وكانت بنو طيئ قد أغارت على بني عبس فأصابوا منهم وقتلوا أنفارًا من الحي وسبوا نساءً كثيرة، وكان عنترة معتزلًا عنهم في ناحية من إبله على فرس له فمر به أبوه فقال: ويك يا عنترة كُرَّ، فقال عنترة: العبد لا يحسن الكر وإنما يحسن الحلب والصر، فقال كرّ وأنت حر. فكرّ وحده وهبت في أثره رجال عبس فهزم السرية المغيرة واستنقذ الغنيمة من أيديهم وقال في ذلك:
عقاب الهجر أعقب لي الوصالا … وصدق الصبر أظهر لي المحالا
عتِبْتُ الدهر كيف يُذلُ مثلي … ولي عزم أقُدُّ به الجبالا
أنا الرجل الذي خُبِّرت عنه … وقد عاينت مع خبري الفعالا
غداة أتت بنو طيئ وكلبٍ … تهز بكفها السُّمر الطوالا
بجيش كلما لاحظت فيه … حسبت الأرض قد ملئت رجالا
وداسوا أرضنا بمضمرات … فكان صليلها قيلًا وقالا (١)
تولوا جفَّلا منا حيارى … وفاتوا الظعن منهم والرحالا (٢)
وما حملت ذوو الأنساب ضيمًا … ولا سمعت لداعيها مقالا
وما ردَّ الأعنة غير عبدٍ … ونار الحرب تشتعل اشتعالا
بطعن ترعد الأبطال منه … لشدته فتجتنب القتالا
صدمت الجيش حتى كلّ مُهري … وعدت فما وجدت لهم ظلالا
وراحت خيلهم من وجه سيفي … خفافا بعد ما كانت ثقالا
تدوس على الفوارس وهي تعدو … وقد أخذت جماجمهم نعالا
وكم بطل تركت بها طريحًا … يحرك بعد يمناه الشمالا
وخلّصت العذارى والغواني … وما أبقيت مع أحدٍ عقالا
كانت أمه زبيبة كثيرًا ما تعنِّفه على ركوب الأخطار في الوقائع والحروب خوفًا عليه من القتل فتذكَّر كلامها يومًا وهو في بعض المعامع فقال:
стр. 3502
تعنفني زبيبة في الملام … على الإقدام في يوم الزحام
تخاف عليَّ أن ألقى حمامي … بطعن الرمح أو ضرب الحسام
مقال ليس تقبله كرام … ولا يرضى به غير اللئام
يخوض الشيخ في بحر المنايا … ويرجع سالمًا والبحر طام
ويأتي الموت طفلا في مهودٍ … ويلقى حتفه قبل الفطام
فلا ترضى بمنقصة وذلٍ … وتقنع بالقليل من الحطام
فعيشك تحت ظل العز يومًا … ولا تحت المذلة ألف عام
وقال أيضًا في حربه مع العجم:
سلي يا ابنة العبسي رمحي وصارمي … وما فعلا في يوم حرب الأعاجم
سقيتهما والخيل تعثر بالقنا … دماء العدا ممزوجةً بالعلاقم
وفرقت جيشًا كان في جنبانه … دمادمم رعد تحت برق الصوارم
على مهرةٍ منسوبةٍ عربيةٍ … تطير إذا اشتد الوغى بالقوائم
وتصهل خوفًا والرماح قواصد … إليها وتنسل انسلال الأراقم
قحمت بها بحر المنايا فحمحمت … وقد غرقت في موجه المتلاطم
أحب بني عبس ولو هدروا دمي … لأجلك يا بنت السراة الأكارم
وأحمل ثقل الضيم والضيم جائر … وأظهر أني ظالم وابن ظالم
وقال عنترة في قصيدة له في حرب كانت بين العرب والعجم:
خلقت من الجبال أشد قلبًا … وقد تفنى الجبال ولست أفنى
أنا الحصن المشيد لآل عبسٍ … إذا ما شادت الأبطال حصنا
شبيه الليل لوني غير أني … بفعلي من بياض الصبح أسنى
جوادي نسبتي وأبي وأمي … حسامي والسنان إذا انتسبنا
стр. 3503
وقال في إحدى غاراته هذه الأبيات الرائعة التي تعبر عن بطولته وحكمته:
حكم سيوفك في رقاب العُذَّل … وإذا نزلت بدار ذلٍ فارحلِ
وإذا بليت بظالم كن ظالمًا … وإذا لقيت ذوي الجهالة فاجهلِ
وإذا الجبان نهاك يوم كريهة … خوفًا عليك من ازدحام الجحفلِ
فاعصِ مقالته ولا تحفل بها … وأقدم إذا حقَّ اللقاء في الأولِ
واختر لنفسك منزلًا تعلو به … أو مت كريمًا تحت ظل القسطلِ
فالموت لا ينجيك من آفاته … حصن ولو شيدته بالجندلِ
موت الفتى في عزِّ خير له … من أن يبيت أسير طرفٍ أكحلِ
إن كنت في عدد العبيد فهمتي … فوق الثريا والسِّماك الأعزلِ
أو أنكرَت فرسان عبس نسبتي … فسنان رمحي والحسام يقر لي
وبذابلي ومهندي نلت العلا … لا بالقرابة والعديد الأجزلِ (١)
ورميت مهري في العجاج فخاضه … والنار تقدح من شفار الأنصلِ (٢)
خاض العجاج محجلًا حتى إذا … شهد الوقيعة عاد غير محجلِ (٣)
ولقد نكبت بني حريقة نكبة … لما طعنت صميم قلب الأخيلِ (٤)
وقتلت فارسهم ربيعة عنوة … والهيذبان وجابر بن مهلهلِ
وابني ربيعة والحُريس ومالكًا … والزبرقان غدًا طريح الجندلِ
وأنا ابن سوداء الجبين كأنها … ضبع ترعرع في رسوم المنزلِ
الساق منها مثل ساق نعامةٍ … والشعر منها مثل حبِّ الفلفلِ
стр. 3504
والثغر من تحت اللثام كأنه … برق تلألأ في الظلام المسدلِ
يا نازلين على الحمى ودياره … هلَّا رأيتم في الديار تقلقلي
قد طال عزكم وذُلِّي في الهوى … ومن العجائب عزكم وتذللي
لا تسقني ماء الحياة بذلَّةٍ … بل فاسقني بالعزِّ كأس الحنضلِ
ماء الحياةِ بذلةٍ كجهنم … وجهنم بالعز أطيب منزلِ
وقال أيضًا:
حاربتني يا نائبات الليالي … عن يميني وتارة عن شمالي
واجهدي في عداوتي وعنادي … أنت والله لم تلمِّي ببالي
إن لي همة أشد من الصخور … وأقوى من راسيات الجبالِ
وسنانًا إذا تعسفت في الليل … هداني وردني عن ضلالي (١)
وجوادًا ما سار إلا سرى البرق … وراه من اقتداح النعالِ (٢)
أدهم بصدع الدجى بسوادٍ … أين عينيه غرة كالهلالِ (٣)
يفتديني بنفسه وأفديه … بنفْسي يوم القتال ومالي
وإذا قام سوق حرب العوالي … وتلظى بالمرهفات الصقالِ
كنت دلّالها وكان سناني … تاجرًا يشتري النفوس الغوالي
يا سباع الفلا إذا اشتعل الحرب … اتبعيني من القفار الخوالي
اتبعيني تري دماء الأعادي … سائلاتٍ بين الربى والرمالِ
ثم عودي من بعد ذا واشكريني … واذكري ما رأيته من فعالي
وخذي من جماجم القوم قوتًا … لبنيك الصغار والأشبالِ
خرج عنترة على قومه غضبان فنزل على بني عامر من هوازن وأقام فيهم زمانًا، فأغارت جُشَم من هوازن على ديار قومه (عبس) من غطفان، وكان على
стр. 3505
جُشم يومئذ دريد بن الصِّمة الجُشَمي، فأرسل قيس بن زهير وكان سيد عبس يستنجد عنترة فأبى وامتنع. ولما عظم الخطب على بني عبس خرجت إليه جماعة من نساء القبيلة من جملتهن الجمانة بنت قيس، فلما قدمن عليه طلبن أن ينهض معهن لمقاومة العدو وإلا انقطعت العشيرة وتشتت شملها. فاحتمس ونهض من وقته طالبًا ديار قومه وأنشأ يقول:
سكتُّ فغرَّ أعدائي السكوت … وظنُّوني لأهلي قد نسيت
وكيف أنام عن سادات قومٍ … أنا في فضل نعمتهم ربيت (١)
وإن دارت بهم خيل الأعادي … ونادوني أجبت متى دُعيت (٢)
بسيفٍ حدُه موج المنايا … ورمحٍ صدره الحتف المميت (٣)
خُلقت من الحديد أشد قلبًا … وقد بلى الحديد وما بليت
وإني قد شربت دم الأعادي … بأقحاف الرءوس وما رويت (٤)
وفي الحرب العوان وُلدِتُ طفلًا … ومن لبن المعامع قد سُقيت (٥)
فما للرمح في جسمي نصيب … ولا للسيف في أعضاي قوت (٦)
