← Ансаб

Ансаб · id 897

موسوعة القبائل العربية

محمد سليمان الطيب

Полный текст (10 849 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

لم يبدأ القتال فورًا بل ظل يرابط فيها، وكلما اعتزم العمل عاود الصبر حتى صاروا لا يهتمون به، فلما طال الأمر ورأى بعضهم يفترق عن بعض وثب عليهم وثبة جبارة فكسر جموعهم واستأصلهم وأقام في قتلهم ستة أيام فأحرق نخلهم وسبى نساءهم وأطفالهم وأقام حكمه في بلادهم، ولما انتهت الأخبار إلى مكة زينت أسواقها ثلاثة أيام ابتهاجًا بالنصر (١)!. غزو الفرع: وفي سنة (١٠٨٥ هـ) خرج الشريف بركات إلى أهل الفرع، وخرج إليه من جدة سنجقها بعكسره ونوبته ومدافعه، فتلاقيا على عسفان أو بعده، فصام بمحل قريب منها يسمى قويزة وعيد به، ثم توجه فنزل بأم العيال منها، ونزل ناصر ابن السيد أحمد الحارث بالمحل المسمى أبو ضباع، فدانوا له وأطاعوه وتنصلوا مما اقترفوه (١). سيل جحاف يجتاح وادي الصفراء: وفي سنة (١٠٨٩ هـ) هطلت أمطار غزيرة على نواحي المدينة المنورة فسال وادي الصفراء سيلًا سد ما بين الجبلين، وأخذ امرأة وولدها بالحمراء بين الصفراء والخيف، وذهب ببعض نخيل الخيف إلى الحمراء، وذهب ببعض الجمال والأحمال إلى البحر (٢). مقتل الخلفاني وبعض حرب: وفي سنة (١٠٩٠ هـ) ثار العسكر على محمد بن أحمد الخلفاني والي المدينة للشريف بركات بحجة أنه سب السلطان، فأنزلوه من بيته بالأمان ومعه القائد متعب بن إدريس حاكم البلد وابن دريعة الظاهري وعمران الزبيدي ورفاع وخضير

стр. 3607

والعمري وغيرهم، ولما خرجوا قتلوهم، فكتب بركات إلى الدولة فأمرت بقطع جامكيتهم (رواتبهم) وإجلائهم من البلد. عصيان بعض قبائل حرب: وفي سنة (١١٠٣ هـ) عصت بعض قبائل حرب فقاتلها الشريف سعد بن زيد والي مكة فانتصرت عليه، فعاد إلى مكة ثم استأنف قتالها في السنة التالية فانتصر عليها (١). حرب تثأر من سعد: وفي سنة (١١١٦ هـ) ثار الشريف عبد الكريم بن محمد بن يعلى ضد الشريف سعد بن زيد فاستنصر بقبائل عتيبة وحرب فهاجم مكة في ١٧ شوال من السنة المذكورة فاحتلها وأجلى سعدًا إلى العابدية (٢). الشريف سرور بن مساعد يغزو حربًا: وفي سنة (١١٩٤ هـ) عنّ لسرور أن يزور المدينة ليتفقد القبائل في طريقها ويقف على الأحوال في المدينة، فشد الرحال إليها في خمسة الآف من العربان والأشراف فكان نصفهم على الخيل، فعنّ لقبائل حرب أن يظهروه على مبلغ سطوتهم فعرضوا عليه بعض طلبات فاحشة من المال وانتظروا أن يذعن فأبى وشن عليهم قتالًا عنيفًا حتى رضخوا ومن ثم أمر بصرف بعض الإكراميات لهم، وأخذ منهم بعض الرهائن من الرجال. ولما انتهى إلى المدينة وزع على أهلها كثيرًا من الذهب والفضة ثم حمل إليه جواسيسه أن بعض رجال حرب دسوا عليه عند شيخ الحرم في المدينة واتفقوا معه

стр. 3608

على مهاجمة المدينة ليتسنى لشيخ الحرم ومن والاه في المدينة أن يثوروا في داخلها، فلما تبين سرور الأمر احتاط له واحتال حتى استولى على قلعة المدينة فمكن لنفسه واستطاع أن يهزم خصومه، وأن يقبض على شيخ الحرم وخمسين من أتباعه ويسيرهم إلى مكة بعد أن أعلن عزل شيخ الحرم (١). سرور يتحاشى العودة من ديار حرب: وفي عودة الشريف سرور من المدينة ترك الطريق الذي يمر بقبائل حرب وفي نفسه أن يعود إليهم في حملة أقوى، واتجه نحو الجنوب الشرقي حتى وصل إلى الطائف ومنها إلى مكة (٢). وظلت فكرة الحملة على حرب مرة ثانية تراوده، فلما كانت سنة (١٢٠١ هـ) أرسل إلى قبائل هُذَيْل وَثَقِيف وعُتَيْبة فجمع منهم جيشًا حاشدًا واستنفر الأشراف فخرجوا في نصرته، وقد قيل: إنه كان ينثر الذهب بين المتطوعين المقاتلين وإنه جعل لكل من قطع رأسًا خمسة مشاخص (٣)، فنشطت القبائل للعمل معه ولما وصل بجيشه إلى مستورة بين رابغ والمدينة أرسل من يغزو جبل صبح حتى احتله، ثم اشتبك مع بطون حرب عدة اشتباكات كان له فيها الظفر، وملك (الفرع) ثم (بدر) ثم توجه إلى ينبع النخل فاحتله ثم عاد إلى بدر وتوجه إلى الخيف فملكه (٤). واشتد القتل في هذه المواقع وفي مواطن غيرها كثيرة وكثر عدد الأسرى الذين كان يبعثهم إلى مكة مصفدين، ولما أيقن باستتباب الأمر له في هذه الديار

стр. 3609

توجه إلى المدينة وقد وجد الحكم فيها مطمئنًا فأقام فيها بضعة أيام ثم عاد إلى مكة عن طريق ديار حرب فلم يصادفه شغب (١). السباعي يعلق على هذه الحوادث: وعلق الأستاذ المؤرخ أحمد السباعي على هذه الحوادث فقال: وإنه ليخالج النفس في أمر قبيلة حرب ما يخالجها، فإن هذه القبيلة على وفرة عددها وكثرة بطونها وشدة بأسها كادت تكون صالحة في كل وقت لأن تعد ذخيرة تعتد البلاد بها وتستفيد من سواعد بنيها في الأعمال المنتجة لو وجدت فيما سلف من أجيال التأريخ من يعلمها ويعتني بشأنها في الحياة. إن في جزء كبير من أراضيها تربة صالحة للزراعة ولو وجد أصحابها من يعدهم للزراعة وفيما عرف من نشاط بنيها وصبرهم على قسوة الحياة ما يؤهلهم لكثير من الأعمال الاستثمارية لو وفق لهم ولأمثالهم في جميع أقطار البادية من يقودهم إلى الأعمال المفيدة. ولكنا تركناهم يتضورون جوعًا في قفار البادية وأجرينا عليهم الصدقات حتى ألفوها ثم اتخذوها قاعدة لمعاشهم. ثم لا نلبث أن نمنع عنهم ما عودناهم فنثير روح الشر في نفوسهم ونهيئهم للطغيان، حتى إذا طغوا في سبيل أن يعيشوا كما نعيش اعتبرناهم عتاة خارجين على النظام، وقام مثل سرور ليجرب فيهم حديده وناره وبذلك ننسى مكان الظلم في أساس البحث ونتغافل عن الحقائق الصحيحة فيه (٢). قلت: هذا قول السباعي المؤرخ المحايد الذي يحلل الحوادث فيبحث عن

стр. 3610

مسبباتها ويتعرف على نتائجها، ولعمر الحق لقد قال الحق ولم يبق لي بعده تعليق فقد قطع قول كل خطيب. أمير الحج المصري ينجو بجلده: وفي سنة (١٢٠٠ هـ) خرجت بعض القبائل من حرب على أمير الحج المصعري فأسر نفرًا منهم وأمر بكيهم بمحاور محماة في خدودهم ليبقى ذلك وسمًا يعرفون به، فتشفع فيهم بعض مشايخهم فأبى وأجرى عملية الوسم، فصاح صائحهم "يا لقبائل حرب" (١) فاجتمعوا من كل واد وأعملوا السيف في الحملة المصرية ومن يتبعها من الحاج حتى لم ينج منها إلا من استطاع الهرب وكان أمير الحج أحد الهاربين. قلت: وقد حكى لي أحد المعمرين عن شاهد عيان، فقال: لقد تشاور مشايخ حرب قبل الهجوم على العسكر المصري فقرروا أن يطلبوا من الحاج الابتعاد عن العسكر فنادى مناديهم "حَوْزَه يا حجاج حَوْزَه" ولكن أمير الحاج المصري أوهمهم بأن القبائل تريد عزلهم لنهبهم، وأكد لهم أن ما معه من جيش قادر على حمايتهم، وتجاوز ذلك فوزع عليهم الأسلحة فأخذوا يصبون البنادق إلى رجال القبائل وهم في ثياب الإحرام. وكان سبب هذه الواقعة منع أمير الحج المصري صرف مخصصات بني حرب المقررة سنويًا. والنجديون أيضًا يغزون حربًا: وفي سنة (١٢٠٧ هـ) غزا حجيلان بن أحمد أمير ناحية القصيم بجيش من أهل القصيم وغيرهم فأغار على بني عمرو وهم من بوادي حرب فقتل منهم رجالًا وأخذ إبلًا (٢).

