الخنفريين قوم محمد بن أبان، وإجلاء آل عوف ويتَّضح هذا من شعر الحارث بن عمرو الحربي الذي قال من قصيدة له بشأن قومه بني سعد بن سعد الذين أصَرُّوا على الحرب بخلافه ومن اتبعه قال:
فأجْلوا معرفًا وبني شهاب … وحَلُّوا في السُّهول وفي النِّجاد
ونَحَّوا الخنفرين وآل عوف … بقصوى طودِ أو بِرْك الغِماد
[الإكليل ١/ ٤١٤] وهذا يعني أن الأيّام كانت سجالا بين الفريقين إلى أن انتصرت الربيعة بن سعد على بني سعد بن سعد، وانتهى ذلك بأن سمح جرير بن حجر سيّد الربيعة لبني غالب بن سعد وسيدهم ابن خالته عمرو بن يزيد الغالبي بالعودة إلى بلاده، بعد أن جاور بقومه في زُبَيْد فخثعم فبني هلال ثم سار بهم إلى (يسوم) و (عروان) غير أن القبائل المُضَريَّة لم ترحب به مما جعله يطالب ويناشد بني خولان بالعودة فأُذِن لهُ فعاد بقومه إلى بلاد خولان بصعدة.
* ما بعد انتهاء الحرب: كانت الفتنة الأولى بسبب عمرو بن يزيد الحربي الذي انتهى أمره بمقتله فقام بأمر الفتنة الثانية من بعده عمرو بن يزيد الغالبي وكان أن جَلَا بمن جلا معه من بني غالب وحرب، فاستوطن بنو غالب جبل (يسوم) من وادي نخلة وجبل (عروان) في أعلى عرفات، واستوطن بنو حرب (العرج) ويرى البلادي أن بني غالب دخلوا في عُتَيْبَةَ فقال: (لاتصال بني غالب ببني حرب ومشاركتهم الهجرة اجتهدت في البحث عنهم فلم أجد لهم ذكرا، غير أنه نظرا للصلة القوية بين قبيلتي حرب وعُتيبة من المؤكد أن بني غالب انضمت إلى بقايا هوازن فكَوَّنَتْ قبيلة عُتيبة التي تلي حربًا دون بقية القبائل، ولا يمكن أن يكون هذا الولاء وهذه العاطفة القوية مردّها الحلف فهناك الكثير من القبائل دخلت في حلف حرب وعُتَيبة ولكن الذي بينها وبين هاتين القبيلتين يختلف عمّا بين القبيلتين، نفسيهما، ومما يرجّح هذا الرأي وجود قبائل كبيرة في عتيبة لا نستطيع إلحاقها بأصولها مثل النفعة والمقطة والقثمة) [نسب حرب ١١٠] وقال في ذكر حرب وعُتَيبة: (بينهما من قوة الصلات ما جعلني أنوّه فيما سبق من الكتاب إلى أننى
стр. 3747
أعتقد أنّ بعض بَرقَا أحد فرعي عُتيبة هم من بني غالب بن سعد إخوة حرب) [نسب حرب ١٣٨].
قال الأحيوي: أصاب البلادي قلب الحقيقة ونحن لا ننكر الصلات التي ذكرها إلا أننا نختلف معه بشأنها وفي تفسيرها؛ ذلك أن بني غالب بن سعد بن سعد إخوة حرب قد عادوا إلى بلادهم بصعدة في اليمن بعد ما أذن سيّد الربيعة جرير بن حُجْرِ لسيد بني سعد بن سعد عمرو بن يزيد بالعودة كما أورده الهمداني، فهل يتصوّر عودة سيّد القوم دون قومه؟ لقد عاد بنو غالب مع زعيمهم بعد انتهاء أمر الحروب، وقد جاء في شعر عمرو بن يزيد الغالبي الذي ناشد فيه ابن خالته بن حُجْرِ سَيِّدَ الربيعة بالعودة أن قبائل سُلَيم وبني عامر وبني بكر بن وائل وقبائل قيس يسومونهم الذل ويعادونهم عداء شديدا [الإكليل ١/ ٤١٥ - ٤١٧] وكان شعر عمرو بن يزيد الغالبي الحارُّ سببًا في أن يرقّ له جرير بن حُجر الذي سمح بعودة الجالين ليتخلصوا مما ألَمَّ بهم من عِداء قبائل الحجاز ونجد، ومما يؤكد ذلك أن يعلى بن عمرو بن يزيد الحربي هو الذي قام مع إبراهيم بن موسى العلوي بصعدة [الإكليل ١/ ٤٠٤] وكان ظهور إبراهيم العلوي هذا بصعدة سنة ٢٠٠ هـ[تاريخ الطبري ٥/ ١٢٧].
وقول البلادي حول أصول النفَّعة والمقَّطة والقثَّمة واحتمال أن تكون بقية بني غالب لا دليل عليه، فبنو غالب قد عادوا كما مرَّ، كما أن هذه البطون تنحدر من هوازن نسبًا وليس هناك أدنَى شَكَّ حول أنسابها، ويستحسن الرجوع للبحث الممتع حول (عُتَيْبة: نسبها وفروعها ومنازلها) للأستاذ عبد الرحمن بن زبن المرشدي العتيبي في مجلة "العرب" سنة ٢٨ - ص ٣٨ - ٧٠.
* عود إلى بني حرب: بَيَّن الهمداني أن بني حرب جَلّوْا إلى (العَرْج) سنة ١٣١ [الإكليل ١/ ٤١٣ و ٤٠١ و ٣٥٩] ويحدد لنا الهمداني بدقَّة بالغة أن أهل (العرج) في عهده هم من بني زياد بن سلمان بن الفاحش بن حرب حيث قال في ذكر زياد: (هم أهل العَرج) [الإكليل ١/ ٣٩٣] قال الأحيوي: وهنا فإن الهمداني لا يقصد أن زياد بن سلمان بن الفاحش بن حرب وهو جاهلي قديم قد
стр. 3748
اسْتوطن (العرج) بل استوطن (العرج) قوم من نسله، وعندما عاد بنو حرب وبنو غالب إلى ديارهم وكان ذلك خلال القرن الهجري الثاني بدليل ورود ذِكر يَعْلى بن عمرو بن يزيد الغالبي في حوادث سنة ٢٠٠ هـ عند العودة فبقي في (العرج) قوم من بني حرب، وهم بنو زياد بن سليمان من سلالة زياد بن سلمان بن الفاحش بن حرب، وفي عهد الهمداني كان شيخ بني حرب هو محمود، قال الهمداني عن محمد عن إبراهيم المحابي: (قال محمود بن علي بن عمرو بن جابر بن عمرو بن المسافر بن عمرو بن زياد بن سليمان بن فاحش بن حرب هكذا نسب نفسه قال الهمداني: قد أَوْهَمَ من نقل إليه هذا النسب، والعِدَّةُ إلى حرب تَضعُفَ على هذا مرتَيْن وإنما ينبغى أن يكون انتسب إلى زياد مِنْ نسل زياد بن سلمان، وافترق جميع من بالحجاز إلَّا مَنْ دخل فيهم من إخوتهم من زياد بن سليمان) [الإكليل ١/ ٣٩٤ - ٣٩٥] قال الأحيوي: وقد صدق الهمداني وأصاب لُبَّ الحقيقة في نقده لنسب محمود، والصحيح أن نسب محمود هذا إلى زياد بن سليمان من نسل زياد بن سلمان بن الفاحش بن حرب، وقد أوردنا آنفا نَصَّ الهمداني حول زياد بن سليمان هذا. ومن تفرّع منه كما يلي:
١ - بنو عمرو بن زياد بن سليمان ومنهم:
أ - بنو الحارث بن عبد الله بن عمرو.
ب - بنو ميمون بن المسافر بن عمرو.
وشيخ بني عمرو وجميع بني حرب هو محمود بن علي بن عمرو بن جابر بن عمرو بن المسافر بن عمرو بن زياد بن سليمان.
٢ - بنو الخيار بن زياد بن سليمان ومنهم:
أ - بنو زبيد بن الخيار وشيخهم أبو الحسين يحيى الزبيدي.
ب - بنو السَّفر بن الخيار، وشيخهم المسلم وهو شيخ جميع بني الخيار.
قال الأحيوى: وهنا لا بُدَّ من التنبِيه - ولذلك غاية سيأتي بيانها - أن محمودًا شيخ بني حرب هو الابن السابع من نسل رياد بن سليمان جد بني عمرو بن زياد
стр. 3749
وبني الخيار بن زياد، ومحمود هذا معاصر للهمداني وقد التقى به نزل عليه محمد بن إبراهيم بن إسماعيل المحابي سنة ٣٢٢ هـ ومعاصر للمسلم شيخ بني الخيار بن زياد، ومعاصر للهجري وهذا معاصر للهمداني وروى عنه [التعليقات والنوادر ١٥ و ٢١ وحاشية ١٧٢٢] وقد روى الهجرى عن المسلم من بنى الخيار ونسبه وذكر أنه المسلم بن أحمد بن يزيد بن عبد الله بن الخيار الحربي [التعليقات ١/ ٢٣ و ٧٠ و ٢/ ١١٢٩] وسواء أكان المسلم هذا هو المسلم الذي ذكره الهمداني أم لم يكن هو فإنه من سلالة زياد بن سليمان وهو الابن السادس من نسله، وهذا العدّ لا يختلف كثيرا مع عدِّ محمود الذي يزيد عن المسلم بأب واحد، ولا ضير في ذلك، فهذا أمر كثير الحدوث جدًّا أي أَنْ تَرَىَ عدَّ رجلين من فرعين يجمعهما جدٌّ واحد يزيد أحدهما عن الآخر بجَدّ أو أكثر، وهذا يبيّن لنا أن البطون الحربية آنفة الذكر من سلالة زياد بن سليمان من نسل زياد بن سلمان بن الفاحش بن حرب قد عاصر الهمداني والهجري الابن السادس من نسل جدّهما زياد كالمسلم، والسابع كمحمود، والثامن كأبناء محمود. ومن هذا نستطيع القول باطمئنان أن زياد بن سليمان كان معاصرًا لجلاء بني حرب وغيرهم من بني سعد بن سعد من بلاد خولان سنة ١٣١ هـ ونحن هنا لسنا بصدد إعداد مقارنة مع مشاهير معاصري الهمداني ومحمود شيخ بني حرب، لتحديد أَزمان الأب السابع لكل منهما، وإنما نكتفي للاستئناس أن نقول: إن الأب السابع للخليفة العباسي المقتدر بالله (ت ٣٢٠ هـ) وهو أبو جعفر المنصور قد توفى سنة ١٥٨ هـ أي أنه معاصر لجلاء بني حرب، كما نجد أن الأب السادس لأبي القاسم بن إديس الحسيني ابن أخت بني حرب معاصر لجلاء بني حرب، والأب السادس لأبي القاسم هو جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وقد توفي نحو ١٤٨ هـ فيما توفي أبوه محمد بن علي نحو سنة ١١٤ هـ، وإدريس المذكور هو إدريس بن جعفر بن علي بن محمد بن علي الرضا بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، مع ملاحظة أن تسَلْسُل البادية أسرع من تسلسل الحاضرة وعليه فإن زيادًا الأبَ السابع لمحمود شيخ بني حرب يكون قد عاصر أحداث جلاء بني حرب. قال الأحيوي: ومن هذا يتضح لنا أن بني حرب
стр. 3750
