١٢ - الفرم:
من الكراشيف من الجبور من بني علي، وهجرتهم اليوم (قبة) شرق بريدة بحوالي (٢٠٠) كم. وأول من اشتهر منهم عاتق الفرم، كان فارسًا مغوارًا استطاع أن يشق نجدًا حتى وصل إلى هذه الديار في الأيام التي كان فيصلها السيف، والضعيف فيها زاد للقوي، فصارت كل حرب تسمي عاتقًا تيمنًا بذلك، ولا أعرف عنه غير ما كان يقصه والدى وهو لا يخرج عما ذكر آنفًا. ثم ظهر محسن الفرم أخو حسنًا، وكان فارسًا مغوارًا، وكان سيفه يسمى الفسقان، ودخل محسن ببني علي يوم السبلة إلى جانب الملك عبد العزيز فبرز وأبلى بلاء حسنًا وفي سنة ١٣٤٧ هـ هاجم محسن الفرم فيصلًا الدويش وأحرق خيمته (١)، وخلّف محسن ابنه جلالا كان أميرًا سنة ١٣٨٣ هـ ثم توفي ﵀، فخلفه أخوه عبد الله بن محسن وهو الأمير الآن.
١٣ - ابن نحيت:
والنحايتة أمراء مزينة ولهم ذكر غير خامل في نجد، وقاد ابن نحيت وقعتي الهييشة وعرجاء - انظرهما - في أول القرن الرابع عشر الهجري ضد عتيبة، وقاد حجاب بن نحيت مزينة يوم السبلة إلى جانب الملك عبد العزيز، ومنهم المطرب الشعبي حجاب بن نحيت، وهو غير حجاب الأمير، وهي اليوم في آل شبيب، وعرف منهم: شبيب وطامي وهجرة ابن نحيت اليوم (الفَوَّارة) شمال غربي بريدة.
١٤ - ابن ناقي:
من الجماعة من ولد سليم في نجد، وهجرتهم البعائث، في وادي الرَّمة
стр. 3677
شرق العجاجة عشرة كم، وفيهم إمارة كافة ولد سليم هناك. ودخل ابن ناقي الحرب يوم السبلة إلى جانب ابن سعود. وانظر آل مطلق آخر الفصل.
١٥ - ابن مريخان:
أمراء الجملاء من الرحلة في نجد، وهجرتهم الذيبية شمال غرب الرس، وقد اشترك ابن مريخان - كما يروى - في وقائع المجلَّلة، وفي يومي الهييشة وعرجاء، ودخل السبلة إلى جانب الملك عبد العزيز.
١٦ - ابن سُعْدَى:
أمراء الوهوب، كانت لهم غارات على ابن رشيد، وسُعْدَى أمهم نسبوا إليها، والعرب من قديم تسمى بالأم، كمزينة وسلول.
ولكن عبيد بن رشيد استغل نعرة البادية في نظرتهم إلى اسم الأم فقال:
مندوب بأمه جاوز النير من غاد … وسمي مطعوم النشامى يباريه
إثر غارة أغارها ابن سُعْدَى والحنيني على حائل.
وقاد ابن سُعْدَى الوهوب في معركة السبلة إلى جانب الملك عبد العزيز.
١٧ - الحويفي:
الحوافا أمراء السعادين من ولد محمد، لهم شوكة وفيهم حدة، ولهم مقارعات وأيام مع عنزة وجهينة لم يصل إلينا إلا قليلها ذلك أنني لم أسجل الروايات المبعثرة التي لا تتوفر فيها عناصر الموقعة كالسبب والنتيجة، ومن أيامهم مع جهينة يوم (شجوى) انظرها.
١٨ - ابن جُديع:
أمراء الحنانية من مروح من بني سالم في نجد، وهجرتهم اليوم (الديلمية) شمال غربي الرس ٣٠ كم تقريبًا.
стр. 3678
دخل ابن جديع حرب السبلة إلى جانب ابن سعود، وله حروب مع شمّر على شكل غارات لم نوردها في هذا الكتاب، وهو الذي قرنه عبيد بن رشيد بن سُعْدَى بقوله: (سمي مطعوم النَّشَامَى). وكان أكبر خطر على أطراف شمّر من الجنوب. حتى قيل إن كثيرًا من شمّر هجر الحدود.
١٩ - ابن حمّاد:
أمراء الفردة، وهجرتهم (الخصيّبة) شرق بريدة، وهم يجاورون الوهوب، ولهم غارات على مطير وشمر، وعتيبة.
٢٠ - ابن حصاني:
من بني عُليان من صبح، وله شهرة قديمة في حرب، أنشأ بلدة بئار ابن حصاني في غيقة، وكانت محطة بين مستورة والحمراء، وعندما جاءت السيارات جنب عنها الطريق فانتقل ابن حصاني إلى بدر وهو مقرهم الحالي، ولآل ابن حصاني حروب مع الأشراف إذ هم سكان جبل صبح وما حوله ولكن المؤرخين لم يذكروا أمراء هذا الجبل كعادتهم في تجاهل كيان القبائل إلا من يفرض نفسه كمالك ورومي.
٢١ - ابن عبَّاس:
الذين ينسبون إلى عباس اليوم فخذ من الظواهر من سكان وادي الصفراء، وهذا البيت ظهر بعد نزوح آل مضيان - أمراء الظواهر - إلى نجد، غزاهم الشريف عبد المطلب بن غالب سنة (١٢٦٨) هـ فبنى القلعة المعروفة اليوم ببئر عباس.
٢٢ - ابن بُنيَّان:
من البددة من اللهبة من عوف، وهم أمراء اللهبة، انتقلت إليهم الإمارة بعد العبسة ثم الربقة - انظر ذلك في الحديث عن اللهبة - واشتهر من اللهبة أمراء
стр. 3679
كانت لهم صولة تعتمد على الغزو، ولما كانت ديارهم وسطية كانت معظم غاراتهم علي قبائل حرب، لهم أيام منها يوم مع البلادية قتل فيه أحد أمرائهم، ويوم آخر قتلوا فيه أحد شيوخ البلادية، ويوم مع جهم حددت على أثره الحدود بين القبيلتين، وأيام مع صبح.
والذين اشتهروا من البنايين، هم بُخَيِّت بتشديد الياء، وبَخيت ثم ناصر بن بَخِيت ثم بَخِيت بن ناصر وهو الأمير الحَالي وقد ولِّي من قبل الدولة أميرًا على القاحة ونواحيها. ومركزه اليوم في بئر قيضي وهو رجل فاضل متديّن، وإمارته تتبع بدرًا في الوقت الحاضر.
٢٣ - أبو رُبعة:
من الفردة من السهلية من عوف، ولآل أبي ربعة شهرة في تلك الديار، وعندما جاء الملك عبد العزيز كانت حدود أبي ربعة من أعالي وادي النقيع جنوبًا إلى ذي الحليفة بضواحي المدينة، ومن شعوف سلسلة قدس غربًا إلى ما وراء حرة النقيع شرقًا. وهجرته اليتمة، ولا زالوا سكانها.
٢٤ - ابن رُبيق:
من الربقة من العطور من بني عمرو، كان يمر بمداركه طريق الحاج بين المدينة ومكة المار بوادي الفرع، وكانت له مخصصات ترسل (صرة) وهذه الصرة في الوقاع كانت ترسل لمعظم أمراء حرب الذين على طريق الحاج كأجر لحراستهم الحاج في مداركهم، وسبب شهرة ابن ربيق هذا هي أن دياره ذات تضاريس خاصة كانت تمكن للصوص وقطاع الطرق التخبوء فيها وسرقة الحاج، وكان دائمًا يطالب بزيادة العطاء لأنه كان يجند كل قومه أيام الحج لحماية هذا الحاج. ومقر ابن ربيق اليوم (الريان) من وادي الفرع.
стр. 3680
٢٥ - النتَّاف:
من الصرادحة من معبّد، وهم أمراء معبد كافة، وشهرتهم محلية ولهم أيام وحروب مع بني سُلَيم والروقة من عُتيبة، ذلك أن هاتين القبيلتين تجاوران معبد من الشمال والشرق. وممن اشتهر منهم حسين النتاف عاصر الحسين بن علي، ثم سليمان النتاف، عاصر الملك عبد العزيز، ثم عابد، أما اليوم فقد عين في مقرهم (البرزة) طارفة تابع لخليص.
٢٦ - ابن دُهيم:
من الدهِّيم من ولد مرير من بني علي. وكانوا أمراء بني علي قبل الفروم، انظر خبرهم في وقائع المجللة.
٢٧ - أبو ذراع:
من الغبشة من الحوازم، جاء خبره في حوادث سنة ٩٦٣ هـ. انظره هناك في "وقعة الفريش". ومنهم الآن من تحضر في المدينة وصارت له شهرة ونباهة.
٢٨ - آل مطلق:
من أمراء ولد سليم، يقول الشيخ سعود بن مخيمر بن مطلق أمير النماص: أن هذه الأسرة توارثت الإمارة على عشرين جدًا، اشتهر منهم: زيدان المطلق ومخيمر والد الراوي.
وقد تقدم معنا أن ابن ناقي هو أمير ولد سليم، ولا أعرف الصلة بين أسرتي المطلق والناقي.
٢٩ - ابن عائج:
من أمراء الحوازم، فيهم إمارة النعمة، ومقرهم وادى ألاب من روافد وادي الصفراء اشتهر منهم: إبراهيم بن عائج والد الدكتور منصور بن إبراهيم الحازمي.
стр. 3681
والإمارة بدع على إبراهيم هذا، وليس للبيت قبله إمرة، والقائم اليوم على الإمارة ابنه محمد بن إبراهيم.