стр. 3611

حرب تنضم إلى السعوديين: ولما أهل موسم الحج في عام (١٢١٩ هـ) كان عدد الحجاج فيه قليلًا يصحب المحمل المصري والشامي وكانت مكة محاصرة من جميع الجهات من القبائل التي انضمت إلى السعوديين وفيهم قحطان وزهران وغامد وكثير من قبائل حرب وقريش وهذيل ولحيان (١) والجحادلة وكثير من الأعراب المتاخمين لمكة غير هؤلاء، وقد قطع الماء عن مكة بفعل المهاجمين ولم يقف على عرفات أحد من أهالي البلاد (٢). حرب أهل المدينة ينضمون إلى آل سعود: وفي حوادث سنة (١٢٢٠ هـ) يقول ابن بشر بنصه: وفي أول هذه السنة قبل مبايعة غالب بايع أهل المدينة المنورة سعودًا على دين الله ورسوله والسمع والطاعة، وهدمت جميع القباب التي وضعت فيها على القبور والمشاهد، وذلك أن آل مُضَيَّان رؤساء حرب وهما بادي وبداي ابني بدوي ابن مضيان ومن تبعهم من عربانهم أحَبُّوا المسلمين (٣) ووفدوا على عبد العزيز وبايعوه، وأرسل معهم عثمان بن عبد المحسن أبا حسن يعلمهم فرائض الدين ويقرر لهم التوحيد. فأجمعوا على حرب المدينة ونزلوا عواليها، ثم أمرهم عبد العزيز ببناء قصر فيها فبنوه وأحكموه واستوطنوه، وتبعهم أهل قباء ومن حولهم وضيقوا على أهل المدينة وقطعوا عنهم السوابل وأقاموا على ذلك سنين وأرسل إليهم سعود - وهم في موضعهم ذلك - الشيخ العالم قرناس بن عبد الرحمن صاحب بلد الرس المعروف بالقصيم. فأقام عندهم قاضيًا معلمًا كل سنة يأتي

стр. 3612

إليهم في موضعهم ذلك. فلما طال الحصار على أهل المدينة وقعت المكاتبات بينهم وبين سعود من حسن قلعي وأحمد الطيار والأعيان والقضاة وبايعوا في هذه السنة (١)؟. وقعة الخيف: وفي سنة (١٢٢٦ هـ) وصلت إلى الحجاز حملة محمد علي باشا والي مصر بقيادة ابنه طوسون فاحتلت ينبع، فجهز سعود بن عبد العزيز أمير نجد جيشًا بقيادة ابنه عبد الله فسار بهذه الجيوش ومن ضمنها أفناء من حرب حتى نزل الخيف القرية المعروفة بوادي الصفراء. ويقول ابن بشر: واجتمع معه من الجنود ثمانية عشر ألف مقاتل وثمانمائة فارس، ولما نزل عبد الله بالخيف أمر علي مسعود بن مضيان ومن معه من بوادي حرب وجيش أهل الوشم أن ينزلوا في الوادي الذي في جانب منزلهم الذي هم فيه؛ مخافة أن يأتي معه دفعة من الترك فيفتكوا بالمسلمين ويخفرونهم، ثم أن العساكر المصرية والتركية زحفت على المسلمين (!) وأقبلت عليهم فأرسل إليهم عبد الله طليعة جيش وفرسان واستعد لهم الترك. وحصل على المسلمين هزيمة (٢) وقتل اثنان وثلاثون رجلًا، فنزل عسكر الترك مقابل عسكر المسلمين، فالتقى الفريقان وجعل عبد الله على الخيل أخاه فيصل بن سعود وحباب بن قحيصان المطيري .. إلى أن يقول: وأقاموا على ذلك نحو ثلاثة أيام فأرسل عبد الله بن سعود ابن مضيان ومن معه من حرب وأهل الوشم، وأمرهم أن يحملوا على الترك فأقبلوا وصاروا أول حملة عليهم مع جملة جنود المسلمين، فانهزمت العساكر المصرية لا يلوي أحد منهم على أحد، وانكشفوا عن مخيمهم ومحطتهم، وولوا مدبرين وتركوا المدافع

стр. 3613

وهي سبعة والخيام والثقل والرحايل وكثير من السلاح وما في محلهم من جميع آلات الحرب والذخائر. وكانت هذه الوقعة في العشر الأواخر من ذي القعدة في هذه السنة. تأرجح القبائل بين القوى والقصر: وفي حوادث سنة (١٢٢٧ هـ) نجد القوات المصرية تعود أقوى مما كانت فتحتل ينبع فتتبعها جهينة، ثم تستولي على وادي الصفراء فتتبعها حرب. وظلت هذه الحملة تحتل مدن الحجاز الواحدة تلو الأخرى، فتتقدم إلى نجد فتهدم الدرعية عاصمة آل سعود وتقضي على ملكهم ردحًا من الزمن. وفي هذه الحملة يقول السباعي: وقد جهز له - يعني طوسون - أبوه جيشًا في آخر شهر المحرم عام (١٢٢٧ هـ) فاستطاع أن يستأنف به احتلال ينبع ويجعل منها مستقرًا لقيادته يتلقى فيه الإمدادات من أبيه ويرتب خططه الهجومية. ومن ثم شرع يكتب سرًا إلى غالب في مكة وكبار مشايخ حرب ورؤساء القبائل حتى استوثق من معاونتهم وحتى جاءت الأنباء من غالب - والي مكة - في مكة أنه سيعمل من جانبه لنصرتهم ضد السعوديين. وأخذت قيادة الجيش المصري تصب أموالها وهداياها للعربان في ينبع والبوادي صبًا. فمن ذلك أنهم أعطوا كبير مشايخ حرب مائة ألف ريال فرنساوي لتوزيعها على القبائل، وقد خصه من ذلك ثمانية عشر ألف ريال، ورتبوا له رواتب شهرية تصرف له دون إبطاء، فخَفَّت قبائل حرب لمساعدة المصريين وتقدم رجالهم أمام الجيش حتى أدخلوهم المدينة في ٢ ذي القعدة من السنة المذكورة بعد أن قبضوا على أميرها السعودي علي بن مضيان (١).

стр. 3614

أهل القصيم والجبل يغيرون على حرب: وفي سنة (١٢٢٩ هـ) غزا حجيلان بن أحمد أمير القصي ومحمد بن علي أمير جبل شمَّر في جمع قرابة ستمائة على قبيلة حرب على الحناكية على رأس عياد الذويبي، فنزل الغزاة قرب الماء، فتنادت لهم حرب فأوقعوا بهم الهزيمة، وقتلت منهم مقتلة عظيمة وغنمت خيامهم وأثاثهم وكثيرًا من ركابهم (١). حرب مع إبراهيم باشا: وفي عام (١٢٣١ هـ) بدأ الخلاف يستأنف سيرته بين محمد علي باشا والسعوديين، ذلك أن رجالًا من أهل القصيم والبوادي اتصلوا بصاحب مصر فأغروه فيما يبدو بالتوجه إلى ديارهم، فجهز جيشًا إلى نجد بقيادة ابنه إبراهيم باشا، وكان طوسون قد توفي على إثر عودته من مكة. وسار إبراهيم باشا بجيوشه إلى أن نزل المدينة ثم سار إلى الحناكية فانضم إليه الكثير من قبائل حرب وعُتيبة ومُطير وغيرهم (٢). وقعة بين حرب وعنزة: وفي سنة (١٢٤٠ هـ) غزت جموع من مطير على رأس فيصل الدويش وابن مضيان في حرب وعسكر من الترك غزت مشعان ابن مغيليث بن هَذَّال وقبائله من عَنَزة فقُتل ابن هذَّال في هذه الوقعة (٣). حرب والشريف يحيى بن سرور: وفي سنة (١٢٤٢ هـ) خرج الشريف يحيى بن سرور مطالبًا بإمارة مكة فسار في البادية ليظهر ارتحاله إلى مصر، فعرج على بدر فاجتمع فيها بشيوخ حرب

стр. 3615

وطالبهم بنصرته، فوافقوه وأطاعوه. فأسرع رئيس الحامية العسكرية المصرية في مكة فنصب الشريف عبد المطلب بن غالب أميرًا للبلاد وكتب بذلك إلى مصر بطلب الموافقة. ويعلق الأستاذ السباعي على ذلك فيقول: ومن المظنون أن رئيس الحامية في مكة لم يفكر في تنصيب عبد المطلب إلا بعد أن علم بأن قبائل حرب بدأت تجتمع لنصرة يحيى وكأنه أراد بذلك أن يشعر القبائل من حرب وغيرها أنهم لا يهاجمون في مكة إلا شريفًا من أمرائهم، تخفيفًا لحدة ثائرتهم. مناخ المربع: وفي سنة (١٢٤٩ هـ) وقعة مناخ المربع، قال ابن بشر: وفيها مناخ المربع بين مطير وأتباعهم وبين عَنَزة وأتباعهم، والمربع ماء معروف من مياه الشرب قرب بلد المذنب ورئيس مُطير إذ ذاك محمد بن فيصل الدويش المكنى أبو عمر وأخوه الحميدي، واجتمعت قبائل مُطير ومعهم بنو سالم من حرب وقائدهم ذياب بن غانم بن مضيان، وسلطان بن ربيعان وأتباعهم من عُتيبة وغازي ابن ضبيان وأتباعه من الدهامشة من عَنَزة، ومزيد بن مهلهل بن هَذَّال ومعه قطعة من آل حبلان من عَنَزة، هؤلاء أبتاع مُطير ويشربون من عين الصوينع. وأما عنزة وأتباعهم فرئيسهم المقوم لهذا الأمر زيد بن مغيليث بن هذال ومعه قبيلة من آل حبلان وقاعد بن مجلاد وقبيلته من الدهامشة والغضاورة من ولد سليمان وابن وضيحان وقبيلته، من الصقور وصحن الدريعي بن شعلان وقبائله من الروّلة، هؤلاء قبائل عَنَزة ومعهم من غيرهم بنو علي من حرب ورئيسهم الفرم والبرزان من مُطير ورئيسهم حسين أبو شويربات وعدوان بن طوالة وقبيلته من شمَّر. هؤلاء مقابلون لضدهم

