← Ансаб

Ансаб · id 897

موسوعة القبائل العربية

محمد سليمان الطيب

Полный текст (10 849 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.

стр. 3956

جاله الكفن من مصر جوخة قرمزية من باشة السلطان واقفوبه على الصب العصايب ياخي بعد درج على الباشا بشير. والأخرى: سلام رده بمهات الحارس … اللي فعايلهن قديم ودارس اشبع عملهن كل ذيب فارس … نهار بالمرقاب شبت نيره اللي مضى راس القرا منزلنا … كيد الحريب وعز من يزبنا واليوم تحدانا حوادي عنا … مطلوب العاني ومن الجيره بعض أمراء حرب المشهورين بالحجاز ابن عسم: الزبيدي من سكان رابغ وكانت بوارق حرب جميعها عنده. الظاهري: من الحوازم من بني سالم (أمارتهم قديمة في حرب). ابن جزا: الأحمدي من بني سالم (واشتهر على بني سالم كافة). ابن موقد: البركاني الصاعدي (أمير شمل عوف). الحويفي: من المحاميد من بني سالم. ابن ربيق: من بني عمرو من حرب. ابن راجح: من التراجمة من عوف. أبو ربعه: من السهلية من عوف. ابن حصاني: من الصبوح من بني سالم. ابن عمير: من المطارفة من عوف. ابن حبيتر: البيضاني من بني عمرو من حرب.

стр. 3957

العبيدي: من بني عمرو من حرب. ابن مروي: من مخلف من مسروح من حرب. ابن طامي: من البلادية من بني عمرو من حرب. ومن أمراء حرب في نجد الفروم: من بني علي من مسروح وهم فوارس حرب قاطبة. ابن نحيت: من مُزينة من بني سالم من حرب. الذويبي: من بني عمرو من حرب. ابن ناقي: من المحاميد من بني سالم. الفردة: من بني السفر من مسروح من حرب ومنهم (ابن حماد) وهم من أجسر حرب وأصبرهم بحومة الوغى. ومن قضاة حرب قديمًا بالحجاز ١ - ابن عسم: وقد جمعوا بين الشيخة والقضاء. ٢ - سعد القرف الحازمي. ٣ - المعمري من بني عمرو. ٤ - عامر بن صخمان بن ربيق العمري. ٥ - مقبول السراني العمري. ٦ - ابن جزا الاحمدي. ٧ - الدعيمي من اللهبه في عوف.

стр. 3958

٨ - رويشد الترجمي الصاعدي. ٩ - سعد الجماني البركاني الصاعدي. ١٠ - علي بن عمار الملحس البركاني. ١١ - الرويثي من بني عمرو. ١٢ - ومحمد بن طريف الملَّقب (بمجلي اللوائم) وقاضي قضاة حرب. وطبيب حرب في الزمن السابق هو ابن صوت من بني عمرو.

стр. 3959

الشرارات (بنو كلب) نسب القبيلة: تنسب قبيلة الشرارات إلى بني كلب القُضاعية. وهو كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحافي بن قُضاعة من حِمْيَر القحطانية (١). وسنوضح تفصيلًا مطولًا وتحليلًا تاريخيًا عن نسب الشرارات إلى بني كلب وسيأتي بيانه في موضعه. أما عن قبيلة كلب الشهيرة قبل الإسلام فسأوجز عن هذه الفترات بالذات ما استطعت، لأن ما توفرت لدينا من أخبار عن هذه الفترة كثيرة، وليست مرتبطة بتاريخ معين، إلا أن هذه القبيلة قد استقرت في شمال جزيرة العرب وبلاد الشام بعد أن كانت منازلها في تهامة مع بني معد بن عدنان، ثم هِجْر وبلاد البحرين (الأحساء)، ثم الحيرة مع قبائل قُضاعة وقد فصَّلنا ذلك في المجلد الأول نقلًا عن معجم ما استعجم للبكري. (بعض نصوص النسابين والمؤرخين عن كلب بن وبرة) (١) ما قاله العلَّامة ابن حزم الأندلسي (٢): هو كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحافي بن قُضاعة، ولد كلب بن وبرة: ثورًا، وأبا حباحب. فولد ثور بن كلب: رفيدة، وعرينة، وصحب، وبطون، وقد قيل إن الحارث بن زهير بن تيِّم بن أسامة من بني تغلب، إنما هو من كلب. فمن قبائل كلب: بنو كِنانة بن بكر بن عوف بن عُذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب، قبيلة ضخمة؛ ومنهم: بنو عديّ، وزهير، وعُليم، وبنو جناب بن هُبَل بن عبد الله بن كنانة بن بكر المذكورون،

стр. 3960

وهم بطون ضخمة، وعمهم عبيد بن هُبَل، بطن، من ولده: امرؤ القيس بن الحمام بن مالك بن عبيد بن هُبَل وهو ابن حمام الشاعر القديم وهو الذي قال فيه امرؤ القيس: نبكي ابن حمام. قال هشام بن السائب الكلبي: فأعراب كلب، إذا سئلوا لماذا بكى ابن حمام الديار؟ أنشدوا خمسة أبيات متصلة من أول: قفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزل، ويقولون إن بقيتها لامرئ القيس. وقد أنشد له الحاتمي أبياتًا في "حلية المحاضرة"، وهو شاعر قديم اندثر شعره؛ لأنه لم يكن للعرب كتاب، وإنما بقي من أشعارها شعر من أدرك رواتُه الإسلام فقط. وكان عديّ بن جناب أحمق، والبيت في ولده، وكان له من الولد: ضمضم، ونهشل، وهُذيم، بطن، وتوَيْل، بطن، وكليب لا يزيد بنوه أبدًا على أربعة، وهم: بالجبل، وذبيان، فمن بطون بني عديّ بن جناب: بنو الحصن، وبنو العليص، ابنا ضمضم بن عدي بن جناب، ومنهم نائلة بنت الفرافصة بن الأحوص بن عمرو بن ثعلبة بن الحارث بن الحصن بن ضمضم بن عديّ بن جناب، امرأة عثمان ﵁؛ وإخوتها مُرَيّ بن الفرافصة مات في الرهن عند كسرى، وضبّ بن الفرافصة، أسلم، وهو: أنكحها عثمان وهي مسلمة، وكان أبوها نصرانيًّا، وبنو الفرافصة هؤلاء بيت قومهم. وأبو الخطَّار الحسام بن ضرار سلامان بن خثيم بن ربيعة بن حصن بن ضمضم بن عديّ بن جناب، أمير الأندلس، كان بنوه بإشبيلية، منهم كان العريف سعد بن وارث بن عمران بن يحيى بن محمد أبي الخطَّار، وعنبسة بن سحيم بن منجاس بن هذيم بن عديّ بن جناب، ولي الأندلس من الشام، وحارثة، ابنا قطن بن راشد بن حصن بن حارثة بن ضمضم بن عديّ بن جناب، ولقطن صحبة، والرباب بنت أنيف بن عبيد بن مصاد بن حصن بن كعب بن عليم بن جناب، أم المصعب بن الزبير، وامرؤ القيس بن عدي بن أوس بن جابر بن كعب بن عليم بن جناب، وفد على عمر بن الخطاب ﵁ فأسلم، وعقد له على قُضَاعة، وتزوج علي بن أبي طالب والحسن والحسين ﵃ بناته. ومن بني زهير بن جناب: بشير، وحنظلة، وعبد الله، بنو صفوان بن تَويْل بن بشير بن حنظلة بن علقمة بن شراحبيل بن عرين بن أبي جابر بن زهير

стр. 3961

ابن جناب، ولي حنظلة إفريقية لهشام، والفحل بن عياش بن حسان بن سمير بن شراحبيل بن عرين بن أبي جابر، قاتل يزيد بن المهلّب، قيل: قتل كل واحد منهما صاحبه، وقيل: بل قتل يزيدَ الهذيلُ بن زفر بن الحارس الكلابي، وبحدل بن أنيف بن دلجة بن قنافة بن عدي بن زهير بن جناب، أخو معاوية لأمه، وابن ابنه حسّان بن مالك بن بحدل، ولي الشرطة لهشام، وهو الذي دخل مع بني أمية يوم نهر أبي فطرس، فقتل معهم، وسفيان بن الأبرد بن أمامة بن قابوس بن سفيان بن ثعلبة بن حارثة بن جناب، من قواد بني أمية؛ وأخوه الحكم بن الأبرد، كان مع مُصعب بن الزبير على إحدى مجنبتيه يوم قُتل. ومن بطون كلب: بنو عامر بن عوف بن بكر بن عوف بن عُذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة، بطن عظيم، وعامر هذا هو أخو عامر بن صعصعة .. لأمه: أمهما، عمرة بنت عامر بن الظرب العدواني، ولدت عامر بن صعصعة على رمل، وولدت عامر بن عوف عند أصل جبل، فأخبرها الكاهن بأنه سيعظُم أمرهما وعددهما، وعلقمة بن وائل بن مروان بن زهير بن ثعلبة بن حديج بن أبي جشم بن كعب بن عوف بن عامر بن عوف بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة كان على المقاسم يوم اليرموك، ثم دخل إلى الروم وتنصَّر - نعوذ بالله من البلاء -، والأبرش الكلبي، وهو سعيد بن بكر بن عبد قيس بن الوليد بن عبد عمرو بن جبلة بن وائل بن قيس بن بكر بن الجلاح - وهو عمر بن عوف بن بكر بن كعب بن عوف بن عامر بن عوف بن عُذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب وزير هشام بن عبد الملك، وجهيل بن سيف، وآله سكان بحضرموت، وهو الذي قدم حضرموت بنعي رسول الله ﷺ ، ودُحيّة بن خليفة بن فروة بن فضالة بن زيد بن امرئ القيس بن الخزرج بن عامر بن بكر بن عامر بن عوف بن بكر بن عوف بن عُذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة، صاحب رسول الله ﷺ ، الذي أتاه جبريل على صورته، ومنهم: البيّاغ بن قيس بن عبد ملك بن مخزوم بن المشط، واسمه عوف بن عامر الأكبر ابن عوف بن بكر بن عُذرة بن زيد اللات كان فارسًا يغير على بكر بن وائل، وكان آخر غارة أغارها في زمان علي ﵁، ومنصور بن جهور بن حصن بن عمرو بن خالد بن حارثة بن جابر بن