كرم ووفاء
هذه القبيلة المتعددة البطون ذات الديار المترامية الأطراف ظهر فيها كرماء ورجال عهد ووفاء ولم نستقص أخبارهم لأن هذا البند ليس من صميم الكتاب الذي هو بالدرجة الأولى كتاب نسب وتأريخ، غير أن أخبار بعضهم تناقلتها الركبان وطارت مع الريح، منهم الشيخ الجواد محمد ابن حمادي - انظره في بيوت حرب - ومن هؤلاء:
حجرف الذويبي:
أمير بني عمرو في نجد - انظر الذويبي في بيوت حرب - وقصته: أنه سافر في جمع من حرب يريدون وادي الفرع وقت الصيف لشراء التمر، وعندما أمسوا رآهم ليس لهم عشاء، وكان يركب ذلولًا وامرأته تركب بعيرًا، فنحر جمل زوجته لهم فتعشوه وأردفها معه على الذلول، ثم ساروا وبعد ثلاث ليال رآهم وليس معهم شيء فنحر ذلوله لهم فتعشوها، وفي آخر الليل سرا القوم وظن كل منهم أن غيره أركب حجرفًا وزوجته! فأصبحا في الخلاء ليس عنده أحد فلامته زوجته على فعله، فأخذ بندقيته وذهب يتصيد فرأى حنشًا يرتز في العراء فتأتيه الطير فتقع على رأسه فيبتلعها، فاصطاد ظبيًا وعاد إلى زوجته، وهو يقول:
أنا إذا ضاقت عليه تنفرج … ماني بمسكين همومه تشايله
يرزقني رزّاق الهوايش بجحرها … لا خايلت برقًا ولا هي بحائله
وفي منتصف الليل أيقظته ركاب تحتك بهودج امرأته، وعليها سلاح ومال كان أهلها قد قتلوا إثر معركة حدثت بينهم وبين آخرين. وله قصص أخرى عجيبة.
стр. 3682
قصة نويشي:
نويشي من المشاعلة من بني عمرو وكان له رفيق أقام عنده فصاروا يقنصون ويسافرون معًا، وفي أحد الأيام قال رفيق نويشي - وكان من غير حرب - أريد أن أسافر إلى أهلي ولكني أخاف قومك. فقال نويشي: اذهب ومن أتاك فقل له إنك (خويي) فقال بل تقتلني حرب. فأخذ نويشي عصا الخوي فوضع عليها وسم المشاعلة، فقال له: اذهب بها ولن يعترضك أحد.
وفي الطريق اعترضه ناس من المشاعلة أنفسهم، فأرادوا قتله فقال: أنا خوي نويشي وهذه عصاي عليها وسم المشاعلة قالوا لا بد من قتلك.
فأخذ يلوذ بشجرة وهو يردد "نويشي يا خويي". فقتلوه، وكان فيهم خال نويشي.
وجاء خال نويشي إليه فقال: ليتك سمعت خويك يوم قتلناه وهو ينخاك. فقال نويشي: أنت سمعته؟ قال: نعم. فأخذ نويشي السيف فضرب خاله فبتر يده، ثم أخذ يطارد الآخرين حتى قتل منهم أربعة بالإضافة إلى يد خاله.
وحدث أن شمّريًا كان له خوي فقتله بنو عمه - الشمري - فذهب يسأل ابن رشيد ما هو حق الخوي من النقا؟ فقال ابن رشيد: (اسأل عنها نويشي!).
стр. 3683
أحلاف حرب
عندما أنزل الله آدم من السماء قيل أنه أنزل حواء بعيدًا عنه وعندما وصلا إلى الأرض أحس كل منهما بالوحشة وحاجته إلى إنسان يسكِّن روعه ويشاطره السراء والضراء.
وعندما صار لهما أبناء أصبح الكل محتاج إلى أسرة لتشد أزره وتساعده في شئون الحياة.
وهكذا كبر المجتمع وكبرت حاجته إلى التكتل والتآلف وخاصة حيث يسود الأمن ويصبح الزند هو الذائد الحامي للذمار، حتى أننا نرى أكبر الدول وأعظمها لا تألو جهدًا في ضم دول كثيرة إليها في معاهدات اتخذوا لها أسماء شتى.
ومن هذا المجتمع القبلية العربية، لقد عرفت القبائل العربية الأحلاف وعرفنا ذلك عنها في أقصى ما وصلنا من أخبارها.
وعندما جاءت بنو حرب إلى الحجاز - كما أسلفنا - كانت قليلة العدد دخيلة وافدة، ويظهر أنها نزلت أول ما نزلت في طريقها سراة (شبابة) جنوب الطائف وهي السراة التي تنزلها اليوم قبيلتا بني مالك وبلحارث أو هي جزء منها، وقد قرأت في أحد الكتب - لا أذكره الآن ولعله تأريخ ابن خلدون - أن شبابة هذه من بني هلال بن عامر من هوزان. وكانت بنو هلال في ذلك التأريخ قد وصلت قمة مجدها وابتلعت الديار والقبائل بين بيشة ومعدن بني سُلَيْم، فلا يستبعد والحالة هذه أن بني حرب انضمت إلى شبابة هذه، وقد ذكر الحمداني ونقل عنه القلقشندي أن حربًا هؤلاء بطن من هلال بن عامر:
стр. 3684
ما هي شَبَابة اليوم ؟
وشبابة اليوم مجموعة قبائل لا شك أنها متحالفة وصلب هذه القبائل قبيلتا حرب وعتيبة، وقبيلة عتيبة يجمع نسابو اليوم أنها من هوازن ولعل السابق في هذا القول هو الأستاذ حمد الجاسر، غير أنه من الثابت أن كثيرًا من هذه القبائل يرجع إلى أصل غير هوازني، مثل العصمة، وقد نوهت فيما تقدم أن بعض قبائل برقا قد يرجع أصلهم إلى بني غالب إخوة حرب الذين تخلفوا حول نخلة اليمانية ثم ذهبت أخبارهم فلعل جزءًا منهم انضم إلى عتيبة كما أنني أعتقد أن قبيلة الصلمان التي تسكن نخلة اليمانية اليوم هي منهم أيضًا سيما وأن بعض رواة هذيل قال لي: أن السعايد ليسوا من هذيل. والسعايد هم عمود الصلمان.
والشاهد على أن شبابة أحلاف هو أن زهران من شبابة، بينما إخوتهم غامد من خندف.
وكذلك جهينة وبلي يعتبرون من شبابة.
وقبائل الحجاز اليوم تنقسم إلى: خندف، وشبابة.
فشبابة تشمل: حربًا، عُتيبة، زهران، بني الحارث، بني مالك، جهينة، وبليًا.
بينما تشمل خندف قبائل: هُذَيْل، سُلَيْم، ثقيف، مُطير، سُبيع، البقوم، عَنزَة. وليست هذه الأسماء للحصر فهناك قبائل أخرى.
وخندف في الأصل هي امرأة إلياس بن مضر تخندفت أي وضعت عليها غطاء. وكان هذا الاسم معروفًا في عهد الرسول، قال خديج بن العوجاء النصري: ثمانون ألفًا واستزادوا بخندفًا.
ودخلت في حلف حرب قبائل أخرى عندما اشتد ساعدها. مثل بني لحيان
стр. 3685
التي حالفت البلادية خاصة. وبني خزاعة التي حالفت العسوم، وهذان الحلفان حصلا قبل مؤتمر عسفان ولكن ظلا قائمين ولا زال معترفًا بكل منهما من عناصره.
الحالة الاجتماعية لقبيلة حرب
الواقع أن حربًا اختارت - أو اختار الله لها - هذا المكان الوسط بين مكة والمدينة، وفي هذا المكان الممتاز نعمت ورغد عيشها، وكانت تعتمد في معيشتها على العناصر الآتية:
١ - الحاج: نظرًا لأن الحاج يمر بين مكة والمدينة في أراضي هذه القبيلة فقد كلفت بحراسته وتأمين وسائل نقله، وهذا التكليف - طبعًا - كان من الحكومات القائمة لشيوخ هذه القبيلة، والإنسان في كل زمان ومكان كان يقرب أقاربه ويخصهم بالنفع. من هذه النظرية خص شيوخ حرب قبائلهم بنقل الحاج فأكثروا من الجمل حتى قيل أن بعضهم كان عنده ستون جملًا، وكان أقلهم من يملك خمسة جمال، وكانت أجرة الجمل سبعة جنيهات ذهبًا على الأقل من مكة إلى المدينة ومثلها مرجّع، وبين جدة ومكة أربعة جنيهات مرجّع، وجنيهين طلوعًا ونزولًا من عرفة.
وبحساب بسيط نجد أن دخل الجمل الواحد كان عشرين جنيهًا ذهبًا سنويًا. ومن ليست لديه جمال كان يفتتح المقاهي في طريق الحاج، وغيره يبيع علف الجمال كالحشيش والنوى وغيره، ومنهم من كان يروي أو يحطب، وهكذا ما كان ينتهي الحج حتى تكون بيوتهم قد تحولت إلى مستودعات من المؤن.
٢ - وهناك الزراعة: فهذه الأرض بها أماكن كثيرة زراعية، وكان في المنطقة
стр. 3686
الواقعة بين مر الظهران والمدينة فقط (١١٨) عينًا، يعيش على العين الواحدة قرابة أربعمائة نسمة، بالإضافة إلى زراعة الآبار العديدة. من كل ما تقدم كانت حرب أهل قرى ويقل فيهم الرحل إلا من ذهب إلى نجد.
٣ - صيد السمك: معروف أن ديار حرب تمتد على ساحل البحر الأحمر الشرقي، وهذا البحر غني بأنواع السمك التي تبلغ خمسمائة نوع، وظل ولا يزال قسم كبير من هذه القبيلة يعتمد في معيشته على هذه الناحية بطرقه البدائية.
٤ - بالإضافة إلى ذلك كانت حرب تربي الماشية كالإبل والأغنام ونظرًا لوقوعها على طريق الحاج وقربها من المدن الرئيسية في الحجاز فقد كانت تبيع ماشيتها بأثمان لا يحصل عليها من هو في أماكن بعيدة عن المدن.