стр. 3616

على الثلما الماء المعروف. وإنما بسطت عدهم وتسميتهم لأن هذا المناخ جمع العربان وتنافرت فيه القرابات كل له شأن، فوقع بينهم الحرب الشديد الذي يشيب من هوله الوليد وتبارزت فيه فرسانهم وتعانقت شجعانهم وعملوا لأهل البنادق المتاريس، فعلا دخان البارود بينهم ودام كل لضده حارس، وعقلوا إبلهم في هذا المناخ حتى أكلت الدمن وغلا الطعام حتى بيع عندهم بأوفر ثمن، واستمر ذلك المناخ والقتال نحو أربعين (١)، ثم ولت بعد ذلك قبائل عَنَزة منهزمين (٢). انتهى قول ابن بشر. قلت: وهذه الحرب من الحروب المنكرة عند القبائل إذ انضم كل قبيلة إلى أعدائه التقليديين ضد بني عمه، ولا بد أن هناك أسبابًا لهذا التحالف لم يوردها المؤلف ويبدو من سياقه أنه لا يعلم السبب هو أيضًا. محمد علي باشا يجرد على حرب: وفي سنة (١٢٥٥ هـ) عصت بعض القبائل من حرب فجرد عليها محمد علي باشا حملة من مصر قوية بقيادة سليم باشا إطزبير، فسارت الحملة حتى عسكرت في الغاربة والخيف، ثم تغلب على كثير من الخيوف فنهبت ما فيها وأحرقت زروعها ونخيلها وشتت شمل المقاتلين، حتى لاذوا بالفرار وتحصنوا برءوس الجبال، وشرعوا يقطعون الطوق في جهات متفرقة من باديتهم. وظلت الحملة تعسكر فيما امتلكت من الخيوف طيلة عام ١٢٥٥ هـ وبعض عام ١٢٥٦ هـ، وقاست المدينة المنورة من جراء انقطاع الطرق في هذه الأثناء ضيقًا شديدًا، واشتد غلاء الأسعار فيها حتى بلغ قيمة الأردب من القمح ثلاثين ريالًا (٣).

стр. 3617

ضرب حرب على يد الشريف محمد بن عون: في سنة (١٢٥٦ هـ) تم الاتفاق بين العثمانيين ومحمد علي باشا بأن تعود الأمور في الحجاز إليهم، وكان الشريف محمد بن عون يقيم في مصر فجهزه محمد على باشا إلى الحجاز واليًا لها، فنزل ينبع ثم غزا منها مواطن حرب فضربهم ضربة أليمة. والسباعي يعلق مرة أخرى على أوضاع حرب: ويقول الأستاذ أحمد السباعي مؤرخ مكة في عهدنا: ما كانوا يستحقونها (الضربة) في نظر التأريخ لو وجدوا فيما سلف من عصورهم من يعلمهم الرشاد ويحسن توجيههم إلى خير الأمور، ولنا أمل أن يصلح التأريخ أغلاطه فيما سلف بهذه المدارس التي بدأت تعطي ثمارها في رابغ والمسيجيد وكثير من القرى، وأن تعد هذه القبائل إعدادًا يفيد البلاد وينفعها (١). انتهى قول السباعي. قلت: أظن الأستاذ كتب ذلك قبل أزيد من عشرين سنة وقد أعطت اليوم هذه المدارس أكلها فتخرج منها العديد من أبناء حرب فصار منهم قادة برتبة فريق وأساتذة يحملون شهادة الدكتوراه وكتابًا وأطباء، وهذا دليل على أن في قبائلنا المادة الصالحة إذا وجدت العناية والتوجيه. عبد المطلب يغزو حربًا: وفي مستهل عام ١٢٦٨ هـ كان والي مكة الشريف عبد المطلب بن غالب وهي ولايته للمرة الثانية، فعصت عليه بعض قبائل حرب فحمل عليها فأطاعته فبنى في ديارهم قلاعًا، وهي: قلعة بدر، وقلعة الحمراء، وقلعة الخيف، وقلعة

стр. 3618

بئر عباس، وقد أقام فيها بعض العساكر لحماية تلك الجهات (١). غزو الفّوارة والدفينة: وفي سنة (١٢٦٨ هـ) خرج محمد بن ناصر من المدينة في تجريدة من الأتراك ومعه كثير من قبائل حرب، فأغار على ابن سقيّان من بني عبد الله، على الفوارة (٢)، وأخذهم ثم رجع إلى الدمينة وبعد ذلك بأيام، خرج محمد ابن ناصر المذكور من الدمينة ومعه عساكر كثيرة، وتبعه كثير من حرب، فأغار على العضيات جماعة الضيط من عتيبة على الدفينة فأخذهم ثم رجع إلى المدينة، وذلك في رجب من السنة المذكورة (٣). وقعة ساق: وفي سنة (١٢٧٤ هـ) تناوخ عُتيبة وحرب بالقرب من جبل ساق فحصل بينهم قتال شديد وصارت الهزيمة على عُتيبة، وقتل من عُتيبة نحو ستين رجلًا ومن حرب نحو خمسين رجلًا (٤). عصيان بعض بطون من حرب: وفي عام (١٣٠٠ هـ) عبث بعض المفسدين من قبائل زبيد وبشر معبّد وسُليم (٥) بالأمن وقطعوا طريق القوافل بين جدة ومكة وذلك في رمضان من السنة المذكورة، فجهز الشريف عون جيشًا لقتالهم ففروا إلى عسفان فأدركهم وأوقع بهم حتى أطاعوا له.

стр. 3619

حرب والحسين بن علي: في ٦ شوال سنة ١٣٢٦ هـ عين الشريف الحسين بن علي بن محمد بن عبد المعين العبدلي من أحفاد أبي نمي محمد بن بركات، عُيّن أميرًا للحجاز فوصل إلى جدة في ٩ ذي القعدة من السنة المذكورة. ولعله منذ ذلك الوقت كان يخطط للثورة ضد العثمانيين فأخذ يستميل القبائل القوية في الحجاز مثل قبيلة حرب وعتيبة ومطير وغيرها. وفي سنة ١٣٢٩ هـ كان الإدريسي قد أوعز إلى أعوانه ومؤيديه بالهجوم على "أبها" قاعدة عسير، فكلفت الحكومة العثمانية الحسين بالعمل على فك الحصار عن قواتها في أبها، ويقول صاحب الرحلة اليمانية: فامتثل للأمر الشاهاني وجمع جيشًا من الأشراف والعرب: من قبائل عُتيبة، ومُطير، وابن الحارث، والبقوم، وسُبيع، وقبائل حرب. وإنما اختص هؤلاء القبائل بالتوجه معه لأنهم فرسان مدربون. وفي مكان آخر يذكر أن حملة الأثقال لهذه الغزوة كانت مكونة من ألفي جمل لقبيلة حرب (١). وقد جربت بعض قبائل العصيان على الحسين فتجمعت قرب الهدة قبائل من بني عمرو فجهز لها جيشًا بقيادة أحد الأشراف الحُرَّث فجرت موقعة بين الطرفين على آبار أم الدُّبيج جنوب عسفان، على ٥٢ كم شمال مكة، ثم سويت المسألة صلحًا سنة ١٣٣٣ هـ. وهذا دليل على أن الحسين لم يرد ردع هذه البطون لئلا يغضب بذلك قبائل حرب. ومما يروى عن الحسين في إعجابه بقبيلة حرب وتودده إليها أنه كان يردد على مسامعهم: ما حرب إلا بحرب، وحرب حرابة الدول. حرب والثورة العربية الكبرى: لقد كان الحسين يعد حربًا جيشًا من جيوشه، وتوثيقًا لهذا الهدف عين الشريف محسن بن أحمد بن منصور من ذوي عبد الكريم شيخًا لمشايخ حرب

стр. 3620

فجمعهم عليه وجعله يمارس سلطته قبل بدء الثورة بزمن يكفي للإلمام بنفسيات وشئون هذه القبائل، وفي التاسع من شعبان سنة ١٣٣٤ هـ ١٠ حزيران ريونية ١٩١٦ م أطلق الحسين رصاصته المشهورة إيذانًا ببدء الثورة، وفي العاشر من تموز يولية هاجم الشريف محسن جدة بقوة يبلغ عددها أربعة آلاف محارب وهم طبعًا من حرب، وعاونه في ذلك بوارج إنجليزية، وفي ١٦ تموز يولية أي بعد ٣٧ يومًا من بدء الثورة سلمت حامية جدة، وكان عدد العسكريين الذي استسلموا ١٣٤٦ جنديًا و ٤٧ ضابطًا (١). أول نصر للثورة العربية الكبرى على يد حرب: وكان أول انتصار ناله العرب في جدة، وتحول العرب على الأثر إلى الحامية التركية في مكة المعتصمة في قلعة (جياد) فصوبوا إلى القلعة المدافع التي غنموها في جدة (٢). قبيلة حرب كانت العمود الفقري للثورة العربية: والحقيقة أن هذه القبيلة كانت بمثابة العمود الفقري للثورة العربية الكبرى. فقد قال لي من اشترك من الثورة من غير حرب: لقد كنا نرى المخيم والمخيمين لا يخالط حربًا فيها مخالط. ولقد كان كثير من الغزوات يتكون جميع أفرادها من هذه القبيلة وقد استمرت تغذي الثورة وتنافح عنها وتسندها إلى أن دخل أبناؤها دمشق واستوطن كثير منهم في عمان ودمشق وكثير من قرى الشام. ولو أن حربًا وقفت في طريق الثورة لأخرتها كثيرًا ولربما قتلتها في مهدها، ولكن هذه القبيلة أخلصت للثورة حتى أنها لم تلتفت لأحد أشياخها وهو حسين بن مبيريك شيخ