стр. 3962

حارثة بن العبيد بن عامر بن بكر بن عامر بن عوف بن عُذرة بن زيد اللات، القائم مع يزيد بن الوليد ﵁ وكان من فرسان المسلمين، ومات بالمفازة بين السند وسجستان عطشًا، في حين قيام المسودة، وكان له أخٌ يسمى منظور بن جهور، والحكم بن عوانة بن عياض بن وزير بن عبد الحارث بن أبي حصن بن ثعلبة بن خيبري بن سلمة بن عامر بن عبد ودٍّ بن عوف بن كنانة بن عوف بن عُذرة بن زيد اللات، وحب رسول الله ﷺ أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحبيل بن عبد العُزَّى بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبدود بن عوف بن كنانة بن عوف بن عُذرة بن زيد بن اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة. وبنوه محمد والحسن وزيد بنو أسامة ﵃ وكان لزيد أخٌ اسمه جبلة، ومن ولده: محمد بن أسامة بن أسامة بن زيد -، ومحمد بن عبد الله بن محمد بن أسامة بن زيد، محدثان، ومحمد بن حاتم بن خزيمة بن قتيبة بن محمد بن القاسم بن الفضل بن جعفر بن إبراهيم بن إسماعيل بن أسامة الحب بن زيد ﵃ ويذكر ولد اسمه إسماعيل، ولعله سقط من النسب اسم أو أكثر، وهشام أبو المنذر بن محمد السائب بن بشر بن عمرو بن الحارث بن عبد العُزّى بن امرئ القيس، النسابة، هكذا ذكر في نسبه وأرى امرأ القيس هذا هو بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد ود بن عوف بن كنانة بن عوف بن عُذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة، قتل السائب المذكور يوم صفين مع علي بن أبي طالب، والشرقي بن القطامي، واسم القطامي الوليد بن الحُصين بن جمال بن حبيب بن جابر بن مر واسمه مالك بن عمرو بن امرئ القيس بن عامر بن النعمان المذكور، صحب الشرقي هذا المهدي والمنصور، وشهد أبوه يوم بنات قين، إذ أغارت فزارة من غطفان على كلب، وأفلت على رجليه، وبنو أسلُم (بضم اللام) ابن تَدْول بن تيم اللات بن رفيدة بن كلب بن وبرة. وذكر ابن حزم عن الكلبي: أن كلب من (جماجم العرب) أي رؤسائهم، وقد دعيت بجماجم لأنها بمنزلة جمجمة الرأس بالنسبة للإنسان، وذكر في موضع آخر أيضًا أن كلب (من الأرحاء).

стр. 3963

(٢) ما قاله العلّامة أبو العباس أحمد القلقشندي في قلائد الجمان عام ٨٢١ هـ: قال: كلب: قال صاحب حماه: وكانوا ينزلون في الجاهلية دومة الجندل وتبوك وأطراف الشام، قال ابن سعيد: وبقيت كلب في خلق عظيم على خليج القسطنطينية (اسطنبول حاليًّا) وهم مسلمون. قال في مسالك الأبصار: وبشيزر حلب وتدمر قوم منهم .. ثم قال: قلت: وببلاد منفلوط من صعيد مصر قوم من بني كلب. قال في مسالك الأبصار: وبيدم والمناظر قوم من بني كلب، ومن كلب (عُذرة) النسابة ابن السائب الكلبي. قال الحمداني: من كنانة عُذرة قوم بالدقهلية والمرتاحية بالديار المصرية، ويعرفون بالجمارسة، ثم قال ومنهم بنو شهاب وبنو ربدة والرواشد وهم غير رواشد بني هلبا من جُذام. (٣) ما قاله العلّامة عبد الرحمن بن خلدون: قال: كان لقُضاعة مُلك آخر في كلب بن وبرة يتداولونه مع السكون من: كِنْدة فكانت لكلب دومة الجندل وتبوك، ودخلوا دين النصرانية، وجاء الإسلام والدولة في دومة الجندل لأكيدر بن عبد الملك بن السكون، ويقال أنه كِنْدي من ذرية الملوك الذين ولّاهم التبابعة (ملوك اليمن) على كلب، فأسره خالد بن الوليد وجاء إلى النبي ﷺ فصالح على دومة وكان أول من ملكها دُجانة بن قناعة بن عديّ بن زهير بن جناب الكلبي. قال: ويقيت بنو كلب الآن في خلق عظيم على خليج القسطنطينية مسلمين (بلاد الأتراك). ومن بني كلب وبرة بن تغلب بن حلوان: بنو كنانة بن بكر بن عوف بن عُذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب، (قبيلة ضخمة) فيها ثلاثة بطون: بنو عديّ وبنو زهير وبنو عليم. وبنو جناب بن هبل بن عبد الله بن كنانة، بطون ضخمة ومنهم عبيدة بن هُبيْل شاعر قديم، وهذا امرؤ القيس بن حرام الشاعر القديم وقد اندثر شعره لأنه لم يكن للعرب كتاب لبدأتها، وإنما بقي من أشعارهم ما ذكره رواة الإسلام وقيدوه عن

стр. 3964

رواية الكتاب من محفوظ الرجال. ومن بني عديّ: بنو حصين بن ضمضم بن عديّ كانت منهم نائلة (١) بنت الفرافصة بن الأحوص بن عمرو بن ثعلبة بن الحرث بن حصن امرأة عثمان بن عفان. ومنهم أبو الخطّار الحسام بن ضرار بن سلامان بن جُشَم بن ربيعة بن حصن أمير الأندلس ومنسبة بن شحيم بن منجاش بن مزغور بن منجاش بن هُذيم بن عديّ بن زهير، وابن ابنه حسان بن مالك بن بحدل الذي قام بمروان بوم مرج راهط، وكانت رياسة الإسلام في كلب لبني بحدل هؤلاء، ومن عقبهم بنو منقذ ملوك شيزر، ومن بني زهير بن جناب حنظلة بن صفوان بن تَويْل بن بشر بن حنظلة بن علقمة بن شراحبيل بن هرير بن أبي جابر بن زهير ولي إفريقية لهشام، ومن عليم بن جناب: بنو معقل، وربما يقال أن عرب المعقل الذين بالمغرب الأقصى لهذا العهد وفي زمانه ينتسبون فيهم، ومن بطون كلب بني عوف بن بكر بن عوف بن كعب بن عوف بن عامر بن عوف منهم (دُحيَّة) بن خليفة بن فروة بن فضالة بن زيد بن امرئ القيس بن الخزرج بن عامر بن بكر بن عوف صاحب رسول الله ﷺ الذي أتاه جبريل ﵇ في صورته، ومنصور بن جهور بن حفر بن عمرو بن خالد بن حارثة بن العبيد بن عامر بن عوف القائم مع يزيد بن الوليد وولاة الكوفة، وحب رسول الله ﷺ أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحبيل بن عبد العُزّى بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد ود بن عوف، سُبي أبوه زيد في الجاهلية وصار إلى خديجة فوهبته للنبي ﷺ ثم أعتقه وربى ابنه أسامة في بيته ومع مواليه، وأخباره مشهورة. ومن بني كلب ثم من بني كنانة بن بكر بن عوف النسابة ابن الكلبي (٢) وهو أبو المنذر هشام بن محمد السائب بن بشر بن عمرو بن الحرث بن عبد العُزَّى بن امرئ القيس، قال ابن حزم: هكذا ذكره ابن الكلبي في نسبه .. وأرى امرأ القيس هذا هو عامر بن النعمان بن عامر بن عبد ود بن كنانة بن عذرة وقد منّ من بقية

стр. 3965

نسبه. قال: وكان لقُضاعة مُلك آخر من كلب بن وبرة يتداولونه مع السكون من كِنْدة، فكانت لكلب دومة الجندل وتبوك ودخلوا في دين النصرانية، وجاء الإسلام والدولة في دومة الجندل لأكيدر بن عبد الملك من السكون، ويقال أنه كِنْدي من ذرية الملوك الذين ولّاهم التبابعة على كلب فأسره خالد بن الوليد وجاء به إلى النبي ﷺ فصالح على دومة الجندل، وكان أول من ملكها دُجانة بن قناعة بن عديّ بن زهير بن جناب. وبقيت بنو كلب الآن في خلق عظيم على خليج القسطنطينية وهم مسلمون.

стр. 3966

دولة بني أبي الحسن الكلبيين في صقلية جنوب إيطاليا (١) ما قاله العلَّامة ابن خلدون تحت عنوان: "بقية أخبار صقلية ودولة بني الحسن الكلبيين بها من العرب المستبدين بدعوة العبيديين (الفاطميين) وبداية أمرهم وتصاريف أحوالهم". ولما استولى عبيد الله المهدي على إفريقية ودانت له، وبعث العمال في نواحيها بعث على جزيرة صقلية الحسن بن محمد أبي خنزير من رجالات كُتامة (٢) فوصل إلى مأزر سنة سبع وتسعين في العساكر فولى أخاه على كبركيت، وولى على القضاء بصقلية إسحاق بن المنهال، ثم سار سنة ثمان وتسعين في العساكر إلى ومش فعاث في نواحيها ورجع، ثم شكا أهل صقلية سوء سيرته وثاروا به وحبسوه، وكتبوا إلى المهدي معتذرين فقبل عذرهم وولى عليهم أحمد بن قهرب، وبعث سرية إلى أرض قلورية فدوخوها ورجعوا بالغنائم والسبي، ثم أرسل سنة ثلاثمائة ابنه عليًا إلى قلعة طرمين المحدثة ليتخذها حصنًا لحاشيته وأمواله حذرًا من ثورة أهل صقلية، فحصرها ابنه ستة أشهر، ثم اختلف عليه العسكر فأحرقوا خيامه، وأرادوا قتله فمنعه العرب، ودعا هو النّاس إلى المقتدر فأجابوه، وقطع خطبة المهدي، وبعث الأسطول إلى إفريقية، ولقوا أسطول المهدي وقائده الحسن بن أبي خنزير فقتلوه، وأحرقوا الأسطول. وسار أسطول ابن قهرب إلى صفاقس (٣) فخربوها وانتهوا إلى طرابلس، وانتهى الخبر إلى القائم بن المهدي ثم وصلت الخلع والألوية من المقتدر إلى ابن تهرب، ثم بعث الجيش في الأسطول إلى قلورية فعاثوا في نواحيها ورجعوا، ثم بعث ثانية أسطولًا إلى إفريقية، فظفر به أسطول المهدي، فانتفض أمره، وعصى عليه أهل كبركيت، وكاتبوا المهدي، ثم ثار الناس بابن قهرب آخر الثلثمائة وحبسوه وأرسلوه إلى المهدي، فأمر بقتله على قبر ابن خنزير الكُتامي في جماعة من خاصته، وولى على صقلية أبا سعيد بن أحمد وبعث معه العساكر من كُتامة

