتُكوِّن تحالفًا ضد عبس في نجد ويستمر سنين، وتغلب الكثرة الشجاعة وتنهزم قبيلة عبس ويُفرض عليها شروط الانسحاب من الديار التي احتلوها وإخلاء الحرَّة والتحول إلى الحجاز. وهذه الأحداث كما ذكرها المؤرخ التركي أيوب صبري باشا في كتابه مرآة العرب والبتنوني وغيرهما. وأورد ذلك تفصيلًا على العمدة سليم ﵀ في مخطوطاته عن رشيد الزول قائلا: "بعدما عاد رشيد الملَّقب (الزَوْل) ليطرد البقايا التي بقيت من تلك القبائل ويمكّن عبس الذين عُرفوا باسم بني رشيد من ديارهم في نجد ويحررها، عِلمًا بأن عبس طيلة هذه الفترة كانوا يهجمون على تلك القبائل حتى جعلوا المنطقة خالية ترعب من يدخلها وكانوا ينتقمون من القبائل التي حالفت تلك القبيلة حتى أن تلك القبيلة رحلت إلى الشام خوفًا من الانتقام ودخلت الحضارة وتركت البداوة. وبعد عودة رشيد الزول العبسي إلى ديار قومه من عبس وغطفان في بداية القرن الثامن الهجري قام بحفر بئر شداد الجاهلي (١).

стр. 3307

الحجاز ونجد قبل خروج بني رشيد لمصر والسودان وأريتريا كانت جزيرة العرب في القرن التاسع عشر الميلادي قبل هجرة بني رشيد لمصر والسودان وأريتريا تسودها فوضى الحكام والأمراء ويعمها التدهور الديني والفقر والغلاء والجفاف والتصحر وكانت الحروب بين القبائل والنهب والسلب الحرفة الرئيسية لبعض القبائل وسلب الحجاج وأخذ صُرّة مالية من الحجاج مقابل حمايتهم. كل هذه الأسباب تجعل جزيرة العرب في حاجة إلى توحيدها وإلى رجل قوي يحقق هذه الأمنية. لم يكن ذلك إلا بميلاد صقر جزيرة العرب وموحدها الملك عبد العزيز آل سعود الذي ولد ١٢٩٧ هـ الموافق ١٨٨٠ م. ولقد كانت هناك عدة أسباب لهجرة بني رشيد من جزيرة العرب منها اختلاف الحكام ومحاربة بعضهم البعض. حرب الشريف سعد بن زيد والشريف عبد الكريم بن محمد والتي انتصر فيها الشريف عبد الكريم عام ١١١٦ هـ. وكذلك الشريف سرور بن مساعد الذي نصّبه الأتراك واستعمل التهديد مع بني رشيد مما جعل بني رشيد تقف مع الجيش السعودي (أيام الدولة السعودية الأولى) ضد الأشراف، وفي عام ١٢٦٩ هـ ينتصر عائض بن مرعي أمير عسير ومعه بني رشيد، وكان بقيادة الشيخ سليم ابن الشيخ سالم العويمري الرشيدي. كانت هذه القوات تتبع القوات السعودية، والقوات المحاربة هي القوات التركية التي أرسلها عباس باشا والي مصر لإخضاع الحجاز وأهل عسير، وكان النصر حليف القوات السعودية. وبعد هذا الانتصار يتم التشديد على بني رشيد في الجهة الشمالية لجدة حتى الوجه على الساحل، وكان ذلك في عهد الشريف عبد المطلب بن غالب والي مكة، والذي في عهده انحدرت العلاقات بين بني رشيد والأشراف إلى الدرك الأسفل نسبة لمساعدة بني رشيد للجيش المسعودي ضد الأتراك. وأرسل الشريف عبد المطلب بعض شيوخ القبائل لأخذ الإبل من بني رشيد وتسليمهم له ولم تفلح حملته، ويقول شاعر تلك القبائل أمام الشريف:

стр. 3308

حسبت ربعي يأخذون السواحل … الصعب والراحل وأسلاب أهاليها أثر السواحل دونها الموت كاحل … بالمغربي الناحل في إيمان أهاليها لقد كانت تربط بنو رشيد بالأشراف علاقة طيبة منذ جدهم الأول رشيد. وكذلك توطدت في عهد رشيد الزول، ولهذا إن هذه العلاقة منذ زمن طويل، حيث إن ذوي سليمان من الجلادين من بني رشيد أمهم من الأشراف فهذه علاقة دم، وحيث إنهم جميعًا من مُضَر وعدنان، ولم يكن خصامهم سهلا على بني رشيد. وتكون الهجرة الأولى إلى مصر بقيادة الشيخ مبارك السمهودي في عام ١٢٧٠ هـ. وفي عام ١٢٨٧ هـ الموافق ١٨٧٠ م سنة سعود وهي سنة الخلاف والحرب بين الأمير سعود بن فيصل وأخوه الإمام عبد الله بن فيصل. ولهذا فإن السعوديين الذين حارب معهم بنو رشيد اختلفوا كما سبق للأشراف، ولهذا كانت الهجرة الثانية في عام ١٢٨٨ هـ الموافق ١٨٧٢ م إلى السودان وأريتريا بقيادة الشيخ سعد والشيخ مرشود. اتصال بنو رشيد بالسودان بجذورهم في نجد والحجاز ٩ شعبان ١٠ يونيو ١٩١٦ م يحضر كل من الشيخ سعد ابن الشيخ سليم العويمري والشيخ مرشود ابن الشيخ مريحيم العمري والشيخ عبد الله ابن الشيخ مبارك العايدي بطرف الشريف حسين، الذي أرسل لهم وعرض عليهم المساعدة بالمد عن طريق جدة بالبحر لإعلانه الثورة العربية، حيث إن كثير من المتطوعين الذين حضروا وانضموا لجيش الشريف في وقتها يقول البدو: "يا شريف اكتبني