قد عادوا إلى بلادهم وبقي منهم بقايا أهمهم بنو زياد بن سليمان المذكور، ومما يؤكد عودتهم أن الفتنة الثانية كانت على يد عمرو بن يزيد الغالبي من نسل غالب بن سعد إخوة حرب بن سعد، وهو الذي تَسبَّب في الجلاء، وقد عاد بقومه كما مرَّ، فما بال بني حرب لا يعودون وهم لم يكونوا سببًا في الفتنة الثانية بل كانوا سببًا للفتنة الأولى التي لم ينتُج عنها جلاء ولا رحيل؟ كيف وقد بقي قومهم من بني سلمان بن الفاحش بن حرب وغيرهم من بني حرب في جماع بني حَيٍّ ببلاد (صَعْدَةَ) بل إننا سنجد أن الذين تبقَّوا في (العرج) من بني زياد بن سليمان وغيرهم قد أخذ بعضهم يعود إلى بلادهم بـ (صعدة) بسبب الحروب مع القبائل العدنانية، وممّا يؤكد هذا أن العلَّامة محمد بن على الأكوع قال في ذكر بني زُبيد بن الخيار: (هي فرعان: فرع يقيم في وطنها الأصلي خولان قُضاعة، ومسكنها وادٍ يُسمَّى وادي زبيد بينه وبين ساقَيْن ست ساعات غَرْبًا ينصبُّ ماؤه إلى (مَوْر) وفيه مدرة حيدان) قال: (وفروعها الآخرى هذه التي ذكرها المؤلف وتقيم بين مكة والمدينة [الإكليل ١/ حاشية ٣٩٥] ومعلوم من تَسَلْسُل بني زبيد أنهم لم يصبحوا عشيرةً إلَّا في القرن الثالث للهجرة فما بعده، حينما تكاثر بنو زُبَيْد، وبنو زبيد لم تتألف عشيرتهم إلا ببلاد الحجاز كما هو واضح من تسلسل نسبهم، كما أننا نَجِدُ أن العَبْديِّين بني عبد الله بن الخيار إخوة زُبيد بن الخيار قد اختفى وجودهم ببلاد الحجاز. وقول البلادي إن العَبديين هم العبدة من بطون بني عمرو [نسب حرب ٢٨] قولا لا دليل عليه ذلك أن العبديين بطن من بني الخيار كُزبَيْد والسَّفْر فما بالهم قد انتقلوا إلى بني عمرو، وتغيَّر اسمهم إلى العبدة؟ ولِمَ لَمْ يدْخُلوا في زُبَيد وفي السَّفر وهم أقرب لهم نسبا؟ وعندي أنهم عادوا كما عاد جزء من إخوتهم زُبَيْد فيما بعد إلى بلادهم (صعدة)، ومما يؤكد ذلك ما ذكره العلَّامة الأكوع الذي قال في ذكر العبديين: (وادي العبديين مشهور بصعدة ولهم بقية) [الإكليل ١/ حاشية ٣٩٥] ومن الملفت للنظر أنه لا وجود لبني عامر بن حرب ببلاد الحجاز ومنهم بنو عوف، ومن هؤلاء مسروح وعلى ومسعود بنو عوف، ولا وجود لحظي وهم بنو ذؤيب من ولد سباق بن الفاحش بن حرب مما يعني عودتهم إلى بلادهم. ويؤكد هذا أن من قبائل خولان الطيَال ببلاد (صعدة): بنو حي، وهم الذين
стр. 3751
انْضَوى تَحْتَ اسمهم من تبقى من بني حرب عند جلائهم سنة ١٣١ هـ وبنو مالك وبنو غالب وبنو حرب [الموسوعة اليمنية ١/ ٤٣٨] ومن أدلة عودة بني حرب أن الهمداني ذكر أن عدد زُبيد يناهز الثلاثمائة فما كان بنو حرب قاطبة ستمائة كما ذكره الهمداني [الإكليل ١/ ٣٩٥ و ٣٩٨] وهذا العدد إنما يَخُصُّ بني حرب من نسل زياد بن سليمان ونسل من تخلّف معهم وهم قلّة قليلة، وهذا يعني أن زُبَيْدًا بن الخيار تكاد تعادل إخوتها من بني السَّفر بن الخيار وبني عبد الله بن الخيار بن زياد، وبني عمومتها بنو عمرو بن زياد ومَنْ تَخَلّف معهم من بني حرب، وهم قِلَّةٌ وليس كما قد يتوهمه البعض أن زُبّيدًا تُناهز نصف بني حرب قاطبة، وإنما تناهز نصف بني حرب في الحجاز، وهؤلاء عاصر الهمداني المسلم وهو الابن السادس من سلالة جَدّهم زياد بن سليمان، فيما كان بنو حرب قد تجاوز عدّهم العشرين جَدًّا، ذلك أن الهمداني قد بين في كلامه على نسب محمود شيخ بني حرب أن العَدَّ إلى حرب يضعف مَرَّتيْنِ على عد محمود إلى زياد بن سليمان، كما أنه في سنة ١٣١ هـ كان بنو حرب قد بلغوا الجد الرابع عشر أو يزيد، ونجد أن عمرو بن يزيد من ولد الفياض ابن حرب هو الابن الثاني عشر لحرب، وكان آنذاك قد قتل فتولى أمر الحرب من بعده عمرو بن يزيد الغالبي، ومن هذا كله فهل يتصور عاقل أن القبيلة قاطبة لا يكاد عددها يزيد عن عدد فخذٍ صغير عاصر الهمداني الابن السادس لجد هذا الفخذ؟ إنَّ هذا إن كشف لنا عن شيء فإنّما يكشف عن أن بني حرب قد عادوا إلى بلادهم، كما عاد إخوتهم بنو غالب بن سعد بن سعد بقيادة كبيرهم عمرو بن يزيد الغالبي، وقد تبقى من بني حرب بنو زياد بن سليمان في بلاد (العرج)، ومن هنا كان قول الهمداني: إن بني زياد هم أهل (العرج)، وقد أَلمح الهمداني إلى هذا في حديثه عن محمود شيخ بني عمرو بقوله: (افترق جميع من بالحجاز إلَّا من دخل فيهم من إخوتهم من زياد بن سليمان) [الإكليل ١/ ٥٩٣] ومن هم إخوة بني عمرو بن زياد بن سليمان غير بني الخيار بن زياد بن سليمان كما ذكره الهمداني؟ وهذا عمّا ذكرناه دليل ناصع يؤكد ما ذَهَبْنا إليه من عودة بني حرب إلى بلادهم بـ (صعدة)، وقد سبق قول الهمداني أن بني حرب الذين بَقوْا ببلاد خولان انْضوَوْا تحت مسمّى بني حيّ، وهم بنو سلمان بن
стр. 3752
الفاحش بن حرب وإخوتهم سبَّاق بن الفاحش، ومسلم بن الفاحش بن حرب ومالك بن حرب وبنو الحارث بن عمرو من سلالة الفَيَّاض بن حرب.
* أيام بني حرب وتصحيح للتاريخ: قال الهمداني عن محدثه محمد بن إبراهيم المحابي: (ذكر لي محمود أن بني حرب لما صارتْ إلى (قدس) من الحجاز، وبها عنَزَة (١) ومُزَيْنَة وبنو الحارث وبنو مالك من سُلَيْم. وقد ناصَبَتْهم الحرب عَنَزة، والذي هاج ذلك أن رجلا حربيًّا وآخر عَنزيًّا امْتريا في جذاذ نخل، فَعَدا الحربيُّ على العَنَزِيّ فضربه ضربة بتكَ بها يده، فَعَدَتْ بنو حرب يومئذ وهي ست مئة رجل فأجلوا من بالبلد من عَنزَة إلى الأعراض من (خَيْبَر) وقتلوا منها بَشرًا كثيرًا، ثم ناصَبَتْهُمْ مُزَيْنَةُ الحرب. وكانت أهل ثروة زهاء خمسة آلاف، فقتلوا منها مقتلة عظيمة، وأجْلُوها إلى الساحل من (الجار) و (الصَّفراء) وأرض جُشَم، فهم بها إلى اليوم، لا يدخلون (الفُرْعَ) إلَّا بجوار وذمام من بني حرب، وبقيت سُلَيْم، فناصَبَتْهم بنو الحارث وبنو مالك من سُلَيْم، وهم زهاء أربعة آلاف وهم أهل (الحَرّتَيْن) و (النّقيع) فحاربوهم دهرًا فأجلوهم عن (الحرتَيْن) و (النقيع) وقتلوا منهم عددًا كثيرًا وصارت بنو الحارث وبنو مالك لا يدخل منها (الحرّتيْن) و (النقيع) داخل إلَّا بذمام من بني حرب، وقد يُبْقي عليهم محمود لأنَّ أُمَّهُ جُشَمِيَّةٌ من هوازن، فلما غلبتْ بنو حرب على تلك البلاد وقهرت تعلَّقت قريش بإصهارهم. وأسند إليهم كل وألقي أزِمَّةَ أمره في أيديهم، وغلبوا على طريق المدينة إلى مكة فلم يَسِرْها أحدٌ منهم إلَّا بخفارتهم. وكان المقتدر بالله يبعث إليهم طول حياته بالمال في خفارة الطريق، وإلى اليوم هم على ذلك، قال أبو جعفر المحابي: فمن أيام بني حرب في وقتنا هذا وقبله بِمُدَيْدَة يوم (الحرَّة) وقتل فيه من سُلَيْم سبعين رجلًا وحُمِدَ يومئذٍ من بني حرب بنو عمرو بن زياد وقتل منهم جماعة من الجماعة أربعة
стр. 3753
من بني محمود: محمد وأحمد والحسن والحسين. قال: ثمّ جمع لهم محمود فَصَبَّحهم محمود يوم (الرّغَامة) فقتل منهم مئة رجل، وكانت عليهم يومئذ عمائم خَزٍّ زُرْقِ فلم يلبس سُلَميٌّ بعدها عمامة زرقاء) [الإكليل ١/ ٤٠٠ - ٤٠١] وقال المحابي في ذكر بني محمود: (قُتل يوم (الرغامة) منهم محمد وحسن وحسين وأحمد بنو محمود قتلهم بنو الحارث من سُلَيْم فغزاهم محمود ببني حرب واسْتَنجَد ببعض جُهينة إلى حَرَّة بني مالك فقتل من بني سُلَيْم مئة رجل) [الإكليل ١/ ٣٩٧].
قال الأحيوي: كان بنو حرب حلفاء للحسنيين كما ذكره أبو زيد البَلْخي (ت ٣٢٢ هـ) [معجم البلدان - وَدَّان] وهذا التَّحَالف أكدته المصاهرات بينهما وقد أشار الهمداني إلى بعضها، وقد ذكر أيضًا أن بعض (الحسينيين إخوة الحسنِيّين يشاركون في القتال مع بني حرب، ومن أولئك موسى بن أبي جعفر بن إدريس الحسيني وجدّه لأمه محمود شيخ بني حرب) [الإكليل ١/ ٣٩٨] كما أن بني حرب كانوا في تَحَالف مع جُهينة التي بجمعهم بها نسب واحد هو قُضاعة القحطانية، وقد ذكر الهمداني أن بني حرب حينما نزلوا بلاد الحجاز نزلوا بلاد (ينبع) و (رضْوى) من ديار جهينة التي لا بد أن تكون قد رحَّبَت بهم لرابطة النسب، ومن هنا وجدنا التَّحالف بينهما قائم ضِدَّ بني سُلَيْم، ومما أورده الهمداني نَجِدْ أنَّ بني حرب قد أَجْلت ثلاث قبائل عدنانية وهي:
١ - قبيلة عَنَزَة التي أَجْليَتُ من جبال (قُدْس) إلى الأعراض من (خيبر).
٢ - قبيلة مُزَيْنَة التي أُجليَتْ من جبال (قُدس) إلى الساحل من (الجار) و (الصفراء) وأرض جُشَم من هوازن.
٣ - قبيلة بني سُليم (بنو الحارث وبنو مالك من سُليم) التي أُجْلِيَتْ من جبال (قُدْس) و (الحرَّتَيْنِ) و (النَّقِيع) ولا يدخلون هذه الديار إلَّا بذمام من بني حرب.
стр. 3754
قال الأحيوي: وهنا يبرز سؤال هام جدًّا يطرح نفسه هو: هل سلَّمَتْ هذه القبائل بِتسلُّط بني حرب الذين أجلوهم عن ديارهم؟ وكيف استطاعت قِلةٌ قليلة أن تكسر شوكة قبائل تفوقهم عددا وعدّة؟ وكيف سمحت لهم هذه القبائل بالسيطرة على درك الدرب بين مكة والمدينة؟ وهل تنازلت هذه القبائل عن بلادها ومصالحها دون أدنى معارضة؟ بالطبع سيكون الجواب بالنَّفْي القاطع فما زعمه الهمداني يَنُمُّ عن تَعَصُّب أعمى للقحطانية، ذلك أننا نجد أن مُزَينة تقطن هذه الديار حتى عهد الجزيري (ت نحو ٩٧٧ هـ).
