أقول: ويظهر أن العلاقة الطيبة لم تدم طويلًا بين الشيخ سعد بن جزا ودولة محمد علي، حيث يستفاد من الوثائق التاريخية أن الدولة اختلفت مع الشيخ الشاب سعد بن جزا الذي كان له طموحاته وتطلعاته التي لم تعجب السلطة في الحجاز، فقامت بخلعه.
ولكن يبدو أن الدولة لم تبادر إلى تعيين شيخ آخر مكانه في البداية معتقدة أنه يمكن تسيير أمور منطقة الجديَّدة ووادي الصفراء عن طريق مرابطة قوات عسكرية ضخمة فيها، غير أن هذا الإجراء لم ينجح، فقامت الدولة بإعادة تعيين الشيخ زيد بن محمود الفضيلي الأحمدي في مشيخة عربان الجديَّدة وذلك في أول سنة ١٢٥٣ هـ (١). كما سيأتي الكلام عن الشيخ ابن محمود في الفصل التالي.
لكن الشيخ سعد بن جزا لم يستسلم لهذا الإجراء، فقام بثورات عارمة ضد محمد علي وقواته، حسب ما تورده التقارير التركية خلال تلك الفترة. ومن ذلك ما أورده تقرير مرفوع من خورشيد باشا إلى محمد علي في شهر ربيع الأول سنة ١٢٥٣ هـ، جاء فيه: أن الشيخ سعد لا يزال متمردًا على الدولة، وأنه يهدد بقطع طريق وادي الصفراء، وقد انضم إليه بعض كبار الأحامدة ومنهم أخوه بخيت بن جزا وابن عمهما عامر بن وصل ومن معهما من الأحامدة.
كما يفيد التقرير أيضًا أن الشيخ سعدًا لجأ إلى بعض قبائل مسروح فتضامنوا معه وثاروا على محمد علي، وهم بنو عمرو وزبيد واللهبة من عوف، وقاموا بشن بعض الغارات على المناطق الخاضعة لقواد محمد علي وهدَّدوا طريق امداداته بين ينبع والمدينة ومكة والمدينة واشتبكوا مع القوات التركية المصرية في عدة معارك عنيفة (٢).
واستمرارًا لتلك الثورة، فقد استطاع سعد بن جزا أن يوَجِّه لقوات محمد علي ضربة عنيفة في مطلع سنة ١٢٥٤ هـ وذلك بقيامه بتنفيذ تهديده بقتل أكبر
стр. 3852
قواد محمد علي بمنطقة الحجاز وهو اللواء عثمان بك أمير اللواء الموَجَّه للمرابطة في مضيق الجديّدة ومحاربة الشيخ سعد بن جزا وأتباعه من حرب (١)
وقد حاول قادة محمد علي إضعاف ثورة سعد بن جزا عن طريق ضرب قبائل حرب ببعضها البعض، وكان من نتيجة ذلك إيقاع الخلاف بين ميمون والمراوحة، فوقع عدة مقاتلات بين الأحامدة ومن معهم من ميمون وبين الحوازم ومن معهم من المراوحة كالظواهرة وغيرهم، وذلك في منتصف سنة ١٢٥٤ هـ. وهنا استنجد الشيخ سعد بن جزا بقبائل مسروح كما حاول إثارة جهينة ضد الدولة، مما اضطر محافظ المدينة وقادة محمد علي إلى محاولة تسكين الفتنة مرة أخرى (٢).
ومع ذلك فقد استمرت ثورة سعد بن جزا واستمر الخلاف بين الحوازم والأحامدة حتى بداية سنة ١٢٥٦ هـ. وقد تخلل تلك الفترة عدة حوادث دامية بين الأحامدة ومن معهم من حرب وبين الحوازم ومعهم الدولة، فدمَّرت قرى الطرفين وحرِّقت نخيلهم عدة مرات خلال الفترة من سنة ١٢٥٣ هـ إلى ١٢٥٦ هـ، كما راح منهم أعداد هائلة ضحية لتلك الأوضاع المضطربة. ومع ذلك فقد صمد الشيخ سعد بن جزا وحارب قوات محمد علي ببسالة، ولم يتم إنهاء ثورته إلَّا بالتفاوض على يد الشريف محمد بن عون الذي قاد بنفسه قوات ضخمة لقتال الأحامدة، وذلك في مطلع سنة ١٢٥٦ هـ، لكنه لما رأى صعوبة إخضاع تلك القبيلة بالقوة وصعوبة إلحاق الهزيمة بالشيخ سعد المتحصن في جبل الفقرة الحصين، سعى إلى إنهاء ثورتهم عن طريق المصالحة والمهادنة.
وبعد التفاوض والاتفاق على شروط وقف القتال تمكن الشريف محمد بن عون من دخول جبل الفقرة بمرافقة بعض شيوخ الأحامدة، وتم إنهاء تمرد الشيخ
стр. 3853
سعد بن جزا عن طريق إعادته إلى منصبه وإبقاء شيوخ الأحامدة الآخرين في مناصبهم (١).
وبعد ذلك سكنت الأمور بعض الشيء واستقرت مشيخة سعد بن جزا وامتدت حتى سنة ١٢٨٠ هـ تقريبًا، رغم ما تخللها من بعض الخلافات أحيانًا مع أشراف مكة. وقد أتاح هذا الوضع لمشيخة سعد بن جزا أن تتسع وتشتهر في قبائل حرب، حتى صارت أكبر مشيخات حرب تقريبًا عند وفاته.
وللاستفادة من الوثائق التاريخية في تحديد فترة رئاسة الشيخ سعد فإنه يمكن استعراض أهم الوثائق التي لها علاقة بهذا الشيخ ومشيخته خلال فترة رئاسته، ومنها على سبيل المثال ما يلي:
١ - الوثيقة المؤرخة في ٢٤/ ١٠/ ١٢٤٥ هـ التي سبق الإشارة إليها وهي الحلف بين قبائل ميمون من بني سالم وبني محمود من بني عمرو من مسروح، حيث ورد فيها ما يفيد أن سعد بن جزا كان من كبار الأحامدة في ذلك الوقت ولكنه لم يكن شيخًا بعد.
٢ - الخطاب المؤرخ في ٢٧/ ١/ ١٢٤٩ هـ، المرفوع من سعد بن جزا إلى محمد علي.
٣ - الوثيقة المؤرخة في ٢٨/ ٤/ ١٢٥٣ هـ، وهي البرقية المرفوعة من خورشيد باشا إلى وزير داخلية مصر، للإخبار بأن سعد بن جزا شيخ عربان بني سالم سابقا ينوي قطع خط الرجعة على خورشيد باشا إذا ما انسحب من المنطقة! وأن مواجهته تحتاج إلى إرسال زهاء ثمانمائة من عساكر العرب إضافة إلى القوة الموجودة.
٤ - الخطاب المرفوع إلى خورشيد باشا في ٢٢/ ٥/ ١٢٥٣ هـ والذي ورد فيه الإفادة بهروب سعد بن جزا وقيامه بالطواف بين القبائل وتحريضها، وضرورة إعطائه الأمان أو إسكاته بأية طريقة!
стр. 3854
٥ - الخطاب العربي المرفوع من مفرِّج بن جار الله الأحمدي إلى محافظ المدينة، بتاريخ ١٥/ ٥/ ١٢٥٤ هـ، وفيه يفيد أنه قابل كلًّا من الشيخ سعد بن جزا والشيخ عبد الله بن محسن بن مطلق وحاول إقناعهما بالتخلِّي عن عصيانهما للدولة ولكنه فشل في ذلك وبالذات مع الشيخ سعد بن جزا لأنه يشترط دفع جميع مخصصاته التي توقف المحافظ عن دفعها!
٦ - التقرير المرفوع من سليم باشا مأمور مضيق الجديّدة إلى محمد علي بتاريخ ٦/ ٨/ ١٢٥٤ هـ، ويفيد باستمرار ثورة سعد بن جزا وأخيه بخيت بن جزا ولجوئهما إلى جبلي رحقان والفقرة.
٧ - التقرير المرفوع من سليم باشا بتاريخ ٣/ ٩/ ١٢٥٤ هـ إلى ولي النعم ونقتطف منه ما ترجمته: (غادرنا ينبع البحر في ٢٤ شعبان سنة ٥٤ ووصلنا المدينة في نهايته، ولما وصلنا إلى مضيق الجديَّدة جاءنا الشيخ عبد الله بن مطلق مع الشيخ مفرّج والشيخ بخيت أخو الشقي المدعو سعدًا من الأحامدة، فكلمونا ورافقونا إلى المدينة إلا الشقي الذي يقال له سعد، فهو لم يأتنا ولا قابلنا. . . إلخ).
٨ - التقرير المرفوع من الشريف محمد بن عون إلى محمد علي في ١/ ٣/ ١٢٥٦ هـ والذي يفيد فيه بانتهاء ثورة الشيخ سعد بن جزا، وبقائه على مشيخته.
٩ - مبايعة في بلاد الأحامدة مؤرخة في ٢٦/ ٢/ ١٢٧٢ هـ.
١٠ - وثيقة مؤرخة في سنة ١٢٧٨ هـ وهي عبارة عن الاتفاق على حِمَى الفِقرة.
١١ - رسالة من الشيخ سعد بن جزا إلى الشريف في ٢٣/ ٩/ ١٢٧٩ هـ.
وبعد هذا التاريخ لا يرد ذكر للشيخ سعد بن جزا في المكاتبات والمراسلات الرسمية، مما يوحي بأن فترة مشيخته لم تدم كثيرًا بعد هذا التاريخ، ومما يجعلنا نعتقد بأن وفاته كانت في حدود سنة ١٢٨٠ هـ.
стр. 3855
بخيت بن جزا:
من مشاهير أسرة آل جزا، وهو أخو الشيخ سعد بن جزا، وكان له دور سياسي كبير أثناء مشيخة أخيه سعد بن جزا، وخاصة أثناء ثورة سعد بن جزا على الدولة. وقد ورد ذكر بخيت بن جزا في عدد كبير من الوثائق التاريخية، منها على سبيل المثال:
- التقرير المرفوع من الشيخ سعد بن جزا إلى محمد علي باشا بتاريخ ٢٧/ ١/ ١٢٤٩ هـ، وقد ذكر فيه أن بخيت بن جزا رافق الحاج إلى مكة وحمل مكتوبًا إلى الشريف محمد بن عون في مكة.
- التقرير المرفوع من خورشيد باشا إلى ولي النعم بتاريخ ١٨/ ٣/ ١٢٥٤ هـ، وذكر فيه أن سعد بن جزا لا يزال ثائرًا على الدولة ومعه أخوه بخيت وابن عمهما عامر بن وصل.
- التقرير المرفوع من سليم باشا إلى ولي النعم بتاريخ ٦/ ٨/ ١٢٥٤ هـ، وذكر فيه أن الشيخ سعد بن جزا وأخاه بخيتًا، قد خرجا عن الطاعة وتحصَّنَا في جبلي رحقان والفقرة.
- التقرير المرفوع من سليم باشا إلى ولي النعم بتاريخ ٣/ ٩/ ١٢٥٤ هـ، وذكر فيه أنه قابل عددًا من شيوخ الأحامدة ومنهم عبد الله بن مطلق ومفرّح بن جار الله وبخيت أخو الشيخ سعد بن جزا.