стр. 3309

بواردي" (١)، وكما أن أجزاء من بني رشيد اليوم يوجدون في الشام والأردن كانوا في جيش الثورة العربية لتحرير القدس. في ١٣٤٣ هـ/ ١٩٢٤ م حضر الشيخ سعد ابن الشيخ سليم العويمري، والشيخ مرشود ابن الشيخ مريحيم العمري والشيخ عبد الله ابن الشيخ مبارك العايدي للحجاز وقابلوا الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، الذي عرض عليهم الرجوع للبلاد وأنها أرضهم وديارهم، وهي اليوم تنعم بالأمان. وأيدوه وبايعوه ولم يكن لديهم مشاكل في عهده في الدخول والخروج من الحجاز حتى وفاة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود. ٢ ربيع أول ١٣٧٣ هـ خيمت سحابة الحزن على بني رشيد في السودان لسماعهم بوفاته. وبعد وفاة الملك عبد العزيز أصبحت بعض الشرطة تتعرض لبني رشيد في الحدود، وحضر للسعودية كل من العمدة سليم ابن الشيخ سعد العويمري والعمدة بركات غوينم والعمدة مبارك ابن الشيخ عبد الله العايدي، وقابلوا الملك سعود بن عبد العزيز آل سعود فوضحوا له الأمر وأصدر مرسومًا ملكيًّا برقم ٨٩٨/ ١ في ١١/ ٣/ ١٣٧٦ هـ بشأن حجاج بني رشيد والمرسوم يعفيهم من الرسوم ويعطيهم حرية المرور في الحجاز، وقال لهم - رحمة الله عليه -: "البلاد بلادكم واللي يبغي يجي ما حد يقول لكم لا. وهذا أمر الملك عبد العزيز ﵀ وأنتم سعوديون". في ١٩٦٣ م زار الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود السودان وافتتح مسجد حلفا الجديد، وأقيم له مهرجان سباق هجن في خشم القربة وسبق فيه جمل العمدة سليم ابن الشيخ سعد العويمري، وقد قابله الملك فيصل ومعه عمد بني رشيد والعمدة نافع بركات غوينم الحياني والعمدة علي ابن الشيخ عبد الله

стр. 3310

العايدي، وقالوا له: "يا طويل العمر نبغي بلادنا وقال له العمدة سليم: لنا عرب في أريتريا" قال الملك فيصل ﵀: كل مولع بداره … لونه مسقي بلاها يطير منها بلا ريش … وليا طلع ريشه يعود علاها فرحب بهم الملك فيصل، ووضح لهم أن البلاد مقبلة على خير وظهر فيها البترول، وقد أصدر الملك فيصل ﵀ أوامره في حينه بتكوين لجنة بالسفارة السعودية بالخرطوم وأديس أبابا، ولكن حتى اللجنة التي قامت في أديس أبابا لم تصل لبني رشيد، حيث كانوا بعيدين عن المدن وتعزلهم عنها الألغام أيام الحرب. بعد وفاة الملك فيصل لم يكن هنالك بيت من بني رشيد لم يتأثر بذلك، وقالوا فيه الكثير من الشعر ومنها قصيدة الشاعر أحمد نفَّاع بركات: أبدأ كلامي بالله امسيّر الروح … الوالي اللي كل الأمة ترجاه وبعدها يا راكب من فوق هياف … الله زين بالوصايف حلاياه أشعل ذهابي وله جيب كما الباب … والبطن قافل والقوائم مراواه فج العضود ونابيات فقاره … تأخذ حلايا من الجوازي تهاياه مربوع في القامه متين العظامي … من وسط الانضا يوم يقفي تمناه هياف ولد أصيل وأمه شعاله … ومن لا ركب مثله يقال له عزاه اليا قفز من مبركهـ باعتجالي … يقال سياره مع الدرب تقفاه لولا زمامه ما يجره جرينه … ما يمهل الركاب الياما ايتمثناه ظلا على ضيرين مع أمهاته … يرعابه المصلاح ما فات مفلاه

стр. 3311

غلق جذاعه واستوى للطياعه … وأعطاه حوليه وهو ما تعلاه من خوف لا تنمش ساقه وينعاق … ما ودب إلا الياما صكت ثناياه محشمه راعيه يوم الصلافيق … والراعي اللي يصفقه ما تولاه ما فوقه إلا راكبه والاواني … والسيف والبندق وزاده ومجداه ومسدس مع ولد المطلق ما تغره … تفعل بها يمناه يوم الملاقاه من ديرة السودان راعيه مرسول … من الرشيدي للسعودي منصَّاه من سوق كسلا وادعته القبيله … واقفا بركابه تحت ارادة الله صلي صلاة الظهر واقفى براعيه … والعصر الأول سوق روما تعداه فات السرايا وعنه فهج شويه … سوى عشاه ثم بعدين عشاه جابه وشد وركب واقفى يهاوي … همهم عليه دوبه ويسارق غناه فوقه صبي ما يهاب المخافه … محكر مصباحه ووين مساه ثاني نهار العصر من عند حيه … وأصبح وراء سنكات بالوصف ما جاه ورابع نهار أصبح على المركب اللي … وسط البحر ما وقفواها يلولاه جاه من المسفار قبل المواعيد … قاده علاها وبركهـ ثم ثناه واقفت مع الأمواج مثل السحابه … اليا قفاها البرق والريح تجداه سادس نهار أصبح على سوق جدة … فيها الخبر عن عاهل العز تلقاه من دونه اللي يكثرون العزومه … ماهلهم الياما تجي في سراياه

стр. 3312

تلقاه من بعض المشاغيل مشغول … لو الهته عليك ما يقصر قراه يا مرسلي من بعد رد التحيه … قدم تعازينا على ما توراه في الغالي اللي ما رضينا فرقاه … واظن وسط الخلق ما حد راضي بفرقاه فيصل كما قصر وخالد كما الساس … ولا ينتهي قصر مدى الساس تلقاه وفيصل كما رمح وخالد كما السيف … رمح سنينه وسيف مسنون في مسقاه وفيصل كما وادي وخالد كما النيل … نيلا يلولا القيف ما ينحكر ماه وفيصل كما صقر وخالد كما الذيب … عيال منهو جابها بالمغازاه عبد العزيز الله يرحم عظامه … خلف وراه ملوك والملك لله سعود عدا عنه الخبر زين … الله بعد أبوه بالملك ولَّاه ثم عدا زمانه خالد تولى … الله من كيد المعاكيس يا قاه إلنا عشم فالله ياجي مثل فيصل … وأظن طيب الزرع من طيب ذرَّاه تمت وصلى الله على سيد الملا … محمد اللي بالرساله تبعناه