стр. 3621

رابغ الذي ناصب الثورة العداء وكان يميل إلى الترك (١). ويجب هنا أن ننوه بأن جميع قبائل الحجاز شاركت في الثورة وقد اختفت بينهم الحزازات القديمة والثارات القبلية. والواقع أن جيش الثورة كان يبعث على العجب، فقد كان يغمر الإيمان رجاله الذي انتظموا جماعة واحدة حول فيصل (٢)، يقاتلون في سبيل الحرية أشهرًا عديدة دونما تذمر ولا شكوى، والذين كانوا يقولون إن العربي يحارب للمال يخطئون كل الخطأ، فقد كان الجندي البدوي العربي المحارب في الثورة ينال راتبًا شهريًا محدودًا لا يزيد عن ليرتين إنجليزيتين في الشهر الواحد، وكان الترك يعرضون على العربي أكثر من ذلك فلا ينضم إليهم، ولا يأبه لطلبهم، وفي ذلك دليل قاطع على أن العرب في الحجاز كانوا يحاربون في سبيل استقلالهم، وليس لغرض مادي (٣). شهادة محايد: ولقد رأى لورنس الإنكليزي بعيني رأسه عائلة يتناوب أفرادها القتال لأنها لم تكن تملك غير بندقية واحدة، فكان الشقيق يتناوب مع شقيقه حمل السلاح أيامًا ليقوم بواجبه في الدفاع عن أرض الوطن (٤). حرب تشن على الترك حرب عصابات: وعندما وصل فحصل بجيوشه إلى ينبع استقر بها ردحًا من الزمن، وكانت قبيلة حرب تحارب الترك حرب عصابات، وترسل إلى فيصل بين الآونة والأخرى ما يقع في يدها من الذخائر والجمال (٥). ومعروف ما لحرب العصابات من تأثير

стр. 3622

على العدو من إرهاقه وإدخال الفزع في نفوس أفراده مما يخفض روحهم المعنوية. وكذلك ما يقع لأفراد العصابات من تدمير أحيانًا على يد كمائن العدو بالإضافة إلى صعوبة تموينها تموينًا منتظمًا، فإذا أخذنا هذه النقاط وغيرها بعين الاعتبار أدركنا أن قبيلة حرب خدمت الثورة العربية الكبرى خدمة لم يخدمها غيرها، وإذا عرفنا أن الثورة أدت في البعيد الأجل مكاسب للعرب ما كانوا ليحصلوا عليها دونها، إذا عرفنا هذا كله فإن هذه القبيلة - بالنتيجة - خدمت العرب خدمة تتناسب مع موقعها وأرومتها العربية الأصلية، فإذا كان التأريخ قد أخذ عليها في الماضي بعض الهنات فإنها قد عوضت وأطفحت المكيال. القسم الثاني من تأريخ حرب: هو ما أسميته بالتأريخ العائم، أي غير المكتوب، وهذا القسم يتمثل في أيامها مع القبائل المجاورة، وقبل البدء بسرد هذه الوقائع نشير إلى مواقع هذه القبائل وأماكن سكناها حتى يتصور القارئ مواقع القتال ويستطيع الحكم على أسبابها. تتصل بديار حرب ديار تسع قبائل عربية، منها القوية والمتوسطة والضعيفة. وقد تعاملت قبيلة حرب مع جميع هذه القبائل ولها معها تاريخ يتناقله الأحفاد عن الأجداد وكأنه حدث بالأمس. ففي الجنوب تجاور قبيلة حرب قبيلتا هُذَيْل وخُزاعة، فالأولى تضرب شبه دائرة حول مكة، وكانت إلى القرن السابع الهجري تصل ديارها إلى وادي غُران شمالًا، أما اليوم فيفصل بينها وبين حرب وادي مر الظهران. أما قبيلة خزاعة فإنها قبيلة صغيرة تنقسم إلى قسمين: حضر يسكنون دف خزاعة بمر الظهران (٢٠ كم شمال غربي مكة)، وبدو يسكنون البر جنوب غربي مكة. وفي الشرق يجاور حربًا ثلاث قبائل هي من الجنوب إلى الشمال على

стр. 3623

التوالي: عُتيبة: وهي إحدى أحلاف حرب وتسكن صدور أودية الهدة وغران، ثم تنقطع حدودها هنا لتصل بها في نجد حول وادي الجريب، ورغم هذا الحلف فقد حدثت بينهما أيام دامية. ثم بنو سُلَيْم تجاور عتيبة في الحجاز من الشمال في صدور أودية أمج وقديد وكُليّة. ويتصل بها من الشمال قبيلة بني عبد الله من مُطير في الحرَّة التي يسيل منها وادي رابغ. إذن هذه القبائل الثلاث تسكن الأرض المرتفعة التي كانت تسمى حرّة بني سُلَيْم بينما تسكن حرب تهامة، وهذا أعطى تلك القبائل ميزة استراتيجية مسيطرة، بالإضافة إلى أن أرض حرب الخصبة كانت كثيرة الخيرات مما أطمع فيها جيرانها فأخذوا يشنون عليها غارات النهب. وترتكز ديار حرب على البحر الأحمر غربًا وهذا أعطاها ظهرًا دافئًا ومصدرًا إضافيًا للرزق هو صيد السمك. وفي الشمال تتصل بحرب ثلاث قبائل هي: جهينة في ينبع إلى وادي الحمض وهي أيضًا من أحلاف حرب. ثم قبيلة عَنَزة شمالًا حيث كانت تسكن المدينة إلى الحناكية، وكانت أشد القبائل مضايقة لحرب فخاضت معها حربًا طاحنة حتى أجلتها في أواخر القرن الحادي عشر، ولا تزال قبيلة عنزة تتصل بحرب حول وادي الجزل شمال غربي المدينة وفي الصحاري الواقعة شمال شرقي خيبر. ثم تأتي قبيلة شمَّر وهي من القبائل القوية، والعداء بينها وبين قبيلة حرب مستحكم ولهم قصص عجيبة مع بعضهم، وتتصل ديارها بديار حرب في نجد شمال وادي الرَّمة. وبعد أن ألقينا نظرة فاحصة على منازل هذه القبائل نبدأ في ذكر ما ورد إلينا منها على ألسنة الرواة كما أسلفنا.

стр. 3624

أولًا، أيام حرب وهُذَيْل ١ - مؤتمر عسفان: عندما أهلَّ القرن التاسع كانت بنو حرب قد وصلت في زحفها جنوبًا إلى غران، وكان سكانه هُذَيْل، فحدثت بين القبيلتين مناوشات وحروب صغيرة فتنادوا إلى مؤتمر في عسفان، يقول فيه شاعرهم: جونا رجال البلادية وجو لحيان وهذيل (١) … وزبيد تركم على عسفان من قبل الطلوعِ ومما قيل عن هذا المؤتمر أن الاتفاق تم فيه على ما يأتي: ١ - تجلو هذيل وحلفاؤها إلى ما وراء مَرِّ الظهران وتسلم هذه الأراضي لحرب. ٢ - تتعهد كل منهما بعدم غزو الأخرى وتعقل ما يحدث من رجالها، ولا تمرر عدوًا على الأخرى. ٣ - تؤمن كل منهما قوافل الأخرى في ديارها. فجلت هذيل عن الديار الواقعة بين واي غران إلى مر الظهران فاستوطنتها قبائل من بني عمرو الحربية. ويقال أن أمير مكة أرسل للمؤتمرين يخبرهم أن هذه الأرض "دولية" أي للدولة، ولكن لم يلتفت أحد إلى قوله!. وظل هذا الاتفاق سائدًا لم ينقض إلى أن أهل القرن الرابع عشر الهجري، ثم حدثت أيام دامية بين القبيلتين في فخ ومنى وغيرهما. ولقد استفادت القبيلتان من هذه المعاهدة، والاتفاق دائمًا خيرًا من الشقاق، فهذيل ظلت - كما ذكر المعمرون - قوافلها تروح وتغدو بين مكة والمدينة لا يعترضها أحد، وهذه الميزة لم

стр. 3625

تكن لغير هذيل في تلك العصور، فقد حرمت حرب أن تسير قافلة في الوُسَيْط (١) دون أذنها وذمتها. وقد استفادت حرب من هذه الاتفاقية بأن ضمنت ترددها على مكة جماعات وفرادى، ولم تكن هذه الميزة أيضًا لغير حرب في تلك الحقب. ٢ - يوم المقتلة: في عهد الحسين بن علي أمير مكة وقائد الثورة العربية الكبرى، حدث أن تسابقت قافلتان إحداهما لهذيل والأخرى لحرب في المكان المسمى بالمقتلة من وادي بلدح (٢) بين مكة والشميسي (الحديبية) فتزاجر قائدا القافلتين ثم تحاذفا بالحصى فثارت الفتنة، فحدثت مقتلة عظيمة من الرجال والجمال، وقال لي أحد الذين حضروها - ونحن في مكتب قائمقام مكة (٣) -: إن الغلبة كانت لحرب، وأردف: وعندما أخبر الحسين بذلك فقيل له: إن هذيلًا وحربًا أفنت بعضها في المقتلة. قال: خل الرجال تعرف الرجال!. ٣ - غزو في جرول: وأغار الهذليون على جمال بني سالم من حرب فأخذوها، فلحقها السالميون في مزدلفة، فحماها الهذليون، فعاد السالميون إلى مكة. وفي هذه الأثناء كان الشيخ صالح بن عسم يدخل مكة من الزاهر في أربعين من الهجن، فأخبر فأسرع شرقًا بعد أن أرسل من يصيح في جرول (حرب يا ربعي)، وعندما وصل صالح المنحنى فإذا بالسالميين عائدين، فصاح بهم: ماذا عملتِ يا سويلمة؟! - تحقيرًا لهم - فأخبروه. فقار: اتبعوني. وتكاثر بنو حرب، فلحقوا هذيلًا عند العلمين بين مزدلفة وعرفات، فتناوخ القوم من صلاة الظهر إلى قبيل الغروب في ذلك السَّلَم وكان اليوم شديد الحر، ولما سمعت الجمال التي أخذها الهذليون رمي

