← Ансаб

Ансаб · id 897

موسوعة القبائل العربية

محمد سليمان الطيب

Полный текст (10 849 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.

стр. 4166

ونصعد إلى كاهل مرة ثالثة لنجد من بطونه بني كعب بن كاهل، وممن ينتسبون إلى كعب هذا ساعدة بن جؤبة الهذلي (١) الشاعر المعروف بين شعراء هُذَيْل. ومن بطون كاهل أيضًا بنو صبح بن كاهل (٢)، وقد كان صبح هذا من سادات هُذَيْل في الجاهلية (٣). ومن بني صبح هؤلاء أبو بكر الهذلي الفقيه (٤)، الإخباري (٥) الذي كان يروي علم الأخبار والأنساب عن قتادة (٦). وبنو صبح هؤلاء ينحدر منهم بنو زليفة بن صبح (٧)، ويذكر ابن حزم أن ديارهم كانت حول مكة، ولهم بها عدد وعدة ومنعة (٨)، كما يذكر المسعودي أن الرياسة في هُذَيْل كانت فيهم (٩). تلك هي أهم العشائر والبطون المشهورة في هُذَيْل، ولكننا نجد إلى جانب ذلك إشارات سريعة في الشعر الهذلي، أو في المصادر الأخرى تشير إلى بطون وأفخاذ ليست بذات خطر، فلم تنسب إلا إلى هُذَيْل نسبة عامة دون تخصيص أو تحديد، وقد يحرم حولها بعض الشك ما دامت لا تأخذ مكانها في سلسلة النسب من هُذَيْل. ومن هذه العشائر دهمان (١٠) وبعجة (١١)، وجعثمة (١٢)، وأسامة بن لُعْط (١٣). . . إلى غير ذلك من الإشارات العابرة التي لا تستحق الوقوف عندها؛ ولهذا نجتزئ منها بهذا العرض السريع.

стр. 4167

هُذَيْل والمراجع الحديثة: ولكن ينبغي أن نقف وقفة قصيرة عند ما ورد في بعض المراجع الحديثة بشأن هُذَيْل وبطونها، حيث يطالعنا صاحب معجم قبائل العرب بأن هذيلًا تنقسم قسمين: شمالي، وجنوبي. . . ويتألف القسم الشمالي من سبعة أفخاذ: المطارفة، والمساعيد، والسواهر، ولحيان، وعمرو أو عمير، والجنابر. أما القسم الجنوبي فيدعى هُذَيْل اليمن ويتألف من الأفخاذ الآتية: النُّدوبة، ودعد، والسراونة، والعاهلة، وجميل (١). وإنا لنجد في كثير من هذه الفروع غرابة تبعد بنا كثيرًا عما ذكرنا من بطون هُذَيْل، ولكن واقع الأمر أن هذا كلام منقول بنصه في شيء من الإيجاز - عن بعض مراجع أخرى حديثة، تتحدث عن القبائل العربية التي تقطن المملكة العربية السعودية الآن (٢). وليس هنالك من شك يمكن أن يثور حول ما ذكرنا من قبائل هُذَيْل؛ لأن هذه الأزمان المتطاولة، والآماد البعيدة بين العصر الجاهلي، والعصر الحديث لا بد أن يكون لها أثر كبير في تغيير أسماء هده الفروع التي تشعبت وتشابكت، أو تباعدت ودخلت في غيرها، أو دخل غيرها فيها، فاكتسبت أسماء جديدة قد لا تمت إلى أصلها القديم بأدنى صلة. هذا إلى أن صراحة الأنساب لم تعد لها أصالتها الأولى. وحسبنا أن نعرف أن صاحب "قلب الجزيرة العربية" حينما عدد بطون ثقيف في عصرنا هذا يذكر منها بطنًا يسمى هُذَيْلًا، وآخر يدعى قريشًا (٣)، فهل

стр. 4168

هناك صلة تقوم على هذا النحو بين هُذَيْل وثقيف، أو بين قريش وثقيف حتى يكونا بطنين من بطونها؟ فلا يمكن بأية حال تبرير هذا على أساس سليم إلا أن تكون هُذَيْل وقريش مجرد اسمين لا يمتان بصلة إلى هُذَيْل وقريش المعروفتين منذ العصر الجاهلي، وصدر الإسلام، أو أن يكون بعض أولئك وهؤلاء قد دخلوا بمرور الزمن وبحكم الجوار في ثقيف، حتى نسبوا أخيرًا إليها، وذكروا بين بطونها. فليس غريبًا إذن - بعد ما رأينا - أن نجد إغرابًا كهذا في البطون المنسوبة إلى هُذَيْل في أمثال هذه المراجع، ويكفينا أن نجد أن بعض هذه البطون لا يزال يحمل الاسم القديم مثل لحيان، وعمرو أو عمير، فقد مرّ بنا لحيان، وعمرو فيما سقنا من حديث حول بطون هُذَيْل، وهما من الشهرة المستفيضة بمكان، كما أن عميرًا - وإن كان مغمورًا - قد ذكر في سبائك الذهب بطنًا منسوبًا إلى هُذَيْل (١). وحسبنا أيضًا أن بعض الأماكن التي وردت في هذه المراجع مثل وادي فاطمة، وغيره من الأماكن التي تقع حول مكة، أو في أطرافها من جهة الشرق والجنوب هي نفسها منازل هذه القبيلة وبطونها منذ العصر الجاهلي. نظرة ناقدة: ولكن ينبغي لنا أن نقف وقفة أخرى عند هذه القبائل الهذلية التي فصّلنا القول فيها، والتي وردت إشارات إليها في الشعر الهذلي، أو طالعتنا بها المصادر القديمة؛ فقد بلغت هذه البطون المختلفة حدًا من الكثرة يلفت النظر، وإن كانت هذه المراجع تختلف - فيما بينها - فيما تمدنا به من هذه البطون كثرة وقلة، فمنها ما يقتصر على الفروع الكبرى للقبيلة، ومنها ما يمعن في تعداد البطون والأفخاذ

стр. 4169

والفصائل الصغيرة، ولكن هذه المراجع - في مجموعها - تعطينا عددًا كبيرًا من هذه البطون الهُذَلية. ويستطيع الباحث - على أساس من المصادر الأصيلة - أن يرد هذه الأشتات من البطون والعشائر الهُذَلية كلا إلى أصله، ويبعد بها - كما رأينا - عما عساه أن يجده القارئ فيها من شبهة التشويش والاضطراب والخلاف، فالحق أن معظم هذه البطون يرجع بعضها إلى بعض في صورة هينة سهلة لا غموض فيها، ولا التواء، فهي تنتهي إلى بطون أكبر منها، ثم تنتهي هذه وتلك إلى عمائر كبرى تدلي بنسبها رأسًا إلى هُذَيْل الجد الأكبر لهذه القبيلة الأم. ومع هذا، فإحقاقًا للحق، نقرر أن هذا الخلاف حول هذا الموضوع لم تسلم منه المراجع المذكورة بصورة قاطعة، شأنها في ذلك هو الشأن في كثير من مسائل التاريخ القديم، الذي لم يؤت هؤلاء العلماء أداة تحقيقه، والوصول دائمًا إلى وجه الحق فيه. ومن أمثلة ذلك ما نجده من خلاف حول بعض البطون الهذلية الكبرى مثل لحيان، ونسبتها إلى هُذيل على أساس من قرابة الدم ولحمة النسب، أو على مجرد الحلف والجوار والولاء، فقد تضافرت أغلب كتب الأخبار والأنساب، وسائر المراجع القديمة على نسبتها إلى هُذَيْل عن طريق النسب لا عن طريق الجوار، فقد ذكرت هذه المصادر أن لهذيل ولدين من صلبه هما لحيان وسعد كما سبق أن مرّ بنا، ولا نكاد نجد خلافًا في هذا بين قدمائنا إلا ما أورده الهمداني من أنهم كانوا من بقايا جرهم، ودخلوا في هُذَيْل (١) أو أنهم من بقايا العماليق الذين هلكوا بتهامة، وحالفوا هُذَيلًا (٢).