مما تقدم نرى أن هذه القبيلة كانت تعيش في رخاء طيلة أكثر من تسعة قرون نتج عنه:
١ - إندماج كثير من الأجناس في هذه القبيلة منهم من جاء حاجًا فتخلف هنا ومنهم من جاء من القبائل الأخرى لأسباب عديدة، وقد فصلنا هذه الفروع في الفصل الثالث.
٢ - العمران: لقد بنت هذه القبيلة القرى العديدة (١) وجعلت فيها المساجد وكان في كل مسجد (معليمة) (٢) وظهر فيها فقهاء كانوا يخطبون يوم الجمعة بخطب مطبوعة لمن سبقهم من العلماء.
وكان تعليم الأولاد يكاد يكون محصورًا على القرآن ولهم به شغف، ولم يكن التعليم للولد فقط فإن بعضهم علم بناته أيضًا ولكن ذلك كان فرديًا، وقد
стр. 3687
ذكر لي بعض المعمرين أنه في آخر القرن الثالث عشر كان في ديار حرب المساجد التالية:
١ - مسجد في عسفان وفيه معليمة وجمعة.
٢ - مسجد في غران كالذي قبله.
٣ - مسجد في خليص كسابقه.
٤ - مسجد في الخوار.
٥ - مسجدان في قديد في كل منهما معليمة وجمعة.
وفي وادي الفرع ووادي الصفراء كثير من المساجد في كل منها معليمة وجمعة، هذا بالإضافة إلى القرى الكبيرة مثل رابغ والدعيجية وغيرها.
٣ - التكتل: القوة دائمًا مع الثروة وقبيلة حرب أثرت في تلك العصور فأسكتت القبائل المحيطة بها حتى أمنت شرها ثم تكتلت فيما بينها لضمان حقها، لذا فإن أمير الحاج المصري كان إذا أراد أن يحرم قبيلة من عائداتها حول طريقه مع ديار قبيلة أخرى، ولكن حربًا جعلت لذلك قانونًا بينها ألا يمر في ديارها قبل أن يدفع ما لجاراتها، ومن هنا نشأت الحالة التي سمى بعض هؤلاء الأمراء ومن يرافقهم من الرحالين قبيلة حرب قطاع طرق، والحقيقة أنهم يطالبون بمخصصات متفق عليه من الدولة وسلمت نقدًا لأمير الحاج، ولكنه يريد (بشطارته وطرقه الخاصة) أن يستلب هذه الأموال في وقت يحاول فيه إيصال الحاج سالمًا، ولم يتيسر الأمران لأحد منهم.
стр. 3688
نكبة حرب
وما إن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها عام ١٩٤٥ م حتى حلت بحرب نكبة لم يعرفوها في تأريخهم، وأسبابها:
١ - الجفاف: اجتاح الحجاز جفاف جعل الأخضر يابسًا فتقهقرت الزراعة بل توقفت في كثير من الأودية.
٢ - انتشار السيارات: لقد انتشرت السيارات بعد الحرب العالمية الثانية بسرعة مذهلة جعلت نقل الحاج بواسطة الجمال يتناقص بسرعة حتى صار أهل الجمال يخرجونها من مكة معاري لا يجدون ما يأكلون وتأكل، ثم قضي عليها نهائيًا خلال سنوات.
٣ - غلاء الأسعار: في هذه الفترة غلت الأسعار غلاءً فاحشًا وعدمت بعض أنواع من الطعام، فأخذت الحكومة السعودية توزع على أهل القرى هناك الحب والكسوة، ولكن المجاعة كانت أقوى من المكافحة.
فانهالت حرب في هجرة شبه جماعية إلى مكة التي كانت العاصمة السعودية، ومنهم من ذهب إلى المدينة، وفي مكة ضاعفوا عدد السكان وسكنوا عشاشًا وصنادق فأخذت الحكومة توزع عليهم العيش غير أن الفوضى دبت فيهم مما حدا بالحكومة أن تبعد أكثرهم إلى مر الظهران فجعلت للفرد (قرصين) وفد أدركت أنا هذه الفترة في حدود (١٣٦٥ هـ) أو بعدها بقليل، ثم سمحت الحكومة بعودتهم إلى مكة.
وفي مكة كونوا معظم الأحياء الجديدة الغربية مثل: الزهراء، الزاهر، ريع الكحل وغيرها. وقد أشرنا إلى ذلك.
стр. 3689
حرب اليوم
واليوم احتكروا الآلة في مكة والمدينة، فيكاد يكون جميع من يشتغل بخدمة السيارات من سمكرة ودهان وتوضيب، من هذه القبيلة وكذلك قوافل سيارات الشحن الكبيرة وخاصة بين مكة والمدينة، فقد عادوا لطريق أجدادهم بالآلة بدل الجمل وبالعلم بدل الجهل. وتمر بلاد حرب بعد (١٣٧٠ هـ) بنهضة زراعية تعليمية، وقد تخرج منها مئات المدرسين والموظفين، وهناك عدد لا يستهان به في أجهزة الدولة الراقية كالأطباء والضباط وحملة القلم، فعدد من يساهم اليوم مساهمة عملية في الدولة لا يمكن حصره وقد يزيد عددهم عن الآلاف.
فسبحان مغير الأحوال، وجاعل العلم نورًا يهتدى به.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ صدق الله العظيم.
[انتهى قول عاتق بن غيث البلادي]
стр. 3690
المراجع
أصدق الدلائل في أنساب بني وائل … ابن عبّار
نسب حرب … البلادي
تاريخ العبر … ابن خلدون
نهاية الأرب … القلقشندي
تاريخ الأمم والملوك … الطبري
مسالك الأبصار … ابن فضل الله العمري
معجم قبائل الحجاز … البلادي
معجم قبائل المملكة العربية السعودية … حمد الجاسر
جمهرة أنساب الأسر المتحضرة … حمد الجاسر
معجم ما استعجم … البكزي
معجم قبائل العرب القديمة والحديثة … رضا كحالة
مجلة العرب … حمد الجاسر
صبح الأعشى … القلقشندي
السيرة النبوية … ابن هشام المعافري
جمهرة النسب … ابن هشام الكلبي
الأنساب … السمعاني
لب الألباب في تحرير الأنساب … السيوطي
نسب عدنان وقحطان … المبرّد
أسماء أخبار نجد … فايز البدران
تاريخ نجد في العصور العامية … أبو عبد الرحمن الظاهري
стр. 3691
فجر الإسلام … أحمد أمين
الخطط … المقريزي
مروج الذهب … المسعودي
المؤتلف والمختلف … الآمدي
الكامل … ابن الأثير
فتوح البلدان … البلازري
العقد الفريد … ابن عبد ربه
البيان والتبيين … الجاحظ
وفيات الأعيان … لابن خلكان
الكامل في التاريخ … لابن الجوزي
المفصَّل في تاريخ العرب قبل الإسلام … د. جواد علي
شمال غرب الجزيرة … حمد الجاسر
تاريخ اليمامة … عبد الله الخميس
شعراء الجبل العاميين … عبد الرحمن السويداء
تاريخ الجبرتي … الجبرتي
بين مكة واليمن … البلادي
رحلات في بلاد العرب … البلادي
تاريخ مكة … السباعي
تاريخ نجد … ابن بشر
التعليقات والنوادر … أبو علي الهجري
مذكرات تاريخية … فايز موسى البدراني الحربي
بنو رشيد طنايا عبس … مبروك مبارك الرشيدي
стр. 3692
الإكليل … الهمداني
سبائك الذهب … السويدي
تاريخ شرق الأردن … فردريك ج. بك
الأغاني … للأصبهاني
الأعلام … الزركلي
كنز الأنساب ومجمع الآداب … حمد الحقيل
العقد الثمين … الفاسي
صفة جزيرة العرب … للهمداني
المقتضب … ياقوت الحموي
الإفادات … التويجري
الفاضل … المبرّد
الطبقات … ابن سعد
المغازي … الواقدي
اللسان … ابن منظور
بلاد العرب … الأصبهاني
صحيح الأخبار … ابن بليهيد
الروض الأنف … السهيلي
معجم القبائل والحكومات … القثامي
الخليج وبلدانه … مايلز
الرحلة اليمانية … الشريف البركاتي
قبيلة بني رشيد … رباح مبارك مذكر الرشيدي
المعجم الجغرافي للمملكة العربية السعودية … حمد الجاسر
стр. 3693
أنساب الاسر والقبائل في الكويت … د. أحمد المزيني
ديوان عبس بين اليوم والأمس … حباب السندي
صور وأشعار بني رشيد … ناصر بن عجوين الرشيدي
شرح ديوان عنترة … سيف الدين الكاتب
الرحلة الحجازية … البتانوني
ديوان الشاعر ساكم الدوّاي … سالم بن تويم الدوّاي
رحلة الدرعي المغربي في القرن الثالث هجري … تحقيق حمد الجاسر
تاريخ سيناء … نعوم شقير
الجامع الصحيح … للإمام مسلم
معجم أسماء العرب … للسلطان قابوس
دولة الإسلام … الذهبي
الإكمال … ابن ماكولا
صور من شمال الجزيرة … أوغست فالين
تحفة المستفيد … لابن عبد القادر
البيوتات الحاكمة … لأبي عبد الرحمن الظاهري
الخليج العربي … د. جمال زكريا
الموسوعة الإسلامية … المستر و. ئي فلقن
قلائد الجمان … القلقشندي
وصف مصر … أميديه جوبير
والبيان والأعراب … المقريزي.