стр. 3626

البنادق تجمعت في جبل عرفات ولم يفطن الهذليون لتهريبها بعيدًا. وقبيل الغروب انهزم الهذليون تاركين الجمال حيث كانت فأخذها أهلها. وقد سألت شيخًا من هذيل عمن غلب في ذلك اليوم؟ فقال والابتسام على فمه: (ومن يقدر في حرب؟!). وكانت هذه الوقعة بعد المقتلة بعام أو عامين. ٤ - يوم السوق الصغير: وبعد الوقعة المشار إليها سابقًا بعام اعتدى هذلي على حربي في السوق الصغير بمكة فقتله رميًا بالرصاص. فتنادت حرب وانحازت هذيل إلى المعابدة، فأدركتهم حرب إلى الغويرات من سفح ثبير وامتدت المعركة إلى منى، فظلت آخر اليوم الأول وليلته ومعظم اليوم الثاني، وقتل فيها خلق كثير فوقع القتل في هذيل حتى كان يخرج الخمسة والستة من الغار فيقتلون!. هكذا على مرأى ومسمع من الدولة إن كان هناك دولة في تلك الأيام. والأغرب من ذلك ما روى لي من حضرها. فقال: أخذت الحكومة التركية تمد قبيلة حرب بالسلاح والعتاد، وأخذ الأشراف يمدون قبيلة هذيل بمثل ذلك. وهكذا - إذا صح ذلك - فبدلًا من أن تقوم الدولة بواجبها في حفظ الأمن وتضرب على أيدي العابثين نراها تساعد على القتال في البلد الحرام الذي حرمه الله يوم خلق السموات والأرض (١). فيا من ترفلون اليوم في هذا الأمن وتنتقلون في جميع الديار دون خوف ولا سلاح ولا رفاق أيضًا! يا هؤلاء احمدوا الله على ما آل إليه حالنا بعد تلك العصور التي تستباح فيها الحرمات وتعتبر قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق شجاعة وفتوة. وأنا والله لا أقول هذا تملقًا لأُولات الأمور فأنا والله أبعد الناس عن ذلك، وأكرههم له، ولكنه الحق يفرض نفسه، والله لا يستحي من الحق، واللهم إني أسألك دوام هذه النعم وتبصير من لا يراها.

стр. 3627

ثانيًا، أيام حَرْب وعتيْبة: تعتبر قبيلة عتيبة إحدى دعامتي شبابة، وحرب الدعامة الأخرى، وبينهما من قوة الصلات ما جعلني أنوه فيما سبق من هذا الكتاب إلى أنني أعتقد أن بعض برقا - إحدى فرعي عتيبة - هم من بني غالب بن سعد، إخوة حرب. ورغم هذه الصلات فقد حدثت بين القبيلتين أيام قليلة، منها: ١ - يوم ساق: وهو ما تحدثنا عنها في القسم الأول من هذا الفصل عن ابن بشر في حوادث ١٢٧٤ هـ. ٢ - عدوة البحول أو عدوة ابن ثعلي: في سنة (١٣٤٠ هـ) أغار عبد الهادي بن ثعلي من المزاحمة من الروُّقة على قديد بعد أن أخذ مائة رجل من سُلَيْم كسنادة (١)، فهاجم البحول سوق قديد الرئيسي فأحرقه وأكثر القتل في أهله، وتوغل غربًا حتى وصل إلى قبائل حرب عند الحُمَيْمة، وهو مضيق لوادي قديد قرب البحول، فدار القتال بين الفريقين، فانهزم عبد الهادي وكثر القتل في جيشه، وكان يحسن به ألا يعود من حيث أتى، وكان لديه مخرج آخر هو وادي الخريق (الأخرم) ولكنه لم يأخذ درسًا من اليربوع، فدفع الثمن غاليًا. ويقال: عن عبد الهادي أنه كان يغير باسم طلائع ابن سعود. ٣ - يوم الهييشة: وقعة بين حرب وعُتيبة سكان نجد معروفة عند أهل نجد كلهم، حدثت في الهييشة أحد روافد وادي السر في نجد قرب نفي (٢) وتعرف بشقة بيت ابن حُميد،

стр. 3628

وكانت قيادة حرب عند ابن نحيت شيخ مزينة. وكافت في أول هذا القرن الرابع عشر، ويقال أن القتل كثر فيها وكانت الغلبة لحرب. وفيها يقول شاعر حرب: يرعون من عَبْلهْ إلى حلِّيت … وشُبَيْرمه يردونها (١) لعيون نوره بنت ابن نحيت … اللي غشانا نورها وقيل في سببها: تراودت قبيلتا عتيبة وحرب، فقالت عتيبة: نصَبِّح حربًا في وادي الرَّمة ونحتله منهم. فقالت حرب: بل نقصر عليكم الطريق ونصَبِّحكم في وادي الرشاء. فصبَّحتهم حرب، وشق الحربيون بيت ابن حميد. وتسمى المعركة أيضًا "شقة بيت ابن حميد" فانهزمت عُتيبة. ويقول الجملاء من حرب إنهم هم الذين شقوا بين ابن حميد، وأخذوه بعد ذلك. ولهذه المعركة شهرة في نجد والرواية فيها متطابقة من القبيلتين؛ لأن البادية لا زالوا يعتبرون أن من الفضائل والرجولة الاعتراف للخصم بفعله. ٤ - غزوات ناهس الذويبي: ويروي هندي بن ناهس الذويبي الذي توفي قبل سنوات، عن أبيه ناهس أنه غزا عتيبة أربعين غزوة كلها يرى منها المشف: جبل أسود يرى من الدفينة في الجنوب الغربي. ما انهزم في واحدة منها. وسمى ناهسًا "لوفان" لكثرة غزوه ولوفه للقبائل المجاورة. والحديث عن أيام القبائل وتتبعها يطول ولا بد أن ما خفي علينا أكثر بكثير مما ظهر. ولكن الجدير ذكره هنا أن قبيلتي عتيبة وحرب ظلت رغم ذلك صلاتها ودية ولا تزال.

стр. 3629

ثالثًا، أيام بني حرب وسُلَيْم ١ - حرب البنت: فيما سبق من هذا الفصل حدثنا الهمداني عما حدث بين حرب وسُلَيْم عند نزول بني حرب أرض الحجاز. ولا بد أن تلك الحروب أضفت ذيولًا بعد الهمداني وانقطاع الرواية من البادية لانقطاع الكاتبين عن زيادتها بسبب اختلال الأمن فيها. ولكن الرواة من حرب يروون عن حرب قديمة ولعلها موغلة في القدم فأصبحت عندهم كالأسطورة، تلك الحرب يسمونها "حرب البنت" ويقول رواة حرب: في زمن من الأزمان فرضت سُلَيْم الشاة على حرب (١) وكانت تقدم بواسطة زبيد في دوران. وصفتها: رخل (٢) بكر تقودها بنت بكر ويشترط أن تكون البنت بنت شيخ القوم، فكان يعقد لذلك اجتماع سنوي فيقف القوم في صفين كل جهة حدوده، فتقدم البنت تقود الرخل، فيكون خروجها من صف القبيلة المفروض عليها هذه الأتاوة الغريبة التي يقصد منها اعترافها بضعفها، فتخرج من عند الأمير قاصدة أمير القبيلة الفارضة لهذه الأتاوة حتى تسلمه الشاة من يدها ليده. فينهض بعد ذلك شيخ القبيلة التي قدمت الفتاة فيدعو أولئك إلى الغداء في بيوت قومه!. فظهر في زبيد شاب رأى ما يعمل قومه فحزن لذا واغتم، فطلب شباب قومه، وأخذ يدربهم على الكر بالجياد طيلة سنة حتى أنس منهم الكفاءة، فرسم معهم خطة، تتلخص فيما يلي (٣): يختارون نعجة حرون، فإذا أرادت البنت قيادها تعجز عنها، ليقوم رومي بن عسم - وهو اسم الشاب موضوع الحديث -

