← Ансаб

Ансаб · id 897

موسوعة القبائل العربية

محمد سليمان الطيب

Полный текст (10 849 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.

стр. 3711

إن حلف التآخي والتعاون على البر والتقوى، أمر محمود عرفته القبائل العربية يتركونه ثم يعودون إليه، فكلما قامت دولة للإسلام تحكم بشريعة الله كفتهم عن ذلك، وإذا اضطروا أن يستمدوا قوتهم من اجتماعهم وتكاتفهم أقاموه، وهذا لا اعتراض عليه. وإنما الذي لا يقره الشرع وتأباه العقول سواء من مُزينة أو غيرها هو أن يسقط اسم قبيلة بكاملها ليضع ضمن اسم جارتها أو حليفتها، وهذا ليس خاصًّا بمزينة بل كثير من القبائل اليوم هذا وضعها، وهذا في الحقيقة لا يلجأ إليه إلا من لم يكن ذا نسب معلوم أو من لم يهتم بنسبه. والذي نعرفه وتعرفه العرب قبلنا هو أن الحلف أو الجوار لا يسقط اسم القبيلة المحالفة وإنما تبقى القبائل محتفظة بأنسابها وأسمائها وإن كانت مع القبيلة الأخرى متحدة في أمورها الأمنية. وهذا حينما كانت القبائل تستمد أمنها من قوتها واجتماعها، أما اليوم فنحمد الله على ما نحن فيه، إذ منّ الله علينا بهذه الحكومة المباركة، وأرشدنا بالعلم إلى ما يجب علينا تجاه بعضنا. فاللهم احفظنا بحفظك ولا تغيّر علينا. والمقصود: أن الحلف معناه: أن كل قبيلة محالفة تسالم من يسالم حليفتها وتعادي من يعاديها لا يغير ذلك من اسم أي منهما أو يجعلها تتسمى باسم حليفتها وسواء في ذلك الفرد والجماعة. ولهذا لمّا حالف النبي ﷺ بين أصحابه بقي القرشي قرشيًّا والأنصاريّ أنصاريًّا ولم يغيّر ذلك من أسمائهم شيئًا. ولم يذكر لنا أن قبيلة حالفت قبيلة أخرى فسقط اسمها ضمن اسمها، وهذا لا يحتاج إلى بيان أدلة فهو واضح جلي كما أن دون غدٍ الليلة. ونحن نسوق الأدلة الواردة في الشريعة الآمرة بالاحتفاظ بالنسب وعدم العدول عنه، وهو الذي نريده لقومنا إيضاحًا للحق واتباعًا له، ومن أبى فقد قامت عليه الحجة ولزمته المحجة والحق أبلج والباطل لجلج وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل.

стр. 3712

فقد وردت السنة الشريفة بالاحتفاظ بالنسب المعلوم. فإذا كان هناك نسب معلوم فلا بد من الانتماء إليه والتسمي باسمه والمحافظة عليه. وقد جاء في الحديث "من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم فقد كفر" (١). وهذا تشديد وتهديد ووعيد أكيد في التبري من النسب. ولهذا وردت الآية ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ الآية. وهذه الآية معناها واضح. وقد جاء أيضًا في الحديث الصحيح عن أبي ذر ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: "ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر، ومن ادعى قومًا ليس له فيهم نسب فليتبوأ مقعده من النار" متفق عليه. وأخرج الشيخان من حديث أبي هريرة: "لا ترغبوا عن آبائكم فمن رغب عن أبيه فهو كفر" ولهما من حديث سعد بن أبي وقاص وأبي بكرة قال سعد: سمعت النبي ﷺ يقول: "من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام". فذكر لأبي بكر: فقال: وأنا سمعته أذناي ووعاه قلبي من رسول الله ﷺ . قال مؤلفه: حول هذا الحديث. أبو بكرة اسمه نفيع بن مسروح الثقفي نزل من حصن الطائف مع غلمان من أهل الطائف فأسلموا فاعتقهم النبي ﷺ . وكان يأبى أن ينتسب، ويقول: أنا مولى رسول الله ﷺ . وقد قال بعض الرواة وأظنه عيينة بن عبد الرحمن. قال: كان أبو بكرة يقول: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ قال: فأنا من إخوانكم في الدين. قال: وأظنه والله لو علم أباه لانتسب إليه وإن كان حمارًا، امتثالًا لأمر الله وأمر رسوله. فهذا مما يدعونا إلى الاحتفاظ بالنسب والمحافظة عليه.

стр. 3713

ولذلك سقت الأدلة الشرعية الآمرة به، وهذه الأدلة لا تغير من الواقع شيئا غير أنها تلزمنا بالانتساب إلى النسب الشرعي الذي لا بد لمن اتقى الله من الرجوع إليه والتسمي به ومن أراد أن يخالف ذلك فله ما يشاء. ونحن نكتب للأجيال القادمة كما كتب البلادي واتهمنا بنسيان نسبنا إذ ليس لذلك إلا هذا. وأما القرابة والتداخل اللذين بين مزينة وبني سالم بل بينهما وبين حرب عمومًا، فلا أحد ينكره ولا يدعو إلى التخلي عنه، وفصل القبيلتين عن بعضهما البعض لا يقره إلا غبي جاهل، والبلادي لم يَدْعُ إلى ذلك ولم ينكره بل بيّن النسب الذي تنتمي إليه حرب، فوجا علينا تبيين نسب مزينة. ومهمتنا تنتهي عند هذا الحد. ولكن لنا إظهار تاريخ هذه القبيلة الذي لم يتطرق إليه أحد على مدى العصور فقمنا بهذا التأريخ ليكون مرجعًا سهلًا لكل من أراد البحث فيه. وهذا لا يعني أن هذه القبيلة خير من غيرها، فكل قبيلة فيها خير والناس من آدم وآدم من تراب، ولا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى. ونحن نبغض التكلم في الأنساب بما يشينها أو يحط من قدرها عمومًا ونرى أن هذا هو طريق المنصفين، وغير المنصفين لا يلتفت إليه (١). ولهذا قال ﷺ فيما يرويه أبو مالك الأشعري ﵁: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن، الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة على الميت" رواه مسلم. (انتهى قول مساعد بن مسلَّم من مُزينة في المملكة العربية السعودية).

стр. 3714

ثالثًا: ما قاله الباحث السعودي أبو عبد الرحمن الظاهري عن أكاذيب الهمداني (١): قال أبو عبد الرحمن: في جولاتي ببلاد الجبلين خلال هذا العام، التي ذللها وسهل كل شؤونها - بإذن الله - صاحب السمو الملكي الأمير مقرن بن عبد العزيز حفظه الله، بدأتُ بديار (حَرْب) جنوب شرق الجبلين، من أجل إنجاز موسوعتي عن الجبلين، وهم: "معجم بلدان المنطقة"، و"منازل القبائل القديمة بها وتاريخهم" وإنما عنَّ لي هذا البحث استطرادًا تحية لأحياء (حَرْب) بالمنطقة، وهدية لأدباء (حرب) وعلمائها من أمثال شيخنا العلَّامة حمد الجاسر، وعاتق البِلَادِي، وابن رَدَّاس، والدكتور عائض الردَّادي، والدكتور مرزوق بن تنباك، والدكتور منصور الحازمي والأستاذ فايز الحربي. . . إلخ. والبحث تَتيُّعٌ تاريخي، مرتب زمنيًّا بالتسلسل، ولي وقفات جزئية أبديها في حينها، ولي ملاحظات أدَّخِرها إلى آخر البحث، وذلك ما يتعلق بِعَدْنَانِيَّة حرب. وهناك وقفات أبادر بها لا سيما ما يتعلق بأكاذيب لسان اليمن أبي محمد الحسن بن أحمد، وهو أقدم من رأيته ذكر قبيلة (حَرْب). قال أبو عبد الرحمن: اتضح لي أن الهمداني بِعُرْفُ المحدثين كذَّابٌ وضَّاع، وهو ذو خبرة بالأماكن يفاد منه، وذو خبرة بالأنساب والتواريخ، ولا يعتمد عليه فيما انفرد به ألبتة. وخبرتُه مكَّنته من الانتحال والوضع والتلفيق. وكل شعر في كتبه لا يعرف له مصدر غيره فيقارن بشعره هو، والنتيجة أن النسيج واحد. وحق على شيخنا حمد الجاسر - ومن تابعه، أو تابعوه - أن يعيدوا حساباتهم مع أكاذيب الهمداني.

стр. 3715

ولست أدينه من خلال خصومه الذين رموه بالكذب، وأغْرَوُا السلطان بسجنه، وإنما أدينه ببضاعته التاريخية في "الإكليل". وقد زعم الهمداني أن حرب الحجاز من بني حرب بن سعد بن سعد بن خولان، ونقل عن شيخه محمد بن إبراهيم المحابي أنه جاور في بني حرب بِقُدس ورَضْوَى وينبع سنة ٣٢٢ هـ. وذكر الهمداني أن سائر بطون حرب بالحجاز، ونقل عن شيخه المحابي: عن محمود بن على الحربي: أن بني حربٍ لما صارت إلى قُدْس من الحجاز، وبها (عَنَزَةُ) و (مُزَيْنة) وبنو الحارث وبنو مالك من (سُلَيْم) ناصبتهم الحرب (عَنَزَةْ) فأجلاهم الحربيون - وهم يومئذ ستمائة رجل - إلى الأعراض من خيبر. وناصبتهم مَزَيْنة الحرب (وهم زهاء خمسة آلاف) فأجلاهم الحربيون إلى الساحل من الجار والصفراء (١)، وأرض جُشَم، فهم بها إلى اليوم، لا يدخلون (الفُرْعَ) إلا بجوار وذمام من بني حرب وبقية سُلَيْم. وناصبتهم بنو الحارث وبنو مالك من سُلَيْم - وهم زهاء أربعة آلاف - فأجلاهم الحربيون عن الحرتين والنَّقيع. وذكر أنهم غلبوا على طريق المدينة إلى مكة فلا يسير أحد إلا بخفارتهم، وأن المقتدر بالله كان يبعث إليهم طول حياته بالمال في خفارة الطريق. ونقل عن المحابي وقائع لهم في عصره وهي يوم الحرَّة، ويوم الرغامة، ويوم الأثاية، وأنهم أسروا سلطان مكة ابن ملاحظ.

стр. 3716

ونقل الهمداني عن علماء صعدة أن بني حرب أجلوا عن صعدة سنة ١٣١ هـ. وأورد أشعارًا وأعلامًا لا توجد عند غيره. وذكر تفريعات بني زياد بن سلمان بن الفاحش بن حرب بن سعد بن خولان، وقال: هم أهل العَرْج. وذكر الهمداني سلسلة نسب شيخ شيخه، وهو محمود بن علي بن عمرو بن جابر بن عمرو المسافر بن عمرو بن زياد بن سلمان بن الفاحش. وتعقب السلسلة بأنها ناقصة؛ لأن الفاحش جد بعيد يقتضي الوصول إليه ضعف هذا العدد من الآباء مرتين، ووجه النقص بأن زيادًا جَدٌّ قريبٌ، يتصل نسبه بزياد الأبعد ابن سلمان. وجعل نسب حرب بالحجاز من زياد بن سلمان إلا من دخل فيهم من إخوتهم. وذكر من فروع حرب: بني عَمْرِو بن زياد، وبني ميمون بن مسافر بن عمرو، وبني زُبَيْد بن الخيار بن زياد، وبني عامر بن حرب، وبني مسروح بن عوف، وبني ذُؤَيْب من بني سبَّاق بن الفاحش. وذكر أن البلاد التي نزلتها حرب بالحجاز كانت للعماليق، ثم جُذَام وجُرْهُم، ثم جُهَيْنة، ثم عَنَزةُ ومُزَيْنة (١). وذكر الهمداني أن أكثر بني حرب ظعنوا إلى الحجاز لوقائع تواترت عليهم من الربيعة، وابن أبان، فقصدت العَرج. وذكر أنه تخلف بعض بني حرب ببلاد خولان (٢).