стр. 4170

وأغلب من كتبوا في الأنساب من المحدثين لم يخالفوا جمهرة القدامى في هذا النسب وإن كان قد خالف أولئك وهؤلاء فيما اتجهوا إليه الدكتور/ جواد علي حيث اعتبر بني لحيان هؤلاء من بقايا دولة اللحيانيين القديمة ذات الآثار والنقوش اللحيانية المعروفة. وأنهم بعد ضعفهم وسقوط مملكتهم، وضغط القبائل عليهم اضطروا إلى الانتقال من مواطنهم الأصلية في منطقة العلا ومدائن صالح، والاتجاه نحو الجنوب حيث اختلطوا بغيرهم، وقد كانوا قبل الإسلام في هُذَيْل؛ ولهذا عدهم النسابون من بطونها (١). ولعل الرجل متأثر في هذا برأي المستشرقين، ذلك الرأي الذي لو دلت الدلائل العلمية يقينًا، أو ظنًا على ثبوته وصحته لسلمنا به دون شك أو مراء، ولكن أغلب الظن أنه رأي أوحى به الاشتراك في الاسم بين بني لحيان هؤلاء، وبين أولئك اللحيانيين الغابرين. والحق أن بني لحيان الهُذَليين هم - فيما أرى - من هذيل لحمًا ودمًا، وهم غير اللحيانيين القدامى ذوي التاريخ العريق المعروف، فلم يقل أحد بأن الاشتراك في الأسماء يصلح أساسًا لإطلاق الأحكام في القضايا العلمية، فكثيرًا ما نجد أن الأسماء تكرر نفسها بين الأشخاص والقبائل العربية، فمثلًا في العرب سعود كثيرة منها: سعد تميم، وسعد هذيل، وسعد قيس، وسعد بكر (٢)، وفيهم موازن كثيرة منها: مازن تميم، ومازن قيس، ومازن اليمن، ومازن ربيعة (٣)، وهناك تميم القبيلة المعروفة، وتميم أخرى بطن من هُذَيْل، وبنو مخزوم في قريش، وغيرها في هُذَيْل. . وهكذا. بل إنا نجد أن كثيرًا من أسماء الأعلام في العربية القديمة شائعة

стр. 4171

الاستعمال عند العرب في الجاهلية، ومن أمثلة ذلك: حفني، وعلي، وعبد الله، والنادي، والسعد، وعفراء. ثم أنه يوجد كثير من هذه الأعلام العربية في النقوش السبئية، والثمودية، ومن يتابع هذه النقوش القديمة في النمارة، وفي منطقة العلا يجد كثيرًا من هذا التكرار في الأسماء (١). ومن حقنا ألا نذهب بعيدًا فكثير من أسماء الأشخاص والعائلات اليوم مكرر بين الناس إلى حد كبير، فهم يسمون - عن قصد أو غير قصد - أسماء متشابهة أو متماثلة، وقد يتم هذا تيمنًا بأسماء، أو تشبهًا بعظماء، وهذا مسلك الناس دائمًا في كل زمان ومكان. ثم إن علم الأنساب كان يعتزّ به العرب اعتزازًا بالغًا، ولهم نسابون قد اشتهر بعضهم بالحفظ والضبط، فكيف يخفي عليهم أمر لحيان وقد دخلت في هُذَيْل كما يقول الهمداني، وصاحب صحيح الأخبار من القدامى (٢)، أو فيما يقول الدكتور جواد علي حين يقرر أنه قد تم ذلك قبيل الإسلام (أي قبله بزمن يسير) - كيف يخفى عليهم ذلك؟ وهذا حسان بن ثابت يهجو هُذَيْلًا لأن منها لحيان إثر غدرهم بأهل الرجيع كما سبق أن أشرنا - وحسان مخضرم عاش ردحًا طويلًا من عمره في الجاهلية، فكيف يخفى عليه أمر هؤلاء؟ ثم كان معه أبو بكر من وراء هجائه، وقد كان من أعلم الناس بالأنساب كما هو معلوم. هذا، وثمة إشارات أوردها الرواة تفيد أن لحيان من هُذَيْل وليسوا بجيران لها أو لإحدى بطونها، بل قد تصرح تصريحًا بأن لحيان هذا هو لحيان بن هُذَيْل (٣).

стр. 4172

وكذلك شعر معقل بن خويلد السهمي الهذلي صريح في تقرير نسب لحيان حين يقول: تقول سُلَيْم سالمونا وحاربوا … هُذَيْلًا ولم تطمع بذلك مطمعا فأما بنو لحيان فاعلم بأنهم … بنو عمنا من يرمهم يرمنا معا (١) ومن الأدلة القاطعة في نسبة لحيان إلى هُذَيْل نسبة تقوم على الدم لا على الجوار تلك المفاخرة والمهاجاة التي ثارت بين عمرو بن هُميل اللحياني، وعمرو بن جنادة الخزاعي، وفيها يقول عمرو بن هميل مُندّدًا بصاحبه في فخر واعتزاز: فإن بيوتنا شم طوال … وبيتك لا يُظل ولا يُبيت وإنا نحن أقدم منك عزًا … إذا بنيت بمخلفة البيوت خزيمة عمنا وأبي هُذَيْل … وكلهمُ إلى عز وليت ويمنعك الولاء وأنت عبد … وأمنع حيث كنت إذا لقيت أبَى لي صارخ كالسيل نهد … وعز لا يزول لنا ثبيت (٢) فهذا كلام واضح صريح في أن أباه وجدَّه الأكبر هو هُذَيْل بن مدركة، وأن عمه هو خزيمة بن مدركة، وأنه يستمد من هؤلاء العز، والمنعة، والسؤدد، والفخار. هذا وقد نسب الجمحي بني كاهل أيضًا إلى هُذَيْل نسبة الحلف والولاء، لا نسبة القرابة والنسب، وجعل كاهلًا أخا ثقيف (٣)، وعلى هذا نجد في بعض المراجع أن عمرا ذا الكلب - وهو من رجالات كاهل - كان جارًا لهذيل (٤)، ولم تعده هذه المراجع من هُذَيْل دمًا ونسبًا. ومعنى هذا أن الشك سيحوم حول نسب

стр. 4173

جميع الفروع التي تدلي إلى هُذَيْل بكاهل هذا مثل بني صبح، وبني زليفة، وبني صاهلة، وبني كعب، وبني مخزوم (مخزوم هُذَيْل)، وجميع من ينسبون إلى هؤلاء من بطون كاهل ورجالها. ولكن يبدو أن كاهلًا من أحفاد هُذَيْل صليبة، وليس مجرد حليف أو جار للهذليين، فإن أغلب الكتب التي كتبت في الأنساب وغيرها تقرر ذلك النسب لكاهل ومن يلونه من أبناء وأحفاد. ثم إن القلة القليلة من المراجع التي تقول بهذه المحالفة، أو هذا الجوار ذكرت ذلك مبهمًا، ولم تنسب كاهلًا من جهة النسب إلى قبيل آخر غير هُذَيْل نسبة صحيحة، وهذا يثير الشك فيما ذكر بشأن هذا النسب، ويقوي الاحتمال الآخر، وهو اعتبار كاهل وبطونها من صميم هذيل. هذا وعمرو ذو الكلب - الذي أشعرنا إلى أنه أحد رجالات كاهل - لا تحس في شعره هو الآخر أثرًا لهذا الجوار المزعوم، فليس في هذا الشعر تابعًا ولا جارًا ولا حليفًا لهذيل، وإنما هو يتسنم الذروة في قومه من هذيل، ويتقدم فتيانهم في غاراتهم: فإما تثقفوني فاقتلوني … وإن أثقف فسوف ترون بالي فأبرح غازيًا أهدي رعيلا … أؤم سواد طود ذي نجال بفتيان عمارط من هذيل … همُ ينفون آناس الحلال فهذا ثم قد علموا مكاني … إذا اختضبت من العلق العوالي (١) وهذه أخته جنوب تقول في رثائه ما لا يقال إلا في سيد جحجاح (*) من سادات قومه: فأقسم يا عمرو لو نبهاك … إذن نبّها منك داء عضالا

стр. 4174

إذن نبّها غير رعديدة … ولا طائش رعش حين صالا إذن نبّها ليث عِرّيسة … مفيدًا مفيتًا نفوسًا ومالا إذن نبها واسعًا ذرعه … جميع السالح جليدًا بُسالا هزبرا فروسًا لأقرانه … أبيًا إذا صاول القِرن صالا وقد علم الضيف والمرملون … إذا أغبر أفق وهبت شمالا وخلّت عن أولادها المرضعات … فلم تر عين لمزن بلالا بأنك كنت الربيع المَريع … وكنت لمن يعتفيك الثمالا (١) ثم نراها تقول في هذا البكاء، وذلك الرثاء: أبلغ بني كاهل عني مغلغلة … والقوم من دونهم سعيا ومركوب أبلغ هذيلًا وأبلغ من يبلغها … عني رسولًا وبعض القول تكذيب بأن ذا الكلب عمرًا خيرهم حسبا … ببطن شِريان يعوي حوله الذيب (٢) ومن هذا كله يمكن أن نستنتج - مطمئنين - أن عمرًا ذا الكلب هذا ليس للهذليين مجرد جار أو حليف بل هو هذلي في أصله ودمه، ثم هو في السنام والذروة من قومه هذيل، ومن أفضلهم في الحسب والنسب والجاه. وهكذا نستطيع - بعد ما قدمنا - أن نرتاح إلى ما نقول به من إثبات ذلكم النسب الهذلي لكاهل، وما ينتسب إليه من عشائر هُذَيْل وبطونها، أو من ينتمي إليه من رجالات هذه العشائر والبطون. هذا إلى أن تلك القلة القليلة من المراجع التي تجنح إلى القول باستبعاد نسبة هذا البطن إلى هُذَيْل إلا عن طريق الحلف أو الجوار - تلقي القول على عواهنه،