ولي بيت علا فلك الثريا … تخر لعظم هيبته البيوت
وقال عند خروجه إلى بلاد العراق في طلب النوق العصافيرية مهر عبلة:
أيا عبلُ مني بطيف الخيال … على المستهام وطيب الرقاد
عسى نظرة منك تحيي بها … حشاشة ميت الجفا والبعاد
وحقِّكِ لا زال ظهر الجواد … مقيلي وسيفي ودرعي وسادي (٧)
стр. 3506
إلى أن أدوس بلاد العراق … وأفني حواضرها والبوادي
إذا قام سوق لبيع النفوس … ونادى وأعلن فيها المنادي
وأقبلت الخيل تحت الغبار … بوقع الرماح وضرب الحداد
هنالك أصدم فرسانها … فترجع مخذولة كالعماد (١)
وأرجع والنوق موقورة … تسير الهوينا وشيبوب حاد (٢)
وتسهر لي أعين الحاسدين … وترقد أعين أهل الوداد
وقال يفخر ببني عبس:
وما زال الشباب ولا اكتهلنا … ولا أبلي الزمان لنا جديدا
وما زالت صوارمنا حدادًا … تقدُّ بها أناملنا الحديدا
ملأنا سائر الأقطار خوفًا … فأضحى العاملون لنا عبيدا
وجاوزنا الثُّريا في علاها … ولم نترك لقاصدنا وفودا
إذا بلغ الفطام لنا صبي … تخر له أعادينا سجودا (٣)
فمن يقصد بداهيةٍ إلينا … يرى منا جبابرة أسودا
ويوم البذل نعطي ما ملكنا … ونملأ الأرض إحسانًا وجودا
وننعل خيلنا في كل حرب … عظامًا داميات أو جلودا
فهل من يبلغ النعمان عنا … مقالًا سوف يبلغه رشيدا
إذا عادت بنو الأعجام تهوي … وقد ولّت ونكّست البنودا (٤)
وقال يفخر بنفسه بعد أن بلغه أسر ولديه غصوب وميسرة مع صديقه عروة بن الورد العبسي في حصن العقاب باليمن وخرج لخلاصهم:
стр. 3507
غير أني مثل الحسام إذا ما … زاد صقلًا جاد يوم جلاد (١)
حنكتني نوائب الدهر حتى … أوقفتني على طريق الرشاد
ولقيت الأبطال في كل حرب … وهزمت الرجال في كل واد
وتركت الفرسان صرعى بطعن … من سنان يحكي رءوس المزاد (٢)
وحسام قد كنت من عهد شداد … قديمًا وكان من عهد عاد
وقهرت الملوك شرقًا وغربًا … وأبدت الأقران يوم الطراد
قلّ صبري على فراق غصوب … وهو قد كان عدتي واعتمادي
وكذا عروة وميسرة حامي … حمانا عند اصطدام الجياد
لأفكنَّ أسرهم عن قريب … من أيادي الأعداء والحساد
وقال في قصيدة معروفة بالعقيقة:
بين العقيق وبين بقرة ثهمد … طلل لعبلة مستل المعهد (٣)
إلى أن قال:
وتنوفه مجهولة قد خضتها … بسنان رمح ناره لم تخمدِ (٤)
باكرتها في فتيةٍ عبسية … من كل أروع في الكريهة أصيدِ (٥)
وترى بها الرايات تخفق والقنا … وترى العجاج كمثل بحر مزبدِ
فهناك تنظر آل عبس موقفي … والخيل تعثر بالوشيج الأملدِ (٦)
وبوارق البيض الرقاق لوامع … في عارض مثل الغمام المرعدِ (٧)
وذوابل السمر الدقاق كأنها … تحت القتام نجوم ليلٍ أسودِ (٨)
وحوافر الخليل العتاق على الصفا … مثل الصواعق في قفار الفدفدِ (٩)
стр. 3508
باشرت موكبها وخضت غبارها … وطفئت جمر لهيبها المتوقدِ
وكررت والأبطال بين تصادمٍ … وتهاجم وتحزبٍ وتشددِ
وفوارس الهيجاء بين ممانعٍ … ومدافعٍ ومخادعٍ ومعربدِ
والبيض تلمع والرماح عواسل … والقوم بين مجدلٍ ومقيّدِ (١)
وموسَّد تحت التراب وغيرهُ … فوق التراب يئن العنان الأربدِ (٢)
أقحمت مهري تحت ظل عجاجةٍ … بسنان رمح ذابل ومهنَّدِ
ورغمت أنف الحاسدين بسطوتي … فغدوا لها من راكعين وسجّدِ
وقال عنترة أيضًا يفتخر بفروسيته:
كم فارس غادرت يأكل لحمه … ضاري الذئاب وكاسرات الأنسر
أفري الصدور بكل طعن هائل … والسابغات بكل ضرب منكر (٣)
وإذا ركبت ترى الجبال تضج من … ركض الخيول وكل قطر موعر
وإذا غزوت تحوم عقبان الفلا … حولي فتطعم كبد كل غضنفر
ولكم خطفت مدرَّعا من سرجه … في الحرب وهو بنفسه لم يشعر
ولكم وردت الموت أعظم موردٍ … وصدرت عنه فكان أعظم مصدر
يا عبل لو عاينت فعلي في العدا … من كل شلو بالتراب معفّر (٤)
والخيل في وسط المضيق تبادرت … نحوي كمثل العارض المتفجر
من كل أدهم كالرياح إذا جرى … أو أشهب عالي المطا أو أشقر (٥)
فصرخت فيهم صرخة عبسيةً … كالرعد تدوي في قلوب العسكر
وعطفت نحوهم وصلْتُ عليهم … وصدمت موكبهم بصدر الأبجر
وطرحتهم فوق الصعيد كأنهم … أعجاز نخل في حضيض المحجر
ودماؤهم فوق الدروع تخضبت … منها فصارت كالعقيق الأحمر
ولربما عثر الجواد بفارس … ويخال أن جواده لم يعثر
стр. 3509
وقال يتوعد بني زبيد في قصيدة بها دعوة للشجاعة والكرم لفتيان قومه:
إذا قنع الفتى بذميم عيشٍ … وراء سجفٍ كالبنات (١)
ولم يهجم على أسد المنايا … ولم يطعن صدور الصافنات (٢)
ولم يقرِ الضيوف إذا أتوه … ولم يرو السيوف من الكماة (٣)
ولم يبلغ بضرب الهام مجدًا … ولم يك صابرًا في النائبات
فقل للناعيات إذا بكته … ألا فأقصرن ندب النادبات (٤)
ولا تندبن إلا ليث غابٍ … شجاعًا في الحروب الثائرات (٥)
دعوني في القتال أمت عزيزًا … فموت العز خير من حياتي
لعمري ما الفخار بكسب مالٍ … ولا يدعي الغني من السراة (٦)
ستذكرني المعامع كل وقت … على طول الحياة إلى الممات
فذاك الذكر يبقى ليس يفنى … مدى الأيام في ماضٍ وآت
وإني اليوم أحمي عرض قومي … وأنصر آل عبس على العداة
وآخذ ما لنا منهم بحرب … تخر لها متون الراسيات (٧)
وأترك كل نائحة تنادي … عليهم بالتفرق والشتات (٨)
стр. 3510
ومن شعره في وصف عبلة بنت عمه مالك:
لمن الشموس عزيزة الأحداج … يطلعن بين الوشى والديباج (١)
من كل فائقة الجمال كدمية … من لؤلؤ قد صوِّرت في عاج (٢)
تمشي وترفل في الثياب كأنها … غصن ترنح في نقا رجاج (٣)
حفت بهن مناصل وذوابل … ومشت بهن ذوامل ونواج (٤)
فيهن هيفاء القوام كأنها … فُلك مشرع على الأمواج (٥)
وقال أيضًا في وصفها ببراعة وفصاحة عبسية:
مهفهفة بالسحر من لحظاتها … إذا كلمت ميتا يقوم من اللحدِ (٦)
أشارت إليها الشمس عند غروبها … تقول إذا أسودَّ الدجى فاطلعي بعدي
وقال لها البدر المنير ألا أسفري … فإنك مثلي في الكمال وفي السعدي
فولَّت حياءً ثم أرخت لثامها … وقد نثرت من خدها رطب الوردِ
وسلَّت حساما من سواجي جفونها … كسيف أبيها القاطع المرهف الحدِ (٧)
تقاتل عيناها به وهو مغمد … ومن عجبٍ أن يقطع السيف في الغمدِ
مرنحة الأعطاف مهضومة الحشا … منعمة الأطراف مائسة القدِّ (٨)
يبيت فتات المسك تحت لثامها … فيزداد من أنفاسها أرج الندِّ (٩)
ويطلع ضوء الصبح تحت جبينها … فيغشاه ليل من دجى شعرها الجعدِ
стр. 3511
وبين ثنايها إذا ما تبسمت … مدير مدامٍ يمزج الراح بالشهدِ
شكا نحرها من عقدها متظلما … فوا حربًا من ذلك النحر والعقدِ (١)
فهل تسمح الأيام يا ابنة مالك … بوصل يداوي القلب من ألم الصدِّ؟!