стр. 3967

فركب إليها البحر فنزل في طرابنة، وعصى عليه أهل صقلية بمن معه من العساكر فامتنعوا عليه، وقاتله أهل كبركيت وأهل طرابنة فهزمهم وقتلهم، ثم استأمن إليه أهل طرابنة فأمنهم وهدم أبوابها، وأمره المهدي بالعفو عنهم، ثم ولى المهدي على صقلية سالم بن راشد وأمده سنة ثلاث عشرة بالعساكر فعبر البحر إلى أرض انكبرده فدوخوها، وفتحوا فيها حصونًا ورجعوا، ثم عادوا إليها ثانية وحاصروا مدينة أدرنت أيامًا، ورحلوا عنها، ولم يزل أهل صقلية يغيرون على ما بأيدي الروم من جزيرة صقلية وقلورية، ويعيثون في نواحيها، وبعث المهدي سنة اثنتين وعشرين جيشًا في البحر مع يعقوب بن إسحاق فعاث في نواحي جنوه ورجعوا ثم بعث جيشه من قابل ففتحوا مدينة جنوه، ومروا بسردانية فأحرقوا فيها مراكب وانصرفوا. ولما كانت سنة خمس وعشرين انتفض أهل كبركبت على أميرهم سالم بن راشد، وقاتلوا جيشه، وخرج إليهم سالم بنفسه فهزمهم، وحصرهم ببلدهم، واستمد القائم فأمده بالعسكر من خليل بن إسحاق، فلما وصل إلى صقلية شكا إليه أهلها من سالم بن راشد، واسترحمته النساء والصبيان، وجاءه أهل كبركيت وغيرها من أهل صقلية بمثل ذلك فرق لشكواهم، ووشي إليهم سالم بأن خليلًا إنما جاء للانتقام منهم بمن قتلوا من العسكر فعادوا الخلاف، واختط خليل مدينة على مرسى المدينة سماها الخالصة، وتحقق بذلك أهل كبركيت ما قال لهم سالم، واستعدوا للحرب، فسار إليهم خليل منتصف ست وعشرين، وحصرهم ثمانية أشهر بغاديهم بالقتال ويراوحهم، حتى إذا جاء الشتاء رجع إلى الخالصة واجتمع أهل صقلية على الخلاف، واستمدوا ملك القسطنطينية فأمدهم بالمقاتلة والطعام، واستمد خليل القائم فأمده بالجيش فافتتح قلعة أبي ثور وقلعة البلوط وحاصر قلعة بلاطنو إلى أن انقضت سنة سبع وعشرين، فارتحل عنها وحاصر كبركيت، ثم حبس عليها عسكرًا للحصار مع أبي خلف بن هارون ورحل عنها وطال حصارها إلى سنة تسع وعشرين فهرب كثير من أهل البلد إلى بلد الروم، واستأمن الباقون فأمنهم على النزول عن القلعة، ثم غدر بهم فارتاع لذلك سائر القلاع وأطاعوا، ورجع خليل إلى إفريقية آخر سنة تسع وعشرين، وحمل معه وجوه أهل كبركيت في سفينة وأمر بخرقها في لجة البحر فغرقوا أجمعين. ثم ولى على صقلية عطاف الأزدي، ثم كانت فتنة أبي زيد، وشغل القائم والمنصور بأمره فلما انقضت فتنة أبي زيد، عقد المنصور على صقلية للحسن بن أبي الحسن الكلبي.

стр. 3968

الحسن بن الحسن الكلبي يؤسس دولته في صقلية يقول ابن خلدون عن الحسن: وكان من صنعائهم ووجوه قواده (أي قواد المنصور)، وكنيته أبو الغنائم، وكان له في الدولة محل كبير، وفي مدافعة أبي يزيد غناء عظيم، وكان سبب ولايته، أن أهل بليرم كانوا قد استضعفوا عطافًا واستضعفهم العدو لعجزه، فوثب به أهل المدينة يوم الفطر من سنة خمس وثلاثين، وتولى كبر ذلك بنو الطير منهم، ونجا عطاف إلى الحصن، وبعث للمنصور يعلمه ويستمده، فولى الحسن بن علي على صقلية وركب البحر إلى مأزر، وأرسى بها فلم يلقه أحد منهم، وأتاه في الليل جماعة من كُتامة، واعتذروا إليه عن الناس بالخوف من بني الطير، وبعث بنو الطير عيونهم عليه، واستضعفوه وواعدوه أن يعودوا إليه فسبق ميعادهم، ودخل المدينة، ولقيه حاكم البلد وأصحاب الدواوين، واضطر بنو الطير إلى لقائه، وخرج إليهم كبيرهم إسماعيل، ولحق به من انحرف عن بني الطير فكثر جمعه، ودس إسماعيل بعض غلمانه فاستغاث بالحسن من بعض عبيده أنه أكره امرأته على الفاحشة، يعتقد أن الحسن لا يعاقب مملوكهـ فتخشن قلوب أهل البلد عليه، وفطن الحسن لذلك فدعا الرجل واستحلفه على دعواه، وقتل عبده فسرّ النّاس بذلك، ومالوا عن الطيري وأصحابه، وافترق جمعهم، وضبط الحسن أمره، وخشي الروم بادرته فدفعوا إليه جزية ثلاث سنين، وبعث ملك الروم بطريقًا في البحر في عسكر كبير إلى صقلية، واجتمع هو والسردغربس واستمد الحسن بن علي المنصور فأمده بسبعة آلاف فارس وثلاثة آلاف وخمسمائة راجل، وجمع الحسن من كان عنده وسار برًا وبحرًا، وبعث السرايا في أرض قلورية، ونزل على أبراجه فحاصرها وزحف على الروم ففروا من غير حرب، ونزل الحسن على قلعة قيشان فحاصرها شهرًا وصالحهم على مال ورجع بالأسطول إلى مسيني فشتى بها. وجاء أمر المنصور بالرجوع إلى قلورية فعبر إلى خراجة فلقي الروم والسردغربس فهزمهم، وامتلأ من غنائمهم، وذلك يوم عرفة سنة أربعين وثلاثمائة بعد الهجرة. ثم ثار إلى خراجه فحاصرها حتى هادنه ملك الروم قسطنطين. ثم عاد إلى ربو وبنى بها مسجدًا وسط المدينة، وشرط على الروم أن لا يعرضوا له، وأن من

стр. 3969

دخله من الأسرى أمن، ولما توفي المنصور وملك ابنه المعز سار إليه الحسن، واستخلف على صقلية ابنه أحمد، وأمره المعز بفتح القلاع التي بقيت للروم بصقلية فغزاها، وفتح طرمين وغيرها سنة إحدى وخمسين، وأعينه رمطة فحاصرها، فجاءها من القسطنطينية أربعون ألفًا مددًا، وبعث أحمد يستمد المعز فبعث إليه المدد بالعساكر والأموال مع أبيه الحسن، وجاء مدد الروم فنزلوا بمرسى مسينة، وزحفوا إلى رمطة، ومقدم الجيوش على حصارها الحسن بن عمار وابن أخي الحسن بن علي، فأحاط الروم بهم، وخرج أهل البلد إليهم، وعظم الأمر على المسلمين فاستماتوا، وحملوا على الروم وعقروا فرس قائدهم منويل فسقط عن فرسه، وقتل جماعة من البطارقة معه، وانهزم الروم وتتبعهم المسلمون بالقتل، وامتلأت أيديهم من الغنائم والأسرى والسّبي، ثم فتحوا رمطة عنوة وغنموا ما فيها وركب فل الروم من صقلية وجزيرة رفق في الأسطول ناجين بأنفسهم، فاتبعهم الأمير أحمد في المراكب فخرقوا مراكبهم، وقتل كثير منهم، وتعرف هذه الوقعة بالمجاز، وكانت سنة أربع وخمسين، وأسر فيها ألف من عظمائهم، ومائة بطريق، وجاءت الغنائم والأسارى إلى مدينة بليرم حاضرة صقلية، وخرج الحسن للقائهم فأصابته الحمى من الفرح فمات!، وحزن الناس عليه وولي ابنه أحمد باتفاق من أهل صقلية بعد أن ولي المعز عليهم بعيش مولى الحسن فلم ينهض بالأمر ووقعت الفتنة بين كُتامة والقبائل الأخرى وعجز عن تسكينها وبلغ الخبر إلى المعز فولي عليها أبا القاسم علي بن الحسن نيابة عن أخيه أحمد، ثم توفي أحمد بطرابلس سنة تسع وخمسين، واستبد بالإمارة أخوه أبو القاسم علي وكان مدلًا محبًا، وسار إليه سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة بعد الهجرة ملك الإفرنج في جموع عظيمة، وحصر قلعة رمطة وملكها وأصاب سرايا المسلمين، وسار الأمير أبو القاسم في العساكر من بليرم يريدهم، فلما قاربهم خام عن اللقاء ورجع قافلا، وكان الإفرنج في الأسطول يعاينونه فبعثوا بذلك للملك بردويل فسار في اتباعه، وأدركهـ فاقتلوا، وقُتل أبو القاسم في الحرب وأهمّ المسلمين أمرهم فاستماتوا وقاتلوا الإفرنج فهزموهم أقبح هزيمة. ونجا بردويل ملكهم إلى خيامه برأسه، وركب البحر إلى روما وولى المسلمون عليهم بعد الأمير أبي القاسم ابنه جابر فرحل بالمسلمين لوقته راجعًا، ولم يعرج على الغنائم، وكانت ولاية الأمير أبي القاسم اثنتي عشرة سنة ونصفًا وكان عادلًا حسن

стр. 3970

السيرة، ولما ولي ابن عمه جعفر بن محمد بن علي بن أبي الحسن، وكان من وزراء العزيز بالله وندمائه استقامت الأمور، وحسنت الأحوال، وكان يحب أهل العلم ويجزل الهبات لهم، وتوفي سنة خمس وسبعين، وولي أخوه عبد الله فاتبع سيرة أخيه إلى أن توفي سنة تسع وسبعين، وولي ابنه ثقة الدولة أبو الفتوح يوسف بن عبد الله بن محمد بن علي بن أبي الحسن، فأنسى بجلائله وفضائله من كان قبله منهم إلى أن أصابه الفالج، وعطل نصفه الأيسر سنة ثمان وثمانين، وولي ابنه تاج الدولة جعفر بن ثقة الدولة يوسف فضبط الأمور، وقام بها أحسن قيام، وخالف عليه أخوه علي سنة خمس وأربعمائة من البربر والعبيد، فزحف إليه جعفر فظفر به وقتل ونفي البربر والعبيد، واستقامت أحواله، ثم انقلبت حاله واختلت على يد كاتبه ووزيره حسن بن محمد الباغاني فثار عليه الناس بسببها، وجاءوا حول القصر، وأخرج إليهم أبو الفتوح في محفة فتلطّف بالناس، وسلم إليهم الباغاني فقتلوه، وقتلوا حافده أبا رافع، وخلع ابنه ابن جعفر، ورحل إلى مصر وولي ابنه ابن جعفر سنة عشرة ولقبه بأسد الدولة ابن تاج الدولة، ويعرف بالأكحل فسكن الاضطراب واستقامت الأحوال، وفوّض الأمور إلى ابنه ابن جعفر، وجعل مقاليد الأمور بيده فأساء ابن جعفر السيرة، وتحامل على صقلية ومال إلى أهل إفريقية، وضجّ الناس وشكوا أمرهم إلى المعز صاحب القيروان وأظهروا دعوته، فبعث الأسطول فيه ثلاثمائة فارس مع ولديه عبد الله وأيوب واجتمع أهل صقلية وحصروا أميرهم الأكحل، وقتل وحُمل رأسه إلى المعز سنة سبع عشرة وأربعمائة، ثم ندم أهل صقلية على ما فعلوا وثاروا بأهل إفريقية، وقتلوا منهم نحوا من ثلاثمائة وأخرجوهم، وولوا الصمصام أخا الأكحل، فاضطربت الأمور وغلب السفلة على الأشراف، ثم سار أهل بليرم على الصمصام وأخرجوه وقدموا عليهم ابن الثمنة من رءوس الأخبار، وتلقب القادر بالله واستبد عازر ابنه عبد الله قبل الصمصام، وغلب ابن الثمنة على ابن الأكحل فقتله واستقل بملك الجزيرة، على أن أخذت من يده، ولما استبد ابن الثمنة بصقلية تزوج ميمونة بنت الجراس فتخيل له منها شيء فسقاها السم، ثم تلافاها وأحضر الأطباء فأنعشوها، وأفاقت فندم واعتذر فأظهرت له القبول، واستأذنته في زيارة أخيها بقصريانة، وأخبرت أخاها فحلف أن لا يردها، ووقعت الفتنة وحشد ابن الثمنة