- تقارير الشريف محمد بن عون حول محاربته للأحامدة سنة ١٢٥٦ هـ.
وهكذا يتضح أن الشيخ بخيت بن جزا كان من أعيان قبيلته البارزين، وكان له دور هام في مساندة أخيه سعد بن جزا أثناء خلافه مع قوات محمد علي، مما أدَّى إلى صمود ثورته واستعادته للمشيخة فيما بعد.
حذيفة بن سعد بن جزا:
من مشاهير شيوخ هذه الأسرة، خَلَف والده في المشيخة، وعاصر إمارة عدد كبير من أشراف مكة مثل: الشريف عبد الله محمد بن عَوْن (١٢٧٤ -
стр. 3856
١٢٩٤ هـ)، والشريف حسين بن عون (١٢٩٤ - ١٢٩٧ هـ)، والشريف عون الرفيق ابن محمد بن عون (١٢٩٩ - ١٣٢٣ هـ).
وتعرَّضت المشيخة في عهده إلى كثير من المشاكل بسبب إيقاف مصر لصرف مخصصات قبيلة الأحامدة بسبب تحويل الحج من البر إلى البحر لعدة سنوات، ومماطلة أمراء الحج في تسديد مخصصات عربان الطريق.
كما حدث كثير من المصادمات والحوادث الدامية بينه وبين بعض القبائل الأخرى، بسبب التنافس على السيطرة على طرق الحج، وكذلك بسبب تدخل أشراف مكة وأتابع الدولة في شئون القبائل في أحيان كثيرة.
ومع ذلك فقد اشتهرت المشيخة في عهده وصار له مكانة مرموقة لبس على مستوى قبيلة الأحامدة بل على مستوى منطقة الحجاز!
ويستفاد من الوثائق التاريخية أن الشيخ حذيفة نوفي في حدود سنة ١٣٢٠ هـ أو بعدها بقليل، حيث لم أجد له ذكرًا في الوثائق التاريخية بعد هذا التاريخ!
مشيخة آل جزا بعد حذيفة:
حيث إن هذا البحث يختص في مشيخة آل جزا في القرن الثالث أي خلال الفترة من ١٢٠٠ - ١٣٠٠ هـ، فإننا لن نتحدث عن مشاهير أسرة آل جزا بعد سنة ١٣٠٠ هـ؛ لأن ذلك يحتاج إلى بحث مستقل، ولكن يستفاد من الوثائق التاريخية ومن رواية بعض كبار السن من هذه الأسرة أنه بعد حذيفة، حصل بعض التنافس بين أبنائه على المشيخة وراد من ذلك تدخل الشريف عون الرفيق ومحافظ المدينة، فكان يستقل بها أحدهم حينًا ويشتركون فيها حينًا آخر كما يستفاد من الوثائق التاريخية التي اطلعت عليها ومنها وثيقة مؤرخة في شهر محرم سنة ١٣٢٢ هـ وتحمل توقيع أبناء حذيفة الثلاثة وهم عقاب وخلف وخليل، وهي عبارة عن خطاب مرفوع إلى أمير المحمل المصري، وهذا نصها:
стр. 3857
(الحمد لله وحده، إلى حضرة الجناب العالي والمقام الغالي أمير المحمل الشريف المصري، أدامه الله تعالى، آمين؛ وبعد مزيد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، لا يخفى جنابك العزيز بأن العام الماضي خَدَمنا المحمل الشريف في النزول وفي الرجوع وورد بالسلامة، وذكرناكم في معاشنا السابق، وأخبرناكم بقدره سبعة آلاف قرش وخمسماية، وشال قشميري وجوخة. . . . وعليق مونة خمس وسبعون هجين، استلمه والدنا (السنة) الأولة والثانية. وعلى مُدَّة الشيخ أحمد صار منه تعطيل، وأوجب استحالة (١) المحمل الشريف عن [الطريق] السلطاني وتحت مناظرتنا الدولة العلية العام خدمنا وتعهدت لنا بمعاشنا. . . (٢)، وطلبت منا لتكليف المحمل الشريف بخدمتنا له من دون أجر إلّا معاشاتنا وعوايدنا، حيث إنك اعتذرت. . . وتعهدت لنا، وعلى حسب ذلك حضرنا طرفكم في ينبع البحر، ولم حصل لنا منكم أجر. . . . بعد ذلك نظرنا تبع نظركم إن تعذرتوا، فتعذرونا ولا يلزم علينا لا خدمة ولا طريق حيث إن حاشا إن الدولة تجري شي أولًا وثانيًا. . . . ولا يقبلكم منَّا العذر في محقيتنا، وكسر اعتبار علينا، ودولتكم ما ترضى ذلك، ولا ترضينا المصالح عن المحقية قلَّت أو كثرت. ويصير عندكم معلوم، هذا ودمتم والسلام. يوم ٩ عاشور سنة ١٣٢٢ هـ. التوقيع عقاب بن الشيخ حذيفة بن سعد [الختم]، خلف بن الشيخ حذيفة بن سعد [الختم]، الشيخ خليل بن حذيفة بن سعد [الختم]).
ويستفاد من الوثيقة السابقة أن المشيخة الاسمية كانت لخليل بن حذيفة كما يظهر من قراءة التوقيعات. ثم استمرت المشيخة في أبناء حذيفة بالتناوب أحيانًا وبالمشاركة أحيانًا، وإلى أن تعيَّن الشيخ عساف بن سعد بن جزا، وذلك في
стр. 3858
حدود سنة ١٣٣٠ هـ تقريبًا، واستقر في المشيخة فترة طويلة وعاصر حوادث انضمام الحجاز إلى الدولة السعودية، واستمر في مكانته وشهرته إلى أن توفي سنة ١٣٦٣ هـ ﵀.
وخلفه ابنه محمد علي بن عساف إلى أن توفي بتاريخ ٢٠/ ٩/ ١٣٨٤ هـ، ثم خلفه ابنه الآخر عباس بن عساف إلى أن توفي سنة ١٣٩٦ هـ، وبعده خالد بن محمد علي بن عساف بن سعد وهو الموجود حاليًا.
مشيخة ابن محمود
تعتبر إمارة الشيخ ابن محمود من الإمارات العريقة والشهيرة في قبيلة حرب عامة وفي قبيلة الأحامدة بشكل خاص. وهم شيوخ الفضَلة من الأحامدة وديارهم جبل الفقْرَة ورحقان.
وللأسف الشديد فلم أجد معلومات كافية عن بداية شيوخ هذه الأسرة العريقة قبل الشيخ محمود الذي عرفت الأسرة باسمه، حيث ورد له ذكر في بعض المصادر التاريخية يفيد بأنه عاصر وصول القوات المصرية إلى الحجاز سنة ١٢٢٦ هـ. وذلك فإننا سوف نستعرض باختصار بعض مشاهير شيوخ هذه الأسرة ومنهم:
زيد بن محمود:
يستفاد من الوثائق التاريخية أن الشيخ زيد بن محمود بن محمد بن عميرة عاصر الإمام عبد الله بن سعود وكان له علاقات جيدة مع الدولة السعودية الأولى. وعلى الرغم من محاولات طوسون باشا تقريب هذا الشيخ بعد دخول المصريين للمدينة، إلَّا أنه لم يكن على وفاق تام مع قوات محمد علي، ولذلك فقد قبَض عليه إبراهيم باشا وأرسله إلى مصر مع من أرسل من أهل نجد
стр. 3859
والحجاز. حيث تفيد إحدى الوثائق التركية المؤرخة في ١٢ ذي القعدة ١٢٣١ هـ/ ١٢٣ هـ المرسلة من إبراهيم باشا إلى والده محمد علي في مصر أن الشيخ زيدًا قد عصَى على إبراهيم باشا وتوَارَى عنه منذ وصوله للمدينة (١) أي في سنة ١٢٣١ هـ. ممّا يوحي بأن هذا الشيخ كان من المناوئين لإبراهيم باشا فكانت النتيجة أن أُرسل إلى مصر.
لكن إبراهيم باشا أخرجه من سجن مصر وأعاد تعيينه في منصب كبير مشايخ حرب الواقعين في وادي الصفراء، غير أنه لم يلبث أن ثار على المصريين، فقاموا بعزله وتعيين الشيخ وصل بن عامر سنة ١٢٣٦ هـ، كما مر معنا (٢).
وقد صار للشيخ زيد بن محمود شهرة كبيرة وذكر غير خامل بعد ذلك، وعاصر أحداثًا تاريخية هامة خلال حكم قوات محمد علي باشا للحجاز والجزيرة العربية.
ومن ذلك أنه بعد عزله من منصبه وتعيين الشيخ وصل بن عامر سنة ١٢٣٦ هـ، قام الشيخ زيد بن محمود بالتمرد على دولة محمد علي باشا ولجأ إلى الجبال وأحرج عساكر الدولة وقوافلها مما أدى إلى اختلال النظام في المنطقة الواقعة بين ينبع والمدينة، كما تفيد بذلك إحدى وثائق محمد علي باشا المحررة إلى أحمد آغا وكيل محافظ المدينة بتاريخ ٢٦/ ٦/ ١٢٣٦ هـ، وقد جاء فيها الأمر بإلقاء القبض على الشيخ زيد بن محمود وإعدامه، حيث يقول محمد علي لمحافظه ما ترجمته: (وحيث إنه من البديهي أن حسن النظام في تلك النواحي وأمن أهلها وسكانها يتوقفان على إزالة وجود الشيخ زيد بن محمود وإعدامه بالنظر إلى إنهائكم المبسوط في خطابنا الآخر، فهيَّا حتى أراك تلقي القبض على الشيخ
стр. 3860
المذكور بتدبير حسن، فمطلوبنا أن تسعوا بكل غيرة واهتمام في إجراء ما يستحقه من الجزاء. . . . إلخ) (١).
ويبدو أن عساكر محمد علي لم يتمكنوا من إلقاء القبض على هذا الشيخ الثائر لعدة سنوات، وذلك أنه ورد في أخبار سنة ١٢٤٠ هـ على لسان أمير الحج الإيراني أن شيوخ الأحامدة ومنهم وصل بن عامر الصميدي وزيد بن محمود الفضيلي قد اعترضوا طريقه في وادي الصفراء وأخذوا ما يخصهم من الخاوة والكساوي لهم ولغيرهم من قبائلهم (٢).
كما يستفاد من المصادر التاريخية الموثقة أن الوضع بن الشيخ زيد بن محمود وعساكر محمد علي استمر على حالته المضطربة إلى سنة ١٢٥٣ هـ، إلَّا أنه كان عاقلًا حكيم التصرف، مما أدى إلى قيام قادة محمد علي بالتقرب إلى الشيخ زيد بن محمود بسبب خلافهم مع الشيخ سعد بن جزا فتم عزل الشيخ سعد وإعادة تعيين الشيخ زيد في منصب كبير مشايخ حرب في وادي الصفراء مرة أخرى. وذلك أن خورشيد باشا الذي لاحظ صعوبة السيطرة على قبيلة حرب إلا عن طريق تعيين مشيخة قوية تجمعها، فاقترح على سيده محمد علي باشا أن يتم تعيين الشيخ زيد بن محمود بدلًا عن الشيخ سعد بن جزا، حيث يقول في رسالته المرفوعة بهذا الشأن (. . . وبناء على هذه الملحوظة رأيت أن من حسن التدبير تعيين الشيخ زيد بن محمود من قبيلة الأحامدة في مشيخة هذه القبيلة لأنه محترم لديها من جهة، وليس من أرباب الفتنة من جهة أخرى. . . إلخ) (٣).