نهاية الأرب … النويري
القاموس … الفيروز أبادي
جمهرة أنساب العرب … ابن حزم
стр. 3694
مجمع الأمثال … الميداني
العمدة … ابن رشيق
شرح المواهب … الزرقاني
أيام العرب في الجاهلية والإسلام … البجاوي
الدرر الكامنة … ابن حجر
الاستيعاب … ابن عبد البر
الحماسة … البحتري
معجم الألفاظ الكويتية … البغدادي
إتحاف الوراء … نجم عمر بن فهد
أصدق البنود … الزامل
تاريخ الكويت … عبد العزيز الرشيد
الموسوعة الكويتية … حمد السعيدان
الأسر الحاكمة في الأحساء … عبد الرحمن الظاهري
تحفة المشتاق … ابن بسَّام
قلب جزيرة العرب … فؤاد حمزة
ملحق تاريخ نجد … الألوسي
عربي الصحراء … ديكسون
جزيرة العرب في القرن العشرين … حافظ وهبه
البدو (بالألمانية) … أوبنهايم
الكويت وجيرانها … ديكسون
سمط النجوم العوالي … العصامي
﴿تم بحمد الله﴾
стр. 3695
ما قاله الباحثون في الرد على الهمداني والبلادي الحربي في نسب قبيلة حرب
أولًا: تعليق صاحب موسوعة القبائل العربية:
قال محمد سليمان الطيب: في طبعتنا الأولى والثانية للمجلد الثاني ج ١ عامي ١٩٩٥ م / ١٩٩٦ م نقلنا عن الباحث السعودي الأستاذ عاتق بن غيث البلادي الحربي فيما يخص نسب قبيلة حرب، حيث ذكر في طبعة ١٤٠٤ هـ / ١٩٨٤ م قائلًا أن نسب حرب نقلًا عن الهمداني لا يقبل الشك إلى حرب بن سعد بن سعد بن خولان.
وهنا توقف البلادي عند خولان ولم يكمل النص الذي عوَّل عليه من كتاب الإكليل للهمداني.
وأبو الحسن محمد الهمداني ذكر أن خولان هو ابن عمرو بن الحاف بن قُضاعة.
ولكن البلادي في كتابه "نسب حرب" خالف نص الهمداني حيث ذكر في ص ٢٥ قائلًا: وفي "سبائك الذهب": خولان بن مالك بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. (انتهى).
ومن المعروف أن "سبائك الذهب" للعلَّامة أبو العباس أحمد القلقشندي الفزاري (ولم يوضح ذلك البلادي أيضًا واكتفى بذكر المرجع دون مؤلفه).
وكما نرى هنا فالبلادي تمسك بما قاله الهمداني عن حرب إلى خولان وترك تسلسل خولان إلى قُضاعة من حِمْيَر بن سبأ.
وبَتَر النص الذي كتبه الهمداني وأكمل على مزاجه نسب خولان إلى كهلان بن سبأ بعدما ذكر نص سبائك الذهب للقلقشندي ليوهم القارئ عن نسب خولان إلى كهلان لا إلى قُضاعة ولا يعرف سبب ذلك إلَّا البلادي نفسه.
стр. 3696
وكان من الواجب على الأستاذ البلادي أن يأخذ بنص الهمداني كله أو يتركه كله ولا يلجأ إلى هذا التلفيق لحاجة في نفس يعقوب، الله أعلم به.
والحقيقة أنني نقلتُ قول البلادي في الموسوعة ولم أنتبه لأن كتاب "الإكليل" ليس عندي وقت الطبعة الأولى والثانية.
ولا أبرئ نفسي من المسئولية حيث كان من المحتَّم عليّ كباحث أن أُمحِّص وأتأكد من نص الهمداني قبل تدوينه ولا أعتمد على البلادي والثقة به إلى درجة مفرطة والاكتفاء بما قاله بدون مراجعة، وهذا تقصير مني وأعتذر للقُرّاء عنه في هذه الطبعة الثالثة المنقّحة عام ١٤٢٠ هـ/ ٢٠٠٠ م.
والحقيقة وردت إليَّ رسائل لوم وعتاب من بعض الباحثين العرب على هذه الجزئية الهامة وطالبوني بتبيان الحقيقة التي أغفلها البلادي في كتابه "نسب حرب" وذلك في طبعتي المنقَّحة للمجلد الثاني من موسوعة القبائل.
ولقد عرفت فيما بعد طبع الموسوعة للمرة الأولى والثانية أن البعض من قُرَّاء كتاب البلادي "نسب حرب" الذي نقلت منه قد نقدوا البلادي على هذه الجزئية في رسائل نَشَر بعضها البلادي في كتابه مسائل في رسائل ومن خلال رده على القُراء اتضح أنه معترف بخطئه الفادح وما وقع فيه من أوهام جعلتهُ يقوم بتحريف نص الهمداني، وقد وعد المتسائل بدراسة ما وقع فيه وتصحيحه وليتهُ يفعل، فالاعتراف بالحق فضيلة ولا معصوم إلا الأنبياء.
وعن نص الهمداني في "نسب حرب" فقد نقلهُ العلّامة الشيخ حمد الجاسر بكل أمانة حيث ذكر في كتابه "جمهرة أنساب الأسر المتحضرة" في نجد طبعة ١٤٠٩ هـ/ ١٩٨٨ م عن قبيلة حرب قائلا في ص ١٢٨ القسم الأول: حرب قبيلة كثيرة الفروع من العرب القحطانية تنسب إلى حرب بن سعد بن سعد بن خولان بن عمرو بن الحاف بن قُضاعة. وقُضاعة معروفة النسب.
وقد أوضح الهمداني نسب قبيلة حرب إيضاحًا مُفصَّلًا وذكر طرفًا من أخبارها في الجزء الأول من كتاب الإكليل إلى ص ٣١٤ طبعة أولى.
стр. 3697
أما ما ذكره غيره - كابن حزم في "جمهرة أنساب العرب" ومن جاء بعده - من أنهم من بني هلال بن عامر من قيس عيلان فلا يُعوَّل عليه؛ لأن الهمداني أقدم وأوثق في علم النسب. وهذا لا ينفي دخول بعض الفروع العدنانية في حرب من بني سُليم ومُزينة وغيرهما.
وذكر الهمداني ج ١ ص ٣٠٧ أن حربًا أُجْلُوا عن صعدة سنة إحدى وثلاثين ومائة، فانتقلوا من اليمن حتى استقروا فيما بين مكة والمدينة، ثم انتقلت منهم فروع كثيرة إلى نجد في عهود متأخرة. (انتهى قول حمد الجاسر).
ومما سبق بيانه يتضح لنا أن حربا من القبائل القُضاعية وتلتقي مع قبيلة بلي بن عمرو في عمرو بن الحاف، ومع سائر قبائل قُضاعة في الحاف بن قُضاعة بن مالك من حِمْيَر من القحطانية. كما يتبين لنا من قول الشيخ حمد الجاسر أن حربا القُضاعية دخلت معها فروع عدنانية من بني سُليم ومن مُزينة وكِنَانة (١) وهوازن وهُذيل وخُزاعة والأشراف، ولذلك فنجد أن حربًا في القرنين الثامن والتاسع الهجريين بما انضمت إليها من الأحلاف تصبح القوة الرئيسية في بلاد ما بين الحرمين وأطلق عليها العرب اسم "حرب حرَّابة الدول".
ولنا وقفة هنا في أن حربا الخولانية القُضاعية اليمانية كانت متواجدة بالفعل في نواحي الحجاز ما بين الحرمين منذ أول القرن الرابع الهجري حسب ما ذكر أبو زيد البلخي في "معجم البلدان" ولكن حربا ليست وقتئذ قبيلة كبيرة، وقد أشار لذلك أبو الحسن محمد الهمداني في "الإكليل" أن قسمًا من حرب قد عاد إلى صعدة باليمن حيث قال: جاء في شعر عمرو بن يزيد الغالبي من حرب الذي ناشد فيه ابن خالته جرير بن حجر (سيد الربيعة بن سعد) أبناء عمومة حرب العودة إلى اليمن مع بعض قومه؛ لأن قبائل سُليم وبني عامر (هوازن) وبني بكر بن وائل وقبائل قيس عيلان يسومونهم الذل ويعادونهم عداءً شديدًا.
وهذا ما كان بالفعل فقد رقّ له جرير وعادت معظم فروع حرب إلى مقرها ووسط قومها بصعدة من بلاد اليمن.
стр. 3698
وبالنظر إلى ما ساقه لنا الهمداني مما تقدم، ثم بقول آخر له في نفس "الإكليل" ذكر أن ما تبقى من حرب يهزمون قبائل مُزينة وعَنَزة وسُليم ويجلونهم من ديارهم ولا يدخلونهم بعض المواضع في الحجاز إلا بذمامهم، فهذا هو الأمر العجيب؛ لأن المدة الزمنية ما بين عودة الفروع المقهورة إلى اليمن من حرب وبين الفروع الباقية التي فعلت الأفاعيل لا تتعدى قرنا من الزمان، وهذا طبعًا لا يقره عقل ولا منطق ويجعلنا نحتاط من أوهام الهمداني في روايته العجيبة التي نقلها عن راوٍ واحد في زمانه لم يعرفه إلا هو!
ولقد علَّق العديد من الباحثين في المملكة العربية السعودية والأردن على مزاعم الهمداني سنوردها تباعًا، وحتى نضمن الحيادية، فسوف نعرض أقوال الشيخ حمد الجاسر والأستاذ فايز البدراني الحربي المؤيدين للهمداني. وأقول رأيي الأخير في هذه الطبعة من المجلد الثالث من الموسوعة إنه بعد تعمقي فيما قاله الأطراف جميعًا وبعد المناظرة والمصاولة العلمية أستطيع أن أقول بكل اطمئنان: إن الصورة التي نقلها لنا الهمداني خاطئة برمتها عن حرب ولا يعني سيطرة حرب على مزارع الأشراف في القرن الثالث حسب ما أورد البلخي وابن خلدون أنها قهرت القبائل العدنانية كلها كما صور لنا الهمداني في سرده بالإكليل.
وأرى أن حربا لم تبدأ بالسيطرة على بعض طريق الحج والتحكم به إلَّا في القرن الثامن الهجري، وقد زادت السيطرة في القرن العاشر بعد أن خلا لها الجو بعد هجرات قبائل لام من طيئ وعنزة من ربيعة من حول المدينة النبوية وانتقالهم إلى العراق والشام وشمال نجد وشرقها.