стр. 3971

فهزمه ابن جراس فانتصر ابن ثمنه بالروم، وجاء القمُّص رجار بن ينقر بن خبرة ومعه سبعة من إخوانه، وجمع من الإفرنج، ووعدهم بمُلك صقلية فداخل في بيع مية وقصد قصريانة وحكموا على من مروا من المنازل، وخرج ابن جراس فهزمه ورجع إلى إفريقية عمر بن خلف بن مكي فنزل تونس، وولي قضاءها، ولم يزل الروم يملكونها حتى لم يبق إلا المعاقل، وخرج ابن الجراس بأهله وماله صلحًا سنة أربع وستين وأربعمائة بعد الهجرة، وتملكها رجار كلها وانقطعت كلمة الإسلام منها، ودولة الكلبيين وهم عشرة، ومدتهم خمس وتسعين سنة، ومات رجار في قلعة مليطو من أرض قلورية سنة أربع وتسعين وولي ابنه رجار الثاني، وطالت أيامه، وله ألّف الشريف أبو عبد الله الإدريسي كتاب نزهة المشارق في أخبار الآفاق، وسماه قصار رجار علمًا عليه معروفًا في الشهرة والله مقدر الليل والنهار. (انتهى نص ابن خلدون) (٤) ما قاله جواد علي في تاريخ العرب قبل الإسلام عن بني كلب: قال: وكلب من قُضاعة الشهيرة، وتنسب إلى مجموعة تغلب بن حلوان، فنجدها في عرف النسابين كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحافي بن قضاعة، وكانوا ينزلون في الجاهلية دومة الجندل وتبوك وأطراف الشام، وقد كانت لهم لهجة لم يستعملها أحد من الشعراء في الجاهلية، ولعل ذلك بسبب اتصال هذه القبيلة بالنبط من بقية بني أرم وبغيرهم ممن لم تكن لهم لهجة نقية، فتأثرت لهجتها بهذا الاختلاط. واشتهر من رجال القبيلة زهير بن جناب وهو ممن يدخله الإخباريون من المعمرين في الجاهلية وجعلوا في عمره أربعمائة وقعة، وجعلوه سيد قومه وخطيبهم وشاعرهم ووافدهم إلى الملوك وطبيبهم وكاهنهم وفارسهم ونسبوا إليه الأمثال والشعر وذكروا أن من شعره قوله: ونادمت الملوك من آل عمرو … وبعدهم بني ماء السماء

стр. 3972

وأنه قاله وقد بلغ من العمر مئتي عام، فجعلوه بذلك معاصرًا للمناذرة ملوك الحيرة فيكون على قولهم هذا قد عاش طويلًا في الإسلام، وقد أدرك هشام بن الكلبي هذا التناقض في إحدى رواياته فصحح عُمر زهير واقتصر على مئتي عام، وهو عمر كشاف ولا شك يشتاق أنه يبلغه كل إنسان، ولكنه عمر استقله الأشياخ الكلبيون الذين لا يرضيهم هذا التنقيص في السن. ولم يكن زهير رئيسًا لكلب خاصة، بل كان على رأي الرواة الكلبيين رئيسًا على كل قُضاعة. ويذكر الإخباريون أن قُضاعة لم تجتمع على إطاعة رئيس إلّا زهير ورزاح بن ربيعة وهو من عُذرة، وكان رزاح هذا أخا قُصي بن كلاب القرشي لأمه، وقد جعل الاخباريون زهيرًا معاصرًا لكليب (وائل) التغلبي، ويفهم من شعر منسوب إلى المسيب ابن الرفل، وهو من ولد زهير بن جناب قال مفتخرًا بزهير متبجحًا به: إن أبرهة الأشرم (الحبشي ملك اليمن) كان قد اصطفى آل زهير، وسوسها على الناس وأعطاه الإمرة عليهم وجعله أميرًا على حييّ (معد) وعلى ابني وائل، حيث أهانهما وأذلهما، ومعنى ذلك أن زهيرًا كان في أيام أبرهة أي في النصف الأول من القرن السادس للميلاد، وأنه على ذلك كان معاصرًا لقصي بن كلاب زعيم قريش وقتئذ. ولم يقتنع الكلبيون بكل ما ذكروه عن حياة زهير بل أرادوا أن تكون خاتمة زهير خاتمة غريبة، كذلك كغرابة حياته فذكروا أنه كبر حتى خرف وحتى استخفت به نساؤه، وأنه لم يتمكن بعد الأكل بنفسه، فصارت معزبته تطعمه بنفسها، إلى أن مل الحياة على هذا النمط، فأخذ يشرب الخمر صِرْفا أيامًا حتى مات، وذكروا أن أحدًا من العرب لم يفعل هذا الفعل غير زهير وغير أبي براء عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب من بني عامر (هوازن)، والشاعر عمرو بن كلثوم التغلبي الوائلي، ويروي الإخباريون في ذلك أن أبرهة حين طلع على بلاد نجد أتاه زهير الكلبي فأكرمه وفضله على من أتاه من العرب، ثم أقره على بكر وتغلب ابني وائل من ربيعة فوليهم، وصار يجبي لهم الخراج، وحدث أن أصابتهم سِنَةٌ شديدة لم يتمكنوا فيها من دفع ما عليهم إليه، فلما طالبهم بها اعتذروا عن الدفع، فاشتد عليهم ومنعهم من النجعة حتى يؤدوا ما عليهم فكادت مواشيهم تهلك!، فلما رأت بكر بن وائل ذلك برز ابن زيابة أحد بني تيم الله بن ثعلبة من بكر، وكان هذا الرجل فاتكًا معروفًا وقتئذ، فأتى زهير الكلبي وهو نائم

стр. 3973

فأغمد السيف في بطنه ثم فرّ هاربًا ظانًا أنه قد أهلكه. ولما أفاق زهير، أخذ من كان معه من بني كلب وعامة قومه حتى وصلوا به إلى قبيلته، فجمع عندئذ جموعه ومن قدر عليه من أهل اليمن وغزا بهم بكرًا وتغلب، وقاتلهم قتالًا شديدًا، فانهزمت به بكر ثم قاتلت تغلب بعدها فانهزمت أيضًا، وأُسر كليب ومُهلهل ابنا ربيعة التغلبي، وأُخذت الأموال وكثرت القتلى في بني تغلب، وأُسرت جماعة من فرسانهم ووجوهم وانتصر زُهير نصرًا عظيمًا (١). كما نسبت إلى زهير حرب أخرى مع غَطَفان من قيس عيلان (مُضَر). قالوا: إن سببها أن بني بغيض (٢) بن ريث بن غطفان حين خرجوا من تهامة ساروا بأجمعهم، فتعرضت لهم صدّاء وهي قبيلة من مَذْحِج القحطانية، فقاتلوهم، وبنو بغيض سائرون بأهليهم وأموالهم، فقاتلوهم عن حريمهم فظهروا على صدّاء وفتكوا بهم، فعزّت بغيض بذلك، وأثرت وكثرت أموالها، فلما رأت بنو بغيض ذلك وبطرت قالوا: والله لنتخذن حرمًا مثل مكة لا يُقتل صيده ولا يُهاج عائذه! فبنوا حرمًا ووليه بنو مُرَّة بن عوف من ذبيان، فلما بلغ زهير بن جناب فعلهم وما أجمعوا عليه أبى ذلك وقرر منع غطفان من اتخاذ هذا الحرم، فسار إليها بجموع كثيرة من كلب وقضاعة فظفر بهم وأصاب حاجته منهم، وأخذ فارسًا منهم فقتله وعطّل ذلك الحرم المزعوم (٣). كما روى الإخباريون أنه حارب بني القين ابن جسر من قُضاعة وكانت له أخت متزوجة فيهم، فأرسلت من أخبره بعزم بني القين على محاربته، فاستعد لها، فقاتلها، وقتل رئيسها وانصرفت خائبة عنه. ويظهر هنا من غربلة روايات الإخباريين عن زهير بن جناب الكلبي أنه فعلًا بطل كلب، وأنه من رجال القرن الخامس الميلادي، وأنه لم يكن بعيد عهد عن الإسلام وأنه كان معاصرًا لأبرهة، ولعله كان قد تحالف معه فترك حلفه معه أثرًا في ذاكرة الإخباريين، والظاهر أنه أيضًا كان ذا شخصية قوية ومحاربًا حارب جملة قبائل فأخضعها وبذلك بسط نفوذه عليها، ووضع اسم قبيلته على القبائل الأخرى وقتئذ. ولعل اتصاله بأبرهة وبلاد اليمن هو الذي أوجد رابطة نسب قبائل قُضاعة بحِمْيَر القحطانية اليمانية. نقلًا عن ابن الأثير ص. وهم قبائل عبس وغزارة (ذبيان) من بغيض من غَطَفَان.

стр. 3974

والمبالغات والإغراب جعل بعض المستشرقين فيما بعد يجعلون من زهير هذا شخصية خرافية وبطلًا خياليًا! وأكثر ما رواه جماعة آخرون من المشايخ الكلبيين كانوا يروون هذا النوع من التقصي عن رجال كلب حملهم على ذلك تقصيهم لقبيلتهم بني كلب. وأكثر ما روي عن كلب هو من إخراج أيدي كلبية نشرته وأذاعته بين الناس، ومن حسن حظ كلب أن شيوخ الإخباريين الذين ذكرتهم كانوا منهم، فكان لقولهم هذا صداه البعيد. وكلب في حد ذاتها جملة قبائل وبطون ضخمة منها رفيدة وعرينة وصحب وبطون كنانة وهي قبيلة كلبية ضخمة من بطونها بنو عديّ، وبنو زهير، وبنو عليم، وبنو جناب. وذكر بعض الإخباريين أن كلبًا كانت تحكم دومة الجندل (بلاد الجوف حاليًا) وأول من حكمها منهم هو دجانة بن قنافة بن عديّ بن زهير بن جناب، وذكروا أيضًا أن المُلك على دومة الجندل وتبوك كان لهم، إلى أن ظهر الإسلام، وأنهم كانوا يتداولونه مع بني السكون من كِنْدة القحطانية، فلما ظهر الإسلام كانوا على دومة الجندل ويحكمها الأكيدر بن عبد الملك من السكون. (انتهى قول جواد علي) (٥) ما قاله عارف العارف في قبائل بئر السبع بفلسطين: قال: من القبائل الكلبية التي نزلت فلسطين من قُضاعة وقد دعوا بذلك نسبة إلى أبيهم كلب بن وبرة، ومن الطريف أن نذكر أن وبرة سمى أبناءه كلب وأسد ونمر وذئب وثعلب وفهد وضبع ودب وسرحان. . . إلخ، ومن بني كلب الذين نزلوا فلسطين إبراهيم بن عثمان بن محمد الأشهبي عام ٤٤٨ - ٥٢٤ هـ وقد نزل غزة، وكانت لبني كلب بن وبرة في عصر الدولة الفاطمية إمارة في صقلية (جنوب

стр. 3975

إيطاليا) واستمرت من عام ٣٣٦ هـ إلى ٤٣١ هـ، وفي أوائل القرن الثامن الهجري كان من بني كلب كثيرون على خليج القسطنطينية مسلمين. قال في مسالك الأمصار: وبشيرز وحلب وبلادها وتدمر والمناظر بالشام أقوام منهم. ولعلّ من في نواحي اللاذقية بسواحل سوريا الآن من الكلبيين (١) وهم من بني كلب هؤلاء. وفي تاريخ شرق الأردن وقبائلها أن العوران التي تقطن في الطفيلة وقرية عابور من الكرك من أعقاب بني كلب هؤلاء.