стр. 3313

فروع بني رشيد وديارهم في بلاد السودان وأريتريا قال مبروك مبارك: هاجر بعض فروع بني رشيد من الجزيرة العربية إلى صحراء البجة في شرق السودان على مرتين، الأولى في عام ١٢٧٠ هـ، والثانية عام ١٢٨٨ هـ، وقد سكنوا البطانة، ثم في مشروع حلفا الجديد، وفي الجهة الغربية لنهر عطبرة حتى الدامر، وبصفة عامة فبنو رشيد متواجدون على طول ساحل البحر الأحمر أكثرهم في ضواحي كسلا وحول بور سودان، وتنتشر باديتهم حتى جنوب سواكن ومصوع في أريتريا، وقد زرعوا الأودية المنحدرة من الجبال المطلة على البحر الأحمر وعملوا في الرعي والتجارة ما بين أريتريا والسودان، وما بين الجزيرة العربية والسودان، وما بين اليمن والهند والبصرة. وكانوا يحتكرون تجارة الرقيق وجلب الإبل الحمراء من تهامة إلى بلاد السودان. ومن فروع الرشايدة بالسودان: أ - البراطيخ: ومنهم العويمرات والدلقان والدهمان والمنافير والكريفات وذوي يميني والحباطية. ب - البراعصة: ومنهم ذوي عمري والعميرات والجلادان والكعيكات والمرازيق والشروق والفرانين. ج - الزليمات: ومنهم ذوي عايد والدخانين وذوي برغيث والحويجات والحلمات والقزايزة والعرينات والعوازم، وتوجد فروع منضمة مع البراطيخ وهم الحباطية وأصلهم من عتيبة، والدهمان وهم من تربة في الحجاز، والمفالحة وأصلهم من سُبيع. كما توجد فروع منضمة مع البراعصة وهم المرازيق من البقوم، والمطرات من مُطير. وأيضًا فروع من الزليمات وهي العوازم والعرينات والقزايزة. وشيخ مشايخ رشايدة السودان يلقب "ناظر" وهو حاليًا الشيخ أحمد حميد بركي. كما يوجد عمدة لكل فرع من فروع بني رشيد في السودان يتبعون للناظر في الرئاسة وهم يشكلون إدارة أهلية للقبيلة وهم كالتالي:

стр. 3314

١ - ناظر عموم بني رشيد وأمير شملهم الشيخ أحمد حميد بركي. ٢ - شيخ خط البراطيخ (أمير شمل البراطيخ) الشيخ محمد صالح سليم. ٣ - شيخ خط البراعصة (أمير شمل البراعصة) الشيخ مسلم مسعود هويمل. ٤ - شيخ خط الزليمات (أمير شمل الزليمات) الشيخ لويخ عبد الله لويخ. عمد البراطيخ: ١ - عمدة العويمرات العمدة مبارك سليم سعد. ٢ - عمدة عويمرات المالح العمدة حامد بريك. ٣ - عمدة الذلقان والدهمان العمدة بركي سالم. ٤ - عمدة المنافير العمدة مبارك زغلول. ٥ - عمدة الكريفات العمدة عيد أحمد عامر. ٦ - عمدة ذوي يميني العمدة علي عطية الله خنفور. عمد البراعصة: ١ - عمدة ذوي عمري والعميرات العمدة مبارك مسلم مسعود. ٢ - عمدة الجلادين العمدة حميد أحمد عبد ربه. ٣ - عمدة الكعيكات العمدة علي حامد. ٤ - عمدة المرازيق العمدة سليمان عبد الرحيم. ٥ - عمدة الشروق والجداوية العمدة صالح أحمد. ٦ - عمدة الفرانين العمدة عبد الرحمن بركات. عمد الزليمات: ١ - عمدة ذوي عايد والدخانين العمدة أحمد علي عبد الله.

стр. 3315

٢ - عمدة ذوي برغيث العمدة أحمد عبد الله محمد. ٣ - عمدة الحويجات العمدة رزق الله دعيع. ٤ - عمدة الحلمات والنقيشات والمهيمزات العمدة حمدان مبارك. ٥ - عمدة القزايزة العمدة الطيب عواد. ٦ - عمدة العوازم والعرينات العمدة سالم العازمي. وعن بني رشيد في أريتريا قال عن مساكنهم وفروعهم التالي: يسكنون في مرسى الشيخ جنوب مصوع وفي ساحل أريتريا وتسني والجزر والدجل ونورا والسهل الداخلي جهة تسني وعلي قدور. وفروعهم لها صلات بمن هم في دولة السودان وامتداد لهم وأهمها: أ - البراطيخ: ومنهم العويمرات هناك والرئاسة فيهم لآل مبارك لعموم رشايدة أريتريا، والأوصصة، والمنافير، والدهمان، والدلقان، والكريفات، والمفالحة، والحباطية. ب - البراعصة: ومنهم ذوي عمري والعدون والكعيكات، والفخذ الأول ذوي عمري في تسني، والفرعين الأخيرين في الساحل الأريتري. جـ - الزليمات: ومنهم العوازم في الجزر والدحل ونورا، وهم فرع من قبيلة العوازم، والتي يعود أصلها إلى بني كلاب من بني عامر بن صعصعة من هوازن، ويلتقون بالطبع مع قبيلة بني رشيد العبسية الغطفانية في قيس عيلان من مُضر العدنانية. (انتهى ملخص ما قاله مبروك الرشيدي).

стр. 3316

بنو رشيد وسائر عبس في مصر مساكن أغلب بني رشيد سلايل عبس في بلاد الصعيد وجهة حلايب في محافظة البحر الأحمر والتي تقع على حدود مصر مع السودان. ومن بني رشيد فروع غزيرة في غرب جرجا بمحافظة سوهاج، وكذلك في منطقة دراو بمحافظة أسوان وأشهرهم الحميدات في نجع حمادي، والمراوين، والدعايجة في غرب قنا وفي كوم أمبو قرب أسوان. كما توجد أفخاذ أخرى نزلت من الحجاز والسودان إلى صعيد مصر غير ما ورد ذكرها وهي: - ذوي زيدان في الواحات الخارجة والواحات الداخلة على بعد ٩٠ كيلًا من الداخلة في غرب الموهوب. - ذوي مِسْلم في الخارجة والداخلة أيضًا. - ذوي سِلْمي وهو آخر فرع نزل من بني رشيد واستقر في غرب سوهاج، ثم رحل جزء منه للواحات الداخلة في غرب الموهوب عند بني عمومتهم هنالك. وبعض فروع أولاد سلمي في حلايب وبعضهم تحضر في ضواحي القاهرة خاصة في أحياء عين شمس والسلام والمرج. وقد ذكرت قبيلة بني رشيد في تعداد ١٨٩٧ م/ ١٣١٥ هـ في العديد من محافظات الوجه القبلي مثل سوهاج وقنا وأسوان، وكانت أعدادهم كبيرة في بلاد الصعيد. عبس في مصر وهذه القبيلة في مصر هم أبناء عمومة بني رشيد، وهي أصل أرومتهم، حافظوا على اسم عبس؛ لأن هجرتهم قبل ظهور رشيد العبسي الشهير بالزول الذي انتسب له بقية عبس في ديارها ومنهم سلالته التي تكاثرت خلال السبعة قرون الماضية. وأخبرني بعض أبناء الصعيد من جهينة وبلي وغيرهم من تجار الإبل أن وسم عبس هؤلاء هو نفس وسم بني رشيد وهو الكفة.