سأحلم عن قومي ولو سفكوا دمي … وأجرع فيكِ الصبر دون الملا وحدي (٢)
وحقِّكِ أشجاني التباعد بعدكم … فهل أنتم أشَجاكم البعد من بعدي (٣)
وسأله بعض أصحابه يوما أن يصف عبلة فقال:
لعوب بالباب الرجال كأنها … إذا أسفرت بدر بدا في المحاشد (٤)
شكت سقما كيما تعاد ومابها … سوى فترة العينين سقم لعائد (٥)
من البيض لا تلقاك إلا مصونة … وتمشي كغصن البان بين الولائد (٦)
كأن الثريا حين لاحت عشيةً … على نحرها منظومة في القلائد
منعمة الأطراف خود كأنها … هلال على غصن من البان مائد (٧)
حوى كل حسن في الكواعب شخصها … فليس بها إلا عيوب الحواسد (٨)
ونختم أشعار عنترة بهذه الأبيات من معلقته المشهورة:
هلا سألت الخيل يا ابنة مالك … إن كنت جاهلةً بما لم تعلمي
إذ لا أزال على رحالة سابح … نهدٍ تعاوره الكماة مكلمِ
طورًا يجرد للطعان وتارةً … يأوي إلى حصد القسي عرمرمِ (٩)
يخبرك من شهد الوقيعة أنني … أغشى الوغى وأعف عند المغنمِ
стр. 3512
ولقد ذكرتك والرماح نواهل … مني وبيض الهند تقطر من دمي
فوددت تقبيل السيوف لأنها … لمعت كبارق ثغرك المتبسِّمِ
إلى أن قال:
يدعون عنتر والرماح كأنها … أشطان بئر في لبان الأدهمِ (١)
وما زلت أرميهم بثغرةِ نحره … ولبانه حتى تسربل بالدمِ
حالت رماح ابني بغيض دونكم … وزوت جواني الحرب من لم يجرمِ (٢)
стр. 3513
حرب
نسب القبيلة:
ذكر بعض النسابين على رأسهم ابن حزم الأندلسي في الجمهرة ومن بعده القلقشندي في نهاية الأرب، أن حرب من بطون بني هلال بن عامر من هوازن بن منصور من قيس عيلان من مُضَر من العدنانية، وقد وهمَ ابن حزم ومن نقل عنه، وقد قمنا بالرد مفصلًا عن هذا الالتباس في المجلد الأول من الموسوعة، وأكدنا أن حرب من خولان من القحطانية، وقد انضم لهذه القبيلة بطون من قبيلتي سُلَيْم ومُزيْنة وغيرها من العدنانية، ولم أجد في السرد عن حرب أفضل من كتاب نسب حرب للأستاذ المؤرخ عاتق بن غيث البلادي الحربي (*) والنقل عنه في الموسوعة.
يقول لسان اليمن ونسابتها أبو محمد الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمداني قطع قول كل خطيب حين جزم - وهو العالم بأنساب اليمن - أن حربًا هذه هي حرب بن سعد بن سعد بن خولان يمانية قُضاعية قحطانية النسب هاجرت من بلادها صعدة سنة ١٣١ هـ.
وخولان (١) هو بن عمرو بن الحاف بن قُضاعة بن مالك بن عمرو بن مرة بن زيد بن مالك بن حِمْيَر بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
стр. 3514
قال عاتق البلادي: وإتمامًا للفائدة، أنقل إليك ما كتبه الهمداني حرفيًا في الإكليل؛ قال الهمداني: وهذه أنساب سعد بن سعد بن خولان.
أولد سعد بن سعد بن خولان: الحارث بن سعد، وحرب بن سعد، وغالب بن سعد، وسمهك بن سعد، وقثم بن سعد.
وأولد حرب بن سعد أربعة نفر: الفاحش ومالكًا وعامرًا والفياض. فمن ولد الفياض بن حرب آل عمرو بن يزيد، وقد يقال أنهم من ولد الحارث بن سعد من بيت النعمان بن الفياض.
وأولد الفاحش: سلمان وسباقًا ومسلمًا وضاحكًا، أربعة نفر. فأولد سلمان ابن الفاحش بن حرب: زيادًا، وهم أهل العرج.
حدثني محمد بن إبراهيم بن إسماعيل المحابي، وقد كان جاور في بني حرب بقدس ورضوى وينبع، تلك النواحي في سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، ونزل على محمد (١) بن علي، سيد بني حرب وأقام عنده، قال: قال محمود بن علي بن عمرو بن جابر بن عمرو بن المُسافر بن عمرو بن زياد بن سليمان بن فاحش بن حرب، هكذا نسب نفسه. قال الهمداني: قد وهم من نقل إليه هذا النسب، والعد إلى حرب يضعف على هذا مرتين. وإنما ينبغي أن يكون انتسب إلى زياد، من نسل زياد بن سليمان. وافترق جميع من بالحجاز إلا من دخل فيهم من إخوتهم زياد بن سليمان.
فأولد زياد: عمرًا والخيار، فمن بني عمرو بن زياد: محمود هذا وبنو الحارث بن عبد الله بن عمرو، وبنو ميمون بن مسافر بن عمرو. ومن ولد الخيار عبد الله بن الخيار وهم العبيديون، وكان القياس العبديين، وزبيد بن الخيار فيهم
стр. 3515
عدد زهاء ثلاثمائة وسيدهم اليوم أبو الحسين يحيى الزبيدي، هاجر إليه يحيى بن الحسين الحسيني بالعقيق من المدينة. وبنو السفر بن الخيار سيدهم المسلم، وهو يسود بني الخيار كلها، كما ساد محمود بني عمرو وسائر بطون حرب بن سعد بالحجاز.
قالوا: فمن تلك البطون بنو عامر بن حرب ومنهم بنو عوف، فمن بني عوف: مسروح بن عوف بن مسعود بن عوف، وعلي بن عوف، وممن هنالك بنو ذؤيب من ولد سباق بن الفاحش بن حرب، وهم أحدّ حرب، وهم أخوال أبي القاسم إدريس بن جعفر، من ولد موسى بن جعفر بن محمد الرضا.
وبنو ذؤيب يعرفون بحظي، وفيهم من بني مالك الذي في بني حي بصعدة، ويقولون: أنهم من الأزد، كما يقولون من في بلد خولان منهم. وهم يُعظمون في بني حرب ويتزوجون من بني حرب، وفي العرب، ولا يزوجون أحدًا، وبنو حرب لا تزوج إلا رجلًا منها أو قُرشيًا.
قال: ولمحمود بن علي من الأولاد الأحياء: علي بن محمود وجعفر وإبراهيم وعطاء، وهو أحبهم إليه، وأخت عطاء مَنَّ الله وأمه امرأة لأبي أحمد بن القاسم بن عبد الله بن ظالم بن يحيى الحسيني، وعبد الله ويعقوب وعبد الرحمن ويحيى وأبو الحسين ومحسن ومهدي وإسماعيل ويوسف وسليمان وقاسم وإسحاق. كلهم بنو محمود.
وقال لي بعض موالي بني الحسن: وطراد بن محمود، وكان من الرماة، وقتك يوم الرغامة (١)، منهم: محمد وحسن وحسين وأحمد بنو محمود. قتلتهم بنو الحارث من بني سُلَيْم، فغزاهم محمود ببني حراب، واستنجد ببعض جهينة
стр. 3516
إلى حرة بني مالك فقتل من بني سُلَيْم مائة رجل. فمن ولد محمد بن محمود: عبد الله، وعبد العزيز، وعبد الأعلى وعبد العلي والحسين وعبد الرحمن، ومن بقايا بنات محمود: امرأة أبي جعفر بن إدريس الحسيني، وله منها موسى سيد شريف يقاتل مع أخواله، وأخرى مع عبد الرحمن العمري، من ولد عمر بن الخطاب، وأخرى أم بني موسى بن الحسن الحسيني العُريضي، يعرفون بالعريضيين.
نسب الفياض
فأولد الفياض بن حرب: الفيض ونوالًا وزيدًا والنعمان وعمرًا، وأبيات فزولد عمرو: النعمان، فزولد النعمان: الحارث، فأولد الحارث: سعدًا، فأولد سعد: الحارث، فأولد الحارث: مالكًا، فأولد مالك: النعمان، فأولد النعمان الحارث، فأولد الحارث عبد الله، فأولد عبد الله: يزيد، فأولد يزيد: عمرو بن يزيد بن عبد الله بن الحارث، الذي أهاج الحرب بين بني سعد بن سعد وبين الربيعة بن سعد، وكان شجاعًا فارسًا بطلًا جوادًا شاعرًا، وهو القائل في حرب أخويه فياض وثابت:
يقول لي عمرو والخيل مسرعة … تحت الكماة وقد جالت عواديها
مهلًا لك الخير لا تفعل فقلت له: … أقصر فإن مميت النفس محييها
همزت مهري برجلي ثم قلت له: … اذهب إليك فقد سارت بما فيها
أكرهته فمضى في جوف غمرتهم … والرمح يأخذ صيدًا ثم يرديها
قال الهمداني: ما قال أحد من العرب في قديمها ولا في حديثها أشجع من هذه الأبيات، وهي فردة لا أخت لها حيث قال:
شببت لقاح الحرب لما تبوخت … فأسفر لي من ضوئها كل جانب
стр. 3517
وآزرني فيها حماة أعزّة … هم الصيد من حرب وسادة غالب
وثابتًا وفياضًا ومالكًا بني يزيد، فأولد عمرو بن يزيد: يعلى بن عمرو، وقد رأس، وهو الذي قام مع إبراهيم بن موسى العلوي بصعدة، وله أيام وأخبار (١) وشعر.