стр. 3717

قال أبو عبد الرحمن: ويقصد بالربيعة بني سعد بن ربيعة بن خولان. قال: (وأكثرهم يقول الربيعة ليفرقوا بينها وبين ربيعة بن نزار، وربيعة بلحارث، وربيعة وادعة) (١). وبقصد بابن أبان محمد بن أبان الخنفري وهو شخصية تاريخية خصبة ذات كتاب وقائد أحداث وحروب، وصاحب شعر!! .. وله ذكر كثير في الجزء الأول والثاني من "الإكليل". ولا ذكر له ولا لكتابه، ولا لأحداثه الجسيمة، ولا لشعره الكثير إلا عند الهمداني .. لم يذكره المؤرخون، ولا كُتَّاب التراجم، ولا جُمَّاع الشعر، ولا مدونو الأيام والوقائع، ولا أصحاب المعاجم والفهارس والأثبات، وإنما ترجم له الهمداني وذكر أن عمره مئة وخمسة وعشرون عامًا!؟. هذا نصه، ونتيجة سياقه تقتضي أن عمره مئة وخمسة وأربعون عامًا، لأنه ولد سنة خمسين في ولاية معاوية ﵁ ومات في ١٩٥ هـ (٢). وأكاذيب الهمداني ها هنا تمجيد لخولان، ولما كان هو وحده مصدر التلفيق فيما لفقه، والاختلاق فيما اختلقه، قدم لذلك بمقدمة يرجو أن يصدقه قارئ كتابه، فذكر أن قبيلة خولان مغمورة فأشاع القول فيها وزعم أن ما سيذكره يعرفه أهل نجد والحجاز واليمن ونجران. ثم احتاط من قول أحد أهل هذه الآفاق: (لا نعلم ذلك) فزعم أن العلم عن خولان علم مخزون بصعدة، ولم تكن صعدة دار رواية. قال: (ولو كانت صعدة في القديم في البلدان التي رحل إليها أصحاب الحديث لانتشرت أخبارها كما انتشرت أخبار صنعاء).

стр. 3718

ثم أحال إلى أسطورة ابن أبان وكتابه فقال: (وقد مكثت بها عشرين سنة فأطللت على أخبار خولان وأنسابها ورجالها كما أطللت على بطن راحتي!! .. وقرأت بها سجل محمد بن أبان الخنفري المتوارث من الجاهلية!!) (١). وذكر أن ابن أبان هذا هو الذي أخرج بني حرب بن سعد إلى العرج (٢). وفي موضع آخر ذكر أنه أخرجهم عام ١٣١ هـ إلى قُدْس ورَضْوَى (٣). وشحن الجزء الأول والثاني من "الإكليل" بنظم بارد مطول مختلق لعدة شعراء مختلقين عن إجلاء حرب خولان من صعدة إلى الحجاز!!. قال أبو عبد الرحمن: وفي كلام الهمداني معالم يلزم التعريف بها، فمن ذلك جبلا قُدْس، فقد ذكرهما عَرَّام بن الأصبغ السُّلَمي، وهو من رجال القرن الثالث، فبين أنهما جبلان لمُزَيْنة (٤). وهكذا ذكرهما أبو علي الهجري لمزينة، وهو من أعيان القرن الثالث (٥). ومزينة نسبة إلى أمهم مزينة بنت كلب بن وبرة، وبنوها ذرية عثمان، وأوس ابني عَمْرِو بن أُدِّ بن طابخةْ بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان (٦). ولعمر بن شبة ﵀ كلام غير مفهوم إذ قال عن عثمان المذكور: (وعثمان نفسه الذي يقال له مزينة .. وهي أم مزنة بنت خالد بن خالد بن وبرة) (٧).

стр. 3719

وقد ذكر ابن شبة منازلهم بالمدينة المنورة - وابن شبة توفى سنة ٢٦٢ هـ وذكر جيرانهم من أفناء قيس عيلان، وقال: ودخل بعضهم في بعض، وإنما نزلوا جميعًا لأن دارههم في البادية واحدة (١). قال أبو عبد الرحمن: دارهم في البادية بين المدينة ووادي القرى (؟). وعن رَضْوَى ذكر عرام أن سكان رَضْوى وعَزْوَرَ - سكان الذرى والأحواز: أي النواحي - نهد وجهينة في الوبر دون المدر (٢). وينبع ذكر عرام أن سكانها الأنصار وجهينة وليث (٣). قال أبو عبد الرحمن: هم بنو ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر. وبنو الحارث نسبة إلى الحارث بن بُهْثَة بن سُلَيْم بن منصور بن عكرمة بن خَصَفة بن قيس عيلان .. عد أصبغ (؟) من ديارهم جبال ذَرَة وقراها (٤). وذكر البكري أنه يشاركهم فيها هُذَيْل، وغاضرة بن صعصعة (٥). قال أبو عبد الرحمن: غاضرة من بني غالب بن صعصعة أخي عامر بن صعصعة. وقد ذكر عرام أن شرعا (؟) لبني الحارث يشاركهم فيها بنو هُذيل، وبنو عامر بن صعصعة (٦)، فلعل المراد بنو غاضرة في قرى ذرة، ولعل المراد حي من عامر في قرية شرع فحسب. والعرج هو عرج المدينة المنورة - لا عرج الطائف - يسمى الآن وادي النظيم (؟) وهو لصُبح من حرب. وكان سابقًا لأسلم بن أفصى بن حارثة بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء. وخُزَاعة بنو عمرو بن ربيعة (لُحَيّ) بن حارثة.

стр. 3720

قال أبو عبد الرحمن: أما ابن ملاحظ فقال عنه عز الدين بن فهد نقلًا عن والده عمر بن محمد بن فهد المتوفى سنة ٨٨٥ هـ من مسودة كتابه "بغية المرام بأخبار ولاة البلد الحرام" بعد نقله لكلام الهمداني: (وما عرفت اسم ابن ملاحظ المذكور، ولا متى كانت ولايته على مكة، غير أني أظن أنه كان على ولايتها بعد سنة ثلاثمائة أو قبلها بقليل. ومؤلف هذا الكتاب الهمداني كان حيًّا في سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، وعاش بعدها إلى سنة تسع وعشرين فيما أحسب، والله أعلم). وقدم عز الدين بن فهد لذلك بقوله: لم يذكره الفاسي في تاريخه (١). قال أبو عبد الرحمن: الكلام الذي نقله عن والده إنما هو كلام أبي الطيب تقي الدين الفاسي المتوفى سنة ٨٣٢ هـ (٢). قال أبو عبد الرحمن: ها هنا عدة أمور: الأمر الأول: لا شك في وجود قبيلة حرب الحجازية في عهد الهمداني آخر القرن الثالث الهجري وأول الرابع. ويؤيد ذلك أن ابن حزم ذكرها حجازية وقد ألف كتابه قبيل منتصف القرن الخامس. وإذا كان ابن الكلبي لم يذكرها فلأنها لم تنشأ قبيلة إلا بعده.

стр. 3721

الأمر الثاني: وجود قبائل حربية من قبائل اليمن من خولان وغيرها ليس محل هذا البحث. وصديقنا العلَّامة عبد العزيز بن علي الحربي من قبيلة حربية شمال اليمن. الأمر الثالث: دعوى أن حرب الحجاز هي حرب خولان هي دعوى الهمداني، وهي محل الرفض والإباء، لأن العلاقة بين القبيلتين في دعوى الهمداني ذات تلفيق وتزوير وانتحال. الأمر الرابع: شيخ الهمداني المحابي لا أحد يعرفه غير الهمداني!. الأمر الخامس: أن شيخ محمود لا وجود له إلا في سند الهمداني!. الأمر السادس: لا يُعلم أن عَنَزة سكنت جهاد قدس إلا في دعوى الهمداني. ونص المعجميين أهل القرن الثالث أن جبلي قدس لمزينة لم يذكروا عنزة ألبتة. وما دامت حرب حجازية، وإذا كان سكناها برضوى وقدس يقينًا في عهد الهمداني: فمعنى ذلك أنها طرأت على ذلك المحل آخر القرن الثالث أو أول الرابع. الأمر السابع: لو كانت حرب قبيلة ذات عدد بتلك الجهات لعدها ابن شبة وهو من أعيان أول القرن الثالث؛ لأنه ذكر جيران مُزينة في المدينة المنورة على سبيل التقصي، وعلل ذلك بجوار المنازل في البادية ولم يذكر بينهم خولانيين. فكيف يحلون في بلاد مزينة عام ١٣١ هـ ولا يذكرهم ابن شبة المتوفى سنة ٢٩٢ هـ وهو في دور التقصي؟!. وكيف لا يذكرهم قدماء النسابين؟!. وكيف لا يذكره المعجميون من أمثال عرام ومن في عصره؟. الأمر الثامن: كيف يكون الحربيون ستمائة رجل جاءوا غرباء من اليمن فطردوا متأهلين عن بلادهم عددهم زهاء أربعة آلاف، وخمسة آلاف؟!.

стр. 3722

إن هذا من القصص الذي يطرب له العوام من أهل صعدة، وعوام بادية خولان، والهمداني يكتب لهم على طريق جمع المناقب. الأمر التاسع: أن الجار والصفراء لم تكن من ديار مُزينة ألبتة، إنما هما لكِنَانة وأخلاط أخرى، ولم يذكر قدماء المعجميين أنهم سكنوا تلك الجهات، وإنما سكناهم أعلى الوادي دون الساحل في الروحاء وورقان. الأمر العاشر: ما ذكره عن إجلاء بني الحارث وبني مالك من سُلَيْم عن بلادهم في ذلك الزمن مجرد كذبة فلم تضعف سُلَيْم في ذلك الوقت. وقد ذكر ابن جرير الطبري صولتهم في الحجاز سنة ٢٣٠ هـ حتى هزمهم جيش الواثق بالله (١). الأمر الحادي عشر: أنني تتبعت أخبار المقتدر بالله في أمهات كتب التاريخ فما وجدت لحرب أحداثًا في طريق مكة والمدينة، وما وجدت أنه بعث لهم بالمال لخفارة الطريق. وذكر الهمداني أن بعث المال مستمر طوال حياة المقتدر بالله، فهو خبر هام عن الخلافة في أقصى الشمال لا يوجد عند غير الهمداني في صعدة بالجنوب!!. الأمر الثاني عشر: وقائع الحرَّة، والرغامة، والأثاية لا وجود لها عند غير الهمداني، وأما المواضع فأماكن معروفة. الأمر الثالث عشر: لم يعرف مؤرخو مكة سلطانها ابن ملاحظ!. وحري أن يكون سلطانًا حقيقيًّا فات على مؤرخي مكة المكرمة ذكره إلا أن أسر سلطان مكة من قبل قبائل حرب في بلاد الحجاز لا علم به إلا في صعدة عن الهمداني عن مجهول.

стр. 3723

الأمر الرابع عشر: ذكر أن قبيلة حرب الحجازية أجليت من صعدة سنة ١٣١ هـ، وأسند الخبر إلى علماء صعدة!!. ولم يذكر منهم واحدًا معروفًا باسمه مشهورًا بعلمه!!. الأمر الخامس عشر: ذكر مرة أن رحيلهم عام ١٣١ هـ إلى رضوى وينبع وقدس، ومرة إلى العرج. والعرج لأسلم (من خُزاعة) لم يذكر قدماء المعجميين أنها في ذلك العهد إلى ما بعده بقرن لأحد غير أسلم. الأمر السادس عشر: أنه أثرى أخبار حرب في ذلك العصر بوقائع لا توجد عند غيره، وأعلام آدمية لا تعلم عن غيره، ونظم بارد لا يوجد عند غيره ولا يختلف عن شعره الصحيح المنسوب إليه. الأمر السابع عشر: أن التاريخ لا يحتمل الجهالة بكل هذا السياق من ناحية الرواية. الأمر الثامن عشر: أن التاريخ لا يحتمل استيلاء فلول قبيلة صغيرة على مساكن غيرها، وقد جاءت بغير رابطة نسب مهزومة في بلدها مطرودة .. وذلك من ناحية الدراية .. وإنما يحتمل ذلك لقبيلة نزعت بقوتها وثقلها وهي مهيأة من دولة كغشيان بني هِلَال وبني سُلَيْم للمغرب .. أو نزعت بقوتها وثقلها مع ضعف الزعامة المحلية التي وفدت عليها ومع رابطة نسب القبائل المحلية كغشيان الضياغم بلاد الجبلين مع ضعف بهيج وقوة الضياغم كون طيئٍ ومَذْحِجَ أخوين. أو تحل ببلاد أخلاها أهلها كما يحصل في بعث الآبار العادية والنزول بها. الأمر التاسع عشر: أن الخنفري عَلَمُ أعلام زعامةً وشعرًا، وهو ذو كتاب، وذو أحداث خصيبة، ومن رجال القرنين الأول والثاني، ولا أحد يعلم عنه شيئًا إلا الهمداني!!. الأمر العشرون: لا شك أن قبيلة حرب قبيلة حجازية ذات صولة وجولة منذ إقامة الهمداني بالحجاز إلى أن هلك، ولجلال هذه القبيلة ومنعتها ادعاها يمنية من خولان حسب عادته في سرقة القبائل العدنانية البارزة والشعر العدناني.

