← Ансаб

Ансаб · id 897

موسوعة القبائل العربية

محمد سليمان الطيب

Полный текст (10 849 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.

стр. 3466

ابن شداد البطل الجاهلي الشهير، وهناك جملة قبائل وبطون عرفت بعبس ففي أسد بن خُزيمة وفي حنيفة من بكر بن وائل، وفي هوازن بن منصور وعمرو بن قيس وسُلَيم بن منصور وعك بن معد في هذه القبائل كلها بطون عُرفت بعبس. وتعد عبس (غطفان) من جمرات (١) العرب، وجمرات العرب هي ضبة بن أد وعبس بن بغيض والحارث بن كعب ويربوع بن حنظلة ونُمير بن عامر أو أقل من ذلك على حسب تعدد الروايات، ويقصدون بالجمرة القبيلة التي لا تنضم إلى أحد، ولا تحالف غيرها، وتصبر في قتال من يقاتلها من القبائل، أو القبيلة التي يكون فيها ثلاثمائة فارس أو ألف فارس، وهذا تعريف لا يمكن أن ينطبق على قبيلة ما من القبائل التي قالوا عنها إنها جمرات، فلا بد في القتال بين القبائل حلف ومن طلب مساعدة القبائل الأخرى، ولذلك نجد الإخباريين يذكرون أن بعض هذه القبائل طفئت لأنها حالفت القبيلة الفلانية، فذكروا أن ضبة طفئت لأنها حالفت الرباب، وأن الحارث طفئت لأنها حالفت مَذْحِجًا وأن عبس طفئت لانتقالها إلى بني عامر من هوازن يوم جبلة (٢)، وظني أن شهرة عبس في الشجاعة خاصة من دون القبائل الأخرى إنما وردت إليها من هذه القصص المروي عن عنترة ابن شداد العبسي. ومن ولد ذبيان فزارة وسعد وفي روايات أخرى أن والد سعد هو ثعلبة بن ذبيان، وولد سعد عوفا وهو والد مرّة وثعلبة ومن بني مرَّة بن عوف خزيمة وغطفان النابغة الذبياني الشاعر والحارث بن ظالم بن جذيمة بن يربوع بن غيظ من الفُتَّاك، ومن بني مُرَّة بنو سهم ومن بني ثعلبة بن سعد، بنو بجالة بن ثعلبة بن سعد. وقد وقعت بين عبس وذبيان حروب عديدة، والظاهر أنه كان بين الحيين من غطفان منافسة شديدة.

стр. 3467

أما فزارة فولد عديا وظالما ومازنا وشمخا ومرَّة، ومن بني عدي بغيض بن مالك بن سعد الذي اجتمعت عليه قيس في الجاهلية، وبنو بدر بن عمرو بن جويّة بن لودان بن ثعلبة بن عدي بن فزارة وهم بيت فزارة وعددهم، وبنو حذيفة الذي يقال له ربّ معد، وحمل المقتولان يوم الهباءة، ومالك، وعوف المقتولان في حرب داحس والغبراء، الحارث، ربيعة، وقد سادوا كلهم، ومن بني ظالم - نعامة - الذي يتمثل في إدراك الثأر، وكان فيه هوَّج ورويت له أمثال كثيرة، ومن بني شمخ، ظويلم المعروف بمانع الحريم، سميّ بذلك لأنه خرج في الجاهلية يريد الحج، فنزل على المغيرة بن عبد الله المخزومي، فاراد المغيرة أن يأخذ منه ما كانت قريش تأخذ ممن نزل عليها في الجاهلية، (ولذلك سمىّ هكذا وكانوا يأخذون بعض أثيابه أو بعض بدنته التي ينحرها) فامتنع عليه ظويلم الفزاري وقال: يارب هل عندك من غفيرة … إن مني مانعه المغيره ومانع بعد مني ثبيرة … ومانعي ربي أن أزوره وظويلم الذي منع عمرو بن حرمة الإتاوة التي كان يأخذها من غطفان، وتقع مواطن فزارة بنجد ووادي القرى، وانتشروا بعد ذلك خاصة في الفتوحات الإسلامية في مواطن أخرى، وذهبت قبائلهم إلى مصر وإلى شمال إفريقية (بلاد المغرب العربي)، وكان لحذيفة بن بدر رئيس فزارة أثر خطير في حرب داحس والغبراء، التي وقعت رحاها بين عبس وذبيان، ولهم حروب وأيام مع شتى القبائل مثل حربها مع بني عمرو بن تميم ومع التيم بن ثعلبة من وائل ومع بني جُشم بن بكر ومع بني عامر وهما من قبائل هوازن بن منصور ويذكر الإخباريون الكثير منها. . . . . وقد قاد حذيفة بن بدر فزارة وبني مرَّة يوم النسار، ويوم الجفار، وفي حرب داحس والغبراء حتى قُتل فيها يوم الهباءة من عبس، وقد عرف حذيفة هذا برب معد، وكان ابنه حِصْن من سادات فزارة، ومن بني مازن بن فزارة بنو العُشراء (١)، وبنو سيَّار الذي رهن قوسه (٢)، ومن ولد سيَّار زبان وقطين ومن ولد

стр. 3468

قطين هرم بن قطين وهو من حكماء العرب، وإليه تحاكم عامر بن الطفيل الكلابي من بني عامر (هوازن) وعلقمة بن علاثة وكان ممن أدركوا الإسلام. وذكر جواد علي حرب في الجاهلية بين غطفان وسُلَيْم، وهما من قيس عيلان وقلما تحدث حروب بينهما، عكس هوازن أخوة سُلَيْم، فقد سجل التاريخ حروبًا وأيامًا دامية بين غطفان وبين هوازن. . . فيقول عن واقعة غطفان مع سُلَيم: يروى أن النعمان بن المنذر كان قد نقم على بني سُلَيْم لأمر أحدثوه، فأرسل عليهم جيشًا، ولكن لم يتمكن منهم وهُزم الجيش. وكان مقدم الجيش النعماني عمرو بن فرتنى، فمرَّ الجيش على غَطَفَان فاستجاشوهم على بني سُلَيْم، فهُزم جيش النعمان ومن معه من غطفان مرة ثانية، وانتصرت بنو سليم وأسروا عمرو بن فرتنى، فأرسلت غطفان إلى بني سُلَيْم وقالوا: ننشدكم بالرحم التي بيننا والنسب الذي يجمعنا في قيس عيلان إلا ما أطلقتم عمرو بن فرتنى، فأبت سُلَيْم ولم تطلق لها عمرو، وقال أبو عامر السُّلَمي لغطفان: بعدما أعنتم جيش النعمان علينا ولم تراعوا حرمة النسب بيننا وبينكم فلا حاجة لنا بكم ولا جاهة لكم علينا، أي لا خاطر لكم عندنا ولا نسب بيننا ولا خلة أي ولا صداقة ثم أنشد أبو عامر جد عباس بن مرداس السُّلَمي قائلًا: لا نسب اليوم ولا خلة … اتسع الفتق على الراتق لا صلح بيني فاعلموه ولا … بينكم ما حملْتُ عاتق سيفي وما كنا بنجد وما … فرفر قمر الواد بالشاهق (٦) ما قاله ابن هشام عن غطفان (١): - قال في غزوة (بدر الكبرى): حضر هذه الغزوة من عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان: بجير من بني جذيمة من بني رواحة من عبس. وحضرها أيضًا عُقبة بن وهب من بني عبد الله بن غطفان وكان حليفًا لبني عوف بن الخزرج، وذكر عصيمة من أشجع حليف بني النجار. - قال في غزوة (ذي أمر): فلما رجع رسول الله ﷺ من غزوة السويق،

стр. 3469

أقام بالمدينة بقية ذي الحجة أو قريبًا منها، ثم غزا نجدًا، يريد غطفان، وهي غزوة ذي أمر، واستعمل على المدينة عثمان بن عفان ﵁ فيما قال ابن هشام. قال ابن إسحاق: فأقام بنجد صفرًا كله أو قريبًا من ذلك، ثم رجع إلى المدينة، ولم يلق كيدًا. - قال في غزوة (ذات الرقاع) سنة أربع بعد الهجرة: قال ابن إسحاق: ثم أقام رسول الله ﷺ بالمدينة بعد غزوة بني النضير شهر ربيع الآخر وبعض جمادى، ثم غزا نجدًا يريد محاربًا وبني ثعلبة من غطفان، واستعمل على المدينة أبا ذر الغفاري ويقال عثمان بن عفان فيما قال ابن هشام. قال ابن إسحاق: حتى نزلا نخلا (١) وهي غزوة ذات الرقاع. قال ابن هشام: وإنما قيل لها غزوة ذات الرقاع، لأنهم رقعوا فيها راياتهم، ويقال: ذات الرقاع: شجرة بذلك الموضع يقال لها ذات الرقاع (٢). قال ابن إسحاق: فلقي النبي ﷺ بها جمعًا عظيمًا من غطفان، فتقارب الناس، ولم يكن بينهم حرب، وقد خاف الناس بعضهم بعضًا، حتى صلى رسول الله ﷺ بالناس صلاة الخوف، ثم انصرف الناس. وقال ابن إسحاق: إن رجلًا من بني مُحارب يقال له (غورث) قال لقومه من غطفان ومحارب ألا أقتل لكم محمدًا؟ قالوا بلى، وكيف تقتله؟ أفتك به، قال: فأقبل إلى النبي ﷺ وهو جالس وسيف الرسول في حجره، فقال: يا محمد، أنظر إلى سيفك هذا؟ قال: نعم - وكان محلى بفضة -، قال: فأخذه فاستله ثم جعل يهزه ويهم فيكبته الله!، ثم قال: يا محمد أما تخافني: قال: لا وما أخاف منك، قال أما تخافني وفي يدي السيف؟ قال لا، يمنعني الله منك، ثم عمد إلى سيف رسول الله ﷺ فرده عليه، قال: فأنزل الله فيه قرآنًا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)﴾ (٣).