стр. 3317

ورغم أن بني رشيد قد نزلوا الديار المصرية بعد عبس هؤلاء بعدة قرون، إلا أن الترابط والمصاهرة بين الطرفين باتت قائمة في العهود الأخيرة، وخاصة من منهم بالصعيد المصري. ويؤكد رواة شيوخ عبس لمن يعرفهم من القبائل المحيطة بهم أنهم غطفانيون عدنانيون من بلاد نجد والحجاز، نزح أجدادهم الأوائل إلى مصر قبل الحكم العثماني. ومن فروع عبس في منطقة "هو" في صحراء مصر الغربية، وفي أرمنت غرب وفي الأقصر وكوم أمبو وكلها تابعة لمركز إسنا محافظة قنا، وأيضًا منهم في حاجر السبعية غرب بمحافظة أسوان، وفي قفط بقنا وفي البلينا بسوهاج وفي جرجا وأخميم بسوهاج أيضًا يوجد لهم نجوع بها، وفي صحراء البحر الأحمر منهم بدو رُحَّل من رعاة الإبل والأغنام ويصلون حتى السويس وبعضهم يمارس الصيد في البحر الأحمر. وذكر محمد عزت دروزة أن هذه القبيلة كان لها باقٍ في بلاد الحجاز بنفس الاسم، وقد حملت قبائل من عبس اسمًا آخر (يقصد بني رشيد)، كما يوجد في نواحي بلبيس بمصر قرية باسم عبس، وذكرت قبيلة عبس من عربان مصر في تعداد عام ١٨٩٧ م/ ١٣١٥ هـ، وكان عددهم بالوجه البحري ١٨١١ نسمة. فمنهم في محافظة الشرقية بناحية مركز فاقوس في قرى الأخيوة وميت أبو العز والمناجاة الكبرى والمناجاة الصغرى وقهبونة والحمادين والقصاصين وصفيط الرفاعيين وشيط الهوا وتل راك، وبعض هذه القرى أصبح بعضها في العصور الأخيرة تابعة لمركزي الحُسَّنية وكفر صقر. كما ذكرت قبيلة عبس في الدقهلية خاصة بمراكز دكرنس وفارسكور وطلخا وبلقاس في نواحي قرى بحيرة طناح وكفر الصلاحات وكفر علّام وميت طريف والبجيلات والنزل والمعصرة وبيلة. وكانت طلخا وقتئذ تابعة لمديرية الغربية. وذكرت أيضًا قبيلة عبس في كفر الشيخ بناحية تيدة وبيّلة، وكانت كفر الشيخ مركز من مراكز الغربية ولم تستقل كمحافظة كما حدث فيما بعد. كما توجد قرية باسم عرب عبس بالقليوبية بناحية زاوية النجار في بلقص، وكذلك قرية تسمى ثلث عبس في عرب العيايدة ناحية الخانكة.

стр. 3318

قبيلة بني رشيد (عبس) بلادها ومساكنها وحدودها وفروعها في الجزيرة العربية لمحة مبسطة عن مساكن الرشايدة في المملكة العربية السعودية: تسكن معظم قبيلة بني رشيد العبسية (من غطفان) بصفة عامة في بلاد نجد والحجاز، بالمملكة العربية السعودية فيما بين حائل والمدينة المنوّرة، حتى نهاية حرَّة ليلى غربًا والمعروفة في العهود المتأخرة باسم الكورة، إلى منهل سبأ وأسهكان، وشرقًا إلى جبال أبانات (١) بالقصيم، ومشرفه والودي وعين ابن قنور إلخ. . .، وتوجد في مواطن قبيلة بني رشيد حِرار عظيمة تحدث عنها كثير من المؤرخين في عصور قديمة، وشعراء وصفوا بها طبيعة هذه الحِرار وشكلها، وهي حرَّة النار وحرَّة ليلى وحرَّة الضغن - وهي ما كانت تعرف بضغن عدنة - وحرَّة ثنان وحرَّة خيبر وحرَّة غطفان - وهي حرَّة بني رشيد - قال النابغة الذبياني من غطفان: ومنزل البيت في سوداء مظلمة … تقيد العبر من شدٍ وتكرار تدافع الناس عنا حين نركبها … من المظالم تُدعى أم صبّار تعريف الحرَّة موطن بني رشيد: هي سلسلة جبال بركانية سوداء اللون على درجة كبيرة من الارتفاع نظرًا لانخفاض ما يجاورها من الأرض من جميع الجهات، وهي مجموعة حِرار تختلف عن بعضها من حيث الشكل، إلا أنها تتكون من صخور سوداء صعبة المسالك، إلا من طرق خاصة بها تسمى بالمنقار، مما جعلها تتميز على غيرها بالحصانة الحربية والمنعة أيام الغزوات في الجاهلية. ويقع بالوسط منها جبل أبيض اللون يسمى بالرأس الأبيض، وبالفعل إنه بمنزلة الرأس من الجسد، وتنحدر من الحرَّة أودية كثيرة جدًّا شرقًا وغربًا وجنوبًا وشمالًا، فمن أودية الحرَّة المتجه شرقًا وادي الرَّمة (٢) وهو من أكبر الأودية بجزيرة العرب، وجميع روافده المتجهة من الحرَّة إلى جهة الشرق، مثل وادي الحايط