стр. 3724

الأمر الحادي والعشرون: ليس بكثير أن ينسب الهمداني شعر شاعر إلى شاعر آخر عمدًا، وأن يبدل رواية الشعر عمدًا، لأنه يصنع النظم الطويل والحدث الجسيم!!. الأمر الثاني والعشرون: أن الكذب و (الفولكلور) إنما يبرز في "الإكليل" .. أما حديثه عن المواضع فلا غرض له في أن يجعل أبَانَيْنِ بحد القصيم الغربي جبلين بصعدة!! .. وليس بيده تزوير المحسوس!!. الأمر الثالث والعشرون: أن كثيرًا مما ذكره الهمداني ليس عيبه أنه مصدرُه الوحيدُ، وإنما عيبه من ثلاثة أوجه: أولها: أن فيه ما ينافي المدوَّن المعروف كمنافاته لمنازل القبائل لدى قدماء المعجميين. وثانيها: أنه تفرد بأحداث يعتبر سكوت التاريخ نفيًا لها؛ لأن عجز جهود العلماء في زمن محصور وبقع محددة عن إثباتها نفي حاضر يقتضي العلم بالعدم لا مجرد عدم العلم. وثالثها: أن هذه الأحداث في سياق أحداث مماثلة بكتب الهمداني من أخبار وأشعار دلت القرائن والشواهد على أنها مزيفة كدعواه أحداثًا بين العواسج، وعنز بن وائل برهنت على زيفها في كتابي عن أخبار بعض القبائل، والله المستعان. (انتهى قول أبو عبد الرحمن الظاهري). تعليق على هذا البحث من علَّامة الجزيرة الشيخ حمد الجاسر: حين بعث إليَّ أخي الأستاذ أبو عبد الرحمن بن عقيل هذا البحث، خيرني بين أمرين، نشره أو عدم نشره، وكدت حين قرأت فاتحته (أكاذيب الهمداني) ثم قول الأستاذ أبي عبد الرحمن: (إن الهمداني بِعُرْف المحدثين كذاب وضاع) كدت أسارع لقذفه بين ما أرمي به مما لا أعبأ به، غير أنني فكرت مليًّا، فرأيت أن لا أقابل تحية هذا الأستاذ الكريم وهديته لي ولإخواني ممن كانت صلة الهمداني بقبيلتهم من بواعث النيل منه، يضاف إلى هذا أن الأستاذ أبا عبد الرحمن لم يقل

стр. 3725

ما قال في حق الهمداني إلَّا بعد دراسة وتَرَوٍّ، ولا بد أن يكون غيره من الباحثين له موقف مماثل لمثل موقفه، فرأيت نشر البحث مع إضافة تعليق موجز لإيضاح رأيي حوله: ١ - يدرك الأستاذ الفاضل كما يدرك غيره أنَّ وصف عالم جليل بمثل تلك الأوصاف اعتمادًا على مجرد الاستنتاج، ليس مما يقبل على عِلَّاته، فعلماء الجرح والتعديل من المحدثين عندما يصفون راويًا بمثل تلك الأوصاف يدللون على ما حدث منه من ذلك، ولبس من اليسير التساهل في مثل هذا دون أن تثبت أدلة قاطعة على اتصاف ذلك الشخص بشيء من الصفات التي نسبت إليه. ٢ - الهمداني عاش في عصر وفي قطر كانت تتنازع عليه النفوذ فيهما ثلاث فرق متعادية، يحارب بعضها بعضًا، فرقة خاضعة للأمراء المحليين من أهل البلاد كآل يُعْفِرَ وغيرهم، وأخرى ناشئة يتولى زعامتهم الإمام الهادي وأتباعه، وفرقة ثالثة وهي فرقة القرامطة أتباع علي بن الفضل، وتوجد فرقة رابعة قوامها الأبناء من بقايا الفُرس الذين كان لبعض ذوي النفوذ من الأعاجم في الدولة العباسية في ذلك العهد بهم من الصلة ما يحملهم على مناصرتهم. من هنا ولكون الهمداني ذا صلة بالأمراء المحليين غير اليعفريين، ولأنه كان متأثرًا بما كانت تعيشه البلاد من فرقة وتغلغل أفكار وآراء يراها طارئة ومضرة ببلاده، مع ما يتصف به من غزارة علم وسعة معرفة، كانت بعض آرائه على جانب من التطرف ممَّا أثار كراهية الآخرين وحقدهم، وجَرَّ عليه من الويلات والمصائب ما هو معروف. وكان من أثر ذلك ما يبدو من خلال مؤلفاته من إشادة بفضل القحطانيين، وتقديمهم على غيرهم، بل محاولة إظهار بعض مساوئهم بمظهر حسن، لا يتفق مع الواقع المعروف. ومع ما اشتهر عنه من ذلك أي من تعصبه لقومه تعصبًا يدفعه في بعض الأحيان إلى ما يحاذر منه كإيراد بعض الأخبار الباطلة أو رواية بعض النصوص

стр. 3726

الشعرية رواية تخالف الرواية المشهورة، إلا أن جميع ذلك مما لا يتصل بالأمور الشرعية، بل يقتصر على الأخبار والحوادث التاريخية. ٣ - لقد عرف متقدمو العلماء فضل الهمداني فيما تصدى لجمعه من تاريخ بلاده، بل من تاريخ العرب عامة وجغرافية بلادهم، وأشاد أولئك العلماء بفضله، واستفادوا من علومه، لا في علم الآثار الذي يعد الهمداني فردًا بين علماء العرب فيه، ولا في علم الفلسفة الذي وصفه صاعد الأندلسي في كتابه "طبقات الأمم" بقوله عن العرب: (وأما علم الفلسفة فلم يمنحهم الله شيئا منه، ولا هيأ طباعهم للعناية به، ولا أعلم أحدًا من صميم العرب شهر به إلَّا أبا يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي، وأبا محمد الحسن بن أحمد الهمداني) ويضيف صاعد في وصف الهمداني بأنه: (محيط بمباحث الفلسفة عن أصل العالم وقواعد المنطق والكلام) وأدرك أولئك العلماء فضل الهمداني وتميزه في علم التاريخ الذي يعد علم الأنساب من فروعه، وهو ما اتخذ منه الأستاذ ابن عقيل مدخلا للطعن في الهمداني، فقد قال الحافظ عبد الغني بن سعيد الأزدي (٣٣٢/ ٤٠٩ هـ) شيخ حفاظ الحديث بمصر في عصره، كما ذكر ابن خلكان وغيره قال - هذا العالم الجليل عن الهمداني: (عليه المعول في أنساب الحميريين) - رسم (قرأ) في "تاج العروس" ولهذا نجد علماء الأندلس يعنون بآثار هذا العالم فينقلونها في حياته إلى ذلك القطر، وينتفعون بها ويلخصونها في مؤلفاتهم، ويعولون عليها. وليس للمقام مقام إشادة بما للهمداني من أثر في الثقافة العربية بصفة عامة، ولكن لإيضاح أن هذا العالم الجليل لا ينبغي أن توجه إليه تلك الصفات السيئة، وهو كغيره من البشر ليس معصومًا، ولكن له حرمة لعلمه وفضله، ولأنه لا يسوغ وصف أي امرئ لم يثبت بدلائل قطعية عنه ارتكاب ما يوجب وصفه من الأفعال المزرية ليحذر منه. ٤ - لقد كان علم النسب عند الهمداني هو الباب الذي ولج منه الأستاذ أبو عبد الرحمن، فالهمداني نسب قبيلة حرب إلى خولان من قحطان، وأفاض الحديث عن هذه القبيلة في الجزء الأول من "الكليل" وذكر انتقالها من اليمن واستقرارها في الحجاز.

стр. 3727

من هنا ولج الأستاذ للنيل من هذا العالم الجليل، اعتمادًا على ما قرأه في كتاب شيخه ابن حزم (١) عن نسب حرب، وأنهم من بني هلال. لا داعي للحديث عن كتاب ابن حزم في النسب، ولا عما أورده الهمداني. ولكن فات أبو عبد الرحمن - وفقه الله - أن من العلماء من سبق الهمداني بنسبة تلك القبيلة إلى اليمن، وباستقرارهم في القرن الثالث الهجري في الحجاز، فهذا أبو زيد البلخي: أحمد بن سهل (٢٣٥/ ٣٢٢ هـ) صاحب كتاب "صور الأقاليم" يقول في الكلام على وَدَّان: (وَدَّان من الجحفة على مرحلة، بينها وبين الأبْوَاءِ على طريق الحاج، في غربيها ستة أميال، وبها كان في أيام مقامي بالحجاز رئيس الجعفريين - أعني - بني جعفر بن أبي طالب، ولهم بالفُرْع والسائرة ضياعٌ كثيرة، وعشيرة وأتباع، وبينهم وبين الحسينيين حروب ودماء، حتى استولى طائفة من اليمن يعرفون ببني حرب على ضياعهم فصاروا حربًا لهم فضعفوا). انتهى. وهذا ابن خلدون في تاريخه - ٤/ ٢٣٢ - في كلامه على ولاة المدينة يقول: وترددت ولاة بني العباس عليها، والرئاسة فيها بين بني حسين وبني جعفر، إلى أن أخرجهم بنو حسين، فسكنوا بين مكة والمدينة، ثم أجلاهم بنو حرب من زبيد إلى القرى والحصون، وأجازوهم إلى الصعيد، فهم هنالك إلى اليوم وبقي بنو حسين بالمدينة. إلى آخر ما ذكر من حوادث القرنين الثالث والرابع الهجريين في المدينة عند تنازع ولايتها بين الجعفريين والحسينيين وما حدث بينهم من حروب وفتن، انتصر فيها في آخر الأمر الحسينيون، بعد أن انتشرت قبيلة حرب فيما بين المدينتين الكريمتين، واتصلت بالحسينيين وصاهرتهم، فأعانتهم على نزع ولاية المدينة من الجعفريين. وعلى فَرْضِ أن الهمداني أول من قال بهذا مع تفصيله لخبر هذه القبيلة بما لا نجده عند غيره أبقول ابن حزم وغيره من النسابين البعيدين عن بلاد العرب نَصِمُ الهمداني. بتلك الوصمة السيئة (الكذب والوضع) مع أن الباحث سيجد في مؤلفات علماء الأندلس ممن هم أشد عناية في علم الأنساب من ابن حزم، مثل الرشاطي،

стр. 3728

وبعده عبد الحق الإشبيلي الذي كان الأستاذ ابن عقيل كثير الاهتمام بمؤلفاته، نجد هؤلاء نسبوا قبيلة حرب إلى خولان. ففي مختصر الإشبيلي لكتاب الرشاطي الورقة الـ (٣٠) من المخطوطة الأزهرية الوحيدة ما نصه: (الحربي في قبائل، ففي خولان القضاعية حرب بن سعد بن سعد بن خولان، وفي همدان: حرب بن عبد الله بن وادعة). ومثل هذا في مختصر كتاب الرشاطي لعلي بن أحمد الحريشي الفاسي، المتوفى فيما بين سنتي (١١٤٣ و ١١٤٥) - "العرب" س ٢٧ ص ٥٦٦ - الورقة الـ (٢٧). ٥ - وتحامل الأستاذ ابن عقيل على الهمداني في إيراده ترجمة محمد بن أبان الخنفري، وهي ترجمة أوردها الإشبيلي بنصها فقال في الورقة الـ (٤٣) من المخطوطة: (الخنفري في حِمْيَر ينسب إلى خنفر وهو لقب لأبي زرعة الحارث، ثم أوصل نسبه إلى حِمْيَر الأصغر بن سبأ الأصغر - وقال: منهم محمد بن أبان بن حريز بن أبي حُجْر بن زرعة بن عمرو بن زيد بن عمرو بن حجر بن أبي شَمِر بن عبد شمس بن سبأ بن خنفر، ولد سنة خمسين ومات سنة خمس وسبعين ومئة، قال: لم يكن في عصره مثله نجدة وكرمًا وذمامًا، وفصاحة، وحسن جوار ولين عريكة، مع شدة العارضة وحمى الأنف وبعد الهمة). ٦ - أكتفي بهذه الملاحظات التي أردت منها تقديم ما كتبه باحث أُجِلُّه وأقدره لعلمه، ولحرصه على البحث المجد، الموصل إلى حقائق الأمور، راجيًا أن تكون من الحوافز التي تدفعه إلى مواصلة البحث والدراسة في هذه الجوانب المتعلقة بحياتنا المعاصرة. والله الموفق. (انتهى قول الجاسر).