стр. 3470

- قال في غزوة الخندق: (تحريض اليهود لغطفان) ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان من قيس عيلان، فدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشًا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم فيه. وخرجت غطفان، وقائدها عُيينة بن حِصن بن حذيفة بن بدر في بني فزارة، والحارث بن عوف بن أبي حارثة المرّي في بني مرَّة، ومسعر بن رخيلة بن نويرة بن طريف بن سمحة بن عبد الله بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان فيمن تابعه من قومه من أشجع. قال ابن إسحاق: لما فرغ رسول الله ﷺ من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من دومة بين الحرف وزغابة في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة، وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أُحد. (محاولة الصلح مع غطفان) فلما اشتد على الناس البلاء، بعث رسول الله ﷺ كما حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث بن عوف المرّى، وهما قائدا غطفان فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح، حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح إلا المراوضة في ذلك. . . فلما أراد رسول الله أن يفعل، بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عُبادة، فذكر لهما واستشارهما فيه، فقالا: يا رسول الله، أمر تحبه فنصنعه، أم شيئًا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به، أم شيء تصنعه لنا؟ فقال ﷺ : بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وكالبوكم (أي غالبوكم واشتدوا عليكم) من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما، فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قِرى أو بيع، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا! والله مالنا بهذا من

стр. 3471

حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم قال النبي ﷺ : فأنت وذاك، فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال: ليجهدوا علينا. نعيم بن مسعود الأشجعي من غطفان يشتت الأحزاب هو نُعَيْم بن مسعود بن عامر بن أنيف بن ثعلبة بن قنفذ بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان. أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت، فقال النبي ﷺ : إنما أنت فينا رجل واحد، فخذِّل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة. فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة من اليهود وكان لهم نديمًا في الجاهلية، فقال: يا بني قريظة قد عرفتم ودي إياكم وخاصة ما بيني وبينكم، قالوا: صدقت لست عندنا بمتَّهم، فقال لهم: إن قريشًا وغطفان ليسوا كأنتم، والبلد (يعني المدينة)، فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم لا تقدرون على أن تحولوا منه إلى غيره، وإن قريشًا وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه وقد ظاهرتموهم عليه وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره، فليسوا كأنتم، فإن رأوا نهزة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم، ولا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنًا من أشرافهم. وهكذا فعل مع رجال قريش وقال لأبي سفيان: إني قد بلغني أمر قد رأيت عليّ حقًّا أن أبلغكموه نصحًا لكم فاكتموا عني، فقالوا: نفعل، قال: تعلمون أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد وقد أرسلوا إليه: إنا قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك أن نأخذ من القبيلتين من قريش وغطفان رجالًا من أشرافهم فنعطيكم فتضرب أعناقهم ثم نكون معك على من بقي منهم، فأرسل إليهم: أن نعم، فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهنًا من رجالكم فلا تدفعوا منكم رجلًا واحدًا، وهكذا ذهب إلى قومه من غطفان وقال: يا معشر غطفان إنكم أصلي وعشيرتي وأحب الناس إليّ ولا أراكم تتهموني، قالوا: صدقت، ما أنت عندنا بمتّهم، قال: فاكتموا عني، قالوا: نفعل فما أمرك؟ ثم قال ما قال لقريش.

стр. 3472

ونجحت خطة - نُعَيْم ﵁، وانفرط عقد الأحزاب، وبعث الله عليهم الريح في ليال شاتية باردة شديدة البرد، فجعلت تكفأ قدورهم، وتطرح أبنيتهم، وكانت بداية لهزيمتهم وتراجعهم عن المدينة في اليوم التالي مذعورين. النبي ﷺ يدعو حذيفة بن اليمان العبسي من غطفان لاستطلاع الأعداء قال ابن إسحاق قال حُذَيْفة: لقد كنا مع رسول الله ﷺ بالخندق وصلى النبي ﷺ من الليل أي قدرًا يسيرًا منه، ثم التفت إلينا فقال: مَنْ رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع - يشترط له الرسول ﷺ الرجعة - أسأل الله تعالى أن يكون رفيقي في الجنة؟ فما قام رجل من المسلمين من شدة الخوف وشدة الجوع، وشدة البرد، فلما لم يقم أحد، دعاني رسول الله ﷺ فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني، فقال: يا حذيفة اذهب فادخل مع القوم، فانظر ماذا يصنعون؟ ولا تحدثن شيئًا حتى تأتينا. قال: فذهبت فدخلت في القوم والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل، لا تقر بهم قدرًا ولا نارًا ولا بناء، فقام أبو سفيان فقال: يا معشر قريش، لينظر امرؤ مَنْ جليسه؟ قال حذيفة: فأخذت بيد الرجل الذي كان إلى جنبي، فقلت من أنت؟ قال: فلان ابن فلان، ثم نادى أبو سفيان بالرحيل قائلًا: يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخف وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره وألقينا من شدة الريح ما ترون، ما تطمئن لنا قدر، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فإني مرتحل، ثم قام إلى بعيره وهو معقول، فجلس عليه ثم ضربه، فوثب به على ثلاث فوالله ما أطلق عقاله إلا وهو قائم. ثم يقول حذيفة بن اليمان: ولولا عهد رسول الله ﷺ إليّ "أن لا تحدث شيئًا حتى تأتيني" ثم شئت لقتلته بسهم. فرجعت إلى رسول الله ﷺ وهو قائم يصلي في مرط (١) لبعض نسائه، مراجل (٢)، فلما رآني أدخلني إلى رجليه، وطرح عليّ طرف المرط، ثم رجع وسجد، فلما سلم أخبرته الخبر، وسمعت غطفان بما فعلت قريش فانشمروا راجعين إلى بلادهم، ولما أصبح رسول الله ﷺ انصرف عن الخندق راجعًا إلى المدينة والمسلمون، ووضعوا السلاح.

стр. 3473

- وفي غزوة (ذي قرد) قال: أغار عيينة بن حِصْن بن حذيفة بن بدر الفزاري في خيل من غطفان على لقاح (١) لرسول الله ﷺ بالغابة وفيها رجل من بني غفار (كناني) وامرأة له، فقتلوا الرجل واحتملوا المرأة. وقد ذُكر بلاء ابن الأكوع في صد الغزاة، ونداء النبي بالفزع ﷺ وتسابق الفرسان إليه من المهاجرين والأنصار، فلما اجتمعوا أمر عليهم سعد بن زيد لطلب القوم، وقال له: اخرج حتى ألحقك في الناس، وقد تمكن المسلمون من قتل أحد بني غطفان بعد أن تلاحقت الخيل، وأدرك عكاشة بن محصن الأسدي أوبارًا وابنه عمرو بن أوبار وهما على بعير واحد فقتلهما واستنقذوا بعض اللقاح، وسار رسول الله ﷺ حتى نزل بالجبل من ذي قرد وأقام عليه يومًا وليلة، وقال سلمة بن الأكوع: يا رسول الله ﷺ لو سرحتني في مائة رجل لاستنقذت بقية السرح وأخذت بأعناق القوم، فقال له رسول الله ﷺ : إنهم الآن ليغبقون (٢) في غطفان (أي بلغوا مأمنهم في ديارهم) ثم رجع النبي قافلًا إلى المدينة. - وفي غزوة (خيبر) قال: فبلغني أن غطفان لما سمعت بمنزل رسول الله ﷺ من خيبر جمعوا له، ثم خرجوا ليظاهروا يهود عليه، حتى إذا ساروا منقله سمعوا خلفهم في أموالهم وأهليهم حسًا، ظنوا أن القوم قد خالفوا إليهم، فرجعوا على أعقابهم، فأقاموا في أهليهم وأموالهم، وخلوا بين رسول الله ﷺ وبين اليهود في خيبر. - وفي غزوة (ابن أبي حدرد وأصحابه بطن أضم) قال: في هذه الغزوة قتل المسلمون عامر بن الأضبط الأشجعي من غطفان بعد أن ألقى السلام، قتله محلم بن جثامة لشيء كان بينه وبينه، فنزلت الآية: ﴿. . . وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا. . . (٩٤)﴾ (٣). وكانت هذه الغزوة على أضم قبل فتح مكة، ولما أسلم عيينة بن حصن الفزاري من غطفان وأثناء غزوة حُنين طالب عيينة بدم عامر الأشجعي وهو يومئذ

стр. 3474

رئيس غطفان وخاصمه الأقرع بن حابس التميمي ودافع عن محلم بن جثامة لمكانة الأقرع في خِنْدف، باعتبار الدم لقيس عيلان الجذم الثاني من مُضَر. قال: وسمعنا عيينة بن حصن يقول: والله يا رسول الله لا أدعه حتى أذيق نساءه من الحرقة مثل ما أذاق نسائي (يقصد نساء القتيل من أشجع قومه الغطفانيين) ورسول الله ﷺ يقول له: بل تأخذون خمسين (١) في سفرنا هذا وخمسين إذا رجعنا وهو يأبى عليه، إذ قام رجل من بني ليث (كنانة) يقال له مكيثر قصير مجموع فقال: والله يا رسول الله ما وجدت لهذا القتيل شبهًا في غرة الإسلام إلا كغنم وردت فرميت أولاها فنفرت أخراها، اسنن اليوم، وغير غدًا!، قال: فرفع رسول الله ﷺ يده فقال: بل تأخذون الدية خمسين في سفرنا هذا، وخمسين إذا رجعنا (٢) فقبلوا الدية، ولما طلبوا محلم بن جثامة ليستغفر له النبي ﷺ وكان عليه حُلة قد تهيأ للقتل فيها إذ لم تقبل غطفان الدية، حتى إذا جلس بين يدي رسول الله ﷺ فقال له: "ما اسمك؟ " قال: أنا محلم بن جثامة، قال: فرفع النبي ﷺ يده ثم قال: "اللهم لا تغفر لمحلم بن جثامة" (ثلاثًا) قال: فقام وهو يتلقى دمعه بفضل ردائه. قال ابن إسحاق: إن النبي ﷺ قال لمحلم: أمَّنت الرجل ثم قتلته؟! ثم دعا عليه بعد أن جلس بين يديه بعد أن قبلت غطفان الدية عن عامر الأشجعي وقال: فوالله ما مكث محلم بن جثامة إلا سبعًا حتى مات، فلفظته الأرض فلما غلب قومه عمدوا إلى صدين (٣) فسطحوه بينهما ثم رضموا عليه الحجارة حتى واروه، فلما بلغ النبي شأنه قال ﷺ : "والله إن الأرض لتطابق على من هو شر منه، ولكن الله أراد أن يعظكم في حرم ما بينكم بما أراكم منه". (٧) ما ذكر رضا كحالة عن قبائل غطفان في معجم قبائل العرب (٤): قال عن (عبس): بطن عظيم، من قيس عيلان من مضر العدنانية، وهم بنو عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. منازلهم: كانت بنجد، وتنسب إلى عبس هؤلاء محلة