لم تبق إلّا قبائل سُليم والتي تعرضت لحروب ضارية من أشراف مكة أدى إلى هجرات قسم قوي منها إلى بلاد الخليج وأهمها بني عُتبة (١) من خفاف وهم آل بن على وغيرها من الفروع الأخرى في بلاد القصيم.
стр. 3699
وقد قوي التنافس بين بقية بني سُليم في الحجاز وبين قبيلة حرب الفتية ونشبت بينهما حروب ظلت دهرًا طويلًا وكان من نتيجة هذه الحروب هو انتشار بني حرب في كثير من مواضع تخص بني سُليم ثم انضواء كثير من فروع سُليم تحت راية حرب بعد أن أصبح لها امتيازات ورواتب من قبل الأشراف ومن سلاطين المماليك في مصر والشام بسبب قوتها عن القبائل الحجازية وهذا راجع إلى كثرة أحلافها ومن دخل تحت اسمها من بطون القبائل العدنانية مثل مُزينة وكِنَانة وخُزاعة وهُذيل وهَوَازن وبعض الأشراف الحسينيين والجعافرة الهاشميين وغيرهم.
وبذلك رجحت كفة حرب الخولانية بما أنضم لها من العدنانيين وأصبح من كان ينافسها لا يقوى عليها وظلت طوال القرون الستة الماضية هي القبيلة الأولى صاحبة الحول والطول خاصة في بلاد ما بين الحرمين.
ومما يجب ملاحظته أن البلادي أوهم القارئ في كتابه "نسب حرب" والذي سردناه في موسوعة القبائل، بأن بعض أسماء بطون قبيلة حرب المرجح أنها عدنانية هي من سلالة حرب الخولانية حسب ما سرد الهمداني من تسلسل لحرب في عهده.
وهذا لمجرد تشابه الأسماء وبدون دليل دامغ أو نص صريح واضح من الهمداني نفسه الذي اعتمد عليه، وسيأتي نقد هذه الجزئية من الباحث الأردني راشد ابن حمدان الأحيوي، وكما نراه عجز عن رد جذم كبير من حرب مثل بني سالم ولم يسلسلهم إلى حرب الخولانية التي رجع معظمها إلى بلاد اليمن كما ذكر الهمداني في "الإكليل". وهذا يؤكد لنا صحة قول بعض الباحثين أن معظم فروع هذا الجذم هي عدنانية أكثرها من الأرومة السلمية، وسيأتي التفصيل عنها.
وقد اعترف البلادي في سرده عن بطون حرب كما تقدم بأن الكثير منها لا ينتمي إلى حرب الخولانية ونذكر على سبيل المثال:
ذكر البلادي الطمح من بني السفر من الأنصار أي من الأزد، وذكر المغاربة من زبيد أن أصلهم من وادي سوس بالمغرب الأقصى، وكذلك العداوين من زبيد أصلهم من عدوان من قيس عيلان، وذوي صالح وذوي مساعد من زبيد أصلهم من الموالي، وأيضًا أن مع الغوانم من زبيد في رابغ طوائف من الهنود والحضارمة والمصريين واليمنيين دخلوا مع حرب بالولاء وصاروا يحسبون أنفسهم من حرب!.
стр. 3700
كما ذكر العُتبان من زبيد أصلهم من عُتيبة أي من هوازن، وكذلك المرامحة من زبيد من عتيبة أيضًا، والجحادلة من زبيد أصلهم من قبيلة الجحادل من كنانة، والروائقة من زبيد أصلهم من جُهينة، وذوي عنان من زبيد أصلهم من الأشراف حلفاء زبيد، والشيوخ وهم المصابيح مع زبيد ومع بني عمرو أصلهم من الأزد من الأنصار.
وذكر أن هناك رواية تقول أن العسوم ليسوا من عصب حرب.
كما ذكر أن المزاريع من زبيد هم من بني سُليم، والصعايدة من زبيد الشيخ أصلهم من صعيد مصر، والطيرة من زبيد الشيخ أيضًا معهم أناس يُطلق عليهم الصناعوة أصلهم من صنعاء، والطرابية أصلهم من نجد.
ذكر البلادي أن أسلم جميعها وهي ضمن زبيد أصلها من أسلم خُزاعة وديارهم هي نفس ديار أسلم والتي دخلت ديار حرب بعد توسعها.
كما ذكر أن الزواهرة من زبيد أصلهم من هُذيل.
والهدمة من بني عمرو أصلهم من الثبتة من عُتيبة وجاءوا مع المرامحة من نواحي الطائف ودخلوا في حرب.
والزيود من بني عمرو أصلهم موالي للأشراف دخلوا في حرب، وكذلك المراسيل مع الحراشنة من بني عمرو أصلهم من اليمن. والسمينات مع البلادية أصلهم من بني عبد الله بن غطفان من مُطير، والقضاة مع الجبيرات البلادية أصلهم من بني سُليم، والمهادلة مع الجبيرات البلادية أيضًا أصلهم من الموالي، وبني أيوب مع البلادية أصلهم من صُبح.
قلت: وصُبح أصلهم ليس من حرب وانضموا إلى حرب منذ قرنين ونصف تقريبًا، كما نص على ذلك الدرعي المغربي في رحلتيه اللتين حققهما الشيخ حمد الجاسر.
كما ذكر العصّمة من بني جابر هم من عصّمة عُتيبة من هوازن.
وسُبيع مع جهم من بني عمرو من سُبيع بني عامر القبيلة المعروفة من هوازن. قلت: والصحيح أن سُبيع هؤلاء من بني سُليم.
стр. 3701
وذكر أن الجعافرة مع جهم بني عمرو أصلهم من جعفر الطيار هاشميون، والصُّلاح من العطور ذكر أصلهم من العراق.
كما ذكر العطور أن أصلهم من عنزة حسب ما يقولون أو سلميون حسب ما يقول آخرون.
كما ذكر الأحامدة من بني سالم أصلهم من بني سُليم.
والحيادرة أصلهم أشراف هاشميون.
والنفّعة مع مرَّوح من بني سالم أصلهم من نفَّعة عُتيبة.
والظواهر من مروح بني سالم أصلهم من الأشراف في المدينة المنورة كما يدّعون أو أنهم من قريش الظواهر على أقوال أخرى، وقد تهكّم على ذلك البلادي وقال: وهذا وهم ظاهر. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
والنعامين مع الحجلة من مروَّح أصلهم من ذبيان من جهينة.
والبذال مع النعامين هؤلاء أصلهم من هُذيل.
وذكر أن عموم مُزينة مع حرب هم من مُزينة العدنانية المعروفة من قبائل خندف من مُضَر.
هذا فقط ما اعترف به البلادي نقلًا عن رواة حرب بالبحث الميداني، وما خفي كان أعظم.
من كل هذا يتبين لنا أن أرومة خولان في حرب لا تشكّل إلَّا ثلث حرب تقريبًا بعد أن نسرد قول الباحثين عن فروع سُلَيْم في حرب وكذلك بعد سرد البحوث الميدانية عن الفروع العدنانية في حرب والآتي ذكرها.
وتتضح لنا الحقائق أن حربا معها بطون وأفخاذ شتى من العرب وبذلك ينطبق عليها المثل المعروف عنها "إذا اختلف نسبك فمن حرب".
ونقول لمن توهموا وأعماهم التعصُّب: لا، فحرب ليست من أرومة واحدة كما يحلو لهم أن يقولوا بالباطل فيما يكتبون! وإن الله حق لا يستحي من الحق، والله من وراء القصد. (انتهى تعليق صاحب الموسوعة).
стр. 3702
ثانيًا: ما قاله الأستاذ/ مساعد بن مسلّم الحُصني من مُزَيْنة في السعودية في رد ما ذهب إليه البلادي في اعتماده على مزاعم الهمداني (١):
قال مساعد بن مسلّم:
نود أولا أن نوضح للقارئ الكريم أننا لا نريد بتأليفنا أن نهدم ما بناه أسلافنا، ولا أن نفك روابط أسرية وقبلية قامت على عهود ووشائج أرحام مضت لمن قبلنا واستمرت طيلة قرون كثيرة خلت، أصبحت القبيلتان: مزينة وحرب ممثلة في بني سالم، كشجرتين تباينت أصولهما، وعندما ارتفعتا وعلت كل منهما في جو السماء اشتبكت فروعهما، حتى لا تكاد تفرق بين أغصان هذه من فروع تلك.
لا نريد بهذا المولَّف أن نفرق بين هاتين الشجرتين العملاقتين، ولكن لما جاءت إحداهما وتكلمت وقالت: أنا هذا أصلي وتلك فروعي وهي قبيلة حرب. وجب على الشجرة الأخرى وهي قبيلة مُزينة أن تقول: وأنا أيضًا هذا أصلي وتلك فروعي.
وهذا لا يعني التفرقة، معاذ الله، وإنما يعني معرفة الأصل والمنشأ، وهذا في نظري لا يُغيِّر من الواقع شيئًا ولا يؤثر على علاقة القبيلتين ببعضهما البعض.
وقد كان السباق لذلك ومحدثه، الأستاذ عاتق بن غيث البلادي في كتابه "نسب حرب". ولا ندخل في تفاصيل ما قاله فهو معلوم لدى الجميع ومُسطّر في كتابه المذكور. بيد أنا سنتعرض لنقاط مهمة دعتنا إلى الكتابة في هذا الموضوع. والحقيقة أن البلادي لم يتحرّ الدقة في ذلك والتثبت، وهذا هو الذي نأخذه عليه وهو أنه نقل كلام الهمداني على علّاته ولم ينظر إلى الشواهد الأخرى من التاريخ، فقد اتخذ كتاب الهمداني كما يقول، هو الأساس لنسب هذه القبيلة
стр. 3703
ص ١٠٨، يعني قبيلة حرب، ولم يكلف نفسه البحث اللازم لهذا الموضوع، في حين أن كتب الأنساب كلها لم تذكر أن قبيلة حرب هذه التي بالحجاز من خولان من اليمن، وأن نسبها يرجع إلى قحطان، وما ذكرها بهذا سوى الحسن الهمداني.
