← Ансаб

Ансаб · id 897

موسوعة القبائل العربية

محمد سليمان الطيب

Полный текст (10 849 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

قبائل بني سُلَيْم وعَنَزة ومُزينة يقطنون نواحي المدينة، ويبدو أن قسما من بني علي انساح شرقًا نحو بلاد نجد في أول القرن الحادي عشر أو قبله، حيث ورد لهم خبر سنة ١٠٦٣ هـ في نجد. قال ابن بشر: (في سنة ثلاث وستين وألف كانت وقعة بين الشبول وأهل بلد (التُّويم) المعروف في سدير، قتل من أهم التويم عدد كثير) ["عنوان المجد" ٤٠٢] والشبول هؤلاء فرع من الكتّمة من بني علي، ومن المعلوم أن بني حرب آنذاك لم يكونوا - حسب المعلومات المتوافرة - قد انساحوا نحو بلاد نجد، ويذكرنا اسم الشبول هؤلاء بالشبلة من فروع لبيد من بني سُلَيْم ["نهاية الأرب" ١٣٩] وبشبل وواحدهم شبلي وهم من بني ربيعة بن زغب بن مالك بن خفاف بن امرئ القيس ["التعليقات والنوادر" ١٧٨٩] لعلهم دخلوا في لبيد أي من كان ببلاد المغرب منهم، والشبلة، وبنو علي يجتمعون في امرئ القيس بن بهثة بن سُلَيم، كما نجد أن من فروع بني علي الجحوش وواحدهم جحشي ["نسب حرب" ٥٥] وهذا يذكرنا بفرع سلمي قديم وهو بنو جحش وواحدهم جحشي وهم بنو جحش بن كعب بن عميرة بن خفاف ["التعليقات والنوادر" حاشية ٦٩٤، ١٩٦٥] وهو خفاف بن امرئ القيس أي أنه أخو عوف جد بني علي. قلت: ولم يتسنَّ لبني حرب السيطرة على منطقة المدينة المنورة حيث ديار بني علي إلا بعد جلاء عَنزة الذين سبقت الإشارة إلى وجودهم القوي بمنطقة المدينة المنورة وما حولها وجلاء بني لام إحدى أقوى قبائل طيئ، قال ابن سعيد الأندلسي (ت ٦٨٠ هـ) في ذكر بني لام: (مساكنهم المدينة النبوية وما حولها) ["صبح الأعشى" ١/ ٣٢٤] وقال ابن سعيد: (ينزلون في أكثر أوقاتهم مدينة يثرب) ["نهاية الأرب" ٤٤٨] ومن أخبارهم القديمة المتعلقة بالمدينة خبر يعود لسنة ٦٠١ هـ حيث ناصروا أمير المدينة المنورة سالم بن قاسم ضد أمير مكة المكرمة أبو عزيز قتادة بن إدريس في وقعة المصارع ببدر، حيث كان لهم الفضل في انتصار أمير المدينة، وهزيمة أمير مكة ["تاريخ ابن خلدون" ٤/ ١٣١] وبهذا - إضافة إلى ما سبق - يتضح لنا أن سيطرة بني حرب على منطقة المدينة والمنطقة

стр. 3782

الممتدة جنوبها حوالي درب الحاج نحو مكة لم تتمَّ إلا في عهود متأخرة جدًّا حيث امتدوا جنوبا نحو مكة وشرقا نحو نجد فدخلت فيهم بطون كثيرة من أهل الديار التي سيطروا عليها، ومن هذه البطون بنو علي الذين ذكرهم ابن سعيد الأندلسي في القرن السابع للهجرة أي قبل سيطرة بني حرب على منطقة المدينة بقرون عديدة. ويبقى أن نشير إلى تصحيف وقع فيه ابن خلدون ونقله عنه عمر رضا كحالة وهو أن علي بن مالك بطن من سُلَيْم ["معجم قبائل العرب" ٢/ ٨١١] وقال ابن خلدون: (من بني سُليم أيضًا: بنو علي بن مالك بن امرئ القيس بن بهثة وبنو عصية بن خفاف بن امرئ القيس وهما اللذان لعنهما رسول الله ﷺ أهل بئر معونة وقتلهم إياهم) - كذا -[" تاريخ ابن خلدون" ٢/ ٥٣٤] قلت: صواب علي بن مالك (رعل بن مالك) وهم بطن مشهور من بني سُلَيْم وهم الذين دعا عليهم النبي ﷺ كما ذكره علماء السيرة والمؤرخون وعلماء الأنساب. (١٧) بنو عوف: بنو عوف هم أحد أقسام مسروح من حرب ["نسب حرب" ٤٨] ومن فروعهم: أ - الصواعد: ومنهم البركات ومن هؤلاء بركات بلي الذين سبق الحديث عنهم وقد عدّهم الجزيري من الأحامدة، وهؤلاء من فروع بني عوف كما مر بيانه، ومن فروع الصواعد علَّاق وهم بنو علَّاق بن عوف كما سبق بيانه. ب - النواصفة: ومنهم السُّحَمة، ومن هؤلاء سحمة بليِّ الذين سبق الحديث عنهم، وقد عدّهم الجزيري من الأحامدة، وهؤلاء من فروع بني عوف كما مر بيانه، وقد سبقت الإشارة إلى بطون عديدة من بني عوف احتفظت بأسمائها القديمة من بني عوف من سُلَيْم، وهذا يؤكد لنا أن بني عوف هم بنو عوف من بني سُلَيْم، ومما يؤكد ذلك أنهم يقيمون في ديارهم القديمة إلى يومنا هذا. قال البلادي: (ديار عوف تبدأ من منتصف (القاحة) فتمتد في الشمال الشرقي على الجلس الأعلى، ولهم هناك جبل (ورقان) وجبال (قدس) وأودية (ظلامة)

стр. 3783

و (المناشير) و (ملل) ومعظم (العقيق) إلى قرب (الحناكية) ["نسب حرب" ٤٨]. قال الأحيوي: جبال (قدس) التي تعرف بجبال عوف ونواحي (ورقان) و (النقيع) هي ديار قبيلة عوف السلمية القديمة، وقد مر بنا نص الهمداني أن بني مالك وبني الحارث كانوا يقطنون (قدس) و (الحرتين) و (النقيع) وبنو مالك فرع من عوف وهم بنو مالك بن عوف بن امرئ القيس بن بهثة بن سُلَيْم ["جمهرة النسب" ٣٩٥] ومن بطونهم. ١ - رِعْل بن مالك. ٢ - مطرود بن مالك. ٣ - قنفذ بن مالك. ٤ - نشبة بن مالك ["جمهرة النسب" ٤٠١] وهي بطون غير خاملة الذكر، منذ عهد النبي ﷺ ، والقول بأن بني عوف هؤلاء هم بنو عوف من حرب كما ذكره البلادي قول غير صحيح، فلا وجود لبني عوف الحربيين بفروعهم الثلاثة علي ومسروح ومسعود ببلاد الحجاز، فقد عادوا مع العائدين إلى بلادهم بصعدة، أما أن يقال: إن عوف بني حرب احتلت بلاد سميتها عوف سُلَيم واستوطنت ديارها دون غيرها من فروع سُلَيْم فإنه قول يثير الضحك والسخرية، فوجود عوف في ديارها القديمة، واحتفاظ بعض فروعها بأسمائها القديمة ليس مجرد تصادف عجيب، وقد مر بنا الحديث عن كثير من البطون التي تعود بأصلها لبني عوف من سُلَيْم مما يؤكد نسب هذا الفرع وأنه هو فرع بني عوف سُلَيم، دخل فيما بعد في حرب. (١٨) القردان: عد الجزيري القردان: وسماهم القردانيات من بدنات الأحامدة، وهم اليوم من فروع وابصة من خزام من بلي، وهم شيوخ وابصة ["معجم قبائل الحجاز" ٤١٦] وهنا نذكر بأن وابصة من بدنات الأحامدة، كما ذكره الجزيري، ونشير إلى أن خزام تشمل عدا وابصة: المواهيب والفواضلة

стр. 3784

["معجم قبائل الحجاز" ١٤٠] والمواهيب من بدناتِ الأحامدة كما ذكره الجزيري، أما الفواضلة فمنهم السلايطة الذين يسمون العِرقَاة، وهي سمة الأحامدة، كما مر، مما يؤكد أن صلة الفواضلة بالمواهيب ووابصة قائمة على أساس وحدة النسب. (١٩) الكحلة: الكحلة فرع من بني عمرو من المطالحة، من ميمون من بني سالم من حرب، قال البلادي: (الكحلة والنسبة إليهم كُحيلي، وأصلهم من عوف، فحالفوا المطالحة) ["نسب حرب" ٨٥]. قال الأحيوي: اسم الكحلة هؤلاء يذكرنا بالكحلة من فروع الأحامدة الذين ذكرهم الجزيري، والأحامدة من بني عوف، فلعل كحلة الأحامدة عادوا إلى بلاد قومهم عوف، ثم حالفوا المطالحة، أو أنهم قسم تخلف منهم في قومهم من بني عوف. (٢٠) ولد محمد: ولد محمد فرع من ميمون من بني سالم من بني حرب، قال البلادي: (ديار ولد محمد تتركز حول (إضم) (وادي الحمض) ["معجم قبائل الحجاز" ٤٧٠] وذكر أن قسما منهم يقطن: (في السفوح الغربية لجبل الفِقرة) ["نسب حرب" ٨٢] يجاورون إخوتهم الأحامدة، قلتُ: ووادي الحمض مما شملته ديار بني سُلَيْم قديما، فقد امتدوا قديما نحو وادي القُرى إلى خيبر ["صفة جزيرة العرب" ٢٤٥، "نهاية الأرب" ٢٩٥، "تاريخ ابن خلدون" ٢/ ٣٥٥] وقد امتدوا نحو (العلا)، ومما يجعلنا نؤكد امتداد ديارهم شمالا أننا نجد بطونا سُلمية الأصل استوطنت هذه النواحي، ومن هذه البطون بنو صخر وهم من الأحامدة من بني سُليم، قال فردريك ج بيك: (كان بنو صخر يقطنون (العلا) في الحجاز، وبالتدريج هجروا بلادهم ونزلوا في البلقاء) ["تاريخ شرقي الأردن" ١٦٨] وقال: (أول من انفصل عن حرب من بني صخر الكعابنة، وكان الاسم بنو صخر يطلق عليهم فقط، وبعد انفصالهم هاجروا من الحجاز صوب الشمال، ونزلوا في (العلا) حيث لم يزل يوجد كثير من حدائق النخيل تحمل أسماء بعض بطونهم وعائلاتهم وقد مكثوا في (العلا)

стр. 3785

قرابة المئة عام أثناءها التحق بهم الطوقة الذين انفصلوا عن حرب بعد هجرة الكعابنة بقليل، ولما كانوا في (العلا) أي حوالي عام ١٦٤٠ م (١٠٥٠ هـ) اصطدموا وعشائر الظفير، بقيادة ابن سُوَيط، واضطروها إلى الهجرة من شرقي الأردن إلى جنوب العراق بطريق الجوف) [تاريخ شرقي الأردن وقبائلها" ٢١٥] وأضاف يقول: (لا تزال بساتين النخيل بجوار العلا تدعى بأسماء بعض بطون بني صخر)، ["تاريخ شرقي الأردن وقبائلها" حاشية ١٦٨، قال الأحيوي: نزول بني صخر بمنطقة (العلا) أقدم مما ذكره فردريك ج بيك بعدة قرون، فقد ذكرهم ابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩ هـ) في منطقة العلا حيث التقى بأحدهم قال ابن حجر العسقلاني: (غانم بن عبيد الصخري من بادية الشام)، قال ابن فضل الله العمري: رأيته في طريق الحج الشامي بالقرب من العلا سنة ٧٢٣ وهو شاب كما انفكَّ من غمده وأول ما برز كريم بنده، قد علا شرفا، وتلثم بعمامة مد منها طرفا فأنشدني من شعره قصيدة: خف الله في صبِّ أُصيب بنظرة … فؤاد له أعشاره لا تشعب وإني بالحي الخلوف لمؤلع … وإن لم يكن في الحي أهل ومرحب ["الدرر الكامنة" ٣/ ٢١٧ - ٢١٨] ومما تجدر ملاحظته أن ديار بلي تمتد إلى (العلا) ولعل هذا يفسر لنا دخول الأحامدة واندماجهم مع بلي "أي إن وجودهم في ديار بليِّ منذ عهد مبكر جعلهم يدخلون في بلي حلفًا". ويعود الحديث لولد محمد فهم مرتبطون بالنسب مع الأحامدة وهؤلاء من بني سُلَيْم. قال البلادي في ذكر ولد محمد: (إنهم يلون الأحامدة دون سواهم لاتصالهم في النسب) ["نسب حرب" ٨٢] وعندي أنهم بطن من الأحامدة من بني عوف من سُلَيْم وقد مر بنا عن الأحامدة: بنو أحمد بن نُمير بن حكيم بن حصن بن علَّاق بن عوف بن امرئ القيس بن بُهثة بن سُلَيْم أن من بطونهم: بنو محمد، وهذا يفسر لنا ارتباطهم واتصالهم في النسب مع الأحامدة، ومما يزيد هذا تأكيدا وإيضاحا أن قسما من ولد محمد هم في عداد بني صخر من