стр. 3976

(ما قاله المؤرخون عن بني كلب قبل الإسلام) (بعض قبائل قُضَاعة تنضم إلى بني كلب لقوتها) ذكر بعض المؤرخين والنسابين أن غالبية بطون قُضاعة قد دخلت في كلب وعدّت منها، من هؤلاء ما ذكر ابن حزم الأندلسي (١) قال: إن من بني أسلم بن الحافي بن قضاعة، وعامر، وعمرو، وحنظلة حكم العرب، والطول، ومرة، وخزيمة، وأبان، هؤلاء كلهم سكنوا بلاد الشام، ومنهم بالأندلس، وبريّة، ومرة، ومغامر بن نهد، هؤلاء دخلوا في بني عليم من كلب، وعمرو بن نهد دخل في بني عديّ بن جناب من كلب بن وبرة. وقبائل قضاعة أغلبها دخل في كلب لقوة كلب وشرفها في تلك الفترة، ومن القبائل التي خالطت كلب في الأرض والصهر وشاركتها في حروبها حتى دخلت فيها وعدّت منها، بنو القين بن جسر، ولا تزال منازلهم جنوب دومة الجندل، ومياههم معروفة إلى اليوم بأسمائهم، وهي القين ماء لهم، وغير أن البنات جمع غار نسبة لبنات قين وهي مياههم، وطويل البنات وهي جبال لهم لا تزال على مسماها، والعجائز هي عجائز من الرمل وإلى هذه المواقع نسبت حروب بنات قين بين قيس وكلب في الإسلام في زمن الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، وكذلك بنو حن وبنو بهراء وأصيد وتنوخ وغالبية تنوخ من قحطان، قال زفر بن الحارث في يوم مرج راهط وكان بين القيسية واليمانية أيام الأمويين، وكان جيش اليمانية لعبد الملك بن مروان كله من بني كلب، قال الجوزي (٢): وكانت قبائل قيس المُضَرية العدنانية كلها مضطغنة على ابن مروان الأموي من وقعة مرج راهط، وجند عبد الملك يومئذ من كلب، قال زفر بن الحارث من قيس في يوم مرج راهط (٣): لعمري لقد أبقت وقعة راهط … لحسان صدعًا متنائيا فلم أدري مني نبوة قبل هذه … فراري وتركي صاحبيّ ورائيا

стр. 3977

عشية أدعو في القرآن فلا أرى … من الناس إلا من عليّ ولائيا أيذهب يومًا واحدًا أن أسأته … بصالح أيامي وحسد بلائيا فلا صلح حتى تشحط الخيل بالقنا … وتثأر من نسوان كلب نسائيا ألا ليت شعري هل تصيبن غارتي … تنوخًا وحيي طيئ من شقائيا وقال عقيل بن علفة في يوم ابن شرج: وقد أسلموا ستاءهم لقبيلة … قُضاعية يدعون حن واصيدا وقال نمير في يوم بنات قين وهو لقيس على كلب كان ردًّا على معركة مرج راهط التي كانت لكلب على قيس: بشر بني القين بطعن الشرج … يشبع أولاد الضباع العرج وذكر تنوخ وبهراء وحن وأصيد وبنو القين دليل على أنها خالطت كلب وشاركتها في الحروب والديار حتى دخلت فيها وعدّت منها، وقبيلة كلب هي حاملة لواء القبائل اليمانية كما حملت قيس لواء القبائل العدنانية. حلفاء كلب من قبائل العرب كان لقبيلة كلب قوة وشرف وسيادة بين كافة قبائل العرب، وكان لها أحلافًا مع بعض قبائل العرب الكبيرة مثل قبيلة بني تميم العدنانية وهي من خِنْدف الجذم الثاني من مُضَر، وكان بينها وبين كلب حلفٌ قويٌّ وكان هذا الحلف قديمًا منذ الجاهلية. قال الأصبهاني (١). . . قال الفرزدق المجاشعي من بني تميم وهو أشعر شعراء تميم بن مر وكان قد كتب بها إلى سعيد بن الوليد الأبرش وكلّم له هشامًا:

стр. 3978

إلى الأبرش الكلبي أسندت حاجة … تواكلها أحياء تميم ووائل على حين أن زلت بي النعال زلة … فأخلف ضني كل حاف وناعل فدونكم يا ابن الوليد فإنها … مفضلة أصحابها في المحافل ودونكها با ابن الوليد فقم بها … قيام امرئ في قومه غير خامل فكلم هشامًا وأمر بتخليته فقال يمدح الأبرش الكلبي: لقد وثب الكلبي وثبة حازم … إلى خير خلق الله نفسا وعنصرا إلى خير أبناء الخليفة لم يجد … لحاجته من دونها متأخرا أبي حلف كلب في تميم وعقدها … كما سنت الآباء أن يتغيرا وقال الفرزدق في قوة الحلف بين تميم وكلب: أشد حبلا بين حيين مُرّة … حالًا أمرت من تميم ومن كلب وليس قُضاعي لدينا بخائف … ولو أصبحت تغلي القدور من الحرب وذكر الفرزدق "كلب" في شعره مرة كلب ومرة قُضاعة بقوله: "وليس قُضاعي" دليل على أن "كلب" قد تزعمت قُضاعة كلها. قلت: وعن هذا الحلف فمازال له ذكر في القصص القديمة والأساطير عند الشرارات وهم أعقاب بني كلب في ديارها بشمال المملكة العربية السعودية وهو قولهم أن بني تميم أصحاب وأخوال أي بينهم وبين الشرارات صهر وسلم من قديم الزمان. كما أن قبيلة جهينة بينها وبين كلب رابطة أقوى من الأحلاف وهي رابطة الدم التي تجمعهم وكلب بقُضاعة .. قال سنان بن جابر الجهني: فمن يحتمل في شأن كلب ضغينة … علينا إذا ما حان في الحرب حينها فإنا وكلب كاليدين متي تضع … شمالك في شيء تعنها يمينها

стр. 3979

وعن هذه الرابطة فهناك ما يدل على وجودها في مأثوراتهم إلى اليوم، فمن حدائهم قولهم: اليوم ورد جهينة … أهل الوجوه الشينة وهنا قولهم أهل الوجوه الشينة هو مدح لهم؛ لأن المقصود بها شدتهم في يوم الوغى، كما يقال للشرارات "وجوه الشر .. حلابة الدر" أي شرًّا في اللقاء والحرب. والحداء قديم لأنه يدل على أن الشرارات (كلب) وجهينة كانتا متصلتين في الديار والموارد فكلها ديار قُضاعة المعروفة وقد انقطعت الصلات بينهما منذ زمن بعيد. وكانت قبيلة طيئ القحطانية (١) تحارب مع قبيلة كلب وتتعصب لها وبينهما حلف خاصة جديلة من طيئ .. فقد قال زفر بن الحارث من قيس (٢): فلا صُلح حتى تشحط الخيل بالقنا … وتثأر من نسوان كلب نسائيا ألا ليت شعري هل تصيبن غارتي … تنوخًا وحيي طيئ من سقائيا وذلك في معركة مرج راهط، وكانت بين كلب وقيس كما أسلفنا، كما أن في مأثور الشرارات ما يستدل به على مثل ذلك وهو قولهم في اجتماع العدو والصديق: "اجتمعوا من طيئ وقيس" أي من صديق وعدو، وبنظرتنا للتاريخ نجد التفسير لهذا المثال، فطيئ قبيلة يمانية قحطانية تحارب مع كلب في حروبها، وقبائل قيس هي من ألد أعداء كلب قديمًا (بعد معركة مرج راهط)، فلذلك يضرب هذا المثل السابق. وقد كان من قوة كلب وسيادتها في الجاهلية أن لعبت بعض الأدوار الهامة في التاريخ العربي من ذلك ما ذكره الجوزي (٣) قال: كان زهير بن جناب بن هبل

стр. 3980

ابن عبد الله بن بكر بن عوف بن عُذرة الكلبي أحد من اجتمعت عليه قُضاعة، وكان يُدعى الكاهن لصحة رأيه، وعاش مائتين وخمسين سنة، وكان شجاعًا مُظفّرًا ميمون النقيبة. وكان سبب غزوته لغطفان في الجاهلية: أن بني بغيض من عبس وذبيان من غطفان بن سعد بن قيس عيلان بن مُضَر بن نزار بن معد بن عدنان، حين خرجوا من تهامة ساروا بأجمعهم، فتعرضت لهم صدّاء وهي قبيلة من مَذْحِج القحطانية فقاتلوهم وبنو بغيض سائرين بأهليهم وأموالهم، فقاتل بنو بغيض عن حريمهم وأموالهم، فظهروا على صدّاء وفتكوا بهم، فعزّت بذلك بنو بغيض وأثرت وكثرت أموالها، فلما رأوا ذلك قالوا: والله لنتخذن حرمًا مثل مكة لا يقتل صيده ولا يهاج عائذه، فبنوا حرمًا، ووليه بنو مرة بن عوف من ذبيان، فلما بلغ فعلهم وما أجمعوا عليه زهير بن جناب الكلبي قال: والله لا يكون ذلك أبدًا وأنا حي، ولا أخلي غطفان تتخذ حرمًا أبدًا، فنادى في قومه فاجتمعوا إليه، فقام فيهم: فذكر حال غطفان وما بلغه عنهم، وقال: إن أعظم مأثرة يدخرها هو وقومه أن يمنعوهم من ذلك، فأجابوه، فغزا بهم بني بغيض وسائر غطفان وقتلهم أبرح قتال وأشده، وظفر بهم وأصاب حاجته منهم، وأخذ فارسًا منهم في حرمهم فقتله، وعطّل ذلك الحرم، ثم منَّ على غطفان ورد لهم النساء وأخذ الأموال. وقال زهير في ذلك: فلم تصبر لنا غطفان لما … تلاقينا وأحرزت النساء فلو الفضل منا ما رجعتم … إلى عذراء شيمتها الحياء فدونكم ديونًا فاطلبوها … وأوتارًا ودونكم اللقاء فإنّا حيث لا يخفى عليكم … ليوث حين يحتضر اللواء فقد أضحى لحي بني جناب … فضاء الأرض والماء الرواء