قال الجزيري: (ورقان جبل مُزَيْنة) [الدرر الفرائد ١٥٦٧] وهذا الجبل على نَحْو ٧٠ كيلا جنوب غرب المدينة، وظلت مُزينة في هذه الديار يجاورون عَنَزَة وبني سُلَيْم كما كانوا عليه منذ عهد الهمداني (ت نحو ٣٥٠ هـ) الذي سبق الجزيري بنحو ستة قرون، وهذا زمن كبير جدًّا كما نَجِدهم لم ينحصروا في (الجار) و (الصفراء) وأرض جُشَم، ذلك أننا نجدهم على ما ذكره الهمداني نفسه يستوطنون (العِيْص) مع جهينة [صفة جزيرة العرب ٢٤٤] أي أن ديارهم شملت المنطقة الممتدة من (الجار) و (الصفراء) إلى (ورقان) و (قدس) إلى (العيص)، أما قبيلة عَنَزَة فإنها لم تغادر هذه النواحي لتستقرّ في الأعراض من خيبر. ونجد أن الجزيري في القرن العاشر للهجرة يذكرهم حول المدينة. قال الجزيري (ت نحو ٩٧٧ هـ): (عربان العنزة يأتون من حوالي المدينة الشريفة وحدودهم من طرف الحنك من الجهة الغربية إلى المدينة الشريفة إلى آبار علي إلى جبل مُفَرِّح) [الدرر الفرائد ١٤٠٢] وآبار علي وتعرف ببيار علي هي ذو الحليفة جنوبي المدينة وكذلك جبل مفرّح - مفرّحات - موضع جنوبي المدينة. وهذا يعني أن قبيلة عنزة لم تَجْلُ من ديارها كما ذكره الهمداني، وقد أشار ابن إياس إلى وجودهم بهذه الديار فقد ذكر في حوادث سنة ٩١٢ هـ أن يحيى بن سَبُع أمير ينبع فَرَّ بعد هزيمته في واقعة مع الجند المصري إلى عربان عنزة والتجأ إليهم واستمر مقيمًا عندهم في مكان بالقرب من ينبع ["بدائع الزهور" ٤/ ١٠٦]، ومن يدري فلعل الهمداني قَدْ خُدِع
стр. 3755
بما رُوي له، ذلك أننا نجد أنه في "صفة جزيرة العرب" وهو كتاب ألّفه بعد الإكليل [صفة جزيرة العرب ٢٣] نَجده يذكر ديار بني حرب بين الجُحْفة وديار جُهينة، حيث قال: الجحفة وَخُم إلى ما يتصل بذلك من بلد جهينة ومحال بني حرب. [صفة جزيرة العرب ٢٣٣] قال الأحيوى: الواو التي سبقت كلمة (مَحَالِّ) لا معنى لها، ذلك أن المنطقة من الجحفة إلى ديار جهينة استوطنها بنو حرب، فهي من محالهم، أي إن ديار بني حرب امتدَّتْ من الجحفة الواقعة جنوب شرق رابغ على نحو ٢٢ كيلا إلى (غدير خُمّ) شرقي الجحفة على ٨ أكيال، وغدير خم على نحو ٢٦ كيلا شرقي رابغ، وكما مَرَّ فإنَّ بني حرب حالفوا الحسنيين وصاهروهم وصاروا حزبا لهم ضِدَّ أعدائهم حيث حاربوا معهم الجعفريين واستولوا على بلاد الجعفريين في الفُرع والسائرة كما ذكره أبو زيد البلخي (ت ٣٢٢ هـ) [معجم البلدان - ودّان] ومن هنا سنجد أن دَرَك زُبَيْد أكبر البطون الحربية منذ عهد ابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩ هـ) امتدَّ فقط من الصفراء إلى الجحفة ورابغ مع ملاحظة أن الدرك الممتد من الصفراء إلى رملة عالج بطرف قاع البزوة يشاركون فيه حلفاءهم من بني الحسن، ذلك أن درك الحسينيين يمتد إلى رملة عالج بطرف قاع البزوة الواقع بين مستورة وبدر على الساحل، وبهذا يتبين لنا أن ديار بني حرب انحصرت بديار حلفائهم من بني الحسن وجُهينة، أما القول بأنهم استولوا على ديار بني سُلَيم ومُزَينة وعَنَزَة وسيطروا على طريق المدينة المنورة إلى مكة المكرمة فإنه قول باطل، وهذا ثابتٌ واضح بما مرّ بيانه، أما شأن بني سُليم فهو شأن أعجب، ذلك أن هذه القبيلة لم تُسلم وتخضع لبني حرب، كما أراد الهمداني إيْهَامُنَا به، بل إنهم سيطروا على بني حرب وفرضوا هيمنَتهُم عليهم حتى القرن التاسع للهجرة وهذا أمر لا يَدَّعيه بنو سُلَيْم بل يُقِرُّ به ويرويه بنو حرب ويتّضح بيان ذلك من حرب البنت. وفيما يلي تفصيل ذلك:
* حرب البنت: قال الأستاذ عاتق بن غيث البلادي في ذكر (حرب البنت) بين بني حرب وبني سُلَيْم: (الرواة من بني حرب يروون عن حرب قديمة ولعلها
стр. 3756
موغلة في القدم فأصبحت عندهم كالأسطورة، تلك الحرب يسمونها حرب البنت، ويقول رواة حرب: في زمن من الأزمان فَرَضَتْ سُلَيْم الشَّاة على حرب) قال البلادي: (الشاة وتسمى في نجد (الأخاوة) إتاوة يقدّمها المستضعف للقويِّ الغالب اعترافا منه بالتبعية) قال: (وكانت تقدم بواسطة زُبَيْد في (دوران) وصفتها رِخْلٌ بكر) قال: (الرِّخْل بكسر الراء: بنت النعجة) تَقودها بنت بكر، ويشترط أن تكون البنت بنت شيخ القوم، فكان يعقد لذلك اجتماع سنوي، فيقف القوم في صَفَّيْن كل جهة حدوده فَتَقَدَّمُ البنتْ تقود الرخلَ فيكون خروجها من صف القبيلة المفروض عليها هذه الإتاوة الغريبة التي يقصد منها اعترافها بضعفها، فتخرج من عند الأمير قاصدة أمير القبيلة الفارضة لهذه الإتاوة حتى تسلمه الشاة من يدها ليده، فينهض بعد ذلك شيخ القبيلة التي قدّمت الفتاة فيدعو أولئك إلى الغداء في بيوت قومه! فظهر في زُبَيْد شاب رأى ما يعمل قومه فَحزن لذلك، واغتمَّ فطلب شباب قومه وأخذ يدربهم على الكرِّ بالجياد طيلة سنة حتى أنس منهم الكفاءة فرسم معهم خُطَّةَ تتلخص فيما يلي:
يختارون نعجة حَرُوْنًا فإذا أرادت البنت قيادها تعجز عنها، ليقوم رُومي بن عَسْم - وهو اسم الشاب موضوع الحديث - فيسرع إلى معاونة الفتاة، إلى أن يصل إلى شيخ سُلَيْم فإذا مَدَّ الشيخ يده لأخذ الشاة بَتَر يده بالسيف، وفي هذه الحالة يكون رفاقه قد أسرعوا إليه بالخيل ومن ضمنها فرسه هو، ونُفِّذتِ الخُطّة بدقة فنشبت حرب بين القبيلتين استَمرّتْ سنين طويلة، دخلت بنو حرب على أثرها وادِي (قدَيْد) فامتَدت المعارك إلى قرب (الظبية) ولما طالت عليهم الحرب طلبوا التحكيم ولكن النعرة منَعتْهم من الاتفاق إلا على حلّ غريب هو أن يستعيدوا القتال، ومتى قتل أول رجل جعلوا مكانه حَدًّا وينتهى الحرب فقُتِل رجل من بني السَّفر من حرب عند دَقم مقابل للظبية شمالا فوُضع حَدًّا وسُمِّيَ (دَقْم السَّفْري) [نسب حرب ١٤٠ - ١٤١] ويرى البلادي أن حرب البنت هذه أقدم من حرب الحرّة الآنف ذكرها!؟ ويرى أن بطلها رومي بن عسم هو من أبناء محمود، على
стр. 3757
زعم بعض رواة حرب، وأنه طالبَ بالإمارة بعد وفاة أبيه، إلا أنَّ إخوته لم يُسَلِّموا له بذلك فناصرته زُبَيْد ومسروح، فاغتصب الإمارة من إخوته فسُمّيَ العَسْمِي. وقال البلادي معقبًا على ذلك: (إذا صَحَّت الرواية فإنَّ حرب البنت أقدم من يوم الحرَّة ويؤيد ذلك:
١ - أن موقعة الحرَّة كلما ذكلر الهمداني كانت فاصلة، وأن بني سُلَيْم وضَعُوا عمائمهم بعدها عن رؤوسهم.
٢ - أن روايات زُبَيْد تتفق أَنَّ العسمي ليس من زُبَيْد والشاهد قول شاعرهم:
شَرَيْتُ لي رومة منَ الأَرْوَام … واصْبحَت أحارب شَرْبَة ايْدَيَّة
فهو بذلك يخرجه ويجعله مُشترى، أي أُتيَ به من خارج القبيلة ولكنه يستغلُّ اسمه للنيل منه وإلصاقه بالروم، ويردُّ العسمي:
شَريْتُ عِزّكْ وانْتْ ما تِنْلَامْ … قُدَّامْنَا دَارِك هُتَيْميَّه
يُعرَّض في ذلك بقود الشاة لسُلَيْم وأنه - رومي - هو الذي حرّرهُمْ من ذلك [نسب حرب ١٧٤ - ١٧٥] ويفاجئنا البلادي أن حرب البنت ذكرها الهمداني في الجزء الأول من "الإكليل" وأن بطل هذه الحرب هو محمود الذي تدَّعيه زُبَيْد كما يدعيه بنو عمرو، وهو محمود الذي ذكره الهمداني [قلب الحجاز ٥٨] قال الأحيوي: وهنا نجد أن البلادي قد غَيَّر رواية بني حرب ليغيّر من ثَمَّ تاريخ هذه الأحداث، ثم زعم أن الهمداني ذكر حرب البنت، مع أنه لم يذكرها وكيف يذكر حربًا حدثت بعده ببضعة قرون، كما أن الذي عليه رواة بني حرب أن بطل حرب البنت ظهر في زُبَيْد وما زال نسله فيهم، ولم يظهر في بني عمرو. قال الأحيوي: ورومي المذكور هو من رجال القرن التاسع للهجرة، وقد ورد خبر مقتله ومقتل أخيه مالك سنة ٨٧٣ هـ، فقد قام الشريف محمد بن بركات بغزو زُبَيْد بين (خُلَيْص) و (رابغ) وقتل شيخهم رومي وأخاه مالكا [الدرر الفرائد ٧٥٠، نسب حرب ١١٣] وفي سنة ٩١٣ هـ قتل ولده مالك بن رومي، زعيم زُبَيْد من بعد
стр. 3758
والده رومي، وقتل معه أولاده معوض وقادم وداغر بنو مالك بن رومي، وقتل أخوه مشهون بن رومي [الدرر الفرائد ٧٩٢، نسب حرب ١١٤] ومن هذا يتّضح أن رومي الزُّبيدي هو من رجال القرن التاسع للهجرة ونجد أنه في عهد الجزيري (٩١١ - نحو ٩٧٧ هـ) كان شيخ زُبيد حفيد رومي المذكور وهو شهاون بن مالك بن رومي، ومن أولاده داهش وعلي وإخوتهما [الدرر الفرائد ١٤٤٧]، ومما يؤكد أن رومي هذا من رجال القرن التاسع للهجرة وأنه رومي المقتول سنة ٨٧٣ هـ أن بني حرب على أثر حرب البنت سيطرت على منطقة (قُدَيْد) و (خُليص) و (دَوران) وهي اليوم من ديار زُبيد قوم رومي المذكور [نسب حرب ٥٦]، وصار الحدُّ بين حرب وبني سُلَيْم عند عين (الظبية) بوادي قُدَيْد [نسب حرب ١٤١ و ٣١٦]، وكان وادي قديد في عهد الهمداني كما ذكره في "صفة جزيرة العرب" الذي ألّفه بعد "الإكليل" لقبيلة خُزاعة [صفة جزيرة العرب ٢٣٣] ثم آل إلى بني سُلَيْم فيما بعد، وهذه المنطقة لم تسيطر عليها حرب إلَّا في القرن التاسع للهجرة، فقد كانت المنطقة من (الجُحْفَة) على (قُدَيد) وما حولها إلى (عقبة السويق) على الدرب باتجاه مكة من ديار بني سُلَيْم، قال القلقشندي (ت ٨٢١ هـ) في ذكر أدراك عربان درب الحاج من مصر إلى مكة المكرمة: (ومن الصفراء إلى الجحفة ورابغ لزُبيد، ومن الجحفة إلى قديد وما حولها إلى الثنية المعروفة بعقبة السويق لسُلَيم، ومن الثنية على خليص إلى الثنية المشرفة على عسفان إلى الفجّ المسمى بالمحاطب لبني جابر، وهم في طاعة صاحب مكة، ومن المحاطب إلى مكة المعظمة لصاحب مكة وبني حسن) [صبح الأعشى ٤/ ٢٨٥] وهو ما أكده المِقرِيزي (ت ٨٤٥ هـ) الذي قال في ذكر أدراك عربان درب الحاج: (ومن الصفراء إلى الجحفة ورابغ لزُبيد، ومن الجحفة على قديد وما حولها إلى السويق لسُلَيْم، ومن عقبة السويق إلى خُليص إلى عسفان للشريف جسَّار من بني حسن، ومن ثنية عسفان إلى المحاطب لبني جابر وهم في طاعة صاحب مكة، ومن المخاطب لصاحب مكة وبني حسن إلى مكة) [البيان والإعراب] قلت: والشريف جسار معاصر للمقريزي وهو جسّار بن قاسم ابن أبي نُمَيِّ الحسني وقد توفى سنة ٨١١ هـ. قلت: وليس لبني حرب غير
стр. 3759
درك زُبَيد شيء فدرك حلفائهم الحسينيين يمتد من نهاية درك جُهينة مشتملًا على الصفراء إلى رملة عالج في طرف قاع البزواء [صبح الأعشى ٤/ ٢٨٥، البيان والإعراب ٧٢] ودرك زُبَيْد هذا قديم، يعود إلى مطلع القرن الثامن وربما قبله، فقد ذكر ابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩ هـ) هذا الدرك لِزُبيد. قال القلقشندي في ذكر زبيد: (قال في مسالك الأبصار: وعليهم درك الحاج المصري من الصفراء إلى الجحفة ورابغ) [نهاية الأرب ٢٦٨، قلائد الجمان ٩٠] إلَّا أنَّ واقع الدرك تغَيَّر مع بزوغ نَجْم آل رومي الزبيديين زعماء بني حرب خلال القرن التاسع للهجرة، ذلك أن بني حرب استَوْلَتْ على أجزاء من ديار بني سُلَيْم على أثر حرب البنت، فصار الحدُّ على (دَقْم السَّفْري) مقابل الظبية شمالًا في وادي قُديد كما مرّ. وقد أوضح الجزيري هذا التَّغير الذي طرأ على أدراك درب الحاج فقال: (كان الدرك قديما مقسَّما بين جماعات بمعاليم معلومة منهم البشريون، العصيفيون وبنو سُلَيْم، فاستولت أولاد رومي على الدرك جميعه) [الدرر الفرائد ١٤٤٧]، ومن هذا كله يتضح لنا أن رومي بطل حرب البنت هو من رجال القرن التاسع للهجرة، وبهذا اتضح لنا أن بني سُلَيْم كانت لهم شوكة وسيطرة في منطقة الحجاز، وأنهم فرضوا هيمنتهم على بني حرب حتى حرب البنت في القرن التاسع، أما ما ذكره البلادي أنَّ تلك الحرب وقعت قبل حرب الحرَّة فلا دليل عليه كما أنَّ الهمداني ذكر جميع أولاد محمود وليس فيهم من يُسمّى رومي، وكيف يَغْتَصب رومي الإمارة من إخوته بعد وفاة أبيه محمود ويحارب بني سُلَيْم حرب البنت، ثم يكون ذلك قبل حرب الحرّة التي قادها محمود نفسه ضد بني سُليم؟ وأين كان محمود شيخ بني حرب آنذاك؟ إن فيما ذكره البلادي تناقض واضح صريح، ولا دليل له فيما ذهب إليه، والصحيح أن رومي كما أثبتناه هو من رجال القرن التاسع للهجرة، كما أن التاريخ يشير إلى وجود سُلمِيٍّ قوي جدًّا في القرون الأولى، دون أن يرد شيء عن بني حرب سوى ما أوردناه عن الهمداني وأبي زيد البلخي، وبذا يتَّضح أن ما ذكره الهمداني عن سيطرة بني حرب على الدرب بين مكة والمدينة غير صحيح، وهذا تؤكده وقائع تاريخية فقد ذكر أبو الفرج ابن الجوزي حادثة خطيرة لبني سُلَيْم