стр. 3786

الأحامدة؛ ذلك أن بني صخر يتألفون من قسمين: أحدهما من بني صخر من الأحامدة وهم الطوقة والآخر من ولد محمد، وهم الكعابنة، أليس من محاسن الصدف العجيبة أن نجد أن البطون التي تنتسب إلى ولد محمد يَسِمُون سِمَةَ الأحامدة؛ ذلك أن الكعابنة الذين ينتسبون لولد محمد يسمون العرقاة وهي سمة الأحامدة كما مر، كما نجد أن عشائر خضير، وهم ينتسبون إلى ولد محمد من بني سالم ["العشائر الاردنية" ١/ ٤٧] يسمون سمة العرقاة أيضًا ["العشائر الأردنية" ١/ ٤٩] قلت: ولكل هذا نقول: إن ولد محمد فرع من الأحامدة من بني عوف من بني سُلَيم. (٢١) مَخْلد: بنو مخلد فرع من بليِّ عدَّهم الجزيري من فروع الأحامدة، ومن فروع مخلد اليوم: العرادات والبركات والسحمة وهي فروع لها جذور في بني حرب، كما سبق بيانه، وقد عدها الجزيري من فروع الأحامدة، وهؤلاء من بني سُلَيم دخلوا في بليِّ حلفًا. (٢٢) مسروح: قال عرّام بن الأصبغ السُّلمي من رجال القرن الثالث للهجرة في ذكر (رهاط) و (الحديبية) ونواحيهما: (هؤلاء القريات لسعد وبني مسروح) وقال في ذكر خَيْف ذي القبر: (سكانه بنو مسروح وسعد وكنانة) ["أسماء جبال تهامة وسكانها" - نوادر المخطوطات ٢/ ٤١٠، ٤١٤]. وفي ذكر مسروح هؤلاء قال البلادي: (يتردد اسم بني مسروح في رسالة عرَّام ولم ينسبهم وأعتقد أنهم مسروح حرب، الذين منهم مُعبَّد، سكان بعض (رهاط) اليوم) ["معجم معالم الحجاز": رهاط ٤/ حاشية ١٠٧] قال الأحيوي: مسروح هؤلاء لا علاقة لهم ببني حرب، ذلك أن بني حرب لم يصلوا إلى تلك الديار في ذلك الوقت، وعندي أنهم فرع من بني سُلَيم؛ لبيان سيأتي إيراده، فقد كان بنو سُلَيم يقطنون هذه النواحي، ومن ديارهم حرّة بني سُلَيم التي امتدَّت من نخلة الشامية وذات عرق ورهاط حتى المدينة المنورة ["معجم الحجاز" ٢/ ٢٦٧، ٢٧١] ومن فروعهم في هذه الأنحاء بنو شيبان، الذين كانوا سدنة العزى بـ (حراض) من وادي نخلة، وفي يومنا هذا نجد مسروحا قد

стр. 3787

أضحت منذ زمن بعيد أحد قسمي بني حرب، وقد جعلهم البلادي بني مسروح بن عوف بن مسعود بن عوف من خط عامر بن حرب ["نسب حرب" ٤١، ٣١] وقال: (مسروح اليوم بطن كبير، دخلت فيه عوف وبنو علي وبنو السَّفر) ["نسب حرب ٣١] قلت: والذي ذكره الهمداني وهو مصدر البلادي أن بني عوف ثلاثة وهم: مسروح بن عوف، وعلي بن عوف، ومسعود بن عوف ["الإكليل" ١/ ٣٩٦] وليس كما ذكره البلادي الذي جعل مسعودًا جدا لمسروح والصحيح أنه أخوه. قال الأحيوي: وقد اختفت هذه الفروع فلم يعد لها وجود ببلاد الحجاز، فقد عادت مع العائدين حينما عاد بنو حرب إلى بلادهم بنواحي (صعدة)، وعندي أن مسروحا التي في حرب فرع من بني سُلَيْم؛ وذلك أننا إذا تأملنا مسروحا وفروعها نجد أنها تنقسم إلى الفروع التالية: ١ - بنو السفر بن الخيار بن زياد بن سليمان من سلالة زياد بن سلمان بن الفاحش بن حرب، وهم ليسوا من مسروح الذي ينحدر نسبه من سلالة عامر بن حرب. ٢ - بنو زُبيد بن الخيار بن زياد بن سليمان، من سلالة زياد بن سلمان بن الفاحش بن حرب، وهم ليسوا من مسروح أيضًا. ٣ - بنو عمرو بن زياد بن سليمان، من سلالة زياد بن سلمان بن الفاحش بن حرب، وهم أيضًا ليسوا من مسروح. ٤ - بنو عوف، وهم أيضًا ليسوا من مسروح، وقد جعلهم البلادي بني عوف بن مسعود بن عوف ["نسب حرب" ٤٨] والصحيح الذي أورده الهمداني عوف ولم يزد على ذلك سوى قوله إنهم من بني عامر بن حرب ["الإكليل" ١/ ٣٩٦] وهم على أي حال إذا ما افترضنا جدلا أنهم عوف حرب الذين ذكرهم الهمداني فإنهم ليسوا من مسروح، بل هم أصل مسروح، فكيف وقد أثبتنا بما لا يدع مجالا للشك بأنهم من بني سُليم؟

стр. 3788

٥ - بنو علي، وهم كذلك ليسوا من مسروح، حتى لو افترضنا جدلا أنهم بنو علي بن عوف الذين ذكرهم الهمداني، ذلك أنهم إخوة مسروح بن عوف، فكيف وقد أثبتنا أنهم من بني سُلَيْم؟ وقد أعرب البلادي وأبعد النَّجعة حين قال في نسب مسروح: (في شجرة حرب: مسروح بن عوف بن مسعود بن عوف بن الفياض بن حرب بن سعد بن خولان) ["معجم قبائل الحجاز" ٤٨٨] فما ذكره لا أصل له؛ ذلك أن مسروحا هم مسروح بن عوف من بني عامر بن حرب كما ذكره الهمداني وسبق بيانه. قال الأحيوي: وعليه فإنه إذا ما سلمنا جدلًا بأن هذه الفروع الخمسة جميعها من حرب نسبا فإنها على أي حال لا تنحدر من سلالة مسروح كما بيناه آنفا فأين من مسروح بني حرب؟ وكيف دخل بنو حرب تحت مسمى مسروح؟ لاسيما وقد بينا فيما سبق من هذا البحث أن بني حرب - وهم بنو زياد بن سليمان الحربي - هم الذين بقوا في بلاد الحجاز في حين عادت القبيلة إلى ديارها، ومن هؤلاء العائدين بعض بني زياد كزبيد والسَّفر. وما دام أن مسروحا ليسوا مسروح بني حرب فيبقي أنهم مسروح الذين ذكرهم عرَّام بن الأصبغ السلمي، ولأنه لم يبق من فروع مسروح إلا فرعان وهما بنو عوف وبنو علي، وهما من بني سُلَيم فإننا نقول: إن مسروحا لقب لبعض فروع سُلَيم كبني عوف بل بعضهم وبعض الفروع الأخرى من بني سُلَيْم، ولعل مسروحا اسم موضع استوطنته بعض فروع بني سُلَيْم فعرفت به، وهذا ليس غريبًا على قبائل العرب، ولعل مما يشجع على هذا أننا نجد موضعا بنواحي ديار بني سُلَيْم يحمل هذا الاسم. قال ياقوت الحموي: مسروح: في شعر الفضل بن العباس اللهبي من خط اليزيدي قال: وقلن لحرّ اليوم لما وَجَدنَة … بمسرُوح وادٍ ذي أراك وتنضُب كما كَنَستْ عينُ بوجْزَةَ لم تخف … قنيصًا ولم تَفَزَعْ لصوتِ المكلِّب

стр. 3789

["معجم البلدان": مسروح] وقال البكري: (مسروح: موضع فوق (سويقة) القرية التي لآل على بن أبي طالب المحددة في موضعها. قال نصيب: نَعَمْ وبدّي المسروح فوق سُويقة … منازل قد أقوَين من أم مَعْبدٍ [معجم ما استعجم: مسروح] قلت: وسويقة موضع بوادي خزرة وفوقها مسروح. قال البلادي: في ذكر سويقة: (مكان من وادي حرزة جنوب غرب المدينة على ٥١ كيلا) [معجم معالم الحجاز ٤/ ٢٥٥] ومن المعلوم أن بني سُلَيْم انتشروا فيما حول المدينة، وما بين الحرمين، فشملت ديارهم ديار بعض البطون الصغيرة والقبائل الصديقة أو تلك التي لا تشكل خطرا عليهم، ومن ذلك أننا نجد بني جابر وبُشر ومُعبَّد من فروع مسروح قد انتشرت في ديار لم تكن لبني سُلَيْم، كما مر بيانه في الحديث عن بشر وبني جابر. ومن كل ما سبق يتبين لنا أن بني حرب دخلوا تحت مسمى مسروح، ثم أخذ اسم بني حرب يطغى على اسم مسروح وأسماء من حالفهم، ومن هنا نشأ الوهم بأن مسروحا هم مسروح بن عوف بن من بني عامر بن حرب. (٢٣) مُعَبَّد: مُعَبَّد فرع من بني عبد الله من بني عمرو، ومن مسروح من حرب، وهم من فروع مسروح التي استوطنت وادي (غران) منذ عهد مُتقدم جدا، فقد ورد ذكر مسروح في (رهاط) وهو أعلى وادي (غران). قال البلادي في ذكر مُعَبَّد: (ديارهم وادي (غران) وما سال فيه ومنهم في (الخشاش) بين جدة وعسفان: وتشمل ديارهم (وادي الهدة) وروافده الشمالية) ["نسب حرب" ٦٧] وقال في ذكر وادي (غُران) من ديار مُعَبَّد: (وادٍ فحل من أودية الحجاز، يسيل من حرة الحجاز فيتَّجه غربا مارًّا بـ (رهاط) و (البرزة) و (أم الجرم) قال: (فيمر شمال (عسفان) فيدفع في (أمج) عند الدِّف، بسفح (جُمدان) من الشرق ["نسب حرب" ٣٢١] ووجود مُعبَّد بهذه الديار وجود قديم. قال القلقشندي (ت ٨٢١ هـ): (البرزة وهي واد بالقرب من عسفان على مرحلتين من مكة به أربعة عشر نهرا على كل نهر قرية، وهي الآن بيد بني سلول

стр. 3790

وبني مُعبَّد) [صبح الأعشى ٤/ ٢٦٠] والبرزة قرية في وادي (غُران) لمعبَّد، وقد دخلوا في بني حرب التي امتدت ديارهم إلى هذه الأنحاء في القرن التاسع للهجرة، ونلاحظ هنا أنهم فرع من بني عبد الله الذين سبق الحديث عنهم وأنهم فرع من بني سُلَيْم. قال الأحيوي: ويتضح لنا مما سبق أن مُعبَّدًا فرع قديم من مسروح استوطنوا وادي (غُران) مع قومهم مسروح، منذ عهد مبكر جدا، وهذا دليل آخر على أن بني مسروح اليوم غير مسروح بني حرب، وقد مرت بنا بعض فروع مسروح التي استوطنت وادي (غُران) و (عُسفان) ونواحي (مر الظهران) ونواحي (بحْرة) بين مكة المكرمة وجدة، مثل بشر وبني جابر وكان تواجدهم بهذه الديار كما بيناه في مواضعه قبل امتداد بني حرب إلى تلك الديار. (٢٤) المواهيب: المواهيب فرع من خُزام من بليٍّ ["معجم قبائل الحجاز" ٥١٦] قلت: عدَّهم الجزيري من فروع الأحامدة، ونلاحظ أن خزاما التي تشمل المواهيب تشمل وابصة، وهؤلاء عدّهم الجزيري من فروع الأحامدة - كما تشمل الفواضلة، ومن هؤلاء السلايطة الذين لا يزالون يسمون سمة الأحامدة، كما مر بيانه، ويتضح من هذا كله أنهم من فروع بني سُلَيم القديمة. (٢٥) وابصة: وابصة فرع من خزام من بليٍّ عدهم الجزيري من فروع الأحامدة، ومن فروع خزام المواهيب، وهم من فروع الأحامدة التي ذكرها الجزيري، والفواضلة ومن هؤلاء السلايطة، الذين يسمون سمة الأحامدة، ومن فروع وابصة القردان، وفيهم شياخة وابصة، ذكرهم الجزيري من فروع الأحامدة وسماهم القردانيات. ملاحظات أخيرة: ربط البلادي بعض أسماء فروع بني حرب اليوم بأسماء وردت في نص الهمداني عن بني حرب، ومن ذلك قوله في ذكر ذؤيب من ولد سباق بن الفاحش بن حرب: (يقال لذريته الآن الذُّوبة من بني عمرو) ["نسب حرب" ٢٧] قلت: صواب عمرو بن حرب: عمرو من حرب.