стр. 3630

فيسرع إلى معاونة الفتاة إلى أن يصل إلى شيخ سُلَيم، فإذا مد الشيخ يده لأخذ الشاة بتر يده بالسيف، وفي هذه الحالة يكون رفاقه قد أسرعوا إليه بالخيل ومن ضمنها فرسه هو. ونفذت الخطة بدقة، فنشبت حرب بين القبيلتين استمرت سنين طويلة، دخلت بنو حرب على أثرها وادي قديد فامتدت المعارك إلى قرب الظبية، ولما طالت عليهم الحرب طلبوا التحكيم ولكن النعرة منعتهم من الاتفاق إلا على حل غريب، هو أن يستعيدوا القتال ومتى قتل أول رجل جعلوا مكانه حدًا وينتهي الحرب. فقتل رجل من بني السفر من حرب عند دقم مقابل للظبية شمالًا فوضع حدًا وسمي (دقم السفري). ٢ - يوم لفت: ويعرف في رواية حرب بـ (مقتلة الفيت): في القرن الرابع تقريبًا كانت بنو حرب قد احتلت قديدًا (١)، ثم تطلعت إلى وادي أمج الخصيب، فحشدت بنو سُلَيْم لمنع حرب من الوصول إلى خُليص، فتجمعت في لفت فسدته، فأخذ حرب العطش فتقهقرت أول النهار، ثم عادت من طريق الأخرم - نقب في حرة خليص - فطوقت بني سُلَيْم ووصلت إلى الماء فاحتلت الوادي. ٣ - يوم الملاقي: ملتقى مسرين نشب نزاع بين قبيلتي سُلَيْم وحرب على الحدود في هذه الجهة، فتحاشدوا، وتواقعوا عند ملتقى مِسْرَين، وفي ذلك يقول شاعر سُلَيْم: أنا اللي هاضني وأطري علي بالي … نهار في ملاقي مسر يطرونه نهارُ زبيد جونا جمع هيّالي … على الركبان والمزري (٢) يشيلونه

стр. 3631

ورد عليه شاعر حرب: تمدح يا الطوير برد الأمثال … نسيتوا يوم سابركم تخلُّونه عطية في اللُّصيِّب روس الأقذال (١) … وناهد في الحريرة كيف تنسونه؟ ٤ - يوم "أبو غَشَى ": في سنة ١٣٣٥ هـ - على وجه التقريب - أغار طُفَيْشان البُقَيْلي في سرب من بين سُلَيْم، فجزع مِسْرَين وانصب مع نقب أبي غشى إلى صدر خُليص، فنذر به القوم، ونشبت معركة قصيرة اشترك فيها من حرب: البلادية، وبعض أحياء من زُبيد، قتل على أثرها رجل من قوم طفيشان فانهزم عائدًا بلا غنائم بعد أن أصيب بطلقة في مؤخرته. ٥ - يوم العريماء: أغارت بنو سُلَيْم على البلادية في (أبو حليفاء) فأخذت إبلًا لهم، وبعد زمن جاء من يقول للبلادية: هذه قافلة الفلانية - الذين أخذوا إبل البلادية - عائدة من جدة في طريقها إلى ساية وسيفارقهم (خَويُّهم) المعبَّدي قبل العريماء (٢)، - حدود سُلَيْم - فتنادى من البلادَية ثلاثون رجلًا كان منهم والد مؤلف كتاب حرب ﵀ فسبقوا القافلة فكمنوا لها في ريع العريماء، وهو ريع ضيق لا يسع إلا جملًا جملًا، فاستولوا عليها، وعندما قسمت الغنائم خص والدي جمل محمّل بالمتاع، وكان ﵀ ديّنًا يعلم أنه مُحرّم عليه فرفض ذلك - فأعْطِيَ إحدى الأرامل. كانت هذه الحادثة قبل مولد المؤلف بخمسة عشر عامًا حسب إفادة والده، أي أنها في عهد الحسين بن علي، ويظهر أن أحدًا من الطرفين

стр. 3632

لم يشتك إلى الحسين الذي حذر القبائل من أعمال الغزو والنهب، فقد كانت الشكوى تعد من العيوب!. ٦ - يوم الهدة: أغارت بنو سُلَيْم على معبَّد من بني عمرو في الهدة، وأخذت لهم مواشي، وكان ذلك في عهد الحسين بن علي أيضًا، ولم تشأ مُعَبَّد أن تشتكي لأن ذلك في عرفهم يعتبر جبنًا وخوفًا من العدو. وفي هذا الوقعة يقول شاعر سُلَيْم: عدوا في الهدة واحتاشوا الضين (١) والرعيان … وخلوا دبشهم خالياتٍ مناشيره (٢) ولحقوا مُعَبَّد سربةٍ تشرب الدُّخان (٣) … سريعين في كيل الفرنجي وتذخيره يقول البلادي: هذا ما تيسّر جمعه من الأيام التي حدثت بين القبيلتين سجلتها كما رويت لي لأن التأريخ أمانة ولا بد أن هناك أيامًا لم تصلني أخبارها. ورغم هذه الحوادث البسيطة فقد ظلت القبيلتان في مناطق حدودهما أصهارًا وأصدقاء وجيران حتى أن الأجنبي عليهما لا يظن أنه يحدث بينهما حوادث. وعلى سبيل المثال لا الحصر فقد كان والدي متزوجًا في سُلَيْم، وتزوج فيها اثنان من أخوالي، وكان يعدد لي والدي كثيرًا من جيرانه السُلميين في عهد ما قبل الحكم السعودي مما يدل على تقارب وتصافي القبيلتين. رابعًا، أيام بني حَرْب ومُطَيْر (٤): يعتبر أكثر النسابين قبيلة مُطَيْر من بقايا غَطَفان، وفي غير هذا المكان قد

стр. 3633

يكون لدي قول وشروح تضاف إلى أقوال أولئك النسابين (١)، غير أن الحديث هنا عن قبيلة حرب، وكل تطرقي لهذه القبائل لتوضيح علاقاتها مع بني حرب. ومُطَيْر من القبائل المقاتلة لها أيام دامية مع سُلَيْم وعُتَيْبة وحَرْب، وقد قال لي أحدهم: إنه وأباه شهدا ثلاثين غارة من بني عبد الله من مُطَيْر على البلادية وحدهم، كانت تقابل بمثلها من قبيلة البلادية. ومن أشهر الأيام التي حدثت بين القبيلتين: ١ - يوم السوارقية: عدت بنو عبد الله من مُطير فقتلت أربعة أبناء لرجل واحد من البلادية، فأخذ أبو القتلى يصيح في حرب ويؤلبهم سبع سنين، فتجمع من حرب جيش لجب بقيادة أحد العسوم، فهاجم بني عبد الله في السوارقية فأحدث مذبحة ظلت أظافر الرجال تجلجل كلما هبت الرياح، وأخيرًا اتفق الجانبان على صلح على أن يوضع حد حرب بطرف السوارقية، أي أنه يقصي مُطَيْرًا من الحرَّة التي كانوا منها يسيطرون ويغيرون على حرب منها، ورغم اعتراف مطير بهذا الحد وبقائه معروفًا إلى اليوم، فإن حربًا لم تستول فعليًا على تلك الديار، وفي هذه الموقعة يقول أحد البلادية: أنت حدك زار وأنا حدي مدوّر ووادي اللصاف حدودنا القدمية وليس هذا شعرًا بالمعنى المعروف في أوزان البادية، ولكن الرواة يستشهدون به، ويقولون: الشاهد لا يخضع للنقد، خاصة إذا أتى بأسماء أعلام.

стр. 3634

٢ - يوم في نجد: كان أحد المطيريين متزوجًا في حرب، فرحل بزوجته إلى ديرة مُطير، وفي مناقشة جرت بينه وبين زوجته قال لها: سأغزو قومك غدًا وأرحلك أحد جمال أبيك. وفي الصباح صبحت حرب قوم هذا الرجل على رأس محمد أبو الرءوس الذويبي، وسمي بذلك لكثرة ما قطع من رءوس الرجال، وكان سيفه يسمى (اللُّويصق) وسيف الفرم يسمى (الفلسقان). وكان المُطيري مدار الحديث يمسك بولد له صغير فأخذ يناوله أمه مادًا لها مؤخرة الولد فضحكت، وقالت: وين البعير؟ هذا ذنب الورع! أي أين الجمل الذي قلت بالأمس سترحلنيه من جمال أبي؟! واحتدمت المعركة، وكان مطيريان رديفان على ذلول فضرب محمد أبو الرءوس الرديف فعزل رأسه عن جسمه فظل متمسكًا بيده في غزال الشداد (١). ففر أمير مُطَيْر محمد الدويش (٢) في ذلك يقول شاعر حرب: محمد محمدنا ليا (٣) جا اللزومي … يوم أن محمدكم تالي الجيش خلاه من ضربته رأس المطير لهومي … متمسكًا بيديه ما فيه جمهاه (٤) ٣ - يوم حياء: كان بين البلادية وبني عبد الله (عاني) (٥) فذهب البلاديون لموسم الحج، فأغار ثلاثمائة من بني عبد الله على من تخلف من البلادية في ديارهم فصبحوهم

стр. 3635

يوم العاشر من شهر ذي الحجة فأخذوا مالهم، ولحقهم من في الديار من البلادية ولكنهم عجزوا عن استخلاص ما بأيديهم. وفي ذلك يقول شاعر بني عبد الله: تليمنا ثلاثميه وهَيَّفْنا عَدَى القِرْيَان … وثَمْره يوم جينا بالركايب ضادق واديها وشَدَّوْا من تمايه يوم سمعو طاري النُّفْضَان (١) … وحلوا في حيا ليلة عشر مَدْرِي حراويها وجيناهم شُريق الشمس يوم المال في المرحان (٢) … وزَفَّيْنا أمهات الباب (٣) مع ضين (٤) يباريها ولحقونا البِلادِيّة كما ثِعْلٍ من الأمزان … لكن ألاد عَبَّاد الدَّياقي من يواليها (٥) ورد عليه شاعر البلادية قائلًا: مشينا للمواسم (٦) يوم عانيها على الرُّبعان (٧) … حُليل (٨) الرِّبعة اللي بوقها جافي عوانيها وحنا لو درينا أن ما سد الوجيه أمان … يبلنا (٩) في المخافة يا محمد ما نخليها