стр. 3319

والحويِّط والرقب (١) إلخ، وتقع بالحرَّة من الجهة الشرقية لبلدة الحايط المعروفة قديمًا بَفَدك، والحويِّط المعروف بيديع وهي بلدة قديمة جدًّا بها نخيل وعيون أفاءه الله بها على رسول الله ﷺ بعد فتح خيبر، وقيل أن النبي ﷺ جعلها في حياته لابنته فاطمة الزهراء ﵂ وولداها وصار بذلك اختلاف والله أعلم (٢). كما تقع في الحرَّة من الجهة الغربية بلدة خيبر وهي قرية معروفة منذ الجاهلية، وهي من أخصب الواحات الزراعية بالجزيرة العربية وأقدمها، وتسمى قديمًا ريف الحجاز، وتقع في مجتمع الأودية المنحدرة من الحرَّة غربًا، ومن أهم أودية الحرَّة الغربية وادي الجول ووادي السُرير ووادي الغرس وجميع هذه الأودية تجتمع مع أودية حرَّة الكورة المعروفة قديمًا بحرَّة ليلى، وتفيض باتجاه الغرب إلى ساحل البحر الأحمر. ويحد ديار بني رشيد من الشرق روافد وادي الرَّمة المنحدرة من الحرَّة نفسها، ومن الشمال الغربي السهول الممتدة بينها وبين تيماء المعروف قديمًا باسم الجناب وهي الآن تسمى الجهرة، ويحدها من الناحية الغربية الأودية المنحدرة منها والتي تكون روافد وادي الحمض، وتحدها ديار قبيلة عَنَزة من الشمال وبلي وجهينة من الغرب، وتوجد بالحرّة قيعان أكثرها ذات تربة صالحة للزراعة وخاصة في حرَّة النار، وتوجد بها بعض الآبار القديمة المنحوتة بالصخور وخاصة في حرَّة الكورة (ليلى). وهذه الحرَّة كانت قديمًا تسمى بأسماء كثيرة. فكانت الجهة الجنوبية الشرقية تسمى بحرَّة فَدَك (الحايط الآن)، ومن الجهة الشمالية الشرقية تسمى لابة ضرغط (ضغن عدنة الآن)، والحرَّة الواقعة من خيبر إلى الرأس الأبيض كانت تسمى حرَّة النار (حرَّة الرأس الآن)، والرأس الأبيض أو جبل الأبيض هو قمة الحرَّة وينصفها بين منطقتي المدينة المنورة وحائل، فمن الرأس شمال شرقي فهو تابع لإمارة منطقة حائل، وكذلك عندما كانت المدينة المنورة تابعة الحكم الشريف وحائل تابعة لإمارة آل الرشيد من شمَّر (قبل العهد السعودي).

стр. 3320

أما سكان هذه الديار المنيعة فهي قبيلة بني رشيد العبسية الغطفانية، ولا يفصل بين قسميها في نجد والحجاز أي قبائل أخرى، كما تجاور بني رشيد من الجنوب مع قبيلة حرب، واستيطان قبيلة بني رشيد لهذه الديار العبسية الغطفانية من القدم بعد تفرق غطفان وانضواء باقيها تحت قيادة رشيد (الزَوْل) العبسي منذ ما يزيد عن سبعة قرون، وقد تغير اسم غطفان واسم قبائلها من عبس وفزارة وأشجع تحت اسم قوم رشيد العبسي، وأما بنو عبد الله بن غطفان فقد تغير اسمهم كما هو معروف إلى مُطير التي تقع ديارها إلى الشرق من ديار بني رشيد، وغني عن التعريف أن أسماء قبائل مشهورة في الجزيرة العربية قد تغيرت مثل طيئ التي تغير اسمها إلى شمَّر، وجُشَم وبني سعد من هوازن اللذان تغير اسمهما إلى عُتيبة، وبني عامر من هوازن تغيرت بأسماء قبائل سُبيع وبني هلال والمنتفق وعبادة وخفاجة والسهول، وبكر بن وائل وتغلب بن وائل إلى عَنَزة، ومَذْحج إلى قحطان، وغيرها الكثير. وأورد قصيدة لابن عجوين توضح ديار بني رشيد وأصولها العبسية: يا جاهل فينا تسمَّع للأخبار … تسمع علوم الطيب والطيبينا حنّا بني رشيد بالعز والكار … بديارنا وحدودنا بينينا ندرا الخوي ونكرم الضيف والجار … ونصبر على البلوى ليا من بلينا ودخيلنا كنه بعيطا عن النار … كلٍ بهيبه من سواعد بدينا حِنّا سلايل عبس ماضين الأذكار … لسلومنا وجدودنا حافظينا من عبس بن بغيض في قر وقرار … أحفاد ريث من قديم السنينا أحفاد غطفان وسعد ماض الأخبار … من قيس عيلان منا وفينا وابن مُضر هو ساسنا وابن نزار … وابن معد وديننا مسلمينا حِنّا نسبنا نسبة الناس الأخيار … من سلسلة عدنان متسلسلينا حدودنا وجدودنا ما بها إنكار … لحدودنا وجدودنا عارفينا يحدنا خيبر على حرَّة النار … ويردنا سور المدينة يمينا وادي الرَّمة ناخذ به يمين ويسار … على العلم والضغن والشعبتينا ولنا بأبانات المطلات معبار … اربوعنا لحدودهن محتمينا ذي دارنا اللي مانبا غيرها دار … ديار أهلنا القدم الأولينا للخير فعالة وللشر قهّار … ويضى وأيضاء على هدى النبي مهتدينا

стр. 3321

لم تبرح بنو عبس ديارها في جزيرة العرب من الجاهلية حتى الوقت الحاضر نشرت مجلة رؤى من النادي الأدبي في حائل بالمملكة العربية السعودية بحثًا للدكتور عبد الرحمن الفريح أكد في هذا البحث القيّم ارتباط بني عبس من العهد الجاهلي بمواقع غطفان المنيعة، وكما نرى سلائل عبس من قبيلة بني رشيد يسيطرون حتى الوقت الحاضر على معظم هذه الديار التي ما زالت تحتفظ بأسمائها القديمة. يقول الدكتور الفريح تحت عنوان (فَدَك وأمكنة أخرى): في أشعار النابغة واعتذارياته وصف للديار الغطفانية في فدك وما حولها من الحِرار والسهول، قال النابغة: فإنّ منازلي وبلاد قومي … جنوب قنا هنالك فالهضاب وقنا في عمق بلاد غطفان، وهي لبني فَزَارة وذبيان خاصة، ولا تزال تحمل اسمها القديم جوار مدينة السليمي بحائل، وقنا في الأصل جبل لها الآن بليدة ذات نخل تحمل اسم الجبل نفسه. أمّا أولى اعتذاريات النابغة من النعمان فهي: إني أبيت اللعن أنك لمتني … وتلك التي أهتم منها وأنصبُ وفي هذه الاعتذارية ذكر لعدد من البلدان الغطفانية القيسية المُضرية في حرَّة فَدَك وما جاورها مثل: يثقب، وروضة الأجداد، ورخّة. . وما تعرف بأسمائها القديمة أو مع قليل من التحريف، ويثقب اسمه الآن أثقب جبل في شمال فَدَك ليس بالبعيد عنها. . قال النابغة متباهيًا بحصانة بلاده الغطفانية: إما عصيت إني غير منفلت … مني اللصاب فجنبا حرَّة النارِ إذ أصنع البيْت في سوداء مظلمة … تقيّد العير يسري بها الساريِ ندافع الناس عنها حين نركبها … من المظالم تدعى أم صبّارِ