стр. 3729

رابعًا: ما قاله الباحث السعودي فايز بن موس الحربي عن حرب: نسبها وأخبارها بين لهمداني، وابن عقيل الظاهري (١): تابعت ما كتبه الشيخ أبو عبد الرحمن بن عقيل في "مجلة العرب" س ٣٠ ص ٦٧ وكذلك ما نشره في جريدة "الجزيرة" الصادرة يوم الأربعاء ٢٥ شوال ١٤١٤ هـ حول آرائه واتهاماته للنسابة الهمداني، وقد لاحظت كما لاحظ غيري شطحات الشيخ في هذا الموضوع وطَعْنَه في أقوال نسَّابة الجزيرة العربية ولسان اليمن الحسن بن أحمد الهَمْدَاني وكأنه يتكلم عن أحد مؤلفي الكتب المغمورين، وأما سبب رد أقوال الهمداني - كما يقول أبو عبد الرحمن - فلأنه ذو هوى يمني قحطاني، يدَّعي في الأنساب، ويضع الأشعار، ويزعم الاستدلال بالسجلات والنقوش! ومع أن الشيخ حمد الجاسر قد علَّق على المقال المشار إليه تعليقًا مبدئيًّا كافيًا للرد على هذه الاستنتاجات المتسرعة، إلا أنني رأيت أن أدلي بِدَلْوي في هذا الموضوع للرد على هذه الاستنتاجات وكشف خطأ هذه الاكتشافات الظاهرية! وفي الحقيقة أن النقاش حول ما كتبه الشيخ أبو عبد الرحمن لا يتوقف عند نواحي معينة، بل يأخذ اتجاهات متعددة يطول التعليق عليها ويضيق المجال عن تتبعها ومناقشتها جميعًا في مقال واحد. منها: - قضية الكتابة عن تاريخ قبيلة حرب. - التجني على لسان اليمن ونسابة العرب الهمداني بوصفه بصفات لا تليق بقدره. - آراء الشيخ حول قحطانية حرب.

стр. 3730

أما فيما يتعلق بعزم الشيخ على الكتابة عن تاريخ قبيلة حرب بما سماه: "النمير العذب من بعض أخبار حرب" فأود الإشارة إلى أن الكتابة عن مثل هذا الموضوع تحتاج إلى سنوات من البحث في المصادر التاريخية والوثائق والمخطوطات والزيارات الميدانية لديار حرب المترامية الأطراف في الحجاز ونجد، ولهذا فإني أرى أن سعة اطلاع الشيخ وغزارة علمه لا تشفع له باستعجال الكتابة عن هذا الموضوع الذي تستلزم الإحاطة به الكثير من الجهد والوقت للوقوف على أخبار هذه القبيلة وديارها ومشيخاتها، فها أنذا قد أمضيت حوالي خمسة عشر عامًا من البحث المتواصل في تاريخ هذه القبيلة حتى بلغ ما اطلعت عليه من المصادر التاريخية ذات العلاقة ما ينيف على ٤٠ مخطوطة و ٥٠ مطبوعة وجمعت أكثر من ٥٠٠ وثيقة تاريخية، ومع ذلك أكتشف كل يوم أنني ما زلت في بداية الطريق، حتى خطر لي أن أُسَميَّ ما توصلت إليه "بداية الدرب في أخبار قبيلة حرب" فكيف يَشْرَع الشيخ في نشر سلسلة: النمير العذب، مع أنه لا يقف إلا على منطقة (البعائث) التابعة لمنطقة حائل والتي لا تمثل شيئًا يذكر بالنسبة لديار وقرى وقبائل حرب الممتدة من (اللَّيث) إلى (حفر الباطن)! أما فيما يتعلق بما ذكره الشيخ عن أمانة الهمداني وجزمه بأنه (كذّاب وَضَّاع .. إِلخ)، فيحتاج الرد عليه في مقال منفصل، ولحسن الحظ فقد اطلعت على مُسوَّدة بحث جيِّد أعده الأخ الكريم محمد بن فهد الحربي حول هذا الموضوع، أرجو أن ينشر قريبًا لرفع الظلم عن هذا العالم، وإزالة ما تعرض له من التشهير والتشكيك! وأما عن الطعن في أقوال الهمداني المتعلقة بما ذكره عن قحطانية حرب، فإن هذا هو ما يهمُّني ممَّا سأحاول الوفوف عنده ومناقشة أقوال الشيخ أبي عبد الرحمن وحججه وبيان مدى ضعفها وتناقضها. وبادئ ذي بدء، لا أدَّعِي أن الهمداني منزَّه عن الأخطاء، فهو بَشَرٌ يعتريه النقص والخطأ كسائر البشر، وما علينا إلا أن نكتشف الخطأ ونرد عليه ونوافق على الصحيح ونعترف به ونقدر صاحبه، لا أن نتهمه بالكذب والتزييف!

стр. 3731

وفيما يلى مناقشة أهم ما طرحه الشيخ من مآخذ على الهمداني: الأمر الأول: يرى أبو عبد الرحمن أن حرب الحجازية تعود إلى بني هلال بن عامر بن صعصعة العدنانية كما يقول ابن حزم، أما ما يقوله الهمداني فليس صحيحا؛ لأنه غير ثقة ولأنه يدّعي ذلك إدعاء لتعصبه لخولان وقحطان! وهنا أُذَكِّر الشيخ بما يلى: - أن الهمداني لم ينفرد بهذا القول، بل هناك مصادر أخرى بعضها قبله وبعضها في عصره أو بعده بقليل أشارت إلى تلك المصادر وأكّدت ما ذهب إليه الهمداني ومنها مثلا: ١ - أبو زيد البلخي (٢٣٥ - ٣٢٢ هـ) في كتابه: "صور الأقاليم الإسلامية" حيث قال هو ومن تابعه في الكلام عن (ودَّان): (ودَّان من الجحفة على مرحلة بينها وبين الأبواء ستة أميال وبها كان أيام مقامي بالحجاز رئيسا للجعفريين - أعني بني جعفر بن أبي طالب - ولهم بالفرع والسائرة ضياع كثيرة، وبينهم وبين الحسينيين حروب ودماء حتى استولى طائفة من اليمن يعرفون ببني حرب على ضياعهم) "العرب" ٣/ ٩٨٤. والفرع وعيونه وخيوفه أملاك بني عمرو من حرب إلى اليوم. ٢ - الهجري ممن اجتمع بالهمداني ذكر أنه التقى بالمسلم بن الخيار الحربي أحد سادات حرب وروى عنه شعرا وهذا يوافق ما ذكر الهمداني عنه. "التعليقات" ١/ ٧٠. ٣ - العلَّامة النسابة الفقيه محمد بن الحسن الكلاعي الحِمْيرِى صاحب "الدامغة في أنساب حِمْيَر" المتوفى سنة ٤٠٤ هـ، حيث ذكر في بعض كتبه المفقودة انتساب قبيلة حرب الحجازية إلى خولان كما ذكر بعض أخبارها، حيث نقل ذلك عنه النسابة أحمد بن محمد الأشعري المتوفى في القرن السادس الهجري، حين ذكر انتساب حرب إلى خولان وأورد بعض أشعارها وأخبارها نقلًا

стр. 3732

عن الكلاعي الذي عاش في صعدة فترة من الزمن، مما يدل على أن علماء صعدة وخولان قد أكدوا له انتساب حرب إلى خولان كما أكدوا ذلك للهمداني من قَبْلِه بزمن قريب. (انظر: "التعريف بالأنساب" للأشعرى، تحقيق د. سعد ظلّام، ص ٣٢٣. ٤ - النسابة اللغوي نشوان بن سعيد الحِمْيري المتوفى سنة ٥٧٣ هـ الذي عاش في جهات صعدة وديار خولان وكان من المهتمين بأنساب خولان وأخبارها، وهو صاحب القصيدة المشهورة في ذكر نسب خولان وفخوذها والتي مطلعها: بصعدة من أولاد خولان سبعةٌ … أَحلّهمُ فيها القنا والصفائحُ صحارٌ ورَشْوانٌ وحَيٌّ وهانِئٌ … وأزمعُ أيضًا ثم (سعدٌ) ورازحُ وسعد هذا هو جد حرب الحجازية الذي ينكره أبو عبد الرحمن! ٥ - العالم النسابة محمد بن نشوان الحميري وهو من أهل القرن السادس الهجري وأوائل السابع وكان والي مخلاف خولان صعدة، فكان أكثر اطلاعا على خولان وأخبارها وأنسابها، وقد ألف كتاب مختصر الإكليل وأكد فيه انتساب حرب إلى خولان. ومما يجب ملاحظته أن محمد بن نشوان ووالده نشوان بن سعد قد أثنيا على الهمداني ووثقاه ووصفاه (بشدة الورع والفضل المشهور لا يتمارى أحد في أمره). ولو أن الهمداني كان قد وضع في أنساب خولان لاكتشفا ذلك وَلَنَبّها إليه، وخاصة أن خولان تنتمي إلى حِمْيَر، وهو نفس الجذم الذي ينتميان إليه، بينما ينتمي الهمداني إلى جذم كهلان، ليس هذا فقط بل نستفيد من ذلك أن الهمداني لو كان وضَّاعًا لنسب هذه الأمجاد إلى هَمْدَان!. الأمر الثاني: قول أبو عبد الرحمن: (أن الشيخ محمود بن عمرو لا وجود له إلا في سَنَد الهمداني!). وأقول: إن بعض قبائل بني عمرو أهل وادي الفرع كانوا يُعْرَفُون إلى عهد قريب باسم بني محمود، ولدَيَّ وثائق تاريخية تثبت ذلك نصًّا ومن آخرها وثيقة

стр. 3733

مؤرخة في ٢٤ شوال سنة ١٤٢٥ هـ وهي عبارة عن حِلْف بين بني محمود من بني عمرو من مسروح وبين ميمون من بني سالم، جاء فيها: (إنه لما كان تاريخ يوم ٢٤ شوال سنة ١٢٤٥ تحاضروا رجال بني محمود أهل المضيق من بني عمرو ورجال ميمون وصار بينهم حلف رفقة دون كل أحد، وعلى كل أحد، وأنهم رفاقة في صايب ونايب، الكل منهم فزَّاع فيما يلزم لحليفه) إلخ. والمشهور لدى رواة بني عمرو أن هؤلاء ينتسبون إلى الشيخ محمود بن عمرو الذي عاش في القرن الرابع الهجري. الأمر الثالث: يرى أبو عبد الرحمن أن هناك تناقضا بين ما ذكره الهمداني من أن: (بني حرب لما صارت إلى قدس من الحجاز وبها عَنَزة ومُزينة وبنو الحارث وبنو مالك من سُلَيْم ناصبتهم الحرب عَنَزة فأجلاهم الحربيون - وهم يومئذ ستمائة رجل إلى الأعراض من خيبر، وناصبتهم مُزينة الحرب وهم زهاء خمسة آلاف فأجلاهم الحربيون إلى الساحل من الجار والصفواء وأرض جُشَم فهم بها إلى اليوم لا يدخلون الفُرْع إلَّا بجوار وذمام من بني حرب وبقيَّة سُلَيْم). ووجه تضعيف أبى عبد الرحمن لهذا السياق يتمثل في وجوه منها: الوجه الأول: أن بنى حرب نزحوا من صعدة إلى الحجاز في حدود سنة ١٣١ هـ ثم أجلوا مُزينة عن قُدس، مع أن عمر بن شبَّة يذكر أن مُزينة كانوا في ديارهم في القرن الثالث، وهذا يناقض ادعاء إجلائهم في القرن الثاني! (ولم يذكر نصَّ كلام ابن شبَّة). الوجه الثاني: أن بني حرب كانوا ستمائة فكيف يتغلبون على كل هذه القبائل!. وهنا أقول: إن من يقرأ نص الهمداني بتمعن يجد أنه ذكر تاريخ نزوح بني حرب من صعدة ولكنه لم يذكر نصًّا تاريخ الوقائع التي ذكرهما بينهم وبين قبائل الحجاز، أي أنه لا يذكر نصًّا ولا استنتاجًا أن بني حرب أجلوا مُزينة سنة ١٣١ هـ، بل إن الذي يفهم من سياق كلامه أن حربا لم تتمكن من بسط نفوذها إلا في آخر القرن الثالث الهجري وأول الرابع الهجري.