стр. 4175

ولا تسلك في ذلك مسلكًا علميًا يؤدي بها إلى الحقيقة، ويسْلمها إلى الرأي الصحيح، بل تسوق ذلك في إبهام لم تتجشم معه أن تنسب كاهلًا إلى قبيلة أخرى غير هذيل نسبة صحيحة، وهذا مما يثير الشك فيما يقولون به من حلف أو جوار، ويزكي الاحتمال الآخر الذي قررناه من اعتبار كاهل وبطونه من صميم هُذَيْل. وثمة رأي - مرجوح هو الآخر في نظرنا - ينسب عمرًا هذا إلى لحيان (١)، وعلى أساس من الخلاف الذي سبقت الإشارة إليه في نسب لحيان يعتبرونه من هذه الناحية أيضًا جارًا لهذيل. وقد سبق لي أن فندت ذلك الرأي الذي يقوم عليه هذا الاحتمال. ومن قبيل الخلاف أن يكون بعض البطون أصلًا من غير هُذَيْل، فينسبها بعض المراجع إلى هُذَيْل وهمًا منها، واعتمادًا على مجرد مجيئها على لسان شعراء هُذَيْل من غير تحقيق أو تمحيص، فقد أورد الزَّبيدي (٢) أن ذؤيبة قبيلة من هُذَيْل، وأتبع ذلك قولَ الشاعر الهذلي (أبي خراش): غدونا غدوة لا شك فيها … فخلناهم ذؤيبة أو حبيبا والحق أن ذؤيبة هذه من هوازن، ويقرر ذلك أبو سعيد السكري في شرح هذا البيت من شعر أبي خراش، فهو يقول في ثنايا ما أورده من كلام: "ذؤيبة وحبيب حيّان من عجز هوازن" (٢). ومن هذا النحو من الخلاف تقريبًا ما ثار حول جُعثمة التي ينسب إليها بعض الغسيّ، فقد ورد في ديوان الهذليين أنها من هُذَيْل (٣)، وفي القاموس: "جعثمة

стр. 4176

حي من هُذَيْل أو من أزد السرادة" (١)، وفي اللسان ما يفيد أنها "من هذيل، أو من أزد السراة، أو من أزد شنوءة" (٢). ولعله قد أدى إلى هذا الخلط قرب مواطن هذه القبائل التي نسبت جعثمة إليها، ثم ضآلة شأن جعثمة هذه، وأمثالها، وعدم شهرتها، واستفاضة أخبارها. وهناك أمثلة من الخلاف قد تؤدي بنا إلى تعدد واهم في بطون هذه القبيلة، وذلك - فيما أحسب - نتيجة لتقارب بعض الحروف، والتباسها على السمع، أو لتشابه هذه الحروف في الرسم، واختلاطها في الكتابة، ومن ذلك خناعة وخزاعة، فقد اتجه معظم ما في يدنا من المراجع إلى أن خناعة هو ابن سعد بن هذيل (٣) ولكن ورد في بعضها ذكر خزاعة بن سعد بن هذيل (٤) بدلًا من خناعة. وقد كان من الممكن وجودهما معًا أخوين من سعد بن هذيل لو قد حدثتنا بذلك المراجع المذكورة، أو دلَّت الدلائل عليه، ولكن يبدو أن ذلك تكرار لاسم واحد هو خناعة ذكر صحيحًا مرة، محرفًا مرة أخرى. وقد يؤيد ما ذهبت إليه اختلاف الرواية في هذا البيت من شعر صخر الهذلي: لو أن أصحابي بنو خناعة … أهل الندى والجود والبراعة فالرواية السائدة فيه خناعة، وقد وليها في ديوان الهذليين أن خناعة حي من هذيل، ثم أعقبتها رواية أخرى على هذا النحو: "وقد أورد السكري البيت هكذا "خزاعة" بدلًا من خناعة، ثم قال: خزاعة حي من هذيل" (٥).

стр. 4177

ومما يزيد الأمر وضوحًا اختلاف المراجع في ترجمة واحدة لشاعر هذلي واحد هو "مالك بن خويلد"، فقد جاء في اللسان أنه مالك بن خويلد الخزاعي (١) اللسان متأخر، وليس بحجة في الأنساب، وإنما هو في هذا مجرد ناقل، ولكننا نجد السكري في شرح أشعار الهذليين يقرر أنه خناعي (٢). ولا يمكن أن ينتهي نسب امرئ إلى شخصين مختلفين على هذا النحو الذي نراه، فلا بد أن يكون أحدهما - وأرجح أنه خزاعة - من نسج الوهم والخيال نتيجة للتصحيف الذي وقع فيه. ومن أمثلة هذا التعدّد الواهم ما أشرنا إليه من ذكر حريث (٣)، وخُريب (٤)، وجُريب (٥)، وحرب (٦) جنبًا إلى جنب بين البطون الهذلية، وأغلب الظن أنها جميعًا بطن واحد من بطون سعد بن هذيل، وما هذا التعدد إلا نتيجة التصحيف في هذا الاسم. ومن الغريب أننا نجد أن التصحيف قد يسبب الاختلاف حتى بين صفحة وأخرى في المرجع الواحد؛ فقد ذكر مثلًا في ديوان الهذليين مرة حُريث، وأخرى جُريب، وربما كان ذلك راجعًا إلى إهمال التحقيق وقصوره. إذا لم يكن خطأ مطبعيًا لا يستحق الوقوف عنده. ومثل هذا يقال في سعد بن هذيل نفسه، فقد ألفيته - في ترجمة أبي كبير

стр. 4178

الهذلي - في حاشية "التنبيه على أوهام القالي في أماليه" مجرفًا إلى سهل بن هُذَيْل (١)، ولم يمر بنا من أبناء هذيل وأحفاده مَن يسمى سهلًا، ولم نجد في سلسلة نسب أبي كبير من يحمل هذا الاسم، ثم أن سلسلة النسب الواردة في هذا المصدر هي نفسها في المصادر الأخرى مع استبدال سعد بسهل. هذا إلى ما نجده من تقارب نبرات الصوت فيهما، وأنهما على وزن واحد مما يوجد اشتباهًا عند من لا يحسنون السماع. ومع هذا فالأمثلة على هذا التحريف والتصحيف قليلة لا تكاد تجاوز ما ذكرنا. هذا، ويذكر النسابون أن بعض القبائل العربية، أو بطونًا من هذه القبائل كانت تعيش في جوار هُذَيْل مثل بني الدَّرعاء، وهم حي من عدوان من قيس عيلان، فهناك من يقول بأنهم كانوا حلفاء في بني سهم بن معاوية من هُذَيْل (٢)، ويطالعنا شراح ديوان هُذَيْل بما يؤكد هذه الحقيقة من أن بني الدرعاء "حي من عدوان بن فهم بن عمرو بن قيس عيلان. . وخلفهم في بني سهم بن معاوية بن تميم بن سعد بن هُذَيْل" (٣). فإذا كنا نجد من هذه الإشارات - كما رأينا - ما يفيد أن بطونًا من قبائل العرب كانت تعيش في جواز هُذَيْل، فإننا نجد أيضًا أن من بطون هُذَيْل ورجالها من حالفوا غيرهم، أو عاشوا في جواره، بل إن من الأخبار ما ينتهي بنا إلى أن بعض هذه البطون الهذلية قد دخلت في غيرها من القبائل، وانتسبت إليها، ولم تعد تذكر في عداد هُذَيْل، فيذكر ابن حزم في جمهرة أنساب العرب أن حُويّة -

стр. 4179

وهم ينتمون في أصلهم إلى سعد بن هُذَيْل - دخلوا في بني عبس، وقيل إن الحُطَيئة شاعر، منهم (١)، ويبدو أن عامر بن سدوس قد دخل هو الآخر في خزاعة، فقد ورد في ديوان الهذليين أن عامر بن سدوس الخناعي كان يُعزى هو ورهطه إلى خزاعة، وأن المعطل قال شعرًا فيه من اللوم ما يسدد سهامه إليهم (٢). كما ورد في شرح أشعار الهذليين بصدد الكلام في شعر المعطل نفسه أن الناس يولجون بني سدوس، وأولياء عامر وإخوته إلى خزاعة، وقد قال ابن الأعرابي في ذلك أن الناس كانوا يعدلون عامر بن سدوس وبني أبيه إلى خزاعة، فقال المعطل في ذلك شعرًا (٣)، هو الشعر الذي سبقت الإشارة إليه في ديوان الهذليين (٤). وهكذا نرى كلامًا حول دخول قوم في هُذَيْل، وخروج آخرين منهم، كما نجد خلافًا حول بعض بطونهم، وفي نسب بعض رجالهم، ولكن ذلك كله ليس بالأمر الجلل الذي يطغى على وضوح هذا النسب واستقامته، وتلك البطون وانتسابها إلى أصلها الهذلي، ففي شيء يسير من التمحيص قد انتهينا إلى وجه الحق في هذا الشأن.