ثم إن الأستاذ لما اعتمد على النقل من الهمداني لم يكتف بنقل نسب حرب فقط، بل اعتمده أيضًا في تاريخ الوقائع والحروب التي زعم الهمداني أنها قامت بين حرب وعنزة، وبين حرب ومزينة، في آخر خلافة بني أمية، وهذا شيء لم يذكره من كتب التاريخ سوى "الإكليل" للهمداني حسب ما نعلم.
ثم إن ما قاله الهمداني من أن حربًا أجلت عَنَزة، وهم أعني حربًا ستمائة رجل وقتلوا منها بشرًا كثيرًا في تلك الحقبة من الزمن، بل في أحد القرون المفضلة (١)، هذا في نظري يحتاج إلى دليل لا يتطرق إليه الشك.
وأين كانت دولة بني أمية عن هذه الأمم (٢) التي تطحنها الحرب بين مكة والمدينة قاعدتي الإسلام ومنبع الرسالة.
بل إن الأدهى من ذلك قوله: إن مُزينة أيضًا ناصبت حربًا العداء وهم - يعني مُزينة - أهل الثروة زهاء خمسة آلاف فقتلت حربُ منها مقتلة عظيمة وأجلوها إلى الساحل من الجار، والصفراء، وأرض جشم فهم بها إلى اليوم لا يدخلون الفرع إلا بجوار أو ذمام بني حرب.
وهذا شيء قل حدوثه في تاريخ الوقائع أن ينتصر ستمائة على خمسة آلاف إلا أن تكون لدى حرب في ذلك الوقت قنابل أو رشاشات، لم نسمع بمثل هذا!! علمًا أن الديار ديار مُزينة وهم أعلم بمراصدها. وقبل الإسلام لم يستطع أحد من القبائل الدنوّ منها أو نيلها، فكيف بعد الإسلام وإقامة شرائع الله في الأرض؟.
وهذا الذي أردت من الأستاذ البلادي أن يسمو بعلمه وقلمه عن مثل هذه الشطحات.
стр. 3704
وقد استنكرنا منه ذلك بصفته باحثًا كبيرًا، وأديبًا فاضلًا، أثرى المكتبة العربية بتواليفه.
وليس لنا أن نؤنبه في ذلك فهو رجل قال بقول من سبقه ولم يزد عليه. وإنما نعترض عليه بالنسبة لعلمه ومعرفته، إذ قديمًا عرفت قاعدة:
وهي أن ما كل ما يعلم يقال، إلا بعد تمحيص وتثبت، ولهذا قال أبو هريرة ﵁: حفظت من رسول الله ﷺ وعاءين وعاء بثثته فيكم" الحديث (١) أما وقد كتب البلادي ما كتب ودوّن ما دوّن، فلا بد أن يستعاد اسم هذه القبيلة ويظهر تاريخها، ولا يجزع ذلك أحدًا فإنا نرى أن لأسلافنا علينا حقًّا ولخَلَفِنا أيضًا حقًّا كذلك، وليس للمقابل أن يجزعه هذا.
فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها … فأول راضٍ سنة من يسيرها
وكان الناس يعرفون أن نسب هذه القبيلة، أعني قبيلة حرب، يرجع إلى القبائل العدنانية من بني هلال بن عامر بن صعصعة، كما نقلته كتب الأنساب من قبل وهي: جمهرة أنساب العرب لابن حزم، وسبائك الذهب في معرفة قبائل العرب لمحمد أمين البغدادي، ونهاية الأرب في معرفة أنساب العرب للقلقشندي، وغيرها من المتأخرين الزين حذو حذوها في التأليف عن أنساب العرب.
وكنا نعرف أن مزينة حينما ضعفت كما يقال ودخلت مع حرب عادت إلى أقرب نسب لها من العرب. ولكن البلادي بعد اعتماده لهذا القول يجعلنا في حيرة من أمر هذه القبيلة، إذ لا يمكن لقبيلة عدنانية أن تحالف قبيلة قحطانية يمنية، مع وجود قبائل عدنانية بجانبها قوية مثل بني أسد، وبني تميم، وبني سُليم. فهلّا اجتمعت هذه القبائل العدنانية كلها على إخراج حرب من بلادها وردتها إلى يمنها؟ وهنا يتضح غلط الهمداني ومجانبته للصواب حيث قال: إن حربًا ستمائة، ومزينة خمسة آلاف، فمن غير المعقول أن تهزم بني أسد، ثم تهزم مُزينة، وعلى إثرها
стр. 3705
سُليم وكلها قبائل عدنانية أصلها واحد، وعدوها الذي يخرجها من ديارها واحد، قوامه ستمائة مقاتل. فهل يوجد أعجب من هذا؟!
ثم أين ذهبت الدولة الإسلامية التي كانت حاكمة في ذلك العصر؟
اللهم إن هذا من شطط القول الذي لا يصدقه أحد. وقد زلَّ بها الأستاذ البلادي وأوردها على مُزينة. وما هكذا تورد الإبل يا شيخنا.
والكل يعلم أن الهمداني لم يسبق إلى هذا القول ولم ينقله أحد ممن جاء بعده حسب علمنا، وهو شاذ في قوله هذا، والشواذ لا حكم لها فكيف تؤخذ أساسًا يعتمد عليها يرفع بها أناسًا ويضع بها آخرين؟.
أنا أظن لو أن الأستاذ البلادي حفظه الله تروّى قليلًا وتثبت لوجد أن هذا القول غير صحيح، فإن أكثر ما كتبه الهمداني أخبار آحاد لا يعوّل عليها، إذ لا يمكن العدول عن المتواتر مما نقله العلماء واتفقوا عليه، ونقله عنهم من بعدهم، وأقروهم عليه، مع اطلاعهم على ما كتبه الهمداني بلا شك (١).
فما الذي يجعلنا نتشبث بأخبار رجل واحد ونترك أقوال الأمة كلها إلا أن نكون نريد الانتصار لآرائنا، وهذا ما لا تقبله الأصول، وتأباه الأمانة العلمية. ونحن نقول هذا القول لأنا في معرض النقد وتفنيد مزاعم الهمداني، وإلا فنحن نعترف بسعة علم الأستاذ البلادي خاصة في هذا المجال وأننا في بعض الحالات أو أكثرها نكون عيالًا عليه، ولكن مهما يكن الإنسان هو الإنسان ولا محيد له عن النقص.
والذي يهمنا من هذا كله هو أمر مُزينة، فبعد أن قُسِّمت حرب إلى هذا التقسيم ووزّعت هذا التوزيع، فلا ضير على مزينة العدنانية أن تذكر نسبها بوضوح وأن يكون لها تاريخها الواضح الجلي الذي لا يستطيع أحد أن ينكره، فهو في كتب السنة أكثر منه في كتب الأدب، وفي تراجم الصحابة أكثر منه في دواوين الشعر. والحاصل أن زعزعة كهذه لا طائل تحتها ولكن كما قيل:
стр. 3706
إذا لم يكن إلا الأسنة مركب … فما حيلة المضطر إلا ركوبها
وإذا لم يكن بدٌّ من إظهار النسب المعروف فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
ثم إن صدود الناس اليوم عن معرفة الأنساب، واكتفاؤهم بما في أيديهم من هذه المادة الرخيصة أمر له بعده. فإنك لا تجد أحدًا إلا وهو يقول نسبك ما وجد في جيبك، وما حوته خزائنك وأرصدتك، وهذا عام في مجتمعنا وهو مما يؤسف حقًّا. وذلك أن الناس هم الناس، والعرب هؤلاء من نسل أولئك العرب، ولا بد للتاريخ أن يعيد نفسه، وهذه سنة الحياة.
ولا بد للمتأخر أن يعرف شيئًا من سيرة المتقدم، وهو حق من حقوق من يأتي بعدنا.
كما وجب لنا على من سلف فهجروه وصرنا في حاجة ماسّة إلى المراجع والمصادر الخاصة به، وحتى لا يأتي أمثال الحسن الهمداني، ويكتب ما طرأ على خاطره. ثم يأتي بعده من ينقل عنه، وتستمر هذه الطريقة، وهذا الدس الرخيص في تاريخ الأمم وأنساب القبائل، وهذا من أعظم المشكلات والمصائب التي دخلت على تاريخ أمة الإسلام سواءً ما دُسَّ في التاريخ العام للمسلمين، أو الخاص كتاريخ القبائل وأنسابها.
وقد قال الأستاذ البلادي في كتابه "معجم قبائل الحجاز" ص ٤٥٣ من الجزء الثالث بعد أن ذكر حلف مُزينة مع حرب: "ويظهر أن مُزينة ملّت الإقامة في ذلك الساحل الضيق الحار فلم تجد ملجأ ولا ناصرًا من حرب إلا إياها، فعادت فحالفت حربًا في المراوحة من بني سالم، وهكذا نسي المزنيون نسبهم فأصبحوا حربيين حتى أن بعضهم يغضب بمجرد أن يسمع من يقول أنهم ليسوا من حرب نسبًا" ا. هـ. أقول: هذا القول فيه صواب وفيه خطأ.
فأما الصواب فهو أن مُزينة خاصة مَنْ بنجد من يكتب اسمه السالمي ثم الحربي، فهذا واقع فعلًا وهو الذي ندعو في هذا الكتاب إلى تعديله، والعودة إلى اسم القبيلة الأم. "أي المزني ثم السالمي ثم الحربي لأنه المطلوب شرعًا ونظامًا".
стр. 3707
وأما الخطأ فهو قوله إنها نسيت نسبها وهذا غير صحيح وهو إجحاف لا نقبله ولا نسكت عليه. وهذا الكتاب كله رد لهذا القول. فقد أبعدت النُّجعة يا أخا العرب. أما علمت أن مُزينة تقوم الساعة وهى باقية بهذا الاسم فكيف تتهمها بنسيانه وسنسوق بعد قليل ما يثبت ذلك بنص حديث المصطفى ﷺ .