стр. 3734

أقول: وهكذا يتبين بوضوح أن نص ابن شبَّة لا يتعارض مع نص الهمداني، لكن أبا عبد الرحمن أوقع نفسه بهذا الالتباس بسبب تحامله على الهمداني وسوء فهمه لعباراته!. هذا بالنسبة للوجه الأول، أما الوجه الثاني فيمكن الرد عليه بما يلي: أ - أن الهمداني لا يقصد أن مجموع بني حرب في ذلك الوقت ستمائة رجل فقط، وإنما المقصود أن الذين حضروا تلك الوقعة وقاتلوا عَنَزة الموجودين في قدس وليس كل قبائل عَنَزة. ب - أن عددهم الحقيقي رُبَّمَا كان أكثر من ذلك لكن الراوة أحيانا يبالغون في تصوير الانتصارات فيقللون عدد أفراد القوة المنتصرة ويبالغون في كثرة عدد خصومها، وقد يكون الهمداني وقع في هذا الخطأ من غير قصد. كما أن الرقم يوحي بأن المقصود المقاتلة وليس كل أفراد القبيلة؛ لأن الأفخاذ الذين ذكر الهمداني أنهم نزحوا من اليمن لا يمكن أن يكونوا ستمائة فقط. ج - أن ما ذكره الهمداني من أنهم أجلوا بعض القبائل الأخرى، فمن الواضح أن ذلك لم يتم في نفس اليوم الذي كانوا فيه ستمائة، وإنما تم التغلب بعد ذلك بأزمان الله أعلم بها، حيث يستفاد من كلام الهمداني أن بني حرب وصلوا إلى الحجاز في القرن الثاني الهجري، فليس من المعقول أن يظل عددهم ستمائة شخص وهو يقول عنهم في القرن الرابع: وغلبوا على طريق مكة إلى المدينة فلم يسرها أحد منهم إلا بخفارتهم. . . إلخ. د - أن وضع القبائل العربية في تلك المنطقة في القرنين الثاني والثالث قد تأثر كثيرًا بالظروف المتغيرة للدولة الإسلامية حيث انزاحت القبائل العدنانية مع الفتوحات الإسلامية أولًا ثم تأثرت بالصراعات السياسية ثانيًا ولم تحتفظ بقوتها السابقة، مما أتاح لهذه القبيلة اليمنية القوية أن تستغل هذا الضعف وأن تنتصر ببداوتها وشراستها على رِقَّة القبائل الحجازية التي أَلَان الإسلام حدَّتها وكسر الإيمان شوكتها خاصة عندما يكون الخصم مسلما!.

стр. 3735

هـ - مع افتراض عدم صحة الاحتمالات السابقة، فهل يغيب عن أبي عبد الرحمن قول الحق تعالى: ﴿. . . كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ. . . (٢٤٩)﴾ [البقرة: ٢٤٩]. الأمر الرابع: يستشهد أبو عبد الرحمن للتدليل على ما عبَّر عنه بـ (أكاذيب الهمداني) بما ذكره عن ابن ملاحظ سلطان مكة، حيث يرى أن هذا السلطان غير معروف لدى المؤرخين، وأقول: إن هذه الحجة لا يقوم الدليل بها، وذلك أن هذه الحقبة الزمنية من تاريخ ولاة مكة كامضة جدًّا بسبب التدهور السياسي وعدم استقرار الأوضاع في مكة لسلطان معيَّن، وهذا ما أكَّده مؤرخو مكة ومنهم الأستاذ أحمد السباعي حيث يقول: (. . . ومَرَّ عهد المعتضد والمكتفى والمقتدر إلى أن كان عام ٣١٧ هجري من عهد القاهر في فترة شِبْه مجهولة لأن مؤرخي مكة يذكرون أن ولاة مكة في هذا العهد لم يُعرف منهم سوى (عج بن حاج) و (مؤنس الخادم) و (ابن ملاحظ) و (ابن مخلب). . . إلخ) "تاريخ مكة" ص ١٦٨. أقول: وهكذا فإن السباعي الذي ينقل عن مؤرخي مكة مثل ابن ظهيرة في "الجامع اللطيف" ودحلاد في "خلاصة الكلام" والفاسي في "شفاء الغرام" وغيرهم، لم يشر إلى ما يناقض رواية الهمداني بل إنهم يعتمدونها، وهم مَنْ هُمْ في معرفة تاريخ مكة وأمرائها. كما ذكر مؤلف "اتحاف فضلاء الزمن" - مخطوط - أن أمير مكة سنة ٣١٠ هـ محمد بن مُطْعَم. هذا من ناحية، أما من ناحية أخرى وعلى افتراض أن ابن ملاحظ غير موجود، فلا يستبعد أن يكون ذلك تصحيفا لابن محارب أو ابن مخلب أو ابن مُطْعَم الذين ذكرهم المؤرخون من ولاة مكة في هذه الفترة الغامضة. الأمر الخامس: أن استناد أبي عبد الرحمن على ابن الكلبي وابن حزم ومن نقل عنهما إنما هو استناد ضعيف واحتجاج كريب، فكون ابن الكلبي لم يذكر حربًا الحجازية فلأنه كوفي لا يستغرب عليه جهله بالقبائل اليمانية، كما أن عدم علمه بهذه القبيلة لا يقتضي عدم وجودها، وخاصة أنها حديثة عهد بالمنطقة، وعهده متقدم على انتشارها في الحجاز وشهرتها (توفي ابن الكلبي سنة ٢٠٤ هـ).

стр. 3736

ولهذا فإنه ليس من المعقول تَرْكُ قول الهمداني وهو النسابة العربي وابن الجزيرة العربية الذي جاب نواحيها وعرفها موضعًا موضعًا ووصف جبالها ووهادها ووديانها ومسالكها وكتب عن قبائلها ومنازلها، في حين نأخذ ما كتبه ابن الكلبي وهو من هو عند أهل عصره، أو نعتمد على ما كتبه ابن حزم وهو أندلسي المنشأ كتب عن قبائل الجزيرة نقلًا أو سماعًا، وليس عن مشاهدة واتصال بمن كتب عنهم!. ولا أدري كيف يمكن للشيخ قبول أقوال الهمداني في البلدانيات ورد أقواله في الأنساب بحجة أنه يستطيع التحريف في الأنساب ولا يستطيع التحريف في المواضع الجغرافية؛ لأنها ثابتة لا يقبل فيها الكذب، في حين يَفْترِض أن ابن الكلبي رغم اشتهاره بالكذب لا يستطيع الكذب بالأنساب لأن أهل زمانه سيرُدُّون عليه ويكشفون كذبه؟. أقول: ولماذا لا يخشى الهمداني أن يكتشف أهل زمانه أكاذيبه؟ أليس هذا تناقضًا في التبرير؟ أليس من الأولى أن ينطبق هذا التبرير على الهمداني الذي لا يصل إلى درجة ابن الكلبي في الكذب ولا يصل ابن الكلبي إلى درجته في معرفة الجزيرة وسكانها من القبائل. الأمر السادس: يقول أبو عبد الرحمن: (إنني تتبعت أخبار المقتدر بالله في أمهات كتب التاريخ فما وجدت لحرب أحداثا في طريق مكة والمدينة، وما وجدت أنه بعث لهم بالمال لخفارة الطريق. وذكر الهمداني أن بعث المال مستمر طوال حياة المقتدر بالله، فهو خبر هام عن الخلافة في أقصى الشمال لا يوجد عند غير الهمداني في صعدة بالجنوب!). أقول: إن علاقة المقتدر بالله بقبائل ما بين الحرمين ثابتة في المصادر التاريخية مما يؤيد رواية الهمداني، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر ما يلي: ١ - لقد ذكر المؤرخ الشيخ عبد الله غازي في كتابه "إفادة الأنام" ما مفاده أن: أول من أرسل صُرَّة النقود إلى الحرمين المقتدر بالله العباسي سنة ٣٢٠ هـ،

стр. 3737

وذلك نقلًا عن مصادر تاريخية كثيرة منها كتاب: "الغاية في شرح الهداية" للسروجي، في باب زكاة المال. انظر مخطوطة "إفادة الأنام بأخبار البلد الحرام"، مجلَّد ٤ ورقة ٦١، ٨٦ كما ذكر أيضًا الشيخ أحمد الرشيدي مؤلف "حسن الصفا والابتهاج" بشيء من التفصيل، وذكر أيضًا في أخبار سنة ٣٩٤ هـ أن أمير مكة أبا الفتوح (أراد ترك زيارة المدينة، واحتج بأن العربان في طريقها تطلب عوائدها. . . إلخ). انظر ص ١٠٥ وص ١١٢. ٢ - تُثْبِتُ النقوش الأثرية في المنطقة أن المقتدر بالله كان على علاقة وطيدة بهذه المنفقة وقبائلها، وقد وقَفْتُ على بعض النقوش التي تؤكد هذه العلاقة؛ وذلك في منطقة (وادي حَجَر) المشهور بين مكة والمدينة، كما حَصَلْتُ على بعض الصور الفوتوغرافية لها أهديتها للصديق الدكتور يحيى ساعاتي أمين مكتبة الملك فهد لحفظها ضمن مقتنيات المكتبة تقديرا لجهوده المخلصة هو والعاملين معه في هذا المجال. الأمر السابع: يقول أبو عبد الرحمن: (لا شك أن قبيلة حرب قبيلة حجازية ذات صولة وجولة منذ إقامة الهمداني بالحجاز إلى أن هلك، ولجلال هذه القبيلة ومنعتها ادَّعاها يمنية من خولان حسب عادته في سرقة القبائل العدنانية البارزة والشعر العدناني!). أقول: إن هذا الاحتجاج يمكن نقضه والرد عليه بسهولة من وجهين هما: ١ - إذا كانت هذه القبيلة كما تقول ذات صولة وجولة فلماذا لم يذكرها ابن الكلبي؟ وإذا كان الجواب بأن شهرتها إنما حدثت بعد ابن الكلبي فلماذا لم يذكرها ابن حزم إلا في سطر واحد أو سطر ونصف؟، ثم لماذا يذكرها المؤرخون الآخرون؟ ثم كيف نخرِّجُ قول البلخي السابق بأنهم قدموا من اليمن وزاحموا أهل البلاد واستولوا على ضياعهم!. ٢ - إذا كانت هذه القبيلة قد أعجبت الهمداني فلماذا لم ينسبها إلى همدان ثم كهلان اللذين هما أقرب إليه نَسَبًا من خولان؟.