стр. 3981

نفينا نخوة الأعداء عنا … بأرماح أسنتها ضماء ولولا صبرنا يوم التقينا … لقينا مثل ما لقيت صداء غداة تضرعوا لبني بغيض … وصدق الطعن للنوكي شفاء قال الأصبهاني عن هذا البناء (١): لبس أو بناء بنته غطفان شبهوه بالكعبة وكانوا يحجونه ويعظمونه ويسمونه حرمًا فغزاهم زهير بن جناب الكلبي فهدمه. وعن زهير بن جناب الكلبي فهو أحد الرجال البارزين في جزيرة العرب في الجاهلية وكان شجاعًا حازمًا ذا رأي سديد كريمًا، وقد اجتمعت عليه كافة قُضاعة، فكان من شجاعته وإقدامه أنه أسر كليب ومُهلهل ابنا ربيعة وهما أفرس فرسان العرب وذلك في الحرب التي كانت بين كلب وبني وائل من بكر وتغلب. قال الأصبهاني (٢): وأما زهير بن جناب الكلبي فإنه أحد المعمرين، يقال أنه عمّر مائة وخمسين، وهو فيما ذكر أحد الذين شربوا الحمر في الجاهلية حتى قتلهم، وكان قد بلغ من السن الغاية التي ذكرناها، فقال ذات يوم: إن الحي ظاعن، فقال عبد الله بن عليم: إن الحي مقيم، فقال: من هذا الذي يخالفني منذ اليوم؟، قيل: ابن أخيك عبد الله بن عليم، فقال: أما ها هنا أحد ينهاه عن ذلك؟، قالوا: لا، فغضب .. وقال: لا أراني قد خولفت، ثم دعا بالخمر يشربها صِرْفًا بغير مزاج وعلى غير طعام حتى قتلته، وهو الذي يقول في ذم الكبر وطول الحياة: الموت خير للفتى … فليهلكن وبه بغيه مِنْ أن يرى الشيخ البجال … إذا تهادى بالعشيه ابني إن أهلك فقد … أورثتكم مجدا بنيه وتركتم أبدًا سا … دات زنادكم وديه بل كل ما نال الفتى … قد نلته إلا التحيه!

стр. 3982

وكانت حاضرة كلب دومة الجندل وهي مدينة حصينة من أهم المدن العربية قبل الإسلام، وهي مركز ديني وتجاري هام للعرب، وقد كان لهم فيها سوق من أشهر أسواق الجزيرة العربية قاطبة وهي سوق موسمية في الجاهلية، منه كانوا ينتقلون إلى سوق هِجْر (بلاد الأحساء حاليًا). قال صاحب السبائك (١): قد كان للعرب في الجاهلية أسواق يقيمونها في شهور السنة، ينتقلون من بعضها إلى بعض ويحضرها سائر العرب من قرب منهم ومن بَعُد، فكانوا ينزلون دومة الجندل أول يوم من ربيع الأول، يجتمعون في أسواقها بالبيع والشراء والأخذ والعطاء، وكان يعشوهم أكيدر دومة الجندل أول يوم، وربما غلب على السوق بنو كلب، فيعشوهم بعض رؤساء كلب، فيقوم سوقهم إلى آخر الشهر، ثم ينتقلون إلى سوق هِجْر في شهر ربيع الآخر. وقد ذكر ابن الكلبي في افتراق القبائل قبل الإسلام أن قبيلة كلب ومن حالفها، نزلت بخبت دومة، إلى ناحية بلاد طيئ من الجبلين وحيزهما إلى تيماء: وصنمهم ود - الذي ذكره الله سبحانه في القرآن الكريم - كان في مدينتهم هذه جاء في صفته (٢): فكان لكلب ود وهو تمثال على هيئة رجل كأعظم ما يكون من الرجال، عليه حُلتان متزرًا بحُلة ومرتديًا أخرى، وعليه سيف قد تقلده، وقد تنكب قوسًا. وكانت سدانته لبني الفرافصة من كلب (٣). وقبيلة كلب كان لها المُلك في دومة الجندل عند فتحها وكانوا قبل الإسلام يتناوبون المُلك هم وأكيدر بن عبد الملك من السكون من كِنْدة. قال ياقوت الحموي (٤): وبعث رسول الله ﷺ جيشًا إلى دومة، وأمَّر عليهم عبد الرحمن بن عوف، وعممه بيده، وقال: اغد باسم الله، فجاهد في سبيل الله، تقاتل من كفر بالله، وأكثر من ذكري، عسى الله أن يفتح على يديك، فإن فتح فتزوج بنت ملكهم، وكان الأصبغ بن عمرو بن ثعلبة بن الحارث بن حصن بن ضمضم ملكهم ففتحها، وتزوج ابنته تماضر بنت الأصبغ، فهي أول

стр. 3983

كلبية تزوجها قرشي فولدت له أبا سلمة الفقيه، وهي أخت النعمان بن المنذر لأمه: … وقال ابن سعيد أيضًا: أخبرنا محمد بن عمر: قال: حدثني سعد بن مسلم بن قمازين عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر قال: بعث رسول الله ﷺ عبد الرحمن بن عوف في سبعمائة إلى دومة الجندل وذلك في شعبان سنة ست من الهجرة، فنقض عمامته بيده ثم عممه بعمامة سوداء فأرخى بين كتفيه منها، فقدم دومة، فدعاهم إلى الإسلام فأبوا ثلاثًا، ثم أسلم الأصبغ بن عمرو الكلبي وكان نصرانيًّا، وكان رأسهم فبعث عبد الرحمن فأخبر النبي ﷺ بذلك، فكتب إليه ﷺ أن تزوج تُماضر بنت الأصبغ، فتزوجها عبد الرحمن وبنى بها، وأقبل بها، وهي أم أبي سلمة بن عبد الرحمن. وقبيلة كلب لها مكانتها المرموقة بين قبائل العرب قبل الإسلام فلا يكاد يأتي للمجد ذكر أو مجال إلا وكان لها منه نصيب وافر. قال حاتم الطائي (١): عمرو بن أوس إذا أشياعه غضبوا … فأحرزوه بلا غرام ولا عار إن بني عبد كلما وقعت … إحدى الهنات أتوها غير إنكار وقال لبيد يفخر (٢): فلا تسألينا واسألي عن بلائنا … إيادًا وكَلْبًا من معدًا ووائلا وقيسًا ومن لفت تَمِيمًا ومَذْحِجًا … وكِنْدة إذ وافت عليك المنزلا والحديث عن هذه القبيلة يطول لو أردنا الاستقصاء فكتب التاريخ زاخرة بأخبارها وأيامها في الجاهلية ولكن اقتصرنا على ما سبق.

стр. 3984

(ما قاله المؤرخون عن كلب في الإسلام) كما أسلفنا كانت هذه القبيلة العربية نجيبة قوية ثرية، وقد بلغت من ذلك ما لم يبلغه الكثير من قبائل العرب قبل الإسلام وبعده، فلما جاء الإسلام وفتحت دومة الجندل، وهي من مدن الصلح التي فتحت سلمًا، دخل من كلب كثير في الإسلام، وبقي منهم من بقي على النصرانية، وكان من كلب قبل ذلك صحابة لرسول الله ﷺ ، منهم زيد بن حارثة من بني المدينة من كلب، قال عنهم صاحب السبائك (١): بطن من كلب، قال والمدينة أمهم غلبت عليهم وهم بني زيد بن سلمة منهم زيد بن حارثة الصحابي المذكور بقوله تعالى: ﴿. . . فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا. . . (٣٧)﴾ [الأحزاب]، ومنهم محمد بن السائب الكلبي صاحب التفسير المشهور. قال خير الدين الزركلي (٢): وهو زيد بن حارثة بن شراحيل أو شراحبيل الكلبي صحابي اختطف في الجاهلية صغيرًا واشترته أم المؤمنين خديجة بنت خويلد فوهبته إلى النبي ﷺ ، حين تزوجها فتبناه النبي ﷺ قبل الإسلام وأعتقه وزوجه بنت عمته، واستمر الناس يسمونه زيد بن محمد حتى نزلت آية: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ. . . (٥)﴾ [الأحزاب]، وهو من أقدم الصحابة إسلامًا، وكان النبي ﷺ لا يبعثه في سرية إلا أمّره عليها، وكان يحبه ويقدمه وجعل له الإمارة في غزوة مؤتة بالشام، فاستشهد فيها. ولهشام الكلبي كتاب زيد بن حارثة. قلت: والمدينة الذين منهم زيد بن حارثة هم من فخوذ الشرارات بالوقت الحاضر. ومن الصحابة الكلبيين الصحابي الجليل دحيّة بن خليفة الكلبي (٣) الذي كان جبريل ينزل بصورته على الرسول ﷺ ، وهو مبعوث الرسول ﷺ إلى هرقل

стр. 3985

عظيم الروم. قال الأصبهاني: قال إسحاق: فقدم عليه كتاب رسول الله ﷺ ومع دحيّة بن خليفة الكلبي فيه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد رسول الله ﷺ إلى هرقل عظيم الروم: السلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فأسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين وإن تتولى فإن إثم الأكابر عليك. قال عنه خير الدين الزركلي (١): دحيّة بن خليفة بن فروة بن فضالة الكلبي، صحابي بعثه رسول الله ﷺ برسالة إلى قيصر يدعوه للإسلام، وحضر كثيرًا من الوقائع وكان يُضرب به المثل في حسن الصورة، شهد اليرموك وكان على كردوس ثم نزل حمص وعاش إلى خلافة معاوية بن أبي سفيان. وكذلك منهم الصحابي عبد الله بن أنيس، أبو يحيى من بني وبرة من قُضاعة، ويعرف بالجهني وليس بجهني، صحابي من القادة الشجعان من أهل المدينة المنورة، كان حليفًا لبني سلمة من الأنصار، له أخبار عجاب، من أعجبها حكاية قتله لسفيان بن خالد، أوردها المقريزي في إمتاع الأسماع وقد سعى الرجل العربي بكل جد لشد أزره وإسناد ظهره بالمصاهرة من قوي شريف، وكان عند العربي اعتقاد راسخ بأن المرأة الصالحة ذات الأصل الثابت والفرع السامي هي من أهم عوامل إنجاب الذرية الصالحية، وكان العربي يتحرى ويبالغ في اختيار زوجته. قال الفرزدق من بني تميم يمدح فتاة تزوجها على زوجته الأولى: عقيلة من بني شيبان ترفعها … دعائم للعلا من آل همّام من آل مُرّة بني المستضاء بهم … من راهط صيد مصاليت وحكام بين الأحاوص من كلب مركبها … وبين قيس بن مسعود وبسطام