стр. 3760
سنة ٣٥٤ هـ فقال: (ورد الخبر بأن بني سُلَيْم قطعوا الطريق على قافلة المغرب ومصر والشام الحاجة إلى مكة في سنة أربع وخمسين وكانت قافلة عظيمة وكان فيها من الحاج التجار، والمنتقلون من الشام إلى العراق هربًا من الروم، ومن الأمتعة نحو عشرين ألف حمل، منها دقّ مصر ألف وخمسمائة حمل، ومن المغرب أثنا عشر ألف حمل، وأنه كان في أعدال الأمتعة من الأموال من العين والورق ما يكثر مقداره جدًّا وكان لرجل يعرف بالخواتيمي قاضي طرسوس فيها مئة وعشرون ألف دينار عينا، وأن بني سُلَيْم أخذوا الجمال مع الأمتعة، وبقي الناس رحّالة منقطعا بهم كما أصاب الناس في (الهبير) سنة القرمطي، فمن الناس من عاد إلى مصر ومنهم من تلف وهم الأكثرون) [المنتظم ١٤/ ١٧٤] قال الأحيوي: هذا الخبر الذي أورده غير واحد من المؤرخين يدل على مدى جسامة بني سُلَيْم ومدى خطورتهم على قوافل الحاج وغيرها، مما يدل على ضخامة عددهم فإن كان بنو سُلَيْم وغيرهم على زعم الهمداني لا يسيرون بين المدينة ومكة إلا بخفارة بني حرب فأين كان بنو حرب آنذاك؟ ومما يدل على كثرة بني سُلَيْم وقوة شأنهم قتلهم لحاكم المدينة سنة ٥٩٠ هـ قتله بنو زغب من سُلَيْم كما سيجئ بإذن الله تعالى، وقد أشار ابن سعيد الأندلسي (ت ٦٨٠ هـ) إلى كثرة بني منصور، وهم هَوَازنْ وسُلَيْم ومَازِنْ فقال: (قال لي أحد العارفين من عرب الشرق: إنهم إذا نادوا يآل منصور في أرض العرب والعراق والجزيرة يجتمع لهم نحو خمسين ألف فارس، وكانت أرضهم في الجاهلية فيما يوالي سروات الحجاز من نجد، والنسب المذكور في عقب منصور في هوازن وفيها العدد وفي سُلَيْم وفيها أيضًا عدد ونباهة، وفي مازن وهي دونهما) [نشوة الطرب ٢/ ٤٩٩] وسيأتي في حديثنا عن بني علي أن القبائل المسيطرة على منطقة المدينة وما حولها هي قبائل بني سُلَيْم، وبني لام من طيئ، وقد سبقت الإشارة إلى وجود عَنَزة القوي حول المدينة، ولا ذكر لبني حرب، وقد سبقت الإشارة إلى ما ذكره الهمداني أن بني سُلَيْم كانوا أضعاف أضعاف بني حرب (بنو حرب ٦٠٠ وبنو الحارث وبنو مالك فقط من سُلَيْم ٤٠٠٠) والسؤال الذي يطرح نفسه هو أين هم بنو سُلَيْم وهل هم
стр. 3761
هذه القبيلة الصغيرة العدد الضيقة الديار؟ هل هاجروا أم دخلوا في غيرهم من القبائل؟ وللإجابة على هذا نقول: بالتأكيد ليست هذه القبيلة الصغيرة قياسًا إلى غيرها هي كل بني سُلَيْم. والذين هاجروا منهم إلى بلاد المغرب هم أولئك الذين كانوا ببلاد البحرين الذين مالوا إلى القرامطة عند ظهورهم وصاروا جندًا لهم بالبحرين وعُمان [تاريخ ابن خلدون ٦/ ١٦] وكان ظهور أمر القرامطة على يد أبى سعيد الجنَّابي القرمطي سنة ٢٨٦ هـ قال ابن خلدون: (لما انقرض أمر القرامطة غلب بنو سُلَيْم على البحرين بدعوة الشيعة لها لما أن القرامطة كانوا على دعوتهم، ثم غلب بنو الأصفر بن تغلب على البحرين بدعوة العباسية أيام بني بُوَيْه وطردوا عنها بني سُلَيْم فلحقوا بصعيد مصر) [تاريخ ابن خلدون ٦/ ٨٤] وكان ظفر الأصفر بالقرامطة سنة ٣٧٨ هـ قال ابن خلدون: [كان القرامطة قد تغلَّبوا على أمصار الشام فانتزعها العزيز منهم، وغلبهم عليها وردّهم على أعقابهم إلى قرارهم بالبحرين، ونقل أشياعهم من العرب من هِلَال وسُلَيْم فأنزلهم بالصعيد والعدوة الشرقية من بحر النيل فأقاموا هناك وكان لهم أضرار بالبلاد). [تاريخ ابن خلدون ٦/ ١٦]، والعزيز المذكور هو العزيز الفاطمي الذي تولى الحكم سنة ٣٦٥ هـ إلى أن توفى سنة ٣٨٦ هـ.
ومن هذا يتضح لنا أن الذين هاجروا من بني سُلَيْم هم أولئك الذين كانوا يقطنون بلاد البحرين، ومن المحتمل جدًّا أن بعضهم عاد إلى بلادهم في الحجاز بعد تغلّب الأصفر عليهم، وإجلائهم من هناك، ويبقى السؤال القائل: هل دخلت فروع من بني سُلَيْم في غيرهم من القبائل؟ وللإِجابة على هذا نقول: إن بني سُلَيْم هؤلاء كان لهم تاريخ سيئٌ للغاية، فقد كانوا يهددون الأمنَ، ويهاجمون الحواضر ويقطعون الطرق، مما جعل الدولة تنزل بهم ضربات قاصمة، لما يحدثونه من فساد، ومن هذه الضربات ضربة القائد العباسى بُغَا سنة ٢٣٠ هـ حيث قتل منهم ٥٠ رجلًا وأَسر زهاء ألف رجل قتلهم أهل المدينة عندما حاولوا الفرار من السجن [تاريخ الطبري ٥/ ٢٧٨ - ٢٨١]، ومما ذكره الطبري من نصه الطويل حول هذه الحادثة وأسبابها قوله: (إن بني سُلَيْم كانت تطاول على الناس حول
стр. 3762
المدينة بالشرّ وكانوا إذا وردوا سوقًا من أسواق الحجاز أخذوا سعرها كيف شاءوا) وذكر أنهم أوقعوا بجيش المدينة)، وفيهم من قريش والأنصار ومواليهم وغيرهم من أهل المدينة. قال الطبري: (وغلظ أمر بني سُلَيْم فاستباحت القرى والمناهل فيما بينها وبين مكة والمدينة حتى لم يتمكن أحد أن يسلك ذلك الطريق، وتطرقوا من يليهم من قبائل العرب) [تاريخ الطبري ٥/ ٢٧٨] ثم كان أن أوقع بهم بُغّا وانتقم منهم أهل المدينة شرّ انتقام، وقال ابن خلدون: (كانت بطون هلال وسُلَيْم من مُصَر لم يزالوا بادِيْنَ منذ الدولة العباسية، وكانوا أحياء ناجعة بمجالاتهم من قفر الحجاز بنجد، فبنو سُلَيْم مما يلي المدينة، وبنو هلال في جبل غزوان عند الطائف، وربما كانوا يطوفون رحلة الصيف والشتاء أطراف العراق والشام، فيغيرون على الضواحي ويفسدون السابلة، ويقطعون على الرفاق، وربما أغار بنو سُلَيْم على الحاج أيام الموسم بمكة، وأيام الزيارة بالمدينة وما زالت البعوث تُجهَّز والكتائب تُكتب من باب الخلافة ببغداد للإيقاع بهم وصون الحاج من مَعَرَّاتِ هجومهم) [تاريخ ابن خلدون ٦/ ١٥ - ١٦] وأضاف يقول: (كان بنو سُلَيْم لعهد الخلافة العباسية شوكة بغي وفتنة حتى لقد أوصى بعض خلفائهم ابنه أن لا يتزوج فيهم، وكانوا يغيرون على المدينة وتخرج الكتائب من بغداد إليهم، وتوقع بهم وهم منْتَبِذون بالقفر) [تاريخ ابن خلدون ٦/ ٨٣]، وقد ظلوا يؤذون الحاج على مرّ القرون، دون جدوى بمنعهم، فابن خلدون يذكر في عهده (٧٣٢ - ٨٠٨) في ذكر بني ذُباب بن مالك من بني سُلَيْم أنهم يؤذون الحاج وقال: (بجهة المدينة خلق منهم يؤذون الحاج ويقطعون الطريق) [تاريخ ابن خلدون ٢/ ٣٥٥] قلت: وهم بنو ذُباب بن مالك بن بهثة بن سُلَيْم، وهم إخوة زغب بن مالك [تاريخ ابن خلدون ٦/ ٨٤ و ٢، ٣٥٥، نشوة الطرب ٢/ ٥٢٣] ومن أحداثهم مهاجمتهم للحاج سنة ٣٥٤ هـ كما مرّ، ورغم الهجرة الكبيرة لقبائل منصور التي كانت تقطن بلاد البحرين من هوازن (وأهم قبائلهم المهاجرة بنو هلال) وبني سُليم ومازن فإن عددهم ببلاد المغرب لم يتجاوز ضعف عددهم ببلاد المشرق، قال ابن سعيد:
стр. 3763
(إذا نادتْ العربُ يَآلَ منصور بإفريقية يقال إنها تجتمع في مئة ألف فارس، ولهم هناك عزّ وثروة وتحكم على البلاد والعباد، وهم من صعيد مصر إلى البحر المحيط) [نشوة الطرب ٢/ ٤٩٩] وهذا يكشف لنا أن عددا ضخمًا جدًّا قد تبقى من قبائل منصور ببلادهم في الحجاز ونجد، وقد أضحى اسم سُلَيْم بسبب أعمالهم نقمة عليهم فقد صارت الجيوش تقصدهم لضربهم، ممّا جعل بعض الفروع تدخل في قبائل أخرى طلبا للسلامة، يضاف إلى ذلك أن بني سُلَيْم بمرّ القرون أخذوا يضعفون مع مجاورتهم لقبائل قوية من حولهم، أخذت ديارها تتمدد على حساب ديار بني سُلَيْم مما جعل فروعا منهم لما سبق بيانه يدخلون حلْفًا فيمن جاورهم من القبائل، في الوقت الذي أخذت فيه قبائل أخرى تبرز معها مجدها، وفي طليعة هذه القبائل قبيلة بني حرب، التي أخذت تستقطب كثيرا من العشائر التي أخذت تحالفها، ومنها كثير من العشائر السُّلَميَّة فكوَّن بنو حربِ كيانًا ضخما خطيرا للغاية، ولعبوا دورا هاما وخطيرا في تاريخ الحجاز في القرون الأخيرة، وسيتضح لنا كما سيجيء، أن كثيرا من فروع بني سُلَيْم قد دخلت في بني حرب، وحدث لها كما حدث لِمُزيْنة فنسيت أنسابها وأضحت تنتسب لبني حرب. قال البلادي: (نسي المزنيون نسبهم فأصبحوا حربيين، حتى أن بعضهم يغضب بمجرّد أن يسمع من يقول: إنهم ليسوا من حرب نسبًا) [معجم قبائل الحجاز ٤٨٤] قلت: ومثلهم إخوانهم في بلاد الطور بسيناء الذين ينتسبون لبني حرب دون أن يدروا شيئا عن قبيلة مُزينة العدنانية ذات التاريخ العريق [تاريخ سيناء ١١٠ و ١١٢] وهم على انتسابهم لبني حرب إلى يومنا هذا، وهذا شأن كثير من القبائل التي تدخل في غيرها حِلْفًا فتنسى نَسَبها على مرّ القرون، وتنتسب للحليف، وفي بحثنا هذا دراسة لفروع بني سُلَيْم، التي دخلت في بني حرب وصارت منهم مع الإشارة إلى فروع أخرى، ذات ارتباط نسبي بفروع سُلَيْم، التي دخلت في بني حرب، بما توفر لدينا من أدلة وقرائن، وقد رأينا ترتيب هذه الفروع على حروف المعجم.
стр. 3764
التفصيل عن فروع بني سليْم في حرب في المملكة العربية السعودية
قال الأحيوي:
(١) الأحامدة: دخلت بطون من بني سُليْم بمرور الوقت في قبيلة حرب الفتية، وأصبحت جزءًا منها وأهم هذه البطون بنو عوف وهم من أكبر فروع بني حرب، وأجلها قدرًا، وهم بنو عوف بن امرئ القيس بن بهثة بن سُلَيم، وسيأتي الحديث عنهم لاحقا وستجد كما سيأتي تمازجا عجيبا جدا بين بني عوف هؤلاء وبين الأحامدة الذين ينتسبون إلى بني سُليم، ويبدو أن قسما من عوف قد انضووا تحت اسم الأحامدة وهم من فروع بني عوف، ويبدو أيضًا أن قسما من بني سُلَيْم قد انساحوا شمالا فدخلوا في قبيلة بليِّ في الوقت الذي كان فيه قسم آخر من بني سُليْم قد دخل في بني حرب، ولم تتضح لنا أسباب ذلك إلا أننا نجد أن بعض فروع القسم الذي دخل في بليِّ لا تزال رغم مرور الوقت تحتفظ بأنسابها إلى تلك الفروع الموجودة مع بني حرب، وقد انضوى القسم السُّلَمي الذي دخل في بليِّ تحت مُسمَّى الأحامدة، والأحامدة فرع كبير من بني حرب، أصلهم من بني سُليم، قال البلادي في ذكرهم: (يقال إنهم من بني سُليم بن منصور فيما يزعم بعضهم) [نسب حرب ٧٩ - ٨٠] وكان البلادي قد قال في طبعة سابقة من "نسب حرب" فيما ينقله عنه الجاسر: أن ذلك القول باتفاق رواة بني حرب. قال الجاسر في ذكر الأحامدة: (في كتاب نسب حرب ٨٤: أصلهم من بني سُليم، باتفاق رواة حرب) [معجم قبائل المملكة العربية السعودية ١/ حاشية ١١] ولا أدري لم غيّر البلادي النص، ولم عَدَّ هذا الانتساب زعما لبعضهم؟ وعندي أن الأحامدة هم بنو أحمد بطن من بني عوف من سُلَيْم وهم بنو أحمد بن نُمير بن حكيم بن حِصْن بن علَّاق بن عوف بن امرئ القيس بن بُهثة بن سُلَيْم ومنهم:
١ - بنو محمد.