стр. 3738

٣ - ليس من الضروري أن ينسب المؤرخ هذه القبيلة إلى قبيلته لمجرد إعجابه بها فقد أبدى كثير من المؤرخين إعجابهم ببطولات هذه القبيلة ولم ينسبوها لأنفسهم، ومن ذلك مثلا ما أورده الأستاذ محمد الطيب في كتابه "موسوعة القبائل العربية" من أخبار وبطولات نادرة لبعض قبائل حرب، حيث يقول عن قبيلة الصوالحة الذين نزحوا إلى (الطور) فزاحموا القبائل هناك: (ثم نرى العجب في عام ٩٤٩ هـ - من هؤلاء الصوالحة من حرب الحجازية يخوضون ملحمة رائعة تشبه الأسطورة وهي قيامهم بهزيمة قبيلتين وهما النفَيعَات والعليقات رغم أن فرسان هاتين القبيلتين كانوا ضعفي عدد فرسان الصوالحة أي مائة ضد ثلاثمائة والنسبة ١: ٣، أي لكل رجل من الصوالحة ثلاثة رجال يقاتلهم!). إلى أن يقول: (والهدف من ذكر هذا المثال عن هذا العنصر ألا وهو قبيلة حرب ذات البأس والقوة، وليس هذا جديدا على هؤلاء فإن الله صنف البشر خاصة في حومة الوغا). ويضرب مثالًا آخر فيقول: (وكما رأينا في معركة وادي الحمام قرب قلعة الطور أن الصوالحة من حرب قد قتلوا مائتين وخمسين من أعدائهم رغم أن عددهم كان فوق المائة بقليل! وقد أسروا أربعين رجلا بقائدهم كما أسلفنا في سرد هذه الحرب التاريخية المدونة في وثائق كتاب "الأم" وبشهود عيان محايدين يمثلهم العايدي مشرف بعثة الحجاج المصريين المكلف من قبل الدولة وقاضي محكمة شرعية في مصر، فأي فروسية مثل هذه وأي بأس لهؤلاء البشر!). أقول: ومع ذلك فلم يَدَّعِ هذا المؤلف المنصف المعجَبُ بقبيلة حرب أنها من سُلَيْم لأنه سُلَميّ!. الأمر الثامن: إذا كانت حرب العدنانية الهلالية - كما يقول ابن حزم - ذات صولة وجولة فلماذا لم تحتفظ باسمها الهلالي لا في الجزيرة العربية ولا خارجها، مع أن أخبار بني هلال وأساطيرهم ملء السمع والبصر؟. ليس هذا فحسب، بل إن أبناء حرب سواء كانوا خارج الجزيرة أو داخلها لم يسقطوا انتسابهم إلى بني هلال فحسب، لكنهم كانوا يحتفظون بقحطانيتهم ويمينيتهم على مدى القرون التي تلت نزوحهم من اليمن.

стр. 3739

ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره الأستاذ محمد الطيِّب أيضًا، عن قبيلة الصوالحة السابق ذكرهم، حيث ورد أنَّهُ جاءتهم قبيلة من مُزينة طالبين النزول معهم ضمن الوثيقة المؤرخة في ٣ ذي القعدة سنة ٩٤٩ هـ: ( .. وسألهم حميد بن حسَّان كبير الرضاونة من الصوالحة من أين أصلكم؟ فقالوا له: نحن من مُزينة حرب. فقال لهم الشيخ حميد: لا توجد في قبالْل حرب مُزينة، وأما مزينة هي قبيلة كبيرة ومعروفة في بر الحجاز قبل قبايلنا ما ينحدرون من اليمن. . . إلخ). وقد علَّق الأستاذ الطيب على ذلك بقوله: (وقول الشيخ حميد لرجال مُزينة أن حربا من بلاد اليمن يؤكد أن أجداد الصوالحة حتى عام ٩٤٩ هـ يحفظون أنسابهم ليس إلى حرب ولكن يحفظون نسب حرب إلى بلاد اليمن أي للقحطانية. وهذا يؤكد لنا رواية الهمداني في الإكليل) انظر: "موسوعة القبائل العربية"، لمحمد الطيب ص ٦٢٣ وما بعدها. ومثال آخر: ما أورده ابن عبد السلام الدرعي المغربي في رحلته الأولى للحج سنة ١١٩٨ هـ حيث يذكر أنه التقى في رابغ بأعرابي من سكان الأبواء من حرب تظهر عليه آثار الصدق والخير وسأله عن أسماء قبائل الحجاز، وبعد أن أخبره الأعرابي قال: (يا سيدي لا تجد بالحجاز قبيلة واحدة ذات شوكة إلَّا وقد حدث سكناها بالحجاز بعد العهد النبوي. . . إلخ) انظر "ملخص رحلتي ابن عبد السلام"، تلخيص الشيخ حمد الجاسر، ص ١٤٨. الأمر التاسع: أما فيما يتعلق بديار مُزينة قبل مجيء حرب فقد كانت عدة مواضع بعضها تختص بها مُزينة وبعضها تشترك بها مع غيرها، ومن هذه المواضع التي ذكرها أصحاب المعاجم القديمة ما يلي: قدس وآرة والفرع والمضيق وخضرة والأكاحل ورحقان، انظر كتاب: "قبيلة مُزينة في الجاهلية والإسلام" للأخ مساعد المزني ص ٣٧٨ وما بعدها. أقول: وأما الفُرع والمضيق فهما الآن من ديار بني عمرو، وأما خضرة والأكحل فمن ديار قبيلة مُخلَّف، وكلاهما من مسروح، وهذا مما يؤيد كلام الهمداني ويؤكده!.

стр. 3740

الأمر العاشر: ليس من النسابين من عارض كلام الهمداني أو أغفل نسب حرب إلا من كان سابقا لزمن وصولهم للحجاز أو بعيدًا عن قبائل الجزيرة جاهلًا بها لم يورد ما يشفع لرأيه، أو متأخرًا لم يطَّلع على كتاب "الإكليل، وفيما يلي استعراض لأسماء بعض المتقدمين من ذوي العلاقة بهذا الموضوع لمعرفة آرائهم والعوامل المؤثرة فيها: ١ - ابن الكلبي المتوفى سنة ٢٠٤ هـ، حيث لم يذكرهم؛ لأنه كوفي سابق لاستقرارهم وشهرتهم في الحجاز. ٢ - محمد بن زياد ابن الأعرابي المتوفى سنة ٢٣٠، فهو كوفي أيضًا متقدم على شهرتهم بالحجاز. ٣ - ابن شبَّة المتوفى سنة ٢٦٢ هـ، فهو سابق لشهرتهم في الحجاز كما أنه لم يكتب عن القبائل خارج المدينة عن كثب وتقصي. ٤ - أحمد بن سهل البلخي المتوفى سنة ٣٢٢ هـ وهو صاحب كتاب "صور الأقاليم" كما أسلفنا وقد أقام في ديار الجعفريين بين الحرمين الشريفين وقد أورد خبر انتقال بني حرب من اليمن واستيلائهم على أملاك الجعفريين كما تقدم والديار التي ذكرها ونقلها عنه الحموي هي عينها ديار حرب اليوم!. ٥ - الحسن بن أحمد الهمداني المتوفى بعد سنة ٣٣٤ هـ، وهو ابن اليمن ونسابتها والمطَّلع على مواطن الجزيرة وقبائلها، فقد أثبت قحطانية حرب ورحيلهم من اليمن. ٦ - الكلاعي المتوفى سنة ٤٠٤ هـ وهو العالم والنسابة الخولاني اليمني وقد وافق الهمداني. ٧ - ابن حزم الأندلسي المتوفى ٤٥٦ هـ، الذي لا يعد قوله حجة في قبائل الجزيرة وخاصة اليمنية، لبعده نسبًا وبلدًا كما أسلفنا، ولأن ما أورده عن حرب يدل على بعده عنها وجهله بها!.

стр. 3741

٨ - نشوان اليمني الحِمْيَري، المتوفى سنة ٥٧٣ هـ، وقد وافق الهمداني. ٩ - الحمداني المتوفى سنة ٧٠٠ هـ وكان يعمل (مَهْمِنْدَارا) أي مشرفًا على شؤون استقبال رؤساء القبائل عند حاكم مصر، ولم يكن عالمًا بالأنساب لكنه كان يسجل أنسابا يأخذها من مشايخ القبائل الذين يفدون على دار ضيافة السلطان. وقد قال بهلالية حرب على عادة أهل مصر والسودان وشمال إفريقيا فإن كل قادم إليهم من الجزيرة يعدونه هلاليًّا!. ١٠ - ابن خلدون المتوفى سنة ٨٠٨ هـ، وقد أثبت قحطانية حرب الحجاز ونزوحهم من اليمن، كما أورد الشيخ حمد الجاسر في تعليقه على بحث أبي عبد الرحمن!. ١١ - أحمد بن علي الْقلَقْشَنْدي المصري المتوفى سنة ٨٢١ هـ، ولم يزد على ما أورد الحمداني كما أسلفنا. ١٢ - السويدي البغدادي المتوفى سنة ١٢٤٦ هـ وهو ناقل عن القلقشندي والحمداني ومن شاكلهما. ونكتفي بهذه الأمثلة لأن من جاء بعد هؤلاء إنما هو ناقل عن أولئك المتقدمين، فمن نقل عن نَسَّابي اليمن فإنه يَعُدُّ حربًا يمنية وهو الصحيح، ومن نقل عن ابن حزم والحمداني والقلقشندي فقد نقل الرواية الخاطئة!. وقد صدق الأستاذ سمير القطب مؤلف كتاب "أنساب العرب" حيث قال في ص ٥٧: "وَهَمَ كثير من المؤلفين في أنساب العرب حينما نسبوا قبيلة حرب إلى العدنانية ومنشأ هذا الوهم: ١ - أنهم رأوا هذه القبيلة تقطن مواطن العدنانية القديمة وهي أقوى من يقطن بين مكة والمدينة. ٢ - أنهم رأوا أن بعض القبائل العدنانية قد انضمت إليها ودخلت فيها مثل مُزينة.

стр. 3742

٣ - أن كثيرا من المؤلفين عن الأنساب يكتبون وهم بعيدون عن مواطن القبيلة. والصحيح أن حربًا يرجعون إلى خولان من قحطان". انتهى ما اخترناه من كلامه. والله أعلم. (انتهى قول فايز بن موسى الحربي). خامسًا: ما قاله الباحث الأردني/ راشد بن حمدان الأحيوي المسعودي (١): عن قبيلة حرب تمهيد: بنو حرب قبيلة كبيرة جدا من أعظم قبائل العرب وأَجَلّها قَدْرَا، وصفهم ابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩ هـ) في عهده في القرن الثامن للهجرة بقوله: (هم من أكثر العرب عددا، وأجرأهم رَجُلًا باطشا ويدا" [العرب ١٦/ ٩٢٥] وهم كما قال: إلى يومنا هذا، وهذه القبيلة الجليلة التي لعبت دورا خطيرا في تاريخ الحجاز وحوادثه لم تحظ بدراسة شافية حولط أنساب قبائلها تفيها حقَّها من الدرس والتحقيق - فيما اطلعت عليه - ولعل من أفضل ما كتب عنهم هو كتاب "نسب حرب" للأستاذ الباحث عاتق بن غيث البلادي الحربي، إلا أن البلادي لم يبحث أنساب قبائل حرب التي لا تَنْحدر من حرب نسبًا لاسيما وهي جُلُّ حرب، كما أنه لم يُحَلّلْ نصوص الهمداني حول بني حرب وإنما عرضها وساقها وفرّع حربًا دون الاهتمام اللازم بالقبائل التي دخلت في حرب وصارت تُعَدُّ منهم، وكأن قبائل حرب كلها خولانية النسب، وربما فات البلادي أن التحليل العلمي الموضوعي المجرّد يتَطَلّب التأنّي الجادّ قبل إصدار أيّ حكم دون وجود دليل قطعيّ، خاصة فيما يتعلق بالأنساب، لا سيّما إذا ما وجدت أدلة مغايرة، كيف والبلادي صاحب رأي يقول: إن بضعة قرون لا تكفي لتكوّن قبيلة قوية ذات شأن وخطر. قال البلادي: (إن ذرية رجل من القرن الأول الهجري لا يمكن أن تكوِّن قبيلة ذات