стр. 3636

٤ - يوم الريان: أغارت بنو عبد الله من مُطير على بني عمرو من حرب في الريان من وادي الفرع، وكان وقت صرام النخل، فاستنجد بنو عمرو بمخلف أهل خضرة، فأصبح العبدليون بين نارين فقتلوا إلا من فر بمفرده، وغنمت حرب ركابهم ومن سلالتها اليوم العبدليات مع بني عمرو وأصلها عمانيات، والعمانيات من أصل ركاب العرب. ولا زالت بنو عبد الله بينها وبين حرب فتور ظاهره العلاقة الحسنة، ذلك أن ديار حرب تتحكم في الطرق إلى مكة والمدينة وجدة وحتى مدن القصيم، ومجاهرتها بالعداء يعود بالضرر على القبيلة المعادية وخاصة مطير التي لا طريق لها إلى هذه المدن إلا عن طريق أراضي حرب أو عتيبة. (١). ٥ - يوم الشراء: أغارت بنو عبد الله على البلادية ليلًا في الشراء، فنذرت بهم فقتل من بني عبد الله نفر وأسر أميرهم من الربعان. ثم من عليه البلادية فأطلقوا سراحه. خامسًا، أيام حَرْب وجُهَيْنة (٢) عندما وصلت حرب إلى هذه المنطقة كانت جهينة تسكن إلى قرب المدينة المنورة في إضم وجبال الفقرة والفقارة وما سال منها، وتدريجيًا احتلت حرب هذه الأماكن، ولا بد أن أيامًا دامية حدثت قبل جلاء جهينة عنها غير أن التأريخ الموغل في القدم يضيع من الرواة بالتدريج وأحيانًا يقتلونه عنية إذا تحسنت العلاقات بين قبيلتين وخافوا أن يثير بينهما الشر، ذلك أنهم لا يعرفون من أمانة التأريخ إلا ما يثيرون بها حماس أجيالهم، وكثيرًا ما يبالغون فيما فعله فيهم الخضم لترسيخ العداوة ضده.

стр. 3637

وما حصل مع جهينة هو حسن الجوار ثم التحالف. فخمدت قصص الحرب بينهما فضاعت. غير أن هذا كله لم يمنع وقوع وقائع كان بعضها شديد الوطأة حكمها في ذلك حكم ما حدث بين عتيبة وحرب الحليفتين التقليديتين، ومن هذه الأيام: ١ - يوم السويق - تصغير سوق: ويقول البعض: يوم سويقة. والسويق وسُويقة في وادي ينبع متجاورتان (١). حدثت هذه الوقعة في منتصف القرن الثاني عشر على وجه التقريب، ولم أستطع معرفة أسبابها غير أنه من الواضح مما سنسوقه من شعر كشاهد أن جهينة استولت على أملاك القُواد (٢) في سويقة فطردتهم فاستنجدوا بحرب، ويظهر أن السبب حمس حربًا حتى اشترك منها خلق لا يحصى حتى أن زبيدًا القاطنين في اليمن في قضاء القنفذة اشتركت في هذه المعركة، فقد روى شخص ذهب إلى اليمن فضاف زبيديًا هناك، وكان المضيف شيخ أعمى فسمع قرعة بندقية سقطت على الأرض فتألم وقال: لا تكسروها، والله لو تكلمت لأخبرتكم بما حدث يوم السويق وهي في يد جدي. واستمر القتال أيامًا بين حرب وجهينة وقيل أن قبيلة بلي دخلت إلى جانب جهينة، فأحرقت حرب السويق وكان أكبر سوق في ينبع، وكثر القتل وعاد القُوّاد إلى أرضهم سويقة. ويقول شاعر حرب في ذلك: جينا إلى مدسوس من بطن ينبع … وردنا ماء شعثاء وأكلنا جنيها

стр. 3638

أولنا ياطا حمادًا وعثعت … وآخرنا ياطا دقاقًا سَفِيَّها (١) وليا بنات القايدي ينخفننا (٢) … عطاشى لَهَافَى يابسات شِفِيّها وقلنا لهن حنا لكن دون داركن … بالحرب وإلا ما رجونا جَنِيَّها وإلا يا طيور الجو قومي تباشري … وخلي سباع الشام (٣) تدني جِرِيَّها (٤) رمينا لها في بطن ينبع ضيافة … تموت وهي في ضدها (٥) وَاهَنِيَّها يشبع منها كل عَوْدٍ منحني … وتشبع سباع ماحيات فميَّها ويظهر أن النساء اشتركن في هذه الحرب كممونات ومسعفات، ذلك أن الخصم - في أعراف البادية - لا يعرض للنساء حتى ولو رآهن يحملن الذخائر والمؤن إلى المقاتلين. والشاهد قول الجهني: نُبيِّض (٦) على ثلاث نَبَنْ (٧) يوم حربنا … عليهن من البيضاء ثياب فضايل منهن سقياتنا يوم حربنا (٨) … عذيات (٩) ما يا طَنّ قيلًا وقايل منهن من نرسلها بالملح (١٠) بيننا … نرسلها بسهوم المنايا رسائل (١١)

стр. 3639

٢ - سويقة ثانية: وفي سنة ١٣١٧ هـ حصل نزاع بين حرب وجهينة في قريتي السويق الجهنية، وسويقة الحربية، من ذيول حرب السويق المشار إليها آنفًا. ولكنها انتهت بصلح بعد أن كادت تنشب الحرب. ومما قيل في ذلك حداء لشاعر جهني يقول فيه: ارتجت الأوطان من داري ودارك … وارتاع قمري في الخبا مني ومنك من حر ما يصلاه من ناري ونارك … أنا أحمد اللي دمها مني ومنك (١) فأجابه مشري الأحمدي الحربي بقوله: بالعون يا الحد أي فسرنا كلامك … وليا (٢) كلامك غلّق الأبواب عنك بجاه من سيرك ليلك مع نهارك … يا من دياري وأنت يا من لك ديرك (٣) ٣ - يوم شجوى: فيما عدا اليومين السابقين ظلت قبيلتا حوب وجهينة جارتين حليفتين، ولها تحدث بينهما كبير أيام إلا ما لم يصلنا. غير أن ميل البوادي في الأزمنة الأخيرة للزراعة وتملك الأرض وحبهم للاستيطان الدائم أحدث منازعات بين القبائل وكثيرًا ما يحدث فيها استعمال السلاح والقتل. ومن ذلك أن بني عروة من جهينة زرعوا أرضًا من وادي الحمض (إضَم) فتنازعوا عندها مع الحوافي من ولد محمد بن حرب، واستمر النزاع سنين حتى أثمر النخل الذي غرسه الجهنيون.

стр. 3640

وفي أحد الأيام مر رجل من ولد محمد قرب نخل بني عروة - وكان لا يمر أحدهم بأرض الآخرين إلا رمي بالرصاص - فرماه العرويون فاخطأوه. فعدت بنو محمد على بني عروة فقتلوا منهم رجلين ففر العرويون فأحرق المحمديون النخل، وأقاموا فيه ثلاثة أيام يحرقون ويقلعون حتى أتتهم الشرطة من المدينة فأخذوا ووضح منهم في السجن ثلاثون منهم أمير الحوافي. وكثر خروج الهيئات الحكومية إلى تلك الأرض ولا زالت القضية قائمة في عامنا هذا (١٣٩٣ هـ). وكانت الوقعة في عام ١٣٨٥ م أو ١٣٨٦ هـ. سادسًا، أيام بني حَرْب مع عنزة فيما تقدم ذكرنا عن الهمداني: أن قبيلة عنزة ناصبت بني حرب العداء منذ نزولها أرض الحجاز. وأن حربًا أجلت عنزة إلى أعراض خيبر. ولكن يظهر من ملابسات التأريخ أن عنزة استطاعت العودة إلى أكناف المدينة المنورة. حيث يروي المعمرون من حرب عن أسلافهم أن المكان من المدينة المسمى اليوم (العَطَن) كان معطان إبل ابن هَذَّال أمير عنزة، وأن سقيها كان من (عين زكي) تلك العين المعروفة إلى اليوم بطرف سلع من الشرق، فأدخلت في سقي المدينة المنورة. ويذكرون أيضًا أن ابن هذال كان يربع حول الحناكية وهي حينئذ بئر وليس بها بلد عامر، فكان ينزلها بمجرد الانتهاء من صرام نخل المدينة. وإن حربًا ما كانت تنزل تلك الديار إلا في جواره وذمته، ولا بد أن العداء كان مستحكمًا لعدة أسباب: منها أن طبيعة القبيلتين مختلفة، فحرب أناس سريعو التأثر حافظون لحقوق الجار يكرهون أن يستهزئوا بالعدو أو يهجوه بالشعر، ولكن حربهم يسبق قولهم، وإذا ألقيت نظرة في شعر الحماسة في البادية المحيطة بحرب تجد أن هجاء أعداء حرب تسير به الركبان، ولا تجد قولًا واحدًا من هذا الهجاء.