٢ - البطين [تاريخ ابن خلدون ٦/ ٩٥ - ٩٦، ٩٤ و ٨٥]، وأحمد هذا جد بني أحمد وهو من رجال العهد الجاهلي ولم يدرك الإسلام، ذلك أنه الابن
стр. 3765
الثامن من سلالة سُلَيْم، فيما كان بنو سُلَيْم في عهد النبي ﷺ في العد العاشر والحادي عشر، بل والخامس عشر، وما يزيد، كما سيأتي في حديثنا عن بني علي، وأول ذكر يرد لبني أحمد ورد على لسان يعقوب بن السكيت (ت ٢٤٦ هـ) قال ياقوت الحموي: (تعف مياسر: قال ابن السكيت عن بعضهم: التعف ههُنا ما بين الدُّوْداء وبين المدينة وهو حدُّ خلائق الأحمديين والخلائق آبار) [معجم البلدان تعف مياسر] قلت: المنطقة الواقعة بين الدوداء والمدينة هي من ديار بني سُلَيْم، ومن ديار بني سُلَيْم إلى الغرب من الدوداء: الرويثة [تاريخ الطبري ٥/ ٢٧٨] قال البلادي: [الدوداء: شعبتان جنوب المدينة تصب على بلدة الفريش من الشرق والثانية تظاهرها شرقا فتصب في رئم، فتصب في النقيع قرب بئر الماشي كان يأخذها درب الغائر) [معجم معالم الحجاز: الدوداء ٣/ ٢٣٥] ومنطقة النقيع وما حولها من ديار بني سُلَيْم، وممن كان يقطنها بنو عوف من سُلَيْم كما سيأتي بيانه مما يؤكد صحة نسب الأحامدة إلى بني سُلَيْم، ومن الأحامدة هؤلاء الأحامدة في بليِّ الذين ذكرهم وفصَّل القول فيهم الجزيري (ت نحو ٩٧٧ هـ) فقال: (عربان بليِّ أصحاب الدرك طوائف كثيرة، فنذكر ما تيسر منها: أما أصحاب درك الأزلم فمنهم بلي الأحامدة والأحامدة بَدَناتُ، فمنهم: الخرشان والركبان والغدايرة منهم شاهين بن أحمد بن غدير وأولاد عمه، والعتيْبات كقشيغة بن سالم وجبار بن إدريس بن غديف، والسلمات كعمران بن خليفة بن عمران وآل هلال، والقردانيات، ومن عربان بلي جميع من تقدم من عربان الحمل عند ذكر بلي فلا نكرره هنا، ومنهم العرادات بالعين المهملة، والمواهيب، والوابصة، والبركات، والجواهرة، والسباعات، والحصنة، والكحلة، وبنو سعيد المحصنة، وبنو مخلد، والمكاحلة، والبامات، والسحمة، والمباذر) [الدرر الفرائد ١٣٩٢] قال الأحيوي: وكيلا يظنَّ البعض أن بدنات العرادات والمواهيب والوابصة والبركات والجواهرة والسباعات والحصنة والكحلة وبنو سعيد المحصنة وبنو مخلد والمكاحلة والبامات والسحمة والمباذر وهي ١٤ بدنة ليست من الأحامدة؛ لأن الجزيري فصّل في نصه بينها والبطون الأحمدية السبع التي عدّها
стр. 3766
قبلها نقول: إن النص الفاصل هو جملة معترضة والبطون أحمدية ويتضح ذلك من نص الجزيري ذاته، ذلك أنه بين في أول نصه أنه سيذكر أصحاب الدرك وابتدأ بالأحامدة أصحاب درك الأزلم، وعدد بطونهم، وجميع البدنات الـ ١٤ ليست من أصحاب الدرك مما يعني اتصال نصه، وأنه متعلق بالأحامدة، والبدنة الوحيدة من الـ ١٤ بدنة التي لها درك هي بدنة الجواهرة ولهم درك مناخ الركب بـ (أكرى) [الدرر الفرائد ١٣٨٨] قال الجزيري في ذكر (أكْرى): (مناخ الركب فقط درك عمرو بن سبع بن غنام وأولاده من بلي الجواهرة، وهو غاية درك عربان بلي) [الدرر الفرائد ١٤٠١] ودرك الجواهرة هؤلاء تسبقه أدراك بدنات أخرى من الأحامدة. قال الجزيري: (من كبرة أول حد الوجه فمنه إلى المحلِّ المعروف بفشيغة الوجه درك جلاس بن نصار بن جماز وولده حميد، وعمر بن أحمد بن نصير، وسالم وحسن أولاد على بن نصير من بليّ الأحامدة ((الدرر الفرائد ١٣٨٧) ولهم أيضًا درك الرحبة والوجه [الدرر الفرائد ٢٥١، ٧٩٨، ٨٦٤، ١٣٩٧] وقال في ذكر درك السلمات الأحامدة: (حد دركهم من فشيغة الوجه إلى الوجه إلى مفرش النعام إلى أكْرى) [الدرر ١٣٨٧، ١٤٠٠] وأكرى هي حدُّ بليّ مع جهينة، قال الجزيري: (أكرى حدّ أرض بليِّ من جُهَيْنة) [الدرر الفرائد ١٤٠٠] والملفت للنظر أن كل درك بلي هو للأحامدة لمسافة تمتد نحو ١٩٥ كيلا، فمن حدرة (دامة) آخر درك بني عُقبة إلى (تلبة) للعتيبات من الأحامدة، ومن (تلبة) إلى (كبرة) للغدايرة من الأحامدة، ومن (كبرة) أول حدّ الوجه إلى فشيغة الوجه لشيوخ الأحامدة، ومن فشيغة الوجه إلى (أكرى) للسلمات من الأحامدة [الدرر الفرائد ١٣٨٧ وانظر ١٣٥٠، ١٣٦٣، ١٣٨٦] وأكرى كما مر حد بلي مع جهينة [الدرر ١٤٠٠، ١٤٠١] ولم نجد أحدًا من بلي له درك إلا الجعافرة الذين يدخلون في درك العُتيبات الأحامدة إلى (تلبة) ولهم درك بـ (الأزلم) وهيش وادي (أكرى) [الدرر الفرائد ١٣٨٧، ١١٨٣، ١٤٠١]، وبهذا نكون قد أوفينا الحديث عن الأحامدة وتبين لنا أن جميع البدنات المذكورة في نص الجزيري هي بدنات أحمدية وستضح لنا صحة ذلك فيما بعد خلال بحثنا هذا، ويبقى أن نشير
стр. 3767
إلى بطن أحمدي لم يرد ذكره آنفا وهو الحمدة وهم من السباعات [الدرر الفرائد ١١٨٣].
(٢) البدارين: البدارين بطن يرتبط ببني جابر من بطون بني عبد الله من بني عمرو من مسروح من بني حرب، قال البلادي في ذكر بني جابر: (يتبع بنو جابر البطون الآتية: البدارين. .) [نسب حرب ٧٤] قال: (من الأقوال المستفيضة عند البادية أن البدارين هؤلاء من بدارين الدواسر ولا أدري ما صحة ذلك، والقبائل تتسامى وكثير منها يلم على سميّه بجهل، وهو أمر نبه عليه قدماء النسابين) [نسب حرب ٧٥] قال الأحيوي: وهم عندي من بني سُلَيْم ومما يؤكد ذلك عدا عن ارتباطهم ببني جابر وهؤلاء من بني سُلَيم كما سيجيء أمران هما:
١ - أن من البطون القديمة لبني عوف من سُلَيْم: البدارنة، وهم بطن من بني علي بن حصن بن علَّاق بن عوف بن امرئ القيس بن بُهثة بن سُلَيْم، وعليِّ هذا من رجال العهد الجاهلي فهو الابن السادس من سلالة سُلَيْم، مما يدُل على قدم وجود البدارنة من بني علي، وارتباط البدارين ببني جابر هو ارتباط يقوم على أساس من النسب، ذلك أننا نجد من بطون بني عوف من سُلَيم القديمة: بنو جابر، وهم بنو جابر بن قُنفذ بن مالك بن عوف بن امرئ القيس بن بُهثة بن سُلَيْم، ومما يدل على قدم هذا البطن أن جدهم جابر هو الابن السادس من سلالة سُلَيْم، أي أنه من رجال العهد الجاهلي مما يعني وجود بني جابر كبطن من بطون بني سُلَيْم منذ بدء العهد الإسلامي، وهذا يبين لنا أن ارتباط البدارين ببني جابر قائم على أساس من النسب.
٢ - أن ديار البدارين وديار بني جابر مُتجاورة في منطقة واحدة، فديار البدارين القديمة الأصلية هي بنواحي (الفُرع) [معجم قبائل الحجاز ٣٨] ونواحي (الفُرع) من ديار بني سُليم القديمة، وهذه القرائن جميعها تؤكد أن البدارين هم أعقاب البدارنة من بني عوف من سُليْم.
стр. 3768
(٣) البركات: البركات في حرب اليوم فرع من الصواعد من عوف (نسب حرب ٤٩] ذكرهم البلادي وقال: (منهم حي كثير في بليِّ يعترفون بنسبهم إلى عوف) [نسب حرب ٤٩] وقال في ذكر بركات بلي: (أصلهم من الصواعد من عوف من حرب دخلوا في بلي) [رحلات في بلاد العرب ٧٤] وقال: (هم من بركات الصواعد من عوف) [قبائل الحجاز ٤٠ - ٤١].
قال الأحيوي: وهم عندي بطن من بني سُليم فقد عدَّهم الجزيري من فروع الأحامدة كما مر ونجدهم اليوم فرع من مخلد من بلي [معجم قبائل الحجاز ٤٠] ومخلد هؤلاء عدَّهم الجزيري من فروع الأحامدة، ومخلد تشمل أيضًا العرادات والسحمة وهما بطنان ينتسبان إلى العرادات والسحمة من بني حرب [معجم قبائل الحجاز ٤٧٦] وسيأتي الحديث عنهما، والبركات من بطون بني عوف القديمة فهم فرع من لبيد [نهاية الأرب ١٢٠] ولبيد فرع من بني مالك بن أُهيب بن عبد الله بن قنفُذ بن مالك بن عوف بن امرئ القيس بن بهئة بن سُلَيم [التعليقات والنوارد ٦١٢، ٩٩٤، ١٨٦١] وليس من محاسن الصدف أن نجد أن من فروع الصواعد من عوف: علَّاق إخوة البركات [معجم قبائل الحجاز ٢٦٩] وهم من بطون عوف القديمة فهم بنو علَّاق بن عوف ابن امرئ القيس بن بهئة بن سُليم [تاريخ ابن خلدون ٦/ ٩٤، ٨٥] وعلَّاق والبركات وسائر بطون عوف يقطنون جبال (قُدس) التي عُرفت بجبال عوف وهي من ديار بني سُليْم القديمة.
(٤) بشر: بنو بشر اليوم فرع من بني عمرو من مسروح من بني حرب، قال البلادي (لهم بلدة عُسْفان) وكل الأرض المحيطة بالطريق إلى (مر الظهران) ومنهم قسم في (الحصينية وصدر كلية) ولهم فيها مزارع وقرية، ومنهم قسم في ديارهم الأصلية وادي (الفرع) [نسب حرب ٦٦] وفي ذكر الفُرع قال البلادي: (يأخذ أعلى مساقط مياهه من حرَّة بني عمرو وهي امتداد لحرَّة بني سُليم القديمة في الشمال، يتقاسم الماء مع واديين عظيمين هما وادي مر في الجنوب، ووادي (النقيع) أعلى العقيق في الشمال، ثم ينحدر غربا مع ميل إلى الجنوب مخترقا سلسلة جبال (قُدس) فاصلا جبال (آرة) في الجنوب و (قُدْس) في الشمال حيث
стр. 3769
يتكون مضيق الفرع بين هذين الجبلين ثم يستمر غربا حتى يجتمع بوادي (القاحة) في الشمال عند بئر مبيريك على مرحلة من (رابغ) فإذا اجتمع الواديان سُمي الوادي وادي (الأبواء) [قلب الحجاز ١٠٤]، قال الأحيوي: وهذه الديار ونواحيها من ديار بني سُليم؛ فالحرَّة والنقيع وقدس من ديار بني سُليْم ومساكنهم منذ عهد بعيد، وممن أشار إلى ذلك الهمداني كما مرَّ، وعندي أن بني بشر هؤلاء من فروع بني سُلَيْم، ليس استنادا إلى الواقع المكاني لديار بني سُلَيْم القديمة ولكن الدليل آخر وهو وجود بني بشر في نواحي عسفان ومر الظهران التي امتدت ديار بني سُلَيْم إلى نواحيها، وقد بينا أن بني حرب لم يستوطنوا هذه الديار إلا في عهد متأخر، وأول من توسع منهم في تلك الأنحاء بنو زُبيد، وقد مرّ بنا أن درك بني سُلَيْم امتد من (الجحفة) إلى (عقبة السويق) ثم يليهم الأشراف من بني حسن، وبنو جابر إلى مكة المكرمة، وقد مر بنا أنه كان للبشريين درك إلى أن استولى عليه أولاد رومي من زُبيد، ومن المعلوم أنه لم يكن لهم شيء في درك الأشراف، ويتضح مما أورده الجزيري أن درك بني بشر كان في الجزء الممتد من (الجحفة) إلى (عقبة السُّويق) أي مع بني سُليْم. قال الجزيري (ت نحو ٩٧٧ هـ): (كان الدرك قديما مقسما بين جماعات بمعاليم معلومة منهم البشريون، العصيفيون وبنو سُلَيْم فاستولت أولاد رومي على الدرك جميعه) [الدرر الفرائد ١٤٤٧] ولو كان بنو بشر من حرب لما استولتُ زبيد على دركهم، ولقام بنو عمرو من حرب مع بني بشر ضد زبيد، وهذا ما لم يحدث، وقد امتد درك زُبيد حتى نهاية درك بني جابر قديما في المحاطب بـ (وادي مر).