وبناء على تلك التوصية فقد تم تعيين الشيخ زيد بن محمود الأحمدي في
стр. 3861
منصب شيخ مشايخ حرب أهل وادي الصفراء. وكان مقر الشيخ زيد بن محمود في بلدة الجديّدة الواقعة في ذلك المضيق الحيوي في بوادي الصفراء الذي يضم أكثر من عشرين شيخًا من مشايخ بني سالم، منهم على سبيل المثال:
- الشريف عاتق بن نامي كبير مشايخ قبيلة صبح.
- الشيخ ابن عاطف من قبيلة صبح.
- الشيخ عبد الله بن بكري من شيوخ صبح.
- الشيخ سلامة بن مرزوق الطيير من مشايخ قبيلة صبح.
- الشيخ عبيد بن نويفع من شيوخ الحوازم.
- الشيخ محمد أبو علي من مشايخ الحوازم.
- الشيخ إبراهيم بن عبد العزيز من مشايخ بني عمرو من بني سالم.
- الشيخ عطية الله القليطي من مشايخ بني عمرو من بني سالم.
- الشيخ راشد بن مساعد الرحيلي شيخ قبيلة الرحلة.
- الشيخ نصير بن نصار من مشايخ السرحة وبني يحيى.
- الشيخ مغيران بن زيدان من مشايخ وِلْد سليم.
وغيرهم.
وفي الوقت الذي كانت علاقة الشيخ ريد بن محمود تتحسن ومشيخته تستقر كانت ثورة الشيخ سعد بن جزا تزداد وتتفاقم على الرغم من محاولات ابن عمه زيد بن محمود لتهدئة الأوضاع وإعادة النظام في وادي الصفراء الذي لم يعرف الاستقرار منذ وصول قوات محمد علي. وعلى الرغم أيضًا من تعاون الشيخ زيد بن محمود والشريف عبد الله بن عبد المعين صاحب ينبع في سبيل تسكين الفتن في المنطقة إلَّا أن الأمور كانت تزداد سوءا خاصة بعد تضامن كل من
стр. 3862
الشيخ سعد بن جزا والشيخ عبد الله بن مطلق واستجابة قبائل حرب لهما لمحاربة الدولة (١).
وفي عهد الشيخ زيد بن محمود حدثت وقائع دامية بين قبائل ميمون والمراوحة وبالذات بين الحوازم والأحامدة الذين كانوا منقسمين إلى فئتين إحداهما مع الشيخ زيد بن محمود والأخرى مع الشيخ سعد بن جزا الذي كان ثائرًا على الدولة، واستمر ذلك الصراع سنتي ١٢٥٤ هـ و ١٢٥٥ هـ. وانتهى ذلك الوضع بتدهور العلاقة بين الشيخ زيد بن محمود وقادة محمد علي باشا الذين اتهموه بالتخاذل في قتال قبائل حرب الموالية للشيخ سعد بن جزا، فقام العساكر بطلب من محمد علي باشا بإلقاء القبض على الشيخ زيد بن محمود والشيخ عامر بن وصل وسجنا في مصر، وذلك في منتصف سنة ١٢٥٥ هـ.
وتفيد إحدى الرسائل المرفوعة إلى محمد علي باشا بتاريخ ٢٣/ ١٠/ ١٢٥٤ هـ أن الشريف محمد بن عون قدَّم التماسًا بالعفو عنهما وإطلاق سراحهما، لكن محمد علي أجَّل إطلاق سراحهما لحين إنهاء مسألة القتال مع الأحامدة.
ويبدو أن محمد علي لما قام بعزل الشيخ زيد بن محمود وسجنه قرَّر أن لا يعين أحدًا في مشيخة وادي الصفراء واستعاض عن ذلك بتعيين قائده سليم باشا ومعه قوة قوامها عشرة آلاف من العساكر في وادي الصفراء للسيطرة المباشرة على ذلك المضيق وقبائله.
لكن الذي يظهر أن خطة محمد علي باشا في السيطرة على القبائل بتلك الطريقة لم تتحقق، مما اضطره خلال بضعة أشهر أن يبحث عن شيخ آخر ليشغل منصب كبير مشائخ في تلك المنطقة. فتم ترشيح الشيخ عباس الظاهري لهذه الوظيفة، وأراد محمد علي تعيينه، لكنه تراجع عن ذلك تحت المعارضة الشديدة من زعماء قبيلة الأحامدة ومن وقف معهم من قبائل حرب وخاصة قبيلة صبح والرحَّلة وعوف.
стр. 3863
ولهذا فقد تم إعادة تعيين الشيخ سعد بن جزا الأحمدي في آخر سنة ١٢٥٥ هـ، وانتهت بذلك المشيخة الرسمية للشيخ زيد بن محمود على قبائل بني سالم وانحصرت مشيخته هو وأسرته في قبيلته وهم الفضلة من الأحامدة (١).
ثم لا يرد اسم الشيخ زيد بن محمود في الوثائق التاريخية التي اطلعنا عليها بعد سنة ١٢٥٦ هـ، مما يعني أن وفاته ربما كانت في حدود سنة ١٢٦٠ هـ أو قبلها بقليل، في حين بقيت شهرة مشيخة هذه الأسرة في قبيلة الأحامدة على مكانتها كما سنرى.
وقد خلَّف الشيخ زيد بن محمود عددًا من الأولاد منهم: حسين بن زيد ومحمود بن زيد وغيرهم.
أحمد بن محمد بن محمود:
وهو أخو الشيخ زيد بن محمود وقد عاصر أخاه الشيخ زيد بن محمود، وكان له دور بارز أثناء مشيخة أخيه، حيث ورد ذكره في بعض الوثائق التاريخية في تلك الفترة، وقد آلت المشيخة إليه هو وأبناؤه وأحفاده بعد الشيخ زيد بن محمود. ومن أولاد الشيخ أحمد بن محمود الذين لهم ذكر غير خامل في الوثائق التاريخية: فهد بن أحمد وسعيد بن أحمد ومحمود بن أحمد ومحمد بن أحمد، إلَّا أن الذي برز منهم بشكل خاص الشيخ فهد بن أحمد بن محمود الآتي ذكره.
فهد بن أحمد بن محمود:
اشتهر الشيخ فهد بن أحمد بن محمود بعد وفاة عمِّه الشيخ زيد بن محمود، إذ صار شيخ الفضلة وأحد مشايخ قبيلة الأحامدة الذين لعبوا دورًا هامًّا في الحياة السياسية لقبيلة الأحامدة وعلاقتها بأشراف الحجاز والدولة التركية في المدينة.
стр. 3864
وقد بدأ بروز هذا الشيخ أثناء حملات الشريف محمد بن عون على قبائل الأحامدة مع مطلع سنة ١٢٥٦ هـ، والتي انتهت صلحًا، حيث ساهم هذا الشيخ في المفاوضات بين الطرفين واستطاع أن يوفق بين شروط الدولة لوقف القتال وبين مطالب المشايخ الثائرين من الأحامدة وعلى رأسهم الشيخ سعد بن جزا والشيخ عبد الله بن مطلق الأحمدي.
ومما يدل على شهرة هذا الشيخ واتساع مشيخته ورود اسمه في عدد كبير من الوثائق التاريخية خلال الفترة من سنة ١٢٥٦ هـ، منها على سبيل المثال:
- وثيقة مؤرخة في ٢٥/ ٤/ ١٢٦٦ هـ.
- وثيقة مبايعة في ٨/ ٦/ ١٢٦٨ هـ.
- وثيقة مبايعة في تاريخ ٢٠/ ٦/ ١٢٧٤ هـ.
- وثيقة حِلْف مع شيخ قرية أبو ضباع في ٢٧/ ٥/ ١٢٧٩ هـ؟
- وثيقة مبايعة في تاريخ ٢٢/ ٤/ ١٢٨٤ هـ.
- وثيقة أخرى سنة ١٢٨٥ هـ.
- وثيقة أخرى في تاريخ ٦/ ٣/ ١٣٠٧ هـ.
- وثيقة أخرى في تاريخ ٢٩/ ٤/ ١٣٠٧ هـ.
ويستفاد من الوثائق التاريخية أن وفاته كانت في حدود سنة ١٣١٠ هـ. ثم تسلسلت المشيخة في أسرته، واشتهر منهم الشيخ فيصل الفضيلي وغيره، والشيخ الموجود الآن صادق بن سلطان بن سيف بن فهد بن أحمد بن محمود الفضيلي ويقيم في بلدة المسيجيد - أي سنة ١٤١٠ هـ.
وفيما يلي بعض مشاهير أسرة الشيخ ابن محمود الواردين في الوثائق التاريخية التي اطلعنا عليها:
(١) محمود بن عميرة ورد في وثيقة سن ١٢٢٧ هـ.
(٢) مستور بن محمود ورد في وثيقة سنة ١٢٤٥ هـ.
стр. 3865
(٣) زيد بن محمد بن محمود ورد في عدة وثائق تاريخية سنة ١٢٣٤ هـ و ١٢٤٥ هـ و ١٢٥٥ هـ.
(٤) فهد بن أحمد بن محمود ورد في عدة وثائق تاريخية سنة ١٢٥٦ هـ و ١٢٦٨ هـ و ١٢٧٤ هـ و ١٢٨٥ هـ.
(٥) محمد بن أحمد بن محمود ورد في وثيقة بتاريخ ٢٠/ ٦/ ١٢٧٤ هـ وأخرى بتاريخ ٣٠/ ١٢٨١ هـ.
(٦) حسين بن زيد بن محمود ورد في وثيقة تاريخية سنة ١٢٦٨ هـ.
(٧) زيد بن فهد بن محمود ورد في وثيقة سنة ١٢٧٩ هـ.
(٨) محمد بن فهد بن محمود ورد في وثيقة بتاريخ ٢٩/ ٤/ ١٣٠٧ هـ، وأخرى في ٦/ ٣/ ١٣٠٧ هـ.
(٩) حمد بن محمد بن محمود ورد في وثيقة بتاريخ ١٦/ ٦/ ١٢٨٧ هـ.
(١٠) فصل بن عوض ورد في وثيقة بتاريخ ٤/ ٢/ ١٣١٥ هـ.
(١١) محمود بن زيد بن محمود ورد في وثيقة بتاريخ ٧/ ٧/ ١٣٠٧ هـ.
(١٢) صادق بن سلطان هو الشيخ المعاصر من هذه الأسرة ويقيم الآن في بلدة المسيجيد في منطقة المدينة المنورة.
(١٣) ثلاب بن زيد من أعيان هذه الأسرة وهو من مواليد سنة ١٣١٨ هـ، وقد قابلته في المدينة وقد كف بصره وذلك سنة ١٤١٠ هـ، وتوفي ﵀ في شهر شعبان ١٤١٦ هـ.