ومنهم الحارث بن عمرو بن الحارث، فكان أحد السادة الأشراف الحلماء.
ودخل ولده بنو الحارث بن عمرو في جملة من بقي من ولد سلمان في جماع بني حيي. وكان حيي صنمًا (٢)، فأما من يسمى بِحُيي فهم: سلمان بن الفاحش بن حرب، ومالك بن حرب. ويقولون أن بني مالك من الأزد.
وسباق ومسلم بن الفاحش بن حرب، وفيهم جميعًا حدة وبأس، وكان الحارث بن عمرو كثيرًا ما ينهي ابن عمه عمرو بن يزيد عن إثارة الفتنة وتشبيب الحرب، وينهاه عن البغي، ويقول قي ذلك الأشعار ويضرب له الأمثال.
فأبى وركب رأسه فانفرد بها دناء مذكارًا، فقُتل إخوته ثم قُتل، فمما قال الحارث:
إذا ما النصح ضيَّعه المولّى … فلا تترك مواصلة الصديق
فرب أخ لنفسك لم تلده … لك الأم الألوف مع الشقيق
إذا عمت عليك السبل يومًا … ولم تظفر بقارعة الطريق
فسر بالقسط لا تتبع سواها … فإن القسط مقرنة الرفيق
رأيت الحلم منجي راكبيه … ويردي ذي الغواية والعقوق
ويفتح بالترفق كل باب … ويفتح بالتأني كل ضيق
стр. 3518
أحييه تحية ذي حفاظ … فيلقى بالتجني والعقوق
يمني النفس منه بكل سوء … ويقطع بالعقوق عرى الحقوق
وقال ينهاه عن الغي:
أما رأيت كُليبًا يوم تيح له … من كف جساس مطرور له شُعل
تخاله لكلاه حين ثار على … ناب البسوس فهذا فعله مثل (١)
يحكيه في الشعر أقوام وكلهم … لاموا كليبًا بما قد دنا له الأجل
وقال ينهاه:
يا عمرو يا ابن يزيد لا تكن بطرًا … فالحرب أردت زهيرًا حينما جارا
لما مضى شاس جر الرمح معترضًا … وثار يبري لها نابًا وأظفارا
فصبحته نياب الخيل مبكرة … فلم تبق لها غلا ولا ثارا
وقال يوبخه لما نهكته الحرب:
نهيتك قدمًا يا ابن زيد عن التي … ترد صدور القوم دامية الكلم
فأضمرت لي غشًا وأبديت بغضة … بلا ترة كانت لدي ولا جرم
فأخفرتني غيًا ولم ترع حرمتي … وقالت بنو سعد لك الرأس والجسم
فدونك فاجرعها ذعافًا كأنها … من الصاب والذيفان تمزج بالسم
وممن نهاه مازن بن مالك الخثعمي وكان جارًا في بني سعد:
يا عمرو إن كُليبًا قام معتذرًا … فصادف الحين (٢) فاستولى به القدر
فخر يهوي على الخدين منعفرًا … من طعنة تركت أجياشها بغر
стр. 3519
وممن نهاه عمرو بن زيد الغالبي، فقال في شعر له:
يا عمرو مهلًا فإن البغي متلفة … تردي الرئيس وتفني كل ما جمعا
لا تقطعن بالمدى منا أواصرنا … مهلًا هديت فخير النصح ما نفعا
لسنا نحب نرى فينا مولولة … تبكي وتهتف إذا ما ألفها نُزعا
إني أرى الحرب قد أبدت نواذجها … فينا وأصبح ضؤها لمعا (١)
فأبى إلا الفتنة. قلت: إنما أوردت هذه الأشعار لما فيها من النصح والفايدة والعبرة. ثم يمضي الهمداني إلى أن يقول: فلم يبرح عمرو رياسته حتى ظعن في بني غالب، وظعن أكثر بني حرب إلي الحجاز لوقائع تواترت عليهم من الربيعة ولابن أبان. فأما بنو حرب فقصدت العرج، وأما بنو غالب فقصدت جبل يسوم من وادي نخلة وجب عروان في أعلى عرفات، وتخلف ببلد خولان من تخلف من بني حرب وبني غالب، وسائر بطون بني سعد في ظل الحارث بن عمرو وكنفه وبريحه (٢)، لأنه لم يدخل في الفتنة، وفي ذلك يقول:
جرت لي في الملاة آل حرب … ولجوا في القطيعة والتمادي
وسلوا السيف في سادات قوم … بلا ذنب أتوه ولا اعتماد
فقلت لهم وكان النصح مني … دعوا قوما لهم عز ونادي
فلا ترة لديهم قدموها … وهم ركن لنا وأري الزناد
فاقدهم الفتى عمرو بن زيد … وكل القوم أسرع في الفساد
وقالوا سبق آباء كرام … وعذب مياهه غير الثماد
فأجلوا مغرقًا وبني شهاب … وحلوا في السهود وفي النجاد
ونحو الخنفرين وآل عوف … بقصوى طود أو برك الغماد (٣)
стр. 3520
فمهلًا يال سعد لا تحلوا … وقوموا بالجميل وبالسداد
فخالف رأينا منهم رجال … وقالوا أين ذاك من الرشاد
فعدن إلى الجميل بفضل رأيي … ولم أركن إلى قول الأعادي
فقد خالفتموني فاشربوها … مصردة تجن على الفؤاد
وجاور عمرو بن يزيد في زبيد وقتًا ثم في خثعم ثم في بني هلال، ثم لحق ببني غالب إلى يسوم وعروان، وكان يقول أشعارًا يسأل جرير بن حجر وكان ابن خالته - فيها العودة، فرق له وأعاده، فمنها يقول:
فأصبحت قد ودعت قومي ومعشري … وحالفت همًا ما أزال أصاوله
رهينة ذل بين ترج ومكة … كذلك من قامت عليه قبائله
فوالله ما خليت داري ومعشري … بطوعي ورب البغي والعرش خاذله
أقارع كيدًا من سُلَيْم وعامر … وحقدهم تغلي عليه مراجله
عدوا يغض الطرف عني تمقتًا … ويخبر عما في الفؤاد تغافله
فادفعه عني برفق وحيلة … وقد أكّدت في القلب مني دلائله
فمن مبلغ خولان عني بأنني … رهين العدا تجري عليّ عوامله
يبيت لي في كل يوم مكيدة … ويطحن جسمي حاركاه وكاهله
فيا ليت شعري هل أبيتن ليلة … بحجر بني حي حوتني قوابله
مما تقدم يظهر لنا بما لا يقبل الشك أن بني حرب هم: بنو حرب بن سعد بن سعد بن خولان.
وفي "سبائك الذهب": خولان بن مالك بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان (١).
стр. 3521
ديار حرب
كانت ديار حرب الأصلية في اليمن حول صعدة، فحدثت حروب طاحنة بينهم وبين بني عمهم الربيعة بن سعد، فجلت بنو حرب إلى الحجاز حيث نزلت وادي العرج وجبال قدس، وما زالت تتوسع على حساب جيرانها حتى أصبحت ديارها اليوم شاسعة واسعة يصعب تحديدها بدقة.