قال الجزيري: (من بطن مر ويسمى الوادي الزاهر يسيرون في محاطب وفضاء ومضيق وعر بين جبلين وهو آخر درك ذوي رومي ثم القرية بعده). [الدرر الفرائد ١٤٦٥] والقرية هي قرية الجموم، وقد أضحوا أتباعا لأمراء مكة. قال الجزيري في ذكر زُبيد: (هم في الحقيقة من باطن الشريف أبي نُمي بن بركات الآن بعد حروب اتفقت لهم مع سلفه إلى أن أذعنوا بالطاعة له كما هو مشهور بتلك الأقطار) [الدرر الفرائد ١٤٤٧] قلت: وأبو نُمي هو محمد بن
стр. 3770
بركات (ت ٩٩٢ هـ) أمير مكة في عهد الجزيري، وقال ابن خلدون (ت ٨٠٨ هـ) في ذكر زبيد: (لهم مع الأمراء بمكة من بني حسن حلف ومؤاخاة) [تاريخ ابن خلدون ٦/ ٧] قال الأحيوي: ومما يجب أن نلفت النظر إليه تقارب ديار بني جابر وبشر في منطقتين متباعدتين في (الفرع) ونواحي (عسفان) مما يؤكد وحدة النسب كما أن ديارهم الأصلية في (وادي كُليَّة) دليل يؤكد أنهم من بني سُلَيْم ذلك أن (وادي كُليَّة) كان كله لبني سُليم، وكانت حدود بني حرب تتوقف عند الجحفة لتبدأ حدود بني سُلَيْم جنوبا فتشمل (وادي كلية) الذي استولى بنو حرب على جزء كبير منه في عهد آل رومي، في القرن التاسع وقد ذكره القلقشندي فقال: (وادي كُليَّة): وهو واد بالقرب من خُليص به نحو سبعة أنهر على كل نهر قرية، وكان بيد سُلَيْم، وقد خرب من مدة قريبة بعد الثمانين وسبعمائة [صبح الأعشى ٤/ ٢٦٠] ومن هذا كله نخلص إلى القول بأن بني بشر بطن سُلَمي، دخل في بني عمرو من حرب حلفًا، وهم فيهم إلى اليوم، ومن يدري فلعلهم أعقاب بشر بن قيس بن مالك بن أبي نميلة بن كعب بن عميرة بن خفاف بن امرئ القيس بن بهئة بن سُلَيْم، أحد رجالات سُلَيْم في الجاهلية [جمهرة النسب ٣٩٥].
(٥) البطنة: البطنة (بُطيني) كالبركات وعلَّاق فرع من الصواعد من عوف [نسب حرب ٤٩] وهم من بني سُلَيْم فعدا عن ارتباطهم بالبطنين السابقين فإننا نجد من البطون القديمة لبني عوف من سُلَيْم: البطين وهم بطن من بني أحمد بن نمير بن حكيم بن حصن بن علَّاق بن عوف بن امرئ القيس بن بهثة بن سُلَيْم [تاريخ ابن خلدون ٦/ ٩٥، ٩٦، ٩٤] وديارهم اليوم ديار قومهم عوف، وهي من ديار بني سُلَيْم القديمة.
(٦) التراجمة: التراجمة بنو ترجم واحدهم ترجمي: فرع من البطنة من الصواعد من عوف [نسب حرب ٤٩] وهم بطن قديم من بني عوف من سُلَيْم، وهم بنو ترجم فرع من حِمْير بن يحيى بن علَّاق بن عوف بن امرئ القيس بن بهثة بن سُلَيْم [تاريخ ابن خلدون ٦/ ٨٥].
стр. 3771
(٧) بنو جابر: بنو جابر اليوم فرع من بني عبد الله من بني عمرو من مسروح من حرب، ديارهم الأصلية بوادي (الفُرع) [قلب الحجاز ٢٤] وتمتد ديارهم من (الفُرع) إلى أعالي النقيع [معجم قبائل الحجاز ٧٥] ومنهم فرع يقطن حول بَحْرة إلى العد [معجم قبائل الحجاز ٧٦] بين مكة وجدة. قلت: ووجودهم في هذه النواحي قديم للغاية، فقد كان لهم درك يمتد من الثنية المشرفة على (عسفان) إلى الفج المسمى بالمحاطب على ما ذكره القلقشندي والمقريزي كما مر، وذلك في القرنين الثامن - وربما بما قبله - والتاسع للهجرة - وعندي هم من بني سُلَيْم، فديارهم الأصلية الممتدة من (الفُرْع) إلى أعالي (النَّقيع) هي من ديار بني سُلَيم القديمة، كما أن بني سُلَيْم سيطروا على المنطقة بين مكة والمدينة المنورة وانتشروا فيها، ومما يؤكد أنهم ليسوا من بني حرب أن وجودهم بنواحي مكة وجود قديم، قبل استيلاء بني حرب على تلك النواحي في القرن التاسع للهجرة، كما أن بطون بني حرب آنذاك لم يكن لها أي درك باستثناء زُبيد أكبر فروع بني حرب وزعمائهم، ودركهم الخاص بهم يقل عن درك بني جابر، وفيما بعد استولى أولاد رومي شيوخ بني حرب على الدرك الممتد حتى (مرَّ الظهران) بما فيه درك بني جابر الذين خسروا أيضار ديارهم في (هدة بني جابر) قال البلادي: (لما انتشر بنو أبي نُمي في البلاد استولوا على (الهدة) ونحوا بني جابر عنها، فرحلوا إلى نواحي بحرة وبعضهم إلى (الفُرع) [معجم معالم الحجاز ٦/ ١٦٨] وربما لهذا السبب دخلوا في بني حرب، وحالفوهم، وكونهم من بني سُلَيْم يؤكد دليل آخر غير دليل الديار، فمن بطون بني عوف القديمة من بني سُلَيم بنو جابر بن قنفذ بن مالك عوف بن امرئ القيس بن بهثة بن سُلَيْم ومن فروعهم:
١ - هرمي بن جابر.
٢ - ربيعة بن جابر.
٣ - أسيد بن جابر.
٤ - قنفذ بن جابر.
[جمهرة النسب ٤٠٢، ٤٠١] وجابر جد بني جابر جد جاهلي قديم،
стр. 3772
ذلك أنه الابن السادس من سلالة سُلَيم، مما يدل على قدم بني جابر، لذا وجدنا لهم دركًا وهذا لا يكون لفرع صغير حديث التكوين، ومما يؤكد أنهم من بني سُلَيم ارتباطهم بالبدارنة، وتجاورهم في ديارهم الأصلية القديمة، وهي ديار بني سُلَيم، وسيأتي الإشارة إلى ارتباطهم ببطون سُلَميَّة أخرى مما يؤكد نسبهم في بني سُلَيْم.
(٨) زبَّالة: الزَّبالة فرع يتبع زُبيد من بني حرب، ويقطنون وادي (حجر) الذي كان يعرف قديما باسم (السائرة)، وذكر البلادي أنهم من سكان (السائرة) القدماء انضموا إلى زُبيد حلفا [معجم معالم الحجاز: حجر ٤/ ١٥٩]، معجم قبائل الحجاز ١٩٢] قلت: ووادي (حجر) المذكور يقع على نحو ١٠٠ ميل شرقي رابغ في منطقة كانت من ديار بني سُلَيْم، وعندي أنهم فرع من بني سُلَيْم، والملفت للنظر أننا نجد أن الزَّبالة فرع كبير من مخلد، أحد قسمي بلي ومخلد هؤلاء ذكرهم الجزيري من فروع الأحامدة وهؤلاء من بني سُلَيم، ونجد من بطون مخلد: السُّحمة والعرادات والبركات، وجميع هذه البطون ذكرها الجزيري من فروع الأحامدة ولها جذور في بني حرب، كما بيناه في الحديث عن البركات، وستأتي الإشارة إليه في الحديث عن السحمة والعرادات ويبدو أنه تبقى من الزبالة حين هجرتهم مع قومهم الأحامدة شمالًا قوم ظلوا في ديار قومهم من بني سُلَيم، ثم دخلوا في زُبيد من بني حرب، حين شملت ديارهم (السائرة) ونواحيها.
(٩) سُبيع: سُبيعُ فرع من جَهم، من ولد محمود من بني عمرو من مسروح من بني حرب، قال البلادي: يقال أنهم من سُبيع بني عامر سكان (رَنْيَة) و (الخُرْمة) [نسب حرب ٧٥] ومن ديار سُبيع هؤلاء (الفُرع) والصحيح في نسبهم أنهم من بني سُلَيْم فهم يقيمون في بلاد بني سُلَيْم القديمة، التي شملت منطقة الفرع التي استوطنها بنو مالك بن عوف من سُلَيْم أهل (الحرّتين) و (النقيع). فمن فروع بني عوف من بني سُلَيْم: بنو سُبيع بن الحارث بن أُهبان وهو هرمي بن عبد الله بن قُنفذ بن مالك بن عوف بن امرئ القيس بن بهثة بن سُلَيْم ومنهم أحمر الرأس السُّبيعي [التعليقات والنوادر ٥١٧، ١٧٧٢].
стр. 3773
(١٠) السحمة: السُّحمة وواحدهم سُحيمي، فرع من السَّهلية من النواصفة من عوف من بني حرب [نسب حرب ٥٤] ومنهم السُّحمة من فروع بلي. قال البلادي في ذكر سحمة بلي: (أصل السحمة هؤلاء من سحمة عوف من حرب نَزَحوا إلى هذه الديار فحالفوا بليًّا) [معجم قبائل الحجاز ٣١٢] وقال في ذكر سحمة حرب: (من السُّحمة هؤلاء سحمة بلي، وقد قيل: إنهم أصبحوا قبيلة كبيرة هناك يجاورون البركات الذين أصلهم من الصواعد من عوف أيضًا) [نسب حرب ٥٤ - ٥٥] وقال في ذكر سحمة بلي أيضًا (أصلهم من عوف من حرب) [رحلات في بلاد العرب ٧٢] وسحمة بلِي فرع من مَخْلد ومن فروع مخلد أيضًا العرادات والبركات (معجم قبائل الحجاز ٤٧٦] والبركات سبق الحديث عنهم والعرادات سيأتي الحديث عنهم، قال الأحيوي: والسحمة عدَّهم الجزيري من فروع الأحامدة كما مر، وهؤلاء من بني عوف من بني سُلَيْم، كما أن مخلدا التي صار السحمة من فروعها ذكرهم الجزيري من فروع الأحامدة أيضًا، والسحمة إلى يومنا هذا من فروع الأحامدة من بلي في الديار المصرية [موسوعة القبائل العربية ١/ ٢٨٩] ومن كل هذا يتضح لنا أنهم فرع سُلَميٌّ أصيل.
(١١) السلايطة: السلايطة من قبائل منطقة (مَادبا) جنوبي عمَّان ببلاد الأردن ومن قراهم (المشيرفة) بين (أم الرصاص) ووادي (الموجب) ذكرهم بولس سلمان قبل نحو ٨٠ سنة فقال: (جدود السلايطة شرقا درب الحج وغربا بنو حميدة وشمالا بنو صخر، وجنوبا نهر (الموجب) وعددهم ٢٠٠ بيت [خمسة أعوام في شرقي الأردن ٢١٨] وفي ذكرهم قال فردريك بيك: (السلايطة أصلا من الفواضلة من بَلِي من قضاعة) قال: (والسلايطة حلفاء بني صخر، ويعدون بالحقيقة ساعدهم الأيمن في حروبهم وغزواتهم) (تاريخ شرقي االأردن وقبائلها ٢٥٠]، قلت: وهم اليوم في عداد بني صخر، والفواضلة - أصل السلايطة - في بلي فرع من خزام [معجم قبائل الحجاز ٤٠٥] ولخزام ثلاثة أفرع هي:
١ - وابصة.
٢ - المواهيب.
٣ - الفواضلة [معجم قبائل الحجاز ١٤٠]، ووابصة والمواهيب ذكرهما الجزيري من فروع الأحامدة في عهده،
стр. 3774
مما يعني أن ارتباط الفواضلة بوابصة والمواهيب تحت مسمى خزام يعني أن لهم ارتباطا بالنسب مع الأحامدة، ومما يؤكد هذا ويزيده إيضاحا أن وسم السلايطة هو نفس وسم الأحامدة. قال العزيزي: (عرقاة رسم صليب يسم به الكعابنة والسلايطة مواشيهم) [قاموس العادات. اللهجات والأوابد الأردنية ٢/ ٢٩٥] قلت: ووسم الأحامدة هو العرقاة شارة كالصليب هكذا: على الجانب الأيمن من العنق [العرب سنة ٢٨ ص ٦٥٥].
(١٢) بنو صخر (الصخور): بنو صخر ويقال الصخور أيضًا من أكبر قبائل الأردن، وأجلها قدرا وشأنا، وهم ينتسبون إلى بني حرب، قال فردريك ج بيك: (يزعم بنو صخر أنهم فخذ من قبيلة حرب) وقال: (ينقسم بنو صخر إلى فخذين كبيرين وهما الطوقة ويتألفون من عشائر الغبين والغفل وخضير والكعابنة، ويتألفون من عشيرتي: الخرشان والجبور، أما الطوقة فإنهم حسب زعمهم بطن من الأحامدة من حرب، وجدهم يقال له طويق بن حمد الدجرة، والكعابنة بطن من بني صخر إحدى عشائر بني محمد، وبنو محمد فخذ من بني سالم من حرب) قال: (أول من انفصل عن حرب من بني صخر الكعابنة، وكان الاسم بنو صخر يطلق عليهم فقط) [تاريخ شرقي الأردن وقبائلها ٢١٤ - ٢١٥].
قال الأحيوي: بنو صخر في حرب فرع من الأحامدة. قال البلادي في ذكر الصخور في بني حرب: (بطن من الأحامدة من ميمون من بني سالم من حرب) [معجم قبائل الحجاز ٢٦٣] وقد احتفظ بنو صخر من الكعابنة الذين يروون أنهم أول من قدم من بني صخر إلى بلاد البلقاء وغيرهم من بطون بني صخر احتفظوا بوسمهم قومهم الأصيل فهم يسمون العرقاة مثلهم كمثل السلايطة الذين ذكرنا أنهم من الأحامدة أيضًا والعرقاة كما مر وسم الأحامدة في جنوبي الحجاز، ومما تجدر الإشارة إليه أن الجزيري عد الخرشان من فروع الأحامدة ونجد الخرشان اليوم فرع كبير من الكعابنة من بني صخر الذين ينتسبون إلى الأحامدة، وقد احتفظ
стр. 3775
بوسم الأحامدة غير الكعابنة بنو خضير، وهم فرع كبير من بني صخر وهم يسمون العرقاة [العشائر الأردنية ١/ ٤٩] وبهذا تأكد لنا صحة نسب بني صخر للأحامدة من بني سُليم، وسوف نستكمل الحديث عن بني صخر في حديثنا عن ولد محمد.
(١٣) بنو عبد الله: بنو عبد الله أو ولد عبد الله اليوم فرع من بني عمرو من مسروح من حرب وقد جعلهم البلادي - دون دليل يُذكر - ولد عبد الله بن عمرو بن زياد [نسب حرب ٦٦، ٢٨] قلت: ليس في بطون بني عمرو بطن يسمى بولد عبد الله، والهمداني الذي فزّع بني زياد، وأوفى القول فيهم لم يذكر لبني عمرو فرعا يدعى ببني عبد الله وإنما ذكر لهم فرعين: بنو ميمون بن المسافر بن عمرو، وبنو الحارث بن عبد الله بن عمرو، ولو كان عبد الله بطنا لذكر الهمداني أنه بطن وأن منهم بنو الحارث ولكنه جعل بني الحارث فرعا لبني عمرو، لا لعبد الله بن عمرو، لأنه ليس بطنا، وإنما هو اسم أبي الحارث، وهذا واضح ولو اعتبرنا كل اسم في سلسلة نسب اسما لبطن لاختلط الحابل بالنابل. قلت: وهم عندي بطن من بني عوف من بني سُلَيْم، فمن البطون القديمة من بني عوف: بنو عبد الله بن قنفذ بن مالك بن عوف بن امرئ القيس بن بهثة بن سُلَيْم ويتفرعون إلى:
١ - خزيمة بن عبد الله.
٢ - الحارث بن عبد الله.
٣ - وهب بن عبد الله.
٤ - وهيب بن عبد الله.
٥ - عبد نهم بن عبد الله [جمهرة النسب ٤٠٢، ٤٠١].
ومما نلفت النظر إليه مما يؤكد نسبهم في بني سُلَيْم أن جُل بطونهم من بني سُلَيْم كما مر وكما سيأتي ومن ذلك أن بني جابر هم إخوة بني عبد الله دخلوا فيهم فجابر وعبد الله إخوان أبوهما قُنفذ، وبطون بني عبد الله هي:
стр. 3776
١ - بشر.
٢ - معبد.
٣ - بنو محمد.
٤ - البلادية.
٥ - بنو جابر.
٦ - البدارين.
٧ - بنو معمّر.
كما نجد أن ديار بني عبد الله انتشرت في ديار بني سُلَيْم القديمة فديارهم الأصلية هي: (الفرع) و (الأبواء) أسافل الفرع والمنطقة بين (كُليَّة) و (الفرع) وصدر (خُليص) [نسب حرب ٤٩، ٦٦، ٧٠] وهنا نشير إلى أن بني الحارث بن عبد الله بن عمرو لا وجود لهم بالحجاز مما يؤكد عودتهم إلى صعدة. قال البلادي في ذكرهم: (لا ينسب إليه اليوم أحد من حرب) [نسب حرب ٢٨].
(١٤) العرادات: العرادات فرع من الزيادات من البلادية، من بني عمرو من حرب، ومنهم عرادات بلي. قال البلادي في ذكر عرادات بلي: (العرادات هؤلاء جلوا من وادي (الفرع) من (أم العِيال) [معجم قبائل الحجاز ٣٢٤، ٣٢٥] وقال: (العرادات بطن أصله من البلادية من حرب) [رحلات في بلاد العرب ٧٣] وعرادات بلي فرع من مخلد [معجم قبائل الحجاز ٣٢٥].
قال الأحيوي: أصلهم من بني سُلَيْم، فقد عد الجزيري العرادات من فروع الأحامدة وهم اليوم فرع من مخلد الذين عدهم الجزيري أيضًا من فروع الأحامدة، ومن فروع مخلد غير الأحامدة البركات والسحمة [معجم قبائل الحجاز ٤٧٦] وهما فرعان عدهما الجزيري أيضًا من فروع الأحامدة، وقد مر في الحديث عنهما أنهما بطنان من عوف من بني سُلَيْم، وعوف هم أصل الأحامدة، والعرادات في الديار المصرية إلى يومنا هذا فرع من الأحامدة هم والسحمة [موسوعة القبائل العربية ١/ ٢٨٩] ولا يزال عرادات الأحامدة في الديار المصرية يحتفظون بوسم قومهم البلادية إلى يومنا هذا فهم يسمون الباب على ورك البعير [موسوعة القبائل العربية ١/ ٢٩١] ووسم البلادية كما ذكره لي الأستاذ عاتق بن غيث العرادي البلادي هو الباب على فخذ البعير الأيسر، وهذا شكله " Ll" قال الأحيوي: وليس من غرائب الصدف أن نجد أن عشائر الفايز من الطوقة من بني صخر من
стр. 3777
الأحامدة يسمون هذه السمة كما ذكره أوبنهايم، قلت: وتسم عشائر الخرشان من الكعابنة من بني صخر هذه السمة إلا أنهم يغلقونها من الأعلى فيصبح شكلها هكذا " [] " على ما ذكره أوبنهايم.
وكل هذا يؤكد أن ارتباط العرادات بل البلادية عامة بالأحامدة من بني سُلَيْم هو ارتباط قائم على أساس من وحدة الأصل والنسب يؤكد هذا أنهم فرع من بني عبد الله، وأنهم يقطنون مواضع وديار بني سُليم القديمة، ومن ذلك وادي الجحفة [قلب الحجاز ٩٢، ٨٩] والجحفة من ديار سُليم القديمة قال اليعقوبي: (الجحفة وبها قوم من بني سُليم) [البلدان ٣١٤].
(١٥) علَّاق: علَّاق هم أحد قسمي الصواعد من عوف [نسب حرب ٤٩]، وعوف هؤلاء من بني سُلَيم، وعلَّاق فرع قديم من بني عوف بن سُلَيم وهم بنو علَّاق بن عوف بن امرئ القيس بن بهثة بن سُلَيم [تاريخ ابن خلدون ٦/ ٩٤، ٨٥] وهم قسمان:
١ - بنو يحيى بن علَّاق.
٢ - بنو حصن بن علَّاق.
ومن بني يحيى بن علَّاق:
١ - بنو حِمْير بن يحيى.
٢ - بنو دلاج بن يحيى.
٣ - بنو رياح بن يحيى.
ومن بني حِمْير بن يحيى بن علَّاق:
١ - بنو ترجم بن حِمْير بن يحيى بن علَّاق.
٢ - بنو كردم بن حِمْير بن يحيى بن علَّاق.
ومن بني ترجم بن حِمْير: الكعوب بنو كعب بن أحمد بن ترجم الذين نزل بهم القاضي أبو بكر بن العربي في رحلته إلى الشرق [تاريخ ابن خلدون ٦/ ٨٥] وكانت رحلته سنة ٤٤٨ هـ أي بعد هجرة بني سُلَيْم وارتحالهم من بلاد البحرين بنحو ٧٠ سنة.
أما فروع حصن بن علَّاق فهي:
стр. 3778
١ - بنو علي بن حصن بن علَّاق.
٢ - بنو حكيم بن حصن بن علَّاق، ومن بني حكيم:
أ - بنو ظريف بن حكيم ومنهم: أولاد جابر والشراعية ونعير وجوين.
ب - بنو وائل بن حكيم.
جـ - بنو طرود بن حكيم.
د - بنو نمير بن حكيم ومنهم:
١ - بنو ملاعب بن نمير ومنهم: بنو هكيل بن ملاعب ومنهم: أولاد زمام والفريات وأولاد مياس وأولاد فائد ومن هؤلاء: الصرح والمدافعة وأولاد يعقوب بن عبد الله بن كثير بن حرقوص بن فائد.
٢ - بنو أحمد بن نمير ومنهم: أ - بنو محمد. ب - البطين.
ومن فروع بني حكيم بن حصن أيضًا بني نوال.
ومن بني علي بن حصن بن علَّاق:
١ - أولاد صورة: بنو صورة بن مرعي بن حسن بن عوف بن محمد بن علي بن حصن.
٢ - أولاد نمي.
٣ - البدارنة.
٤ - أولاد أم أحمد.
٥ - الحضرة أو الرجلان وهو مقعد.
٦ - الجميعات.
٧ - الحمر.
٨ - المساهبة.
٩ - آل حسين.
١٠ - حجري (١).
стр. 3779
وشيخهم في عهد ابن خلدون هو: أبو الليل بن أحمد بن سالم بن عقبة بن شبل بن صورة بن مرعي بن حسن بن عوف وهو من أولاد صورة من المراعية أولاد مرعي بن حسن بن عوف [تاريخ بن خلدون ٦/ ٩٥ - ٩٧] وهو حسن بن عوف بن محمد بن علي بن حصن بن علَّاق بن عوف بن امرئ القيس بن بُهثة بن سُلَيْم. قال الأحيوي: عدد الأسماء من أبي الليل إلى سُلَيْم يزيد كثيرا جدا عن عدد أسماء هذه السلسلة التي يتضح سقوط عدد كبير من الأسماء منها، وإنما فصلنا القول في علَّاق لكي نبين مدى التداخل والتمازج بين البطون السُّلمية التي دخلت في بني حرب، وقد مر بنا بعضها وسيأتي ذكر بعضها خلال هذا البحث.
(١٦) بنو علي: بنو علي قسم بن مسروح من بني حرب وقد أورد الهمداني في حديثه عن بني حرب أن من بني عامر بن حرب: بنو عوف ومن بني عوف: مسروح بن عوف ومسعود بن عوف، وقد مر هذا النص في حديثنا عن بني حرب. ويرى البلادي أن بني علي مدار البحث هم بنو علي بن عوف من بني عامر بن حرب [نسب حرب ٣١] وهذا قائم على تشابه الأسماء، وقد بينا فيما سبق من هذا البحث أن بني عامر بن حرب وفروعهم لا وجود لهم ببلاد الحجاز، ذلك أنهم عادوا إلى بلاد خولان بصعدة وإنما حدث الخلط لدخول بطون سلمية في بني حرب، فمن فروع بني سُلَيم القديمة: بنو علي بن حصن بن علَّاق بن عوف بن امرئ القيس بن بهثة بن سُلَيْم. ولهم فروع كثيرة سبق ذكرها في حديثنا عن علَّاق، وبنو علي هؤلاء من فروع بني سُلَيم القديمة منذ عهد الجاهلية؛ ذلك أن عليًّا جد بني علي هو الابن السادس من سلالة سُلَيم، وبنو سُلَيم تجاوزوا في عهد النبي ﷺ العد العاشر بل تجاوز بعضهم العد الخامس عشر إلى جد سُلَيم ["جمهرة أنساب العرب" ٢٦١ - ٢٦٤] ومن دلائل أن بني علي من حرب اليوم هم بنو علي من بني عوف بن سُلَيم:
стр. 3780
١ - إن ابن سعيد الأندلسي (ت ٦٨٠ هـ) قال في حديثه عن بني زغب من بني سُلَيم (سألت عنهم بين الحرمين فلم أجد منهم إلا قليلا في جوار بني علي وغيرهم وعددهم بالمغرب) ["نشوة الطرب" ٢/ ٥٢٣] وهل يكونون في جوار غير جوار قومهم، وهم يملأون ما بين مكة المكرمة والمدينة، وبنو حرب آنذاك لم تصل ديارهم إلى منطقة المدينة حيث الديار الأصلية لبني علي مما يوضح دخولهم فيهم في مرحلة لاحقة.
٢ - إن المنطقة ما بين الحرمين مكة المكرمة والمدينة المنورة كان يقطنها ويستوطنها بنو سُلَيْم، قال ابن ماكولا (ت ٤٧٥ هـ) في ذكر زغب من بني سُلَيْم: (هم خلق كثير بين مكة والمدينة) [نشوة الطرب ٢/ ٥٢٣] وكانت لهم سيطرة على درب الحاج ولطالما آذوا الحجاج، ومن أخبارهم الدالة على ذلك ما أورده ابن الأثير في حوادث سنة ٥٤٥ هـ حيث قال: (في هذه السنة رابع عشر المحرم خرج العرب زغب ومن انضم إليها على الحجاج بالغرابي بين مكة والمدينة فأخذوهم ولم يسلم منهم إلا القليل) [الكامل في التاريخ ٩/ ٢٧] وأورد في حوادث سنة ٥٩٠ هـ خبرا آخر عنهم فقال: (وفيها في جمادي الآخرة اجتمعت زغب وغيرها من العرب وقصدوا مدينة النبي ﷺ فخرج إليهم هاشم بن قاسم أخو أمير المدينة فقاتلهم فَقُتِل هاشم، ولأن أمير المدينة قد توجه إلى الشام فلهذا طمعت العرب فيه) [الكامل في التاريخ ٩/ ٢٣١]، وهذا يكشف لنا أن بني سُلَيْم كان لهم وجود قوي جدا فيما بين الحرمين ومنطقة المدينة المنورة، وحينما سأل ابن سعيد عن زغب وجدهم في جوار بني علي بين الحرمين، وديار بني علي الأصلية هي المدينة المنورة وما حولها [نسب حرب ٥٥، ١٠٢] ووجودهم في هذه النواحي أقدم من وجود حرب الذين دخلوا هذه النواحي بعد جلاء بني لام وعَنَزة نحو بلاد نجد وغيرها، وقد كانت هذه القبائل مع بني سُلَيْم تسيطر على منطقة المدينة وما حولها حتى القرن العاشر، كما ذكره الجزيري منذ عهد مبكر جدا، فقد ذكر الهمداني
стр. 3781
قبائل بني سُلَيْم وعَنَزة ومُزينة يقطنون نواحي المدينة، ويبدو أن قسما من بني علي انساح شرقًا نحو بلاد نجد في أول القرن الحادي عشر أو قبله، حيث ورد لهم خبر سنة ١٠٦٣ هـ في نجد. قال ابن بشر: (في سنة ثلاث وستين وألف كانت وقعة بين الشبول وأهل بلد (التُّويم) المعروف في سدير، قتل من أهم التويم عدد كثير) ["عنوان المجد" ٤٠٢] والشبول هؤلاء فرع من الكتّمة من بني علي، ومن المعلوم أن بني حرب آنذاك لم يكونوا - حسب المعلومات المتوافرة - قد انساحوا نحو بلاد نجد، ويذكرنا اسم الشبول هؤلاء بالشبلة من فروع لبيد من بني سُلَيْم ["نهاية الأرب" ١٣٩] وبشبل وواحدهم شبلي وهم من بني ربيعة بن زغب بن مالك بن خفاف بن امرئ القيس ["التعليقات والنوادر" ١٧٨٩] لعلهم دخلوا في لبيد أي من كان ببلاد المغرب منهم، والشبلة، وبنو علي يجتمعون في امرئ القيس بن بهثة بن سُلَيم، كما نجد أن من فروع بني علي الجحوش وواحدهم جحشي ["نسب حرب" ٥٥] وهذا يذكرنا بفرع سلمي قديم وهو بنو جحش وواحدهم جحشي وهم بنو جحش بن كعب بن عميرة بن خفاف ["التعليقات والنوادر" حاشية ٦٩٤، ١٩٦٥] وهو خفاف بن امرئ القيس أي أنه أخو عوف جد بني علي.
قلت: ولم يتسنَّ لبني حرب السيطرة على منطقة المدينة المنورة حيث ديار بني علي إلا بعد جلاء عَنزة الذين سبقت الإشارة إلى وجودهم القوي بمنطقة المدينة المنورة وما حولها وجلاء بني لام إحدى أقوى قبائل طيئ، قال ابن سعيد الأندلسي (ت ٦٨٠ هـ) في ذكر بني لام: (مساكنهم المدينة النبوية وما حولها) ["صبح الأعشى" ١/ ٣٢٤] وقال ابن سعيد: (ينزلون في أكثر أوقاتهم مدينة يثرب) ["نهاية الأرب" ٤٤٨] ومن أخبارهم القديمة المتعلقة بالمدينة خبر يعود لسنة ٦٠١ هـ حيث ناصروا أمير المدينة المنورة سالم بن قاسم ضد أمير مكة المكرمة أبو عزيز قتادة بن إدريس في وقعة المصارع ببدر، حيث كان لهم الفضل في انتصار أمير المدينة، وهزيمة أمير مكة ["تاريخ ابن خلدون" ٤/ ١٣١] وبهذا - إضافة إلى ما سبق - يتضح لنا أن سيطرة بني حرب على منطقة المدينة والمنطقة
стр. 3782
الممتدة جنوبها حوالي درب الحاج نحو مكة لم تتمَّ إلا في عهود متأخرة جدًّا حيث امتدوا جنوبا نحو مكة وشرقا نحو نجد فدخلت فيهم بطون كثيرة من أهل الديار التي سيطروا عليها، ومن هذه البطون بنو علي الذين ذكرهم ابن سعيد الأندلسي في القرن السابع للهجرة أي قبل سيطرة بني حرب على منطقة المدينة بقرون عديدة.
ويبقى أن نشير إلى تصحيف وقع فيه ابن خلدون ونقله عنه عمر رضا كحالة وهو أن علي بن مالك بطن من سُلَيْم ["معجم قبائل العرب" ٢/ ٨١١] وقال ابن خلدون: (من بني سُليم أيضًا: بنو علي بن مالك بن امرئ القيس بن بهثة وبنو عصية بن خفاف بن امرئ القيس وهما اللذان لعنهما رسول الله ﷺ أهل بئر معونة وقتلهم إياهم) - كذا -[" تاريخ ابن خلدون" ٢/ ٥٣٤] قلت: صواب علي بن مالك (رعل بن مالك) وهم بطن مشهور من بني سُلَيْم وهم الذين دعا عليهم النبي ﷺ كما ذكره علماء السيرة والمؤرخون وعلماء الأنساب.
(١٧) بنو عوف: بنو عوف هم أحد أقسام مسروح من حرب ["نسب حرب" ٤٨] ومن فروعهم:
أ - الصواعد: ومنهم البركات ومن هؤلاء بركات بلي الذين سبق الحديث عنهم وقد عدّهم الجزيري من الأحامدة، وهؤلاء من فروع بني عوف كما مر بيانه، ومن فروع الصواعد علَّاق وهم بنو علَّاق بن عوف كما سبق بيانه.
ب - النواصفة: ومنهم السُّحَمة، ومن هؤلاء سحمة بليِّ الذين سبق الحديث عنهم، وقد عدّهم الجزيري من الأحامدة، وهؤلاء من فروع بني عوف كما مر بيانه، وقد سبقت الإشارة إلى بطون عديدة من بني عوف احتفظت بأسمائها القديمة من بني عوف من سُلَيْم، وهذا يؤكد لنا أن بني عوف هم بنو عوف من بني سُلَيْم، ومما يؤكد ذلك أنهم يقيمون في ديارهم القديمة إلى يومنا هذا. قال البلادي: (ديار عوف تبدأ من منتصف (القاحة) فتمتد في الشمال الشرقي على الجلس الأعلى، ولهم هناك جبل (ورقان) وجبال (قدس) وأودية (ظلامة)
стр. 3783
و (المناشير) و (ملل) ومعظم (العقيق) إلى قرب (الحناكية) ["نسب حرب" ٤٨].
قال الأحيوي: جبال (قدس) التي تعرف بجبال عوف ونواحي (ورقان) و (النقيع) هي ديار قبيلة عوف السلمية القديمة، وقد مر بنا نص الهمداني أن بني مالك وبني الحارث كانوا يقطنون (قدس) و (الحرتين) و (النقيع) وبنو مالك فرع من عوف وهم بنو مالك بن عوف بن امرئ القيس بن بهثة بن سُلَيْم ["جمهرة النسب" ٣٩٥] ومن بطونهم.
١ - رِعْل بن مالك.
٢ - مطرود بن مالك.
٣ - قنفذ بن مالك.
٤ - نشبة بن مالك ["جمهرة النسب" ٤٠١] وهي بطون غير خاملة الذكر، منذ عهد النبي ﷺ ، والقول بأن بني عوف هؤلاء هم بنو عوف من حرب كما ذكره البلادي قول غير صحيح، فلا وجود لبني عوف الحربيين بفروعهم الثلاثة علي ومسروح ومسعود ببلاد الحجاز، فقد عادوا مع العائدين إلى بلادهم بصعدة، أما أن يقال: إن عوف بني حرب احتلت بلاد سميتها عوف سُلَيم واستوطنت ديارها دون غيرها من فروع سُلَيْم فإنه قول يثير الضحك والسخرية، فوجود عوف في ديارها القديمة، واحتفاظ بعض فروعها بأسمائها القديمة ليس مجرد تصادف عجيب، وقد مر بنا الحديث عن كثير من البطون التي تعود بأصلها لبني عوف من سُلَيْم مما يؤكد نسب هذا الفرع وأنه هو فرع بني عوف سُلَيم، دخل فيما بعد في حرب.
(١٨) القردان: عد الجزيري القردان: وسماهم القردانيات من بدنات الأحامدة، وهم اليوم من فروع وابصة من خزام من بلي، وهم شيوخ وابصة ["معجم قبائل الحجاز" ٤١٦] وهنا نذكر بأن وابصة من بدنات الأحامدة، كما ذكره الجزيري، ونشير إلى أن خزام تشمل عدا وابصة: المواهيب والفواضلة
стр. 3784
["معجم قبائل الحجاز" ١٤٠] والمواهيب من بدناتِ الأحامدة كما ذكره الجزيري، أما الفواضلة فمنهم السلايطة الذين يسمون العِرقَاة، وهي سمة الأحامدة، كما مر، مما يؤكد أن صلة الفواضلة بالمواهيب ووابصة قائمة على أساس وحدة النسب.
(١٩) الكحلة: الكحلة فرع من بني عمرو من المطالحة، من ميمون من بني سالم من حرب، قال البلادي: (الكحلة والنسبة إليهم كُحيلي، وأصلهم من عوف، فحالفوا المطالحة) ["نسب حرب" ٨٥].
قال الأحيوي: اسم الكحلة هؤلاء يذكرنا بالكحلة من فروع الأحامدة الذين ذكرهم الجزيري، والأحامدة من بني عوف، فلعل كحلة الأحامدة عادوا إلى بلاد قومهم عوف، ثم حالفوا المطالحة، أو أنهم قسم تخلف منهم في قومهم من بني عوف.
(٢٠) ولد محمد: ولد محمد فرع من ميمون من بني سالم من بني حرب، قال البلادي: (ديار ولد محمد تتركز حول (إضم) (وادي الحمض) ["معجم قبائل الحجاز" ٤٧٠] وذكر أن قسما منهم يقطن: (في السفوح الغربية لجبل الفِقرة) ["نسب حرب" ٨٢] يجاورون إخوتهم الأحامدة، قلتُ: ووادي الحمض مما شملته ديار بني سُلَيْم قديما، فقد امتدوا قديما نحو وادي القُرى إلى خيبر ["صفة جزيرة العرب" ٢٤٥، "نهاية الأرب" ٢٩٥، "تاريخ ابن خلدون" ٢/ ٣٥٥] وقد امتدوا نحو (العلا)، ومما يجعلنا نؤكد امتداد ديارهم شمالا أننا نجد بطونا سُلمية الأصل استوطنت هذه النواحي، ومن هذه البطون بنو صخر وهم من الأحامدة من بني سُليم، قال فردريك ج بيك: (كان بنو صخر يقطنون (العلا) في الحجاز، وبالتدريج هجروا بلادهم ونزلوا في البلقاء) ["تاريخ شرقي الأردن" ١٦٨] وقال: (أول من انفصل عن حرب من بني صخر الكعابنة، وكان الاسم بنو صخر يطلق عليهم فقط، وبعد انفصالهم هاجروا من الحجاز صوب الشمال، ونزلوا في (العلا) حيث لم يزل يوجد كثير من حدائق النخيل تحمل أسماء بعض بطونهم وعائلاتهم وقد مكثوا في (العلا)
стр. 3785
قرابة المئة عام أثناءها التحق بهم الطوقة الذين انفصلوا عن حرب بعد هجرة الكعابنة بقليل، ولما كانوا في (العلا) أي حوالي عام ١٦٤٠ م (١٠٥٠ هـ) اصطدموا وعشائر الظفير، بقيادة ابن سُوَيط، واضطروها إلى الهجرة من شرقي الأردن إلى جنوب العراق بطريق الجوف) [تاريخ شرقي الأردن وقبائلها" ٢١٥] وأضاف يقول: (لا تزال بساتين النخيل بجوار العلا تدعى بأسماء بعض بطون بني صخر)، ["تاريخ شرقي الأردن وقبائلها" حاشية ١٦٨، قال الأحيوي: نزول بني صخر بمنطقة (العلا) أقدم مما ذكره فردريك ج بيك بعدة قرون، فقد ذكرهم ابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩ هـ) في منطقة العلا حيث التقى بأحدهم قال ابن حجر العسقلاني: (غانم بن عبيد الصخري من بادية الشام)، قال ابن فضل الله العمري: رأيته في طريق الحج الشامي بالقرب من العلا سنة ٧٢٣ وهو شاب كما انفكَّ من غمده وأول ما برز كريم بنده، قد علا شرفا، وتلثم بعمامة مد منها طرفا فأنشدني من شعره قصيدة:
خف الله في صبِّ أُصيب بنظرة … فؤاد له أعشاره لا تشعب
وإني بالحي الخلوف لمؤلع … وإن لم يكن في الحي أهل ومرحب
["الدرر الكامنة" ٣/ ٢١٧ - ٢١٨] ومما تجدر ملاحظته أن ديار بلي تمتد إلى (العلا) ولعل هذا يفسر لنا دخول الأحامدة واندماجهم مع بلي "أي إن وجودهم في ديار بليِّ منذ عهد مبكر جعلهم يدخلون في بلي حلفًا".
ويعود الحديث لولد محمد فهم مرتبطون بالنسب مع الأحامدة وهؤلاء من بني سُلَيْم. قال البلادي في ذكر ولد محمد: (إنهم يلون الأحامدة دون سواهم لاتصالهم في النسب) ["نسب حرب" ٨٢] وعندي أنهم بطن من الأحامدة من بني عوف من سُلَيْم وقد مر بنا عن الأحامدة: بنو أحمد بن نُمير بن حكيم بن حصن بن علَّاق بن عوف بن امرئ القيس بن بُهثة بن سُلَيْم أن من بطونهم: بنو محمد، وهذا يفسر لنا ارتباطهم واتصالهم في النسب مع الأحامدة، ومما يزيد هذا تأكيدا وإيضاحا أن قسما من ولد محمد هم في عداد بني صخر من