وهذا نص وثيقة مبايعة بتاريخ ٨/ ٦/ ١٢٦٦ هـ:
(الحمد لله وحده. أقول وأنا الشيخ فهد بن أحمد أني بعت على مفرّج بن سليمان خمس ركاب في الحاج الشامي؛ منه ثنتين باسم مبارك بن سعيد وثلاث منه عندي والثمن خالص من وقته وحينه من عين ثمن النخل الدي أخذت منه في العويند، وهو قدر الثمن ١٥ ريال. وباع البائع في الكل وبريت ذمة المشتري
стр. 3866
بحضرة الشهود: عمر بن حمد وعطاء الله بن مرشد، والله ورسوله خير الشاهدين).
الشيخ ابن مطلق الأحمدي
من أسرة الشيخ ابن مطلق الأحمدي إحدى المشيخات الثلاث المشهورة في قبيلة الأحامدة في الحجاز، والشيخ ابن مطلق هو شيخ قبائل الصخارنة من الأحامدة، وله مشيخة عريقة لا تقل شهرة عن المشيخات التي تحدثنا عنها في الفصلين السابقين وهما مشيخة ابن جزا ومشيخة ابن محمود.
وسوف نستعرف فيما يلي بشيء من الإيجاز بعض مشاهير هذه الأسرة حسب ما توفر لدينا من معلومات تاريخية موثقة، وذلك على النحو التالي:
محسن بن مطلق:
وهو محسن بن مساعد بن مطلق، وهو أول من وجدنا له ذِكْرًا في الوثائق التاريخية التي اطلعنا عليها، حيث ورد اسمه في وثيقة تاريخية مرفوعة من طوسون باشا إلى والده محمد علي باشا في شهر رجب سنة ١٢٢٧ هـ على أنه أحد مشايخ الأحامدة إلى جانب الشيخ جزا بن عامر والشيخ محمود بن عميرة. ثم يتوالى ذكره بعد ذلك في الوثائق التاريخية، بسبب الدور الكبير الذي لعبه في الحوادث التاريخية الهامة في وادي الصفراء أثناء الاحتلال المصري للمنطقة خلال الفترة من سنة ١٢٢٧ هـ إلى سنة ١٢٥٦ هـ.
عبد الله بن محسن بن مطلق:
اشتهر هذا الشيخ بعد والده محسن بن مطلق، وخلفه في مشيخة قبيلة الصخارنة في آخر عهد وجود قوات محمد علي باشا في الحجاز، حيث عاصر ثورة الشيخ سعد بن جزا ضد محمد علي، وتضامن معه وسانده في قتال الدولة (١).
стр. 3867
كما ذكر مأمور عساكر الجديّدة سليم باشا في إحدى مكاتباته إلى محمد علي أن الشيخ عبد الله بن مطلق والشيخ مفرِّج بن جار الله والشيخ بخيت بن جزا، رافقوا القائد إلى المدينة المنورة، وذلك في شهر رمضان سنة ١٢٥٤ هـ (١).
وهناك وثائق كثيرة يصعب حصرها تدل على الدور التاريخي الواضح للشيخ عبد الله بن محسن بن مطلق خلال الفترة من سنة ١٢٥٠ هـ إلى سنة ١٢٨٠ هـ تقريبًا، منها على سبيل المثال ما يلي:
- تقرير مرفوع من محافظ المدينة بتاريخ ٩/ ٥/ ١٢٥٤ هـ.
- خطاب من الشيخ مفرج بن جار الله إلى محافظ المدينة بتاريخ ١٥/ ٥/ ١٢٥٤ هـ.
- خطاب من الشيخ زيد الحيدري إلى محافظة المدينة بتاريخ ٢٤/ ٥/ ١٢٥٤ هـ.
- خطاب من سليم باشا إلى محمد علي بتاريخ ٣/ ٩/ ١٢٥٤ هـ.
- وثيقة مؤرخة في رمضان سنة ١٢٥٥ هـ.
- تقرير من الشريف محمد بن عون بتاريخ ١/ ٣/ ١٢٥٦ هـ.
- خطاب مرفوع من الشيخ عبد الله بن مطلق إلى محافظ الحجاز حسيب باشا، بتاريخ ٢٧ صفر ١٢٦٥ هـ.
- وثيقة مؤرخة في سنة ١٢٧٩ هـ، وهي عبارة عن اتفاق بين الأحامدة حول الفقرة.
ويفيد رواة أسرة الشيخ ابن مطلق عن الشيخ عبد الله بن محسن بن مطلق، أنه عاش طويلًا ومات كبيرًا سنة ١٢٩٠ هـ تقريبا.
إبراهيم بن عبد الله بن مطلق:
وهو من مشاهير شيوخ هذه الأسرة أيضًا، كانت مشيخته بعد والده عبد الله بن محسن، ويستفاد من الوثائق التاريخية أن مشيخته كانت في آخر القرن الثالث
стр. 3868
عشر الهجري وأول القرن الرابع عشر الهجري، ويفيد أحفاده أنه توفي في حدود سنة ١٣١٩ هـ تقريبًا.
وقد اطلعت على ختمه وتوقيعه في وثيقة مؤرخة في ٧ رجب سنة ١٣٠٩ هـ، إلى جانب توقيع كل من الشيخ حذيفة بن جزا والشيخ محمود بن زيد.
وقد شاخ بعده ابنه عثمان بن إبراهيم، الذي عاصر انضمام المدينة المنورة إلى حكم الملك عبد العزيز آل سعود ﵀. وقد توفي الشيخ عثمان بن إبراهيم بن مطلق سنة ١٣٤٩ هـ.
أما الشيخ الحالي من أبناء هذه الأسرة فهو الشيخ مطلق بن عثمان، وهو رجل كبير السن، له مكانة مرموقة في قبيلته، ومقره قرية السدَيّرة في أسفل جبل الفقرة من الغرب، وبها مركز إمارة رسمي، وقد زرتها سنة ١٤١٢ هـ.
الشيخ خلف بن ناحل بين الشعر والتاريخ
الشيخ خلف بن ناحل من الشخصيات الصحراوية المتميزة، لكنه مثال حي لأولئك الذين هضم التاريخ حقوقهم من عرب صحراء الجزيرة العربية، لأسباب منها:
١ - أنهم عرب رَحَّل ليس للكتابة والتدوين وجود عندهم.
٢ - أنهم بعيدون عمن يؤرخ لهم ولا صلة لهم بالمؤرخين في زمانهم.
٣ - أن صاحب الشخصية ليس شاعرا يتغنى بأمجاده ويفاخر بأفعاله، لتبقى تلك الأشعار سِجِلًّا تاريخيا لشخصيته!
ولأن الإنصاف يكون أولى وأوجب إذا كان لشخصية بعيدة عن الأضواء، معزولة عن المؤرخين والمادحين، لا تفعل المكارم تصنعًا، ولا تبحث عن الشهرة
стр. 3869
تكلفًا، لكنها تفعل الحمد سجية، وتمارس الفضائل طبعًا لا تطبعًا، فقد كان هذا سبب اهتمامي بشخصية الشيخ خلف بن ناحل، الذي يضرب به المثل في الكرم بين العرب المتأخرين في نجد، في الوقت الذي نجد أن الكثيرين لا يعرفون عنه شيئًا للأسباب السابقة.
وحيث إن فعل الخير والمعروف لا يذهب سُدَى، وكما يقول الحطيئة:
من يفعل الخير لا يُعْدَمْ جوازيَهُ … لا يذهب العُرْف بين الله والناسِ
فلم يُعْدَم خلف بن ناحل من الإشادة بشخصيته والثناء على كرمه المتميز بالرغم من العوامل السابقة التي كانت ستؤدي حتما إلى عدم توثيق تاريخ هذه الشخصية المتميزة. ومن غريب الصدف أن يأتي هذا التوثيق من مؤرخ أجنبي جمعت الأقدار بينه وبين هذا الشيخ البدوي بدون تخطيط أو ترتيب، ذاك هو الرّحّالة البريطاني تشارلز داوتي.
وحيث إن هذا المبحث يدور حول شخصية خلف بن ناحل وما قيل عنه من النثر أو الشعر، ومدى تأكيد هذا المصدرين لبعضهما، فقد رأينا تقسيمه إلى ثلاثة فصول رئيسة عن النحو التالي:
الفصل الأول: خلف بن ناحل: حياته ونسبه.
الفصل الثاني: خلف بن ناحل في مذكرات الرحالة داوتي.
الفصل الثالث: خلف بن ناحل في ذاكرة الشعر.
خلف بن ناحل: نسبه وحياته
تعريف بنسب خلف بن ناحل:
هو: خلف بن راشد بن سالم بن ناحل من ذوي رويشد من الصخارنة من قبيلة الأحامدة من ميمون من بني سالم من حرب.
ومما يجب التنويه عنه أن هذا المبحث المختصر ينحصر في الكتابة عن الشيخ خلف بن ناحل، ولا يتناول البحث عن تاريخ أسرة النواحل التي تعتبر اليوم قبيلة
стр. 3870
بنفسها، برز منها رجال كرام وشعراء وفرسان، إلَّا أن هذا البحث لا يتسع مجاله لاستعراض تاريخ النواحل وإنما يختص بشخصية خلف بن ناحل، وما يتعلق به ولعل أحدًا من أبناء النواحل يقوم بإكمال ما بدأناه ويكتب عن النواحل بشكل أوسع وأشمل.
أما خلف بن ناحل الأحمدي فهو شيخ الأحامدة في نجد وقد بني له شهرة واسعة، حيث جمع بين الشيخة والثراء وبين الكرم والشجاعة، فكان شيخا حكيما في تصرفاته موفقا في غزواته. يمارس التجارة إلى جانب الشيخة، وكان بعيدا في تطلعاته التجارية، فوصلت قوافله التجارية إلى مصر والشام فضلا عن الحرمين الشريفين. وفوق هذا النجاح والتوفيق استطاع خلف بن ناحل أن يَبْني كنزا عظيما أهم وأبقى من المال ومن الشيخة، وهو السمعة الطيبة والصيت العظيم، فصار كرم خلف بن ناحل مدار حديث الركبان في البيداء، وموضوع كلام المجالس لدى أهل الوَبَر وأهل المَدَر.
وكان العرب يكفيهم بالرجل فخرًا أن يكون شجاعا أو كريما، حتى كان إذا اشتهر بواحدة من هاتين الخصلتين، قيل: فيه من الاثنتين واحدة! وكفاه ذلك فخرًا، لكن خلف بن ناحل جمع بين الخصلتين مَعًا، فكان واحدًا من كرماء العرب المتأخرين كما أنه كان فارسا وعقيدا مظفرا أيضًا، فالتف حوله جماعته وأسندوا إليه رئاستهم، فصار كما قال الشاعر العربي.
أتَتْه الرئاسة مُنْقادة … إليه تُجَرْجِرُ أذيالَها
فلم تَكُ تصلَحُ إلَّا لَهُ … ولم يَكُ يصلح إلَّا لَها
ولم يكن كرم خلف بن ناحل عاديًّا، لكنه فاق في كرمه أهل زمانه، حتى اقترن اسمه بالكرم؛ لأنه ابتدع في الكرم أشياء لم يسبقه إليه أحد، ومن ذلك أنه كان يعطي بعد رجوعه من غزواته كل من سأله وإن كان لم يكسب شيئًا من غزوته، وقد خلَّد الشعراء تلك الميزة في خلف بن ناحل، ومن ذلك قول الشاعر الأمير حمود بن رشيد من قصيدة له:
стр. 3871
يا من خَبَر يحْذِى وهو ما كسَبْ … يا كود ابن ناحل بماضي الزماني
وقال الشاعر فرج بن خربوش الشمري في إحدى قصائده:
وخلف بن ناحل مضِيْفه تِقِل عِيْد … اللي عَطَى الزمَّال مِن حر ماله
أما الشيخ محمد بن بليهد فقد قال في كتابه: صحيح الأخبار، وهو يتكلم عن حرب: (لو لم يكن في حرب إلَّا خلَف بن ناحل لكفَاهم بكَرَمِه) (١).