стр. 3986

وقال رسول الله ﷺ : "تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس". وقال ﷺ أيضًا: "تنكح المرأة لثلاث [*]: لجمالها ومالها وحسبها ودينها. فاظفر بذات الدين تربت يداك". ومن منطلق هذا الاعتقاد وهذه الاحاديث، كان الرجل العربي إذا تزوج كلبية فقد أصاب مقصده، وبلغ أقصى غايته في شرف المصاهرة، وكان الزواج من كلبية أمنية المتمني وغاية كل ساع لشرف الصهر لسمو شأن هذه القبيلة. قال حكيم بن عياش الكلبي يهجو الكُمَيْت (١): ما سرني أن أمي من بني أسد … وإن ربي نجاني من النار وإنهم زوجوني من بناتهم … وإن لي كل يوم ألف دينار! وقال الأصبهاني: هجى الاعشى رجلًا من كلب فقال: بنو الشهر الحرام فلست منهم … ولست من الكرام بنو عبيد ولا من رهط جبار ابن قرط … ولا من رهط حارثة ابن زيد قال: وهؤلاء كلهم من كلب، فقال الكلبي: لا أبا لك أنا أشرف من هؤلاء وقال سنان الكلبي: يا أخت قيس سلي عنا علانية … كي تخبري من بيان العلم تبيانا أنا ذوو حسب مال ومكرمة … يوم الفخار وخير الناس فرسانا منا ابن مُرّة عمرو قد سمعت به … غيث الأرامل لا يردين ما كانا والبحدلي الذي أردت فوارسه … قيسًا غداة اللوى من رمل عدنانا وقال حسان بن ثابت لمسافع بن عياض أحد بني تميم (٢):

стр. 3987

لو كنت من هاشم أو من أسد … أو عبد شمس أو أصحاب اللوى الصيد أو من بني نوفل أو آل مطلب … أو من بني جمع الخضر الجلاعيد أو من بني زهرة الأبطال قد عرفوا … لك ذرك لم تهمم بتهديد والصيد من كلب قد يكون عني بهم كلبا لقوله أصحاب اللوى. وقد تسابق مشاهير العرب في الجاهلية والإسلام إلى الزواج من بني كلب وشدِّ أزرهم بمصاهرتهم، وقد وجدوا بهن كل ما يتمناه العربي بزوجته من شرف ووفاء نادر، قلّ أن يوجد بغير الكلبيات، ومن هؤلاء الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁ الذي تزوج نائلة (١) بنت الفرافصة بن الأحوص الكلبية أميرة شاعرة من ذوات الرأي والشجاعة حُملت إلى عثمان من بادية السماوة فتزوجها، وأقامت معه في المدينة المنورة، ولما كانت بدء الثورة عليه نصحته باستصلاح علي بن أبي طالب ﵁ وكان قد جاء وحذره، فأرسل إليه يدعوه، فقال علي: قد أعلمته أني لست بعائد، ودخل المصريون دار عثمان وبأيديهم السيوف فضربه أحدهم، فألقت نائلة نفسها على عثمان وصاحت بخادمها رباح فقتل الرجل، وهجم آخر فوضع ذباب السيف في بطن عثمان فمسكت نائلة السيف فحزّ أصابعها وقطع بعضها، وقُتل عثمان، فخرجت تستغيث، ففر القتله وأنشدت بعد دفنه بيتين في رثائه، قيل تمثلت بهما وانصرفت إلى المسجد فخطبت في الناس (خطبة رائعة في غاية الفصاحة) وقالت: إن عثمان ذا النورين قُتل مظلومًا بينكم .. إلخ، ثم كتبت إلى معاوية بن أبي سفيان وهو في الشام تصف دخول القوم على عثمان، وأرسلت إليه قميصه مضرجًا بالدم وبعض أصابعها المقطوعة، ولما سكنت الفتنة خطبها معاوية لنفسه، فأبت وحطمت أسنانها!، وقالت: إني رأيت الحزن يبلى كما يبلى الثوب، واخاف أن يبلى حزني على عثمان فيطَّلع مني رجل على ما اطَّلع عليه عثمان.

стр. 3988

وكذلك الحسين بن علي سبط رسول الله ﷺ تزوج بالرباب بنت امرئ القيس بن عدي من كلب (١)، كانت معه في وقعة كربلاء، ولما قُتل جيء بها مع السبايا إلى الشام، ثم عادت إلى المدينة وخطبها بعض الأشراف من قريش، فأبت وبقيت بعد الحسين لم يظلها سقف بيت حتى بليت وماتت كمدًا، وكانت شاعرة لها رثاء بالحسين، قلت: وسكينة بنت الحسين بن علي من الرباب هذه. وأيضًا مروان بن الحكم الأموي قد تزوج بليلى الكلبية وهي أم عبد العزيز بن مروان (٢) والد الخليفة عمر بن عبد العزيز، قال الأصبهاني: قال إسحاق: فحدث ابن كناسة، قال ليلى أم عبد العزيز كلبية، وبلغني أنه قال: لا أعطى شاعرًا شيئًا حتى يذكرها في مدحي لشرفها، فكان الشعراء يذكرونها باسمها في أشعارهم. وكذلك الصحابي عبد الرحمن بن عوف، الذي تزوج تُماضر بنت الأصبغ بن عمرو الكلبي، فولدت له سلمة بن عبد الرحمن، وقد أسلفنا عن قصة زواجه بها. وكذلك الزبير بن العوام (٣) تزوج بالرباب بنت أنيف بن عبيد بن مصاد بن كعب بن عليم بن عتاب بن ذهل من كلب وهي أم مصعب بن الزبير، قال الأصبهاني: قال خالد بن يزيد بن معاوية بزوجته رملة بنت الزبير: تجول خلاخيل النساء ولا أرى … لخولة خلخال يجول ولا قلبا أحب بني العوام طرًا لحبها … ومن أجلها أحببت أخوالها كلبا فإن تسلمي نسلم وإن تنصري … تخط رجال بين أعينهم صلبا قال: ورملة هي بنت الزبير كانت أخت مصعب بن الزبير لأمه كانت أمهما الرباب بنت أنيف من كلب.

стр. 3989

وكذلك الخليفة معاوية بن أبي سفيان الذي تزوج بميسون الكلبية (١) وهي بنت بحدل بن أنيف من بني حارثة بن جناب الكلبي وهي أم الخليفة يزيد بن معاوية وهي شاعرة لها أبيات منها: ولبس عباءة وتقر عيني … أحب إليّ من لبس الشفوف قال الزركلي: وكانت بدوية ثقلت عليها الغربة عن قومها من كلب لما تزوجت بمعاوية في الشام فسمعها تقول هذه الأبيات فطلقها وأعادها إلى أهلها وكانت حاملًا بيزيد، وفي رواية أخذته معها رضيعًا، فنشأ في البرية فصيحًا، ونقل البغدادي أن معاوية لما طلقها قاله لها: كنتِ فبنتِ، فأجابته: ما سُررنا إذ كنا وما أسفنا إذ بنّا. قال (٢): كان لمعاوية ولد اسمه عبد الله، فبينما معاوية جالس مع أم عبد الله، مرت بهما أم يزيد وهي ميسون بنت بحدل الكلبية، فهزئت بها أم عبد الله، فقال معاوية: أما والله إن ولدها خير من ولدك، فقالت: لا والله ولكنك تحب ولدها وتحابيه، فقال سأريك ذلك عيانًا، ثم أرسل إلى ابنها فجاء فقال: يا عبد الله إني قاض لك كل حاجة، فاذكر حوائجك كائنة ما كانت، فقال: يا أمير المؤمنين اشتر لي حمارًا! فقال له يا بني أنت حمار وأشتري لك حمارًا، ثم استحضر يزيد فلما حضر قال: يا بني إن أمير المؤمنين قد بسط لك أمله فاذكر حاجتك. إن كانت لك حاجة؟ فاستقبل القبلة ثم رفع رأسه وقال: الحمد لله على جميل رأي أمير المؤمنين فيَّ، ثم قال يا أمير المؤمنين اجعل إليّ العهد، فقال معاوية: نعم ونعام عين، ولّيتك عهدي، فسجد وحمد الله سبحانه.

стр. 3990

أشهر رجالات كلب بعد الإسلام كان من كلب في العهد الإسلامي رجال علم وقواد وفاتحون يصعب حصرهم، وكانوا كغيرهم من القبائل العربية في بداية الفتوحات الإسلامية رافدًا غزيرًا تتغذى منه الجيوش الإسلامية بالجند والقادة، وكانت لهم إمارة صقلية ما يقارب التسعين عامًا وحكامها آل أبي حسن الكلبيين كان: * أولهم الحسن بن علي بن أبي الحسن الكلبي (١) كان - في بادئ أمره - قائدًا في جيش المنصور الفاطمي (صاحب إفريقية) ورأى منه المنصور نشاطًا وإقدامًا فاستعمله واليًا على جزيرة صقلية سنة ٣٣٦ هـ وفي أيامه وجه ملك الروم قسطنطين أسطولًا عظيمًا للاستيلاء على الجزيرة، فاستعد الحسن لقتاله، وأمده المنصور بأسطول وسبعة آلاف فارس وثلاثة آلاف وخمسمائة راجل فزحف على مسين في إيطاليا وهاجم جيشه ريو وانبثت سراياه في أرض قلورية في جنوب إيطاليا، فانهزمت الروم وامتلك ريو وبنى بها مسجدًا ولم يزل في صقلية إلى أن بلغته وفاة المنصور سنة ٣٤١ هـ، وقيام المعز بعده وأقام قليلًا وعهد بإمارة الجزيرة إلى ابنه أحمد، ورحل إلى المهدية في تونس بإفريقية، ثم عاد إلى صقلية وخرج بأسطول عظيم سنة ٣٤٥ هـ، وتتابعت وقائعه مع الروم إلى أن كانت معركة رمطه وهي قلعة بجزيرة صقلية، فظفر فيها ظفرًا عجيبًا، قال الزركلي: قال لسان الدين ابن الخطيب: التقى حسن بن علي مع مقدمة الروم في شوال عام ٣٥٢ هـ وهو في شرذمة قليلة لولا أن الله رزق المسلمين النصر، فقتلوا في البحر خلقًا عظيمًا جُزّت منهم رءوس عشرة آلاف) واعتل الحسن لفرط فرحه فتوفي بعد نحو شهر من الواقعة في صقلية. * ومنهم عبد الله بن محمد بن حسن بن علي الكلبي (٢) من الأمراء الكلبيين أصحاب صقلية، ولي الإمارة سنة ٣٧٥ هـ بعد وفاة أخيه جعفر، وكان أديبًا محبًّا للعلم والعلماء وساد الأمن في أيامه واستمر إلى أن توفى.