قال الهمداني في الجزء الأول من "الإكليل": قالت علماء صعدة: إن بني حرب أجليت من صعدة في سنة إحدى وثلاثين ومائة. وقال أيضًا عن جعفر المحابي، أنه قال: وذكر لي محمود أن بني حرب لما صارت إلى قدس من الحجاز وبها عَنَزة ومُزَيْنة، وبنو الحارث وبنو مالك من سُلَيْم ناصبتهم الحرب عَنَزة، والذي أهاج ذلك أن رجلًا حربيًا وآخر عنزيًا امتريا في جذاذ نخل، فعدى الحربي على العَنَزي فضربه ضربة بتك بها يده، فعدا بنو حرب يومئذ وهي ستمائة رجل، فأجلوا من البلد عنزة إلى الأعراض من خيبر، وقتلوا منها بشرًا كثيرًا، ثم ناصبتهم مزينة الحرب وكانت أهل ثروة زهاء خمسة آلاف، فقتلوا منها مقتلة عظيمة، وأجلوهم إلى الساحل من الجار والصفراء وأرض جُشَم، فهم بها إلى اليوم لا يدخلون الفرع إلا بجوار وذمام من حرب. وبقيت سُلَيْم، فناصبتهم بنو الحارث وبنو مالك من سُلَيْم، وهم زهاء أربعة آلاف، وهم أهل الحرتين و (النقيع) (١) فحاربوهم دهرًا فأجلوهم من الحرتين والنقيع، وقتلوا منهم عددًا كثيرًا، وصارت بنو الحارث وبنو مالك لا يدخل منها الحرتين والنقيع داخل إلا بذمام من بني حرب، وقد يبقي عليهم محمود، لأن أمه جُشَمية من هوازن، فلما غلبت بنو
стр. 3522
حرب على تلك البلاد وقهرت غيرها تعلقت بها قريش بأصهارها. وأسند إليهم كل، وألقى أزمة أمره في أيديهم وغلبوا على طريق المدينة إلى مكة فلم يسرها أحد منهم إلا بخفارتهم، وكان المقتدر بالله يبعث إليهم طول حياته بالمال في خفارة الطريق، وإلى اليوم وهم على ذلك. أ. هـ
مما تقدم نفهم أن ديار حرب في القرن الرابع الهجري كانت تشمل معظم الأراضي التي يتمثناها طريق الحاج بين مكة والمدينة. ثم لا نجد بعد ذلك شيئًا يذكر خلال قرابة ألف سنة، غير روايات يتحدث بها شيوخ هذه القبيلة وهم بالطبع لا يذكرون تاريخًا معينًا للحوادث التي يتحدثون عنها.
حتى ياقوت الحموي الذي ألف كتابه "معجم البلدان" في القرن السابع، يقول: إن قديدًا وعسفان تسكنها خزاعة، ثم يذكر قبائل عديدة في أمكنة أخرى على هذا الطريق بينما هي قد رحلت منذ قرون. ذلك أن كتاب ذلك الزمان تصعب عليهم مشاهدة الأرض لقلة الأمن وصعوبة المواصلات لبعد ديارهم عن الحجاز، ولذا فقد بنوا على روايات صدر الإسلام وما قبله.
ويأتي في أول هذا القرن رجل من أهل هذه البلاد هو الشريف شرف البركاتي فيفصل ديارهم في رحلته اليمانية التي قام بها برفقة الحسين بن علي أمير مكة ﵀ سنة ثلاثمائة وتسع وعشرين بعد الألف، فيقول:
أما دائرة قبيلة حرب فحدها الغربي من ينبع البحر إلى الرويس شمال جدة. ولهم من الأساكل: الرويس، وذهبان، والدعيجية، والقضيمة، ورابغ، ومستورة، والرايس.
ويحدها من المشرق قبيلة عُتَيْبة، وقبيلة سُلَيْم، وقبيلة مُطَيْر (بني عبد الله)، وقسم من حرب ممتد شرقًا من المدينة المنورة إلى حدود شمَّر.
ويحدها من الجنوب الأشراف ذوي بركات، ومن الشمال من جهة الغرب
стр. 3523
قبيلة جهينة. ومن جهة الشرق قبيلة عنزة.
وهذا التحديد البركاتي حسن جدًا، غير أنه اعتمد في تحديده على مساكن القبائل التي تتعرض للمد والجزر.
ونحدد مساكن قبيلة حرب في يومنا هذا فنقول: تنقسم قبيلة حرب من حيث سكناها إلى: القبيلة الأم، وديارها تمتد من مرّ الظهران جنوبًا - وقد دخلته في الآونة الأخيرة - إلى ما وراء أُحد شمالًا، ويحدها من الغرب ساحل البحر من جدة إلى ينبع البحر، ويأخذ حدها الشمالي وادي ينبع النخل فهو مشترك بينها وبين جهينة، ثم وادي الحمض إلى وادي الجزل. وتمتد ديار هذه القبيلة في نجد على جانبي طريق القصيم من المدينة إلى ما وراء وادي الرَّمة، وتصل نجعتها حدود العراق، ولها في القصيم قرى كثيرة ويكاد وادي الرمة يصير كله ملك قبيلة حرب هناك.
الجاليات المنفصلة عن حرب
١ - بنو زيد: وهم فروع من زبيد التي تسكن بين جدة وينبع، ويسكن بنو زبيد هؤلاء واديي قرماء وناوان جنوب مكة بسبع مراحل ولهم هناك مزارع ويجاورهم أناس من بني السفر من حرب أيضًا.
٢ - حرب قبيلة تسمى حرب تقع مساكنها في وادي قنوني التابع للقنفذة. قال لي بعضهم أنهم من حرب الحجازية (١).
٣ - حرب: عشيرة تعد نحو ٣٠٠ بيت تلتحق بطيئ بالجزيرة إحدى محافظات الجمهورية السورية، وتزعم الانتساب إلى قبيلة حرب الحجازية. (عن معجم قبائل العرب).
стр. 3524
٤ - الحروب: قبيلة صغيرة تسكن قريتي القرفي والبديع قرب أبي عريش مما يلي جيزان. رأيتها سنة ١٣٨٦ هـ، ويقولون إن لهم هناك مائتي سنة ويؤكدون انتسابهم لقبيلة حرب الخولانية، ومنهم العبادل (١) شرق جازان.
٥ - حرب مع بلي: توجد مع قبيلة بلي التي تقع ديارها على ساحل البحر الأحمر الشمالي بين الوجه والمويلح، ثلاثة بطون من حرب، هم: البركات، بطن من الصواعد من عوف، السحمة: بطن من عوف مع بلي أيضًا، العرادات: بطن من البلادية من بني عمرو، جلوا من أم العيال من وادي الفرع إثر قتل أحدهم رجلًا من بشر، وذلك حوالي آخر القرن الثاني عشر الهجري، ثم انتقل منهم قسم إلى فلسطين (٢).
٦ - حرب مع عُتيبة: يوجد بطنان من حرب مع قبيلة عتيبة، هما الأغرة: بتشديد الراء، دخلوا في المقطة من برقا من عتيبة، ومنازل المقطة بين نخلة الشامية ورهاط، وأصل الأغرة من البيضان من بني عمرو الحربية، والجملاء: بطن من حرب منضم إلى قبيلة المزاحمة من الروقة، ومساكنهم حول وادي المحاني، وأصل الجملاء من الرحلة من بني سالم من حرب.
٧ - المسارحة من حرب: (؟) المسارحة قبيلة كبيرة من قبائل مقاطعة جازان تسكن الخبت الممتد من جازان إلى وادي خلب إلى الجبال المطلة على الساحل من الشرق، ويسمى هذا الخبت المسرحي، ولهم فيه قرى كبيرة عامرة منها: الأحد مقر إمارتهم، والمضايا. وكل من تقابله من المسارحة يقول لك إنهم من حرب الخولانية (٣).
стр. 3525
٨ - حرب في مصر: مرت على العالم الإسلامي عصور ظللته دولة واحدة، وكان العربي في مقدوره استيطان أي إقليم يشاء من أقاليم بلاد الإسلام، وقد انتقلت بطون كثيرة من الحجاز واستوطنت مصر، من جهينة وبلي وحرب وغيرهم. وممن في مصر من حرب اليوم: بنو بشر: قبيلة استوطنت القاهرة وانصهرت في سكانها ومنهم رجال بارزون في الجيش وغيره، وأصلهم من بني عمرو من حرب. والبلادية: استوطنت شمال القاهرة ولم أسمع لهم ذكرًا في الآونة الأخيرة، وهم من بني عمرو أيضًا، وقد توهم ابن فضل الله أنهم من البربر لقرب سكناهم من الصحراء، وعدم إلمامه بالقبائل العربية. وقال: إنهم ينقسمون إلى جد وخاص. وبني صالح: بطن لا يزال حول القاهرة وبعضهم محتفظ بالجنسية السعودية، ووصلت منهم إلى الطائف أبيات قبل عشر سنوات وبقي منهم هناك كثير. وهم من بني عمرو.
قلت: والصوالحة بجنوب سيناء من بني سالم من حرب ومنهم في القليوبية بالديار المصرية.
الظواهر: والنسبة إليهم هناك ظواهري: منهم في القاهرة أطباء مشهورون، وهم من المراوحة من بني سالم.
والأحامدة: منهم قسم يقال لهم الشواربية بقليوب مصر (١).
٩ - حرب في الأردن: عرفت أثناء إقامتي في عامي ١٣٧٦ هـ ١٣٧٧ هـ جالية من حرب تقيم بعمَّان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية، منهم ضباط في الجيش العربي، وقسم يشتغل بالتجارة، وهم خليط من قبائل حرب، وسبب نزوحهم إلى هناك هو اشتراكهم في الثورة العربية الكبرى التي كانت بنو حرب
стр. 3526
تشكلون عمودها الفقري.
١٠ - حرب في مدن المملكة العربية السعودية الرئيسية: بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، تعرضت البلاد الحجارية لمجاعة هائلة جعلت كثيرًا من البوادي يفرون من ديارهم مشيًا على الأقدام، عرازيل وفرادى، ومن هؤلاء البوادي قبيلة حرب التي انقضّت من جبالها وسهولها في مجموعات هائلة، حكى لي شاهد عيان أن بعض الديار بين الفرع والمدينة كادت تقفر، فنزولا المدن، وخاصة مكة التي كانت في حينها عاصمة المملكة. وكان من أعظم أسباب هجرة حرب ظهور السيارات كوسيلة نقل مما أبطل الجمل الذي كان قوام حياة حرب وسبب غناهم.
وتشكل اليوم قبيلة حرب نسبة أكثرية في المدينة المنورة، وتشكل نسبة لا تقل عن ٢٠ % من سكان مكة المكرمة، ولهم فيها أحياء عديدة لا يكاد يساكنهم فيها عدا نفر بسيط. ومن تلك الأحياء: الزاهر، الزهراء، ملقية، جبل جحيشة، أبو لهب، جبل الكحل، العُتيبيَّة، دحلة حرب، حارة الوحلة. ويشكلون نسبة في عديد من الأحياء الأخرى وبقية المدن. وكما سيطرت قبيلة حوب خلال أزيد من ألف سنة على وسائل النقل في طرق الحجاز بالإبل، فإنها تكاد اليوم تسيطر على هذه الطرق بالنقل البري بالسيارات. كما يكاد أبناء هذه القبيلة يحتكرون صناعة إصلاح السيارات في مكة خاصة وفي المدينة، ولهم فيها مهارة تدل على ذكاء متوقد رشحهم من قيادة الجمل قبل أربعين سنة إلى هندسة الآلة الذاتية اليوم.
ولا تزال جالياتهم في المدن ترتبط بروابط وثيقة بمن بقي من قبائلهم في ديارهم الأصلية كدفع الدم والتزاوج والزيارات وغيرها.
١١ - حرب مع هُذَيْل: ويوجد مع هذيل بطنان من حرب، هم: المجانين:
стр. 3527
قبيلة تسكن غرب مكة داخل الحرم وخارجه ومنها متحضرون في مكة وهي حليفة مع لحيان من هُذَيْل. الزواهرة، بطن يسكن سولة في نخلة اليمانية وحلفه مع السعايد أو بني عمير من هذيل، وكلتاهما من العزرة من زبيد.
ولما أن ديار حرب اليوم واسعة شاسعة فنذكر نبذة عن الأودية والقرى والجبال التي يسكنونها. فمن أوديتهم:
الهَدَة، والغَوْلاء، وغُرَان، وخُليص وقُديد، وكُلَيَّة، ومَرّ، والفُرُع، والقاحة، والعَرْج، والصفراء وواسط، وينبع، وعقيق المدينة، ومَلَل، والجَفْر، وإضم، ووادي الحناكية، ووادي الرُّمة. وغيرها.
ومن قراهم التي يكاد يكون بعضها مدنًا:
رابغ، والدُّعيجية، والقضيمة، وذهبان، وعُسفان، والرايس، وبدر، والصفراء، والمسيجيد، والفُريشِ، والحناكية، والسُّقْيا، والشُّبَيْكِيَّة، والذِّيبيَّة، والصويدرة، وهُرَمة.
ومن جبالهم: الأشعر، وورقان، وقُدْس، وفِعْرى، والفِقَارة، ونِصْع، وفُرَسان، وجُمَدان، وآرة، وضاف، ومُكسِّر، وسِدْر.
ومن حرارهم: المُشَلَّل، ونِقري، وضَجْنان، ومُدرَّجة، وحرة العقيق، والوقرية، والوبرية، والشَّيْباء، وحرة خُليص.
وتكاد تكون المدينة المنورة هي المدينة التي إذا ذكرت ذُكِرت حرب، فهي مدينتهم.
стр. 3528
فروع حرب
تنقسم قبيلة حرب اليوم إلى عمارتين كبيرتين:
١ - مسروح وبنو عمرو وزبيد، ويشملهم قسم واحد، أي أنهم يلون بعضهم في حالة وقوع حرب بينهم وبين بني سالم (١)، ولذا فإنه يشملهم اسم مَسْروح، فيقال: تقسم حوب إلى: بني سالم ومسروح.
٢ - بنو سالم، وهو قسم كبير من حرب ينقسم إلى قسمين سيأتي الحديث عنهما، غير أن هذا القسم أقل من القسم الأول وأضيق ديارًا.
مسروح: وفي شجرة حرب: مسروح بن عوف بن مسعود بن عوف، من خط عامر بن حرب.
وتنقسم مسروح إلى:
١ - بنو السفر، والنسبة إليهم سفري.
٢ - بنو عوف، ويقال لهم (عوف) والنسبة إليهم عوفي.
٣ - بنو علي، والنسبة إليهم علوي. وهم يسكِّنون العين ويضمون اللام في نطق النسبة.
بنو السفر
وهم بنو السفر بن الخيار بن زياد بن سلمان بن الفاحش بن حرب بن سعد بن سعد بن خولان.
وتنقسم في منازلها اليوم إلى قسمين: في كُليّة حيث مواطنها الأصلية،
стр. 3529
وفي نجد حول القصيم ووادي الرمة.
وتنقسم التي تسكن كلية من بين السفر إلى:
١ - شرايزة: والنسبة إليهم شُّريزي، ومنهم: الفقهاء والحسلان، وذوو مسفر، والمجانين، وهم غير مجانين زبيد، وكلهم يسكنون كلية وصعبر وجدة والساحل الجنوبي الشرقي لجدة حول العِدّ.
٢ - رواجحة: والنسبة إليهم رويجحي، ومنهم: ذوو عطية، ذوو عودة، والبواتعة، وديارهم كلية ومنهم في جدة.
٣ - الخطباء: منهم: ذوو معيلي، ذوو يحيى، يسكنون كلية ومعظمهم استوطن جدة ومنهم رُحَّل.
٤ - المهالبة: والنسبة إليهم مهيلبي، ومنهم ذوو ركاب.
٥ - الطُّمُح: والنسبة إليهم طميحي، وأكثرهم بدو رحل ويدعون أن لهم نسبًا في الأنصار. وذكر لي الشيخ هاشم بن الحسين السفري ما يؤيد ذلك.
ومن بني السفر حي في اليمن حول المضيلف يتحاربون هم وزبيد هناك على الأرض، وقد أتيت على تفصيل أخبارهم وديارهم في كتابي (بين مكة واليمن).
ومن بني السفر: الخصيفي، والشواذي، والكحالية، والنجمة، وتسكن هذه البطون في الجنوب والجنوب الشرقي من جدة إلى طَفِيل، ومنهم من استوطن الليث وجدة، وتهجر بعضهم في مجيرمة والغُصن، وكلاهما جنوب جدة في الساحل.
الدويش من بني السفر:
ومن بني السفر هؤلاء الدوشان أمراء مُطير في وقتنا الحاضر، وقصتهم: كان من بني السفر أخوان لهما إبل في مدالج كلية، فتزوج الأكبر وظل الأصغر
стр. 3530
يرعى الإبل، ولكن الأخ الأكبر لم ينجب أطفالًا وذات ليلة جلس الأخوان يتحدثان، فقال الأكبر للأصغر: لقد حان الوقت أن تتزوج يا أخي. فقال الأصغر: لا، بل أنت تتزوج لأن امرأتك لا تنجب.
وكانت زوجة الأكبر تسمع كل هذا فسرته في نفسها.
وبعد أيام قالت لزوجها: أنت دائمًا جالس في البيت ولا ترحم أخاك الأصغر الذي يتبع الإبل بالليل والنهار، فلماذا لا تريحه ولو ظميء واحد.
فقال: أفعل إن شاء الله.
وعندما جاء الأخ الأصغر مصدِّرًا من الماء قال له الأكبر: أنا أسرح مع الإبل هذا الظميء وأنت تستريح. فحاول الأصغر الرفض فلم يستطع، وهكذا كان. وظل الأكبر مع الإبل طيلة الأيام التي في المند وهي غالبًا ثلاثة أيام تسمى غب ورِبع وخِمس، ولما عاد قالت زوجته إن أخاك راودني عن نفسي بعدك. فعلت ذلك نكاية به لأنه قال لزوجها تزوج. فما كان من الأكبر إلا أن أسرع إلى سلاحه وهجم على أخيه، فلما رآه الأصغر فر باتجاه الشرق لئلا يقاتل أخاه الأكبر. وكانت ديار مطير لا تبعد عن كلية شرقًا بأكثر من مسيرة يوم للرجل، فلجأ إليهم وظل معهم وتزوج منهم. ثم حن إلى دياره فأنشد:
يا مرسلي في وسق حِقَّه نَقيَّه … في المَخْرِم الخالي تَنَيَّر تِنيّار
إنصا ربوعي في مدالج كُلَيَّه … ابن السفر ربعي عريبين الأذكار
قول الدَّوِيش اليوم في الأجنبيَّه … يَمَّتْ ديار مُطير واطري بالأمصار
إن كان صدق اللي يقولون فيّه … لومي على نفسي ولا عندي إنكار
وإن كان كذب اللي يقولون فيّه … ينفعني الله فيهم النافع الضار
ولما وصلت هذه القصيدة إلى بني السفر اجتمع منهم قوم وذهبوا إلى مطير،
стр. 3531
فوجدوا الدويش هذا أولد ثلاثة ذكورًا، فقالوا: ترجع معنا. فوافق، ولكن المرأة قالت إنها لن تترك قومها، فقال الأبناء إنهم لن يتركوا أمهم، فقال الرجل إنه لن يترك أبناءه. فظل مع مُطير فظهر بنوه فرسانًا فأمّرتهم مُطير لشجاعتهم وحسن تدبيرهم.
وهناك رواية أخرى ليست بعيدة عن هذه ولكن هذه الشائعة مع بني السفر وغيرهم.
بنو السفر الذين يسكنون نجدًا ونواحي المدينة:
ويسكن هذا القسم في القصيم ووادي الرمة ومعظمهم بادية رحل، ومنهم من بقي في نواحي المدينة.
وينقسم بنو السَّفَر إلى:
١ - الفردة: والنسبة إليهم فريدي: وينقسمون في سكناهم إلى: نجديين شمال القصيم، وحجازيين حول المدينة مجاورين بني علي. وفي القصيم لهم قرية (خصيِّبة) بالتصغير وتشديد الياء: تقع شرق بريدة بحوالي ٦٠ كيلو متر.
ومن فروع الفردة:
أ - الحمّاد: وفيهم الإمارة، وأميرهم يدعى ابن حماد.
ب - المخارشة، جـ - السهيات، د - الهدبان، هـ - العَوِين، بفتح العين.
و - المواسي، ز - الدهاليس، ح - السحيم: بالتصغير والسين المهملة.
ط - الراشد: والنسبة إليهم راشدي. ومن المواسي أبو عشار، خامس. ومن بني السفر قبيلة الخواوير بنواحي الليث.
٢ - الوهوب: والنسبة إليهم وهبي.
ديارهم شمال القصيم، وهجرتم الزُّبَيَّرة: بتشديد الياء مصغرًا: وكانت
стр. 3532
عدًا فتحولت إلى منهل، ولهم الرديقة على بعد (٢٠) كيلو متر شمال شرقي بريدة. ما عدا المصطحبة منهم، فديارهم حول أبان الأحمر.
والوهوب بادية رحل يتنقلون طلبًا للكلأ ومنهم فروع في طف العراق وضفاف الفرات.
وينقسم الوهوب إلى قسمين رئيسيين:
أ - الدرابسة وينقسمون إلى قسمين:
(١) المصطبحة والنسبة إليهم مصطبح، ويسكون أبان الأحمر، كما تقدم.
(٢) العويض: - بتشديد الياء -: والنسبة إليهم عويضي، وسكناهم مع قومهم الوهوب شمال القصيم.
ومن الوهوب السُّعدَى الأمراء، وأميرهم ابن سُعْدَى، كانت له حروب وغارات مع ابن رشيد.
ب - الدلامين: والنسبة إليهم دلماني، ومن فروعهم:
(١) الهملان: بفتح الهاء: والنسبة إليهم هملاني.
(٢) النخشة: والنسبة إليهم نخيشي أو نخيش.
(٣) بنو راضي: والنسبة إليهم راضي.
ومن الوهوب من ينزل اليوم عوالي المدينة، وهم قلة بالنسبة لمن تقدم بيانهم. هذا ما نشرناه في الطبعتين الأولى والثانية، ولكن الشيخ محمد الهلالي (انظر ترجمته) قال: تنقسم الوهوب إلى:
١ - مَذكُور
٢ - مَذْيَخ.
أولًا: مذكور، ومنهم:
أ - الخُلَصَة، ومنهم: آل عُبَيد، وطيب، السماحنة، الرّكيّان، العجيَّان،
стр. 3533
الحوارة، السكانية، الأحاوية، العرافيط، المعتز، الرضوان.
ب - العُويَّض، ومنهم: القيفان، المذهان، السكران، الهذَّال، الوثيل.
جـ - العُكسة، ومنهم: المصادرة والفلقان.
د - الدَّلامين، ومنهم: النُّخَشَة، الخُشَمان، المصطبحة، الصرادحة، ومنهم غازي الحربي (١).
هـ - الشراسين، ومنهم: السبيّل، الشقران، الصعارقة، الملحق، الجلفة.
ثانيًا: مَذْيَخ، ومنهم:
أ - المحيا، ومنهم:
السُّعْدَى: شيوخ الوهوب، رأسهم فيصل بن ذعار (ابن) سُعْدَى.
ب - الرواضي، ومنهم: الزهمول.
جـ - الدرابسة، ومنهم: العمامير، الرُّشَيد، الفلاح. وكان الفلاح عقداء الوهوب، في زمن الغزو.
٣ - الفهدة: والنسبة إليهم فهيدي، ونسابوهم يقولون: فهيد بن لقمان، وهم الفخذ الثالث من بني السفر، وينقسمون إلى:
١ - الرُّشَيْدَات: وَسُكناهم النقع بالقصيم.
٢ - السُّحيّات: ديرتهم الدغيرة من القصيم.
٣ - الفهة: الوسيطة، من القصيم أيضًا.
٤ - ذوو عون: وسكناهم الحمادة.
٥ - العَيْفَان: يسكنون الفضيحة.
стр. 3534
٦ - الضباعين: لهم البندرية.
٧ - الجنائنة: لهم الصليعة.
٨ - السعدية: لهم الروضة.
٩ - الدلمة: لهم الفيضة.
ومنهم - أي الفهدة أفناء، لا زالوا بالمدينة حيث منازلهم الأصلية.
وشيخة الفهدة كافة في بيت الصقيري.
٤ - الحسنان (بنو حسن): والنسبة إليهم حسني، فرع من بني السفر، وهم بادية يتنقلون شرق الحناكية وشمال القصيم، ولم أجد من يفصل لي فروعهم. وهم الفرع الرابع من حيث العدد في بني السفر، وقد أسسوا لهم هجرة على طريق القصيم بين النقرة وعقلة الصقور، رأيتها سنة ١٤٠٣ هـ. مكتوب عليها (هجرة الحسنان).
عوف
والنسبة إليهم عوفي، القسم الثاني من مسروح ومسروح من نسل عوف وقد نوهنا عن ذلك هناك. وهم: عوف بن مسعود بن عوف - من عامر بن حرب.
وديار عوف تبدأ من منتصف القاحة فتمتد في الشمال الشرقي على الجلس الأعلى ولهم هناك: جبل ورقان، وجبال قدس، وأودية ظلامة والمناشير وملل، ومعظم العقيق إلى قرب الحناكية، ومنهم بواد يتنقلون في صحاري نجد.
وتنقسم عوف إلى قسمين رئيسيين هم:
الصواعد، والنواصفة.
أولًا: الصواعد:
وتنقسم إلى قسمين هم: البطنة، وعلاق.
стр. 3535
١ - البطنة: والنسبة إليهم بطيني، وينقسمون إلى:
أ - البركات: والنسبة إليهم بُركي، أي أنهم بنو (بركة) ومنهم حي كثير في بلي يعترفون بنسبهم إلى عوف (١). ومن فروع البركات: الرفعة، والجلوية، والنزلية، والشرطة، والمواقدة، والجمامين (٢).
ب - ترجم: ونسله التراجمة، والنسبة إليهم ترجمي.
جـ - العلوات: والنسبة إليهم علوي، وهم حلفاء مع البطينات، ذكر ذلك لي أحد الصواعد.
٢ - علاق: والنسبة إليهم علاقي، القسم الثاني من الصواعد.
وينقسم بنو علاق إلى ثلاثة فروع هم:
أ - المغاذية: والنسبة إليهم مُغذّوي، ومن فروهم:
(١) الغزيلات: بتشديد الياء: والنسبة إليهم غزيلي، ومن فروعهم:
الدهالكة: والنسبة إليهم دهيلكي، والعونة: والنسبة إليهم عوني.
وبنو حامد: والنسبة إليهم حامدي، والوبغة: والنسبة إليهم وبيغي.
وذوو مسيب: والنسبة إليهم مسيبي.
(٢) بنو حمد: والنسبة إليهم حمدي، ومن فروعهم:
الظواهرة: والنسبة إليهم ظويهري، ومن الظواهرة: ذوو براك، وذوو راشد. والفهرة: والنسبة إليهم فهيري.
ب - المطارفة: والنسبة إليهم مطرّفي، وهم البطن الثاني من علاق. ومن فروعهم:
стр. 3536
(١) النواعمة: والنسبة إليهم نويعمي، ومن فروعهم: بنو الأشهب، والضبعة، وبنو مطلق، وبنو رويشد، والعجارشة.
(٢) بنو سعيدان، والنسبة إليهم: سعيداني، ومن فروعهم: بنو عُليَّان، وبنو جربوع، ذوو عيد، وذوو رويعي.
(٣) الهضبة: والنسبة إليهم هضبي - بفتح الهاء - ومن فروعهم:
المراشدة أو ذوو مريشيد، الخيرة، وذوو مفرج، وذوو سليمان.
جـ - الحسينات: وهم البطن الثالث من علاق، والنسبة إليهم حسيني، ومن فروعهم:
(١) ذوو مريزيق، (٢) ذوو غريبان، (٣) ذوو مهدي، (٤) الرمثة: والنسبة إليهم رميثي، (٥) ذوو سعيد - بتشديد الياء -، (٦) الهرسة، والنسبة إليهم هرساني - بكسر الهاء -، (٧) ذوو عُليَّان، (٨) الخضير: والنسبة إليهم خضيري - بفتح الخاء المعجمة -، (٩) السلاهبة: والنسبة إليهم سليهبي، (١٠) العوامرة: والنسبة إليهم عويمري، (١١) الذكرة: والنسبة إليهم ذكري - بكسر الذال -.
ويقال: إن العلاقي سمي بذلك لكثرة ما تعلق به من الأحلاف. ومن الصواعد، قبيلة مُخلَّف - فيما يروى - دخلت في زبيد. انظرها هناك.
ثانيًا: النواصفة:
وهم القسم الثاني من عوف، والنسبة إليهم ناصفي، وينقسمون إلى ثلاث بطون رئيسية، هي: اللقامين، واللهبة، والسهلية.
١ - اللقامين: بنو لقمان، والنسبة إليهم لقماني، ومن فروعهم:
أ - العوامرة: والنسبة إليهم عامري.
ب - الزوائدة: والنسبة إليهم زائدي.
стр. 3537
جـ - ذوو عبد الله: والنسبة إليهم عبدلي.
د - الهقشان: والنسبة إليهم هقيش، بضم الهاء ..
هـ - ذوو حميدان: والنسبة إليهم حميداني، بضم الحاء المهملة.
و - ذوو عطيان: والنسبة إليهم عطياني، بضم العين المهملة.
ز - الضحاونة: والنسبة إليهم ضحوني.
حـ - الزروق: بتقديم المعجمة: والنسبة إليهم زرقي.
ط - الصقارنة: والنسبة إليهم صقروني.
ي - الشعيبات: والنسبة إليهم شعيبي، وهم من شعيبات قديد الزبيديين أو أولئك منهم.
ك - المراشدة - والنسبة إليهم مرشودي.
ومن القبائل الناصفية التي تلي اللقامين دون سواهم:
١ - الغصابية: والنسبة إليهم غصبي.
٢ - بنو مصبح: والنسبة إليهم مصبحي.
٣ - السحمة: والنسبة إليهم سحيمي، ومنه ذوو محيميد.
٤ - بنو علي: والنسبة إليهم علوي.
٥ - الرواثعة: والنسبة إليهم رويثعي.
وهم يقولون في أسماء هذه القبائل: الغصيبي والمصبحي والسحيمي .. إلخ.
وقد لقيت جهدًا في إعادتها إلى أصولها. لأن أسماء القبائل اليوم تتشابك بين التصغير والتكبير. ولا يعطونك اسمًا إلا ملازمًا للنسبة. فهم يقولون:- مثلًا - الصاعدي، واللهيبي، واللقماني .. إلخ.
стр. 3538
ويلي اللقامين - حلفًا - السفران أهل كلية. انتهت قبيلة اللقامين.
وديار اللقامين، جبل عوف (قُدْس) ومعظم الأودية التي تسيل منه في وادي الفرع، مثل ظالمة والمناشير، ويميلون شرقًا على السفوح المنحدرة من هذا الجبل إلى وادي النقيع.
٢ - اللهبة: بنو لُهيب، والنسبة إليهم لُهيبي، وهم القسم الثاني من النواصفة ومن فروعهم:
أ - بديد: والنسبة إليهم بديدي - بضم الباء المعجمة - وينقسم إلى:
(١) مقبولي (بنو مقبول): ومنهم البنايين أمراء اللهبة، وأميرهم يقال له ابن بنيان، والموجود اليوم هو: بخيت بن ناصر بن خبيت بن بنيان. معين من قبل الحكومة أميرًا على قبيلته، ومقره بئر قيضي من رأس القاحة، وقد جعلها بلدة.
(٢) بنو مبارك، ومنهم: الدبابين جماعة لافي الدبياني، شاعر له مقاصدات جيدة. ومن بني مبارك، بنو زائد: ومعظمهم تحضر في مكة، ولهم حارة ذوي زائد في حي الزهراء. وكذلك الدبابين جلهم تحضر في مكة.
(٣) الوحرة: والنسبة إليهم وحيري، ومنهم: ذوو حمود، ومن ذوي حمود: ذوو صويلح ويتفرع من ذوي صويلح: ذوو مرزوق. ومن ذوي حمود: ذوو ربيعان، وذوو عسيكر.
ومن الوحرة: ذوو بريك، ومن ذوي بريك: ذوو سليمان، وذوو مطر، وذوو مهنا، والعويدات.
(٤) ذوو عمران، ومن فروعهم: السناجين، ذوو شديد، ذوو سليم، ذوو لافي، ذوو عائض، ذوو عيد.
(٥) الربقة: والنسبة إليهم ربيقي. لم أجد من يذكر فروعهم، ولا أعلم إذا كانت لهم صلة بربقة بني عمرو أم لا.
стр. 3539
ب - دعيم: والنسبة إليهم دعيمي، وهم البطن الثاني من اللهبة. ومن فروعهم:
(١) ذوو هُشيم: بتشديد الياء: والنسبة إليهم هشيمي. ومنهم: الذويب، وذوو حمد، والكراثية، وذوو عطيان، ذوو مسفر، ومنهم اللُّبيّة، والعودة، ومن العودة: ذوو قيضي، والشلوان، والجبيلان.
ومن دعيم، ذوو سعيد، ومنهم، ذوو ساعد، وذوو سعد، وذوو رحمة.
جـ - مجبوب: والنسبة إليهم مجبوبي، وهم القسم الثالث من لهيب. ومن فروعهم:
(١) لطيفي، حمداني، دويّخي، شاطري.
د - الخضرة: والنسبة إليهم خضيري، بضم الخاء المعجمة وفتح الضاد المعجمة أيضًا.
ومن فروع الخضرة:
١ - الصراهدة (صرهيدي).
٢ - ذوو عَمِيرة (عَمِيري).
٣ - الضحاونة (ضحوني).
٤ - ذوو مبارك (مباركي).
(الدكتور: مطيع الله الخضيري).
وديار اللهبة: من جبل الأقهب - في منتصف القاحة تقريبًا - ثم تمتد شمالًا، إلى الحفاة - رأس القاحة -، ومن وادي المياه غربًا إلى الجلوس في الشرق.
ويقول اللهبيون: إن إمارة اللهبة كانت في العُبيسي ثم الربيقي، ثم تحولت إلى مرزوق بن بنيان، وسبب ذلك أن أمير مكة في عهد ما طلب أمراء حرب، وخاف أمير اللهبة، وطلب أن ينوب عنه مرزوق بن بنيان، وفي طريقه كان يوجد
стр. 3540
ذئب مشهور في (دفين) وكان يأكل كل من مر في ذلك الطريق، فظفر به مرزوق فقتله، وأراح الناس منه، وعندما اجتمع أمراء حرب عند الوالي، قال مرزوق إنه أمير اللهبة، ومن يومها تحولت الإمارة إلى البنايين، ولا تزال فيهم، وكان ناصر ﵀ أبو بخيت الحالي ذا هيبة وله حظوة عند الحكومة.
٣ - السهلية: وهم القسم الثالث من النواصفة، والنسبة إليهم سهلي، بكسر السين المهملة، ومن فروعهم:
أ - بنو مطر: ومنهم: (١) السلامات، (٢) الخرصة، (٣) ذوو سعيد، (٤) ذوو سُعيدان، (٥) الرخصة.
ب - آل فُريد: سكان وادي النقيع واليتمة، والنسبة إليهم فريدي، بضم الفاء، ومنهم أبو ربعة أمير السهلية. ومن فروعهم.
(١) الجوابرة، (٢) آل مبارك، (٣) الربعة: أمراء السهلية، وأميرهم يقال له: أبو ربعة - بضم الراء المهملة - ومقره اليتمة، (كانت تعرف بأتمة ابن الزبير).
جـ - الغصنة - البطن الثالث من السهلية، ومن فروعهم: (١) الغصبان، (٢) بنو مبارك، (٣) الجبور، ويسكنون حول المدينة، وتنسب إليهم حرة الجبور هناك.
د - السحمان: ويقال لهم: السحمة، والنسبة إليهم سحيمي - تصغير -، ومن فروعهم: (١) العلايمة، (٢) الأرقاب، (٣) المفاليح، (٤) العبايين، ومعظم السحمة يسكنون هُرمة: قرية زراعية جنوب شرق الصويدرة.
ومن السحمة هؤلاء، سحمة بلي، وقد قيل: إنهم أصبحوا قبيلة كبيرة هناك (١)، يجاورون البركات الذين أصلهم من الصواعد من عوف أيضًا.