стр. 4180

أولًا: منازل هُذَيْل في الجاهلية شغلت هُذَيْل ببطونها العديدة رقعة واسعة من إقليم الحجاز في مناطق متعددة حول مكة، وفي أطرافها الجنوبية والشرقية، وفي عرفة وما يتصل بها، وفي أماكن أخرى كثيرة بين مكة والمدينة، وربما كان أغلبها إلى مكة أقرب، وإن كان يحتمل أن يكون بعضها متصلًا بنواحي المدينة كالموازج التي وردت في شعر الهذليين، والتي ذكر البكري أنها من ديارهم (١). ويهمنا من ذكر هذه المواطن والبقاع أن نوضح مسرح حياة هذه القبيلة التي نتناولها بالدراسة، وما صاقبها من مواطن القبائل التي تجاورها، أو الأماكن التي تُشْركها فيها هذه القبائل كي نستبين في ضوء هذا كله صلة هذه القبيلة بجيرانها من القبائل الأخرى، ومدى تأثرها بهذه القبائل أو تأثيرها فيها؛ لما لهذا التأثير وذلك التأثر من أهمية قصوى في هذه الدراسة. والمعروف أن هُذَيْلا قبيلة بدوية في طابعها العام، فهي إذن لم يستقر أغلب بطونها وعشائرها في أماكن بعينها؛ لأن الاستقرار في المدن والقرى لم يتح إلا للحضر الذين كانوا يقيمون في مكة، والمدينة، والطائف، ووادي القرى، وما يماثلها في اليمن، وفي الإمارات العربية التي كانت مستقرة في أطراف الجزيرة على حدود الفُرس والروم كالمناذرة والغساسنة. أما البدو الرحل فهم لا يعرفون هذا الاستقرار، وإنما كانو يتنقلون في سبيل النجعة كما هو معلوم. فهُذَيْل إذن كانت بطونها المختلفة غالبًا في حركة وتنقل وراء الخصب والماء والكلأ. ولكن - مع هذا - كان لمجموع البطون الهذلية مجال تجول في إطاره، فلا تُبعِد كثيرًا عما ألفته من مواطن، وما تنزل به على مر العام من منازل.

стр. 4181

وقد كانت هذه المواطن، وتلك المنازل كثيرة متعددة تعدد بطون هذه القبيلة وكثرتها، كما أن الرقعة التي كانت تشغلها، وتتخذ منها مسرحًا لحياتهم لم تكن في مجموعها ذات طبيعة جغرافية واحدة، فكانت هُذَيْل تسكن الجبال والهضاب والوهاد والوديان في منطقة واسعة من الإقليم. السراة: ومن أهم البقاع التي كانت تقطنها بطون هُذَيْل بعض الأجزاء الحجازية من تلك المرتفعات التي تمتد في سلسلة جبلية تخترق إقليم الحجاز، وتمتد شمالًا حتى بلاد الشام، وجنوبًا حتى بلاد اليمن، وقد يصل ارتفاعها إلى (٢٤٠٠ م) فوق سطح البحر (١)، وتسمى هذه السلسلة جبال السراة. وهذه السلاسل الجبلية إذا وصلت إلى الطائف مالت شرقًا كأنما هي في زاوية، وتركت مكة بينها وبين البحر. ويقول الهمْداني إنه لم يعد يطلق اسم السراة إلا على هذه السلسلة الجبلية بين الطائف وصنعاء، وقد تغير اسمها فيما دون ذلك (٢). وقد كان يشارك هُذَيْلا في هذه السروات جيرانها من القبائل الأخرى مثل فَهم، وعَدوان، وبجيلة، وثقيف وغيرها، وكلها قبائل عربية فصيحة (٣). وقد تحمل هذه الجبال عدة أسماء تختلف باختلاف أماكنها، وباختلاف القاطنين فيها. والذي تقطنه هذيل منها ينسب إليها، فيقال سراة هُذَيْل.

стр. 4182

وسنرى أن جبال هُذَيْل نفسها تتعدد أسماؤها، وتختلف اختلافًا ملحوظًا فيما بينها. ويحدد ابن خلدون سراة هُذَيْل هذه بأنها "متصلة بجبل غزوان المحيط بالطائف، ولهم أماكن ومياه في أسفلها من جهات نجد وتهامة بين مكة والمدينة" (١). وواقع الأمر أن جبل غزوان هذا يقع في الجنوب الشرقي من مكة، وفي ذروته مدينة الطائف، وليست سراة هُذَيْل متصلة به فتحسب - كما يقول ابن خلدون - وإنما هو جزء من هذه السراة التي تتناثر فيها مساكن هُذَيْل ومنازلها (٢). ومن جبال هُذَيْل أيضًا كُرّ، وكَرَاء، والهَدّة، وكلها سلاسل جبلية متصلة تحيط بالطائف، وتفضي إلى باديتها (٣). ومن بين سلاسل هذه الجبال نجد الشَّفا، وهو الآخر من جبال الطائف (٤). وفي سفح كرّ نجد موضعًا مشهورًا لهذيل هو عاذ (٥)، وقد يسمى "أنف عاذ"، وهو من ديار هُذَيْل المجاورة لبني سُلَيْم (٦)، وكان لهذيل فيه محلتان إحداهما فوق الأخرى، وبينهما مسافة ميل تقريبًا (٧). ويذكر ياقوت أن من جبال هُذَيْل القريبة من الطائف جبال الجوز (٨)، ويريد الفيروزآبادي أن يكون أكثر دقة وتحديدًا، فيقول: إنها لبني صاهلة من هُذَيْل (٩)، وهذه الجبال كانت أقصى سروات هُذَيْل نحو الجنوب، فقد كان بنو صاهلة هؤلاء

стр. 4183

أقصى بطون هُذَيْل نحو اليمن (١)، وكانت منازل فَهْم في هذه الجهات مصاقبة لهم (٢)، فقد عاش في جبال يلملم، وما يقاربها بعض بطون صاهلة كبني قُريم، وكانت بينهم وبين فَهْم فيها حروب ومواقع (٣). وإذا اتجهنا نحو الشمال، وتركنا الطائف وباديتها وجبالها وجدنا جبلي "نَعمان" وهما في جنوبي عرفات، ويقعان بينها وبين الطائف، ومن جبال هُذَيْل في هذه الناحية "كبكب"، وهو جبل مشرف على موقف عرفات (٤)، فهو من جبال عرفات، ومن نواحيه ذو المجاز، وبه ماء لهذيل باسمه (٥)، وكان موضع سوق بعرفة على فرسخ منها (٦)، وكانت لهذيل (٧) وهي من أشهر أسواق العرب بعد عكاظ. وقريبًا من كبكب نجد "الوصيق"، وهو جبل كانت تنزل به هُذَيْل وكِنانة (٨)، وهو الآخر متاخم لوادي عرفة. وإلى الشمال من ذلك نجد من هذه الجبال قرب مكة "دارة"، وهو الجبل الذي يحجز بين نخلة اليمانية، ونخلة الشامية، وقد كانت تنزل على مياهه بنو مرة من هُذَيْل، وبعض بني لحيان منهم (٩)، ويمتد إلى الشمال منه "شَمَنصير"، وهو جبل شامخ تكثر من حوله العيون التي يفيض منها الماء (١٠)، وبغربي شمنصير تقع الحديبية، وهناك مسجد الشجرة (١١). ويتصل بهذا الجبل قرية أخرى يقال لها

стр. 4184

"ضرغاء" كانت بعد الإسلام ذات قصور ومنبر وحصون، وتشترك فيها هُذَيْل وعامر بن صعصعة (١)، ويذكر البكري في معجمه، وينقل عنه البغدادي في خزانته أنها غير ضَرْغد التي قال إنها هي الأخرى لهذيل، وبني غاضرة، وبني عامر بن صعصعة (٢)، ويمتد شمنصير نحو الجنوب حتى يجاوره جبل صغير يقال له ضُعاضِع، وعنده سد كبير يجتمع فيه الماء (٣)، وبه قرى صغيرة لسعد ومسروح، وفي سعد هذه نشأ النبي ﷺ ، وهُذَيْل وفَهْم تجاوران سعدًا في هذا المكان (٤). وجبال السراة سواء ما كان منها في الجنوب، والجنوب الشرقي متصلًا بالطائف وعرفة وما حولها، أو ما كان منها في الشمال بين مكة والمدينة - كلها تخترقها الأودية والشعاب ومسايل الماء التي نجد بعضها في سفوحها الشرقية المواجهة لنجد، وأكثرها في سفوحها الغربية المواجهة للبحر (٥). وفي جنوب مكة، وجنوبها الشرقي، وهو سراة هذيل الجنوبية نجد من هذه الأودية النَّخب، وقد رواه ياقوت عن السَّكّوني بفتح النون وكسر الخاء، وعن الأخفش بفتحهما، وقال إنه واد بأرض هُذَيْل بينه وبين الطائف ساعة، فهو واد بناحية الطائف، والخارج من الطائف من جهتها الشمالية يبدو له هذا الوادي أول ما تتراءى له باديتها (٦)، وقد مرّ به الرسول ﷺ في طريقه إلى الطائف قبل الهجرة يدعو ثقيفًا إلى الإسلام (٧)، ومن المأثور أن هذا الوادي هو وادي النمل (٨) الذي ذكره القرآن الكريم في قصة سليمان ﵇ (٩).