ومما تجب الإشارة إليه هنا أننا لا نؤيد ما كان عليه العرب في الزمن السابق من ممارسة الغزو والسلب والنهب، ولا نتمنى أن تعود تلك الحياة الجاهلية إلَّا أننا نشيد بالجوانب الفاضلة في حياتهم كالشهامة والإيثار والشجاعة والكرم، فها نحن نرى الشيخ خلف علاوة على ما تميز به من تلك الخصال الحميدة، فقد كان مُتَدَيِّنًا شديد التعصب لدينه، تتضح ملامح شخصيته الدينية من خلال تعامله مع الرحّالة النصراني الذي طلب من ابن ناحل أن يوصله إلى القصيم مقابل مبلغ مالي جزيل، إلا أن خلف، لم يقبل ذلك لكنه عرض على داوتي أنه يوصله إلى القصيم بدون مقابل إن هو نطق بالشهادتين، كما سيمر معنا، فنرجو من الله العفو والمغفرة لخلف وأمثاله.
متى وأين عاش خلف بن ناحل ؟
أما فيما يتعلق بحياة الشيخ خلف بن ناحل، فليس هناك تاريخ مؤكد لتحديد تاريخ ولادته ولا تاريخ وفاته. وكل ما نعرفه أن شيخة خلف بن ناحل كانت على آخر عهد الأمير طلال بن رشيد المتوفى سنة ١٢٨٥ هـ، ثم عاصر شطرا كبيرا من إمارة محمد بن عبد الله الرشيد - من ١٢٨٩ هـ إلى ١٣١٥ هـ. أما وفاة خلف بن ناحل فكانت في حدود سنة ١٣٠٥ هـ تقريبًا.
وكانت أكثر إقامة خلف بن ناحل مع عربانه في نجد، وخاصة المنطقة الواقعة ما بين القصيم وحائل والمدينة. لكن رحلاته التجارية كانت تمتد إلى الشام
стр. 3872
ومصر، كما يذكر الرحالة داوتي؛ فضلا عن علاقات التجارية والقبَلِيّة مع منطقة الحجاز ومدنها الرئيسية. حيث ذكر داوتي الذي زار خلف بن ناحل سنة ١٢٩٥ هـ أنه كان يقيم بعربانه قرب بلدة السُّلَيْمي الواقعة إلى الجنوب من حائل. كما ذكر أن غزواته تمتد إلى ديار عتيبة.
ذريّة خلف بن ناحل:
ترك الشيخ خلف بن ناحل إضافة إلى تاريخه الحافل وسمعته الكريمة، أبناء وأحفادا غير خاملي الذكر، برز منهم فرسان وأمراء وكرماء وشعراء، ساروا على منهج سلَفهم وتوَسَّموا خطاه، وسوف نورد ما يسمح المجال بإيراده عن بعض أعيان أسرة ابن ناحل.
فقد أعقب خلف بن ناحل خمسة من الأبناء، وهم:
١ - بدر بن خلف بن ناحل، وعقب بندر، وعقب بندر: مارق وهايس.
وعقَّب مارق: نايف وشبّاب وصدِّيق وهم معاصرون ولهم أولاد وأحفاد. أما هايس بن بندر فعقب: بندر وأولاده.
٢ - صَلَف بن خلف بن ناحل، وتوفى سنة ١٣١٦ هـ وأنجب نايف وغلاب وشاكر وفيحان.
وأنجب نايف بن صلف عددا من الأبناء هم: غزاي وهندي ومقحم وغازي ومتعب وعبد الله وعزيّز (عبد العزيز) ومحمد.
وأما غلاب بن صلف فعقب: شليويح ووصيوص ورباح ونواف ومنيف ولهم أولاد وأحفاد يصعب حصرهم.
وأما فيحان بن صلف فترك سعود الذي عقَّب فيحان.
وأما شاكر بن صلف فأعقب عددًا من الأولاد منهم: حمود وعبيد وليس لهم عقب، وماجد وعبد الله وصلف ولهم أبناء يصعب حصرهم.
стр. 3873
٣ - حِجْر بن خلف بن ناحل، وأنجب حجر ثلاثة أولاد هم: كِدا وعفاس وتركي. أما كدا فتوفي في حدود سنة ١٣٩٢ هـ وترك من الأولاد بندر وصالح وقد توفيا، وحجر بن كدا بن حجر الذي اشتهر بكرمه وحبه للخير، وقد شغل عدة مناصب عالية، إلى أن توفي سنة ١٤١٠ هـ عن عمر يناهز الستين عاما، وكان يشغل إمارة مركز بلدة سميرة في منطقة حائل عندما وافته المنيّة. وترك حجر بن كدا عددًا من الأبناء منهم: بندر وبدر ومحمد وخلف وثامر وفهد وعبد الرحمن وخالد ونائف وعبد العزيز وراكان.
وعقّب عفاس بن حجر البالغ من العمر حاليًّا أي في سنة ١٤١٦ هـ ٨١ عامًا عددًا من الأولاد منهم ناصر وتوفي في ١٠/ ٢/ ١٤١٣ هـ ومنصور وجزاع وحجر ولهم أولاد صغار يصعب حصرهم.
أما تركي بن حجر بن خلف المولود سنة ١٣٣٤ هـ فله من الأولاد: نمر وممدوح وخلف وفيحان وسلطان ولهم أولاد صغار.
٤ - بدر (الثاني)، وليس له عقب.
٥ - عَمْرو بن خلف بن ناحل، وله أخبار ذائعة، وشهرة كبيرة، وهو شاعر عامي مجيد، له قصائد متميزة ومشهورة عند أهل نجد (١)، وتوفي عمرو بن ناحل سنة ١٣٧٠ هـ بعد أن ترك ثلاثة أبناء هم بالترتيب: محمد وبدر وبندر، ذو نباهة وشهرة، ويشغلون الآن مناصب عالية في ظل القيادة السعودية الرشيدة.
ولا شك أن من يطّلع على أخبار هذه الأسرة الكريمة، لا بد أن يلمس بركة الأفعال الجميلة لخلف بن ناحل، حيث يلاحظ المرء تنامي هذه الأسرة وتكاثرها.
بلاد النواحل الآن:
وفي ظل حكومتنا الرشيدة تأسس للنواحل مراكز إمارة خاصة بهم، شملها التطور العمراني الذي تشهده البلاد وتكاملت بها الخدمات الحكومية، وتقع منطقة النواحل في أقصى الشمال الغربي لمنطقة القصيم، ومن مراكزهم الآن:
стр. 3874
كحلة: وتقع شمال جبل الموشم وشرقًا عن هضاب الغيمار. وفيها الآن مركز إمارة رسمي تابع لإمارة القصيم. ورئيس مركز الإمارة فيها حاليًّا خلف بن غازي بن نايف.
المطيوي: وتقع بالقرب من كحلة. ورئيس مركز الإمارة فيها الآن رباح بن غلاب بن صلف بن خلف بن ناحل.
الأرطاوي الشمالي: ويقع بالقرب من كحلة. ورئيس مركز الإمارة فيها الآن محمد بن غزاي بن نايف بن صلف بن خلف بن ناحل.
الفيضة: وتجاور مركز كحلة من جهة الشمال ولا تبعد عنها كثيرًا. ورئيس مركز الإمارة فيها الآن متعب بن نايف بن صلف بن خلف بن ناحل.
خلف بن ناحِل في مذكرَات الرَّحَّالة دَاوْتِي
تعريف بالرحّالة داوتي:
دَاوْتي رّحَّالة بريطاني، اسمه: تشارلز مونتيجيو داوتي. وُلِد في مقاطعة سفولك بإنجلترا سنة ١٨٤٣ م، وبعد أن أنهى دراسته الجامعية في علم الجيولوجيا اهتمّ بدراسة اللغات الأوربية، ثم أولع بحب الرحلات والمغامرات وزيارة الأماكن الأثرية، فزار أسبانيا وإيطاليا سنة ١٨٧٢ م. ثم زار اليونان ووصل مصر سنة ١٨٧٥ م، ثم زار مدينة البتراء الأثرية في الأردن ومنها سمع بمدائن صالح في جزيرة العرب وقرّر زيارتها.
ونظرًا لصعوبة وصول الغربيين غير المسلمين إلى الجزيرة العربية، فقد اضطر داوتي إلى التظاهر بمظهر رجل شامي عادي اسمه خليل، ورافق قافلة الحج وذلك سنة ١٨٧٦ م الموافق ١٢٩٤ هـ ووصل إلى مدائن صالح في شهر نوفمبر من السنة
стр. 3875
المذكورة. لكن أمير الحج التركي أمرَه بالبقاء بمدائن صالح تحت المراقبة، ولم يسمَح له بتجاوزها إلى الأماكن المقدّسة (١).
مكَث داوتي هناك عدة شهور استغلها في تدوين ملاحظاته ونقل النقوش الأثرية وتجول في المناطق القريبة مثل خيبر بالرغم مما تعرض له من مضايقات وأخطار في أكثر من مناسبة. وفي شهر أكتوبر من سنة ١٨٧٧ م (رمضان ١٢٩٤ هـ) وصل دواتي إلى حائل وزار حاكمها الأمير محمد بن رشيد، وبعد شهر تقريبا غادر حائل إلى خيبر بناء على طلب ابن رشيد الذي زوّده بكتاب إلى مندوبه في خيبر. وظلَّ في خيبر شهرين تقريبًا، ثم طلَبَ منه حاكمها العسكري مغادرتها. وعاد داوتي سيئ الحظ إلى حائل فدخلها مرة ثانية في شهر إبريل سنة ١٨٧٨ م (ربيع الأول ١٢٩٥ هـ) لكنه لم يجد الأمير محمد بن رشيد، مما جعله يتعرض لإهانات كثيرة بسبب تعصبه لديانته النصرانية.
وغادر داوتي حائل مع رجلين من قبيلة عنزة أهل خيبر، لكنهما تركاه في منتصف الطريق. وفي حائل كان داوتي يتطلع بشغف إلى زيارة منطقة القصيم لكنه لا يستطيع الإفصاح عن هذا الهدف بسبب الظروف السياسية السائدة والتوتر القائم بين أهل القصيم وابن رشيد. وعند مضيفه الجديد تسقّط داوتي الأخبار، وسأل عمّن يوصله القصيم فقيل له لا يستطيع ذلك إلا خلف بن ناحل من حرب. فكان هدفه التالي الوصول إلى ابن ناحل. وبعد عدة محاولات ومغامرات تمكن من الوصول إلى خلف بن ناحل في شهر ربيع الأول من سنة ١٢٩٥ هـ، ومن هناك إلى بريدة ثم عنيزة، حيث زار أميرها زامل وبقي هناك حوالي شهرين إلى أن غادر القصيم في ٥ يوليو ١٨٧٨ م (الموافق ٦ جمادى الثاني ١٢٩٥ هـ) برفق قافلة تجارية إلى الحجاز. وبعد رحلة طويلة وشاقة وصل إلى القنصلية البريطانية في جدة في ٣ أغسطس ١٨٧٨ م، لتنتهي بذلك فصول تلك المغامرة العربية. وبعد ذلك رجع داوتي إلى وطنه وتزوّج وأخرج مذكّراته. واعتبرته بريطانيا بطلا قوميا بسبب تلك المغامرات الاستكشافية التي قام بها داوتي معتمدا على جهوده الذاتية
стр. 3876
ونجح في الوصول إلى عمق الصحراء ووصل إلى أماكن يصعب على الغربيين من أمثاله الوصول إليها.