стр. 3322

وأم صبّار هي الحرَّة: الأرض البركانية السوداء، وهي اللابة باللسان العربي الفصيح، وقد انتقل هذا اللفظ " Lava" إلى الإنجليزية عن طريق الأسبانية. . قال النابغة يخاطب عامر بن الطفيل الكلابي أحد فرسان العرب المشاهير، وزعيم بني عامر من هوازن القيسية المضرية العدنانية: لو عاينتك كماتنا بطوالة … بالحزورية أو بلابة ضرغد لثويت في قدٍ هنالك موثقًا … في القوم أو لثويت غير مرسد وحرَّة النار هي أعظم الحرار في جزيرة العرب موزعة على أسماء عدة أهمها: حرَّة فَدَك في جنوبها وجنوبها الشرقي، وحرَّة ضرغد في شمالها، وهذه الأخيرة تنقطع شمالًا بضغن عدنه حيث جنفاء المعروفة الآن باسم الشملي، والمعدودة قديمًا من أهم البقاع الفزارية الذبيانية الغطفانية، إذ فزارة في شمال الحرَّة، ومُرة في وسطها. . والحيرة من أمنع الأمكنة لعجز الغزاة عن التوغل فيها. ومن اعتذاريات النعمان قوله: عفاذ وحسي من فرتني فالفوارع … فجنبا أريك فالقلاع الدوافع وأريك جنوب جبل العلم، علم بني الصادر من بني مرة من ذبيان قوم النابغة إذ النابغة مري ذبياني. . والعلم لا يزال يحمل اسمه القديم في جنوب منطقة حائل بقرب الحليفة إلى الجنوب الشرقي منها. . أمّا حسي فهو أحساء في بطن وادي الرّمة قالوا: إن ماءها كان لا ينقطع في القيظ إذا رويت في الشتاء، وقد ورد ذكرها في حرب داحس والغبراء بين عبس وذبيان من غطفان وتُعرف الآن باسم العجاجة إلى الشمال الشرقي من العلم، ويحسن مراجعة ما كتبه الشيخ

стр. 3323

حمد الجاسر عنها في معجم شمال المملكة (١). . أما ضغن عدنة فهو حد السهل من الحرَّة في شمالها وشرقها، وبه أمواه وموارد غطفان التي كانت تحل رقعة واسعة مما يعرف الآن باسم منطقة حائل في شمال المملكة. . وتتوزع الفروع الغطفانية في رمل عالج في غربه وغرب جبل أجأ، وفي الحرّة، وعلى ضفاف وادي الرّمة الشهير وفيما بينه جنوبًا وبين جبل رمّان شمالًا حتى أصبح هذا الجبل في حرب الردة - على ما يذكر الطبري - من بلادها ويختص بنو جحّاش من بني ذبيان قوم الشماخ بن مرزد الشاعر الذبياني بوادي الثلبوت ومدافعه، وهو وادي الشعبة من أعظم روافد وادي الرّمة، وفي أعلاه تقع البنانة، وفي جنوبه في جنوب جبل رمّان جُش أعيار من مياه الأمرار في ضغن عدنة. قال النابغة: أرى البنانة أقوت بعد ساكنها … وذو سدير وأقوت منهم أُقر وقال في الاعتذاريات: ليهنئ بني ذبيان إنَّ بلادهم … خلت لهم من كل مولى وتابع وقال الحطيئة وهو عبسي غطفاني: منعنا مدفع الثلبوت حتى … تركنا به راكزين الرماحا ندافع عن قرى غطفان لمَّا … خشينا أن تُذلَّ وأن تباحا وإذا كان قد اشتهر من اعتذاريات النابغة قوله: يا دار ميَّه بالعليا فالسَّند … أقوت وطال عليها سالف الأمد

стр. 3324

فإن شيخ العربية أبا عمرو بن العلا المازني يقدم النابغة لجودة قصيدته الرائية المتقدم ذكرها، وقد اطمأن النابغة إلى حصانة بلاد قومه في الحرّة، وقيل: إن الغساسنة أمنوه وأضفوا عليه نوعًا من الحماية من غضب ملوك الحيرة غير أنه لم يسلم من حادثة مزعجة. . ذلك أنّ وادي أُقْر في حرَّة فَدَك كان حمى لأحد ملوك غسَّان فتربعته بنو ذبيان الغطفانية غضبًا ففزع النابغة وقال: وخوفتني بنو ذبيان خشيته … وهل عليّ بأن أخشاك من عارِ؟ لقد نهيت بنو ذبيان عن أُقرٍ … وعن تربعهم في كل أصفارِ وقلت: يا قوم إنَّ الليث منقبض … على براثنه لعدوه الضاري ووادي أُقر يسيل من الحرّة - حرَّة فدك - شرقًا فيفضي إلى الحليفتين: الحُليفة العليا، والحُليفة السفلي، وأورد ابن سعيد في نشوته اسم أُقر باسم قراقر إمّا خطأ أو تصحيفًا، لكن محقق النشوة الدكتور نصرت عبد الرحمن صحح الاسم. لقد أطلت في الحديث عمّا له صلة بفدك وليس من صلب الموضوع وسأتوسع في ذلك لأنني أرى أنّ هذا لازم للبحث عنها وعن غطفان، وأيام العرب في الساحوق، وطوالة، والرّقم، وأيام ملحمة داحس والغبراء فيما بين الحاجر والرقم وإلى أرض الشربة جنوب وادي الرَّمة إذ الوادي يفصل بين الشربة وضغن عدنه. . يدفعني إلى ذلك ما أراه من شدة اتصال هذه الأماكن ووقائعها بما نحن بصدد الحديث عنه من أخبار فَدَك. . ولما لمسته من خلو الدراسات التأريخية والأدبية عن حايل من البحث في مثل هذا الذي يجب أن يأتي في الطليعة من أخبار التأريخ والأدب الذي توفره معرفة الأيام وأصحابها. . كما أنني وقد عشت في هذه الأمكنة أيامًا ممتعة مع الصديق الكبير العالم الموسوعي الشيخ محمد بن عمر بن عقيل (أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري) أثناء إعداده لمشروعه الثقافي