стр. 4185

ومن هذه الأودية التي لهذيل وادي عُرَنة (١)، ويقع بين عرفة وجبلين هناك يسميان بالمأزِمين بينهما طريق ضيق يفضي بالحجيج إلى عُرَنة ثم إلى عَرفة، فهذا الوادي هو غير وادي عرفة كما يقول الإصطخري والهمداني (٢)، لا عرفة نفسها (كما يقول البكري) (٣)، ومع هذا فهما متجاوران غير أن عرفة من الحل، وعرنة من الحرم، وتقع قبل عرفة في طريق القادم من المزدلفة. وفي عرنة هذه وما والاها كان ينزل سفيان بن خالد بن نُبَيح الهذلي اللحياني في جماعة من لحيان وغيرهم، وكان يجمع المجموع لحرب النبي والمسلمين، وإليها وصلت سَرية عبد الله بن أُنيس لإحباط المؤامرة فقتل زعيمها، وقضى على حركته الآثمة (٤) كما سبق أن أشرنا. ومن أوديتهم في الجنوب أيضًا نَعمان (٥)، ويقع بعد عرفة في طريق الذاهب إلى الطائف (٦)، ويسلك المتجه إليه طريق مِنًى إلى المزدلفة، فعرفات (٧)، ويمتد الطريق بعده إلى شدّاد على سفح جبل كراء الذي يحيط ببادية الطائف كما سبقت الإشارة. وفي نعمان مكان يسمى القَدُوم، كان من منازل بني واثلة بن مِطْحَل من بني سهم من هُذَيْل، وفيه أغار عليهم بنو ظفر من بني سُلَيْم في يوم القدوم (٨). وهذا الوادي كان ينزله بعض بني قُريم بن صاهلة أيضًا، وقد أغار عليهم فيه بنو مُدْلج، وكان لقريم النصر عليهم (٩).

стр. 4186

ويذكر الأصمعي أن هذا الوادي يسكنه بنو عمرو بن الحارث بن تميم بن سعد بن هُذَيْل (١)، وفي شعر حذيفة بن أنس الهذلي - أحد بني عمرو - ما يؤيد ذلك إذ يقول: كأن بني عمرو يراد بدارهم … بنعمان راع في أُدَيمة مُعْرِب (٢) ويقول: وما نحن إلا أهل دار مقيمة … بنَعمان من عادت من النسا ضرت (٣) وكذلك الشأن في شعر أمية بن أبي عائذ، وهو الآخر أحد بني عمرو هؤلاء. ويبدو أنهم كانوا ذوي منعة في هذا المكان، فلقد نجد صدى ذلك في شعر هذا الشاعر بصورة واضحة (٤). ومن بلاد هُذَيْل وجبالها بهذا الوادي الأصدار، وهو صدور الوادي التي يجيء منها العسل إلى مكة (٥). وينبئنا البكري أن بني عمرو كانوا ينزلون من هذا الوادي في موضع يقال له أُدَيمة (٦). ومن أماكن هُذَيْل في وادي نعمان ضِيم، وعَرعَر، وهما مكانان متصلان في هذا الوادي (٧). ومن جبال هذا الوادي يعرُج، وفيه طريق إلى الطائف أسفله لبني المُلْجِم من هُذَيْل، وأعلان لزُليفة من هُذَيْل أيضًا (٨). ونعمان هذا هو الذي يسمى "نعمان الأكبر"، وهو غير نعمان الأراك

стр. 4187

بمكة (١)، ويقع هذا الأخير في شماليّها، وبه التنعيم الذي يقع بظاهر مكة على طريق القوافل إلى المدينة، وعلى مسافة أربعة أميال من مكة (٢)، وبه أقرب أعلام الحرم إليها (٣). وكثيرًا ما تخلط المراجع بين واديي نعمان هذين لاشتراكهما في الاسم، والحق أنهما واديان مختلفان يحملان اسمًا واحدًا (٤). ويذكر ابن حزم أن نعمان هذا الذي في شماليّ مكة هو الآخر من بلاد هُذَيْل، وأن سواعًا صنم هُذَيْل كان في هذا الوادي (٥). ومن أودية هُذَيْل في الجنوب العرج، وهو أحد أودية الطائف مجاور لوادي النَّخِب (٦)، فيروي ياقوت عن الأصمعي أن من أودية الطائف واديًا يقال له العرج، وهو غير العرج الذي بين مكة والمدينة (٧)، ويقول في موضع آخر من كتابه إن جبل كبكب المعروف قريب من عرفة مشرف على هذا العرج، وهذه الروايات تعطينا صورة عن مكان العرج بين الطائف وعرفة، وأنه كان من منازل هُذَيْل وبني نصر بن معاوية من هوازن. تهامة: وهذه السلسلة من جبال السراة تتدرج في الانحدار جهة الشرق، ولكنها تنحدر فجأة جهة الغرب، وتترك بينها وبين ساحل البحر سهلًا ساحليًا يُعرف بالغور أو تهامة، ويعرف في الحجاز بتهامة الحجاز، وكانت تهامة الحجاز هي الأخرى من مواطن الهذليين التي انتشرت فيها بطونهم وعشائرهم، فكانوا يسكنون

стр. 4188

السفوح الغربية للسراة، وهي مواجهة لتهامة، كانت تجاورهم في هذه الأماكن خزيمة التي كانت تنزل في أسفل هذه السفوح في أماكن تخترقها الشعاب والأودية، ومسايل الماء في طريقها إلى البحر (١). وكانت كِنانة، وهي أهم قبائل خزيمة تعيش في ذلك السهل الساحلي، وتمتد فيه على شاطئ البحر مسافات طويلة من تهامة الحجاز، وتشركها هُذَيْل في كثير من هذه الأودية والشعاب (٢)، ومنها "حَلْية" (٣) وكان ينزل به مع الهذليين بعض بني ثابر وهم حي من الأزد (٤)، ومنها "السِّرَّين" (٥)، وبينه وبين مكة تسعة أميال (٦)، وتقع به بلدة باسمه قريبًا من جُدّة (٧). ومن هذه الأودية "أدام" (٨)، وقد قيل إنه أشهر أودية مكة (٩)، وبينه وبين مكة اثنا عشر ميلًا (١٠). وقد كان ينزل في صدر أدام هذا جماعة من بني صاهلة من هذيل (١١). ومنها "الضجَن" (١٢)، وكان ينزل به بعض بني لحيان (١٣)، و"الضَّجْز" (١٤)، و"الحدَثة" (١٥)، و"مَلَكان" (١٦)، و"ذات البَشام"، وهو من بلاد هذيل بعُرنة (١٧)، وكان ينزل به بعص بني لحيان، وبني سهم من هُذَيْل (١٨).

стр. 4189

وقريبًا من ذلك المكان نجد "الجُرف" القريب من وَدّان، وهو من منازل بني سهم بن معاوية المذكورين، وفيه أوقعت بنو سُلَيْم بهم في إحدى غاراتها عليهم (١). ومن الأودية المذكورة "سَعْيَا، ومركوب" (٢)، وقد وردا كثيرًا - كما ورد غيرهما - في شعر هُذَيْل، ومن ذلك قول جنوب أخت عمرو ذي الكلب الهذلي من قصيدة ترثيه: أبلغ بني كاهل عني مغلغلة … والقوم من دونهم سعيا ومركوب أبلغ هذيلًا وأبلغ من يبلّغها … عني رسولًا وبعض القول تكذيب بأن ذا الكلب عمرًا خيرهم نسبا … ببطن شِريان يعوي عنده الذيب (٣) وبطن شريان هذا هو الموضع الذي قتل فيه (٤). وربما كان الوادي الأخير - وادي مركوب - من أقصى هذه الأودية نحو الجنوب، فهو يقع خلف يلملم (٥) الذي هو ميقات أهل اليمن. وهذه الأودية أعلاها لهُذَيْل، وأسفلها لكِنَانة. ومن جبال تهامة في شمالي مكة ضَجْنان، وبينه وبين مكة اثنا عشر ميلًا تقريبًا، وهو لأسلم، وهُذَيْل، وغاضرة، وله ذكر في حديث الإسراء (٦)، وفي أسفله كُرَاع الغميم، وهو واد يقع بين ضَجْنان وعُسفان (٧) على ثمانية أميال