стр. 3791

قال الأحيوي: وما ذكره البلادي ليس صحيحا ذلك أن بني ذُؤيب المذكورين قد اشتهروا باسم حظي، كما ذكره الهمداني، وقد جعل البلادي ولد زياد بن سلمان بن الفاحش بن حرب هم الزيادات، وقال في ذكر زياد بن سلمان: (يقال اليوم لبعض نسله الزيادات من البلادية منهم المؤلف) ["نسب حرب" ٢٧] وقال في ذكر الزيادات: (هم بنو زياد بن سلمان بن الفاحش بن حرب والله أعلم) ["نسب حرب" ٧٠] قلت: لا بد من التفريق بين زياد بن سلمان وزياد بن سليمان فبينهما أسماء كثير كما مر بيانه، وأبناء زياد بن سليمان لم يعرفوا بالزيادات فلم يذكر الهمداني الزيادات هؤلاء، وإن كان قد ذكر بطونا انحدرت من زياد هذا، وإذا أجزنا هذه التسمية فإن كل بني زياد بن سليمان زيادات، وهم بنو الخيار بن زياد بفروعهم، وبنو عمرو بن زياد، وربط البلادي بين الزيادات من البلادية من بني عبد الله من عمرو وبين زياد جد البطون الآنفة الذكر هو ربط لا دليل عليه، وقد جعل البلادي بني عبد الله من عمرو، هم بنو عبد الله بن عمرو، أحد قسمي بني عمرو، فقال في ذكر عبد الله بن عمرو بن زياد: (يقال لنسله اليوم ولد عبد الله أحد قسمي بني عمر من حرب) ["نسب حرب" ٢٨] قلت: لم يذكر الهمداني من بطون بني عمرو: بني عبد الله إنما ذكر من بطونهم بني الحارث بن عبد الله بن عمرو، ووجود اسم عبد الله لا يعني أنه جد لبطن من بني عمرو، وذلك أن الهمداني لم يذكر له أبناء غير الحارث، وهو جد بطن من بني عمرو، ومن هُنا فإن الربط بين بني عبد الله من بطون بني عمرو، وبين عبد الله بن عمرو بن زياد ربط لا دليل عليه، ومما يلفت النظر أن بني الحارث من بطون بني عمرو وهم بنو الحارث بن عبد الله بن عمرو ليست لهم بقية مما يعني عودتهم إلى بلادهم مع العائدين من بني حرب، قال البلادي في ذكر بني الحارث: (لا ينسب إليه اليوم أحد من بني حرب، ويقال: إن بني الحارث في بني عبد الله من مُطير هم هؤلاء، بل يقال إنَّ كل بني عبد الله من حرب) ["نسب حرب" ٢٨] قلت: وما يقال في بني الحارث وبني عبد الله عامة من مُطير هو مجرد قيل لا دليل عليه. ويبقى من بطون بني عمرو بنو

стр. 3792

ميمون بن المسافر بن عمرو، قال البلادي في ذكرهم: (بنو ميمون هذا دخلوا في بني سالم، وهو اليوم أحد قسميها) ["نسب حرب" ٢٨] يعني حربا، ولا أدري ما الذي دفع بني ميمون هذا للخروج من دائرة أقربائهم في النسب والدخول في تجمُّع آخر، لا يربطهم بهم أي نسب، ذلك أن قبائل ميمون - أهمُّها - ليس من بني حرب، فالأحامدة وولد محمد يجمعهم نسب واحد وهم من بني سُلَيْم وولد علاء من ولد محمد، وبنو صبح ليسوا من بني حرب إنما دخلوا فيهم حلفا قبل نحو قرنين، فقد ذكر ابن عبد السلام الدرعي في رحلته للحج سنة ١١٩٦ هـ نقلا عن أبي سالم العياشي الذي حج قبله بقرن في القرن الحادي عشر في ذكر بدر: (أهلها محظوظون آمنون مطمئنون، مع سوء أخلاق عرب صبح المجاورون لهم) ["ملخص رحلتي ابن عبد السلام الدرعي" ٩٥] وقال الدرعي عن محدثه عبد الله بن أحمد: (حدثني أن سكان القرية من قبيلة صبح وهو خلاف ظاهر قول الشيخ أبي سالم، وقيل: وأهلها محظوظون آمنون مع سوء أخلاق عرب صبح المجاورون لهم، اللهم إلا أن يقال: إن أعراب صبح تغلبوا بعد ذلك على القرية فسكنوها مع بقاء ضعفاء من أهلها والله أعلم، فقال الرجل المذكور: قبيلة صبح تقْرب من ألفي رجل وهي دائرة بجبال (بدر) تسكن الخيام وجدهم وائل بن بدر الصحابي، هم حلفاء حرب الآن، بعد أن قامت بينهم نائرة فأجلوهم عن ديارهم إلى ينبع، وخربوا قريتهم هذه، ثم إن الله تعالى ردَّهم لمقرّهم فدخلوا في حلفهم إلى الآن) ["ملخص رحلتي ابن عبد السلام الدرعي" ٩٨] وفي ذكر ديار صبح هؤلاء قال البلادي: (ديارهم جلُّ وادي (العرج) وروافده وجبل (ثافل الأكبر) الذي صار يسمى جبل صبُح، وجبل (فعرَى) ووادي (يليل) عند (بدر) ولهم قسم كبير من الساحل غرب بدر) ["نسب حرب" ٨٧٠٨٦] قال الأحيوي: وهذا يكشف لنا أن هذه القبيلة بديارها الممتدة لم تدخل في حرب إلا في القرن الثاني عشر، وبهذا يتضح لنا أن بني حرب لم يسيطروا على كامل منطقة غرب المدينة، والمنطقة الممتدة نحو مكة المكرمة كما صوره لنا الهمداني، وتوهمه بعض الباحثين.

стр. 3793

ونعود للحديث عن فروع ميمون فنجد أن الحيادرة ليسوا من ميمون فهم ينتسبون إلى الهاشميين ["نسب حرب" ٨٩] والروثان من روثة الخيارية من بني عمرو ["نسب حرب" ٧٨، ٨٩] وبنو يحيى الذين يسكنون بين وادي (الصفراء) و (ينبع النخل) ["معجم قبائل الحجاز" ٥٧٤] يحتمل أن يكونوا من بني سُليم، فمن بطون بني سُلَيم بنو يحيى، وهم بطن من بني مرداس، وهم بنو يحيى بن فالح بن يزيد بن مرداس بن أبي عامر بن جارية بن عبد بن عبس بن رفاعة بن الحارث بن بُهثة بن سُلَيم) ["التعليقات والنوادر" ٦٢٧، ٧٣١، ١٩٠٦] ويخال لي أن بني ميمون هؤلاء من بني سُلَيْم ثم دخلت فيهم بطون حلفًا لهم، أما بنو ميمون بن المسافر بن عمرو فأغلب الظن أنهم عادوا مع قومهم إلى بلادهم بصعدة، وقال البلادي في ذكر جعفر بن محمود شيخ بني حرب: (ذريته اليوم الجعافرة من جهم من بني عمرو) ["نسب حرب" ٢٩] إلا أن الجعافرة لا يقولون ذلك ولا يقرون به، فهم ينتسبون إلى بني هاشم. قال البلادي في ذكرهم: (يدَّعون أنهم هاشميون، فإن صح ذلك فهم بنو جعفر بن أبي طالب ﵁ ["نسب حرب" ٧٦] وقال في ذكر محمد بن محمود شيخ حرب: (محمد هذا يقال اليوم لنسله بنو محمد بن عمرو ومساكنهم (الخُريبة) (الأبواء) و (مستورة): ["نسب حرب" ٣٠] قلت: قوله محمد بن عمرو لا يتفق مع قوله محمد بن محمود، والغريب في الأمر أن نجد بني محمد من فروع بني عبد الله لا من فروع بني محمود، وعندي أن نسبة بني محمد إلى محمد بن محمود نسبة قائمة على تشابه الأسماء، فلا دليل للبلادي غير هذا التشابه على نسب بني محمد، والأغرب من هذا كله أنه من غير الثابت أن ولد محمود هم بنو محمود شيخ بني حرب، فالبلادي يقول في ذكره: (لعل ولد محمود هؤلاء منسوبون إلى محمود هذا). ["نسب حرب" ١٧٣] ونجد أن بطونهم الثلاثة ليست من بني حرب، وهي سُبيع وقد مرَّ القول فيهم، والعطور وهم من عنزة [نسب حرب ٧٨] والخيارية. قال البلادي: (يقال إنهم مخيَّرون في ولائهم يين ولد عبد الله وولد محمود) ["نسب حرب" ٧٨] ومن يدري فلربما لم يبق من بني حرب

стр. 3794

في الحجاز إلا بنو السفر وزبيد، فيما عاد البقية إلى بلادهم بصعدة، ذلك أننا لا نجد فرعا صريح النسب إلى حرب غير هؤلاء، وتبقى إشارة حول ميمون فإذا تأكد لدينا أن بطونهم الأصلية هي الأحامدة، وولد محمد، وولد علاء فإن بني ميمون تكون من فروع بني سُلَيْم القديمة، ومن بطون سُلَيْم اليوم بنو ميمون بطن يقطن وادي (ساية) وقد يكونون بقية ميمون الذين دخلوا في حرب، ومن يدري فقد تكون قبيلة ميمون في مُطير من بني سُلَيم أيضًا، ذلك أنهم يذكرون أن لهم صلة نسب بميمون بني سُلَيْم قال البلادي في ذكر بلدة (الحسو) الواقعة في الشرق الشمالي من (السُّويرقية) بلدة بني سُلَيْم قديما. قال: (سكان البلد: ميمون من بني عبد الله من مُطير، وبه زريعات بسيطة، وميمون في الحجاز ثلاث قبائل: ميمون هؤلاء وميمون قبيلة في بني سُليم بن منصور، وميمون قبيلة تُعدُّ ربع قبيلة حرب، وتقول ميمون مُطير: إن ميمون سُلَيْم منهم، ويأتون على هذا بأشعار ودلائل، أما ميمون حرب فهو فرع قديم في حرب من القرن الأول الهجري، وهذه الميمونات الثلاث مُتجاورة في الحجاز، مما يدعو إلى الاعتقاد أن أصلها واحد) ["على ربى نجد" ٧١]. قال الأحيوي: ميمون حرب لا وجود لهم بالحجاز، بل عموم بني عمرو بن زياد بن سليمان كما ألمحنا إليه خلال هذا البحث، وعلى هذا تكون إشارة البلادي عن وحدة قبائل ميمون الثلاث إشارة لها نصيب كبير من الحقيقة، وقد تكون ميمون مُطير من بني سُلَيْم، ولعل مما يشجع هذا أن بني عبد الله من مُطير تحتل اليوم جزءا من ديار بني سُلَيم القديمة فلربما أدَّى ذلك إلى دخول ميمون الذين في سُليم في بني عبد الله، وإذا ما علمنا أن ميمونا فرع سُلَّمِيُّ وأن أهم قبائل ميمون في بني حرب هي من بني سُلَيِّم فإن ذلك يؤكد أن بني ميمون في مُطير من بني سُلَيْم لا سيما وأنهم يؤكدون صلتهم بميمون بني سُلَيْم، ولعل بعض الباحثين يقوم بتحقيق هذا الأمر لمعرفة الصلات بين الميمونات الثلاث، وقبل أن ننهي هذا البحث نؤكد مرة أخرى أن بني حرب قد عادوا إلى بلادهم في (صَعَدَةَ) ديار قومهم خولان، وقد ذكر ابن رسول الغساني (ت ٦٩٦ هـ) بعض البطون الحربية