стр. 3325

عن بلاد الجبلين - الذي سيرى النور قريبًا - فإنني أجد نفسي مشدودًا إلى الحديث عن هذه البقاع وما يتصل بالغطفانية من الحوادث القديمة. قال الدكتور يوسف خليف ﵀ في تحليله لمراحل تطور الشعر العربي الجاهلي: إن حرب داحس والغبراء هي إحدى مراحل هذا التطور قبل حرب ذي قار التي دارت رحاها بين بني بكر بن وايل والإمبراطورية الساسانية الفارسية، وبعد حرب البسوس التي حدثت بين ابني وايل: بكر وتغلب من ربيعة بن نزار العدنانية، والمنسوبة إلى البسوس بنت منقذ. وقد ألمح الدكتور الشنطي إلى هذا التحليل التأريخي عن مراحل المسيرة الشعبية نقلًا عن الدكتور خليف، وقدّم دراسة جيدة عن زهير بن أبي سلمى وشعره، غير أنه لم يحفل بتحديد الأماكن الوارد ذكرها في ذلك الشعر القديم ولا بمحاولة التعرف عليها، ولا أين الحاجر الذي كان يعيش فيه زهير مع أخواله بني عبد الله بن غطفان حتى أصبح هو وذووه في عدادهم وحتى أصبحت الحاجر وهي البعايث الآن موئلًا خاصًّا به وببنيه من بعده؟ (١). كما أن الشنطي لم يحفل بموضوع التعريفات العربية القديمة، وفي ظني إن معرفة الأماكن والتفريع العربي القديم لازم لفهم الشعر وضروري لمعرفة مراميه، ولعّلي لا أستطيع الوقوف طويلًا لأضرب الأمثلة في البلدانيات والتفريعات التي لو تم معرفتها وتبسيطها في بحث الشنطي لخدمت دراسته ولقدمت للقارئ بصورة أكثر وضوحًا. . والشنطي يعيش الآن على الأرض التي كانت تقطنها غطفان في حائل وعاش فيها زهير مع ممدوحه هرم بن سنان صاحب مغارم وديات حرب داحس والغبراء. . لكني لا أستطيع تجاوز قول الدكتور: إنّ معدًا هي قبيلة عربية وأبجديات التفريع للنسب العربي يفهم أن المعدية هي جماع العدنانية بأسرها بشعبيها الكبيرين: ربيعة ومضر، قال الأعشى الحنفي البكري ثم الوايلي في يوم ذي قار:

стр. 3326

لو أن كل معدا كان شاركنا … في يوم ذي قار ما أخطأهم الشرف وقال الخليفة عمر: تمعددوا واخشوشنوا. وإذا كان الفهم الجيد للأجواء المحيطة بكل قصيدة جاهلية من مكان، وحادثة، وأشخاص، وتفريعات ضرورة من ضرورات الدراسة الشعرية فإنها لكذلك أو أشد ضرورة للبحث التأريخي، ومن هنا فقد جاءت دراسة الدكتور أبو سديرة التأريخية عن حايل متأرجحة شديدة الاضطراب العظيم افتقارها إلى معرفة الأماكن، وفهم التفريعات، وهذا الخلل المعلوماتي أصاب الأساس الذي قامت عليه تلك الدراسة، فعبس عند الدكتور في موازاة غطفان وهي منها! وغنيّ من بني عامر! وقطن الجبل لواقع جنوب شرق سميراء بقرب فيد! وسعيد بن زيد وليس سعد بن أبي وقاص ينزل بجيش القادسية في الثعلبية! والطرماح الطائي صاحب النقائض مع الفرزدق في عصر بني أمية يجعله الدكتور شاهدًا على حرب اليمامة! والعجيب أن الدكتور أبا سديرة أعرض عن ذكر سرايا الإسلام الأولى إلى حايل بالرغم من أنه يبحث عن حايل في فترة حدّدها بأنها فترة صدر الإسلام، وجُل هذه السرايا إلى فَدَك والأماكن القريبة منها، ولا يُعذر الدكتور في هذا الإغفال إذا كان يبحث في صدر الإسلام غير الصدر الزمني المعروف أو في حايل غير المنطقة التي ينزع فيها إلى تدريس أنساب أهل الفلا! كانت غطفان جمجمة من جماجم العرب، وفروعها الرئيسية: عبس، وذبيان، وأشجع، وبنو عبد الله، وديارها فسيحة رحبة بين الحجاز ونجد. قال ابن سعد في النشوة: إنّ غطفان خُصت من القيسية بالبلاد النجدية التي توالي وادي القرى وجهاتها، وذبيان من غطفان لها فرعان كبيران هما: مُرّة، وفزارة، ولهذين الفرعين أرض فدك ويديع، والفزارية هي خلاصة القيسية كما يقول ابن حزم الأندلسي، وبيت فزارة بنو بدر بن عدي، عظماء ذبيان، ورأس غطفان، وسادة مشاهير في المضرية العدنانية. قال حاتم الطائي: إن كنت كارهة لعيشتنا … فهاتي وحلّي في بني بدر

стр. 3327

وقد قُتل بدر على يد الأسديين في الجبلين، ورأس حصن بن حذيفة بن بدر الأحاليف أسدًا وطيئًا وغطفان في وقعة النار في غرب ضرّية بالعالية، وكان يقال لأبيه حذيفة: ربّ معد، وهو قتيل الهباءة من أيام داحس في الشّربّة، أما حصن فقتله بنو عامر من هوازن بالحاجر، قال الحطيئة العبسي: وقبر بأجبال وقبر بحاجر … وقبر القليب أسعر القلب ساعره وقال النابغة في رثاء حصن: يقولون حصن ثم تأبى نفوسهم … وكيف بحصن والجبال جنوح وقال زهير في مدحه: تراه إذا ما جئته متهللًا … كأنك تعطيه الذي أنت سائله والنابغة وزهير من أعلام غطفان في الجاهلية ومن شعراء المعلقات، وهما تلميذا أوس بن حجر، وفي شعرهما اتضحت ملامح مدرسة الصنعة، أو مدرسة الشعر الأوسية التي نمّاها كعب بن زهير والحطيئة، وكتب عنها طه حسين، وشوقي ضيف، ويوسف خليف، والجادر، والشنطي، وارتفع بها المعيني إلى زمن علقمة الفحل وهو متقدم على أوس. وإلى أحد بني ذبيان من غطفان يُنسب المثل الشهير: إياك أعني واسمعي يا جارة، ذلك أنَّ نهشل بن مالك الفزاري الذبياني حلّ أحياء طيئ فأنزلته امرأة من بيت حارثة بن لام فقال: يا أخت خير البدو والحضاره … كيف ترين في فتى فزاره أصبح يهوى حُرَّة معطاره … إياك أعني واسمعي يا جاره