стр. 4190

منها (١)، وعسفان هذه تقع على طريق القوافل بين مكة والمدينة، وهي إحدى مناهل هذا الطريق بين الجُحفة ومكة على مرحلتين من مكة (٢)، وهي من مساكن بني لحيان (٣)، ويشاركهم فيها بنو المُصطلق من خُزاعة (٤)، وبالقرب منها من جهة الجنوب ماء الرجيع الذي يقع بينها وبين مكة (٥)، وهو من مياه لحيان، وعنده غدرت لحيان برهط من المسلمين، وأوقعوا بهم في يوم الرجيع كما سبقت الإشارة (٦). ومن أودية لحيان في هذه الأماكن قريبًا من عسفان وادي رُهاط، وهو واد كبير في غربة تقع الحديبية، وهذا الوادي يجاور من الشمال، وقد سبق أن عرضنا لما قيل من أن سواعًا صنم هُذَيْل كان في نعمان، ولكن يذكر ابن الكلبي أنه كان برهاط (٧). ولعلّ قرب المكانين كان هو السبب في هذا الخلاف. وفي أطراف وادي رهاط بالقرب من مكة تقع قرية رهاط على ثلاثة أميال منها (٨)، ويبدو - على الرغم مما هنالك من خلاف - أنها كانت مقر هذا الصنم، فقد كان بنو لحيان أهل هذه الناحية هم سدنة سواع في الجاهلية (٩). وقد كان يسمى وادي رهاط: وادي غُرَان أيضًا. وهذا الوادي خصيب، وبه عيون جارية، ونخل كثير (١٠)، وفي رهاط أو غُرَان كانت مساكن بني لحيان كما

стр. 4191

سبقت الإشارة، وإلى غران انتهى النبي ﷺ في غزوته بعد فتح بني قُريظة يريد بني لحيان هؤلاء مطالبًا بأصحاب الرجيع (١). وبين هذا الوادي ووادي أمَج ميل واحد (٢). وأمج وساية متجاوران، أو هما شيء واحد، وهو واد عظيم به أكثر من سبعين عينًا كما يذكر ياقوت في معجمه (٣). وأمج هذا من مساكن خُزاعة، فهي إذن كانت تجاور هُذَيلا بعامة، وبني لحيان منهم بخاصة في بعض هذه الأماكن. ومن مظاهر المشاركة والمجاورة بين هُذَيْل وخزاعة اشتراكهما في عبادة مناة (٤) التي يقال إنها كانت صخرة بقُدَد، وهو واد بين عُسفان والمدينة (٥)، كما يقال إنها صنم في جهة البحر مما يلي قُديدًا (٦). ونجد كذلك الكَدِيد، وهي قريبة جدًا من عسفان وغران، وكان بعض بني لحيان، وبني جندع بن ليث ينزلون في هذا المكان حين أغارت عليهم جميعًا خيل رسول الله ﷺ بالكديد، بعد أن دلهم عليه رجل من خُزاعة، فوجدت عليه بنو بكر، وبنو لحيان (٧). ومن منازل لحيان شمال القديد ذو دَروان، ورسمه في بعض المراجع دوران بتقديم الواو على الراء (٨)، وهو واد يأتي من شمنصير (٩).

стр. 4192

وبجوار ذي دروان تقع نقَرَى، وهي حَرّة من حرار الحجاز كان ينزل بها بنو لحيان، وبنو خزاعة (١). ومن الأماكن المعدودة في هذه الجهة جُمدان، بين أمة وعسفان (٢)، وبين قديد وعسفان (٣)، فهي تقع في مثلث رءوسه هذه الأماكن الثلاثة، ويسوق الأزرقي رواية عن مسير تُبّع إلى مكة، ورد في ثناياها أن تبّعًا هذا نزل في بعض نواحي جمدان، وهو في طريقه إلى الحرم (٤)، وفي النفس شيء من هذه الرواية؛ لأن جمدان في شمالي مكة، وليست في طريق تبع من اليمن إلى البيت الحرام. ويذكر القاضي عياض أن جمدان من منازل أسلم (٥)، وأسلم هذه من خزاعة التي أشرنا إلى جوارها لهذيل في هذه الأماكن، وقد كان بينها وبين هُذَيْل إحن وثارات بقيت مظاهرها إلى فجر الإسلام، حتى بعد إسلام خُزاعة (٦). ومن أقرب هذه الأودية إلى مكة وادي سَرِف، ويقع شمال التنعيم على طريق القوافل الصادرة من مكة إلى المدينة، وكان ينزل به بعض بني لحيان مجاورين لبني ليث بن بكر (٧). وكانت تقع قرية سرف على بضعة أميال من مكة، وبطن سرف سمي بعد ذلك بالنَّواريّة، ويقع بين التنعيم، ووادي فاطمة (٨)، ولفظ سرف اليوم يطلق أغلب ما يطلق على "مسجد ميمونة"، فأطلاله هي الأثر الوحيد الباقي في هذه الناحية (٩). وأهم أودية هُذَيْل في شرقي مكة، وجنوبها الشرقي نخلة اليمانية، ونخلة الشامية، وهما واديان كبيران.

стр. 4193

ونخلة اليمانية هي مسلك حجاج جنوبي نجد، والأحساء وعُمان واليمن. أما نخلة الشامية النافذة إلى ذات عِرق، فهي مسلك حجاج العراق، وشماليّ نجد. وسكان هذين الواديين أغلبهم من هُذَيْل (١). وسيول نخلة اليمانية أعلاها من وادي قرَن، قريبًا من قرن المنازل ميقات حجاج نجد، والتي تُسمى الآن السيل (٢). ومن أودية نخلة اليمانية وادي يَدَعان، وبه مسجد للرسول، وفي هذا الوادي عسكرت هوازن يوم حُنين (٣)، ويدعان لم يتغير اسمه حتى الآن، وإن كان أهل الحجاز قد أبدلوا ياءه جيمًا فقالوا "جدعان" (٤). ومن قرى نخلة اليمانية الزِّيمة (٥)، وهي لا تزال قائمة باسمها إلى اليوم في طريق الطائف مجاورة لوادي حُنين (٦). ويقول بعض الباحثين إن وادي نخلة هو المسمى الآن بالسيل الكبير (٧). ويبدو أن هذا قد يصدق على جزء من نخلة اليمانية وحدها، فهي الضاربة إلى الجنوب على هذا النحو، ثم إن السيل الكبير يقع في جنوب الزيمة التي سبق القول بأنها من قرى نخلة اليمانية، ومما يؤيد ذلك أيضًا أنه لا يزال الطريق بين الزيمة، وبين السيل الكبير يحمل اسم "درب اليمانية" (٨)، وقد مر الرسول بنخلة اليمانية منصرَفه من حُنين في طريقه إلى حصار الطائف (٩).

стр. 4194

ومن شعاب نخلة اليمانية أُبام وأبيّم، وهما لهذيل (١)، وعُشَر، وهو شِعب لهذيل قرب مكة، يستمد ماءه من جبل داءة الذي يفصل بين وادي نخلة (٢) المذكورين. ومن هذه الشعاب الضَّهيأتان، وهما شعبان آخران تجاه عُشَر، ويجاورهما جبل يسمى المرقبة، كان رقباء هُذَيْل يرقبون فيه أعداءها وضحاياها (٣)، ولعله الجبل المسمى الآن بالعرقوب، وهو آخر جبال نخلة اليمانية (٤). ومن جبالها يسومان أو السُّومان كما يسميان عند أعراب هذه الجهات اليوم، وهما جبلان يقعان على جانبي درب اليمانية بين الزيمة والسيل الكبير عند نهايته في طريق الذاهب إلى الطائف (٥)، ويفصل بينهما وبين الضهيأتين جبل المرقبة (٦) السابق ذكره. وقريبًا من قرن المنازل تقع جبال مرخة التي لا زالت تحمل اسمها إلى هذا العهد (٧)، وهما مرختان: شمالية وتسمى بالمرخة الشامية، وجنوبية وتسمى بالمرخة اليمانية، وكان بالشامية منهما بنو قريم بن صاهلة (٨) من الهذليين، وبالمرخة اليمانية كان يقيم بنو عضل جيران هُذَيْل (٩). هذا، ومن المراجع ما يسوق أن المرختين جميعًا تعدّان من منازل هُذَيْل (١٠)، وقد ورد في البقية أن نخلة اليمانية عامة من منازل بني صاهلة.