وإذا شذّ أحد من أبناء هذه القبيلة وتسمى بغير اسمها فلا أظن أن هذا يدعوك إلى اتهامها بنسيان نسبها وهو قول لك عنه مندوحة ولا نجد لك عذرًا إلا أن نقول إنه قضاء وقدر وقد قيل في ذلك:
لكن إذا حُمّ القضاء على امرئ … فليس له برٌّ يقيه ولا بحر
أما ما يزعم الأستاذ البلادي من أن مُزينة عادت فحالفت المراوحة من بين سالم فالجواب عن هذا القول. لا يخفى على الأستاذ البلادي ولا على غيره، إذ تلك الأحلاف التي جمعت عرب الحجاز كلها وليست مُزينة فقط كانت أحلافًا عامة لا يستطيع أحد أن ينكرها، وهو أن قبائل العرب لما قامت الدولة العباسية رأت منها ضعفًا عن عرب الجزيرة حيث تركتهم ينحر بعضهم بعضًا ويسبي بعضهم بعضًا، مما أدى إلى تحالف القبائل التي كانت في الحجاز كلها ولجوئها إلى بعضها، وقد كان من ذلك حلف شبابة الذي كان بين عُتيبة وجُهينة وحرب (١)، وتبعه أحلاف كثيرة من شتى القبائل التي جاءت مستضعفة فدخلت مع هؤلاء الحلفاء ومنها القبائل التي دخلت مع حرب إلى الآن، والتي دخلت مع عُتيبة وجُهينة إلى الآن. وهذا التداخل بين تلك القبائل يمكن أن نطلق عليه توحيد عرب الحجاز إن صح هذا التعبير، والمطلع على تاريخ تلك الأزمنة وتاريخ من عاش بها يعلم من أين جاءت تلك القبائل، التي أصبحت الآن أجزاءً متداخلة لا ينفك أحدها عن الآخر، أخذت على ذلك قرونًا كثيرة توحدت فيها لغتها وعقائدها وسلوكها. ولا ننكر أن تكون قبيلة مُزينة ضمن تلك القبائل إذ لا محيد لها عن ذلك، فلا يمكن أن تجتمع تلك الأمم كلها وتخالفها مُزينة إن كانت بها قوة عن غيرها ولها بلاد وثروة؛ لأن السبب في ذلك معلوم لدى الجميع، وهو أن هذه القبائل كلها مهددة
стр. 3708
بعد ضعف دولتها بالطامعين من غير العرب الذين كانت لهم دول قضى عليها الإسلام وهذا شأن الأمم تلجأ إلى الأقوى. وفراستهم في ذلك لا تخطئ، فلقد رأوا ضعفًا في دولة بني العباس، ورأوا دويلات قامت في شرق البلاد وغربها، بعضها ينتسب للإسلام، وبعضها يريد استعادة ملك فارس، وآخر يريد استعادة ملك الروم، وكان لهذا الاجتماع من القبائل العربية ولجوئها إلى بعضها هو السبيل الذي لا محيد لهم عنه فاجتمعوا عليه. وهذا هو السر في تداخل أنساب بعض القبائل وإضاعة أسمائها الأولى.
ونحن لا ننكر على الشيخ البلادي في نقله لنسب حرب عن كتاب الهمداني إذ هذا من شأنه ولا اعتراض لنا عليه.
ولكن الاعتراض كما سبق في اعتماده على كتاب الهمداني في نقل الوقائع التي حصلت بين تلك القبائل مع أن الأمر غير ذلك وشواهد التاريخ تأبى أن يكون هذا هو السبب الذي جعل مُزينة تلجأ إلى حرب. والصحيح كما ذكرنا، فاجتماع القبائل كان أمرًا عامًّا ليس لأحد الخيار في مخالفته، وأما الجواب عن قوله إن مُزينة نسيت نسبها فمن وجهين:
الوجه الأول: هو أن مُزينة بقيت محافظة على نسبها إلى الآن ولا ترضى أن تتسمى بغيره خاصة من بقي منها في ديارها الأولى؛ لأنها ليست كغيرها من القبائل فهناك وثائق نبوية تجمعها ثم وثائق عمرية كتبت في عهد عمر بن الخطاب ذكرها ابن شبة وغيره في تاريخ المدينة، ثم وثيقتها الأخيرة التي كان بها الإقطاع من الشريف (سعد بن زيد) والتي ما زالت موجودة عند أبناء هذه القبيلة، وسنسوق لفظها في موقعه من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
الوجه الثاني: وهو الذي اتخذه الشيخ البلادي عفا الله عنه سُلَّمًا للنيل من قدر هذه القبيلة، وهو أن مُزينة لما انساح معظمها إلى نجد كانت موالية لبني سالم من حرب، لاتفاق في العادات والعقائد وتقارب الآراء ووجهات النظر كان في ديارها الأولى أدى إلى تقاربها وتمازجها مع بعضها.
стр. 3709
أعقبه أن قام نحيت بن سعدي بن مسعود بن اجحوش بن رمث المزني الجد الأول لرؤساء مُزينة الآن، بالإمارة على مزينة، ورافقه في ذلك توفيق من الله وساعده الحظ مع بسالة وشجاعة وحسن تدبير، ساعد ذلك ما لهذه القبيلة من مكانة في الإسلام ودعوات من المصطفى ﷺ جاءت في الصحيحين وغيرهما كانت معروفة عند العرب ومتأصلة في نفوسهم، فاجتمعت هذه الدوافع كلها إلى صف مزينة أدّت إلى انضمام من يليها من بني سالم إلى هذه الإمارة وزادت قبيلة المراوحة تحت هذه الإمارة وكثرت فأعلنها الأمير على مجمع من الناس بأنها "سالمية" لأسباب ليس هذا مجال ذكرها، واستمد قوته من هذا الإعلان واستمر عليه وخلفه على ذلك من قام من بعده من أبنائه إلى قيام الملك عبد العزيز ﵀؛ إذ كانت بني سالم جلها تحت راية حجاب بن نحيت جد الأمير الحالي ثم رجعت بعد ذلك بني سالم إلى أمرائها الذين هم الآن في قيادتها، ولدينا على ما نقول إثباتات بخط حجاب إلى مُزينة وبني سالم أهل الحجاز لا داعي لنشرها، فرحم الله من كان غيثا على هذه الجزيرة حتى نعم أبناؤها بما هم فيه من النعم والاستقرار، وجزاه الله عن أمته خير الجزاء ورزق خلفاءه البطانة الصالحة.
أقول: واستمرت هذه التسمية إلى الآن في أهل نجد، ومن طبيعة هذه القبيلة التي جبلت عليها أن لا تنازع أو تتسرع لأمر لها فيه أناة؛ لأنها لا تخشى من ضياع نسبها فتسميتها باسمها الأول باقية إلى قيام الساعة بنص حديث المصطفى ﷺ الذي أخرجه البخاري في "كتاب فضائل المدينة. باب من رغب عن المدينة" عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تتركون المدينة على خير ما كانت لا يغشاها إلا العواف - يريد عوافي السباع والطير - وآخر من يحشر راعيان من مُزينة، يريدان المدينة، ينعقان بغنمهما فيجدانها وحشًا، حتى إذا بلغا ثنية الوداع خرّا على وجوههما" ا هـ.
قال مؤلفه: هذا ما يتعلق بهذه التسمية المحدثة وإني لا أرى دافعًا لهذا القول من الشيخ البلادي، ولكن لكل جواد كبوة ولكل عالم هفوة، وقد حاولنا التحامل
стр. 3710
على أنفسنا والسكوت عن هذه القضية، غير أنا رأينا كثيرًا من أبناء هذه القبيلة ساءه هذا التعبير فأردنا أن تعود الأمور إلى أصلها بطريقة علمية تبقى ما بقيت مسبباتها دون المساس لأحد أو التعرض للآخرين.
" فصل "
وأما مخالفة مزينة للمراوحة من بني سالم (١) إذا كان صحيحا فغير مستنكر مع أنه ليس هناك نص صريح يثبت هذا الحلف، ومُزينة ليست مسالمة إلى هذا الحد بحيث لا تدفع عن نفسها أي اتهام، ولكن الحقيقة والثابت لدى العرب هو ما ذكرنا من أن تلك الأحلاف كانت عامة، وقد نعمت في ظلها جميع القبائل، وقد عرفت العرب الأحلاف قبل الإسلام وبعده.
نعم إنه كان قبل الإسلام ثم جاء الإسلام وأقرّة على طريقة غير طريقة الجاهلية؛ ففي الجاهلية كانوا يورثون الحليف قبل الأقارب فأبطل ذلك الإسلام، وأقر حلف التعاون على الحق والنصر والأخذ على يد الظالم، كما قال ابن عباس إلا النصر والنصيحة والرفادة ويوصى له، وفي ذلك أخرج الشيخان عن عاصم قال: قلت لأنس ﵁ أبلغك أن النبي ﷺ قال: "لا حلف في الإسلام". فقال: قد حالف النبي ﷺ بين قريش والأنصار في داري ا هـ.
وهذا حلف تآخي لا اعتراض عليه. ونحن إذ نحسن الظن نقول: إن الشيخ أراد رجوع القبائل إلى أنسابها الصحيحة، وهذا أمر شرعي يشكر عليه ويجب الرجوع إليه؛ لأن التبري من النسب المعلوم جريمة كبرى تؤدي إلى الكفر.
وهذا في الحقيقة هو أملنا، ولكنا أردنا تبيين الأمرين للإحاطة بهما. فبعد أن وضحنا ما التبس في الأمر الأول، نوضح ما يجب أن يعود إليه الناس من الانتساب إلى أنسابهم الصحيحة، مع ذكر الأدلة في ذلك. فنقول:
стр. 3711
إن حلف التآخي والتعاون على البر والتقوى، أمر محمود عرفته القبائل العربية يتركونه ثم يعودون إليه، فكلما قامت دولة للإسلام تحكم بشريعة الله كفتهم عن ذلك، وإذا اضطروا أن يستمدوا قوتهم من اجتماعهم وتكاتفهم أقاموه، وهذا لا اعتراض عليه.