стр. 3743

خطر في القرن التاسع) [رحلات في بلاد العرب ٨٠] ونحن وإن كنا نَخْتَلف معه بهذا الشأن إلا أننا نتساءل ألا تشمل مقولته هذه بني حرب؟ ذلك أننا سنجد أن بني حرب في الحجاز هم ذرية رجل عاش في القرن الثاني للهجرة، وهنا في بحثنا هذا سنعرض للبطون السلمية التي دخلت في بني حرب وصارت إلى يومنا هذا من فروع حرب وقبائلها، ولعلّ هذا يدفع بعض الباحثين من بني حرب وغيرهم للتَّحقيق في أنساب قبائل أخرى دخلت في حرب ولم نتناولها في بحثنا هذا. ونقول وبالله تعالى التوفيق: * نسب حرب: بيّن لسان اليمن العلّامة أبو محمد الحسن بن أحمد الهمداني (ت نحو ٣٥٠ هـ) فقطع بقوله - كما يقال: قطعت جهيزة قول كلّ خطيب، نسب بني حرب وسبب ارتحالهم وجلائهم فذكر أن سعد بن خولان أولد ربيعة بن سعد قال: وأكثرهم يقول الرَّبيعة قال: وفي الربيعة البيت والشرف والعدد، وذكر أنه أولد سعد بن سعد، وعمرو بن سعد ثلاثة درج عمرو بن سعد. [الإكليل ١/ ٢٩٧] وفي ذكر أنساب بني سعد بن سعد بن خولان قال: (أولد سعد بن سعد بن خولان: الحارث بن سعد، وحرب بن سعد، وسمهك بن سعد، وقثم بن سعد، فدرج قثم بن سعد) [الإلكليل ١/ ٣٩٢] وقال في ذكر أنساب بني حرب: (أولد حرب بن سعد أربعة نفر؟: الفاحش ومالكا وعامرًا والفيَّاض، فمن ولد الفيَّاض بن حرب آل عمرو بن يزيد، وقد يقال: إنّهم من ولد الحارث بن سعد من بيت النعمان بن الفياض، وأولد الفاحش: سلمان وسبَّاقا ومسلما وضحاكا أربعة نفر، فأولد سلمان بن الفاحش بن حرب: زِيَادا وهم أهل (الْعَرْج) حدثني محمد بن إبراهيم بن إسماعيل المحابي، وقد كان جاور في بني حرب بـ (قدس) و (رضوى) و (ينبع) وتلك النواحي في سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة ونزل على محمد بن علي سيّد بني حرب، وأقام عنده قال: قال محمود بن علي بن عمرو بن جابر بن عمرو بن المسافر بن عمرو بن زياد بن سليمان بن الفاحش بن حرب، هكذا نسَب نفسه، قال الهمداني: قد أوهم من نقل إليه هذا

стр. 3744

النسب والعدّة إلى حرب تضعف على هذا مَرَّتَيْن وإنما ينبغى أن يكون انتسب إلى زياد من نسل زياد بن سلمان، وافترق جميع من بالحجاز إلَّا من دخل فيهم من إخوتهم من زياد بن سليمان، فأولد زياد: عَمْرًا والخيار، فمن بني عمرو بن زياد محمود هذا وبنو الحارث بن عبد الله بن عمرو، وبنو ميمون بن مسافر، ومن ولد الخيار عبد الله بن الخيار، وهم العبديون، وكان القياس العبدليين، ورُبَيْد بن الخيار، فيهم عدد زهاء ثلاثمائة وسيدهم اليوم أبو الحسين يحيى الزُّبيدي، صاهر آل يحيى بن الحسين الحسيني بـ (العقيق) من المدينة، وسائر بطون بني حرب بن سعد بالحجاز قالوا: فمن تلك البطون: بنو عامر بن حرب، ومنهم بنو عوف فمن بني عوف مسروح بن عوف ومسعود بن عوف، وعلي بن عوف، وممّن هناك بنو ذُؤَيْب من ولد سبَّاق بن الفاحش بن حرب وهم أحَدُّ بني حرب حَدًّا، وهم أخوال أبى القاسم إدريس بن جعفر من ولد موسى بن جعفر بن محمد الرضا، وبنو ذُؤيب يعرفون بحظي (؟)، وفيهم من بني مالك الذين في بني حيُّ بـ (صعدة) ويقولون: إنهم من الأزد كما يقول من في بلد خولان منهم) [الإكليل ١/ ٣٩٣ - ٣٩٦] وقال في ذكر نسب الفياض بن حرب: (أولد الفياض بن حرب: الفيض ونوالا والنعمان وعمْرًا أبيات فأولد عمرو: النعمان فأولد النعمان: الحارث فأولد الحارس: سعدًا فأولد سعد: الحارث فأولد الحارث: مالكا فأولد مالك: النعمان فأولد النعمان: الحارث فأولد الحارث: عبد الله، فأولد عبد الله: يزيد فأولد يزيد: عمرو بن يزيد بن عبد الله بن الحارث) [الإكليل ١/ ٤٠١ - ٤٠٢] وذكر أن يزيدًا أولد غير عمرو: ثابتا وفيَّاضا ومالكا بني يزيد، فأولد عمرو بن يزيد يعلى بن عمرو، وقد رأس وهو الذي قام مع إبراهيم بن موسى العلوي بصعدة) [الإكليل ١/ ٤٠٤] قال: (ومنهم الحارث بن عمرو بن الحارث فكان أحد السادة الأشراف الحلماء، ودخل ولده بنو الحارث بن عمرو في جملة من بقي من ولد سلمان في جماع بني حَيِّ وكان حيي صَنَمَا، فأما من يسمى بحيّ فهم سلمان بن الفاحش بن حرب، ومالك بن حرب ويقول ان بني مالك إنهم من الأزد وسباق ومسلم بن الفاحش بن حرب وفيهم جميعا حدٌّ وبأس) [الإكليل ١/ ٤٠٤ - ٤٠٥].

стр. 3745

* جلاء بني حرب: قال الهمداني: (قالت علماء صعدة: إن بني حرب أُجلت عن (صعدة) سنة إحدى وثلاثين ومائة) [الإكليل ١/ ٤٠١] وكان سبب جلائهم وجلاء غيرهم من بني سعد بن سعد الحرب التي قامت بين بني سعد بن سعد وإخوتهم بنو الرَّبيعة بن سعد، وكان الذي هاج الحرب هو عمرو بن يزيد بن عبد الله بن الحارث. [الإكليل ١/ ٤٠٢] وهو من بني الفياض بن حرب، وقد مرّ سرد نسبه وكان أن انتهى أمره بمقتله بعد مقتل إخوته [الإكليل ١/ ٤٠٥، ٤١٢] فقام بأمر الحرب من بعده عمرو بن يزيد الغالبي سيد بني غالب بن سعد [الإكليل ١/ ٤١٢] وكان عمرو بن يزيد الغالبي قبل ذلك ينهى عمرو بن يزيد بن عبد الله بن الحارث الحربي [الإكليل ١/ ٤١٢] فلما قتل الحربي تولى الغالبي أمر الحرب من بعده، قال الهمداني: (لم يبرح عمرو في رياسته حتى ظعن في بني غالب وظعن أكثر بني حرب إلى الحجاز، لوقائع تواترت عليهم الربيعة، فأما بنو حرب فقصدت (العَرْج) وأما بنو غالب فقصدت جبل (يَسُوْم) من وادي نخلة وجبل (عروان) في أعلى عرفات وتَخلَّف ببلاد خولان من تَخلّف من بني حرب وبني غالب وسائر بطون بني سعد في ظل الحارث بن عمرو وكنَفِه وبريحه لأنه لم يدخل في الفتنة) [الإكليل ١/ ٤١٣] وكان محمد بن أبان بن ميمون بن حريز بن حجر بن زرعة الخنفري هو الذي أجلى بني حرب بن سعد وغالب بن سعد فجلوا إلى (عروان) و (العرج) في الحجاز [الإكليل ١/ ٣٥٩] وكان ذلك سنة ١٣١ هـ قال الهمداني: (جاور عمرو بن يزيد في زُبيد وقتًا. ثم في خثعم ثم في بني هلال ثم لحق ببني غالب إلى (يسوم) و (عروان)، وكان يقول أشعارًا يسأل جرير بن حُجْرِ وكان ابن خالته فيها العودة فرق له وأعاده) [الإكليل ١/ ٤١٥] وجرير بن حُجْرِ هو سيّد الربيعة بن سعد بن سعد، وهو جرير بن حُجْر أبو رعثة الأصغر بن عمرو بن حجر أبو رعثة الأكبر ابن سعد بن عمرو وهو مغرق الأكبر ابن زيد بن مالك بن زيد بن أسامة بن أرطأة بن شرحبيل بن حُجْر ين ربيعة بن سعد بن خولان [الإكليل ١/ ٣١١ و ٣٠٩ و ٣٠٧ و ٢٩٩ و ٢٩٨ و ٢٩٧] وكان من نتائج حروب الربيعة بن سعد، وسعد بن سعد، وذلك قبل إجلاء بني حرب وبني غالب بن سعد إجلاء مُغرق وهم بنو عمرو بن زيد من بني الربيعة بن سعد، وإجلاء بني شهاب وهم حلفاء في بني الربيعة [الإكليل ١/ ٤٥٧، ٤٥٩]، وإجلاء

стр. 3746

الخنفريين قوم محمد بن أبان، وإجلاء آل عوف ويتَّضح هذا من شعر الحارث بن عمرو الحربي الذي قال من قصيدة له بشأن قومه بني سعد بن سعد الذين أصَرُّوا على الحرب بخلافه ومن اتبعه قال: فأجْلوا معرفًا وبني شهاب … وحَلُّوا في السُّهول وفي النِّجاد ونَحَّوا الخنفرين وآل عوف … بقصوى طودِ أو بِرْك الغِماد [الإكليل ١/ ٤١٤] وهذا يعني أن الأيّام كانت سجالا بين الفريقين إلى أن انتصرت الربيعة بن سعد على بني سعد بن سعد، وانتهى ذلك بأن سمح جرير بن حجر سيّد الربيعة لبني غالب بن سعد وسيدهم ابن خالته عمرو بن يزيد الغالبي بالعودة إلى بلاده، بعد أن جاور بقومه في زُبَيْد فخثعم فبني هلال ثم سار بهم إلى (يسوم) و (عروان) غير أن القبائل المُضَريَّة لم ترحب به مما جعله يطالب ويناشد بني خولان بالعودة فأُذِن لهُ فعاد بقومه إلى بلاد خولان بصعدة. * ما بعد انتهاء الحرب: كانت الفتنة الأولى بسبب عمرو بن يزيد الحربي الذي انتهى أمره بمقتله فقام بأمر الفتنة الثانية من بعده عمرو بن يزيد الغالبي وكان أن جَلَا بمن جلا معه من بني غالب وحرب، فاستوطن بنو غالب جبل (يسوم) من وادي نخلة وجبل (عروان) في أعلى عرفات، واستوطن بنو حرب (العرج) ويرى البلادي أن بني غالب دخلوا في عُتَيْبَةَ فقال: (لاتصال بني غالب ببني حرب ومشاركتهم الهجرة اجتهدت في البحث عنهم فلم أجد لهم ذكرا، غير أنه نظرا للصلة القوية بين قبيلتي حرب وعُتيبة من المؤكد أن بني غالب انضمت إلى بقايا هوازن فكَوَّنَتْ قبيلة عُتيبة التي تلي حربًا دون بقية القبائل، ولا يمكن أن يكون هذا الولاء وهذه العاطفة القوية مردّها الحلف فهناك الكثير من القبائل دخلت في حلف حرب وعُتَيبة ولكن الذي بينها وبين هاتين القبيلتين يختلف عمّا بين القبيلتين، نفسيهما، ومما يرجّح هذا الرأي وجود قبائل كبيرة في عتيبة لا نستطيع إلحاقها بأصولها مثل النفعة والمقطة والقثمة) [نسب حرب ١١٠] وقال في ذكر حرب وعُتَيبة: (بينهما من قوة الصلات ما جعلني أنوّه فيما سبق من الكتاب إلى أننى