وكانت وفاته سنة ١٩٢٦ م (١٣٣٤ هـ) (١).
داوتي وابن ناحل:
حيث إن داوتي يسترسل في كتابة مذكراته وملاحظاته، ويسجل انطباعاته ومشاهداته لكل ما يراه أو يسمعه من خلال تنقله بين العربان والمواضع، فإن الذي يُهمُّنا هنا هو ما يتعلق بما كتبه عن الشيخ خلف بن ناحل. وفيما يلي مقتطفات مختارة مما ذكره:
كما أسلفنا فقد أُخْرِج داوتي من حائل للمرة الثانية ووصل إلى بعض البدو الواقعين إلى الجنوب الغربي من حائل. ويبدو أن كان يحاول زيارة القصيم التي لم يسبق له زيارتها، لكنه لا يستطيع الإفصاح عن ذلك بسبب العداء بين ابن رشيد وأهل القصيم حينئذ. وكان الجماميل الذين نقلوه من خيبر تركوه عند رجل يدعى معتوق الهتيمي وهربوا باتجاه خيبر ويبدو أنهم من عنزة. وهناك سأل داوتي عن كيفية الوصول إلى القصيم فعلم من العرب، الذين أقام عندهم: أنه لا يستطيع الوصول إلَّا عن طريق خلف بن ناحل كبير عرب حرب القاطنين بين حائل والقصيم، كما يقول. وهناك صمّم داوتي الذي ادّعى أن اسمه خليل وأنه طبيب شامي أن يقابل خلف بن ناحل، وألَحّ على مضيّفه معتوق طالبا منه أن يوصله إلى هناك مقابل مبلغ مالي (٢).
ويذكر داوتي أن عرب معتوق كانوا يتحدّثون كثيرًا في مجالسهم عن ابن ناحل، وكانوا يقولون: (إن بيته كبير جدًّا، وهو غني عظيم الثراء. أوف! ستجد عنده كل أشكال الجود والكرم، وعندما تأتي إلى بيته قل له: أرسلني يا ابن ناحل إلى القصيم، وسيفعل) (٣).
стр. 3877
في الطريق إلى ابن ناحل:
يذكر داوتي أنه بعد أن أقام عند معتوق ستة أيام في موضع يقال له: أول Aul (١) . وبعد إلحاح شديد من الضيف على معتوق، غادر الاثنان باتجاه مضارب ابن ناحل الذي لا يعرفون مكانه بالتحديد بسبب كثرة تنقلات البدو وعدم استقرارهم (٢).
ويصف داوتي بعد ذلك فيقول: (. . . . وركبنا جَملًا حرًّا يندر استعماله هنا، ومركبه صعب بعض الشيء، وذلك بعد ارتفاع شمس الصباح بمقدار ساعة، وسرنا في الصحراء باتجاه جبل صفَا، وبعد ساعتين رأينا بيوت عرب الشيخ ابن داموك) (٣) وكانت إبلهم منتشرة في السّهْل، ونادى معتوق راعي الإبل لأخد الأخبار، ولكن اتضح أنه لم يسمع شيئا عن مكان ابن ناحل مؤخرًا. . . إلخ) (٤).
ويستطرد داوتي في وصف مشاهداته للوادي ووصف قطيع كبير من الغزلان في الطريق. ويصف ما مرُّوا به من قطعان الإبل ورعاتها الذين كان يسألهم معتوق في كل مرة عن أخبار العربان والأمطار والغزوات وعن ابن ناحل. ويذكر شيئًا عن بعض مواقع عرب الشيخ قاسم بن براك وهو أحد شيوخ قبيلة بني رشيد المعاصرين للشيخ خلف بن ناحل، ثم يقول: (. . . وبدا أمامنا جبل قنا وعلى يسارنا يقع مَورِد البنانة بين الجبال. . . إلخ) (٥).
ثم يذكر أن آخر الذين صادفوهم أخبروهم أن ابن ناحل قد اجتاز الوادى - وادي الرَّمة - إلى حدود ديار عتيبة. ثم حلّوا على عرب آخرين وأمضوا عندهم
стр. 3878
بعض الوقت حيث وجدوا معهم أخًا غير شقيق لمعتوق. وبعد ذلك يواصل داوتي مذكراته قائلًا:
(وركبنا من عندهم مواصلين سيرنا. . . ولم نلبث أن اكتشفنا أذوادًا من الإبل يرعى تحت جبل قنا، فقصدناها للسؤال. وقد أدرك معتوق أنها إبل حرب بسبب لونها الذي يغلب عليه السواد. وقد وجدناهم من عربان حرب فعلًا. وأخبرنا الشبَّان أهل الإبل أن ابن ناحل نزل بلدة السليمي (١) هذا اليوم. كما حلبوا لنا. وارتحلنا من عندهم مواصلين رحلتنا حتى بدَت لنا نخيل قرية في الصحراء. ومررنا بجبل كبد (٢). ثم بدا لنا جبل مستو هو جبل دِبِي (٣) وبعد أن اجتزنا دبي بمرحلة طويلة بدا لنا جبل العلم (٤)، وأشار معتوق إليه وهو يقول: إن طريق المدينة من هناك، وهو أربعة أيام للذلول. وفي وقت الظهيرة الحارة رأينا قطيعا آخر من الإبل ترعى تحت الجبل فقصدناها وارتحنا عند أهلها، ووصفوا لنا الطريق إلى ابن ناحل. . . . . كما أخبرنا أهل الإبل أنهم من عوف جاءوا من أراضي الحجاز التي بين الحرمين لَمَّا سمعوا أن الأرض هنا ربيع. . . إلخ) (٥).
ويستمر داوتي في وصف مشاهداته، ثم يذكر أنهما صادفا رجلًا مسلحًا من حرب على مطيّة ويقود مهرة وقد وقفوا تحت تهديده. وبعد أن عرَّفوه بأنفسهم مضى كل في سبيله بسلام. وعندما وصلوا إلى أوَّل منازل قوم ابن ناحل قال له
стр. 3879
معتوق: يا خليل إن العرب غير منتبهين، سأدَّعي أنك شامي ولست نصرانيًّا! وسأتركك هنا. لكن دواتي رفض بشدة وأصرَّ على إيصاله إلى ابن ناحل نفسه.
داوتي في بيت خلف بن ناحل:
ويسجل داوتي انطباعاته بعد أن وصل إلى عرب ابن ناحل فيقول: (. . . ها أنا قد وصلت إلى حرب القاطنين في المنطقة التابعة لابن رشيد. وقد وجدت أن حرب نجد يتمتعون بعقلية عربية أصيلة أكثر من عنزة. إن أفضل عُقيلي في خيبر كان حربيًا كان لطيفًا وأمينًا. كان قليلًا ما يشاهد في قهوة عبد الله (١) وكان يأتي أحيانا إلى العم محمد (٢) الذي يُعتبر نصف بدَوي! في أحد الأيام قال: نحن بنو سالم أحسن منكم، فليس عندنا أفرنجي يستعمل هذا الدخان) (٣) ويضيف داوتي: (ونزلنا عند بيت ابن ناحل وكان بيته كبيرًا، ودخلنا مجلس الرجال بعد تبادل التحية المعتادة. كان ولد ابن ناحل الشاب ومعه مجموعة من الشبَّان جالسين في ناحية المجلس المتَّسِع، وجلسنا نحن، في حين أخد الشبان يتهامسون فيما بينهم لمعرفة من أكون!) (٤).
القهوة لدَى ابن ناحل:
ثم يقول داوتي بعد أن دخلوا مجلس خلف بن ناحل: (وارتفع صوت نجر القهوة، وكأنه يدعو الأضياف للقهوة في بيمت ابن ناحل، وهنا رأيت رَجُلًا عظيمًا ومعه رفاقه لشرب القهوة وهم يدخلون البيت بثيابهم الطويلة وأجسامهم غير المكتنزة. إنهم ملوك القهوة في حياة الصحراء (They were coffee lords men of
стр. 3880
an elegent leisure in the desert life)، كما أن الحربيين يلبسون ثياب الشهامة بين البدو ((Also the harb go gently clad amongest Beduins (؟) (١) .
< رمز>التفاوض مع ابن ناحل:
يقول داوتي مواصلا حديثه عن لقائه لأول مرة مع خلف بن ناحل: (رحَّب بنا خلف بن ناحل ومَدَّ يده من بعيد وعلى وجهه ابتسامته الخفيفة، مع التحفظ المعتاد لبروتوكلات مثل هذه المجالس وَسطَ دَوِيّ الهاون في تلك الصحراء الجافة. ثم جلس الجميع لتناول قهوته، ثم همَس في أذن ولده متسائلا: من يكون أهو عسكري؟. وابتسم الفتى وكأنه يريد أن يتكلم غيره ممَّن يَعْرِف الإجابة، وهنا تدخل أحد الشبَّان قائلًا: يجب أن نعرفه!. فقال ولد ابن ناحل: أليس هو النصراني الذي جاء إلى حائل في العام الماضي).
ويعلّق دواتي في مذكراته: لقد كنت هو! ثم يتابع داوتي سرد القصة: (وقال خلف: لقد كنت في حائل بعد رحيلك بفترة قصيرة وسَمِعت عنك، عندما دخلت حائل، إني أعرِفُك) (٢).
ثم يتكلم المؤلف عن ابن ناحل، فيقول عنه: (لقد زار النصارى عندما كان يتاجر بالإبل في مصر. يقول ابن ناحل: والله إنهم أهل النية الواحدة، والله إن واحدا ركب مسيرة نصف يوم من شأن يعيد خمسة بنسات حين عرف أن الحساب زائد. لكن الشيء الوحيد الذي كرهته في النصارى اختلاط الرجال بالحريم والتِصاقهم ببعض عند الجلوس. ويضيف خلف: خليل يسافر بين العرب؟ فقلت نعم لِمَ لا؟ إذا كان يحمل كل هذه الأدوية، والنصارى بتلك السمعة الطيبة!).
ثم يذكر داوتي: أن رجلين من أهل السليمي جاءا إلى بيت خلف يشتكيان إليه ما حصل من مواشي بعض عربانه حيث أضرت بمزارعهم. وبعد ذلك يقول: (وعندما غادر الرجلان تفرّغ خلَف ليستمع لنا وينظر في موضوعنا. ثم أخذ
стр. 3881
معتوق جانبًا وهدَّده وخوَّفه من غضب ابن رشيد، وسأله عن قصة دخولي للبلاد ومجيئي إلى منزله. وهنا قمت إلى خلف وقلت لهم: ألا تستطيع أن ترسلني للقصيم مثل باقي الناس؟، وأضفت: ها أنذا قد نزلت عند بيتك وطعمت في ضيافتك. وسأبقى عندك اليوم وغدًا وأرجو أن ترسل معي من تثق به. كان صوت خلف ناعمًا، لكن قلبه كان صارمًا مع مجاملة سياسية كاملة. حيث قال مخاطبًا معتوق: يا معتوق، أنا لا أستطيع، وكيف نرسله للقصيم؟ ومن سيغامر، إن عربان عنزة في القصيم أعداؤنا. فقلت: يا خلف إنك تستطيع مساعدتي إذا أردت. فأجاب: اسمع: أدخل في الإسلام؟ وعند ذلك أستطيع إيصالك، فقط قل: لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وسوف أرسلك للقصيم بدون مقابل) (١).