стр. 4195

أما نخلة الشامية فتقع إلى الشمال من نخلة اليمانية. ولعل سرية عبد الله بن جحش - حين قدم إلى نخلة (١)، ليترصد بها قريشًا، ويكون عينًا للمسلمين عليهم - كانت مهمتها هذه في نخلة الشامية؛ فهي أقرب هاتين النخلتين إلى مكة والمدينة معًا. وتأتي سيول نخلة الشامية هذه من ذات عرق ميقات حجاج العراق التي درَست، وفي مكانها اليوم "الضَّريبة" التي يحرم منها حجاج العراق الآن (٢). والجبال الواقعة في أعالي نخلة الشامية بذات عرق، وما يقاربها هي من بلاد نصر بن معاوية من هوازن، ويشاركهم فيها غطفان، وبنو نصر وغطفان أبناء عمومة ينتمون إلى قيس عيلان (٣). ويجاورهم في أعلى نخلة الشامية هذه أبناء عمومتهم من بني سعد بن بكر من هوازن الذين كانوا أظآرًا للنبي ﷺ (٤). وبعض بني سعد هولاء كانوا جيرانًا لبني سهم من هُذَيْل (٥). ويسكن في نواحي نخلة الشامية من هُذَيْل أيضًا بنو معاوية (٦) ويؤكد ذلك شعر صخر الغي من شعراء هُذَيْل إذ يقول: لو أن أصحابي بنو معاوية … أهل جُنوب نخلة الشآمية ما تركوني للكلاب العاوية … ولا لبرذون أغر الناصية (٧) ثم إن مالك بن عوف النصري، وهو - كما مرّ - من جيران هُذَيْل، قد أغار على بني معاوية هؤلاء في هذه الأماكن، ولأبي ذؤيب شعر قاله في هذه المناسبة (٨). ومالك بن عوف هذا كان قائد هوازن يوم حُنين، وقد أمر النبي ﷺ بهدم حصن له، وهو في طريقه إلى الطائف.

стр. 4196

وممن كان ينزل أيضًا في نخلة الشامية من الهذليين بعض بني خناعة، ولا سيما بني عامر بن سدوس الخناعي (١). وفي شمالي وادي نخلة الشامية تقع صُوائق، وهي جبال حجازية واقعة بين بلاد هُذَيْل، وبلاد بني سُلَيْم، وهي باقية على هذا الاسم إلى اليوم (٢). وتجتمع سيول الوادين جميعًا "نخلة الشامية ونخلة اليمانية" عند المكان المسمى بالسد، أو ببستان ابن معمر الذي يسميه الناس بستان ابن عامر، فهناك يجتمع الواديان في بطن مرّ (٣) حيث يكونان واديًا واحدًا هو وادي مر، أو مر الظهران الذي أخذ اليوم اسمًا جديدًا هو "وادي فاطمة"، ويستمر حتى يصب في البحر الأحمر (٤). ومر الظهران يقع شمالي مكة بينها، وبين عسفان، وهو المرحلة الأولى في الطريق القديم (طريق القوافل) إلى المدينة. ومن مر إلى سرف سبعة أميال، وإلى مكة ثلاثة عشر ميلًا (٥). وينقل ياقوت عن عرّام أن "مَرًا" القرية، و"الظهران" الوادي، وأن بمر عيونًا كثيرة، ونخلًا وجمّيزًا، وهي لأسلم، وهُذَيْل، وغاضرة (٦). ومن المراجع ما ينقل إلينا أن مرّ الظهران كان ينزل به بعض كِنانة، ولهم فيه

стр. 4197

سوق هي لبني الدئل منهم خاصة (١)، وبه منازل كعب من خُزاعة إلى جانب هُذَيْل (٢). وقريبًا من مر الظهران يقع وادي الصفراء، أو الصفراوات (٣)، وهو الآخر لهذيل (٤). وسهل ساية أو (السِّيّ كما يعرف اليوم) هو الآخر قريب من عسفان، وينحدر ماؤه جهة الغرب، ويصب في أعلى وادي فاطمة. وبساية نخيل ومزارع، وسكانه بنو سُلَيْم (٥) الذين يجاورون هُذَيْلًا في هذه الأماكن وغيرها، كما يجاورها غيرهم من القبائل والبطون التي أشرنا إليها. وهكذا يتضح مكان هُذَيْل بين القبائل العربية التي تكتنفها في أنحاء الجزيرة، ثم مكان هذه القبيلة وبطونها المشهورة مع جيرانها الأذنين ممن تأثرت بهم أو أثرت فيهم من قبائل العرب كخُزاعة وكِنانة وسعد بن بكر وهوازن وغطفان وغيرها، وذلك في منطقة من الحجاز، من حدود عسير تقريبًا في الجنوب إلى ما بعد عسفان شمالًا، وتلك كانت مساكنهم في الجاهلية، ولكن ينبغي أن نلم بمواطنهم في الإسلام لما لذلك من أهمية في الموضوع.

стр. 4198

ثانيًا: مواطن هُذَيْل في الإسلام يذكر بعض المؤرخين أن هُذَيْلًا تفرقت بعد الإسلام على الممالك، ولم يبق لهم في الجزيرة العربية حي يطرق (١). وهذا كلام فيه كثير من المبالغة والشطط، فالحق أنه إن كان كثير منهم قد فارقوا الحجاز وتهامة إلى بلاد الإسلام الأخرى، فإنه - مع هذا - قد بقي عدد منهم في منازلهم بالحجاز بعد الإسلام؛ ففي صلة تاريخ الطبري أن الجنّابي زعيم القرامطة صعد إلى سطح الكعبة ليقلع الميزاب؛ فرماه بنو هُذَيْل الأعراب من جبل أبي قبيس بالسهام فأزالوهم عنه (٢). وفي الرحلة الحجازية للبتانوني نجد أن هُذَيلًا لا تزال تسكن الجبال بين مكة والطائف، وأن عددها الآن يناهز عشرة آلاف نفس، وأن بني لحيان بين مكة وجدة، وعددهم ألف وخمسمائة (٣). والدكتور هيكل في تطوافه ببادية الطائف يطلعنا على أن بعض الجبال في هذه الجهات - ومن بينها جبال الطلحات - يقيم فيها قبائل الطلحات إحدى بطون هُذَيْل في هذا العصر (٤). فالحق أن هُذَيْلًا - أو ما بقي منها في بوادي الحجاز بعد الإسلام - لا يزالون يسكنون في مواطنهم القديمة منذ العصر الجاهلي، وإن كان من المحتمل أن يكونوا قد انحسروا على بعض هذه المواطن (٥). ولكنهم مع ذلك لا يزالون يحتلون

стр. 4199

مواطن كثيرة مما كان لهم منذ الجاهلية الأولى، فيذكر ابن بليهد النجدي أن هُذَيْلًا "باقية في منازلها من العهد الجاهلي إلى هذا العهد في وادي نخلة اليمانية وجبالها، ووادي نخلة الشامية وجبالها، وتمتد منازلهم إلى عسفان شمالًا، وإلى وادي حنين جنوبًا"، وإن كان يذكر أن بني لحيان منازلهم الآن داخل الحرم من الأميال إلى مكة، وما بين التنعيم ووادي فاطمة، ويقرر أن هذه كانت منازلهم منذ العصر الجاهلي (١). وفي هذا تساهل كبير؛ فما عرف أحد أن بني لحيان كانوا يسكنون داخل الحرم في العصر الجاهلي. هذا، وقد نقل عنه الدكتور جواد علي أن مساكن بني لحيان تقع في العصر الحاضر داخل الحرم (٢)، ولكنه لم يشر إلى أن هذه كانت مساكنهم في الجاهلية. ويسوق صاحب المنجد أن "مواطنهم في يومنا حول الطائف في جبل قُرّة، وفي ظواهر مكة" (٣). والحق أنه ليس هنالك جبل يسمى بهذا الاسم، وإنما هو جبل "كُرّ" أو "كَراء"، وقد سبقت الإشارة إلى أنهما من سلاسل الجبال المحيطة بالطائف (كرّ وكراء والهدّة) (٤). ويبدو أن صاحب النجد قد ترجم عبارته عن مقال "هُذَيْل" في دائرة المعارف الإسلامية، وملامح عبارته هي ملامح المقال مع الاختصار والإيجاز، ومن هنا جاء اسم هذا الجبل عنده محرفًا، إذ حُرّف مرة في الترجمة من العربية إلى الإنجليزية، وأخرى من الإنجليزية إلى العربية نظرًا لاختلاف الأصوات والحروف، وطبيعة النطق في كل من اللغتين (٥).

стр. 4200

مكة والمدينة: وقد كانت هُذَيْل في العصر الجاهلي يلم بعض أفرادها بالحضر القريب منها (١) في مكة والمدينة وغيرهما، كما يفعل الأعراب الآخرون، ولكنها منذ فجر الإسلام لم تعد صِلاتها بالحضر مقصورة على ذلك، وإنما بدأت جماعات من الهذليين تستقر في هذا الحضر، ولا سيما مكة والمدينة، فيذكر ياقوت أنه "لما قدم رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة مهاجرًا أقطع الناس الدور والرباع، فخط لبني زهرة في ناحية من مؤخرة المسجد. . . وجعل لعبد الله وعتبة ابني مسعود الهذليين الخطة المشهورة بهم عند المسجد" (٢). وقد ازداد على الأيام عدد هؤلاء الهذليين بالمدينة سواء من النازحين إليها، أم من أبنائهم وأحفادهم الذين شبوا ونشئوا في ظلال هذا المجتمع الجديد. فنجد من المسعوديين بالمدينة بعض الأعلام من العلماء والشعراء كعبيد الله بن عبد الله بن عتبة (٣)، ووالده عبد الله بن عتبة العالم المحدّث (٤). ولم يكن ذلك أمرًا مقصورًا على المسعوديين فحسب، بل كان بالمدينة كثير من الهذليين الآخرين منهم مسلم بن جندب الذي كان قاصّ مسجد الرسول، وكان إمامهم وقارئهم (٥)، وهو أستاذ نافع بن أبي نُعيم (٦)؛ وعبد الله بن مسلم بن جندب الذي كان إمام مسجد الأحزاب فيها (٧)، والبُريق الهذلي الشاعر (٨)، وأبو عمرو عبد الله بن الحارث الراوية (٩)، والنضر بن سفيان الهذلي (١٠) وأُصيل