стр. 3795

التي ترددت أسماؤها خلال هذا البحث، ومن البطون الخولانية التي ذكرها ابن رسول: ١ - الربيعة. ٢ - بنو عوف. ٣ - بنو مالك. ٤ - بنو حرب. ٥ - بنو غالب. ٦ - العبدليون. ٧ - الزبيديون ["طرفة الأصحاب" ٣٥، ٥٦ - ٥٧] وجميعها ببلاد خولان باليمن، وجميع هذه البطون من بني سعد بن سعد باستثناء الربيعة وهم إخوة بني سعد بن سعد، وكما قلناه خلال البحث ظل من بني حرب عند عودتهم بنو زياد بن سليمان وقلة من غيرهم، وفيما بعد أخذ قسم من هؤلاء يعود إلى قومه لتختفي أسماء بطونهم في الحجاز وتظهر في اليمن كبني عوف من بني حرب وبني غالب إخوة بني حرب، ومن العائدين الذين لهم وجود في الحجاز بنو زُبيد والعبديون (العبدليون) وغيرهم. قال الأحيوي: وتبقى إشارة أخيرة إلى ما ذكره البلادي عن الصلة القوية والعاطفة والولاء بين قبيلتي حرب وعُتيبةَ فنقول: إن هذه الصلة تعود لوحدة النسب بين بطون بني سُلَيْم الكبيرة في حرب وإخوتهم عُتيبة التي يعود جُلُّها لهَوَازِن بين منصور وهم إخوة بني سُلَيْم بن منصور، وهذا ما يفسر تلك العلاقة التي عمَّت بني حرب ونسي الناس سبب ذلك، وفوق كل ذي علم عليم والله الموفق. وقال الأحيوي مقالات أخرى في مجلة العرب عن الأحامدة وفروع أخرى تكملة لما تقدم نذكرها هنا للفائدة (١): ١ - الأحامدة: قال الأمير شكيب أرسلان فيما كتبه سنة ١٣٤٩ هـ (١٩٣١ م):

стр. 3796

(مشايخ الأحامدة الذين هم مشايخ حرب في الحجاز يقال إنهم من سُلَيْم، وأن جدّهم العباس بن مرداس السلمي) ["الارتسامات اللطاف" ص ٢٧٤] وقال عايش بن شريف السلمي في ذكر فروع بني سُلَيْم: (الأحامدة والنسبة إليهم أحمدي، وقد انتقلت من وادي ساية في حدود القرن العاشر في قصة طويلة لا يتسع المقام لذكرها إلى (الفِقْرة) قرب المدينة، وحالفوا بني سالم من حرب). وقال: (بل إنّ عندهم شجرة كما أخبرني أكثر من واحد منهم فيها نسبتهم إلى العباس بن مرداس السلمي، والله أعلم بذلك. ولا يزال بينهم وبين بني سُلَيْم صلة إلى وقت قريب) ["العرب" س ٣٠ ص ٣٧٠]. وقد ذكر المؤرخ التركي أيوب صبري باشا في كتابه "مرآة جزيرة العرب" ج ٢ ص ٢٨٠ خبر انتقال الأحامدة من بني سُلَيْم إلى بني سالم من حرب ومحالفتهم لهم. ["العرب" سنة ٣٠ حاشية ص ٣٨٠]. قال الأحيوي: ومن الأحامدة هؤلاء فريق عظيم دخل في بَليٍّ منذ عهد بعيد جدًّا، كما بيناه فيما تقدم من هذا البحث، وقد لاحظ الرحّالة الفنلندي المستعرب (جورج أوغست فالن) فيما كتبه في رحلته سنة ١٢٦٤ هـ (١٨٤٨ م) أنّ الفريق الذي زاره من بَلي ذُو دِمَاء عدنانية فقال: (يقال إن بني بَلي قحطانيون من اليمن، ولكني أرى ملامحهم أقرب إلى بني عنزة وإلى القبائل السورية العدنانية منها إلى الحويطات وعرب غربي شبه الجزيرة العربية ومصر، والكثيرون منهم ذوو بشرة فاتحة اللون، وهذا أمر نادر جدًا في الصحراء أظن أنه يقتصر على القبائل الشمالية فقط) ["صور من شمالي جزيرة العرب" ص ١٧٢]. وقال: "بنو بلي هم أوّل قبيلة في هذه البقاع، تشبه لهجتها نطق سكان نَجْد، ونطق بدو عنزة الذي يختلف كثيرًا عن لهجة المدن ولهجة العرب الأكثر اختلاطًا بسواهم، ذلك أنهم يكثرون التنوين، واستعمال بعض الصيغ الصرفية والنحوية القديمة، ولاسيما لفظهم القاف والكاف لفظًا غريبًا يسميه النحويون الكشكشة" ["صور من شمالي جزيرة العرب" ص ١٧١].

стр. 3797

وبطون بلي التي التقاها وذكرها (جورج أوغست فالن) أثناء رحلته هي: المعاقلة والعرادات وبنو لوط والمواهيب ["صور من شمالي جزيرة العرب" ص ١٧١]. قال الأحيوي: المعاقلة من البركات من مخلد من بلي، والبركات ومخلد فرعان من الأحامدة، ذكرهما الجزيري ولا زال للبركات وجود في جنوبي الحجاز في عداد بني حرب كما بيناه في موضعه من البحث، والعرادات بطن من مخلد أيضًا، وقد ذكرهم الجزيري من فروع الأحامدة، ومنهم فريق في جنوبي الحجاز في عداد بني حرب كما سبق في الحديث عنهم، وبنو لوط وهم اللوطة: فرع من وابصة وهؤلاء فرع من الأحامدة كما ذكره الجزيري، ووابصة اليوم فرع من خزام من بلي، والمواهيب وهم اليوم فرع من خزام أيضًا ذكرهم الجزيري من فروع الأحامدة وقد بيّنا القول في هذه الفروع فيما تقدم من هذا البحث. قال الأحيوي: ومن هنا فإنّ ملاحظة (فالن) عن ملامح بلي الشبيهة بالعدنانيين إنما تنطبق على الفروع التي التقاها وهي فروع من الأحامدة وهم عدنانيون من بني سُلَيْم. قلت: وقد تحدّث (فالن) عن الحرّة التي تستوطنها بلي وحددها وذكر أنّ بلي تقول: إنها تمتلك الحرَّة وَحدَها ["صور من شمالي جزيرة العرب" ص ١٦٩، ١٧٠]. وقال: "يظهر على ما قاله السمعاني في الأنساب أن سكّان الحرَّة السابقين من قبيلة سُلَيْم العظيمة اعتادوا النزوح إلى هذه البقاع عينها من بلاد العرب، وإلى المنطقة المجاورة لمدينة حمص" ["صور من شمالي جزيرة العرب" ص ١٧٠]. قال الأحيوي: وقد أورد فالن نصًّا نفيسًا يتفق مع ما حققناه باستيطان فروع من بني سُلَيْم لبعض ديار بلي، مما أدَّى إلى تحالفهم معهم ومن ثمَّ إلى دخولهم فيهم فيما بعد إلى يومنا هذا، قال: "من التقاليد المنقولة والمعمول بها حالًّا هنا علمت أن أوّل من سكن الحرّة قبيلة بني سُلَيْم، وقيل عنها أيضًا إنها ملكت مدينتي تيماء وخيبر) ["صور من شمالي جزيرة العرب" ص ١٧٣].

стр. 3798

وهذا كلّه يقطع بصحة ما حققناه حول دخول قسم عظيم من أحامدة بني سُلَيْم في بلي، هذا الدخول الذي تمّ منذ عهد بعيد جدًّا سبق دخول من ظل من الأحامدة في حلف بني سالم، إن صح أنه تمّ في حدود القرن العاشر، ذلك أن الجزيري (٩١١ - نحو ٩٧٧ هـ) قد ذكرهم من فروع بني سالم. ["الدرر الفرائد" ص ١٥٦٤]. فيما نجد أن فريقًا من الأحامدة الذين في بلي قد استوطن بلاد الصعيد من الديار المصرية، ومن أخبارهم هناك، ما ذكره ابن إياس في حوادث جمادى الآخرة سنة ٧٩٨ هـ قال: (وفيه ثارت العرب الأحامدة بنواحي الصعيد، فعيّن لهم السلطان تجريدة" ["بدائع الزهور ج ١ قسم ٢ ص ٤٨٢]. ومن أخبارهم سنة ٨١٨ هـ ما ذكره ابن حجر العسقلاني قال: "وفي هذه السنة كثر عبث العربان بالوجه القبلي والبحري، واشتدّ بأسهم، وثارت الأحامدة من عرب الصعيد، وهم ناقلة من أراضي الحجاز، من آل بلي سكان دَامَةَ فما فوقها إلى جهة ينبع، فتحولوا إلى الصعيد الأعلى، واتخذوه وطنًا، ووثبوا على والي قوص فقتلوه وقتلوا خلقًا معه" ["إنباء الغمر" ٧/ ١٨٩]. وقوص: مدينة إلى الجنوب من قنا على نهر النيل يقابلها شرقًا القُصَيْر على ساحل البحر الأحمر الغربي، ويقابل القُصير على الساحل الشرقي مدينة الوجه ونواحيها من ديار الأحامدة الذين في بلي، وكان هذا الفريق عبر البحر لاستيطان بلاد الصعيد، وقد ظل الأحامدة هؤلاء شوكة في جنب الدولة يفسدون البلاد، ويبطشون بالعباد والدولة ترسل لهم الحملة تلو الأخرى بلا فائدة إلى أن أوقعت بهم ونكبتهم نكبة كبيرة سنة ٨٩٢ هـ. قال ابن إياس: "وفيه - أي جمادى الأولى - جاءت الأخبار من عند الأمير آقبردي الدوادار بأنه قد انتصر على العرب الأحامدة، وكان توجه إلى الوجه القبلي بسبب ذلك فقتل منهم ما لا يحصى، وأسر نساءهم وأولادهم، وبعث بهم إلى مصر فباعوهم كما يباع الرقيق من الزنج، ووقع لآقبردي مع الأحامدة أمور غريبة يطول الشرح في ذكرها، وعذّب جماعة بالنار، وطمَّ جماعة منهم بالتراب، وهم

стр. 3799

أحياء، وتفنّن في عذابهم تفنينًا، وقد مهد بلاد الصعيد منهم، وكانوا أظهروا الفساد بها جدًّا" ["بدائع الزهور" ٣/ ٢٤٠]. ويبدو أن الأحامدة هؤلاء اندفعوا نحو السودان، ونجد اليوم من مجموعة قبائل البقارة قبيلتي الأحامدة، وسليم، وتقطنان منطقة غرب النيل الأبيض في وسط السودان ["مجلة "عالم الفكر" مجلد ١٧ عدد ٣ ص ١٠٧، ١٠٨]. ٢ - البدارين: قلنا في حديثنا عنهم أنهم هم البدارنة، وهم بطن من بني علي بن حصن بن علَّاق بن عوف بن امرئ القيس بن بهثة بن سُلَيْم. قال الأحيوي: نجد اليوم أن الكعابنة وهم قسم عظيم من بني صخر في الأردن ينقسم إلى فرعين كبيرين هما: ١ - بنو محمد. ٢ - بنو علي: وينقسم بنو علي إلى قسمين هما: ١ - الجبور. ٢ - البدارين. وهنا فإنه ليس من المصادفات الجميلة أن نجد البدارنة فرعًا من بني علي، ثمَّ نجد أن البدارين فرع من بني علي من بني صخر في الأردن، وبنو صخر فرع من الأحامدة كما مرّ بيانه. ٣ - البركات: تجدر الإشارة إلى أن من فروع بني سُلَيْم في جنوبي الحجاز: بنو بركة وهم فرع من بني سُلَيْم، ومن بطونهم الجباريت، وهذا الاسم يلفت نظرنا إلى قبيلة الجبارات الآتي الحديث عنهم في موضعه من البحث. ٤ - بشر: يَسِمُونَ وسم بني سُلَيْم، مما يؤكد ما حققناه بأنهم من بني سُلَيْم، وسيأتي بيان وسمهم في حديثنا عن معبَد، ومما يؤكد هذا أن بشر، ليسوا من بني حرب، فقد أشار علي بن حسن العبادي في كتابه "نظرات في الأدب والتاريخ والأنساب" ص ٤٩ أن بشرًا دخلوا في بني حرب حلفًا. ["العرب" سنة ٣١ ص ٥٦٦].