стр. 3747

أعتقد أنّ بعض بَرقَا أحد فرعي عُتيبة هم من بني غالب بن سعد إخوة حرب) [نسب حرب ١٣٨]. قال الأحيوي: أصاب البلادي قلب الحقيقة ونحن لا ننكر الصلات التي ذكرها إلا أننا نختلف معه بشأنها وفي تفسيرها؛ ذلك أن بني غالب بن سعد بن سعد إخوة حرب قد عادوا إلى بلادهم بصعدة في اليمن بعد ما أذن سيّد الربيعة جرير بن حُجْرِ لسيد بني سعد بن سعد عمرو بن يزيد بالعودة كما أورده الهمداني، فهل يتصوّر عودة سيّد القوم دون قومه؟ لقد عاد بنو غالب مع زعيمهم بعد انتهاء أمر الحروب، وقد جاء في شعر عمرو بن يزيد الغالبي الذي ناشد فيه ابن خالته بن حُجْرِ سَيِّدَ الربيعة بالعودة أن قبائل سُلَيم وبني عامر وبني بكر بن وائل وقبائل قيس يسومونهم الذل ويعادونهم عداء شديدا [الإكليل ١/ ٤١٥ - ٤١٧] وكان شعر عمرو بن يزيد الغالبي الحارُّ سببًا في أن يرقّ له جرير بن حُجر الذي سمح بعودة الجالين ليتخلصوا مما ألَمَّ بهم من عِداء قبائل الحجاز ونجد، ومما يؤكد ذلك أن يعلى بن عمرو بن يزيد الحربي هو الذي قام مع إبراهيم بن موسى العلوي بصعدة [الإكليل ١/ ٤٠٤] وكان ظهور إبراهيم العلوي هذا بصعدة سنة ٢٠٠ هـ[تاريخ الطبري ٥/ ١٢٧]. وقول البلادي حول أصول النفَّعة والمقَّطة والقثَّمة واحتمال أن تكون بقية بني غالب لا دليل عليه، فبنو غالب قد عادوا كما مرَّ، كما أن هذه البطون تنحدر من هوازن نسبًا وليس هناك أدنَى شَكَّ حول أنسابها، ويستحسن الرجوع للبحث الممتع حول (عُتَيْبة: نسبها وفروعها ومنازلها) للأستاذ عبد الرحمن بن زبن المرشدي العتيبي في مجلة "العرب" سنة ٢٨ - ص ٣٨ - ٧٠. * عود إلى بني حرب: بَيَّن الهمداني أن بني حرب جَلّوْا إلى (العَرْج) سنة ١٣١ [الإكليل ١/ ٤١٣ و ٤٠١ و ٣٥٩] ويحدد لنا الهمداني بدقَّة بالغة أن أهل (العرج) في عهده هم من بني زياد بن سلمان بن الفاحش بن حرب حيث قال في ذكر زياد: (هم أهل العَرج) [الإكليل ١/ ٣٩٣] قال الأحيوي: وهنا فإن الهمداني لا يقصد أن زياد بن سلمان بن الفاحش بن حرب وهو جاهلي قديم قد

стр. 3748

اسْتوطن (العرج) بل استوطن (العرج) قوم من نسله، وعندما عاد بنو حرب وبنو غالب إلى ديارهم وكان ذلك خلال القرن الهجري الثاني بدليل ورود ذِكر يَعْلى بن عمرو بن يزيد الغالبي في حوادث سنة ٢٠٠ هـ عند العودة فبقي في (العرج) قوم من بني حرب، وهم بنو زياد بن سليمان من سلالة زياد بن سلمان بن الفاحش بن حرب، وفي عهد الهمداني كان شيخ بني حرب هو محمود، قال الهمداني عن محمد عن إبراهيم المحابي: (قال محمود بن علي بن عمرو بن جابر بن عمرو بن المسافر بن عمرو بن زياد بن سليمان بن فاحش بن حرب هكذا نسب نفسه قال الهمداني: قد أَوْهَمَ من نقل إليه هذا النسب، والعِدَّةُ إلى حرب تَضعُفَ على هذا مرتَيْن وإنما ينبغى أن يكون انتسب إلى زياد مِنْ نسل زياد بن سلمان، وافترق جميع من بالحجاز إلَّا مَنْ دخل فيهم من إخوتهم من زياد بن سليمان) [الإكليل ١/ ٣٩٤ - ٣٩٥] قال الأحيوي: وقد صدق الهمداني وأصاب لُبَّ الحقيقة في نقده لنسب محمود، والصحيح أن نسب محمود هذا إلى زياد بن سليمان من نسل زياد بن سلمان بن الفاحش بن حرب، وقد أوردنا آنفا نَصَّ الهمداني حول زياد بن سليمان هذا. ومن تفرّع منه كما يلي: ١ - بنو عمرو بن زياد بن سليمان ومنهم: أ - بنو الحارث بن عبد الله بن عمرو. ب - بنو ميمون بن المسافر بن عمرو. وشيخ بني عمرو وجميع بني حرب هو محمود بن علي بن عمرو بن جابر بن عمرو بن المسافر بن عمرو بن زياد بن سليمان. ٢ - بنو الخيار بن زياد بن سليمان ومنهم: أ - بنو زبيد بن الخيار وشيخهم أبو الحسين يحيى الزبيدي. ب - بنو السَّفر بن الخيار، وشيخهم المسلم وهو شيخ جميع بني الخيار. قال الأحيوى: وهنا لا بُدَّ من التنبِيه - ولذلك غاية سيأتي بيانها - أن محمودًا شيخ بني حرب هو الابن السابع من نسل رياد بن سليمان جد بني عمرو بن زياد

стр. 3749

وبني الخيار بن زياد، ومحمود هذا معاصر للهمداني وقد التقى به نزل عليه محمد بن إبراهيم بن إسماعيل المحابي سنة ٣٢٢ هـ ومعاصر للمسلم شيخ بني الخيار بن زياد، ومعاصر للهجري وهذا معاصر للهمداني وروى عنه [التعليقات والنوادر ١٥ و ٢١ وحاشية ١٧٢٢] وقد روى الهجرى عن المسلم من بنى الخيار ونسبه وذكر أنه المسلم بن أحمد بن يزيد بن عبد الله بن الخيار الحربي [التعليقات ١/ ٢٣ و ٧٠ و ٢/ ١١٢٩] وسواء أكان المسلم هذا هو المسلم الذي ذكره الهمداني أم لم يكن هو فإنه من سلالة زياد بن سليمان وهو الابن السادس من نسله، وهذا العدّ لا يختلف كثيرا مع عدِّ محمود الذي يزيد عن المسلم بأب واحد، ولا ضير في ذلك، فهذا أمر كثير الحدوث جدًّا أي أَنْ تَرَىَ عدَّ رجلين من فرعين يجمعهما جدٌّ واحد يزيد أحدهما عن الآخر بجَدّ أو أكثر، وهذا يبيّن لنا أن البطون الحربية آنفة الذكر من سلالة زياد بن سليمان من نسل زياد بن سلمان بن الفاحش بن حرب قد عاصر الهمداني والهجري الابن السادس من نسل جدّهما زياد كالمسلم، والسابع كمحمود، والثامن كأبناء محمود. ومن هذا نستطيع القول باطمئنان أن زياد بن سليمان كان معاصرًا لجلاء بني حرب وغيرهم من بني سعد بن سعد من بلاد خولان سنة ١٣١ هـ ونحن هنا لسنا بصدد إعداد مقارنة مع مشاهير معاصري الهمداني ومحمود شيخ بني حرب، لتحديد أَزمان الأب السابع لكل منهما، وإنما نكتفي للاستئناس أن نقول: إن الأب السابع للخليفة العباسي المقتدر بالله (ت ٣٢٠ هـ) وهو أبو جعفر المنصور قد توفى سنة ١٥٨ هـ أي أنه معاصر لجلاء بني حرب، كما نجد أن الأب السادس لأبي القاسم بن إديس الحسيني ابن أخت بني حرب معاصر لجلاء بني حرب، والأب السادس لأبي القاسم هو جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وقد توفي نحو ١٤٨ هـ فيما توفي أبوه محمد بن علي نحو سنة ١١٤ هـ، وإدريس المذكور هو إدريس بن جعفر بن علي بن محمد بن علي الرضا بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، مع ملاحظة أن تسَلْسُل البادية أسرع من تسلسل الحاضرة وعليه فإن زيادًا الأبَ السابع لمحمود شيخ بني حرب يكون قد عاصر أحداث جلاء بني حرب. قال الأحيوي: ومن هذا يتضح لنا أن بني حرب

стр. 3750

قد عادوا إلى بلادهم وبقي منهم بقايا أهمهم بنو زياد بن سليمان المذكور، ومما يؤكد عودتهم أن الفتنة الثانية كانت على يد عمرو بن يزيد الغالبي من نسل غالب بن سعد إخوة حرب بن سعد، وهو الذي تَسبَّب في الجلاء، وقد عاد بقومه كما مرَّ، فما بال بني حرب لا يعودون وهم لم يكونوا سببًا في الفتنة الثانية بل كانوا سببًا للفتنة الأولى التي لم ينتُج عنها جلاء ولا رحيل؟ كيف وقد بقي قومهم من بني سلمان بن الفاحش بن حرب وغيرهم من بني حرب في جماع بني حَيٍّ ببلاد (صَعْدَةَ) بل إننا سنجد أن الذين تبقَّوا في (العرج) من بني زياد بن سليمان وغيرهم قد أخذ بعضهم يعود إلى بلادهم بـ (صعدة) بسبب الحروب مع القبائل العدنانية، وممّا يؤكد هذا أن العلَّامة محمد بن على الأكوع قال في ذكر بني زُبيد بن الخيار: (هي فرعان: فرع يقيم في وطنها الأصلي خولان قُضاعة، ومسكنها وادٍ يُسمَّى وادي زبيد بينه وبين ساقَيْن ست ساعات غَرْبًا ينصبُّ ماؤه إلى (مَوْر) وفيه مدرة حيدان) قال: (وفروعها الآخرى هذه التي ذكرها المؤلف وتقيم بين مكة والمدينة [الإكليل ١/ حاشية ٣٩٥] ومعلوم من تَسَلْسُل بني زبيد أنهم لم يصبحوا عشيرةً إلَّا في القرن الثالث للهجرة فما بعده، حينما تكاثر بنو زُبَيْد، وبنو زبيد لم تتألف عشيرتهم إلا ببلاد الحجاز كما هو واضح من تسلسل نسبهم، كما أننا نَجِدُ أن العَبْديِّين بني عبد الله بن الخيار إخوة زُبيد بن الخيار قد اختفى وجودهم ببلاد الحجاز. وقول البلادي إن العَبديين هم العبدة من بطون بني عمرو [نسب حرب ٢٨] قولا لا دليل عليه ذلك أن العبديين بطن من بني الخيار كُزبَيْد والسَّفْر فما بالهم قد انتقلوا إلى بني عمرو، وتغيَّر اسمهم إلى العبدة؟ ولِمَ لَمْ يدْخُلوا في زُبَيد وفي السَّفر وهم أقرب لهم نسبا؟ وعندي أنهم عادوا كما عاد جزء من إخوتهم زُبَيْد فيما بعد إلى بلادهم (صعدة)، ومما يؤكد ذلك ما ذكره العلَّامة الأكوع الذي قال في ذكر العبديين: (وادي العبديين مشهور بصعدة ولهم بقية) [الإكليل ١/ حاشية ٣٩٥] ومن الملفت للنظر أنه لا وجود لبني عامر بن حرب ببلاد الحجاز ومنهم بنو عوف، ومن هؤلاء مسروح وعلى ومسعود بنو عوف، ولا وجود لحظي وهم بنو ذؤيب من ولد سباق بن الفاحش بن حرب مما يعني عودتهم إلى بلادهم. ويؤكد هذا أن من قبائل خولان الطيَال ببلاد (صعدة): بنو حي، وهم الذين
следующие страницы →