وإنما الذي لا يقره الشرع وتأباه العقول سواء من مُزينة أو غيرها هو أن يسقط اسم قبيلة بكاملها ليضع ضمن اسم جارتها أو حليفتها، وهذا ليس خاصًّا بمزينة بل كثير من القبائل اليوم هذا وضعها، وهذا في الحقيقة لا يلجأ إليه إلا من لم يكن ذا نسب معلوم أو من لم يهتم بنسبه.
والذي نعرفه وتعرفه العرب قبلنا هو أن الحلف أو الجوار لا يسقط اسم القبيلة المحالفة وإنما تبقى القبائل محتفظة بأنسابها وأسمائها وإن كانت مع القبيلة الأخرى متحدة في أمورها الأمنية.
وهذا حينما كانت القبائل تستمد أمنها من قوتها واجتماعها، أما اليوم فنحمد الله على ما نحن فيه، إذ منّ الله علينا بهذه الحكومة المباركة، وأرشدنا بالعلم إلى ما يجب علينا تجاه بعضنا. فاللهم احفظنا بحفظك ولا تغيّر علينا.
والمقصود: أن الحلف معناه: أن كل قبيلة محالفة تسالم من يسالم حليفتها وتعادي من يعاديها لا يغير ذلك من اسم أي منهما أو يجعلها تتسمى باسم حليفتها وسواء في ذلك الفرد والجماعة.
ولهذا لمّا حالف النبي ﷺ بين أصحابه بقي القرشي قرشيًّا والأنصاريّ أنصاريًّا ولم يغيّر ذلك من أسمائهم شيئًا.
ولم يذكر لنا أن قبيلة حالفت قبيلة أخرى فسقط اسمها ضمن اسمها، وهذا لا يحتاج إلى بيان أدلة فهو واضح جلي كما أن دون غدٍ الليلة. ونحن نسوق الأدلة الواردة في الشريعة الآمرة بالاحتفاظ بالنسب وعدم العدول عنه، وهو الذي نريده لقومنا إيضاحًا للحق واتباعًا له، ومن أبى فقد قامت عليه الحجة ولزمته المحجة والحق أبلج والباطل لجلج وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل.
стр. 3712
فقد وردت السنة الشريفة بالاحتفاظ بالنسب المعلوم.
فإذا كان هناك نسب معلوم فلا بد من الانتماء إليه والتسمي باسمه والمحافظة عليه. وقد جاء في الحديث "من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم فقد كفر" (١).
وهذا تشديد وتهديد ووعيد أكيد في التبري من النسب.
ولهذا وردت الآية ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ الآية. وهذه الآية معناها واضح. وقد جاء أيضًا في الحديث الصحيح عن أبي ذر ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: "ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر، ومن ادعى قومًا ليس له فيهم نسب فليتبوأ مقعده من النار" متفق عليه.
وأخرج الشيخان من حديث أبي هريرة: "لا ترغبوا عن آبائكم فمن رغب عن أبيه فهو كفر" ولهما من حديث سعد بن أبي وقاص وأبي بكرة قال سعد: سمعت النبي ﷺ يقول: "من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام". فذكر لأبي بكر: فقال: وأنا سمعته أذناي ووعاه قلبي من رسول الله ﷺ .
قال مؤلفه: حول هذا الحديث. أبو بكرة اسمه نفيع بن مسروح الثقفي نزل من حصن الطائف مع غلمان من أهل الطائف فأسلموا فاعتقهم النبي ﷺ . وكان يأبى أن ينتسب، ويقول: أنا مولى رسول الله ﷺ . وقد قال بعض الرواة وأظنه عيينة بن عبد الرحمن. قال: كان أبو بكرة يقول: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ قال: فأنا من إخوانكم في الدين. قال: وأظنه والله لو علم أباه لانتسب إليه وإن كان حمارًا، امتثالًا لأمر الله وأمر رسوله. فهذا مما يدعونا إلى الاحتفاظ بالنسب والمحافظة عليه.
стр. 3713
ولذلك سقت الأدلة الشرعية الآمرة به، وهذه الأدلة لا تغير من الواقع شيئا غير أنها تلزمنا بالانتساب إلى النسب الشرعي الذي لا بد لمن اتقى الله من الرجوع إليه والتسمي به ومن أراد أن يخالف ذلك فله ما يشاء.
ونحن نكتب للأجيال القادمة كما كتب البلادي واتهمنا بنسيان نسبنا إذ ليس لذلك إلا هذا.
وأما القرابة والتداخل اللذين بين مزينة وبني سالم بل بينهما وبين حرب عمومًا، فلا أحد ينكره ولا يدعو إلى التخلي عنه، وفصل القبيلتين عن بعضهما البعض لا يقره إلا غبي جاهل، والبلادي لم يَدْعُ إلى ذلك ولم ينكره بل بيّن النسب الذي تنتمي إليه حرب، فوجا علينا تبيين نسب مزينة. ومهمتنا تنتهي عند هذا الحد.
ولكن لنا إظهار تاريخ هذه القبيلة الذي لم يتطرق إليه أحد على مدى العصور فقمنا بهذا التأريخ ليكون مرجعًا سهلًا لكل من أراد البحث فيه.
وهذا لا يعني أن هذه القبيلة خير من غيرها، فكل قبيلة فيها خير والناس من آدم وآدم من تراب، ولا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى. ونحن نبغض التكلم في الأنساب بما يشينها أو يحط من قدرها عمومًا ونرى أن هذا هو طريق المنصفين، وغير المنصفين لا يلتفت إليه (١). ولهذا قال ﷺ فيما يرويه أبو مالك الأشعري ﵁: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن، الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة على الميت" رواه مسلم.
(انتهى قول مساعد بن مسلَّم من مُزينة في المملكة العربية السعودية).
стр. 3714
ثالثًا: ما قاله الباحث السعودي أبو عبد الرحمن الظاهري عن أكاذيب الهمداني (١):
قال أبو عبد الرحمن:
في جولاتي ببلاد الجبلين خلال هذا العام، التي ذللها وسهل كل شؤونها - بإذن الله - صاحب السمو الملكي الأمير مقرن بن عبد العزيز حفظه الله، بدأتُ بديار (حَرْب) جنوب شرق الجبلين، من أجل إنجاز موسوعتي عن الجبلين، وهم: "معجم بلدان المنطقة"، و"منازل القبائل القديمة بها وتاريخهم" وإنما عنَّ لي هذا البحث استطرادًا تحية لأحياء (حَرْب) بالمنطقة، وهدية لأدباء (حرب) وعلمائها من أمثال شيخنا العلَّامة حمد الجاسر، وعاتق البِلَادِي، وابن رَدَّاس، والدكتور عائض الردَّادي، والدكتور مرزوق بن تنباك، والدكتور منصور الحازمي والأستاذ فايز الحربي. . . إلخ.
والبحث تَتيُّعٌ تاريخي، مرتب زمنيًّا بالتسلسل، ولي وقفات جزئية أبديها في حينها، ولي ملاحظات أدَّخِرها إلى آخر البحث، وذلك ما يتعلق بِعَدْنَانِيَّة حرب.
وهناك وقفات أبادر بها لا سيما ما يتعلق بأكاذيب لسان اليمن أبي محمد الحسن بن أحمد، وهو أقدم من رأيته ذكر قبيلة (حَرْب).
قال أبو عبد الرحمن: اتضح لي أن الهمداني بِعُرْفُ المحدثين كذَّابٌ وضَّاع، وهو ذو خبرة بالأماكن يفاد منه، وذو خبرة بالأنساب والتواريخ، ولا يعتمد عليه فيما انفرد به ألبتة.
وخبرتُه مكَّنته من الانتحال والوضع والتلفيق.
وكل شعر في كتبه لا يعرف له مصدر غيره فيقارن بشعره هو، والنتيجة أن النسيج واحد.
وحق على شيخنا حمد الجاسر - ومن تابعه، أو تابعوه - أن يعيدوا حساباتهم مع أكاذيب الهمداني.
стр. 3715
ولست أدينه من خلال خصومه الذين رموه بالكذب، وأغْرَوُا السلطان بسجنه، وإنما أدينه ببضاعته التاريخية في "الإكليل".
وقد زعم الهمداني أن حرب الحجاز من بني حرب بن سعد بن سعد بن خولان، ونقل عن شيخه محمد بن إبراهيم المحابي أنه جاور في بني حرب بِقُدس ورَضْوَى وينبع سنة ٣٢٢ هـ.
وذكر الهمداني أن سائر بطون حرب بالحجاز، ونقل عن شيخه المحابي: عن محمود بن على الحربي: أن بني حربٍ لما صارت إلى قُدْس من الحجاز، وبها (عَنَزَةُ) و (مُزَيْنة) وبنو الحارث وبنو مالك من (سُلَيْم) ناصبتهم الحرب (عَنَزَةْ) فأجلاهم الحربيون - وهم يومئذ ستمائة رجل - إلى الأعراض من خيبر.
وناصبتهم مَزَيْنة الحرب (وهم زهاء خمسة آلاف) فأجلاهم الحربيون إلى الساحل من الجار والصفراء (١)، وأرض جُشَم، فهم بها إلى اليوم، لا يدخلون (الفُرْعَ) إلا بجوار وذمام من بني حرب وبقية سُلَيْم.
وناصبتهم بنو الحارث وبنو مالك من سُلَيْم - وهم زهاء أربعة آلاف - فأجلاهم الحربيون عن الحرتين والنَّقيع.
وذكر أنهم غلبوا على طريق المدينة إلى مكة فلا يسير أحد إلا بخفارتهم، وأن المقتدر بالله كان يبعث إليهم طول حياته بالمال في خفارة الطريق.
ونقل عن المحابي وقائع لهم في عصره وهي يوم الحرَّة، ويوم الرغامة، ويوم الأثاية، وأنهم أسروا سلطان مكة ابن ملاحظ.