стр. 4201

ابن عبد الله الهذلي (١)، وجندب بن سلامة الهذلي الذي أدرك الجاهلية، وكان تاجرًا بالمدينة في عهد عمر (٢). فالهذليون الذين أقاموا بالمدينة في صدر الإسلام وبعده كثيرون، وهذه أمثلة لم نقصد منها الحصر والإحصاء. وقد كان يقيم في مكة أيضًا كثير من الهذليين، فيذكر صاحب أخبار مكة أنه "كان يقيم في مكة آل أبي طرفة الهذليين، وكان لهم جانب من رباع بني عامر بن لؤى، ومن دورهم هناك دار أبي طرفة، ودار الطلحيين" (٣). وقد كان لكثير من هؤلاء الهذليين عطاء في خلافة ابن الزبير، ومنهم أبو صخر الهذلي الذي كان هواه مع بني أمية، وكثيرًا ما كان يمدحهم (٤)؛ ولذلك عندما دخل في هُذَيْل منعه ابن الزبير عطاءه فهجاه (٥). فأمر بحبسه إلى أن شفعت فيه هُذَيْل، ومن كان له فيهم خئولة من قريش (٦). ولم يكن هذا شأن الهذليين في مدن الحجاز المشهورة وحدها مثل مكة والمدينة، بل نزح كثيرون منهم إلى الأقاليم الإسلامية الأخرى تحت راية الفتح الإسلامي وفي ظلاله، شأنهم في ذلك شأن الكثيرين من العرب. ومنهم من رحل إلى هذه الأقطار بدافع من طلب العلم، أو في ركاب السياسة والحكم، ثم هم في أصل حياتهم بدو رحّل لا يعرفون الاستقرار، وقد كان آباؤهم وأجدادهم يرحلون في بادية كلها أو جلها خشونة وشظف، فلا عليهم أن يرحلوا هم أيضًا إذا كانت

стр. 4202

رحلاتهم هذه ستنتهي بهم إلى شيء غير قليل من الراحة والدعة في ظل هذا المجتمع الجديد؛ ولهذا كله ألقوا عصاهم في كثير من الأمصار الإسلامية، فمنهم من ذهب إلى نيسابور (١)، ومنهم من شد الرحال إلى نصيبين (٢)، أو إلى مكران (٣) ثم إلى حلب (٤)، وحمص (٥)، والحلة (٦)، واللاذقية (٧) من بلاد الشام، وكذلك بعض بلاد اليمن (٨). ولكن أهم الأقاليم الإسلامية التي رحلوا إليها، وكان لهم في بعض جوانب الحياة فيها شأن إنما هي العراق والمغرب ومصر. الهذليون في العراق: لا تخلو أمصار العراق المعروفة من وجود هذليين يشاركون في مجتمعها، والعراق إقليم إسلامي له من الخصائص ما جعل أفئدة كثيرين من العرب تهوى إليه. وأهم أمصار العراق، وأجدرها بالنظر في هذا الشأن: الكوفة، والبصرة، وبغداد. الكوفة: كانت الكوفة من أكثر الأمصار الإسلامية استقبالًا للوافدين من هُذَيْل، وربما كانت من أشدها تأثرًا بهم، فقد كان رأس الوافدين إليها من هؤلاء الهذليين

стр. 4203

عبد الله بن مسعود الذي ولاه عمر بيت المال فيها (١)، فنزل بها، وابتنى فيها دارًا إلى جانب المسجد (٢). وقد كان لابن مسعود منزلة علمية رفيعة، فأقبل عليه الكوفيون يأخذون عنه العلم، وكأنما قد زادهم تحفيًا به، وإقبالًا عليه ما رأوه من تقدير الخلافة له، وإعظامها لشأنه، فقد كتب إليهم أمير المؤمنين عمر: "إني بعثت إليكم بعبد الله بن مسعود معلمًا ووزيرًا، وآثرتكم به على نفسي فخذوا عنه" (٣). وإلى جانب كونه فقيهًا كان محدثًا، وكان من الأعلام المشهورين في علوم القرآن وقراءاته، وقد أقبل عليه الكوفيون، وتلمذوا له في هذا الفرع من الدراسات القرآنية، وكان كثيرون منهم يفضلون قراءته على غيرها (٤) بل كانوا يتعصبون لها تعصبًا شديدًا، وتخرّج منهم على يده ويد تلاميذه كثير من مشاهير علماء القراءات في الكوفة من أمثال زرّ بن حُبيش تلميذ ابن مسعود نفسه، وأبي بكر بن عياش، وعاصم بن أبي النَّجود أحد القراء السبعة، وشيخ الإقراء بالكوفة في عهده (٥)، ومنهم سليمان بن مهران الأعمش (٦)، ويحيى بن وثاب، وأستاذه مسروق (٧)، وطلحة بن مصرِّف (٨)، وغيرهم كثير (٩). وكذلك الربيع بن خيثم الكوفي التابعي أخذ القراءة عن ابن مسعود (١٠)، وأبو عمرو الشيباني عالم اللغة المشهور بالكوفة، والذي كان يقرئ الناس بمسجدها له أيضًا رواية عن ابن مسعود (١١)، ثم إن حمزة وهو أحد القراء السبعة تنتهي قراءته إلى ابن مسعود (١٢)، والمفضل

стр. 4204

الضبي العالم النحوي اللغوي الراوية كان من القراء الذين أخذوا عن عاصم، وعن الأعمش (١)، وكلاهما - كما سبق - تنتهي قراءته إلى ابن مسعود (٢). وهكذا نجد أن تلاميذ ابن مسعود من قراء الكوفة أكثر من أن نحصيهم عدًّا، ومن هؤلاء بعض الهذليين أنفسهم مثل أبي عبيدة معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الذي روى القراءة عن الأعمش (٣)، ومحمد بن أبي عبيدة هذا، وقد روى القراءة عن حمزة (٤). وكثيرًا ما نجد أن علماء اللغة والنحو في الكوفة من القراء، وربما كان كثيرون منهم من مدرسة ابن مسعود نفسه، كالمفضل الضبي، وأبي عمرو الشيباني، وقد سبقت إليهما الإشارة. والفراء النحوي الكوفي المعروف روى القراءة عن أبي بكر بن عياش، وعلي بن حمزة الكسائي (٥)، ومحمد بن الحسن بن يونس أبو العباس الهذلي المعدود في نحاة الكوفة كان هو الآخر من القراء (٦) بل إن رأس مدرسة الكوفة النحوية، وهو الكسائي هو نفسه من القراء السبعة المعروفين. ولهذا كانت القراءات بعامة، وقراءة ابن مسعود بخاصة ذات أثر عميق في المدرسة الكوفية، حتى إنهم - على عكس البصريين - يعتدون بها، إلى جانب الشعر، مصدرًا هامًا من مصادر النحو الكوفي، فهم من أكثر الناس إدراكًا لفضل هذه القراءات والاعتداد بها في النحو واللغة؛ لما يحوطها من سياج ينأى بها عن

стр. 4205

الوضع والانتحال اللذين قد يستهدف لهما الشعر، ويبعد بها عن الخطأ الذي يحدث - أحيانًا - عند الرواية عن الأعراب الذين قد لا تحسن نيتهم في كل ما يرويه عنهم علماء اللغة ورواتها. وهكذا نرى أثر ابن مسعود وتلاميذه واضحًا في قراء الكوفة، وفي غيرهم من علماء العربية، وقد يلمس الباحث ذلك بجلاء في منهج النحو والنحاة في مدرسة الكوفة. هذا، وقد كان من علماء الكوفة الهذليين ذلك النحوي اللغوي علي بن حازم "اللحياني" الذي أخذ عن الكسائي وغيره، وأخذ عنه أبو عبيد القاسم بن سلام، وهو من بني لحيان بن هذيل (١). ومنهم عبد الله بن عتبة بن مسعود وكان قاضيًا لمصعب بن الزبير على الكوفة (٢)، وعون بن عبد الله بن عتبة، وكان رواية ناسبًا شاعرًا (٣)، وعبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة وكان من المحدثين (٤)، والقاسم بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الذي كان من علماء الكوفة بالعربية، والفقه، والحديث، والشعر، والأخبار (٥)، وكان قد ولي القضاء بالكوفة (٦)، وهو أستاذ لابن الأعرابي من الكوفيين البارزين (٧). فكانت بيئة الكوفة - كما سبق أن أشرنا - غنية بآثار الهذليين وتلاميذهم في اللغة والعلم والأدب جميعًا.
следующие страницы →