стр. 3641

اللاذع منسوبًا إلى حرب، ولكنك إذا ألقيت نظرة على المعارك التي تشترك فيها حرب وجدت المبالغ يقول لك: قل أن تهزم حرب. أما طبيعة عنزة فقد وصفها لي أحد شيوخهم، وهو يقول: تريد أن أقول لك الحق؟ قلت: نعم. قال: هزائين، سطامين لطامين، يهزأ واحدهم حتى بأبيه (١). وأهم ما وصلنا من الأيام بين قبيلتي حرب وعنزة. ١ - وقائع المجللة: وقائع دامية بين القبيلتين لم أجدها مكتوبة في تأريخ مع أنني لم استقص تأريخ المدينة المنورة فلربما يكون لها ذكر هناك، ولكن الظاهرة العامة أن كتابنا ومؤلفينا بعد العهد العباسي لم يعيروا تأريخ البادية اهتمامًا، وانحصر تاريخ كل مدينة في ذكر من دخلها وخرج منها وفتوحات أميرها فقط، فإذا غزا أحد الأمراء إحدى القبائل أو القرى لم يذكروا لك من شأنها إلا ما يخص ذلك الأمير، وأهملوا - كليًا - الطرف المقابل، بل وأنحوا عليه باللائمة دون أن يعرضوا لك الأحداث والملابسات لتشترك معهم في الحكم. وتوصلت إلى أن وقائع المجلّلة حدثت في القرن الحادي عشر بعدة استنتاجات: ١ - لم يذكر لحرب قبل هذا التأريخ أية وقائع شرق المدينة المنورة. ٢ - معظم حجج التملك الموجودة لدى قبائل حرب في العيون وشرق المدينة والتي تعود إلي القرن الحادي عشر، تبدأ هكذا: إن مما أفاء الله علي. أو إن من أملاكي. أو مما أعطاني الله. وهذا يدل على أمرين: أولهما أن هذه الأرض جاءت غنائم. وثانيهما أن هذا الشخص هو أول مالك لهذه الأرض من أسرته.

стр. 3642

٣ - هناك سلالات يدعي بعضها اشتراك أجداده في هذه الحرب فيسمي بعضهم ويقول لك: جدي الثامن أو التاسع. وقاعدة معرفة تأريخ مثل هذه السلسلة: هو ضرب عدد الأفراد في أربعين سنة أي ٨ × ٤٠ = ٣٢٠ سنة. أو ٩ × ٤٠ = ٣٦٠ سنة. فإذا عرفت أن هذا الحساب أجري سنة ١٣٩٢ هـ عرفت أن هذه المدة واقعة في القرن الحادي عشر إذا صح حساب الرواة. وتبدأ قصة هذه الحرب الطاحنة بين القبيلتين بروايات متواترة لا يكاد يختلف فيها اثنان. فيقولون: كان ابن هَذَّال أمير العمارات من عنزة قد نزل الحناكية في الخريف بعد جداد النخل، فنزلت إليه أحياء من حرب منهم بنو علي من مسروح، وكانت الحناكية هذه بئر يستقي منها، وكان لعنزة شباب فيهم نزوة ونزق، فوردت البئر بنت ابن دهيِّم أمير بني علي قبل إمارة الفروم، فملأت قربة لها فطلبت من أحد الحاضرين على البئر أن يحمل عليها القربة، وكان من شباب عنزة، فحمل القربة حتى إذا استوت بها رفع ثوبها من خلاف فعلقه في مؤخرة القربة فانكشف ثوبها عن سوأتها، وكان النساء في ذلك العهد لا يلبسن السراويل، وعندما غادرت البئر كانت عورتها بادية لكل من له عين يبصر بها، فصاح بها الناس (يا حرمة استري نفسك)! فقالت: إذا كان لي رجال يسترونني. وكانت قد قالت لأبيها: إنك مجاور لا كما يجاور العربي العربي، ولكن جوار ذل وخضوع. فما كادت تجد هذه حتى عرضت على المجنس وكان فيه أبوها وابن هَذَّال وكبار القوم، فلما اقتربت من المجلس انحرفت بحيث تبدو لهم عورتها. فلما رأوها بدرت من ابن هذَّال ابتسامة تشفي، بينما اسودت وجوه من حضر من حرب. وفورًا تفرق المجلس، فاجتمع كل أمير بقومه، وتدارس أمره، وكان ابن طريّف من بني علي أيضًا قد وصل مقامًا بين العرب في القضاء حتى ضرب به المثل (مُصَدِّرة من عند ابن طريّف) فالقضية التي يحكم فيها ابن طريف غير قابلة للنقض من بقية

стр. 3643

القضاة. ووافق ابن هذَّال على إحالة القضية على ابن طريّف وهو يعرف الحكم سلفًا. وصدر حكم ابن طريف بقطع يد الفاعل. ولكن عنزة رفضت ذلك، وساومت في شراء اليد بعشر من الإبل. فرفض ابن دهيِّم. فتنافر القوم فرحلت حرب حتى نزلت وادي الحسا (من العقيق) وجهز ابن دهيِّم المجلَّلة، وهي أول مرة وآخر مرة تُجهز حرب فيها مجلَّلة. ذلك أن المجلَّلة لا تجهز إلا في الضيم الأعظم. والمجلَّلة: (ذلول (١) تُلَبَّس بالسواد كل ما عليها ويلبس راكبها السواد حتى تبدو وراكبها كتلة سوداء). وقال ابن دهيِّم: اذهب فطف على أمراء حرب، ومن أراد أن يبيضها فقل له: إنه لا قبل لك بذلك!. فطافت الذلول بابن جزأ، وابن مضيان، وابن حصاني، وابن طامي، وكلهم تخلَّى عنها. فسار بها حتى نزل على ابن عسم في خليص. ولما رآها ابن عسم خرج إليها فأناخها بنفسه فأمر العبيد أن يبيضوها. فقال المرسول: إنه ليس بإمكانك القيام بهذه المهمة. فلم يجبه ابن عسم، وأمر عبدًا له أن يدق (٢) زير الحرب، وهو زير من الصفر دائري الفوهة واسعها ضيق القاعدة ويسمع على بعد ٤٠ كم، ويقول البلادي: وقد قرع في خليص فسمعته أنا في عسفان، وهي مسافة ٣٠ كم تقريبًا. وأمر ابن عسم بذبح أربعين رأسًا من الغنم تطبخ على فترات متفاوتة بحيث يستمر الطبخ حتى شروق الشمس (٣)، وهو موعد وصول آخر من يسمع زير الحرب. وكانت من عاداتهم أن من يكون آخر من يصل إلى الصوت يرسل من عنده

стр. 3644

إلى من لا يصل إليه صوت زير الحرب يخبره بذلك النذير الذي لا يدق إلا في الأزمات الكبار المستعجلة. وعلى هذا الصوت المدوي تجمعت حرب من الجبل إلى البحر في حدود سماع الصوت على كل صعب وذلول. وما إن أصبح الصباح حتى تجمَّع حول منزل ابن عسم عشوات الألوف المدججين بالسلاح. ولم يكن قد سأل ضيفه من أين أتى وما الذي أتى به، وهنا نظر إلى ضيفه وقال: أين تنزل يا حربي؟! قال: الحسا. فقام ابن عسم فقال لقومه: موعدكم وادي ملل. فتفرق القوم، فقال لضيفه اذهب وعد ١٥ يومًا ثم انتظرنا في الفريش. وقام ابن عسم فحط كل من قديد وكلية والنويبع والفرع (١)، وكلها يعمل كما عمل في خليص. أما عنزة فقد عرفت مغبة ما فعلت فأرادت أن تبعد الحرب عن ديارها. وهي خطة حربية ماهرة، الذي يستطيع نقل المعركة إلى أرض العدو. فأغارت على حرب في الحسا والعقيق فأجلتهم إلى ملل. وأرسل ابن عسم إلى أمراء حرب أن يحملوا كل ما لديهم من ذخائر البارود والسلاح على كل دابة متوفرة، فحملت الجمال والحمير حتى شوهد النساء في قوافل متراصة وعلى رءوسهن أكياس البارود. ولم يعد لجرود (٢) حرب دواب تحملهم فاكتفى الكثير منهم بالاشتراك في بعير واحد يحملون عليه زادهم وماءهم، ويمشون خلفه. فضلّ جمل لحرب فوقع بيد عنزة في العقيق وجاء به صبيان يضحكون ويقولون: كسبنا بعيرًا لحرب. فنظر إليه شيخ مسن فهاله ما على الجمل

стр. 3645

من قرب فارغة قد علق بعضها فوق بعض، فقال الشيخ: عدوا هذه القرب. فعدوها فإذا هي سبعون بدرة (١). فـ. . . الشيخ: فضحك الصبية، فقال متمثلًا: أمور تضحك السفهان منا، ويبكي من عواقبها اللبيب. وقال الشيخ: إذا كان كل بعير لحرب يمشي وراءه سبعون رجلًا فأين تذهب عنزة؟! كان ابن هذَّال في هذه الأثناء لا يزال في الحناكية، فأراد ابن عسم أن يفاجئه. فطلب من قبائل بني عمرو أن تطوق عنزة المتوغلين في ديار حرب وتمنع وصولهم إلى شرق المدينة. وهاجم أهل الحسا قرب ذي الحليفة فقبض على العنزي مثير هذا السبب وبعض أقربائه فأعدمهم، ثم زحف شرقًا حتى اقترب من الحناكية بليل، فلما كان قريبًا أمر كل رجاله أن يطلقوا النار في الهواء، وكانت البنادق في ذلك العهد معظمها ما يسمى "أم فتيل" وهو نوع بدائي من البنادق يشحن بالبارود ثم تشعل له فتيلة خارجية فيكوى بها البارود فيثور محدثًا لهبًا ودخانًا. وفي منتصف الليل استيقظت بنت ابن هَذَّال (٢) فأيقظت أباها قائلة: أبشر يا أبي! فقد جاءك برق الخريف من الغرب. فقال ابن هَذَّال: إن برق الخريف لا يكون في منتصف الليل، ولكنه البارود فقد صبحتنا حرب. وأيقظ قومه وأرسلت النجاجيب (٣) إلى كل فريق من عنزة، ودارت المعركة
следующие страницы →