стр. 3991

* ومنهم علي بن الحسن بن علي بن الحسين أبو القاسم الحسين الكلبي (١): من أمراء صقلية تولّاها بعد ذهاب أخيه أحمد لقيادة أسطول المعز الفاطمي سنة ٣٦٠ هـ واستمر إلى أن استشهد في معركة مع الألماني أوطون الثاني بقرب صقلية ونقل إليها فدفن بها، كما جرح الإمبراطور ومات من إثر جرحه سنة ٣٦٣ هـ بعد أن هُزم جيشه أقبح هزيمة وقتل من الإفرنج في تلك المعركة أربعة آلاف جندي، وقال عنه ابن خلدون: كان أبو القاسم عادلًا حسن السيرة كما أسلفنا. وأمراء صقلية الكلبيين أكثر مما ذكرت لكن ليس هنا موضع حصرهم، وذكر كافة أخبارهم، كان آخرهم الصمصام وهو حسن بن يوسف بن عبد الله بن محمد الكلبي الملقَّب بصمصام الدولة آخر الأمراء الكلبيين في جزيرة صقلية تولّاها سنة ٤١٧ هـ بعد مقتل أخيه أحمد (الأكحل)، قال الزركلي: وبمقتله ختمت دولة آبائه في صقلية. * ومن فرسان كلب وأمرائهم أيضًا عنبسة بن سحيم الكلبي (٢) فاتح من الغزاة الشجعان، كان عامل الأندلس في أيام هشام بن عبد الملك، وليها سنة ١٠٣ هـ وأوغل في غزوة الإفرنج ويرى أيزيدور أسقف باجة (تونس) في ذلك العصر: أن فتوحات عنبسة كانت فتوحات حذق ومهارة أكثر منها فتوحات بطش وقوة، وقال المستشرق رينو: لذلك تضاعف خراج بلاد الغال وافتتح قرقسونة صلحًا بعد أن حاصرها مدة وأوغل في بلاد فرنسا فعبر نهر الرون إلى الشرق وأصيب بجراحات في بعض الوقائع فكانت سبب وفاته. * ومنهم ابن حسون بن الحسين بن عبد الله بن الحسين أبو الحكم الكلبي (٣) ابن حسون قاضٍ من جبابرة الأمراء بالأندلس أيام ملوك الطوائف، نشأ في أسرة وجيهة بمالقة وتولى قضاءها سنة ٥٣٨ هـ ودعا إلى نفسه كما صنع كثير من القضاة في ذلك العهد، وقام بالإمارة والقضاء وكان في جواره بعض المرابطين، فواصلوا

стр. 3992

الغارات عليه، فزلت قدمه، قال الزركلي: اتفق أهل البلد مع أحد خدامه ويُعرف باللوشي فثاروا على ابن حسون وقتلوا أخًا له، كان قائد جيشه، وضاع رشده فقتل بعض بناته غيرة عليهن من السبي، وأطلق النار في كتبه فأحرقها وشرب سما فلم يقتله فتناولا رمحًا فتحامل على سنانه إلى أن خرج من ظهره ولم يمت إلا بعد يومين! * ومنهم أبو الخطّار وهو حسام بن ضرار بن سلامان بن خيثم بن ربيعة الكلبي (١) ثم الربيعي أبو الخطّار أمير الأندلس كان حازمًا شجاعًا فصيحًا شاعرًا، قال ابن الأثير: كان أحد فارس الناس بإفريقية ولّاه حنظلة بن سفيان والي إفريقية لهشام بن عبد الملك إمارة الأندلس، فانتقل إليها من تونس سنة ١٢٥ هـ، وأقام بقرطبة وكثر أهل الشام وغيرهم عنده ففرقهم في البلاد فأنزل أهل دمشق إلبيرة لشبهها وسماها دمشق، وأنزل أهل حِمْص أشبيلية وسماها حِمْص، وأهل الأردن رية وسماها الأردن، وأهل فلسطينَ شذونة وسماها فلسطين وغيرهم، وقاومه عبد الرحمن بن حبيب فكانت بينهما وقائع وكان أعرابيًّا عصبيًا أفرط في التعصب لقومه من اليمانية وتحامل على المُضَرية من العدنانية. * ومنهم سفيان بن الأبرد الكلبي (٢) قائد من قواد بني أمية، كان على نجدة هشام للحجاج ضد شبيب بن يزيد الشيباني الخارج على بني أمية. * ومنهم حسان بن بحدل بن أنيف بن سليمان الكلبي (٣): أمير بادية الشام كان من القادة في جيش معاوية يوم صفين ثم آزر مروان في حربه مع الضحاك بن قيس، قال أحد مؤرخيه: سَّلم الناس على حسان بالخلافة أربعين ليلة ثم سلم الأمر إلى مروان، وكان له قصر في دمشق يعرف بقصر البحادلة ثم صار يعرف بقصر أبي الحديد.

стр. 3993

* ومنهم حنظلة بن صفوان الكلبي (١): أبو حفص أمير من القادة الشجعان من أهل دمشق استخلفه أخوه بشر على إمارة مصر سنة ١٠٢ هـ وأقره يزيد بن عبد الملك فلما مات يزيد وخلفه هشام بن عبد الملك صرف حنظلة سنة ١٠٥ هـ ثم أعاده هشام إليها سنة ١١٩ هـ فأقام إلى سنة ١٢٤ هـ ونقل إلى إفريقية واليا عليها وثورة البربر مندلعة بها فقمعها وأرسل إلى الأندلس ودانت له واستقر إلى أن اضطرب أمر الخلافة في الشام. * ومنهم بشر بن صفوان الكلبي (٢) أمير المغرب وأحد الشجعان ذوي الرأي والحزم ولي مصر أولًا سنة ١٠١ هـ من قبل يزيد بن عبد الملك ثم جاءه كتاب يزيد بتأميره على إفريقية سنة ١٠٢ هـ فخرج إليها وأقام في القيروان وغزا صقلية وغيرها ومات بالقيروان (تونس). * ومنهم جهوَّر بن محمد أبو الحزم صاحب قرطبة (٣). قال الزركلي: كان بنو جهوَّر أهل بيت ووزارة مشهورة في الأندلس دخلوها قبل عبد الرحمن الداخل الأموي بمدة، وأبو الحزم هذا أمجدهم وأنجدهم ولي الوزارة في أيام الدولة العامرية، إلى أن انقرضت فاعتزل العمل مدة استمال إليه فريقًا من أهل التقوى والوجاهة، ودعاهم إلى مبايعة هشام (المعتد بالله) فوافقوه واستولوا على قرطبة بعد فتن كثيرة، وأطرب أمر المعتد بالله فخلعوه، وانقضت به الدولة الأموية سنة ٤٢٢ هـ، واستقل أبو الحزم بقرطبة وانتظمت له شئونها ودرأ عنها ملوك الفتنة فعمها الأمن والرخاء، واستمر إلى أن توفي، وكان حازمًا يعد من الدهاة وله أدب وحلم ووقار. * ومنهم مطروح بن سليمان بن يقضان الكلبي (٤) أمير من الشجعان سكن الأندلس مع أبيه في عهد عبد الرحمن الأموى ولما مات عبد الرحمن وتسلم الإمارة ابنه هشام خرج مطروح بمدينة برشلونة وخرج معه جمع كثير سنة ١٧٢ هـ فملك سرقسطة وشقة، وتغلّب على تلك الناحية والثغر كله، وكثير منهم غير ما ذكر.

стр. 3994

أشهر رجالات العلم من بني كلب بن وبرة وأما رجال العلم والأدب والمعرفة فهم كثير أيضًا سأذكر منهم ما يسمح لي المجال بذكره وعلى سبيل المثال منهم: * محمد بن السائب بن بشر بن عمرو بن الحارث الكلبي (١) نسَّابة راوية عالم بالتفسير والأخبار وأيام العرب من أهل الكوفة بالعراق، مولده ووفاته فيها وهو من كلب بن وبرة، قال ابن النديم: حكى أن سليمان بن علي العباسي والي البصرة استقدمه وأجلسه في داره، وجعل يملي على الناس تفسير آيات من القرآن حتى بلغ إلى آية في سورة براءة ففسرها على خلاف المعروف، فقالوا: لا نكتب هذا التفسير، فقال محمد: والله لا أمليت حرفًا حتى يكتب تفسير هذه الآية على ما أنزل الله، فرفع ذلك إلى سليمان بن علي فقال: اكتبوا ما يقول ودعوا ما سوى ذلك، صنف كتابًا في تفسير القرآن وهو أبو هشام صاحب كتاب الأصنام. * عوانة بن الحكم بن عوانة بن عياض من بني كلب (٢) أبو الحكم مؤرخ من أهل الكوفة، ضرير، كان عالمًا بالأنساب والشعر فصيحًا واتهم بوضع الأخبار لبني أمية، قال: ياقوت وعامة أخبار المدائني عنه، له كتاب في التاريخ وسيرة معاوية. * محمد بن أحمد بن محسن بن عبد الله بن جزى الكلبي (٣) أبو القاسم فقيه من العلماء بالأصول واللغة من أهل غرناطة بالأندلس، من كتبه القوانين الفقهية في تلخيص مذهب المالكية بتونس، وتقريب الوصول إلى علم الأصول، والفوائد العامة في لحن العامة، والتسهيل لعلوم التنزيل، وتفسير الأنوار السنية في الألفاظ السنّية، ووسيلة المسلم في تهذيب صحيح مسلم، والبارع في قراءة نافع، وفهرست كبير اشتمل على ذكر كثيرين من علماء المشرق والمغرب، وهو من شيوخ لسان الدين بن الخطيب. قال المقريزى: فُقد وهو يحرض الناس يوم معركة طريفة.

стр. 3995

* عمر بن الحسن بن علي بن محمد أبو الخطّار ابن دحية الكلبي (١): أديب ومؤرخ حافظ للحديث من أهل (سبتة) بالمغرب، ولي قضاء دانية ورحل إلى مراكش والشام والعراق وخراسان واستقر بمصر، وكان كثير الوقيعة بالعلماء والأئمة، فأعرض بعض معاصريه عن كلامه وكذبوه بانتسابه إلى دُحيّة، من تصانيفه المطرب في أشعار أهل المغرب، والآيات المبينات، ونهاية السؤال في خصائص الرسول ﷺ ، والنبراس في تاريخ خلفاء بني العباس، والتنوير في مولد السراج المنير، وتنبيه البصائر، وعلم النصر المبين في المفاضلة بين أهل صفين. * الوليد (المعروف بشرقي) بن حصين (الملقب بالقطامي) بن حبيب بن جمّال الكلبي (٢) أبو المثنى: عالم بالأدب ليعلم ولده المهدي الأدب، وكان صاحب سمر وروى نحو عشرة أحاديث ضعيفة. * يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف أبو الحجاج جمال الدين ابن الذكي أبو محمد القُضاعي الكلبي المزي (٣): محدث الديار الشامي في عصره، ولد بظاهر حلب، ونشأ بالمزة من ضواحي دمشق وتوفي في دمشق، مهر في اللغة ثم في الحديث ومعرفة رجاله، وصنف كتبًا منها تهذيب الكمال في أسماء الرجال في اثنا عشر مجلدًا، وتحفة الأشراف في معرفة الأطراف في الحديث ثماني مجلدات، قال ابن طولون: ومن المعلوم أن المحدثين بعده عيال على هذين الكتابين، وله المنتقى من الأحاديث والكنى، والمختصر من تهذيب الكمال في ١٠١ ورقة كما في فهرست المخطوطات المصوّرة القسم ٢ ج ٢: ١٢٠، قال ابن ناصر الدين: قال: الحافظ أبو عبيد الرحمن الذهبي: أحفظ من رأيت أربعة: ابن دقيق العيد والدمياطي وابن تيمية والمزي، فابن دقيق العيد أفقههم في الحديث، والدمياطي أعرفهم بالأنساب، وابن تيمية أحفظهم للمتون، والمزي أعرفهم بالرجال. وقال الكتاني: أفرده الحافظ أبو سعيد العلائي بمؤلف سماه سلوان التعزي بالحافظ أبي الحجاج المزي.
следующие страницы →