стр. 3800

قال الأحيوي: من بطون بني سُلَيْم القديمة البشرة، عدّهم القلقشندي من فروع لبيد، وقال: (ومنازلهم في قومهم ببرقة)، ["نهاية الأرب" ص ١٢٠] من بلاد برقة في ليبيا ثم انتقلوا إلى الديار المصرية، واستوطنوا بلاد البحيرة في شمالي مصر، مع امتدادهم إلى حدود ليبيا، قال القلقشندي: "ومن بني سُلَيْم: لبيد: وهم بطن عظيم من سُلَيْم مساكنهم أرض برقة، ولهم أفخاذ متَّسعة، أخبرني مخبرون من غيرها بعدّة أحياء منهم وهي: ١ - أولاد حرام. ٢ - وأولاد سلَّام. ٣ - والبركات. ٤ - والبشرة. ٥ - والبلابيس. ٦ - والجواشنة. ٧ - والحداددة. ٨ - والحوتة. ٩ - والدروع. ١٠ - والرقيعات. ١١ - والزرازير. ١٢ - والسوالم. ١٣ - والسبوت. ١٤ - والشراعبة. ١٥ - والصريرات. ١٦ - والعواكلة. ١٧ - والعلاونة. ١٨ - والموالك. ١٩ - والنبلة. ٢٠ - والندوة. ٢١ - والنوافلة. ٢٢ - والرعاقبة. ٢٣ - والبواجنة. ٢٤ - والقناص. ٢٥ - وقطَّاب. ٢٦ - والقصاص. قلت: وقد أجلى السلطان الملك المؤيد - عزّ نصره - عرب البحيرة من زنارة وغيرها عن بلادهم، لتغيّر أدركه عليهم سنة ثمان عشرة وثمانمائة، وأسكنها عرب لبيد استدعاهم من بلادهم، فأقاموا بها وعمروها وهم مقيمون بها إلى الآن" ["قلائد الجمان" ص ١٢٥ - ١٢٦]. وذكرهم المقريزي (ت ٨٥٤ هـ) في ذكر بطون لبيد وسمّاهم: بشرًا وقال في ذكر منازل لبيد: (منازلهم من العقبة الكبيرة إلى سوسة) ["البيان والإعراب" ص ٧١] في شمال غرب مصر، ولبيد فرع من بني مالك بن أُهيب بن عبد الله بن قنفذ بن مالك بن عوف بن امرئ القيس بن بهثة بن سُلَيْم ["التعليقات والنوادر" ٤/ ١٨٦١ وحاشيتها] ومن هذا يتحقق لنا أن بشرًا فرع سلمي قديم من فروع لبيد التي ظلت في ديارها الأصلية في بلاد الحجاز.

стр. 3801

٥ - البطنة: هم أحد فرعي الصواعد بالإضافة إلى علَّاق، والصواعد أحد قسمي عوف، ويتألف البطنة من فرعين هما: ١ - البركات بنو بركة وقد مضى القول في البركات. ٢ - التراجمة بنو ترجم الآتي الحديث عنهم وممن ينضاف للبطنة حِلْفًا العلوات ["نسب حرب" ٤٩]. ٦ - التراجمة: نلاحظ أنه لا زال في بني سُلَيْم إلى يومنا هذا بقيّة من التراجمة ظلوا مع قبيلتهم سُلَيْم، وهم بطن من المحاميد من حبش من بني سُلَيْم، ويقطنون وادي ساية من بلاد بني سُلَيْم، وسيأتي ذكر لبعض بني ترجم في حديثنا عن بني صخر خلال هذا البحث. ٧ - زَبَّالة: ذكرنا أنهم من فروع بني سُلَيْم، ذلك أننا وجدنا الزبّالة فرعًا من مخلد، ومخلد من فروع الأحامدة التي ذكرها الجزيري، وقد صحّ ما قررناه عن نسبتهم لبني سُلَيْم، وقد تبيّن لنا أنهم فرع من بني بهز بن امرئ القيس بن بهثة بن سُلَيْم، ذكرهم أبو ذؤيب الهذلي في رثائه لآل عجرة الهذليين الذين قتلتهم بهز فقال: وَيلُ امّ قتلى فويق القاع من عُشَرِ … من آلِ عجْرةَ أمس جَدُّهم هُصِرا عجرة: من هُذَيل. كانت أربّتهم بهزٌ وغرّهم … عقد الجوار وكانوا معشرا غُدْرًا والرباب: العقد والذمة وبهز من بني سُلَيْم. كانوا ملاوث فاحتاج الصديق لهم … فقْدَ البلاد إذا ما تُمحِلُ المطرا لا تأمنَنَّ زُباليا بذمَته … إذا تقنّع ثوب الغدر واتزرا ["شرح أشعار الهذليين" ١/ ١٨٠]. ٨ - بنو صخر: قال سامي سلامة النحاس: (يقول بنو صخر: إنهم ينحدرون من قبيلة حرب، إحدى أهم القبائل في الحجاز ونجد، وينقسم بنو صخر إلى قسمين هما:

стр. 3802

١ - الطوقة: ويضم الغبين والغفل وخضير. ٢ - الكعابنة: ويضم الخرشان (الخريشة) والجبور، ويقول الطوقة: إن جدّهم هو رجل يدعى طويق بن حمد من قبيلة حرب ويقول الكعابنة: إن أصلهم يعود إلى بني محمد من بني سالم من نفس القبيلة، والخريشة اسم عائلة شيخ كبير من شيوخ الكعابنة التي كانت في أيام سابقة تنتمي إلى فريق من قبيلة حرب، يدعى بني صخر، ويقول المعمّرون من بني صخر: إنه ما يزال حتى الآن عشيرة صغيرة من قبيلة حرب تدعى بني صخر، وكان الكعابنة أول من ترك القبيلة الأم (حرب) التي كانت في ذلك الوقت تستقر في جنوب الحجاز، وتحرك هؤلاء نحو الشمال وأقاموا في منطقة العلا) ["تاريخ مادبا الحديث" ص ٧٣] وفي ذكر ديار بني صخر في العلا قال دبيس الفايز: حِنَّا صخور ومنازلنا بالعلا … وما ينزل الطمان إلا الطماني ["عشائر بني صخر" ص ١٧٣]. وقال الشيخ متعب الفايز في ذكر بني صخر: (الأصل من الأحامدة من حرب، عيال حمد الدجراء - لقب عائلة -: كان يسكن غرب المدينة (جبل الأحمدي)، وقال في ذكر حمد الدجراء، "تزوج حمد من بنت الجرمي، وخلّفت الجرمية ولدًا واسمه طوقان والأحمدية ولدًا واسمه طويق، قال: "طوقان ذهب مع الأحامدة وعقب طوقان الآن عشيرة الرفادات من بلي بالسعودية). وقال في ذكر معركة الطور بين بني صخر والحويطات سنة ١٣٢٧ هـ ١٩٠٩ م: "جاء سليمان بن رفادة شيخ عشائر بلي وهو من عقب طوقان أخو طويق وانتخى عند طلال باشا من بني صخر، وقال: نحن أبناء رجل واحد" [مخطوطة عن عشائر بني صخر ص ١، ٧، ٢، ٣١] وصلة القربى بين بعض فروع بلي، وعلى رأس هذه الفروع الرفادات، وبين بني صخر معروفة يقرّ بها الفريقان إلى يومنا هذا، ويذكر بنو صخر على مرّ أجيالهم أنهم من بني حرب. ["عشائر بني صخر" ص ٣١] من الأحامدة على وجه التحديد.

стр. 3803

قال خالد سليم الرديني من بني صخر: "الرواية التي يكاد يجمع عليها الطوقة من بني صخر أن نسبهم يعود إلى قبيلة حرب القحطانية". [جريدة "البلاد" عدد ١٣٢ ص ١٢]. قال الأحيوي: جبل الأحامدة المشار إليه آنفًا وهو موطن بني صخر الأصلي يقع غربي المدينة وهو جبل الأشعر ويعرف باسم الفِقْرة. قال البلادي: "أما اليوم فهو جبل الأحامدة من حرب" ["نسب حرب" ص ٢٨٦]. وقال سعيد بن مصلح الأحمدي في ذكر ولد علي الأحامدة: "مواطنهم جبل الأحامدة (الفقرة): يقع غرب المدينة المنورة مسافة ٧٢ كيلًا يحاذي جبلي رضوى والأجرد على ارتفاع ٩ آلاف قدم عن سطح البحر). ["العرب" سنة ١٧ ص ٣١٣]. وعشيرة الرفادات التي يروي بنو صخر أنهم أبناء عمومتهم كما يروي ذلك الرفادات أنفسهم أيضًا بطن من المعاقلة من البركات في شمالي الحجاز، وقد ذكر الجزيري والبركات وعدّهم من فروع الأحامدة الذين دخلوا في بلي، كما مرّ بيانه، والبركات اليوم فرع من مَخْلَد من بلي، قال البلادي في ذكر الرفادات: "واحدهم ابن رفادة بطن من المعاقلة من البركات من مخلف من بلي، فيه شيخة بلي كافة، وقد بلغ منهم سليمان وابنه إبراهيم الباشوية في عهد الأتراك، وقد أدرك إبراهيم باشا العهد السعودي) ["معجم قبائل الحجاز" ص ١٨٠] ورغم تغيّر وسم المعاقلة إلى الخطم هكذا (١) بين الأنف والعين والحذقة هكذا (C) بأعلى الرقبة مما يلي الرأس من الجهة اليسرى ["وسم الإبل" ص ١٤٦] فإنه لا يزال قسم من المعاقلة يسمون سمة الباب هكذا ([]) على الجانب الأيسر للرقبة. ["وسم الإبل" ص ١٨٠] وهو وسم إخوانهم العرادات وغيرهم من فرق الأحامدة في بلي. قال الأحيوي: من الأدلة التي تؤكد أن بني صخر، وأحامدة بلي، وأحامدة بني حرب، كانوا في الأصل قبيلة واحدة ما يلي: ١ - أن من الفرق التي اقترن ذكرها ببني صخر في الأردن فرقة الصميدات ["عشائر بني صخر" ص ٥٧] وقد ورد ذكر بني صخر والصميدات في بلاد عجلون

стр. 3804

في القرن العاشر للهجرة. ["تطور الزراعة في شرقي الأردن" ص ٤٠] وفي مطلع القرن الحادي عشر سنة ١٠٠٥ هـ، يرد ذكر لفروع بني صخر والصميدات في بلاد الصلت (السلط) [دفتر مفصّل لواء عجلون (طابو دفتري رقم ١٨٥) ص ١١، ١٤، ٤١، ٤٩] والصميدات كإخوانهم الصخور فرع من الأحامدة يسكنون الفقرة (جبل الأحامدة) ورحقان إلى طاشا). [نسب حرب" ص ٨٠]. ٢ - إن من فروع بني صخر في بلاد السلط التي ورد ذكرها سنة ١٠٠٥ هـ في الوثائق العثمانية جماعة لوابصية [دفتر مفصل لواء عجلون (طابو دفتري رقم ١٨٥) ص ١١] ووابصة هؤلاء من فروع الأحامدة التي ذكرها الجزيري في القرن العاشر للهجرة، وهم من فروع الأحامدة المعروفة حتى اليوم في عداد بلي في شمالي الحجاز. ٣ - من أقوى الأدلة على صحّة صلة النسب هذه هو السمات المشتركة بين قبائل الأحامدة وهو الصليب الذي تسمه فرق من بني صخر في الأردن وفرق من أحامدة بلي وهو وسم أحامدة المدينة المنورة كما مرّ بيانه خلال البحث وكما ستأتي الإشارة إليه خلال البحث أيضًا. ٤ - من فروع الغفل من الطوقة من بني صخر: العامر وهم فرع كبير من بني صخر في الأردن، والعامر هم أحد قسمي بني صخر من الأحامدة سكان جبل الأحامدة (الفقرة) غربي المدينة المنورة والقسم الآخر هم: بنو سعد. ["نسب حرب" ص ٨٠، "معجم قبائل الحجاز" ص ٢٦٣]. ٥ - من فروع بني صخر في الأردن أولاد فضل، وهم فرع من الجبور، فقد أنجب جدهم سالم بن جبر بن عبد الرحمن أربعة بنين وهم: ١ - جبر الذي أنجب دهام جد الدهام. ٢ - جريدة جد الحوالي والهدبا. ٣ - منزّل الذي أنجب: ١ - فريج جد الفريج. ٢ - فراج جد الفراج.

стр. 3805

٤ - فضل جد الفضل ["العشائر الأردنية" ص ٤٧، ٥٤، "عشائر بني صخر" ص ٢٨١، ٣٠٤، ٣٠٧] وقد انفصل أولاد فضل عن قومهم الجبور، وأصبحوا فرعًا كبيرًا من فروع خضير إلى جانب البراذعة والقنوة. ["العشائر الأردنية" ص ٤٦، ٤٧] ووسم أولاد فضل وهو وسم جميع أولاد سالم بن جبر بن عبد الرحمن الأصلي، وهو العرقاة هكذا (+) ["العشائر الأردنية" ص ٤٧، ٤٨، ٤٩] وهذا الوسم هو وسم الأحامدة، ومن فروع الأحامدة في جنوبي الحجاز: الفضلة ومنازلهم الجهات الشرقية من الفقرة (جبل الأحامدة) في حورة وحويرة ورحقان. ["نسب حرب" ص ٨٠، ٨١]. ٦ - من فروع بني صخر في الأردن العكمة، ذكرهم (فردريك ج بيك) فقال: (العكمة أصلهم من الحجاز) ["تاريخ شرقي الأردن وقبائلها" ص ٢٢١] وهم اليوم فرع من الجبور من بني صخر، وينتسب العكمة إلى جدّهم عكيم ["العشائر الأردنية" ص ٥٨] وقد ذكر (أوبنهايم) أن العكمة من بني حرب الذين كانوا يقطنون خيبر ["البدو" ٢/ ٢٤٨]، ومن المعلوم أن ديار بني صخر كانت في العلا ونواحي خيبر حيث لا زال لبني صخر نخيل في تلك البلاد، وقد بقيت فرقة الفضل من بني صخر التي سبق ذكرها تتسلم مجلاد خيبر إلى نهاية العشرينيات من القرن الميلادي العشرين، أي إلى ما قبل نحو ٦٥ سنة، وكان هذا المجلاد عبارة عن قرطوف من التمر يزن ما بين ٢٥ - ٣٠ كغم، وكان يرسل إليهم من العلا ["مقدمة لدراسة العشائر الأردنية" ص ٧٠٦) والعكمة من فروع بني سُلَيْم القديمة، فقد عدّ المقريزي العكمة من فروع بني سُلَيْم في الديار المصرية ["البيان والإعراب" ص ٧٢] ولا بد أنه ظلت منهم بقية مع فروع أخرى من بني سُلَيْم في العلا ونواحي وادي القرى، والله أعلم. ٧ - نجد في أنساب الفضول من الزيادات من البلادية أنهم ينقسمون إلى قسمين هما: أ - الجبيرات: وهذا الاسم يلفت نظرنا إلى قبيلة الجبارات الآتي الحديث عنها، لاسيما وأن الوسم واحد وهو وسم الباب، فالبلادية يسمون الباب هكذا ([]) على فخذ البعير الأيسر، قال شاعر من بني عبد الله من مُطير وقد أخذوا إبل البلادية:

стр. 3806

وجيناهم شريق الشمس يوم المال في المرحان … وزفّينا أمهات الباب مع ضين يباريها ["الأدب الشعبي في الحجاز" ص ١٢ وحاشيتها، و ٢٦٩ وحاشيتها و ٣١٩ و"نسب حرب" ص ١٤٦ وحاشيتها] وستأتي الإشارة إلى وسم الجبارات وهو الباب في حديثنا عن بني علي في هذا البحث. ب - القوعة: وهم بنو قويعان جد القوعة وهو قويعان بن فضل جد الفضول وهو فضل بن حسن بن زيادة جد الزيادات من البلادية، وقد أنجب قويعان بن فضل ثلاثة بنين وهم: ١ - عكيم: جد العويضات. ٢ - معيكم: جد القدفة. ٣ - عكام: جد السواعدة والسعادين. ["رسائل ومسائل" ص ٧٠٣]، وعكيم المذكور يلفت نظرنا إلى عكيم جد العكمة من بني صخر الآنف ذكرهم، كما يلفت اسم القوعة النظر إلى قويع من فروع بني محمد بن سليم. ٨ - وسوم بني صخر: أصبح بنو صخر قبيلة كبيرة قائمة بذاتها منفصلة بديارها في بلاد الأردن فغيّرت بعض فرقهم وسمها الأصلي، واستحدثت لها وسومًا جديدة، ويتضح هذا مما يلي: أ - الطوقة: كان وسمهم هو وسم قومهم الأحامدة. ["عشائر بني صخر" ص ١٦٨] أي الصليب غير أنهم بدّلوا وسمهم إلى وسم آخر هو الطويقي وشكله هكذا [رسم] على الورك الأيسر ["البتراء العربية" ٣/ ١٧، "البدو" ٢/ ٢٤٥، "عشائر بني صخر" ص ١٨٤، ٢٠٩، ٢١١، ٢١٨، ٢١٩، ٢٢٣، ٢٢٦، ٢٧٢] إلا أن بعض فرق الطوقة احتفظت بوسم الأحامدة، ومن ذلك: ١ - أن السلايطة يسمون الصليب المعقوف من الجهتين على فخذ الجمل الأيمن. ["عشائر بني صخر" ص ٢٧٢]. ٢ - أن الكعابنة وهم فرقة من الطوقة، وهم غير الكعابنة الفريق الآخر من بني صخر، يسمون الصليب وسم الأحامدة، قال مفلح الفايز: (احتفظ الكعابنة بوسمهم الأصلي وهو الصليب ومطرف عمودي إلى يمينه يضعونه على الجانب

стр. 3807

الأيسر لمواشيهم، ولم يضعوا وسم الطويقي). ["عشائر بني صخر" ص ٢٧٩ - ٢٨٠]. ٣ - رغم أن فرقتي النمر والمحمود من فرق الفايز من الطوقة يسمون الطويقي وسم قومهم الطوقة إلا أنهم يسمون الباب أيضًا هكذا [رسم] على الكتف الأيسر للبعير. ["عشائر بني صخر" ص ١٤]. ٤ - كان وسم القعود والغبين وهما من أهم فرق الطوقة هو الباب ["البتراء العربية" ٣/ ١١٨] "البدو" ٢/ ٢٤٢]. ٥ - أن فرقة خضير وهي من أكبر فرق بني صخر، وكانت تعد ضمن مجموعة الطوقة تسم سمة الصليب. ["البتراء العربية" ٣/ ١٢٠، "مقدمة لدراسة العشائر الأردنية" من ٧١١ - ٧١٢، "عشائر بني صخر" ص ٢٨٤]. ب - الكعابنة: ظل الكعابنة يحتفظون بوسم قومهم الأحامدة، ويتضح هذا مما يلي: ١ - يسم الخرشان وسم الباب مغلقًا ويسمونه الصندوق هكذا [رسم] على الجانب الأيمن ["البتراء العربية" ٣/ ١٢٠، "البدو" ٢/ ٢٤٨، "عشائر بني صخر" ص ٢٩٦]. ٢ - أن وسم الجبور وهم فرع كبير من الكعابنة هو الصليب، فقد ذكر بعض الرحالة الغربيين أن الصليب وهو وسم الجبور ["عمّان في ماضيها وحاضرها" ص ٢٦٣، "الآثار الإسلامية في فلسطين والأردن" ص ٢٤٨]. (انتهى قول راشد بن حمدان الأحيوي).

стр. 3808

التعليق على ما تقدم من بحوث للأحيوي في مجلة العرب السعودية من صاحب الموسوعة ١ - ذكر راشد بن حمدان الأحيوي المسعودي من العقبة بالأردن نقلًا عن ابن خلدون تسلسل فروع بني عوف من سُليم التي انضمت لقبيلة حرب. ثم ذكر أنه عوف بن امرئ القيس بن بهثة بن سُليم، وهذا خطأ فادح. والصحيح أنه عوف بن بهثة. لأن جميع الفروع المذكورة في بحث الأحيوي من علَّاق، وبالتالي فهي من عوف الأكبر بن بهثة، لا من عوف الأصغر ابن امرئ القيس بن بهثة. وابن خلدون ذكر في تاريخه في التفصيل عن بني سُليم بن منصور في إفريقيا حيث قال: عوف بن بهثة جذمان هما علَّاق، ومرداس. ومن علَّاق يحيى وفيه نسب الكعوب رؤساء سُليم في تونس ومن علَّاق حِصْن وتفرع إلى بني علي، وبني حكيم. والالتباس الذي وقع فيه الأحيوي في ذكره أن علَّاق بن عوف بن امرئ القيس بن بُهثة راجع إلى أن عبد الرحمن بن خلدون قد ذكر في أحد مشجراته عن بني عوف في بني سُليم زيادة في اسم عوف، وقد وضع امرؤ القيس له أبًا وبُهثة له جدًّا، في حين اْن الصحيح أن بُهثة هو والد عوف وجد علَّاق. وقد ناقض ابن خلدون ما ذكره في سرده في مواضع عديدة من الكتاب (تاريخ العبر ومبتدأ الخبر). وهنا نجد أن الأحيوي ترك ما ورد عن عوف وأنه ابن بُهثة في سرد ابن خلدون وتمسك في المشجر الخطأ في نفس الكتاب فنقل منه ووقع في الخطأ الوارد وأنه عوف بن امرئ القيس بن بُهثة. وعوف بن امرئ القيس ذكر فروعه ابن الكلبي في الجمهرة، ثم ذكر أيضًا من بعده ابن حزم الأندلسي، ثم القلقشندي في عهد ابن خلدون، وكذلك ابن فضل الله العمري. إلا أن القلقشندي كان دقيقًا وذكر علَّاق ومرداس من عوف بن بهثة، وهو الصحيح.

стр. 3809

وكذلك كان ابن فضل الله العمري ذكيًّا ونبيهًا، وقال في سُليم عوفان أي عوف الأكبر وفروعه علَّاق ومرداس وقد فصّل عنهما في إفريقيا (تونس)، وعوف الأصغر وفيه فروعًا أخرى لم يفصَّل إلا عن لبيد وشماخ ومحارب فقط ومركزهم في بلاد برقة وكانوا أقوياء جدًّا في عهده. وبنو حصن بن علَّاق بن عوف بن بهثة فرع تكون في صدر الإسلام، وأما حصن وأحفاده فقد كانوا في العصر الجاهلي. وذكر أبو علي الهجري في كتاب التعليقات والنوادر المدوَّن في بداية القرن الرابع الهجري أي بعد عام ٣٠٠ هـ ذكر اسم الحصني كبطن حيث قال: حدثني محمد بن يزيد الحصني، وفي موضع آخر قال أنشدني الحصني من عوف من سُليم. . . إلخ. والحصني منسوب إلى حصن بن علَّاق بن عوف بن بهثة بن سُليم والذين تفرع منهم بنو علي، وبنو حكيم الذين نزحوا إلى مصر ثم إلى شمالى إفريقيا (بلاد المغرب) في القرن الخامس الهجري وبني علي لهم بقية في الجزيرة العربية مع حرب. وقد فصل عن بطون عوف العلَّامة ابن خلدون في تاريخه. كما ذكر ابن جرير الطبري في أحداث عام ٢٣٠ هـ أن أمير المدينة النبوية سيّر إلى بني سُليم جيشًا من قريش والأنصار فلقيهم جيش بنو سُليم بالرويثة وأغلبهم من عوف ولبيد وكان على رأس بني سُليم دويكل بن حمير العوفي، وعمه سلمة بن يحيى، وعُزيرة بن قطَّاب اللبدي. وطبقًا لما ورد من سرد ابن خلدون أن دويكل وحمير ودلاج من بطون علَّاق بن عوف الذين قتل منهم قراقوش الغُزي المملوكي وزير السلطان صلاح الدين الأيوبي جماعة فهذا يؤكد أن ما قصدهم ابن جرير هم عوف بن بهثة أي عوف الأكبر. وعوف الأكبر ذكره ابن حزم في الجمهرة وأنه كان كاهنًا في الجاهلية ولم يفصّل عن فروعه لأنه اعتمد على الكلبي، ولكنه فصَّل عن عوف الأصغر ابن

стр. 3810

امرئ القيس. ولله در ابن خلدون ﵀ فقد فصل قول كل خطيب ووضح أن عوف أهل الصولة على إفريقيا بفرعيهم علَّاق ومرداس هم عوف بن بهثة .. وخطأه في أحد مشجراته كانت سهوًا منه بإضافة امرئ القيس بعد عوف. ومما يؤكد أن الفروع التي في حرب بالحجاز هي من فروع بني عوف بن بهثة أن ديار عوف هؤلاء في شمالي حرَّة سُليم قرب المدينة المنورة، فلما نزحت الغالبية العظمى منهم إلى مصر ثم إلى بلاد المغرب بقي جزء منهم في ديارهم انضموا إلى حرب ودخلت ديارهم ضمن ديار حرب وانكمشت ديار سُليم ما بين الحرمين كما هو معروف في القرن التاسع الهجري. وأما ديار عوف الأصغر ابن امرئ القيس فكانت بعضها في بلاد الحرمين والبعض الآخر في نجد حول بئر معونة؛ لأن بعض فروعهم قد شارك في أحداث بئر معونة في عهد النبي ﷺ ، وكانوا مجاورين بطون من ثعلبة بن بهثة وبطون من الحارث بن بهثة. وأما بقية فروع امرئ القيس بن بهثة فكانت في بلاد نجد في ديار سُليم القديمة مثل السوارقية وصُفينة ومهد الذهب والتي استولت عليها قبيلة مُطير في القرن الثامن الهجري كما يذكر رواتهم. وقيل أن استيلاء مُطير على هذه الديار كان بعد نزوح قبيلة بني عُتبة (آل ابن علي) من خُفاف من امرئ القيس بن بهثة وهي آخر قبيلة كانت تسكن هذه الديار حتى القرن التاسع الهجري، وقد تشتت أمرها مع فروع سلمية أخرى إلى بلاد الخليج والأحساء والقصيم شرق الجزيرة العربية. وعن عوف بن امرئ القيس إخوة خفاف بن امرئ القيس فذكرهم ابن الكلبي وابن حزم ومنهم رجالات وفرسان مشاهير في صدر الإسلام، حيث قال منهم بني يربوع بن سمال ومنهم عبد الله بن أبي خازم صاحب خراسان، وعروة بن أسماء بن الصلت من أجلاء الصحابة الذين قتلوا في بئر معونة من قومه بني سُليم في صدر الإسلام في حياة النبي ﷺ ، ومنهم موسى بن عمرو بن موسى بن عبد الله بن أبي خازم قُتل مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ -

стр. 3811

وقيس بن الهيثم بن قيس بن الصلت القائم بدعوة ابن الزبير بالبصرة، والربيع بن ربيعة بن أهبان من بني سمال بن عوف بن امرئ القيس بن بهثة وهو قاتل دُريد بن الصمَّة الجُشمي فارس هوازن يوم حُنين. هنا تتضح لنا الرؤية بأن عوف الأصغر بن امرئ القيس فرع له شهرة وليس بخامل الذكر. وكذلك عوف بن بهثة فرع كبير وصاحب قوة وصولة ظهرت عامي ٢٣٠، ٢٣٢ هـ في أحداث بني سُليم مع والي المدينة ثم مع التركي بغا الكبير قائد الدولة العباسية. وقد اتضحت قوة عوف الأكبر عندما كانوا القوة الضاربة من سُليم في تونس، وقد تغلبوا على قبيلة رياح من بني هلال وأزاحوهم إلى المغرب الأوسط في بداية القرن السادس الهجري، وكان منهم الكعوب الذين وصفهم ابن خلدون بأنهم رؤساء البدو من سُليم في إفريقيا. وقد ذكر الصحابي الجليل والشاعر الجهبذ العباس بن مرداس اسم "عوف" مرات عديدة في شعره بمناسبة مشاركة بني سُليم في فتح مكة المكرمة مع النبي ﷺ وكذلك في غزوة حُنين ضد هوازن. ولا ندري أهو يقصد عوف الأكبر ابن بُهثة أم عوف الأصغر ابن امرئ القيس بن بُهثة؟ ولربما شارك من كليهما مع المسلمين فذكرهما بنفس الاسم وقد أوضح في شعره أن الجميع إنسالوا من أفناء بُهثة "الابن الأوحد لسُليم" أي لا فرق بين بطن وبطن فالمنبع واحد والأصل واحد. وهنا ملاحظة أن ضرورة الشعر في الاختصار لضبط الوزن والقافية تحتم على أي شاعر أن يختصر ويذكر مثلًا عوف دون ذكر كلمة بن، ولذلك غاب علينا معرفة أي العوفين في سُليم يقصد، ولو شارك كلاهما فالعباس ذكر كليهما فلا لوم عليه من أحدهما. وعن أخطاء ابن خلدون في تسلسل أجداد بني سُليم في تاريخ العبر هذا راجع إلى أنه كان متأخرًا عن هجرة سُليم إلى بلاد المغرب، حيث

стр. 3812

عاش في النصف الثاني من القرن الثامن وتوفي في بداية القرن التاسع الهجري، أي المسافة هنا تزيد عن ثلاثة قرون ونصف قرن، فلا تستطيع الأجيال السُّلَميَّة المتأخرة الموجودة في عصره أن تمليه الصحيح بدقة أو أن تحصي عليه جميع الملاحظات، ولربما أخذ عن الرواة بعض الأخطاء، ونراه في بعض الروايات غير المؤكدة عن بعض الفروع يقول قد يقال! وقد نبرهن على سهو ابن خلدون أن ذكر هيب بن بهثة هو والد محارب وشماخ ولبيد، وأن يعهب بن بهثة. . . . إلخ. رغم أن من قبله من النسابين مثل ابن الكلبى وابن حزم وابن سعيد المغربي وغيرهم قد ذكروا أن بهثة له أولاد معروفون ليس من بينهم هيب أو يعهب على الإطلاق. وقد كان لقرب عهد أبو علي الهجري لبني سُليم في الجزيرة العربية في آخر القرن الثالث وأول القرن الرابع الهجري أكبر الأثر في ذكر الصحيح، وقد فصّل عن لبيد هؤلاء حيث عجز ابن خلدون عن تسلسل أجدادهم فقال: لبيد من مالك بن أهيب بن عبد الله بن قنفذ بن مالك بن عوف بن امرئ القيس بن بهثة بن سُليم. ولبيد ومحارب من أهيب كانا من أشد بني سُليم سطوة على بلاد برقة ولم يتركوا إمرة ولا مشيخة إلا استولوا عليها. كما ذكر ابن خلدون. ٢ - توسع الأحيوي في ذكر فروع من قبيلة بلي القُضاعية، وقد ربط بين هذه الفروع وبين فروع أخرى بنفس الاسم في قبيلة حرب ذات الأرومة السلمية. والحقيقة أن الكثير من الفروع التي ذكرها في بلي لا تمتّ إلى أرومة حرب خاصة السلمية منها. وقد أشار الشيخ حمد الجاسر معقبًا على بحوث الأحيوي في مجلة العرب السعودية حيث أبدى اعتراضه على ذلك وعلى بعض الفروع الأخرى التي لم ننشرها وهي قبائل بأكملها في الشام وفلسطين خاصة، وشمال سيناء أهمها الجبارات والحناجرة والسواركة وغيرهم مما ذكر في بعض بحوثه في مجلة العرب السعودية.

стр. 3813

وليس معنى ذلك أن جميع ما قاله الأحيوي خطأ وإنما اجتهد بإيضاح النصوص القديمة ومن المؤكد أن فروعًا في بلي من قبيلة حرب من أرومة سلمية نزحت إلى ديار بلي وأقامت بها ودخلت معها. وعن الأحامدة في بلي فأرى أنهم خلاف الأحامدة في حرب ذات الأرومة السُلَميَّة حيث إن الأحامدة في حرب يؤكدون أن جدهم رعاية من نسل الصحابي عباس بن مرداس وإخوتهم بني محمد (المحاميد)، والتراجمة ويعدّون إلى ثلاثة أو أربعة عشر جدًّا إلى رعاية بن ترجم الذي جلا مع أولاده بسبب دم عليه في سُليم منذ قرابة خمسة قرون وسكن ديار حرب وانضم إلى بني سالم ابنه حمد، كما يؤكد الرواة، وانضم بنو محمد إلى بني سالم أيضًا، وأما علي بن رعاية ومنه التراجمة فانضم إلى الصواعد من عوف، ويقال إن ابن عم رعاية ويسمى خلف تخلف عنهم في ديار زبيد من حرب وأُطلق عليهم المخاليف وسيأتي التفصيل عنهم. أما عن الأحامدة في بلي فهم أقدم من حيث التكوين وذكروا كبطن معروف من بلي في القرن الثامن الهجري إذ ذكرهم ابن إياس عام ٧٩٨ هـ من قبائل صعيد مصر تعرضوا للقتال من المماليك بعد أن زاد خطرهم على البلاد. كما ذكرهم ابن حجر العسقلاني عام ٨١٨ هـ في بداية القرن التاسع الهجري وأشار إلى بطشهم وأكد نسبهم إلى قبيلة بلي حيث ذكر أنهم من بلي داما .. ووادي داما هو الفاصل بين بلي وبني عُقبة من جُذام القحطانية، وأصبح الآن من ديار قبيلة (الحويطات) خلفاء بني عُقبة. من هذا يتضح لنا أن الأحامدة في بلي بطن قديم أصبح في شكل قبيلة في أواخر القرن الثامن الهجري، بينما الأحامدة في حرب في هذه الحقبة لم يوجد بعد جدّهم رعاية السُّلمي فشتان بين هؤلاء وأولئك. أما عن ذكر الأحيوي أن الأحامدة في حرب من أرومة سلمية قديمة جدُّهم أحمد جد جاهلي هو أحمد بن نمير بن حكيم بن حصن بن علَّاق بن عوف من بني سُليم.

стр. 3814

فهذا أمر لم يقره رواة الأحامدة ويتمسكون بنسبهم إلى رعاية السُّلمي الذي ينتمي إلى العباس بن مرداس من رفاعة من الحارث بن بهثة بن سُليم. ودخلوا في قبيلة حبش التي هي من رفاعة من الحارث بن بهثة أيضًا وأقرب لهم من الفروع في سُليم هو العلاوي، ونظرًا لأن رعاية من جماعة قليلة العدد في حبش فقد جلا من دم عليه في سُليم مع أولاده وابن عمه وعبد له يسمى دليان وتوطن شمالًا في ديار حرب غرب المدينة المنورة وسيأتي التفصيل عن ذلك. وعن بني أحمد من حكيم فقد ورد ذكرهم في نهاية الأرب للقلقشندي وأن منهم في أطراف برقة نواحي إجدابية قوم، وذكروا في العصور المتأخرة ضمن القبائل المصرية التي عادت من بلاد المغرب مثل العديد من القبائل السلمية أو قبائل العرب المرابطين الذين يعودون إلى أرومات عدنانية وقحطانية مختلفة وهم الفاتحين لبلاد المغرب، وسموا مرابطين لأنهم رابطوا في ثغور الديار الإسلامية في أمصار المغرب العربي قبل قدوم جحافل بني هلال وهوازن وأبناء عمومتهم من بني سُليم في القرن الخامس الهجري، أما ما ذكره الأحيوي من نصوص عن الفروع السلمية في حرب مثل بنو علي فهم حسب ما رواه بعض شيوخهم أنهم عدنانيون بلا ريب من سُليم، والنصوص التي ذكرها الأحيوي عنهم صحيحة، وهم بقية بني حصن من عوف، ومساكنهم كانت قرب المدينة، فلما ضعفت سُليم في القرن الثامن الهجري دخلوا مع حرب ثم انساحوا في بلاد نجد، وتحضر الكثير منهم في قرى نجد، ومن الكتّمة تفرع الشبول ومنهم الشيخ حمد الجاسر علَّامة الجزيرة العربية. والذي أراه لم يعترض على ما قاله الأحيوي في مجلة العرب بخصوص بني علي؛ لأنه كان يعلم أنهم من أرومة سُليم بلا ريب وأشار إلي ذلك عدة مرات في كتبه. ومن بني علي ظهر الفرم من شيوخ حرب المشهورين في الجزيرة العربية. وعلي بن حصن جد جاهلي والدليل على ذلك أن من بني علي تفرعت قبائل

стр. 3815

عديدة ذكرها المؤرخ الجزائري أحمد توفيق المدني في كتابه "تاريخ الجزائر" المطبوع عام ١٣٥٠ هـ على نفقة الشعب الجزائري، حيث ذكر أن بني عوف من بني سُليم العدنانية في بلاد الجزائر جذمان كبيران هما: أ - بنو علي ومنها قبائل عديدة ذكرناها نقلًا عنه في المجلد الأول تحت عنوان قبائل سُليم في الجزائر. ب - بنو حكيم (١) وهم إخوة بنو علي وكلاهما من حصن بن علَّاق بن عوف ومنهم قبائل عديدة ذكرناها أيضًا نقلًا عنه في المجلد الأول من الموسوعة. وذكر الشيخ مبارك الميلي الهلالي الذي ينتمي إلى بني هلال في الجزائر في كتابه تاريخ الجزائر المطبوع في الأربعينيات من هذا القرن العشرين أن دخول قبائل بني سُليم لأرض الجزائر بدأ في أول القرن التاسع الهجري خلاف قبائل بني هلال وسائر هوازن التي دخلت الجزائر في أواخر القرن الخامس الهجري، وذكر أن أهم فروع سُليم في الجزائر جاءت من تونس وهي عوف، وذباب. ومن بني علي بعض قبائل نزحت من تونس إلى مصر في بداية القرن التاسع الهجري بعد تغلب الدولة الحفصية على أولاد أبى الليل من الكعوب ومن حالفهم من بني حصن وأهم هذه القبائل الجميعات والحمر وتوطنت في الصحراء الغربية ثم في إقليم البحيرة. كما نزح أيضًا جزء من قبيلة الحمر إلى مصر مع الجميعات وتوطنوا البحيرة معهم ثم دخلوا مع الهنادي من أولاد سلام من لبيد من بني سُليم الذين نزحوا من ليبيا في وقت لاحق لهجرتهم، وبعد ظلم الهنادي للجميعات واشتعال الحرب بين هؤلاء وأولئك وانتصار الجميعات بمساعدة أولاد علي من السعادي من أبي الليل فضّل هؤلاء الحمر التحالف مع الهنادي وهم أولاد البدادي بن شعيب الحمري وسكنوا بلاد الشرقية والقليوبية للآن ويسمون البدادية.

стр. 3816

ومن الحُمر فرع ذكر في تعداد عربان مصر عام ١٨٩٧ م/ ١٣١٥ هـ في نواحي قويسنا بالمنوفية، ومن الحمر قسم في قرية الجعافرة بمركز إطسا بالفيوم وفي قرى أخرى في الفيوم وقسم آخر نزح إلى قوص التابعة إلى محافظة قنا ولهم نجع خاص باسمهم بالوقت الحاضر مجاورين نجع الجعافرة هنالك. وقيل رأي لبعض الباحثين أن الحمر في بلاد السودان من هؤلاء الحمر السلميون نزحوا في عهد دولة المماليك وتوطنوا هناك. أما عن قبيلة الحمر المتبقية في تونس فنزح معظمهم إلى الجزائر في بداية القرن التاسع الهجري ضمن قبائل بني علي بن حصن وذكرها المؤرخ الجزائري أحمد توفيق المدني في تاريخ الجزائر كما أسلفنا. ومن خلال فحص المراجع الحديثة يتضح لنا أن بني علي من حصن في الجزيرة العربية هم أقل من هم في إفريقيا، وقد أكد ذلك ابن سعيد المغربي في القرن السابع الهجري، وقد تحول من هم في الجزيرة العربية إلى الدخول في قبائل حرب كما تقدم لأسباب ضعف بني سليم في الجزيرة العربية في القرن الثامن الهجري. أما عن بني حكيم إخوة بني علي من حصن فلم يتبق منهم سوى جزء يسير من بني نوال وهؤلاء فضّلوا ترك موطنهم جنوب المدينة المنورة بعد تغلب حرب عليها ونزحوا إلى وادي ساية من ديار سُليم ودخلوا مع ربيعة من فتية (١) من الحارث بن بهثة، ثم سيطروا على الكامل وما حوله، والكامل هي أهم قرى سُلَيْم بالوقت الحاضر ما بين الحرمين الشريفين. وعن بني عوف في حرب فأقول إن هؤلاء سلميون بلا ريب، فالديار هي ديار عوف سُليم والأسماء في بعض الفروع كما هيَّ وتعليق الأحيوي صحيحًا أنه ليس من الصدف أن تكون نفس الأماكن والأسماء التي هي من ديار عوف سُليم ثم تقوم عوف حرب بالسيطرة عليها دون أي ديار أخرى في الحجاز؛ هذا إذا سلمنا جدلًا بوجود عوف الحربية في الحجاز، وقد تقدم تحليل الأحيوي عن ذلك وثبوت رجوعهم إلى صعدة في اليمن مع من رجع كما أشار الهمداني في الإكليل. وقد علَّق الأحيوي عن ذلك قائلًا: حتى بفرض وجود عوف الحربية الخولانية فمن السخرية أن نقول تترك عوف الحربية جميع ديار سُليم الشاسعة ما بين الحرمين وتحتل ديار سميتها عوف السلمية دون غيرها!؟ وبملاحظة أن عوف في حرب هم البقية من عوف سُليم قد دخل معها فروع كثيرة ليست من أرومتها كما

стр. 3817

هو شأن قبائل البادية. وعن البدارين فأنا من رأي الأحيوى أرجح غير جازم أنهم من الفروع القديمة من بني علي بن حصن ومنهم قبيلة في العهد الحاضر ذكرهم المدني من قبائل بني علي في الجزائر باسم بدرانه. كذلك البركات من لبيد من بني سُليم ومنهم فروع نزحت إلى برقة في ليبيا والبقية قد دخلت في حرب، وجزء نزح إلى قبيلة بلي من قُضاعة. وكذلك فروع بشر، وبنو جابر، وسبيع (١)، وبنو عبد الله، ومعبد، وبنو يحيى، فهذه الفروع سلمية بلا جدال حسب النصوص القديمة وحسب القياس المكاني بوجود هذه الفروع في ديارها لم تبرحها حتى الآن وقد تقدم ذكرها من الباحث الأردني راشد الأحيوي. وعن الفروع الأخرى التي ذكرها الأحيوي من سُليم في قبيلة حرب وبعضها في بلي أو بني صخر حسب ما رجّح في بحوثه السالفة، فلا أجزم بصحتها والله تعالى أعلم بحقيقة الأمر. ٣ - أتفق مع الأحيوي فيما أورد من نصوص للمؤرخين القدامى التي تؤكد عدم صحة ادعاء الهمداني أن قبيلة حرب الخولانية القُضاعية قد تغلبت على القبائل العدنانية فيما بين الحرمين حيث قال: "فلما غلبت بنو حرب على تلك البلاد وقهرت، تعلقت قريش بإصهارهم وأسند إليهم كل وألقى أزمَّة أمره في أيديهم وغلبوا على طريق المدينة إلى مكة فلم يسرها أحد منهم إلا بخفارتهم، وكان المقتدر بالله (العباسي) يبعث إليهم طول حياته بالمال في خفارة الطريق"!! هذا القول عن قبيلة حرب لم يذكره أي مؤرخ غيره وقد انفرد به ويتضح فيه الكذب والتهويل والتزوير. ولنَدَعْ قبائل عنزة ومُزينة وأسد التي ادعى الهمداني أن حربا قد هزمتها وقهرتها في الحجاز.

стр. 3818

ولنأخذ قبيلة سُليم التي ذكر الهمداني أن حربا هزمت بعض فروعها فقد أجمع المؤرخون أن سُليم بن منصور العدنانية كانت في أوج قوتها في بلاد الحجاز ما بين الحرمين في القرنين الثالث والرابع بعد الهجرة، فهذا ابن جرير الطبري يقول في تاريخه عن سُليم في أحداث عامي ٢٣٠ هـ، ٢٣٢ هـ: ففي عام ٢٣٠ هـ قال الطبري: أن بني سُليم كانت تطاول على الناس حول المدينة النبوية بالشر، وكانوا إذا وردوا سوقًا من أسواق الحجاز أخذوا سعرها كيف شاءوا، ثم ترقى بهم الأمر إلى أن أوقعوا بالجار (١) بناس من بني كنانة وباهلة في جمادى الأخرة سنة ثلاثين ومئتين، وكان رأسهم عُزيرة بن قطّاب السُّلَمي، فوجه إليهم أمير المدينة محمد بن صالح الهاشمي قائد مسلحة المدينة حماد بن جرير الطبري في جماعة من الجند، ومن تطوع للخروج من أهل المدينة، فقاتلهم بالرويثة على ثلاث مراحل من المدينة، وكانت بنو سُليم وأمدادها في ستمائة وخمسين، وعامة من لقيهم من بني عوف من سُليم، ومعهم أشهب بن دويكل بن يحيى بن حِمْير العوفي، وعمه سلمة بن يحيى، وعُزيرة بن قطّاب اللبدي، من لبيد من سُليم، وكانت خيلهم مئة وخمسين فارسًا، فقاتلهم حماد وأصحابه، ثم أتت سُليم أمدادها، فانتصرت على حماد ومن معه، فقُتل ومن معه وحازت بنو سُليم السلاح والكراع والثياب، وغلُظ أمرهم، فاستباحوا القرى والمناهل فيما بين مكة والمدينة، حتى لم تمكن أحدًا أن يسلك تلك الطريق، فوجه إليهم الخليفة الواثق (العباسي) بُغا الكبير التركي في الشاكرية والأتراك والمغاربة، فقدم المدينة في شعبان سنة ثلاثين ومئتين، فشخص إلى حرَّة بني سُليم لأيام بقين من شعبان فكانت الوقعة من وراء السوارقية، وهي قريتهم التي يأوون إليها وهي حصون، وكان جُلُّ من لقيهُ من بني عوف، فيهم عُزيرة بن قطاب، والأشهب، وهما رأسا القواد يومئذ، فهزمهم بُغا وقتل نحو خمسين رجلًا، وأسر مثلهم، ودعاهم بعد الوقعة إلى الأمان على حكم أمير المؤمنين الواثق وأقام بالسوارقية فأتوه

стр. 3819

واجتمعوا إليه، وجمعهم من عشرة، واثنين، وخمسة وواحد، وأخذ من جمعت السوارقية من غير سُليم من أفناء الناس وهربت خُفاف من بني سُليم إلا أقلها، وهي التي كانت تؤذي الناس، وتطرق الطريق، وجل من صار في يده من بني عوف، وكان آخر من أخذ من بني حبشي (١) من سُليم، فاحتبس عنده من وصف بالشر والفساد، وهم زهاء ألف رجل، وخلّى سبيل سائرهم، ثم رحل عن السوارقية إلى المدينة في ذي القعدة سنة ثلاثين ومئتين - ثم ذكر الطبري بقية خبرهم مع من جمعهم من بني هلال وبني كلاب من عامر بن صعصعة من هوازن - وهو أن احتبسهم في السجن بالمدينة، وبعد أن عاد من مكة وجد أن أهل المدينة قتلوهم عن آخرهم بعد أن رشوا الحارس، وقد حاولوا الهروب بعد أن فتح لهم الباب، وقد أمر بغا بعمل مقبرة جماعية لهؤلاء المقتولين ووضعهم أكوامًا فوق بعضهم البعض في المقبرة. وهنا نقول لمن تلقفوا نص البلخي عن حرب الذي ذكر توليهم على بعض المزارع والضياع لبني جعفر بن أبي طالب بالفرع أواخر القرن الثالث أو أوائل الرابع الهجري - على رسلكم - وأبو زيد البلخي توفي عام ٣٢٢ هـ (في بداية القرن الرابع الهجري) وقد اعتبروا هذا النص دليلًا على صحة قول الهمداني وشطحاته أن حربا كانت مسيطرة على بلاد ما بين الحرمين منذ القرن الثالث الهجرى!! وما دام المؤيدين للهمداني مما ذكرنا مثل الأستاذ فايز البدراني أو الشيخ حمد الجاسر أو غيره من الباحثين من حرب يتمسكون ببعض النصوص غير الجازمة مثل نص البلخي ليأكدون أوهام الهمداني .. فنقول لهم هل تتمسكون بما يحلو لكم وتتركون نصوصًا أخرى أكثر قوة وحيادية في نفس الزمن (القرنين الثالث والرابع الهجريين)؟! وهل نص ابن جرير الطبري لم يمر عليكم؟ علما بأن الطبري كان في عداء مستحكم مع بني سُليم إلا أنه لم ينكر الحقيقة، وقال إن سُليم هي القوة الأولى

стр. 3820

بين الحرمين ولا صولة لغيرها وقتئذ سواء حرب أم أية قبائل أخرى والنص واضح لا غموض فيه .. ومحايد لا شك فيه. ثم نتساءل أين كانت قبيلة حرب القاهرة للقبائل كما وصفها الهمداني، أين كانت وسُليم تفعل الأفاعيل وتصول وتجول على المدينة النبوية وتنهب القوافل وتعتدي على الحاج وعلى الجار ميناء الحجاز وتقتل كنانة وباهلة؟ وما دامت حرب كما وصفها الهمداني صاحبة الحول والطول وتدخل القبائل العدنانية إلى الحجاز بزمامها، لماذا لم تقف في وجه سُليم ما دامت قد بلغت من الطغيان ما بلغت وقد أخذت أسعار الأسواق في الحجاز كيفما شاءت، وقد استباحت القرى والمناهل ما بين الحرمين وطغت على البلاد والعباد، فلو كانت حرب كما يدّعي الهمداني موالية للخليفة العباسي وتأخذ الخفارة على الطريق ما بين مكة والمدينة لشاركت القائد حماد بن جرير الطبري قتال بني سُليم مع من تطوع معه من قريش والأنصار، ولربما كانت قد منعت عنهم الهزيمة الساحقة التي كان من ضحاياها القائد ابن جرير نفسه .. وحقا لو كانت حرب بمثل ما صورها لنا الهمداني لما كلف الخليفة العباسي عام ٢٣٢ هـ بغا الكبير التركي بجيش ضخم من بغداد ليُخضِّد شوكة سُليم وكما تقدم في النص الذي سقناه للطبري. ونحن هنا بهذا النقد لا ننكر وجود قبيلة حرب في القرن الثالث الهجري في مواضع بالحجاز مثل الفرع أو غيرها قد استولوا عليها من الجعافرة كما ذكر البلخي وابن خلدون وغيرهما. ولكن ننكر ونعترض بقوة على تهويل وتضليل الهمداني في عهده آخر القرن الثالث وأول الرابع الهجري أن حربا هي القوة الرئيسية بين الحرمين .. فكيف نصدّقه وقد شذ عمن عاصره من المؤرخين المشهورين. ولم أر في أي مرجع طول عهد الدولة العباسية الذي زاد عن خمسة قرون ونصف قرن اسم رجل من قبيلة حرب له بروز في قيادة جيش من جيوش العباسيين التي وصلت إلى ما وراء النهرين شرقًا واسطنبول غربًا. أو عالم حربي في أي علم أو شاعر معروف، وهذا
следующие страницы →