стр. 3328

أمّا الذي هاج حرب داحس والغبراء فهو رهان ابن قيس بن زهير سيد بني عبس من غطفان من جهة وبين حذيفة بن بدر وأخيه حَمَل بن بدر الفزاريين من جهة أخرى، وقد تخاطر على سباق الخيل، وكان المضمار أربعين ليلة، والغابة مائة غلوة. . وبدأ السباق من عند ذات الأصاد. . وهي ذو حسي على ما يذكر البكري عن اليزيدي، وداحس من خيل بني رياح بن يربوع بن حنظلة من نسل ذو العُقال (١) صار لقيس فمضى يفاخر به الناس على أنّ الحرب كانت ستنشب لا محالة، وما السباق إلا شرارة أشعلت الفتيل إذ إنّ الخلاف على الزعامة والمرعى كان محتدما. وسقط أول قتيل في حرب داحس في الحاجر وهو مالك بن قيس العبسي. . ورد في أخبارها اسم واردات الجبل الواقع غرب سميراء (٢)، وقطن الجبل الواقع إلى الجنوب الشرقي منها، وعنده اصطلح الفريقان على ما يذكر ابن عبد ربه بعد أيام طوال ذكر أن أشهرها: ذو حسي، وقطن، والمريقب، واليعمرية، والفرزدق، وهذا الأخير في البحرين في أرض بني سعد من تميم، وفيه ظهر بلاء عنترة بن شداد (٣). على أنه مع شدة أيام هذه الحرب وتنقلها في أرض جزيرة العرب فإن الأمر لا يبلغ مبلغ التهويل الذي ذهب إليه الدكتور البياتي حين جعل هذه الحرب أصلًا تدور في فلكه جميع وقائع جاهلية العرب. . وقد ذكرت في محاضرة لي عن

стр. 3329

"الأيام في البحرين" إن جمع البياتي لروايات أبي عبيدة المشحونة بمثالب العرب، وسوءاتهم يفتقر إلى أدنى مقومات التحقيق العلمي، إذ خلا عمله من ضبط الأعلام والأماكن والتعريف بالمواقع وتحديدها تحديدا بلدانيا، ولم يعن بإصلاح التصحيف المخل وهو كثير. . كما أن نزوعه إلى أن يكون للعرب ملاحم شبيهة بملاحم الأمم الأخرى ليس في محله، فليس داحس ملحمة تنضوي تحتها أغلب وقائع العرب التي حدثت معظمها في شرق الجزيرة ذكرت منها في المحاضرة ما يزيد على الأربعين يومًا. أما الحاجة في أن تكون دوافع الأيام عقدية دينية فهو إغراق فلسفي لا يسنده دليل، ولعل وقوعه تحت تأثير بحوث له عن عروة بن الورد العبسي والربيع بن زياد العبسي جعله ينشط في تضخيم أمر داحس. ومن تتبع أخبار الحارث بن ظالم المُري الذبياني بعد أن اندس في جبل أجأ اثر مقتله لخالد بن جعفر العامري وغضب المناذرة عليه ثم اختبائه في جبل العلم إلى أن أجاره معبد بن زراره التميمي وما ترتب على ذلك من أيام جاهلية هي: رحرحان شرق الحناكية في الطريق إلى الرّبذة، وشعب جبلة في عالية نجد ثم ذي نجب في العالية أيضًا يتضح أن أيامًا غطفانية قد حدثت لا تمت إلى حرب داحس بصلة فضلًا عن أيام العرب الأخرى. وما يؤثر عن الحارث بن ظالم من أخبار ذات فائدة تاريخية وأدبية من غير جدال غير أن ما قيل من أن امرأ القيس الكندي اليماني سار من أجأ إلى تيماء بعد أن أمنّه الربيّع بن ضبع الفزاري الذبياني. . وأن السموأل صاحب تيماء أجاره إلى أن غادر من عنده إلى الشام فإمبراطور بيزنطة، وقتل الحارث بن ظالم لولد السموأل مدعاة للشك، فهذه القصة تبدو منتحلة مصنوعة. لقد وقف ابن الكلبي مع شهرته في الطعن بالصحابة كما يقول ابن تيمية ومع أنه راوية للمثالب عيّابة كما يقول الجاحظ وقف عند أمر لم يستطع التطاول عليه فبدأ في جمهرته بالمعدية لمكانة الرسول ﷺ من عدنان، وأشار إلى ذلك الدكتور زكار وزركلي في مقدمتهما لكتاب البلاذري؛ إذ جل ما ورد فيه نقله عن ابن الكلبي، وسار على تقديم معد النسابون وليس النسابة كما يقول أبو سديرة؛

стр. 3330

إذ النسابة لفظ يطلق على المفرد وليس على الجمع، وتحلل ابن حزم من كثير من سوءات ابن الكلبي فيما نقل عنه لكن المغيري أخّر معدا واجتهد في نسبه كل مجدٍ للعاربة ولفق أنسابا كثيرة معتمدًا على مجرد تشابه الأسماء المعاصرة بأسماء قديمة. ومن أخبار فدك في العصر الجاهلي أن الحرب الفجار بين قريش وهوازن أو بين كنانة وقيس بمعنى أصح صلة بأرضها، ذلك أن النعمان بن المنذر طلب من يجيز لطيمة له من الحيرة لتباع بسوق عكاظ فقال البرّاض الكناني: أنا أجيزها أو أجيرها على كنانة، فقال عروة الرحال الكلابي وهو من هوازن من القيسية وقد استكثر أن يجيز اللطيمة خليع كناني: أنا أجيرها على أهل الشيح والقيصوم، يعني على العرب جميعًا فدفعها النعمان إلى عروة الرحال فسار بها، ولما كان بأرض فدك أدركه البرّاض وقتله فشبت حرب الفجار بين أحياء المصرية: كنانة وقيس، وحضر الرسول ﷺ وعمره أربع عشرة سنة إحدى وقائعها. وورد أن اثنين من القيسية تبعًا البرّاض حتى لقياه بخيبر فاستدرجهما إلى دار خربة وقتلهما بحيلة، وعلى عادة اختلاق أنساب البلدان فإن خيبر منسوبة إلى خيبر بن قانية إلى عبيل، وعبيل هو أخو عاد، كما أن فدك منسوبة على رأي ابن الكلبي فدك بن حام كشأن سميراء، وزرود في الانتماء إلى الأمم القديمة!! وخيبر موصوفة بالحُمَّى لا تفارق أهلها، ومثلها فدك، قال العجاج السعدي: كأنه إذا عاد فينا أو زحك … حمّى قطيف الخط أو فدك وتزعم اليهود أن التعشير ينجي من حُمّى خيبر، والتعشير هو أن ينهق الرجل عشر مرات، ومن الطرائف ما يروى عن عروة بن الورد العبسي الغطفاني من أنه أبي التعشير وعشّر من معه فمات المعشرون وسلم هو وقال: وقالوا: اجث وانهق لا تضرك خيبرُ … وذلك من دين اليهود ولوع العمري لئن عشّرت من خشية الردى … نهاق الحمير، إني لجزوع
следующие страницы →