стр. 3475

بالكوفة، فيها مسجد، وقد سكنوا بلبيس (١) وهي مدينة بينها وبين فسطاط مصر عشرة فراسخ على طريق الشام. ومن جبالهم: قطن به مياه، ناظرة، أثال، بينه وبين الماء الذي ينزل إليه الناس إذ خرجوا من البصرة إلى المدينة ثلاثة أميال. ومن أوديتهم: الرّمه أكبر واد بنجد، والسُكيُّ وهو واد بالقرب من النباح فيه طِلْح، وتنسب إليهم حرَّة النار. ومن مياههم: السليع، العاقرة، الثيلة، الممها، وكلها بجبل قطن، الخبيت، مدرج، الشرج بنجد من أرض العالية، بقعاء، جفر الشحم ببطن الرّمه، وبال، الممهى، الغبارة ببطن الرّمه، الغمرية، اللآءة، ملطمة، حجري، ديلم، زنقب، ناظرة. تاريخهم: تعد عبس من القبائل المحاربة، فمن أيامهم العظيمة: يوم داحس والغبراء وهو لعبس على فزارة وذبيان، وبقيت نار الحرب مستعرة مدة (٢) مديدة بسبب هذين الفرسين، وقصتهما مشهورة، ويوم الهباءة وهو يوم الجفر كان لعبس على فزارة وذبيان أيضًا، ويوم جَبلة كان بين عبس وذبيان، ويوم السوبان وهي أرض كان بها حرب بين بني عبس وبني حنظلة من تميم، ويوم أقرن كان لبني عبس على بني تميم، ويوم الأثل والأرطى وهما نوعان من الأشجار في الجزيرة وكان لجُشَم من هوازن على عبس، ويوم الفروق بين عبس وبين سعد بن زيد مناة من تميم، قاتلوهم فمنعت عبس أنفسها وحريمها، وخابت غارة بني سعد، والفروق عقبة دون هجر إلى بلاد نجد، ويوم السليل فيه اقتتلت عبس وأسد. وأغارت عبس على طيئ فحماهم عنترة بن شداد حين انهزموا، وقاتلوا عبد الله بن الصِّمة الجُشَمي من هوازن هو وقومه يوم اللوى. وقد وفد (٣) من عبس على النبي ﷺ ، فقالوا يا رسول الله قدم علينا قراؤنا، فأخبرونا أنه لا إسلام لمن لا هجرة له، ولنا أموال ومواشٍ، فإن كان لا إسلام لمن لا هجرة له بعناها وهاجرنا، فقال ﵊: "اتقوا الله حيث كنتم، فلن يلتكم من أعمالكم شيئًا".

стр. 3476

نقل كحالة السوري عن نعوم شقير في تاريخ سيناء ص ٧٢٤ أنه قال: عبس من قبائل مصر ينتسبون إلى عرب الحجاز ويقيمون في مديرية الشرقية. قلت: كما ذكر أحمد لطفي السيد في كتابه قبائل العرب في مصر: إن عبس من عرب مديرية الشرقية. وكذلك قبيلة عبس في صعيد مصر وتقدم التفصيل عن فروعها. وذكر أحمد فؤاد حمزة في قلب جزيرة العرب قبيلة عبس في جنوب غرب المملكة العربية السعودية وقال: تحد ديارها بوادي الحبل من الشمال ووادي العين والدريب من الجنوب، وبين ساحل البحر إلى مسافة ٥٢ ميلًا في الداخل حتى سلسلة الهضاب الساحلية، ويجاورها من القبائل بنو حسن في الشمال، وبنو أسلم في الشرق، وبنو وزعات من مغيد في الجنوب وفيها العشائر التالية: مِطولة، مناصير الغريرة، كفرا، رُنَّف، شغَّار، خرازة، قطعبة، بطارية، موانع. قلت: والراجح أن هذه القبيلة من عبس بن بغيض من غطفان لأن الغالبية من الباحثين يؤكدون أن قسمًا من عبس اتجه إلى اليمن أو باتجاه بلاد اليمن بعد وقعة بغا على غطفان عام ٢٣١ هـ، وكذلك في أحداث آخر القرن السابع الهجري على عبس. وقال عن (فزارة): فزارة بن ذبيان بن ريث بن غطفان بن سعد بطن عظيم من غطفان من العدنانية، وهم بنو فزارة بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان بن مُضَر بن نزار بن معد بن عدنان، ينقسم إلى خمسة أفخاذ: عدي، سعد، شمخ، مازن، ظالم، ومنهم بنو العُشَراء وبنو غراب وكان من هذا البطن جماعة من العلماء والأئمة. منازلهم: كانت منازلهم بنجد ووادي القرى، ثم تفرقوا، فنزلوا بصعيد مصر وضواحي القاهرة وفي قليوب وما حولها، وفي المنطقة الواقعة ما بين برقة وطرابلس والمغرب الأقصى، وعدوا فزارة في مصر من قبائل العرب في بني سويف والفيوم في تعداد عام ١٨٨٣ م (١).

стр. 3477

ومن بلاد فزارة في نجد ومنارلها: الأكادر، الجناب (١)، عريمة (٢)، الشرَّبة (٣)، يديع (٤)، اللقاطة (٥)، التغلمان (٦)، الأعزلة، أرل (٧)، ذروة (٨)، الجعلة، طمية (٩). ومن جبالهم: أبان الأبيض، قنا وعوارض، أبان الأسود، الفرد (١٠)، الأحدب. ومن مياههم: شرج (١١)، قين، عباقر، ضِغن (١٢)، داثر، أروى، السَّعْدان، الحسا (١٣)، حرزة (١٤)، هجم، عباقر، أبرق الحنّان. تاريخهم: من حروبهم: حروبهم مع بني عمرو بن تميم وذلك أن خارجة بن حصن خرج في جمع من فزارة ومن بني ثعلبة بن سعد وهو يريد غزو بني عبس بن بغيض، فلقوا جيشًا لبني تميم على ماء يقال له: الكفافة، وتميم في جمع سعد والرباب وبني عمرو، فقاتلوهم قتالًا شديدًا، وهُزمت تميم وأجفلت، ويقال لهذا اليوم يوم كفافة، ووقعت الحرب بين عبس وفزارة من غطفان، وأغارت فزارة على التيم وكان رئيسهم عيينة بن حصن، فقتلوا التيم قتلًا ذريعًا، ومن أيام فزارة: يوم اللوى كان لفزارة على هوازن، ويوم يسيان كان لفزارة على بني جُشَم بن بكر من هوازن، ويوم الرقم كان بين فزارة وبني عامر بن صعصعة من هوازن. وكان بنو فزارة ممن قدم على أهل خيبر ليعينوهم، فراسلهم رسول الله ﷺ أن لا يعينوهم، وسألهم أن يخرجوا عنهم، ويعطيهم من خيبر كذا وكذا، فأبوا، فلما فتح الله خيبر أتاه من كان هناك من فزارة، فقالوا: أعطنا حظنا والذي وعدتنا، فقال لهم رسول الله ﷺ : حظكم، أو قال: لكم ذو الرَّقيبة لجبل من جبال خيبر، فقالوا: إذًا نقاتلك، فقال موعدكم جنفاء (١٥)، فلما سمعوا ذلك خرجوا هاربين من مواجهة النبي ﷺ . وقدم وفد من فزارة في بضعة عشر رجلًا على الرسول ﷺ مقرين بالإسلام، أما حوادثهم بعد الإسلام فقد أوقعت بنو فزارة ببني كلب على ماء يدعى بنات قين في أيام عبد الملك بن مروان الأموي، وهي وقعة مشهورة،

стр. 3478

فأصابت فيهم على غِرة، ذلك وبعد وقعة أوقعتها بهم كلب يوم العاه وهو جبل بأرض فزارة، كان حميد بن حريث بن بحدل الكلبي اختلق سجلًا على لسان عبد الملك بن مروان على صدقات بني فزارة، فقدم عليهم بالعاه فقتلهم، فاجتمع بنو فزارة فاغتزوا كلبًا على بنات قين فأكثروا القتل فيهم، وكان لفزارة ذكر في حوادث عامي ٢٣١، ٢٣٢ هـ مع بغا القائد العباسي. وقال عن (ذبيان): وهم قبيلة من غطفان تنسب إلى ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان بن مُضَر بن نزار بن معد بن عدنان، تنقسم إلى ثلاثة بطون كبيرة: مُرَّة، ثعلبة، وفزارة، وقد سبق أن تكلمنا عن فزارة، كانت منازلهم شرقي المدينة في الأرضين الواقعة بين الحجاز، وأجا وسلمى (١)، حاربوا أبناء عمومتهم قبيلة عبس بن بغيض بسبب مقتل هِرم بن ضمضم، ثم اصطلح الفريقان لما حمل ديته هرم بن سنان والحارث بن عوف. من أيامهم: يوم جبلة وكان بين بني عبس وبني ذبيان. وقال عن (أَشْجع): قبيلة من غطفان من قيس عيلان وهم بنو أشجع بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان بن مُضَر بن نزار بن معد بن عدنان، كانت منازلهم بضواحي المدينة النبوية، وكان بالمغرب الأقصى منهم حي عظيم كانوا يظعنون مع عرب المعقل من مَذْحِج بجهات سجلماسة، وكان لهم عدد وذكر. ومن منازلهم أو مراكزهم بنجد: الثاملية (٢)، المروراة (٣)، الصهباء، خبيت (٤)، الجرُّ. وأما تاريخهم فكانوا حلفاء للخزرج، وقد دعوهم إلى نصرتهم في يوم بُعاث بين الأوس والخزرج، فأجابوهم (٥)، ومن وقعاتهم الحربية وقعة كانت بالجرّ بينهم وبين بني سليم بن منصور (٦) من قيس عيلان. وقد قاتلوا مع رسول الله ﷺ في غزوة حُنين ضد هوازن بن منصور وثقيف من قيس عيلان، وكان عدد فرسان أشجع ألف، وقال رسول الله ﷺ : الأنصار ومُزيْنة وجُهينة وغِفَار وأَشْجع، ومن