فشل المفاوضات ومغادرة داوتي:
يعترف داوتي أنه راوغ وتهرّب من قبول شرط ابن ناحل، فاقترح عليه خلف أن يبحث عن أحد من جماميل أهل القصيم ويصحبهم. ومرَّة أخرى رفض داوتي ذلك، لعلمه بصعوبة الحصول على جماميل من أهل القصيم. وهنا أشار خلف بن ناحل إلى معتوق وأخذه جانبًا وهدّده مرة أخرى، وأخبره بأن عليه أن يأخذ الغريب ويتصرّف معه، لكن داوتي قال بدهاء مخاطبًا ابن ناحل: (حسنًا إذا ذهبنا من هنا ولم نجد من يوصلني فماذا سيكون مصيري ومن سيؤويني؟ فرَدَّ عليه ابن ناحل: إذا لم تجد مخرجًا فأنا سأستقبلك).
ولم يجد داوتي بدًّا من الإذعان لطلب المغادرة حيث لم تصل المفاوضات إلى نتيجة حاسمة، نتيجة لإصرار كل من الطرفين على موقفه، فغادر هو وصاحبه بيت ابن ناحل للبحث عن عرب آخرين كان معتوق قد رأى منازلهم قرب جبل قِنا. ثم اقتربا من فريق مكوّن من ثلاثة بيوت. فنزلا وعقلا ذلولهما وناما بقرب العرب. وفي الصباح تركه معتوق عند أولئك العرب وعاد بعد أن أخذ كامل حسابه!
стр. 3882
العودة إلى ابن ناحل، ولكن بصحبة شاب من حرب:
يقول داوتي مواصلا حديثه عن هذا الموقف الجديد: (وفي الصباح تركني معتوق عندهم وهرب بعد أن أخذ كامل حسابه. فأخبرت مضيفي الجديد واسمه مطلق - وهو من حرب - أنني أريد الذهاب إلى القصيم، فاقترح عليّ أن نذهب إلى خلف بن ناحل لنتدّبر الأمر. وسرنا باتجاه ابن ناحل وبعد أن قطعنا نصف ميل تقريبًا اعترَضنا فارس بيده رُمْح. لقد عرفته فقد كان بالأمس في مجلس ابن ناحل وكان هو المعارض الوحيد لي. إنه طلق الأخ الأكبر لمضيفي. . . إلخ).
ويواصل داوتي سرد قصته فيقول: (وصرَخ طلَق في وجه أخيه مُعَنّفًا أخاه الذي انخدع بقصتنا وترك الهتيمي يذهب قبل أن يتأكد من الأمر، وشهَر سلاحه وقال إنه سيلحق بالهتيمي ليرده وينتقم منه هو والنصراني) (١).
مطلق الحربي: شهامة ومروءة !
ويواصل داوتي سرد قصته مُشيدا بموقف رفيقه الجديد مطلق الحربي، ومعجبا بشهامته ووقوفه إلى جانب الغريب الذي لجأ إليه وان كان كافرا، فيقول بعد أن ذكر تهديد أخيه طلَق له: (لكن مطلق رَدَّ على أخيه بحزم: والله حتى لو كان نصرانيًّا فلن تمسّه بسوء. أليس هو في ضيافتنا الآن؟، كما أنه غريب!. وركب طلَق فرسه في إثر الهتيمي. أما نحن فواصلنا سيرنا إلى ابن ناحل الذي وجدناه قد رحَل بالأمس من منزله السابق. وصلنا إلى ابن ناحل وقت الظهيرة وكان نائمًا. واستغرب الجميع عودتي. لكن صاحبي مطلق واجه الجميع محاولًا الدفاع عني. وبعد لحظات استيقظ خلف، وجاء بنفسه، وقال بعد أن نظر إليّ: هذا خليل مرة ثانية! والآن يا خليل؛ لقد تخلَّى عنك الهتيمي الـ. . . . .!. والله لو عرفت أنه أخذ كامل الأجرة لقطعت رأسَه وعقرت ذلوله. ثم خاطب أولاده: لا بأس اعملوا القهوة. فأجابه الولد: لقد جهّزنا القهوة وها نحن نشرب منها .. فقال له اعمل قهوة جديدة ولا تدَّخر منها شيئًا!) (٢).
стр. 3883
خلف يعطى موافقته على إيصال داوتي للقصيم:
يشير داوتي إلى أن ابن ناحل وفَّى بوعده السابق ووافق على إيصال الغريب إلى مقصده بعد أن تخلّى عنه رفيقه السابق بطريقة غير لائقة، فانقطعت به السبيل، إضافة إلى أنه أصبح في ضيافة واحد من حرب. ويقول داوتي إن خلف بن ناحل وافق على سفره للقصيم، وطلب من مطلق أن يوصله إلى هدفه.
ويذكر داوتي أن تأخر لبعض الوقت عند عرب ابن ناحل قبل أن يرحل إلى القصيم، حيث يقول: (لقد تسبّبَت إشاعة مفادها أن ابن سعود ومعه عتيبة ربّما يغزون على حرب في تأخير بقائي عندهم، لكن مطلق طمأنني قائلًا: اصبر، حتى نسمع صحة تلك الأخبار، وبعدها سوف أركب معك بنفسي، ليس إلى عنيزة فهم أعداؤنا ولا إلى بريدة، ولكن إلى صبَيْح بقرب النبْهانية. إن أهل تلك القرَى من جماعتنا. وسوف نرسلك من هنالك مع بعض الجماميل) (١).
معلومات هامة عن خلف بن ناحل:
بالرغم من حراجة المواقف التي تعرض لها الرحالة داوتي أثناء رحلته، والإهانات التي لقيها في صحراء الجزيرة ومدنها بسبب تعصبه الزائد لديانته، إلا أنه كان منصفا في حديثه بشكل عام، حيث يتضح من قراءة مذكراته أنه كان يكتب مشاهداته بواقعية تامة، وقد أدى هذا الأسلوب الكتابي لدَى داوتي إلى شيء من عدم الترتيب بالإضافة إلى الإسهاب الممل أحيانا. وهكذا نجد أنه يسهب في وصف الجزئيات والأمور التافهة، ويختصر في مواضع لا يحسن فيها الاختصار. إلا أنه وبالرغم من ذلك، فإنه يمكن استخلاص معلومات هامة وقيمة خاصة عن الشيخ خلف بن ناحل سواء بطريق مباشر أو غير مباشر، منها ما يتعلق بكرمه ومنها ما يتعلق بثروته ومنها ما يتعلق بمكانته الاجتماعية والسياسية في قبيلته ولدى القبائل الأخرى وكذلك علاقته بالأمير محمد بن رشيد.
стр. 3884
كرَم ابن ناحل كما يراه داوتي:
لقد سجل داوتي إشارات مهمة عن كرم بن ناحل وحسن أخلاقه، بالرغم من عدم حسن استقبال ابن ناحل له بسبب ديانته النصرانية، وبسبب شكوك ابن ناحل حول حقيقة هذا الغريب، وارتيابه من مهمته الحقيقية وأهداف وصوله للمنطقة.
وقد كانت أولى الإشارات إلى كرم خلف بن ناحل ما سجّله داوتي قبل أن يصل إلى مضارب ابن ناحل، حيث كانت شهرة خلف في هذا الجانب حديث العربان الآخرين، ويصف داوتي ذلك عند العرب الذين أشاروا عليه بالذهاب إلى ابن ناحل والذين كانوا كثيرون ما يتحدثون عن ابن ناحل وثروته وكرمه، مثل قولهم: (إن بيته كبير جدًّا، وهو غني عظيم الثراء. أوف! ستجد عنده كل أشكال الجود والكرم وعندما تأتي إلى بيته قل له: أرسلني يا ابن ناحل إلى القصيم، وسيفعل). ويقول في إشارة أخرى وهو يصف وصوله إلى بيت ابن ناحل: (ونزلنا عند ابن ناحل وكان بيته كبيرا. . .) - إلى أن يقول: (وارتفع صوت نجر القهوة وكأنه يدعو الأضياف للقهوة في بيت ابن ناحل، وهنا رأيت رجلًا عظيما ومعه رفاقه لشرب القهوة، إنهم ملوك القهوة في الصحراء).
وفي موضع آخر يشير داوتي إلى ذلك بشكل غير مباشر وهو يتكلم عن وصوله للمرة الثانية إلى خلف بن ناحل بعد أن أخبره بهرب رفيقه معتوق واضطراره للعودة إلى خلف، حيث يقول داوتي عن خلف إنه قال: (لا بأس، اعملوا القهوة؛ فأجابه ولده: لقد جهزنا القهوة، وها نحن نشرب منها. فرد عليه خلف: اعمل قهوة جديدة ولا توَفّر منها شيئًا!) (١).
خلف ومكانته السياسية والاجتماعية:
قبل أن نستعرض ما ذكره داوتي عن هذا الجانب، فإنه يجدر بنا أن نشير إلى جماعة خلف بن ناحل من قبيلة الأحامدة الذين وصلوا إلى نجد والذين كان لهم حضور قوي وسمعة طيبة، برز ذلك من خلال نشاطهم التجاري والسياسي كحلقة وصل بين مدينة حائل المزدهرة في ذلك الوقت وبين المدينة المنورة. فكان لهم إسهام مشهور في مرافقة قوافل الحج والقوافل التجارية بين منطقة حائل وبين
стр. 3885
الحجاز، كما كان لغيرهم من قبائل حرب أيضًا مثل هذا الدور. وهكذا فقد كانت العلاقة مع أمراء حائل من آل رشيد قوية وعريقة (١).
ومن هذه الخلفية التاريخية ظهر خلف بن ناحل، لكنّه أوجد لنفسه مكانة بارزة، صنعها بنفسه ولم يرثها من أحد. لقد بنى مجده معتمدا على عصاميته ونجاحاته الشخصية التي استثمرها بشكل جيّد وموّفق.
أما معلومات داوتي عن هذا الجانب من شخصية خلف بن ناحل فتتمثل في الإشارات المختصرة التي يمكن عن طريقها استنتاج معلومات تاريخية هامة بهذا الخصوص.
يقول داوتي في إحدى ملاحظاته واصفا ابن ناحل: (إن حياة ابن ناحل على ما فيها من الدَّعَة التي تضفي على من يعيش معه نوعًا من الابتهاج، لا تساوي شيئا إلى جانب نجاحه المتراكم. إن عربان نجد يطلقون على مثل هؤلاء الأشخاص: الأثرياء. لكنه اليوم شيخ عرب. وحيث إن العرب لا يجمعهم إلّا رابطة الدم فإن كثيرًا من أهل البيوت الذين يرحلون وينزلون مع ابن ناحل هم جماعته. إضافة إلى كونه من رجال ابن رشيد) (٢).