стр. 3479

كان من بني عبد الله مواليّ دون الناس الله ورسوله مولاهم (١)، وفي أيام الردة رجعت عامة أشجع عن دينهم ثم عادوا إلى حظيرة الإسلام بفضل الله وصلابة أبي بكر الصديق ﵁. وقال عن (ثعلبة بن سعد): بطن من ذبيان، وهم بنو ثعلبة بن سعد بن ذبيان، من أمكنتهم: غيقة والصاد والخشبة، وقد غزاهم دريد بن الصِّمة الجُشمي من هوازن في الجاهلية. وقال عن (ثعلبة بن سعد بن قيس): بطن من غطفان بن سعد بن قيس عيلان، كان جدهم عبد الله يسمى في الجاهلية عبد العُزّى، فحين وفد على رسول الله ﷺ قال لهم: من أنتم؟ قالوا: نحن بنو عبد العُزّى، قال: بل أنتم بنو عبد الله، فسمتهم العرب بني محولة، أي الذين تحول اسمهم. وكانوا يقطنون العالية، ومن جبالهم: الوتدات ومهبل. ومن أوديتهم: ذو حرض، وهو واد عند النقرة بينه وبين معدن النقرة خمسة أميال، والنشناش، وهو واد في جبل الحاجر على أربعة أميال منها غربي الطريق، ومن حوادثهم التاريخية: أن الحارث بن ورقاء قد أغار عليهم. (قلت: ومن المعروف لدى الباحثين أن بني عبد الله بن غطفان يشكلون القسم الأكبر من قبيلة مُطير في المملكة العربية السعودية بالوقت الحاضر). وقال عن (سائر غطفان): هو بطن عظيم متسع، كثير الشعوب والأفخاذ، من قيس عيلان من مُضَر العدنانية، كانت منازلهم بنجد مما يلي وادي القرى، وجبل طيئ، ثم افترقوا في الفتوحات الإسلامية، واستولت عليها قبائل طيئ، وينقسم غطفان إلى ثلاثة أفخاذ عظيمة: أشجع بن ريث بن غطفان، عبس بن بغيض بن ريث، وذبيان بن بغيض بن ريث. منازلهم: من ديارهم: ذو أرل، ذرة وذروة، رقد، يثقب، الهباءة. من جبالهم: ضرغد (٢)، الأكوام (٣)، الإير، أعيار (٤)، ضبع (٥)، هرمة (٦)، ومن أوديتهم: الرَّمة وهو أكبر وادٍ بنجد كانوا ينزلون فيه، يمؤود، ذو حاج.

стр. 3480

ومن مياههم: المرّان، عثلب، يمن (١)، دحل (٢)، ظبي (٣). ومن تاريخهم: من أيامهم يوم الرقم (٤) وكان لغطفان على بني عامر من هوازن، يوم القرنتين (٥) كانت فيه وقعة لغطفان على بني عامر أيضًا، ويوم طوالة (٦) ويوم قرن (٧) كان به يوم بني قرن على بني عامر. وقد حاربوا الرسول ﷺ مع قريش في غزوة الخندق وكانوا ألوفًا ومعهم لفائف من كنانة وقيس عيلان وهم الأحزاب، ثم ارتدت غطفان بعد وفاة النبي ﷺ ، فحاربهم أبو بكر وبعث إليهم خالد بن الوليد فقتلهم أشر قتلة، حتى عادوا إلى حظيرة الإسلام، وورد ذكرهم في حوادث عام ٢٣١ هـ على المدينة مع قبائل سُلَيم بن منصور عندما جرد عليهم بغا قائد العباسيين من بغداد وفتك بهم مع سُلَيم، وبني كلاب وبني هلال من هوازن، وكانت قبائل غطفان تعبد العُزّى وقد بنوا عليها بيتًا، وأقاموا لها سدنة، فبعث النبي ﷺ خالد بن الوليد فهدم البيت، وكان لهم صنما في مشارف الشام، يقال له: الأقيصر، كانوا يحجون إليه ويحلقون رءوسهم عنده، وبنوا بيتا سموه بُساء مضاهأة للكعبة المشرفة، فيطوفون حوله في الجاهلية وقد هدمه بنو كلب قبل الإسلام بعد أن حاربوا غطفان وتمكنوا منهم. (٨) ما ذكر مايلز (٨) عن قبائل غَطَفَان في عُمان: - ذكر في ص ٢٦٨: قبيلة بني رواحة، قال: هذه القبيلة من كتلة غطفان، وعلى ذلك فهي ترتبط برباط الدم الظبيان (ذبيان) الذين يمثلهم في عُمان اليوم بنو

стр. 3481

جابر، واسم رواحة الحديث (بنو عبس)، وهم واحدة من أولى القبائل المهاجرة إلى عُمان، ودخلوها منذ ألف وربعمائة عام، وحرب الداحس واحدة من أكثر الحروب شهرة في التاريخ العربي، واعتزل قيس بن زهير (١) شيخ عبس في عُمان عام ٦٠٠ قبل الميلاد كراهب مسيحي وتوفي في صُحار؟!، ويقطن بني رواحة واديًا خصبًا سمي باسمهم، يمتد من أزكى إلى السمايل، ويشمل ثلاثين قرية معظمها بها أبراج وقلاع، وعددهم من ثمانية عشر ألفًا إلى عشرين ألفًا، مقسمين إلى ثلاثين فخذًا ولكل منهم شيخه الخاص. - وذكر في ص ٢٦٠: قبيلة بني جابر، قال: هذه القبيلة هم أولاد ظبيان (قلت: والصحيح ذبيان)، وهي من أصل داحس، وربما هاجروا إلى عُمان قبل الإسلام، وهم قبيلة كبيرة جدًّا ومتفرقة، تسكن جبل ياسر ووديانه المسماة باسمهم، والتي تشمل مدن التاو، سبها، قلهات، ضباب، عددهم ثلاثون ألفًا كلهم حضر، أباضيوا المذهب. - وذكر في ص ٢٥٧: قبيلة الحبوس، قال: ربما كانت أكبر قبيلة في الشرقية بعد الوهابية، تسكن المضيبي في وادى عندام، تنحدر من سلالة عبس، عددها خمسة وعشرون ألفًا، منقسمة إلى أحد عشر فخذًا، معظمهم بدو، ولكنهم استوطنوا، ويزرعون الأرض ويقومون برعي الجمال، وهم عادة ينضمون إلى الأحلاف، ولكنهم لا يأخذون دورًا قياديًّا، أباضيو المذهب. كما ذكر مايلز ص ٢٦٣ عن قبيلة محارب من أبناء عمومة غطفان وقال: قبيلة محارب عددها خمسمائة وتسكن وادي سمائل، أباضيون.

стр. 3482

(٩) وفي معجم أسماء العرب (١) قال عن عبس: هو عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان، جد جاهلي من عدنان، ينسب إليه العبسيون. وممن سموا به: أبو عمر أحمد عبد الرحمن العبسي، فقيه محدث أندلسي ألَّف في الفقه والزهد، ومن عبس: حمد بن خلفان العبسي قاضي عُمان، عاش في القرن الثالث عشر الهجري، كان أحد قضاة الإمام سعيد بن سلطان. ومنهم: سليمان بن عمر الرواحي العبسى شاعر وأديب وخطيب عُماني، عاش في أواخر القرن الثالث عشر وأوائل القرن الرابع عشر الهجريين. (١٠) من كتاب عروبة العلماء (٢): ذكر من غطفان علماء مشهورون منهم: أ - يحيى بن يعمر المروزي وينسب إلى بني ذبيان من غطفان، وقد توفي عام ٨٩ هـ. ب - ابن الموجة المروزي وينسب إلى بني فزارة من غطفان، وقد توفي عام ٢٨٢ هـ. (١١) وفي الأعلام لخير الدين الزركلي: ذكر رجالات من غطفان نكتفي منها بذكر رجالات عبس: - قيس بن زهير ١٠ هـ/ ٦٣١ م: هو قيس بن زهير بن جذيمة بن رواحة العبسي، أمير عبس، وداهيتها، وأحد السادة في غرب العراق، كان يُلقب بقيس الرأي، لجودة رأيه، ويكنى أبا هند، وهو معدود في الأمراء والدهاة والشجعان والخطباء والشعراء، ورث الإمارة عن أبيه، واشتهرت وقائعه في حروبه مع فزارة وذبيان، وحكمته في مأثور كلامه مستفيضة، وخطبه غير قليلة، وشعره جيد فحل. زهد في آخر عمره، فرحل إلى عُمان، وعفّ عن المآكل حتى أكل الحنظل، وما زال في عُمان إلى أن مات، ويضرب بدهائه المثل.

стр. 3483

- عمارة بن زياد العبسي: هو عمارة بن زياد بن سفيان بن عبد الله بن ناشب العبسي، من رؤساء القادة في الجاهلية، كان كثير المال، واسع الجود، آلى على نفسه ألا يسمع صوت أسير ينادي في الليل إلا افتكه، وكان أخا ثلاثة (الربيع، قيس، أنس) كل واحد منهم قد رأس في الجاهلية وقاد جيشًا، وكان عمارة يلقب بالوهاب، والربيع يلقب بالكامل، وقيس بالجواد، وأنس بأنس الحفاظ، ويقال لعمارة أيضًا "دالق" بمعنى دلق الغارة وشنَّها على العدو، وقتله شرحاف بن المثلم الضبي. قال الفرزدق التميمي: وهن بشرحاف تداركن دالقًا … عمارة عبس، بعد ما جنح العصر - قطيعة: جد جاهلي من عبس، من نسله حُذيفة بن اليمان الصحابي، وحزم وسهل وعبد الواحد القطعيون من رجال الحديث، وخالد بن بُرد ولّاه الوليد الأموي دمشق. - عمران بن حُذيفة ٦٧ هـ - ٦٨٧ م: تابعي كان مقدمي أصحاب المختار الثقفي بالكوفة، قتله مُصْعب بن الزبير صبرًا بعد قتل المختار وأصحابه. - قُبيصة بن ضُبيعة العبسي: شجاع مقدم من أصحاب علي بن أبي طالب كانت إقامته بالكوفة، وحرّض الناس على مناوأة أمية بعد مقتل علي، فقتله معاوية مع حجر بن عدي بالشام. - نائل بن فروة ١٢٢ هـ/ ٧٤٠ م: من عبس، أحد الشجعان من سكان الشام في العصر المرواني كان وجيهًا في قومه، ولما ثار زيد بن علي في العراق، كان نائل في الكوفة، فقاتله، فاعترضه نصر بن خزيمة من أشياع زيد، فاختلفت بينهما ضربتان قتلا بهما. (١٢) وفي كتاب دولة الإسلام لحافظ الدين الذهبي (١) ٦٧٣ - ٨٤٨ هـ ج ١ ذكر أنه في عام ٢٩٧ هـ . توفي محمد بن عثمان بن أبي شيبة العبسي محدث الكوفة.

стр. 3484

(١٣) وفي كتاب القبائل العربية في مصر في القرون الثلاثة الأولى للهجرة لعبد الله خورشيد البري . - قرة بن شريك العبسي (٩٠ هـ - ٩٦ هـ): تولى مصر في الدولة الأموية، قام بطلاء رءوس الأعمدة التي ينحصر بينها مجلس قيس عيلان في المسجد الجامع "وليس في المسجد عمود مذهب الرأس إلا في مجالس قيس". - كعب بن يسار العبسي (٢٠ هـ): أُرغم على تولي القضاء بمصر وكان كثير البربر من الموالي، وهو حفيد خالد بن سنان العبسي الذي ذكر أنه كان نبيًّا قبل البعثة وأضله قومه. - عثمان بن بلادة العبسي (ت ١٩٨ هـ): أحد قواد أهل الحوف من قيس عيلان والقحطانية ضد أهل الفسطاط بمصر في حركة خلع الأمين عام ١٩٦ - ١٩٨ هـ. وأهل الحوف (١) من قبائل قيس عيلان على رأسهم عبس في مصر كان دورهم ثوريًّا ضد الحكام والأمراء أغلب الأزمان في عصر الأمويين والعباسيين. (١٤) وفي كتاب أعلام النساء في عالمي العرب والإسلام لرضا كحالة ج ١ ذكر من غطفان نساء شهيرات أكثرهن من فزارة ومرَّة وعبس وبعضهن من أشجع، ونكتفي بما ورد عن عبس لأن قبيلة بني رشيد هي امتداد لعبس: - الجمانة بنت قيس بن زهير العبسي (ملك غطفان) في الجاهلية: شاعرة من شواعر العرب، كانت ذات رأي ثاقب ولسان مبين، قالت لأبيها لما شَرِق مما بينه وبين الربيع بن زياد في الدرع: دعني أناظر جدي فإن صلح الأمر بينكما وإلا كنت من وراء رأيك، فأذن لها، فأتت الربيع، فقالت: إذا كان قيس أبي، فإنك يا ربيع جدي، وما يجب له من حق الأبوة عليّ إلا كالذي يجب عليك من حق البنوة لي، والرأي الصحيح تبعثه العناية، وتجلي عن محصنة النصيحة، إنك قد ظلمت قيسًا بأخذ درعه، وأجد مكافأته وإياك سوء عزمه،

стр. 3485

والمعارض منتصر والبادي أظلم، وليس قيس مما يخوّف بالوعيد، ولا يردعه التهديد، فلا تركنن إلى منابذته، فالحزم في متاركته، والحرب متلفة للعباد، ذهّابة بالطارق والتلاد، والسلم أرضى للبال، وأبقى لأنفس الرجال، وبحق أقول: لقد صدعت بحكم، وما يدفع قولي إلا غير ذي فهم، ثم أنشدت تقول: أبي لا يرى أن يترك الدهر درعه … وجدي يرى أن يأخذ الدرع من أبي فرأي أبي رأي البخيل بماله … وشيمة جدي شيمة الخائف الأبي (نقلًا عن بلاغات النساء لطيفور) - فاطمة بنت اليمان العبسية: راوية من راويات الحديث، أسلمت وبايعت رسول الله ﷺ ، وروت عنه ﷺ وروى عنها ابن أخيها أبو عبيدة بن حذيفة بن اليمان، وربعي بن خراش عن امرأته - عنها. - خولة بنت اليمان العبسية: راوية من راويات الحديث، سمعت النبي ﷺ وروى عنها أبو سلمة بن عبد الرحمن (نقلًا عن الاستيعاب لابن عبد البر، وتنقيح المقال للمامقاني ج ٣) - محياة بنت خالد بن سنان العبسي: من فواضل نساء عصرها، كان يحترمها النبي ﷺ ، ولما بعثه الله أتته محياة بنت خالد فانتسبت له، فبسط لها رداءه وأجلسها عليه، وقال: ابنة أخي نبي ضيعه قومه. (نقلًا عن الإصابة لابن حجر، وأسد الغابة لابن الأثير) قلت: وفي حديث أن النبي ﷺ قال عن خالد بن سنان العبسي: كان نبيًّا ضيعه قومه. - أَمة الرحمن بنت أحمد بن عبد الرحمن العبسي: من ربات الزهد والعبادة، سمع عليها خزرج وابن أخيها محمد بن عبد الملك بعض ما روته عن أبيها، وتوفيت في شعبان ٤٤٠ هـ وعمرها ثمانون عامًا تقريبًا.

стр. 3486

- تميمة بنت أهبان العبسية: من شواعر العرب قالت يوم الرقم: ولولا نجاء الورد لا شيء غيره إذا … وأمر الإله ليس لله غالب لسكنت العام نقبا وبيعجا … بلاد الأعادي أو بكتك الحبائب (نقلًا عن تاج العروس للزبيدي) - سُهيّة (١) زوج شداد (٢) بن معاوية بن قراد العبسي قالت ترثيه: جفاني الكرى وأنا في الغسق … وساعدني الدمع لما اندفق فمن بعد شدّاد يحمي الحريم … إذا الحرب قامت وسال العرق ومَنْ يردع الخيل يوم الوغى … ومَنْ للمنادي إذا ما زعق لقد صرت من بعده في ضنى … وقلبي لأجل الفراق احترق (نقلًا عن الجلساء في ديوان الخنساء وشواعر الجاهلية)

стр. 3487

فصل من الأشعار عن غطفان في الجاهلية والإسلام في موقعة خزازى (١) الفاصلة بين العدنانية وعرب اليمن والتي انتصر فيها بنو نزار بقيادة كليب الوائلي على أقيال حِمْيَر وقبائل اليمن. قال ابن الأثير: وكان يوم خزازى أعظم يوم التقته العرب في الجاهلية، فإن بني نزار لم تكن تنتصف من اليمن ولم تزل قاهرة لها في كل شيء حتى كان يوم خزازى، فلم تزل نزار ممتنعه قاهرة لليمن في كل يوم التقو به بعد خزازى حتى جاء الإسلام، ولما انتصر كليب وفضّ جموع اليمن وهزمهم في هذه الوقعة اجتمعت عليه معد كلها وجعلوا له قسم المُلك وتاجه وتحيته وطاعته، وكان من بغيه أنه كان يحمي مواقع السحاب فلا يُرعى حماه، وكان له جرو كلب فإذا نزل بمكان فيه كلأ، قذف ذلك الجرو فيه فلا يرعى أحد من ذلك الكلأ امتداد عوائه فيختص هو به ويشاركهم في غيره، حتى ضرب العرب به المثل: فقالوا: (أعز من كليب وائل)، وكان يجير على الدهر فلا تخفر ذمته [انتهى قول ابن الأثير]. هنا يتضح لنا أن هذه الموقعة هي سبب عز كليب ومن ثم عز بني نزار من ربيعة ومُضَر، وفي ذلك النصر الخالد يقول كليب شعرًا يشيد بقبيلة غطفان من قيس عيلان من مُضَر بن نزار، ويشبههم بالأسود في ساحة الوغى والحرب والطعان. . . . . . . قال كليب: لقد عرفت قحطان صبري ونجدتي … غداة خزازى والحتوف دَوَان غداة شفيت النفس من ذل حِمْيَر … وأورثتها ذلًا بصدق طِعَان دلفت إليهم بالصفائح والقنا … على كل ليثٍ من بني غَطَفان ووائل قد جزت مقاديم يعرب … فصدقها في صحوها الثَقلان (٢)

стр. 3488

ويقول صاحب ذات الفروع (١) في الفخر بقبائل قيس قائلًا: وعيلان صفو الصفو من آل قيذر … إذا طاب في آل الذبيح التنسب جواد إذا مالغيث أخلف نوءه … وماج حريق بالأعاصير أنكب لعمري لقد أبقى لقيس شمائلًا … يقوم بها بيت الفخار المطنب هم القوم نبعة الجود منهمو … وغيرهمو فيا سلام وخلَّب وقد ملأت ما بين برقه عنوة … إلى الشحر من قيس ألوف مكتب وهم ماهمو في كل يوم كريهة … إذا جن نبع بالمنايا تغلب وفيهم رباط الأعوجيات والقنا … وأسيافهم فيها القضاء المجرَّب وهم جمرات الحرب لم يلف مثلهم … إذا لم يكن للناس في الأمر مذهب وجوههم تندى وتندي أكفهم … إذا لاح برق للمخيلين خلَّب سُلَيْم وعَدوان وفيهم تناولوا … مفاخر عز لم تنهلن يعرب قبائل من قيس عيلان فخم … لهم في العدى ناب خضيب ومخلب وقيس هم الفرسان ما زال منهم … إلى الموت خطّارون والموت ينهب وعبس وذبيان وأنْمار إنهم … لهم في العلا بيت الفخار المطنب ومَنْ مثل عبد الله والليث أشجع … إذا قيل في يوم الهياج ألا اركبو بَنَتْ غطفان المجد وارتقت العلا … نبعتها في قيس عيلان أصلب وإن أدع في عليا هوازن تأتني … قبائل أركى حين تُنمى وأحسب إلى أن قال: فتلك على الحالات قيس ولم يزل … لها القدح في المجد الذي لا يخيّب وقال جرير يفخر في قصيدة بقيس نذكر منها هذا البيت عن غطفان (٢): لن تدركوا غطفان، ولو أجريتم … يا ابن القيون، ولا بني منصور (وبني منصور هما سُلَيم وهوازن).

стр. 3489

وقال جرير شاعر قيس يفخر بقومه: أزرت ديار الحي أم لا تزورها … وإني من الحي الجماد فدورها فلا تأمنن الحي قيسًا فإنهم … بنو المحصنات لم تدنس حجورها ميامين خطَّارون يحمون نسوة … مناجيب تعلو في قريش مهورها ألا إنما قيس نجوم مضيئة … يشق دُجى الظلماء بالليل نورها تُعدُّ لقيس من قديم فعالهم … بيوت أواسيها طوال وسورها فوارس قيس يمنعون حماهم … وفيهم جبال العز صعب وعورها وقيس هم قيس الأعنة والقنا … وقيس حماة الخيل تدمى نحورها سُليم وذبيان وعبس وعامر … حصون إلى عز طوال عمورها ألم تر قيسا لا يرام لها حمى … ويقض بسلطان عليك أميرها ملوك وأخوال ملوك وفيهم … غيوث الحيا يحيي البلاد مطيرها فإن جبال العز من آل خِنْدف … لقيس فقد عزت وعز نصيرها (وخِنْدف هو الجذم الثاني من مُضَر وفيه عمود النسب لأن النبي ﷺ من خِنْدف). وقال جرير شاعر قيس عيلان يرد على الفرزدق شاعر بني تميم من خِنْدف: لا تهج قيسا ولكن لو شكرتهم … إن اللئيم لأهل السرو غياب قيس الطعان فلا تهجو فوارسهم … لحاجب وأبي القعقاع أرباب أقصر فإنك مالم تؤنسوا فزعًا … عند المراء خسيف النوك قبقاب فاسأل أقومك أم قومي هم ضربوا … هام الملوك وأهل الشرك أحزاب منا عتيبة فانظر من تعدله … والحارثان ومنا الردف عتاب

стр. 3490

وقال جرير أيضًا: والحي قيس بأعلى المجد منزلة … فاستكرموا من فروع زندها وأري قومي فأصلهم أصلي وفرعهم … فرعي وعقدهم عقدي وأمراري يقول زهير بن أبي سلمى من مُزينة من خِنْدف: إذا ابتدرت قيس عيلان غاية … من المجد، من يسبق إليها يسبق ويقول الشاعر الحطيئة العبسي الغطفاني (من قيس عيلان) (١): دع المكارم لا ترحل لبغيتها … واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي متى يفعل الخير لا يعدم جوازيه … لا يذهب العرف بين الله والناسِ وهذه الأبيات للحطيئة من قصيدة كان يهجو فيها الزبرقان بن بدر من بني تميم. وفي مقتل زهير العبسي من قبيلة غطفان وكان ملكًا عليها قال زهير قصيدة يمجِّد كلاب وسائر بني عامر من هوازن ويرد على خالد بن جعفر بن كلاب بعدما احتج عليه. وكانت هوازن من قيس عيلان في الجاهلية تدفع الإتاوة لزهير بن جذيمة بن رواحة العبسي سيد غطفان، فأرسل ابنه شأس إلى النعمان ملك الحيرة وفي عودته مر بماء من مياه (غني)، وهي قبيلة من قيس، فقتله رباح بن الأشل الغنوي، وهم حلفاء في بني عامر من هوازن، وجاء زهير وطلب من هوازن تسليم رباح لقتله والتخلي عن غني لقتالهم والثأر منهم، فكان خالد بن جعفر بن كلاب من بني عامر حاضرًا، وغني هم أخواله، فقال: والله ما رأينا كاليوم تعدي رجل على قومه

стр. 3491

(يقصد أن زهيرًا العبسي طغى وبغى على قبائل قيس التي هي من قومه لأنه عبسي من غطفان من قيس)، فخشع زهير ثم قال لخالد بن جعفر بن كلاب: هل لك؛ أن تكون طلبتي عندك وأترك غنيا؟. قال: نعم. فقال زهير شعرًا يمجِّد بني عامر من هوازن: فلولا كلاب قد أخذت قرينتي … بر غني أعبدا وماليا ولكن حمتهم عصبة عامرية … يهزون في الأرض القصار العواليا مساعير في الهيجا مصاليت في الوغى … أخوهم عزيز لا يخاف الأعاديا يقيمون في دار الحفاظ تكرما … إذا ما فني القوم أضحت فواليا فكانت هذه الأشعار من زهير العبسي وفيها يمجِّد بني عامر من هوازن، لأنهم أولًا وأخيرًا هم أبناء عمومته، وعزهم هو عزه وأصلهم هو أصله من قيس عيلان، ثم يشاء الله ويقدِّر أن يُقتل زهير العبسي على يد خالد بن جعفر بن كلاب من بني عامر من هوازن وكان زهير حينئذ عائدًا من سوق عكاظ بالحجاز، فقال ورقاء بن زهير: رأيت زهيرًا تحت كلكل خالد … فأقبلت أسعى كالعجول أبادر إلى بطلين يعتران كلاهما … يريد رياش السيف والسيف نادر فشلت يميني يوم أضرب خالدا … ويمنعه مني الحديد المظاهر فياليت أني قبل أيام خالد … وقبل زهير لم تلدني تماضر قلت: وتُماضر هي بنت الشريد شاعرة مشهورة من بني سُلَيْم بن منصور. ثم قال خالد بن جعفر الكلابي من بني عامر يمنُّ على هوازن بقتله لزهير العبسي: أبلغ هوازن كيف تكفر بعدما … أعتقتهم فتوالدوا أحرارا وقتلت ربهم زهيرًا بعدما … جدع الأنوف وأكثر الأوتارا وجعلت مهر نسائهم ودياتهم … عقل الملوك هجائنا وبكارا

стр. 3492

ثم قُتل خالد بن جعفر الكلابي بعد ذلك على يد الحارث بن ظالم المري من بني ذبيان من غطفان، فلما طالبت به هوازن استجار بيزيد بن عمرو فغدر به وقتله لغدره، لأنه كما قيل قد قتل خالدا وهو نائم. . فارتاحت هوازن. قال عنترة بن شداد يرثي الملك زهير بن جذيمة العبسي: خُسف البدر حين كان تماما … وخفي نوره فعاد ظلاما ودرارى النجوم غارت وغابت … وضياء الآفاق صار قتاما حين قالوا زهير ولى قتيلا … خيَّم الحزن عندنا وأقاما قد سقاهُ الزمان كأس حمام … وكذاك الزمان يسقي الحِماما (١) كان عوني وعدتي في الرزايا … كان درعي وذابلي والحساما (٢) يا جفوني إن لم تجودي بدمعٍ … لجعلت الكرى عليك حراما قسما بالذي أمات وأحيا … وتولى الأرواح والأجساما لا رفعت الحسام في الحرب حتى … أترك القوم في الفيافي عظاما يا بني عامر ستلقون برقا … من حسامي يجري الدماء سجاما وتضج النساء من خيفة السبي … وتبكي على الصغار اليتامى وقال أيضًا يرثي مالك بن زهير العبسي وكان صديقًا له: ألا يا غراب البين في الطيران … أعرني جناحًا قد عدمت بناني تُرى هل علمت اليوم مقتل مالك … ومصرعه في ذلةٍ وهوان فإن كان حقًّا فالنجوم لفقده … تغيب ويهوي بعده القمران (٣) لقد كان يومًا أسود الليل عابسًا … يخاف بلاه طارق الحدثان فلله عينًا من رأى مثل مالك … عقيرة قوم إن جرى فرسان فليتهما لم يجريا نصف فلوةٍ … وليتهما لم يُرسلا لرهان (٤)

стр. 3493

وليتهما كان جميعًا ببلدةٍ … وأخطاهما قيس فلا يريان فقد جلبا حينًا وحربًا عظيمةً … تبيد سراة القوم من غطفان وقال في حرب كانت بين بني عامر من هوازن وبين بني عبس من غطفان يذكر قتل زهير بن جذيمة العبسي: إذا نحن حالفنا شفار البواتر … وسمر القنا فوق الجياد الضوامر (١) على حرب قومٍ كان فينا كفاية … ولو أنهم مثل البحار الزواخر وما الفخر في جمع الجيوش وإنما … فخار الفتى تفريق جمع العساكر سلي يا ابنة الأعمام عني وقد أتت … قبائل كلب مع غنِيّ وعامر تموج كموج البحر تحت غمامةٍ … قد انتسجت من وقع ضرب الحوافر فولوا سراعا والقنا في ظهورهم … تشك الكلى بين الحشى والخواصر وبالسيف قد خلّفت في القفر منهم … عظامًا ولحمًا للنسور الكواسر وما راع قومي غير قول ابن ظالم … وكان خبيثًا قوله قول ماكر بغى وادعى أن ليس في الأرض مثله … فلما التقينا بان فخر المفاخر أحب بني عبس ولو هدروا دمي … محبة عبد صادق القول صابر وأدنو إذا ما أبعدوني وألتقي … رماح العدا عنهم وحر الهواجر (٢) تولى زهير والمقانب حوله … قتيلا وأطراق الرماح الشواجر (٣) وكان أجلّ الناس قدرًا وقد غدا … أجلَّ قتيل زار أهل المقابر فوا أسفا كيف أشتقي قلب خالد … بتاج بني عبس كرام العشائر وكيف أنام الليل من دون ثأره … وقد كان ذخري في الخطوب الكبائر

стр. 3494

والأشعار عن بني غطفان كثيرة في الجاهلية والإسلام، ومن غطفان شعراء جهابذة في الجاهلية والإسلام، نذكر النابغة الذبياني والحطيئة العبسي (١) وغيرهم ومن أراد الاطلاع والمزيد فليرجع إلى دواوين هؤلاء لينهل منها. وقد رشحنا في الموسوعة إبراز أشعار عنترة بن شداد العبسي من ديوانه الشهير، ومن شعره في المعلقات كم هو معروف في الجاهلية، وكان عنترة قبيل الإسلام بفترة وجيزة (٢)، وعنترة بن شداد بطل أسطورة ويُطلق عليه (أبا الفوارس) ولا تزال ذكراه في وجدان العرب لا تنسى - لم يمحها الدهر - وقد افتخرت به عبس وسائر غطفان بل وجلّ قيس عيلان، وما زالت ذكرى هذا البطل في أذهان بني رشيد في البوادي والحواضر، فهم ورثة عبس وأحفاده في جزيرة العرب. وقد ذُكر في أشعار البادية النبطيين من بني رشيد، وقد أسلفنا عن هذه الأشعار لنربط الحاضر بالماضي التليد. [من ديوان عنترة بن شداد] (٣) يقول سيف الدين الكاتب وأحمد عصام الكاتب: كانت أم عنترة أمَة حبشية تسمى (زبيبة)، ولعلها صارت إلى شداد العبسي في سبي، وقال أبو الفرج الأصبهاني في الأغاني: "وقد كان شداد نفاه مرة، ثم اعترف به فألحق بنسبه، وكانت العرب تفعل ذلك، تستعبد أولاد الإماء، فإن أنجب اعترفت به، وإلا بقي عبدا". عُرف عن عنترة من الشجاعة والمروءة والإقدام ما لم يُعرف عن سواه، حتى أصبح مضرب المثل في ذلك، لا يمارى في هذا أحد، وكان شهمًا كريم النفس، يعف عن المحارم حتى قال: وأغضّ طرفي إن بدت لي جارتي … حتى يواري جارتى مأواها

стр. 3495

فهذا خُلق حسن رفيع قلما كان يؤثر عن أهل الجاهلية مثله، فإذا تعرفنا ملامح عنترة العاشق. . عرفنا ثمَّ رجلًا متيمًا بعبلة إلى حد قوله في معلقته: ولقد ذكرتك والرماح نواهل … مني وبيض الهند تقطر من دمي فوددت تقبيل السيوف لأنها … لمعت كبارق ثغرك المتبسمِ ثم هو لا يلتفت إلى سواها مهما بلغ بها الحسن والجمال والبهاء. . فأنت حيال فارس لا يعرف المساومة ولا المهادنة، ومن هنا فقد كانت فروسية عنترة قائمة في عشقه، وكان عشقه ماثلًا في فروسيته، توأمان لا يملكان فكاكًا. ونحن بينهما قراء لهذا التراث الشعري الفريد، الذي أثرى العربية أيما إثراء. ولقد اجتمع إلى شجاعة عنترة (١) وحبه عناصر أخرى .. جعلت من حياة هذا الفارس مادة للقصة أو السيرة، حتى بلغت مبلغ الأسطورة. . . . وتداولها الناس جيلًا بعد جيل منذ أن دونها يوسف بن إسماعيل المصري على عهد العزيز بالله الفاطمي (بعد عام ٤٠٠ هـ) في القاهرة. ويبقى عنترة في شعره أمانة في رقبة الأجيال .. ولطالما تتكشف للنقاد كل يوم جوانب جديدة ومضيئة في حياة هذا الفارس الشاعر فإنه خليق بذلك حقا .. وسوف يدرك ذلك من يتاح له أن يطالع هذه الأشعار: قلت وسنرشح أشعارًا من ديوان عنترة بن شداد نذكر منها التالي:

стр. 3496

" أنا الموت" قال شيبوب لأخيه عنترة وهو يتوعد قومًا بالحرب: ألا تخش الموت يا أخي؟ فأنشأ عنترة العبسي يقول: إذا لم أروي صارمي من دم العدا … ويصبح من إفرنده الدم يقطرُ (١) فلا كحلت أجفان عيني بالكرى … ولا جاءني من طيف عبلة مخبرُ إذا ما رآني الغرب ذل لهيبتي … وما زال باع الشرق عني يقصرُ أنا الموت إلا أنني غير صابر … على أنفس الأبطال والموت يصبرُ أنا الأسد الحامي حمى من يلوذ بي … وفعلي له وصف إلى الدهر يذكرُ إذا ما لقيت الموت عممت رأسه … بسيف على شرب الدما يتجوهرُ سوادي بياض حين تبدو شمائلي … وفعلي له وصف إلى الدهر يذكرُ ألا فليعش جاري عزيزًا وينثني … عدوي ذليلًا نادمًا يتحسرُ هزمت تميمًا ثم جندلت كبشهم … وعدت وسيفي من دم القوم أحمرُ (٢) بني عبس سودوا في القبائل وافخروا … بعبد له فوق السماكين منبرُ (٣) إذا ما منادي الحي نادى أجبته … وخيل المنايا بالجماجم تعثرُ سل المشرفي الهنداوني في يدي … يخبرك عني أننى أنا عنترُ وفي قصيدة أخرى بها بيت شهير هو: وسيفي كان في الهيجا طبيبًا … يداوي رأس من يشكو الصداعا قال عنترة: في يوم المصانع قد تركنا … لنا بفعالنا خبرًا مشاعا أقمنا بالذوابل سوق حرب … وصيرنا النفوس لها متاعا (٤) وسيفي كان في الهيجا طبيبًا … يداوى رأس من يشكو الصداعا أنا العبد الذي خبرت عنه … وقد عاينتني فدع السماعا

стр. 3497

ولو أرسلت رمحي مع جبان … لكان بهيبي يلقى السباعا ملأت الأرض خوفًا من حسامي … وخصمي لم يجد فيها اتساعا إذا الأبطال فرَّت خوف بأسي … ترى الأقطار باعًا أو ذراعا وقال عنترة في صباه: لئن أك أسودًا فالمسك لوني … وما لسواد جلدي من دواء ولكن تبعد الفحشاء عني … كبعد الأرض عن جو السماء وقال أيضًا قصيدة تعبر عن اعتزازه بنفسه في صباه: مادمت مرتقيا إلى العلياء … حتى بلغت إلى ذرى الجوزاء فهاك لا ألوي على من لامني … خوف الممات وفرقة الأحياء فلأغضبن عواذلي وحواسدي … ولأصبرن على قلى وجواء (١) ولأجهدنّ على اللقاء لكي أرى … ما أرتجيه أو يحين قضائي ولأحمينّ النفس عن شهواتها … حتى أرى ذا ذمة ووفاء من كان يجحدني فقد برح الخفا … ما كنت أكتمه عن الرقياء ما ساءني لوني واسم زبيبة … إن قصّرت عن همتي أعدائي (٢) فلئن بقيت لأصنعن عجائبا … ولأبكمنّ بلاغة الفصحاء وقال عنترة: كم يبعد الدهر من أرجو أقاربه … عني ويبعث شيطانا أحاربه فياله من زمان كلما انصرفت … صروفه فتكت فينا عواقبه دهر يرى الغدر من إحدى طبائعه … فكيف يهنا به حر يصاحبه كم ليلة سرتُ في البيداء منفردا … والليل للغرب قد مالت كواكبه

стр. 3498

سيفي أنيسي ورمحي كلما نهمت … أسد الدحال إليها مال جانبه (١) وكم غدير مزجت الماء فيه دما … عند الصباح وراح الوحش طالبه يا طامعًا في هلاكي عد بلا طمعٍ … ولا ترد كأس حتف أنت شاربه وقال يتوعد النعمان بن المنذر ملك الحيرة ويفتخر بقوله: لا يحمل الحقد من تعلو به الرتب … ولا ينال العُلا مَنْ طبعه الغضبُ ومَنْ يكن عبد قوم لا يخالفهم … إذا جفوه ويسترضي إذا عتبوا قد كنت فيما مضى أرعى جِمالهم … واليوم أحمي حماهم كلما نكبوا لله درُّ بني عبس لقد نسلوا … من الأكارم ما قد تنسل العربُ لئن يعيبوا سوادي فهو لي نسبُ … يوم النزال إذا ما فاتني النسبُ إن كنت تعلم يا نعمان أي فتًى … يلقى أخاك الذي قد غرَّهُ العصبُ فتًى يخوض غمار الحرب مبتسما … وينثني وسنان الرمح مختضبُ إن سلَّ صارمه سالت مضاربه … وأرشق الجو وانشقت له الحجبُ (٢) والخيل تشهد لي أنَّ أكفكفها … والطعن مثل شرار النار يلتهبُ (٣) إذا التقيت الأعادي يوم معركة … تركت جمعهم المغرور يُنتهبُ (٤) لي النفوس وللطير اللحوم … وللوحش العظام وللخيالة السلبُ (٥) لا أبعد الله عن عيني غطارفةً … إنسًا إذا نزلوا جنًّا إذا ركبوا (٦) أسود غاب ولكن لا نيوب لهم … إلا الأسنة والهندية القضبُ (٧) مازلت ألقى صدور الخيل مندفعا … بالطعن حتى يضج السرج واللببُ (٨)

стр. 3499

فالعمى لو كان في أجفانهم نظروا … والخرس لو كان في أفواهم خطبوا والنقع يوم طراد الخيل يشهد لي … والضرب والطعن والأقلام والكتبُ وقال يفتخر: إذا كان أمر الله أمرًا يقدر … فكيف يفر المرءُ منه ويحذرُ ومن ذا يردُّ الموت أو يدفع القضا … وضربته محتومة ليس تعبرُ لقد هان عندي الدهر لما عرفته … وإني بما تأتي الملمات أخبرُ وليس سباع البر مثل ضباعه … ولا كل من خاض العجاجة عنترُ سلوا صرف هذا الدهر كم شنّ غارة … ففرجتها والموت فيها مشمّرُ بصارم عزم لو ضربت بحده … دجى الليل ولّى وهو بالنجم يعثرُ دعوني أجدُّ السعي في طلب العلا … فأدرك سؤلي أو أموت فأعذرُ ولا تختشوا مما يقدر في غدٍ … فما جاءنا من عالم الغيب مُخبرُ وكم من نذير قد أتانا محذرًا … فكان رسولا في السرور يبشرُ قفي وانظري يا عبل فعلي وعايني … طعاني إذا ثار العجاج المكدّرُ تري بطلا يلقى الفوارس ضاحكًا … ويرجع عنهم وهو أشعث أغبرُ ولا ينثني حتى يخلي جماجما … تمر بها ريح الجنوب فتصفرُ وأجساد قوم يسكن الطير حولها … إلى أن يرى وحش الفلاة فينفرُ وقال يتوعد جموع الأعاجم من الفُرس: وغدًا يمرُ على الأعاجم من يدي … كأس أمرُّ من السموم نقيعها وأذيقها طعنًا تذل لوقعه … ساداتها ويشيب منه رضيعها وإذا جيوش الكسرويِّ تبادرت … نحوي وأبدت ما تكن ضلوعها قاتلتها حتى تمل ويشتكي … كرب الغبار رفيعها ووضيعها

стр. 3500

فيكون للأسد الضواري لحمها … ولمن صحبنا جيلها ودروعها يا عبل لو أن المنية صوِّرت … لغدا إليَّ سجودها وركوعها وسطت بسيفي في النفوس … مبيدةً من لا يجيب مقالها ويطيعها وقال أيضًا في حرب كانت بين عبس والأعاجم: يا عبل قرّي بوادي الرّمل آمنةً … من العداة وإن خُوِّفت لا تخفي فدون بيتك أسد في أناملها … بيض تقد أعالي البيض والحجفِ (١) للهِ درُّ بني عبس لقد بلغوا … كل الفخار ونالوا غاية الشَّرَفِ خافوا من الحرب لمّا أبصروا فرسي … تحت العجاجة يهوي بي إلى التلفِ ثم اقتفوا أثري من بعد ما علموا … أن المنية سهم غير منصرفِ خضت الغبار ومهري أدهم … فعاد مختضبًا بالدّم والجيفِ ما زلت أنصف خصمي وهو يظلمني … حتى غدا من حسامي غير منتصفِ وإن يعيبوا سوادًا قد كسيت به … فالدر يستره ثوب من الصدفِ وقال عنترة في إحدى غاراته: ولما أوقدوا نار المنايا … بأطراف المثقفة العوالي طغاها أسود من آل عبس … بأبيض صارم حسن الصقالِ إذا ما سلّ سال دما نجيعًا … ويخرقُ حدُّه صُمَّ الجبالِ وأسمر كلما رفعته كفي … يلوح سنانه مثل الهلالِ تراه إذا تلوي في يمني … تسابقهُ المنيَّة في شمالي ضمنت لك الضمان ضمان صدقٍ … واتبعت المقالة بالفعالِ وفرقت الكتائب عند ضربٍ … تخر له صناديد الرجالِ ملأت الأرض خوفًا من حسامي … فبارت الناس في قيل وقال

стр. 3501

وكانت بنو طيئ قد أغارت على بني عبس فأصابوا منهم وقتلوا أنفارًا من الحي وسبوا نساءً كثيرة، وكان عنترة معتزلًا عنهم في ناحية من إبله على فرس له فمر به أبوه فقال: ويك يا عنترة كُرَّ، فقال عنترة: العبد لا يحسن الكر وإنما يحسن الحلب والصر، فقال كرّ وأنت حر. فكرّ وحده وهبت في أثره رجال عبس فهزم السرية المغيرة واستنقذ الغنيمة من أيديهم وقال في ذلك: عقاب الهجر أعقب لي الوصالا … وصدق الصبر أظهر لي المحالا عتِبْتُ الدهر كيف يُذلُ مثلي … ولي عزم أقُدُّ به الجبالا أنا الرجل الذي خُبِّرت عنه … وقد عاينت مع خبري الفعالا غداة أتت بنو طيئ وكلبٍ … تهز بكفها السُّمر الطوالا بجيش كلما لاحظت فيه … حسبت الأرض قد ملئت رجالا وداسوا أرضنا بمضمرات … فكان صليلها قيلًا وقالا (١) تولوا جفَّلا منا حيارى … وفاتوا الظعن منهم والرحالا (٢) وما حملت ذوو الأنساب ضيمًا … ولا سمعت لداعيها مقالا وما ردَّ الأعنة غير عبدٍ … ونار الحرب تشتعل اشتعالا بطعن ترعد الأبطال منه … لشدته فتجتنب القتالا صدمت الجيش حتى كلّ مُهري … وعدت فما وجدت لهم ظلالا وراحت خيلهم من وجه سيفي … خفافا بعد ما كانت ثقالا تدوس على الفوارس وهي تعدو … وقد أخذت جماجمهم نعالا وكم بطل تركت بها طريحًا … يحرك بعد يمناه الشمالا وخلّصت العذارى والغواني … وما أبقيت مع أحدٍ عقالا كانت أمه زبيبة كثيرًا ما تعنِّفه على ركوب الأخطار في الوقائع والحروب خوفًا عليه من القتل فتذكَّر كلامها يومًا وهو في بعض المعامع فقال:

стр. 3502

تعنفني زبيبة في الملام … على الإقدام في يوم الزحام تخاف عليَّ أن ألقى حمامي … بطعن الرمح أو ضرب الحسام مقال ليس تقبله كرام … ولا يرضى به غير اللئام يخوض الشيخ في بحر المنايا … ويرجع سالمًا والبحر طام ويأتي الموت طفلا في مهودٍ … ويلقى حتفه قبل الفطام فلا ترضى بمنقصة وذلٍ … وتقنع بالقليل من الحطام فعيشك تحت ظل العز يومًا … ولا تحت المذلة ألف عام وقال أيضًا في حربه مع العجم: سلي يا ابنة العبسي رمحي وصارمي … وما فعلا في يوم حرب الأعاجم سقيتهما والخيل تعثر بالقنا … دماء العدا ممزوجةً بالعلاقم وفرقت جيشًا كان في جنبانه … دمادمم رعد تحت برق الصوارم على مهرةٍ منسوبةٍ عربيةٍ … تطير إذا اشتد الوغى بالقوائم وتصهل خوفًا والرماح قواصد … إليها وتنسل انسلال الأراقم قحمت بها بحر المنايا فحمحمت … وقد غرقت في موجه المتلاطم أحب بني عبس ولو هدروا دمي … لأجلك يا بنت السراة الأكارم وأحمل ثقل الضيم والضيم جائر … وأظهر أني ظالم وابن ظالم وقال عنترة في قصيدة له في حرب كانت بين العرب والعجم: خلقت من الجبال أشد قلبًا … وقد تفنى الجبال ولست أفنى أنا الحصن المشيد لآل عبسٍ … إذا ما شادت الأبطال حصنا شبيه الليل لوني غير أني … بفعلي من بياض الصبح أسنى جوادي نسبتي وأبي وأمي … حسامي والسنان إذا انتسبنا

стр. 3503

وقال في إحدى غاراته هذه الأبيات الرائعة التي تعبر عن بطولته وحكمته: حكم سيوفك في رقاب العُذَّل … وإذا نزلت بدار ذلٍ فارحلِ وإذا بليت بظالم كن ظالمًا … وإذا لقيت ذوي الجهالة فاجهلِ وإذا الجبان نهاك يوم كريهة … خوفًا عليك من ازدحام الجحفلِ فاعصِ مقالته ولا تحفل بها … وأقدم إذا حقَّ اللقاء في الأولِ واختر لنفسك منزلًا تعلو به … أو مت كريمًا تحت ظل القسطلِ فالموت لا ينجيك من آفاته … حصن ولو شيدته بالجندلِ موت الفتى في عزِّ خير له … من أن يبيت أسير طرفٍ أكحلِ إن كنت في عدد العبيد فهمتي … فوق الثريا والسِّماك الأعزلِ أو أنكرَت فرسان عبس نسبتي … فسنان رمحي والحسام يقر لي وبذابلي ومهندي نلت العلا … لا بالقرابة والعديد الأجزلِ (١) ورميت مهري في العجاج فخاضه … والنار تقدح من شفار الأنصلِ (٢) خاض العجاج محجلًا حتى إذا … شهد الوقيعة عاد غير محجلِ (٣) ولقد نكبت بني حريقة نكبة … لما طعنت صميم قلب الأخيلِ (٤) وقتلت فارسهم ربيعة عنوة … والهيذبان وجابر بن مهلهلِ وابني ربيعة والحُريس ومالكًا … والزبرقان غدًا طريح الجندلِ وأنا ابن سوداء الجبين كأنها … ضبع ترعرع في رسوم المنزلِ الساق منها مثل ساق نعامةٍ … والشعر منها مثل حبِّ الفلفلِ

стр. 3504

والثغر من تحت اللثام كأنه … برق تلألأ في الظلام المسدلِ يا نازلين على الحمى ودياره … هلَّا رأيتم في الديار تقلقلي قد طال عزكم وذُلِّي في الهوى … ومن العجائب عزكم وتذللي لا تسقني ماء الحياة بذلَّةٍ … بل فاسقني بالعزِّ كأس الحنضلِ ماء الحياةِ بذلةٍ كجهنم … وجهنم بالعز أطيب منزلِ وقال أيضًا: حاربتني يا نائبات الليالي … عن يميني وتارة عن شمالي واجهدي في عداوتي وعنادي … أنت والله لم تلمِّي ببالي إن لي همة أشد من الصخور … وأقوى من راسيات الجبالِ وسنانًا إذا تعسفت في الليل … هداني وردني عن ضلالي (١) وجوادًا ما سار إلا سرى البرق … وراه من اقتداح النعالِ (٢) أدهم بصدع الدجى بسوادٍ … أين عينيه غرة كالهلالِ (٣) يفتديني بنفسه وأفديه … بنفْسي يوم القتال ومالي وإذا قام سوق حرب العوالي … وتلظى بالمرهفات الصقالِ كنت دلّالها وكان سناني … تاجرًا يشتري النفوس الغوالي يا سباع الفلا إذا اشتعل الحرب … اتبعيني من القفار الخوالي اتبعيني تري دماء الأعادي … سائلاتٍ بين الربى والرمالِ ثم عودي من بعد ذا واشكريني … واذكري ما رأيته من فعالي وخذي من جماجم القوم قوتًا … لبنيك الصغار والأشبالِ خرج عنترة على قومه غضبان فنزل على بني عامر من هوازن وأقام فيهم زمانًا، فأغارت جُشَم من هوازن على ديار قومه (عبس) من غطفان، وكان على

стр. 3505

جُشم يومئذ دريد بن الصِّمة الجُشَمي، فأرسل قيس بن زهير وكان سيد عبس يستنجد عنترة فأبى وامتنع. ولما عظم الخطب على بني عبس خرجت إليه جماعة من نساء القبيلة من جملتهن الجمانة بنت قيس، فلما قدمن عليه طلبن أن ينهض معهن لمقاومة العدو وإلا انقطعت العشيرة وتشتت شملها. فاحتمس ونهض من وقته طالبًا ديار قومه وأنشأ يقول: سكتُّ فغرَّ أعدائي السكوت … وظنُّوني لأهلي قد نسيت وكيف أنام عن سادات قومٍ … أنا في فضل نعمتهم ربيت (١) وإن دارت بهم خيل الأعادي … ونادوني أجبت متى دُعيت (٢) بسيفٍ حدُه موج المنايا … ورمحٍ صدره الحتف المميت (٣) خُلقت من الحديد أشد قلبًا … وقد بلى الحديد وما بليت وإني قد شربت دم الأعادي … بأقحاف الرءوس وما رويت (٤) وفي الحرب العوان وُلدِتُ طفلًا … ومن لبن المعامع قد سُقيت (٥) فما للرمح في جسمي نصيب … ولا للسيف في أعضاي قوت (٦) ولي بيت علا فلك الثريا … تخر لعظم هيبته البيوت وقال عند خروجه إلى بلاد العراق في طلب النوق العصافيرية مهر عبلة: أيا عبلُ مني بطيف الخيال … على المستهام وطيب الرقاد عسى نظرة منك تحيي بها … حشاشة ميت الجفا والبعاد وحقِّكِ لا زال ظهر الجواد … مقيلي وسيفي ودرعي وسادي (٧)
следующие страницы →