ويشير داوتي في موضع آخر إلى ممارسة خلف بن ناحل لغزو القبائل الأخرى فيقول: (وكأي بَدَوِي، فإن ابن ناحل يمارس الغزو مع جماعته، وغالبا ما يكون باتجاه عتيبة. وكانوا يستعدون للغزو في أحد الأيام القريبة القادمة) (٣).
داوتي يصف ثروة ابن ناحل:
لقد تحدث داوتي عن ثروة خلف بن ناحل كثيرا، حتى بدا في مذكراته وكأنه يقدم تقريرًا اقتصاديا، حيث قدم معلومات مفصلة ودقيقة عن رأس مال هذا الشيخ العربي في قلب الصحراء. وسوف نستعرض فيما يلي مقتطفات مما أورد داوتي بهذا الخصوص:
стр. 3886
يقول داوتي في معرض حديثه عن قصة نجاح خلف بن ناحل في تحقيق ثروته من المتاجرة بالإبل وغيرها: (. . . لقد بَرَز من خلال متاجرته بالإبل ليصبح من أغنى أغنياء العرب الجنوبيين، حتى صار له عملاء يسافرون للمتاجرة له في بيع القهوة والملابس بين البدو، كما زاد عدد ماله من الإبل حتى قسمها إلى مجموعتين)، ويضيف داوتي مستطردا: (. . . إلى جانب ذلك فإن عنده من الفضة ما ينظر إليه العرب على أنه كنز عظيم، محفوظ في خزانته. لقد قام ابن ناحل بأولَى مغامراته التجارية الهامة قبل سنوات عندما جلب قطيعًا من الإبل إلى سوق مصر. لقد عَبَر هذا الحربي مئات الاميال الصحراوية بصحبة رفقاء الطريق، في حين كانت عيون قبيلته تتجه نحو المدينة، ولم يعتادوا على السفر إلى تلك البلاد، لكنه وصل - إلى مصر - بسلام. وبلغت أرباحه ٧٠ %).
ثم يذكر داوتي أن خلف قام برحلة أخرى بعد ذلك لكنها لم تكون موفقة كسابقتها، وهذا هو حال التجارة.
ويضيف داوتي محاولا تقدير ثروة خلف بن ناحل بشيء من الدقة الواضحة: (وفي تقديري أن ثروة خلف بن ناحل تقدَّر بألفي جنية استرليني بما في ذلك إبله التي تبلغ ٣٠٠ رأس ومخزونه من الفضة. ولا شك أن ذلك يعتبر ثروة طائلة في وسط الحياة الصحراوية الفقيرة) (١).
خلف بن ناحل في ذاكرة الشعر
إذا كان خلف بن ناحل لم يجد من يؤرخ له من أبناء جلدته، فقد حتمت عليه ظروف الزمان والمكان أن يكون بعيدا عن الشعراء الفصحاء، ولهذا فقد كان لا بد للشعر العامي الذي كان سائدًا في مجتمع خلف بن ناحل أن يسد هذه الثغرة، وأن يسجل بكل أمانة جانبا هامًّا من جوانب شخصية خلف، ولِمَ لا والشعر ديوان العرب، سواء كان فصيحا في زمن الفصاحة أو عاميا في زمن العامية؟
стр. 3887
وبما أن العرب يعتمدون على الحفظ في نقل أخبارهم وأشعارهم، ولا يعتنون بالتدوين والكتابة فقد ضاع جزء كبير مما قيل في خلف بن ناحل وكرمه الذي صار مضربا للمثل عند الشعراء الذين عرفوا ابن ناحل أو سمعوا به.
وبما أن ما لا يدرك كلّه لا يترك جُلّه، فقد رأينا أنه من المناسب عند الحديث عن خلف بن ناحل أن ندوّن ما أمكن الحصول عليه من الشواهد الشعرية التي تؤيد ما سمعه دواتي وما ذكره عن شخصية خلف بن ناحل.
وقفة مع بعض الشعراء الذين أثنوا على خلف بن ناحل:
لقد قيلت في خلف بن ناحل وأسرته أشعار كثيرة وقصائد طويلة بعضها في عصره وبعضها بعده، ومع أن كثيرًا من تلك الأشعار قد ضاعت ولم تحفظ، إلّا أننا سوف نحاول هنا إيراد بعض الشواهد لبعض الشعراء الذين شهدوا لخلف بن ناحل وأسرته بتلك الخصال الحميدة وعلى رأسها خصلة الكرم التي تميَّز بها خلف بن ناحل، مع إعطاء نبذة قصيرة عن كل شاعر. ومن أولئك الشعراء ما يلي:
١ - حمود بن رشيد:
هو الأمير الشاعر حمود بن عبيد العلي الرشيد أحد أعيان أسرة آل رشيد حكام حايل سابقًا. وحمود بن رشيد أشهر من نار على علَم في ميدان الشعر العامي في نجد، إضافة إلى شهرته في الإمارة الرشيدية في عهد محمد بن رشيد. وقد توفى الشاعر حمود بن رشيد سنة ١٣٢٦ هـ بعد حياة حافلة بالشهرة والحوادث السياسية. وقد ترك حمود بن رشيد عددا من الأبناء والأحفاد إلا أن كثيرا منهم قتلوا في حوادث متفرقة، ولم يبق منهم سوى ذرية سليمان بن عبيد بن حمود بن رشيد وهم يمثلون اليوم إحدى الأسر الرشيدية الكريمة.
وقد قال حمود بن عبيد بن رشيد عدة أبيات اشتهر منها البيت التالي الذي صار مثلا يستشهد به كل ما ذُكِر خلف بن ناحل:
يا من خبر يحذي وهو ما كسَب شِين … يا كود ابن ناحل بماضي الزماني
стр. 3888
وهو يشير إلى القصة المشهورة عن خلف بن ناحل وهي أنه في إحدى غزواته عاد بدون كسب، ولما أقبل على عربه استقبله طالبو العطايا وكان من ضمنهم الزمَّال وهو الذي يعتني بزوامل خلف بن ناحل وراحلته الخاصة، وهم يظنون أن الشيخ خلف قد عاد بالغنائم كعادته، فما كان من خلف إلَّا أن أعطى كل من سأله وعلى رأسهم الزمّال من إبله الخاصة.
٢ - الراوية محمد العبَيّد:
وهو الراوي والمؤرخ المشهور محمد العلي العبيِّد من أهل عنيزة، وهو من مواليد سنة ١٣٠٠ هـ أو قبلها بقليل، وتنقل بين القصيم وحائل والحجاز والعارض، وعاصر آخر إمارة ابن رشيد وشطرًا من عهد الشريف حسين، إلّا أنه عاصر الملك عبد العزيز ﵀، وعاش إلى أن توفي في حدود سنة ١٣٩٠ هـ اشتهر بصدق الرواية وسعة الاطلاع وله مخطوطة غير منشورة أشار فيها إلى كرم خلف بن ناحل وشهرته.
٣ - ابن شرَار:
هو الفارس والشاعر جهَز بن شرَار أحد فرسان وشيوخ قبيلة ميمون من بني عبد الله من مُطير، حيث يقول من قصيدة معروفة في إحدى الوقعات في البادية:
وخلف ربيع الضيف والاهليَّة … يا ريف خِطَّارٍ على الزاد شفقين
٤ - فرج بن خربوش:
هو الشيخ والشاعر فرج بن خربوش الأسلمي الشمري وقد قال من قصيدة طويلة يثني فيها على شيوخ قبيلة حرب:
خلف بن ناحل ببَيْته تقل عِيد … اللي عطا الزمَّال من حر ماله
٥ - الشاعر عبيد الله بن سالم الشمري:
ونشير هنا إلى قصة غثيث بن نزال القدهي الغريري الشمري مع الشيخ حجر بن ناحل ﵀، حيث لحقه دَين كثير فقصد الشيخ حجر بن ناحل
стр. 3889
واستنجد به فقام النواحل بإيفاء هذا الدين في قصة مشهورة ومشهودة أشار إليها الشاعر عبيدا الله بن سالم بن طراد الشمروخي الشمري في قصيدة له. وقد أذيعت هذه القصيدة بصوت صاحبها في برنامج من البادية من إذاعة الرياض يوم الثلاثاء الموافق ٩/ ٥/ ١٤١٣ هـ منها هذا البيت:
الشيخ ابن ناحل ربيع المحبِّين … عز الرفيق اللي سطَا به زمانه
وسوف نورد القصيدة كاملة في هذا الكتاب إن شاء الله.
٦ - سبيل بن سند:
وهو الشاعر الكبير بن سند الحِصْني المزيني من بني سالم من حرب الذين أثنى على الشيخ ابن ناحل في عدة قصائد منها قصيدته التي منها هذا البيت:
ونسيت ابن ناحل مع الضيف وِقُرَاه … الخيل عطاها وعطا البل (١) وهايب
٧ - شجاع الذويبي:
وهو شجاع بن عواد الذويبي من فرسان وأعيان بني عمرو من حرب من قصيدة له أرسلها عندما أصيب جواده في أحد غزواته على عتيبة ووقع في يد أسر أعدائه، فأرسل القصيدة التالية يستنجد بقومه، ومنها:
وابَمْتني بيْضان والا غيَادِين … اللي يشدُّون الشوَش باليَمَاني
وإلَّا النَواحلَ شوفهم يعجب العين … قطعانهم ترعى الخطر دون عاني
٨ - حبيب بن عوّاد العريمة:
هو الشاعر حبيب بن عواد العريمة من بني سالم من حرب، الذي قال من قصيدة له يثني فيها على جيرانه النواحل:
قالوا تغِيب وقُلْت ما من مغِيبة … مغيبتي يم النواحل هَلَ الطِّيب
стр. 3890
٩ - ضيف الله بن درباس الوهبي الحربي:
هو الشاعر ضيف الله بن درباس من الوهوب من مسروح من حرب والذي يقول من قصيدة له:
رجَال النواحل عندهم يرخص المِيْر … رِيْف لهَتّاش الخَلَا والضعَفي
١٠ - محمد العسيلي:
هو الشاعر الكبير محمد بن عبد الله العسيلي المرواني المزيني من بني سالم من حرب الذي يقول من قصيدة له موجهة إلى الشاعر الأسير محمد بن أحمد السديري ﵀، يمدح فيها شيوخ حرب:
أيضًا خلف رِيف البيوت المبَاحِيت … له بالكرم خط على الناس طايل
١١ - عبد العزيز أبا العون:
هو الشاعر عبد العزيز بن محمد أبا العَون من بني سالم من حرب والذي يقول من قصيدة له في مدح النواحل:
يا الله اتْخَلّي للنواحل شرِيدة … نطّاحة الواجب رجَال الشكَالة
١٢ - سعد بن صامل السليمي:
هو الشاعر سعد بن صامل من وِلْد سِليم من بني سالم من حرب أمير هجرة مرّان الذي يقول من قصيدة له مادحًا النواحل:
ارجال النواحل يا فهَد طبعهم غَيْر … حُمولةٍ يُشهَد لها في صَخَاها
١٣ - حسين بن حمدان:
هو الشاعر حسين بن حمدان الشمري الذي يقول من قصيدة له موجهة إلى غريب بن فهيد بن ناحل: