حريبنا نسقيه كاس من الصدا … والحبة الزرقا لكبده برودها
وإن زارنا سبع يدور لغرة … كفوفه دروع من فجايا صيودها (١)
عبينا لزوراته قراها إلى أقبلت … وخطرنا على زيرومها اللي يقودها (٢)
وعقب الطمع ترجع سراياه كنها … غيا جملة صفت عليها فهودها (٣)
وتغشى قطي الخيل دم لكنه … تزيعج دلا أولاد عطاشي ورودها
وإن ثقل اللِّي في اللقا يروي القنا … اللِّي لونيات السبايا سنودها (٤)
زعجناه بأقارب المطارق ورادته … عرجا دوام للجراير ترودها (٥)
فإن جر حربى علينا جريرة … صبرنا عليه ايلين نقوى ردودها
فلا قوينا الرد نجزيه مزنة … حمرا تزلزل في رهقها رعودها (٦)
رعدها القهر ومصبب الدرة وبلها … وحدب مقابيس البلا في حدودها (٧)
بمذلقات الهند والشلف كنها … السن سلاقي متعبتها طرودها (٨)
كما مزنة نشت على الجوف وأسبلت … عثا سيلها يملأ الحفن من نفودها
والأخرى على جوده غثاها لكنه … صرايم زرع في ليالي حصودها
وراهن يوم يقصر الظن دونه … حظوظ من الله وافقتها سعودها
غزو على البرة تذلهب بنا الرشا … وتقطعت عنا ملفق جرودها
وخشوم طويق فوقنا كن وصفها … صقيل السيوف اللي تجدد جرودها
стр. 5287
تولفت بدوان نجد وحضرها … بإعدامنا قامت تجدد عهودها (١)
تولفت علينا الذيب والفهد والنمر … سباع عليها ولفتها أسودها
جميعهم لنا ليث على الدرب جابهم … فلا عاد نقوى لو بغينا ردودها
كفانا بهم رب له الحمد والثنا … علينا مدوده ليس تحصى عدودها
لك الحمد يامعبود والشكر والثنا … وجيه على البيدا نساوي سجودها (٢)
ومر يكفَّونى مذاريب ربعي … وأتاجر بنفسي واتنومس بزودها (٣)
إلا إلى شفنا عليهم هزيعه … من دونهم حمر المنايا نذودها
عسى جواد ما تعرج يصيبها … شبا مطرق يقطع ملاقى عضودها
وأنا ذخيرتهم اليا دبَّرت بهم … شعث النواصي والنشامى شهودها (٤)
وملفي مسايير إلى جوا عينوا … قريشية يعبا معا الهيل عودها (٥)
مع منسف وحايل إليا أقبلوا … لا علقت ما يحتملها عمودها
والا ردُوم من ورا الحجز نيها … تداوي بها الربع النشامي كبودها
وننشر عليها السمن زود وتعمد … لشوارب تروي القنا في هدودها (٦)
وإلى لفانا مجرم ضده النيا … كنا بعيطا نابيات حيودها
إلى ضد حمله في متونة وزارنا … نسفناه عنه إيلين تبرا لهودها
وبالجاه نرخص غالي المال دونه … ووراه سيوف مرهفات حدودها
نلقط للعُقَّال بالعقل مثلها … ونعيا لعيلات المقرد قرودها
ومن دور العليا نجازيه بالرضا … ومن دور القصيا نلقيه كودها
стр. 5288
لينه يبدل زجرة الهدر بالرغا … وقومه تكثر لطمها في خدودها
هذي عوايدنا لها ذي ومثلها … ونفس الفتى لابدها من لحودها
ولا هيب فعل من يدينا بديعه … سوالف رجال خلفتها جدودها
وصلوا على خير البرايا محمد … ما لعلع القمرى وما هب نودها (١)
يقال: إن هذه القصيدة أرسلها الشيخ راكان بن فلاح بن حثلين إلى الشيخ محمد بن خليفة الخليفة في البحرين:
ما قال عبد الله ارتقى ذيك الأرواس … بين الدلم وخشوم قصر البجادي (٢)
حول الضبيعة من ورا ذيك الأطعاس … بين الخشوم النايفة والحماد (٣)
والبارحة ما أغضت العين بنعاس … إلا على خدي مطرها حشاد (٤)
وقلبي كما بن يحرق بمحماس … عليه صالي لاهب النار زاد
فيا الله ياقايد من النود نسناس … يامعتني بأرزاق كل العباد (٥)
стр. 5289
اللي إلى ناموا خليين الأوناس … قمنا ونطلبك الهدى والرشاد (١)
إنك تبوح ألهم عقب التعوماس … وتفتح لنا من باب عرشك منادي (٢)
وخلاف ذا ياراكب فوق نسا … مقدم شداده نابه للشداد (٣)
رباع قطاع الفيافي بالأمراس … يطوى بذرعانه بعيد الريادي (٤)
يشدي ظليم رايعه صوت رجاس … مثلوث دافوه الرماة العوادي (٥)
بدل رلى جيت الجزيرة على الراس … بقطاع موجات خفيف السناد (٦)
زر الشراع وهب له ضد الأكواس … بيهوم للنجم اليماني قصاد (٧)
ملفاك دار اللي لها الرب حراس … ديرة مروين السيوف الهنادي
ملفاك شيخ من شيوخ على ساس … أبو خليفة سقم عين المعادي
حُرَّسنا عينه كما نور مقباس … أشقر كبيدي عريض الثنادي (٨)
شبر لبانه لا يرق الريش نكَّاس … يفرح به القناص حل الهدَادَ (٩)
سور البلد صعب على روس الأنجاس … وحظه بأخوه مساعده في السداد
سعد الرفيق اللي به الحبل محتاس … مشاهده يَجْلًا هموم الفواد
ياشيخ عيلات الدهر تقلب الراس … ياما جرى في الكون من عصر عاد
أفكر وبرق في معانيك بقياس … عسى لسلطانك من الرب هادي (١٠)
стр. 5290
مَنْ اللي ضفى حكمه على ذيك الأجناس … وسخر بساط الريح له بالركاد
صارت حكاياهم تواريخ وارماس … وشي سوى المولى مداه النفاد (١)
يوم الجدا فاللي جدانا من الناس … عدالة الميزان بين البوادي
زدنا وعدينا ورا الحق بقياس … وعشنا بحد السيف في كل وادي
وكم واحد نرميه والعج غطاس … والآخر اللي فوق كبده جداد
ياطول ما صدنا على عوج الأطراس … وصيور من صاد النشامى يصاد (٢)
وما رازنا إلا نور قصر ابن دواس … اللي جنوده مثل وصف الجراد
ودار جفت ربع عمايمهم الطاس … لا حل بأطراف الجهامة منادي
والله لو أعطى بها مال عباس … فراشي الديباج والشكر زادي (٣)
من عقب مجفاها حمى دون الأفراس … من عقب ذولا ما بها لي قعاد
وصلاح ربي عبد ماهب نسناس … على شفيع الخلق يوم التنادي (٤)
قال الشيخ راكان بن فلاح بن حثلين هذه القصيدة، وأرسلها إلى الأمير عبد الله بن فيصل بن تركي آل سعود، وذلك عندما أمره آل خليفة بمغادرة البحرين، وتسمى هذه القصيدة في البحرين (الشيخة) اعتزازًا فيها:
قال المعيضي بالضحى يبدع القاف … في دار سمحين الوجيه الكرام (٥)
стр. 5291
عسى لهم بآيات من حج وإطاف … عز لحاضرهم وللحي دام
ياراكب من عندنا فوق هياف … بتيل ساج ومقتفيه الولام
فلا دعم صدره على بعض الأسياف … ولم ثلاثًا يشتهن الولام (١)
بواسطن يشدن الأدمي بالأوصاف … وإن زرفلن يشده لجول النعام (٢)
يمشن ثلاث عقب الاوما والاصلاف … والرابعة يلفن لولد الإمام (٣)
سلم على ربع كما وصف الاشراف … واختص أبو تركي برد السلام
سلام أحلا من لبن كل مشعاف … واحن وأنوج من عنابير شامي
ولفَّتّهَا ياشيخ من كل الأطراف … نمرا كما وصف الجراد التهامي
والله لولا جمعك اللي له أرداف … دولة هل العوجا سواة النظام
ليني لا عد لهم على كل مزقاف … علم يردونه جديد وعام
أبمطارق فيها غلب كل هياف … وحدب الظهور اللي تقص العظام
والكل ينعكس عايف عقب ما شاف … غضب ودورات السبايا دوام (٤)
عاداتنا لا ما التقت دلق الأشناف … ثم رودعوا سرد الرمك بالاولام
في ماقف خطر على الروح باتلاف … في روشن غنى بركنه حمام
ودموع عيني فوق الاوجان ذراف … وفي الرجل طبلين حلقهن أحكام
ننسف على الطوعات زينات الأطراف … ما بين مصري وما بين شامي
ودروع منعات ثقيلات لصاف … متحزمين فوقهن بالحزام
ولا أقبلت حومة زرفهن كما القاف … ثم حل ستر معورجات الوشام (٥)
عاداتنا عند المظاهير تنشاف … ونركض مراكيض ترمي الكهام (٦)
стр. 5292
ونحري برمي الشيخ وان جن زِلَّاف … نرميه بين الخيل مثل المقام
ما هي بهرجة شاعر يبدع القاف … طوَّل لسانه فعل ولد الإمام
حِنَّا ترانا علته بين الانجاف … نَقّرِي عيونه عن لذيذ المنام
وقلبه لو هو نازح يرجف ارجاف … ونصبَّحه لا انباح نور الظلام
والله أن ننزل بين بوشه والاسلاف … ونودعه يترك حِلّته والجهَام
ويجنب الخفرات زيفات الأوصاف … بيض الترايب زاهيات الزمام
كنه خريش بدل العقل باهفاف … وأسباب ما خفه فَعول قدام (١)
ليتك لنا ياشيخ بالعين تشتاف … يوم اقبلت دولات صبيان يام
معهم افرنجي لحسه تقصاف … مثل الرعد في مدلهم الغمام
حنَّا ذرا الديرة عن البرد ولحاف … ومن زارها زرناه قدنا شمام
يا شيخ ما أرسلنا نبي منك محذاف … قوم تبني من ورانا الخيام
بين الظفيري والمطيري وعسَّاف … ننزل ولو جان النذر والزحام
ويروح في زمله كثير التجعاف … ولا خير في هرج بليا تمام
حنا كما حر تعالى بمشراف … صيده من الجل الحباري الجسام
جاه أسمر في صايده سم الاتلاف … طقه وحط سبوق ريشه هدام
وجاءت لمعلول جداه التلهاف … فعلك جعل للي مْغِل كلام
وصلاة ربي عبد من حج واطاف … على النبي ما حج بيت الحرام
стр. 5293
وهذه القصيدة قالها الشيخ راكان بن فلاح بن حثلين وهو في المنفى:
لا واهني ياطير من هو معك حام … والا أنت تنفل لي حمايض علومي (١)
إن كان لا من حمت وجهك على الشام … بايسر مغيب سهيل تبغى تحوم
باكتب معك مكتوب سر ولا الام … ملفاه ربع كل أبوهم قروم
سلم على ربع تنشد بالاعلام … لا واهني من شافهم رُبع يوم
ومن سايلك مني فانا من بني يام … من لابة بالضيق تقضي اللزوم
ريعي ورا الصمان وأنا بالاورام … من دونهم يزمي بعيد الرجوم
ومن دونهم حوران ضلع بعد زام … دار أهلها ما تعرف السلوم (٢)
حال البحر من دونهم له تليطام … ومن دونهم مايات موج تعوم
من عقب ما سيفي على الضد حطام … اليوم سيفي واضعه كنه شرم
صارت سوالفنا معي مثل الاحلام … . مالي جدا يكون عد النجوم (٣)
لا من ذكرت رموس عصر لنا دام .. قمت اتململ والخلايق نيوم
يالله ياللي طالبه ما يضام … تفرج لشخص لاجي عند قوم
الله من عين لها سبعة أعوام … تسهر وتبكي من كثير الهموم
الحال باد وباقي جسم وعظام … كنه مريضى واقع ومحموم
وقعت انا في ديرة ما بها اسلام … والبن الاشقر ما يدار معدوم
سجين سجن ولاجي عند ظلام … ودوني بحور وبالحديد محزوم
والجفن يسهر تالي الليل ما نام … ومن جملة الكيفات صرت محموم
стр. 5294
وعزي لمن مثلي عليه الدهر هام … مقصور رجل ولا جزع ما يشوم (١)
وصلاة ربي عبد من يلبس إحرام … وإعداد ما تذرى ذواري سموم
على نبي خصه الله بالإكرام … على جميع الخلق صار محشوم
قال الشيخ راكان بن فلاح بن حثلين هذه القصيدة، ردًّا على محمد بن هادي شيخ قحطان.
ياركب حُرِّ تِذرَّب سنامه … عليه ني راكب نيه العام (٢)
ما صِكْ لحيه في ليالي فطامه … وعظمه قوي من لبن كل مرزام (٣)
إلى ورَد عدِّ يطير حَمَامه … جا للصريمة من لحية تقصام
تلفى لابن هادي كبير العمامه … شيخ ورمحه مع هل الخيل مرسام (٤)
مَرَّ يواعدنا بحرب وقوامه … ومر يجينا منه هرج وتسلَّام
حي الكلام وحي من هو كلامه … اللي لفانا منه هرج التوهام
وش الجزا ياشوق زاهي الوشامه … بالسابق اللي ما عرفنا لها أوقام (٥)
كزيت لها نور السلف والجهامه … باغيه ذخر في مقابيل الأيام (٦)
وغديت أنا وياك مثل النعامه … جاها بلاها من ثقيلات الأقدام
стр. 5295
إن كان تبغي سابقك والسلامة … خلوا ظعاينكم مع العتش خرام
يُحرم عليك النوط تطلق بلامه … مادام عنده واحد من ضنى يام (١)
معنا الطويل اللي تحبيكم علامه … مثل العديم اللي على الجوال صرام (٢)
الترك قبلك زارنا به زعامه … قد عافنا واختار عنا هل الشام
إن كان تطرى حدرتك بالجهامه … لما توصل بك لهذيك الأرجام (٣)
ذي ديرة الحاكم كبير العمامه … اللي نحى عنها طوابير الأورام
قدامكم شيخ رفيع مقامه … الخيل قرح وأبيض الخد قدام (٤)
وإن رادها غيره ضربنا رثامه … عود يبدل هفوته بالتندام
يا الله عيى الفردوس ملقى عظامه … اللي بعث دين النبي دين الإسلام
مثل الدويش اللي يقدى الجهامه … عقرت جواده فوق رجله والاقدام
وإن كان حدر لابته من … حِنَّا لهم في مقطع الصلب قدام
أقبل وحِنَّا لك نسي كرامه … شَلف على شهب سريعات الاولام (٥)
تسعين رمح كسرن في العدامه … عشرين منهن بين راكان وحزام
كم ثار عند ركابنا من كتامه … ياما هلك من ضدنا من سبب يام
كم من حريب دارج الدم دامه … يشبع بها السرحان والطير لاحام
حنَّا كما سيل تنحي غمامه … هامل بردها بالفرنجي والأروام
سيله يقزي مانحا من عدامه … وروعودها منها المدن له تقصام
стр. 5296
كم سيف هندي فضخنا لجامه … بإيماننا كنه مقابيس الإظلام
نزوي من أرقاب السكارى حيامه … في هية يشبع بها كل حوَّام
نطعن لعين اللي عريض سنامه … شقح مفاليها مباكير الاوسام
إن كان ودك عندنا لك كرامه … وتدري بضيفتنا لك الشرق والشام
أقبل علينا حي سوق المسامه … وعاداتنا نغلي جلب كل سوام
حريبنا تصبح بكيده ندامه … وبراية الله نجعله حذر الإقدام
نرجى مهاشيلك تعدي تعامه … لا ساقك الله والقدم ناحر يام (١)
وصلاة ربي عندما أنشئ غمامه … على نبي خصه الله بالإكرام
قال الشيخ راكان بن فلاح بن حثلين هذه القصيدة وهو في المنفى، يخاطب زميلا له يسمى حمزة، ربما يكون من الدولة العثمانية، وذلك أثناء الحروب الإسلامية مع المغرب:
حمزة مشينا من ديار المحبين … الله يرجعنا عليهم سلوم
مشوا بنا العسكر لدار السلاطين … في مركب جزاوه ترك وروم
عشرين ليل يمة الغرب مقفين … ما حن نشوف إلا السما والنجوم
والنوم يامشكاي ما لاج في العين … والقلب ياحمزة تزايد هموم
من الخداعة واحتيال الملاعين … هيهات لو أني عرفت العلوم
هيا اركبوا من عندنا فوق ثنتين … وخلوا نجايبكم مع الدو تومي (٢)
لا زوعن بالوصف مثل القطاتين … تبغي الشراب ولا يعنها السموم (٣)
стр. 5297
اليا أصبحن كنهن جريد البساتين … نحال من كثر الحفا والرثوم (١)
تلفي على ربع عساهم عزيزين … أهل الشجاعة والكرم والعزوم
ربعي ضنا مرزوق بالعسر واللين … لطَّامة للي عليهم يزوم
عجمان لا رد البرا للمعادين … حريبهم من همهم ما ينوم
يوم الخيانة ليت هم لي قريبين … من فوق زلبات تبوج الحزوم
وليا تعلَّوا فوق مثل الشياهين … مركاظهم يشبع وحوش تحوم
نوب سلاطين ونوب شياطين … وكم شيخ قوم توهم ما يقوم
يا الله ياقابل سؤال المصلين … يا اللي له التقدير في كل يوم
إنك تثبتنا على الحق والدين … وإنك تروف بحالنا يارحوم
وعسى مقابيل الليالي لنا زين … من عقب ما هن نوسن العلوم
وصَلُّوا على اللي وضح الزين … وشيَّد منار الدين واعلى الرسوم
وقال الشيخ راكان بن فلاح بن حثلين:
فلاح دوك النو نقَّض ربابه … يازين برقه شارق في رفاياه (٢)
جعله على الصلب الحمر واللهابه … وعلى جويات الهمل ناثر ماه
نوه على الصقري ينثر سحابه … وانحت مقاديمه على الطف واسقاه
والحبل سيَّل صحصحه مع رغابه … حيثه لطوعات المعاشير مشهاه
ديرة بني عمي زمام الحرابه … كما شيخ قوم خربوا زين مبناه
ياسعد من هم له صديق ولابه … يوم اعلنوا بالحرب عقب المساداه
стр. 5298
أعوي كما يعوي جويع الذيابه … بَيَّن عمود الصبح والكلب ينحاه
ما أدرى بلاه الجوع ما علق نابه … والا رفيقه راح منه ولا جاه
ياحشر من عقبك يفك الطلابه … لا جات من عين طروقه مخلاه
ياطول ماسيفي وديع ذبابه … أدب به العايل ولا أدري قفياه (١)
واليوم كَلُّ ولا بقي إلَّا نصابه … تعززوا لي ياملا عقب فرقاه (٢)
من عقبهم صندوق قلبي خرابه … لعب دواليب الهبايب بمجراه
عجمان يوم الحرب شب التهابه … جلابة للروح والرب ياقاه
كم من حفيف قد مشوا في ذهابه … تؤخذ مواشيه ولابه مراواه
حريبهم يسعون له في عذابه … عقب الطمع تصبح عيونه مداواه
يبكي على ماله وفقد القرابة … وفي المعركة يصبح يحسِّب جثاياه (٣)
стр. 5299
هُتَيمْ
أصل قبيلة هُتيْم:
- النصوص التاريخية التي تؤكد نسبها في بني كلاب من عامر بن صعصعة من هوازن:
١ - جاء في معجم الشعراء للمرزباني، وهو عبد الله بن محمد بن عمران المرزباني، المتوفى سنة ٣٨٤ هـ؛ كما جاء معه المؤتلف والمختلف في أسماء الشعراء وكناهم وألقابهم وأنسابهم، وبعض شعرهم للآمدي، المتوفى سنة ٣٧٦ هـ (١) -
إن هُتَيْم من بني عوف من عمرو بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مُضر ابن نزار بن معد بن عبدنان - من ذرية نبي الله إسماعيل ابن الخليل إبراهيم ﵉.
قال: وكان شاعر وفارس بني ضبَّة العدنانية (الحنتف بن السجف) (٢)؛ هو الذي قتل ابني هُتيم (٣) من بني كلاب العامريين من هوازن.
وقال الحنتف الضبِّي في ذلك شعرًا:
فرَّقت بين ابني هُتيم بطعنةٍ … لها عاند كسو السليبي إزار
وجُدتُ بنفسٍ لايُجاد بمثلها … وقد كان نبحُ النابحات هِرار
حِفاظًا وذبًا عن حريمي ونُصرة … ولم أتحمل في المواطن عار
стр. 5300
٢ - وجاء في كتاب النقائض:
قال الفرزدق شاعر بني تميم العدنانية - في صدر الإسلام - وهو يفتخر ويؤيد أبناء عمومته من بني ضبَّة، قال يذكر وقعة دارة مأسل في الجاهلية:
ونحن قتلنا ابني هُتَيْم وأدركت … بجيرًا بنا ركض الذكور الصلادم
٣ - وقال شارح النقائض (١) عن هُتَيْم:
واينا هُتيم من عمرو بن كلاب، قتلهما بنو ضبَّة يوم دارة مأسل، وهو يوم أخذوا إبل النعمان، قال: ويقول في ذلك ذو الرَّمَة:
نجائب من ضرب العصافير ضَرْبُها … أخذنا أباها بوم دارة مأسل
وقال في ذلك اليوم عمرو بن لجئ شعرًا يؤكد فيه أن ابني هُتَيْم من رؤساء قومهم:
لا تهجُ ضبَّة يا جرير فإنهم … قتلوا من الرؤساء ما لم تقتل
قتلوا شتيرًا يوم غول وابنه … وابني هُتيم يوم دارة مأسل
٤ - ذكر الشيخ حمد الجاسر - علَّامة الجزيرة - في مجلة العرب (٢)، ما نصه عن هُتيم: "نجد أبو علي الهجري (٣) يذكر ممن نقل عنهم من أعراب الجزيرة في القرن الثالث وأول الرابع الهجريين، يذكر الهُتيمي وينسبه إلى بني عمرو بن كلاب، وبنو كلاب هؤلاء كانوا أقوى قبيلة تسيطر على وسط نجد، ولكننا الآن لا نجد أحدًا ينتسب إلى هذه القبيلة، فقد تفرَّقت فروعها واختلطت في قبائل عرفت بأسماء حديثة". (انتهى).
٥ - وذكر ابن حجر العسقلاني في القرن السادس للهجرة، أن عامر وطارق ابنا الهُتيم ابن عوف من عمرو بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، قتلهما الحنتف بن السجف الضبِّي (٤).
стр. 5301
٦ - وقال ابن ماكولا العِجلي: ابنا الهُتَيْم من بني عوف من عمرو بن كلاب من عامر ابن صعصعة (١).
٧ - وجاء في نهاية الأرب للنويري عن بني عوف من بني كلاب (٢).
عوف بن عمرو يُعرف بأبي عوف بن عمرو بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن.
وذكر الآمدي: أن هُتيم من بني عوف بن عمرو بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.
وفي جمهرة أنساب العرب لابن حزم الأندلسي: أن بني عوف بن معاوية بن بكر ابن هوازن، وبنوه يُسمَون (الوقعة)، دخلوا في بني عمرو بن كلاب من عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن.
وقال في الحاشية: الوقعة يالتحريك، كما في الاشتقاق ص ١٧٧، والقاموس (وقع) (٣).
وأنشد في المعارف ص ٢٩:
يا أخت دحوة بل يا أخت أخوتهم … من عامر أومن سَلُول أو من الوقعة
قلت: وجاء في عدة مراجع من كتب الأنساب: أن بني عوف سُموا بالوقعة لوقوعهم مع بني عمرو بن كلاب من عامر بن صعصعة.
وسواء أكان بنو هُتيم من بني عوف من صُلب عمرو بن كلاب أم من صُلبِ معاوبة بن بكر - مباشرة -، فهم في النهاية من هوازن بن منصور من قيس عيلان - لا خلاف على ذلك.
٨ - وذكر الزمخشري يروي في كتابه الجبال والمياه (٤) لشاعر هُتيمي هذا البيت:
أما قد عدا عن ركبه ولد رافع … وعن نملي والبرتين منيف
стр. 5302
ونجد مؤرخي المدينة المنورة عندما يحددون جبل ثور ينفلون عن رجل من هُتيم تحديده، ويصفون هُتيمَا بمعرفتهم بالمواقع.
٩ - وذكر صاحب إمتاع السامر (١) نبذة عن هُتَيم قائلًا:
هُتيْم قبيلة عربية عدنانية تنتمي إلى هُتيم بن عُقيل (٢) من عمرو بن كلاب بن ربيعة ابن عامر بن صعصعة، وكانت هذه القبيلة تقيم في الخرمة وما بين رنية وبيشة، وفي دخول القرامطة بلدة بيشة عام ٤٢٠ هـ انضمت إلى جيش القرامطة، وكان الدليل للجيش القرمطي نحو بلاد قحطان وشهران من بني هُتيم هؤلاء، وقد توجه الجيش إلى بلاد عسير، فالتقى بهم أميرها في بلدة مهرة فهزمهم، وأمر باسر بني هُتيم؛ إذ قبض على أكثر من ألفي رجل فجرَّدهم من سلاحهم ولباسهم وخيلهم، وألبسهم ملابس سوداء تشهيرًا بهم (٣)، وألزمهم بعدم ركوب الخيل والإبل وأبدلهم عنها بالحمير، وأوكل بهم بني الخلا بن هاجر بن شريف بن جنب بن سعد العشيرة من قحطان. (انتهى النص).
стр. 5303
التحليل التاريخي عن بني هتيم واشتراكهم مع القرامطة في غزو عسير
قلت: بتحليل ما ورد في نص إمتاع السامر، نجد أن صاحبه قد أضاف شيئًا هاما ومفيدًا عن عرب هُتيم، ألا وهو استمرارهم في مؤازرة القرامطة حتى آخر عهدهم، خلاف غيرهم من فروع بني كلاب وسائر بني عامر بن صعصعة؛ الذين أداروا ظهرهم مبكرًا للقرامطة، وقد انتقلوا إلى الديار المصرية في كنف الخلافة الفاطمية قبل نهاية القرن الرابع للهجرة، وعلى رأسهم بني هلال بن عامر، وبعض بني عُقيل بن كعب ومن اجتمع إليهم من جُشَم وعليا هَوَازِن، وغالب أبناء عمومتهم من قبائل بني سُلَيْم، وغيرهم من غَطَفَان أو فَهْم وعُدْوان من قيس عيلان.
وقول صاحب إمتاع السامر أن هُتيمًا كانوا في مقدمة الجيوش القرمطية، انطلاقًا من الخرمة وما صاقبها من البلاد، وذلك عند توجها إلى منطقة عسير عام ٤٢٠ هـ، يؤكد أن هذا البطن الكلابي من عربان بني عامر بقي في ديارهم القديمة المعروفة منذ الجاهلية (١)، كما يوضح أن هُتيمًا حتى هذا الوقت كانت لهم صولة وشوكة في الجزيرة العربية.
وتجدر الإشارة إلى عدد الأسرى وكونهم ألفين من الجيش القرمطي، وهل جميعهم من بني هُتيم، أم من عموم جيش القرامطة؟
فإذا كانوا جميعًا من هُتيم، فلا بد أن يكون بنو هُتيم في هذا الوقت قبيلة كثيرة العدد؛ كيف لا؟ وعدد المأسورين منها في تلك الوقعة ألفين رجل من حملة السلاح. أما إذا كان الأسرى من عموم جيش القرامطة - وهو الأرجح - فلماذا أطلق عليهم أمير عسير من قِبَل الخلافة العباسية - حينئذ - وذكرهم بهُتيم وبينهم عساكر وفرسان لا يمتُّون إلى بني هُتيم الكلابيين بصلة نسب؟!
стр. 5304
وأقول غير جازم أن أمير عسير عام ٤٢٠ هـ وهو محمد بن عبد الله بن سعيد بن هشام - وصف عموم جيوش القرامطة بعد تلك الوقعة ب (هُتيم) تنكيلًا ببني هُتيم الكلابيين؛ الذين قادوا جيش ابن قرمط باتجاه عسير في عام ٤٢٠ هـ، وهكذا كان.
ومنذ ذلك العهد، أصبحت كلمة هُتيم مرادفة لكلمة قرامطة، وسواء قيل قرمطي أو قيل هُتيمي - وقتئذ - فالمعنى صار واحدًا عند العوام.
وكما هو معروف أن نفور العرب من القرامطة راجع إلى سفكهم لدماء المسلمين في الحرم عدة مرات، وقيامهم بسرقة الحجر الأسود من جوف الكعبة، ونقله إلى دولتهم في بلاد هجر والإحساء (١)، وقد جعلوا لهم كعبة مُصطنعة في هذه الديار بشرق الجزيرة العربية لمدة اثنين وعشرين عامًا، وصار المسلمون من حجاج بيت الله الحرام - كل هذه المدة - يطوفون بالكعبة دون وجود الحجر الأسود في جوفها!.
وهذا الحدث يُعدُّ في عهد الخلافة العباسية أكبر فتنة للمسلمين، ومن ثم دليل على تمزُّق كيان الأمة العربية - حينئذ - بعد أن عجز الخليفة العباسي في بغداد عن حماية أقدس مقدسات المسلمين من هؤلاء الرافضة الذين عبثوا بها.
وقد بذل بجكم نائب بغداد خمسين ألف دينار للقرامطة كي يردوا الحجر الأسود إلى قراره في الكعبة المشرَّفة، فأبوا، وظل الحجر في بلاد الإحساء طيلة هذه المدة، حتى أعادوه بلا مقابل عام ٣٣٩ هـ إلى مكة المكرمة، وقالوا: أخذناه بأمر الله ونعيده بأمر الله! (٢).
ويظهر لنا ارتباط قبيلة هُتيم بهؤلاء القرامطة حتى قرب نهايتهم واندحارهم في الجزيرة العربية بعد غزو عسير بعقود قليلة، وقد كان وجود هُتيم على الساحة جنبًا إلى جنب مع ابن قرمط في غزو إقليم عسير حتى نهاية العقد الثاني من القرن الخامس الهجري، وهذا على العكس من بقية فروع بني كلاب - أخوة هُتيم - ومن سائر بني عامر من هوازن، أو من بني سُلَيْم، فنرى أن هذه القبائل القيسية كانت لا تؤيد مذهب الرافضة، بل كانت تحارب إلى جانب القرامطة لمجرد النكاية بالعباسيين في بغداد،
стр. 5305
والذين أحاطوا أنفسهم بجنود وبطانة كبيرة من العجم، سواء من التُرك أم الفُرس، وما فتئوا في إرسال تجريدات وحملات يقودها أتراك أشهرهم بغا الكبير، يحاصرون ويفتكون بهذه القبائل القيسية المتمردة ضد سياستهم القاسية مع قبائل العرب، وحرمان البلاد الحجازية والنجدية من الرعاية والعناية، وكان هؤلاء الخلفاء في بغداد يبررون حملاتهم ويحتجُّون بأن هذه القبائل البدوية تقطع طرق التجارة والمواصلات، وتهاجم الحجاج وتنهب المدينة النبوية .. إلخ، متناسين الأسباب والدوافع التي دفعت هؤلاء لهذا السلوك، وهي الفاقة والفقر والحرمان التي تتجرعه في ظل الخلافة العباسية، التي كانت تملك كنوز الشرق والغرب، وقد كان الخلفاء والأمراء والوزراء من بني العباس وبطانتهم من العجم في النعيم المقيم في بلاد الرافدين وغيرها من الأمصار الإسلامية.
وهكذا نهج العباسيون مع قبائل قيس عيلان، وفي المقابل كان نهج مضاد يتميز بالعنف والكراهية والمقت - لأن الضغط يولد الانفجار - وفي النهاية بعد العداء المستحكم بين السلطة والرعية، وبعد الويل والثبور طُردت أغلب قبائل قيس من شبه الجزيرة العربية، وأقول ذلك لأنها غادرت بلادها مُرغمة مقهورة، وقد استُقطبت من قبل خلافة أخرى في إفريقيا هي الخلافة الفاطمية، والتي لم ترتح هيَّ الأخرى لهذه القبائل، فدُبرت لهم حيلة على يد وزير المستنصر الفاطمي المُسمى اليازوري، لإرسالهم لمقاتلة ملوك البربر من صنهاجة وزناتة، الذين انشقوا عن الفاطميين في القاهرة ورفعوا راية العباسيين في بغداد، وهكذا كان في عام ٤٤٢ هـ وقد اقتحموا بجحافلهم بلاد المغرب وكسروا ملوك البربر، وتغلَّبوا على ضواحي إفريقيا، وانتهى بهم المطاف إلى أن يتوطنوا تلك البلاد، وينجوا بأنفسهم من خسف الخلافتين العباسية والفاطمية، وكليهما لم يستمرا طويلًا، فكانت نهاية الأولى مُفزعة وقاسية على يد التتار (المغول) عام ٦٥٦ هـ، ولا يخفى على أحد الفظائع التي اُرتكبت ضد آل العباس ورعيتهم وتدمير مُلكهم. أما الخلافة الفاطمية فكانت هي الأخرى قد بدأت في الانحطاط بعد نزول هذه القبائل لمصر بفترة وجيزة، ثم انقرضت عام ٥٦٧ هـ وتولى بعدها بنو أيوب "الأكراد" وتملكوا البلاد، فكانت بداية أليمة لخروج الحُكم والسلطان من العرب على المسلمين، وقد سلمتهما امرأة من بقاياهم في آخر عهدهم بمصر وهيَّ (شجر الدر) إلى المماليك، وذلك في عام ٦٥٢ هـ فأصبح هؤلاء الرقيق من الشراكسة والتركمان سادة وحكام على أمة العرب والإسلام!
ولا يخفى على أحد تاريخ هؤلاء المماليك المشهورين بالغدر وسفك الدماء مع
стр. 5306
الشعوب العربية، وخاصة مع قبائل العرب في مصر والشام على مدى ثلاثة قرون قاتمة بالظلم حالكة بالبطش والقهر. وقد انتهى حكم هؤلاء الطغاة باحتلال الأتراك العثمانيين الغاشم للبلاد العربية عام ٩٢٣ هـ ذلك الاستعمار الطويل الذي جثم على صدر الأمة قرابة أربعة قرون، وسعى جاهدًا في طمس تاريخ ومجد العرب، وحوَّلهم إلى جثة هامدة لا حول لهم ولا قوة، وفي نهاية الأمر وجدهم الاستعمار الأوروبي الصليبي البغيض لقمة سائغة، فزحف بجيوشه الجرارة ووسائطه القتالية المتقدمة وأسلحته العصرية الفتَّاكة، وقد سفك دماءهم ونهب خيراتهم بلا شفقة أو رحمة، وظل هذا الاستعمار مُتسلطًا على مقدرات الأمة سنوات طويلة، وتقاعس الأتراك الذين يدينون بالإسلام - والإسلام بريء من أفعالهم وخزاياهم - عن مناصرة العرب، وتركوهم في ساحة الجهاد وحدهم، بإمكانياتهم المحدودة وأسلحتهم المتواضعة، حتى نالوا استقلالهم وحريتهم وعزتهم، بدماء عدة ملايين من الشهداء الأبرار. وخذل الله هؤلاء الأتراك وانتهت إمبراطوريتهم العثمانية الشاسعة، وسقطت خلافتهم على المسلمين إلى الأبد - فلكل ظالم نهاية -.
وما هدفت هنا أيها القارئ العربي العزيز من إبراز هذه اللمحة المبسَّطة، إلا لتبيان فداحة كارثة تاريخ أمتنا المجيدة، وأفول نجم العرب مئات من السنين، والسبب الأول كان من البداية كامنًا في سياسة البطش والعنف من آل العباس بقبائل الجزيرة العربية (١) - العمود الفقري للأمة كلها - وعلى رأسها قبائل قيس عيلان المُضَرية، التي سعت الخلافة العباسية في بغداد إلى إضعافها وحصارها وتشتيتها في الأمصار الإسلامية.
وما قبيلة هُتيم التي مثِّل بها، وقد لحقتها المهانة والتشهير من أمير عسير، إلا الجزء اليسير من هذا الظلم وذلك القمع الذي لحق بهذه القبائل العزيزة، التي كان على كاهلها مع بقية قبائل الجزيرة العربية فتح البلاد شرقًا حتى حدود الصين، وغربًا حتى حدود فرنسا من بلاد الإفرنج، وهزيمة أكبر إمبراطوريتين في التاريخ هما إمبراطوريتي الفُرس والروم.
стр. 5307
ونعود إلى هذا الحي من قيس عيلان وهو هُتَيم الذي ناله ما ناله من الخسف وقد انفصم مبكرًا عن قبيلة بني كلاب (١) العامرية الهوازنية، تلك القبيلة التي كانت هولًا من الأهوال، وتذكر لنا المصادر التاريخية أنها من أفرس قبائل العرب، وأنجبت الكثير من صناديد الفرسان وخبراء الحرب في بني عامر، منذ عهد الجاهلية وحتى صدر الإسلام، وبلغ بها من العز والسؤدد أن ملكت بلاد اليمامة بوسط نجد، وأقامت دولة هناك، وأنشأت أيضًا دولة أخرى في بلاد حلب بسوريا من بلاد الشام - في عهد الدولة العباسية -.
وتاريخ كلاب وعموم قبائل بنو عامر بن صعصعة حافل ومجيد - لو عددناه - من مُلك بنو عُقَيْل في الإحساء - بلاد البحرين قديمًا - ومُلك خفاجة في العراق وكذلك المنتفتي، إلى تاريخ عرب الهلالية ومن تبعهم من بني عامر أو هوازن، لا يتسع المقام هنا لتعداده والتفصيل عنه؛ لأن الغرض هو إلقاء الضوء على بني هُتيم، وما جرى لهم من أحداث جسيمة، تختلف في مأساويتها عن مأساة قبائل قيس؛ والتي أصابها الشتات والشقاء في مهدها بجزيرة العرب، وانتقل بعضها إلى أطراف العراق والشام، وأغلبها نزح إلي الديار المصرية إلى شمال إفريقيا - بلاد المغرب العربي - كما تقدم.
وإن ما حدث لعرب هُتيم من قبَل حاكم عسير، ومن ثم جعلهم كبش الفداء، حيث مَثَل بهم أشنع تمثيل لم يسبقه إلَيه أحد من أمراء أو حكام الحرب والمسلمين، فقد خُيِّل إليه إنه قد شفى الغليل في صدر الخليفة العباسي القابع في بغداد، والذي كان موغرًا على بقية قبائل قيس التي لم تنزح عن خلافته، ولم تحذو حذو من نزح إلى مصر في سلطة الخلافة الفاطمية المنافسة له (٢)، وأصبح ما فعله هذا الأمير الظالم عِبرة لجميع
стр. 5308
من تُسوِّل له نفسه من بقية هذه القبائل القيسية المتمردة، التي جُبلت على الغزو والنهب والسلب وشَنَّ الغارات وزرع الفوضى وإثارة القلاقل في شبه الجزيرة العربية، إلى جانب ما لعبته من دور هام في مؤازرة القرامطة الذين أنشأوا دولة في شرق الجزيرة خارج سلطان الخلافة العباسية (١)، وقد كانت هذه القبائل الساعد القوي لهؤلاء الرافضة، الذين دأبوا في تمزيق كيان الدولة العباسية، ونشر الرعب والفزع في ربوع البلاد العربية، قرابة قرن ونصف قرن من الزمان.
وذاع الأمر في بلاد العرب عن هُتيم الكلابيين من بني عامر، وارتبط في وقتئذ في ذهن الجميع - خطأ - أن هُتيم هم القرامطة أهل الفساد في الأرض، وهم سُرَّاق الحجر الأسود من الكعبة المُشرَّفة، وهم قادة وأدلة وسيوف ابن قرمط المسلولة على رقاب العباد، وإلَّا لماذا حكم عليهم أمير عسير بكل قسوة بهذا الحكم الغريب والعجيب والخطير، من لبس الملابس السوداء وعدم ركوب الإبل والخيول واستبدالها بركوب الحمير حينًا من الدهر؟
وقد كان أثر هذا الحكم الجائر مريرًا على بني هُتيم، وأقول: جائر وشاذ وزره على هذا الأمير يوم القيامة؛ لأنه حطَّ من شأن عرب عدنانيين أقحاح - من ذرية نبي الله إسماعيل ﵇. وعن فعال هُتيم مع القرامطة في غزو عسير أو غيرها، فهم لم يفعلوا شيئًا أعظم عند الله ممن فعله قبلهم من العرب المسلمين، ومن عهد النبي ﷺ فقد تنبأ - أي ادعى النبوة - بعض الأشخاص كمُسَيلمة الحنفي في اليمامة والأسود العنسي في اليمن وطُليْحة الأسدي وسجاح التميمية في نجد، وقد تبعهم بعض القبائل والبطون العدنانية أو القحطانية فلم يأمر النبي ﷺ بمقاطعة هذه القبائل أو التشنيع عليها، ولما انتقل ﵊ إلى جوار ربه بقي هؤلاء واستفحل أمرهم بعد أن ارتدت معظم قبائل العرب عن الإسلام، وقد قاتلهم الصدِّيق ﵁ بكل جسارة وصدق إيمان، وقال قولته المشهورة: "والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه لرسول الله ﷺ ، لقاتلتهم عليه حتى يؤدونه بعد وفاته". وانطلقت جيوش المسلمين يقودهم سيف الله المسلول - خالد بن الوليد - وانقضوا على المرتدين وهزموهم
стр. 5309
شر هزيمة، وقُضي على هذه الفتن العظيمة … وهنا لم يُشنِّع الخليفة أبو بكر ﵁ بأي قبيلة أو عشيرة من هؤلاء المرتدين، رغم هذا الذنب العظيم الذي اُقترف من قبل هذه القبائل من حيث دخولها في مرحلة الكفر بدين الإسلام، وقد عفا عنها الصدِّيق بعد أن عادت لحظيرة الإيمان، حتى ذاك المتنبي طليحة الأسدي الذي نجا من الموت في عهده، وقد عاد إلى الفاروق عمر ﵁ تائبًا، فلم ينله غير التأنيب (١) في قتل الصحابي الجليل عكاشة بن محصن ﵁ أثناء حروب الرِّدة على قبيلتي أسد وغَطَفَان.
ثم تأتي الفتن على العرب المسلمين مرة أخرى كقطع الليل في مقتل الخليفة عثمان ابن عفان ﵁ من قبل المتآمرين بقيادة قبيلة بني تُجيب الكندية في مصر .. وهنا أيضًا بعد ثبوت هذه الجريمة الشنعاء على هذه القبيلة القحطانية، ورغم ذلك لم يُشنَّع بها مثل هُتيم؟ والذنب أفظع في قتل خليفة المسلمين الراشد عثمان ذي النورين، وما أدراك ما عثمان الذي تستحي منه الملائكة، واحد العشرة المُبَشَّرين بالجنة.
ثم كم وكم من الأحداث الجسام بين قبائل العرب في عهد الإسلام، وما وقع من فتن عظيمة بين الإمام علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه، ومن معه من قبائل العرب وهو إذ ذاك خليفة للمسلمين، وبين معاوية بن أبي سفيان المعارض له المدَّعي بحقه في الخلافة وريثًا لعثمان بن عفان الأموي ومناديًا بثأره.
وقد نشب أولًا القتال بين الإمام علي وبين قوات طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسرعان ما هُزمت من الإمام علي، وقد قُتل طلحة من جراء هذا القتال. أما المعارك بين الإمام علي وبين معاوية فكانت سِجال نظرًا لجيوش الشام التي كانت تحت إمرة معاوية وقتئذ، وقد انتهت الفتن بانتهاء هَذه الأحداث الرهيبة بمقتل الإمام علي بن أبي طالب ﵁ في العراق من قبل الخوارج، وقد نجا معاوية وعمرو بن العاص من القتل .. وهنا أيضًا لم يُشنَّع بهذه الفئة من العرب مثل ما صار لهُتيم، رغم الجُرم العظيم والرهيب من قتل خليفة المسلمين الراشد وصهر النبي الكريم ﷺ وابن عمه الذي نام في فراشه ليلة الهجرة مُعرِّضًا نفسه للخطر الداهم الذي يتربَّص بالنبي من كفار قريش .. علي الذي قال فيه النبي ﷺ . "أنا مدينة العلم وعلي بن أبي طالب بابها" وقيل أيضًا فيه: لا فتى إلا علي ولا سيف إلا ذو الفقار (سيف رسول الله ﷺ ).
стр. 5310
ثم يأتي العصر الأموي وما جرى فيه من مذابح عظيمة وسفك دماء غزيرة للمسلمين في بيت الله الحرام، ورمي الكعبة بالمنجنيق والنيران، وقتل عبد الله بن الزبير ابن العوام .... إلخ من الجرائم التي يندى لها الجبين من قبل العرب المسلمين، من هتك أعراض مئات الفتيات الأبكار في المدينة النبوية من قبل عساكر الأمويين، إلى قتل آلاف البشر من أمة العرب المسلمين على يد سفاحيهم في الحجاز والعراق مثل الحجاج الثقفي، وكانت أعظم جرائم الأمويين هي قتل الإمام الحسين ﵁ مع ستين من آل البيت (من بني عبد المطلب)، وخدش حياء نساء بيت النبوة وإهانتهن على أيدي بعض الأفراد من عدة قبائل، قد انجرفوا وراء اليزيد بن معاوية كي يُثبِّتوه في الخلافة، وقد نجحوا والثمن هو سفك دماء آل البيت على رأسهم سيد الشهداء الإمام الحسين ﵁ في كربلاء بأرض العراق .. وهنا لم يُشنِّع العرب بأي شخص أو عشيرة أو قبيلة شاركت في هذه المأساة المروِّعة المخزية والرهيبة والتي غضب لها عرش الرحمن. حقًّا وصدقًا فقد كان هؤلاء أولى بالتشنيع والمقاطعة من المجتمع العربي والإسلامي، وأين لفعال بني هُتيم وغزوهم لعسير من جريمة هؤلاء الطغاة الذين أسقطوا الشفاعة عن أنفسهم من رسول الله ﷺ يوم الحشر، وكيف أن تكون لهم شفاعة من نبيهم أو رحمة من مولاهم ، وقد آذوا نبيهم في أهل بيته وذريته الطاهرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وبعد سرد هذا المختصر من أحداث العرب في عهد الإسلام، وما كان فيها من فتن
وآثام قبل عهد القرامطة أو بالتحديد قبل ما وقع لهُتيم، أكرر ثانية وأقول: إذن بكل
تأكيد نعم فهذا الحكم الجائر على هذه القبيلة الهوازنية العريقة، وأصلها من خيرة مُضَر،
ومن أعظم قبائل العدنانية لا ريب في ذلك، ورغم شرف نسب عرب هُتيم وحسبهم بين العرب، إلا أن حُكم أمير عسير المذكور قد سبب لهم الازدراء من عموم قبائل العرب، فضَعُف حالهم وتفرقوا في الجزيرة العربية وخارجها، واختلطوا ببعض القبائل أو دخل بعضهم فيها وحسبوا منها بمرور الزمن. وأهم نتائج هذه الوقعة المؤلمة والظالمة علي بني هُتيم، أن امتنعت قبائل العرب عن مصاهرة هذا الحي، وقد فُرضت عليهم مقاطعة قاسية لا يرضاها الله على أي مسلم يقول: لا إله إلا الله، ولم يأمر بها المصطفى ﷺ كما يتوهَّم البعض؛ لأن بني هُتيم هؤلاء في زمن النبي كانوا مجرد عشيرة صغيرة من عمرو بن كلاب من بني عامر بن صعصعة (هوازن)، ولم يُذكر في التاريخ النبوي لابن هشام المعافري اليماني أو لابن إسحاق شيئًا يمس بني هُتيم من
стр. 5311
قريب أو من بعيد، وحتى بعض بطون العرب التي دعا عليها النبي ﷺ أو حاربها، لم تكن هُتيم منها إطلاقًا، وهذه البطون من قبائل العرب عندما دخلت في الإسلام عفا عنها ﷺ بل قرَّبها إليه.
وهنا لنا وقفة من موضوع المقاطعة مع هُتيم من قبائل العرب - أي امتناع هذه القبائل من مصاهرة بني هُتيم، سواء أخذ نسائهم أم تزويج رجالهم. فنقول: إن هذه المقاطعة الفريدة على عرب ومسلمين (؟!)، تشبه مقاطعة بني هاشم من قبيلة قريش وتحريضها لقبائل العرب في الجزيرة على ذلك بصفة عامة، وقد نفذوا هذه المقاطعة عدة سنوات بعهد مكتوب في صحيفة علَّقوها في جوف الكعبة، وكانت تنص على عدم مصاهرة هذا الحي - بنو هاشم - لا يُنكحونهم ولا يَنكحون منهم، إلى جانب عدم المتاجرة سواء بالبيع أم بالشراء مع أفراد هذا البطن من قريش، وأراد الله أن يظهر كرامته لنبيِّه محمد بن عبد الله الهاشمي ﷺ ، فأوحى إليه أن الله تعالى قد سلَّط الأرضة على الصحيفة، فأكلتها وأكلت كل ما فيها من قطيعة للرحم والقربي والظلم والجور علي بني هاشم والمسلمين، ولم يبق في الصحيفة سالمًا إلا (باسمك اللهم)، فلما تبيَّن الأمر لعقلاء قريش أخرجوا الصحيفة قهرًا عن أبي جهل وحزبه، وأنهوا تلك المقاطعة الظالمة، وسار المعاندون والمشركون بعد أن زادهم ذلك شرًّا وغيظًا إلى طريق آخر للكيد للرسول ﷺ والسعي إلى قتله - كما هو معروف - ويأبى الله إلا أن يظهر دينه وينصر نبيه، ويُبطل كيد الغادرين.
ولو نظرنا إلى هذه المقاطعة القاطعية علي بني هاشم - رهط النبي المختار ﷺ لوجدنا أنها أقوى من مقاطعة بني هُتيم؛ لأنها علي بني هاشم لا تتضمن عدم المصاهرة معهم فحسب، ولكنها تتضمن عدم المتاجرة والتي لو استمرت لكانت ستؤدي ببني هاشم إلى الموت جوعًا.
وهنا فهذه المقاطعة علي بني هاشم والتي قررتها قبيلة قريش عليهم ليست بسبب وضاعة في الأصل، كلا فبنو هاشم من أشرف وأوسط قريش نسبًا، كما أنها أيضًا ليست بسبب سوء الخصال أو فعل القبيح، كلا - وحاشا لله - أن يوصم الهاشميون بذلك، وقد شرَّفهم المولى واختارهم سبحانه من خيرة بني عدنان ومن قُرعة بني إسماعيل (من قريش) ليخرج المصطفى الهادي الأمين منهم ويُنسب إليهم.
стр. 5312
إذن فهذه المقاطعة إنما هي قائمة على أسباب تمس الدين والعقيدة التي أُرسل النبي ﷺ لتغييرها لأنها باطلة، ورغم هذا اعتبر كفار ومشركو قريش - وفتئذ - أن المساس بهذه العفيدة مصيبة كبرى وكارثة عظمى، وفعلوا من أجل التمسك بها الأفاعيل، وسلكوا كل درب كي يقضوا على دين الحق الذي جاء به النبي ﷺ ، ومن بين هذه الدروب التي سلكوها هي تلك القاطعة الظالمة مع بني هاشم. وكذلك أيضًا فمقاطعة القبائل العربية لقبيلة هُتيم من حيث عدم مصاهرتها - رغم عدم مشروعية هذه المقاطعة - فهي لأسباب دينية في الأصل، وذلك بسبب انجراف هذه القبيلة مع القرامطة حتى بعد تفرُّق معظم قبائل قيس عيلان عنهم في العقد الثامن من القرن الرابع للهجرة. والقرامطة أرادوا العبث بقبلة الإسلام وتجرأوا عليها؛ بأن انتزعوا الحجر الأسود من جوف الكعبة عنوة وقهرًا، وقد كانوا بذلك الجُرم العظيم في رأي جماعة المسلمين في جميع الأمصار، كفار متزندقين، منذ أن ظهروا بالفساد في بلاد الإحساء عام ٢٨٦ هـ (١)، وحتى انتهى أمرهم وقطع الله دابرهم من جزيرة العرب (٢).
стр. 5313
وألفت النظر هنا إلى نقطة هامة، وهي أن أهم شيء حينذاك قد ثبَّت هذه المقاطعة على قبيلة هُتيم أو نبذها في أوساط المجتمع القبائلي، هو وقوعهم في مأزق التمثيل والتشنيع فترة من الزمن، من لبس ملابس سوداء وركوب الحمير بدلًا من الإبل والخيول، فأصبحت هذه العقوبة العجيبة والفريدة حُجَّة عليهم من الناس في وقتها، واستمرت عبر الأجيال العربية متناقلة على علَّاتها، بل وقد صارت مع الوقت وبمضي الزمن هذه الكلمة أو هذا الاسم (هُتيم) يرمز إلى سُبَّة في الأصل ووضاعة في النسب. وهذا خطأ فادح وظلم كبير على هذا الحي من العرب، وخاصة على تلك الأجيال التي تناسلت من ذرية هُتيم بن عوف ولا ذنب لهم ولا جُرم، فإنما هي أُمة قد خَلَت، وكما أخبرنا دستورنا السماوي (القرآن الكريم): "أنه لا تزر وازوة وزر أخرى"؛ إذن فما ذنب الأجيال المؤمنة من بني هُتيم فيما اقترفه أجدادهم منذ ألف عام؟
стр. 5314
وهل أن بني هُتيم هم فقط الذين ساعدوا القرامطة في سرقة الحجر الأسود من جوف الكعبة، وقتل الحجاج في الحرم، ونشر الفتن والحروب وسفك الدماء بين المسلمين حينئذ؟ كلا، فقد ساعد القرامطة في ذلك قبائل عدة من قيس عيلان، أو غيرهم من القحطانية وخاصة في اليمن وعُمان، ولكن سوء الحظ، أو قَدَرهم أن جعلهم حاكم عسير عِبرة دون سواهم من القبائل وقتئذ، فأصبح اسمهم مبغوضًا عند العرب من جراء ما فُعلَ بهم.
وقد جاء في شعر ابن مقرب العبقيسي المتوفى عام ٦٢٩ هـ، وهو دليل على ما صار إليه حال عرب هتيم، لفترة ليست بالطويلة، من الضعف والاستكانة؛ يقول ابن مقرب:
فإن هُتيمًا لو حوت مال طيئ … هُتيم فلا يغررك طيف خيال
سترجع فيما عودت لحميرها … وتحريق أشنان وخصف نعال
قلت: ويعني ابن مقرب هنا في شعره بهذين البيتين: أن هُتيمًا بعد ضعفهم - قرابة قرنين من الزمان - قد دبَّت فيهم القوة، وهو يستكثر عليهم ذلك بقوله: فلا يغررك طيف خيال؛ أي هذا الأمر وهم وسراب يحسبه الظمآن ماء، ثم يُبشِّر لهم بالعودة إلى ما كانوا عليه مرة أخرى، بركوب الحمير وخصف النعال (١) ليُنقَّذ فيهم حُكم أمير عسير الغابر، والذي قصم ظهرهم عام ٤٢٠ هـ، بعد أن عربدوا مع القرامطة وسفكوا دماء العرب والمسلمين في طول الجزيرة العربية وعرضها، وحاولوا النَيْل من قبلة المسلمين في البيت الحرام.
ويُعلِّق الباحث السعودي المعاصر الشيخ أبو عبد الرحمن الظاهري عدى قول ابن مقرب السالف قائلًا (٢):
إن هُتيمًا كانت قبل عهد ابن مقرب لا تستنكف عن الحرف والأعمال التي تترفع عنها القبائل العريقة، ولعلَّها من أهم الأسباب التي وضعت هُتيم في أعين العرب الآخرين، فقد كان العرب يُعيِّرون سكان اليمن - رغم أنهم عرب قحطانيون أقحاح - بأنهم بين ناسج بُرد ودابغ جلد. (انتهى).
стр. 5315
قلت: ومن سياق هذا القول يتضح لنا أن نظرة العرب لهُتيم منذ ذلك العهد القرمطي بعد ضعفهم، ليس بسبب وضاعة أصولهم أو جهل أنسابهم، وهذا لا شك أنه مثبوت ومعروف في التواريخ القديمة، وبعضه أشعار مشهورة لفحول الشعراء، وقد أبرزنا بعض هذه النصوص سالفًا، والأرجح أن بني هُتيم قد احترفوا بعض الحرف التي لا تفعلها قبائل العدنانية، وهذه كانت فترة ضعف مروا بها قرابة قرنين، أما القبائل التي لم تتعرض لصفعة قوية من الحكام ولم يُشنَّع بها مثل ما فُعل بهُتيم، فقد ظلت عزيزة مُهابة في شبه الجزيرة العربية، حتى بعد أن شاخت وهرمت.
وأقولها كلمة صدق وحق، فمن جهة أصالة عرب هُتيم فهم أكثر صراحة في نسبهم من بعض قبائل العرب الآن، والتي نرى بعض أفراد هذه القبائل يزهو ويفتخر بأصله لقبيلة كذا أو كذا، ولو دققنا البحث لوجدنا هذه القبائل مُذبذبة بين قحطان أو عدنان، أو أنها غير مؤكدة الانتماء لكلاهما! (١).
وقد ضيَّع كثير من العرب أصولهم وأنسابهم لأسباب عدة من بينها الحُمق، - والحُمق داء ما له دواء - واعتبروا أي قبيلة لمجهل أصولها هي من هُتيم، وهذا خطأ جسيم. ونرى بعض الفبائل العربية تسخر من بعض القبائل العربية الأخرى وتُطلق عليها هُتيم أو هُتمان، جهلًا منها بمعنى هذه الكلمة، والتي هي في الحقيقة اسم عربي عادي، من قبيلة عدنانية مشهورة، وقد كان هُتيم أبًا لفارسين وبطلين سجلهما الشعر العربي في المعارك الشهيرة في التاريخ الجاهلي كما تقدم.
وعرب هُتيم هم في الحقيقة أكرم محتدًّا وأطيب أعراقًا وأصرح نسبًا، فقد خسئ ورب الكعبة من زعم أن هُتيما ما عندهم أصل، فهذا كله جهل ووهم باطل لا أساس له من الصحة.
ولا ندري كيف ومتى جُعلت كلمة (هُتيم) سُبَّة للأصل - وهم من أحسن العرب أصلًا -؟!
وهُتيم هو جدُّ هذه القبيلة، كانا ابناه فارسين مغوارين، يقودان بني كلاب وسائر
стр. 5316
بني عامر بن صعصعة كلها في الحرب والطعان ضد القبائل، حتى قتلتهما بنو ضبَّة في يوم دارة مأسل، وقد هُزمت كلاب بعد قتلهما.
وإن ما قرن هُتيم أو غيرها من القبائل، بعدم الأصل أو وضاعة النسب، فليتبوأنَّ مقعده من النار، وهذه الفرية اختلقها ودسَّها بالباطل الشيطان للحكام في عهد الدولة العباسية، وأصبح اسم هُتيم فيما بعد سلاحًا في أيدي الحُكَّام، فيما بعد دولة بني العباس من مماليك وشراكسة وأتراك لا يمتون للعروبة في شيء، وهكذا كانت بالباطل هذه الكلمة سُبَّة للأصل، شائعة عند قبائل العرب في شبه الجزيرة العربية وخارجها، يطعنون بها في أحسابهم، ويغمزون بعضهم البعض في أنسابهم، كما أصبح يضرب بعضهم رقاب بعض، وقد عادوا للجاهلية الأولى، وبدعوا الضلالات، وروجوا الإشاعات.
وقال نبينا الكريم عليه أفضل الصلوات والتسليم: "كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار". صدق رسول الله ﷺ ، ونعوذ بالله من الجحيم.
وكل ما حدث ويحدث بين العرب من طعن في الأنساب بدون حق، ومن إراقة الدماء ونهب الأموال، قد فكك أوصال الأمة، وآل بها إلى الضعف والهوان بين الأمم والشعوب، وأصبحنا لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وكما أخبرنا رسولنا الهادي الأمين، عن أمتنا في آخر الزمان بعد تركها الحبل المتين من التمسك بالشرع والدين؛ قال ﷺ : "ستصبحون غثاءً كغثاء السيل، قالوا: عن قلة يا رسول الله، قال: لا، بل عن كثرة حينئذ" صدق رسول الله ﵊.
كيف لا؟ ونحن نقر ونؤمن بأشياء ما أنزل الله بها من سلطان وأنزل علينا قرآنًا وأعطانا آيات كريمة تُحذِّرنا. حيث قال تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ (٢).
وقال تعالى أيضًا: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ (٣) صدق الله العظيم.
وقال رسولنا الكريم ﷺ : "المسلم أخو المسلم، ماله ودمه وعرضه حرام عليه".
стр. 5317
مقدمات العلامة حمد الجاسر في دحض إجماع العوام (١)
ذكر الشيخ حمد الجاسر علَّامة الجزيرة العربية مقدمات ثلاث في قبيلة باهلة المفترى عليها، تلك القبيلة التي تعرضت ظُلمًا إلى الذم والطعن منذ الجاهلية؛ أي قبل قبيلة هُتيم والتي طُعنت بعد عام ٤٢٠ هـ - في عهد الدولة العباسية.
قال الجاسر - جزاه الله خيرًا - مدافعًا عن الحق وعن قبيلة عربية عدنانية أصيلة، هي قبيلة ياهلة القيسية، والئي وقعت فريسة لدعاوي باطلة، تطعنها في عاداتها وأصولها، لأسباب واهية ليس لها أساس من الصحة؛ لأن الصالح والطالح وارد في كل قبيلة، بل في كل أسرة. ومقدمات الجاسر في هذا الشأن تنطبق على باهلة أو هُتيم، أو غيرهما من القبائل العربية، التي تعرَضت للطعن قديمًا أو حديثًا، وهي كالتالي:
١ - إن الحق لا يدور دائمًا في جانب كثرة الخلق، فقد قال الله جل وعلا ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ (٢) قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٣).
وحكى عن خليله إبراهيم ﵇ أنه قال في حق الأصنام:
﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ (٤).
وما الاقتداء بالكثرة في البحث عن تمييز الأمور، ومحاولة إدراك حقائق الأشياء سوى تعطيل لأعظم ما أنعم الله به على الإنسان، وهو عقله الذي به يتضح الحق من الباطل، ويُميز النافع من الضار، وما تعطيل العقل سوى إهدار لكرامة الإنسان الذي فضَّله على سائر الحيوان ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَو يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ﴾ (٥).
وأسوأ وصمة يوصم بها المرء أن يدعى (إمعة)؛ أي مع الناس يتيعهم حيثما اتجهوا وفي الأثر: (اغد عالمًا أو متعلمًا، ولا تكن إمعة) (٦)
стр. 5318
٢ - إن صفات المدح والذم الخُلُقية صفات طارئة على المرء تحدث بفعله هو، أو بما تهيئه له الطبيعة التي أوجده الله عليها، من قوة أو ضعف، قدرة أو عجز، فهي صفات مكتسبة بالنسبة له، وليست ملازمة له، أو طبيعة فيه، ومن هنا فإن إضافتها إليه تنوقف على اتصافه بها متى ثبت ذلك، وعلى هذا يتضح أن من الخطأ وصف امرئ - بل هي جماعة لا ينحصر عددها - أي صفة من الصفات مدحًا أو قدحًا بدون ثبوت الاتصاف بها.
٣ - أليس من أظلم الظلم أن تصم مجموعة من البشر لا يحصون كثرة، طيلة عشرة قرون من الزمن (١) بوصمة من وصمات السوء كالخسة أو الحقارة (٢) بدون تثبت أو اطمئنان عن يقين باتصافهم كلهم بها، فضلًا عن عدم ثبوت اتصاف واحد منهم بتلك الوصمة. وقال تعالى يُحذِّرنا:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ (٣).
صدق الله العظيم. (انتهى).
وفي ص ١٧ قال حمد الجاسر في مقدمته عن كتاب باهلة القبيلة المُفترى عليها تحت عنوان: ماذا عن اختصاص قبيلة باهلة بهذا المؤلَف (الكتاب).
قلت: وقبل ذكر كلام الجاسر، أقول هنا: إن هذه السطور التي كتبها العلَّامة الفاضل، تصلح لأن تكون ناقوسًا يدق ليوقظ الأذهان لأبناء القبائل العربية، أن يكفُّوا عن طعن بعضهم البعض، سواء في أنسابهم أم أفعالهم، ولا أقصد هنا بالذات قبيلة باهلة أو قبيلة هُتيم فقط، ولكن هناك قبائل عديدة تتعرض للطعن والظلم غيرهما في العصور المتأخرة.
حقا، هذا جُرم عظيم [في أمة لا إله إلا الله محمد رسول الله]، أمة كرَّمها المولى وقال عنها تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
فيجب أن نقلع عن هذا الظلم، ونرفع من بيننا الغبن، قبل أن نقف بين يدي عزيز
стр. 5319
جبار حرَّم على نفسه الظلم، حيث قال ما معناه في حديث قدسي، قال تعالى: "وعزتي وجلالي لقد حرَّمتُ الظلم على نفسي، لأسألن الحجر لما خدش الحجر"!
فيا ويلتاه من غضب الله .. كيف بنا نحن وإلى أين نذهب بأعمالنا؟ والقوي المتين سيجمع الأولين والآخرين من الثَقَلين (الإنس والجن)، حتى الحيوانات والحشرات والنبات والجماد، ليقضي فيهم بالعدل ثم يقول لهم سبحانه: كونوا ترابًا، ليبقى الإنس والجان أمام الملك الديَّان، فإما إلى جنة رضوان في النعيم المقيم، وإما إلى الجحيم، نعوذ بالله وسائر المؤمنين منها - إن شاء الله تعالى - ونستشفع برسولنا الأمين محمد ﷺ .
ونعود إلى الجاسر حيث قال:
كانت الأدواء - ولازالت - تنخر في كيان الأمة حتى كادت تُمزِّق أقوى وشائج القربى بين فروعها، وتسبب التباعد بين تلك الفروع، بإيجاد مختلف وسائل التنفير بينها، واختلاق الصفات التي تُحدث التنافر والكراهية، حتى أوشكت أن تفصل قبائل كانت من الشهرة والبروز معدودة في القمة، ومشهودًا لها كغيرها من القبائل الأخرى - بسمات المجد والشرف، والتحلي بجليل الخلال، فتبعدها عن منبتها الأصيل في عنصر تلك الأمة الكريمة، بما تُلصق بها من أوصاف سيئة، وبما تنعتها به من نعوت السوء والفساد، ظلمًا وعدوانًا - في أول الأمر - ثم تقليدًا أعمى وسيرًا على طريقة ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ (١) فكان نصيب تلك القبيلة من ذلك - يقصد باهلة وبالطبع مثلها هُتيم - وأضاف: لعلَّ من أهم ما ينبغي أن يتوخاه الباحث في أي علم من العلوم إدراك حقائق وأهمها: الغاية من ذلك العلم، وعلى أي أساس من أسس المعرفة قام، وما هو أثره في حياة الجتمع؟
والنظرة الصحيحة إلى علم النسب توضح أن الغاية منه البحث عن الروابط القوية بين الشعوب والأسر، وذوي القرابة، لينشأ التعارف الموجب للتواصل والتقارب اللذين بهما تقوم حياة المجتمع على أسس قوية من المحبة والأخوة كما في الآية الكريمة:
﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (٢).
стр. 5320
وفي الأثر: "تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم"، فالتواصل هو أسمى الغايات من معرفة الأنساب، ومتى انتفت تلك الغاية السامية التي أساسها التعارف والتآخي، زالت الفائدة من ذلك العلم، بل أصبح الاشتغال به من الأمور التي قد تصرف عما هو خير منه، هذا إذا لم يصبح الاهتمام به ضارًا، وذلك عندما يُتخذ وسيلة للتباهي وللتفاخر، بتفضيل شعب على آخر، أو قبيلة على غيرها؛ إذ التفاضل الصحيح ما كان قائمًا إلَّا على الأعمال النافعة كما في الحديث النبوي: "إن الله قد أذهب عنكم عُبية الجاهلية وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن تقي أو فاجر شقي، أنتم بنو آدم، وآدم من تراب، ليدَّعنَّ رجال فخرهم بأقوام، إنما هم فحم من فحم جهنم، وليكونن أهون على الله من الجُعلان التي تدفع بأنفها النتن" (١).
ذلك أن أصل بني الإنسان عربهم وعجمهم واحد، ولا فضل لعربي على عجمي إلا بالعمل الصالح وتقوى الله .
ومن هنا يتضح أن مجرد الانتساب لأية قبيلة أو شعب، مهما بلغت تلك القبيلة أو ذلك الشعب من سمو المنزلة، لا يجدي شيئًا.
وأمر آخر فعلم النسب من العلوم التي تتوارثها الأجيال، وليس من العلوم القائمة على أسس عقلية تُدرك بالتعمق في البحث، بحيث يتبين صحيحها من زيفها، ولا شك أن ما تتناقله الشعوب من موروث تراثها ليس قائمًا على حقائق علمية ثابتة، فكل نقل عُرضة لحدوث الخطأ فيه، وكل خبر يحتمل الصدق أو الكذب لذاته، ولا يمكن الجزم بصحته ما لم تكن هناك قرائن تُوجب ذلك الجزم، مما هو ثابت بوحي من الله ، أو مما صحت نسبته إلى أحد أنبيائه عليهم الصلاة والسلام.
ولقد كان - ولا يزال - من أهم ما اتجه إليه حينما أتحدث عن الأنساب، البحث عن الوسائل التي تقوي ما بين القبائل العربية من روابط، ومحاولة إثبات أمر لا يختلف فيه من عُني بالبحث في علم الأنساب، وهو أن جميع سكان هذه الجزيرة العربية تقوم
стр. 5321
أنسابهم على درجة من الصحة والصراحة، تُعدُّ هي الأساس عند البحث في نسب أية قبيلة؛ إذ هذه البلاد هي مهد العرب منذ أن عُرف لها تاريخ، ولو فُرض أن قبيلة في هذه الجزيرة أصبحت مجهولة النسب الآن، فليس معنى هذا أنها ليست عربية ذات أصل صحيح، فالقاعدة ثبوت ذلك الأصل، وأن ما طرأ هو الجهل به، والجهل لا يصح أن يُتخذ أساسًا لإثبات الحقائق، بل ينبغي إزالة غشاوة ذلك الجهل ليتضح نسب تلك القبيلة المجهولة. (انتهى قول الجاسر).
стр. 5322
بعض نصوص المؤرخين عن هُتَيْم واشتراكهم في الوقائع العربية بين القبائل
ذكر عدة مؤرخين في بلاد نجد بالمملكة العربية السعودية" هُتيم" وذلك بعد عام ٩٠٠ هـ منهم ابن بسَّام التميمي والعصامي والفاخري وابن بشر.
(١) ما قاله ابن بسَّام في تحفة المشتاق:
- في عام ٩٠٠ هـ غزا أجود بن زامل من الإحساء بجنود كثيرة من الحاضرة والبادية، وصبَّح بوادي زعب وهُتيم على ثاج (١)، وغنم منهم شيئًا كثيرًا، وقتل عدة رجال من الفريقين، ثم توجه إلى نجد، وصبح الدواسر على الرويضة وأخذهم وقتل منهم عدة رجال.
- وفي عام ٩٥٣ هـ أخذوا هُتيم وزعب وسُبيع قوافل عَنَزة على اللصافة (٢)، وكانوا "أي عنزة" قد اكتالوا من البصرة.
- وفي عام ١٠٠٥ هـ مناخ الكهَفة بين عَنَزة والظفير، حيث تناوخوا عَنَزة والظفير على الكَهَفة، واستمر ذلك المناخ أكثر من عشرة أيام، وكان مع الظفير بنو حسين، ومع عَنَزة صقر بن منَّاع وأتباعه من هُتيم، وصارت الدائرة على الظفير وأتباعهم بعد قتال شديد، وغنم عَنَزة ومن معهم أغنام الظفير وما ثقل من بيوتهم وأمتعتهم. (انتهى).
والكَهَفة موضع بين القصيم وجبل طيئ، وهي الآن بلدة عامرة تقع على يسار طريق القصيم - حائل المتجه إلى مدينة حائل.
(٢) وما قاله العصامي في تاريخه:
- في ١٠٨٠ هـ وقعة الشريف حمود بن عبد الله بن حسن مع الظفير، وكان قبلها عدة وقعات، وقعة مع عَنَزة، ووقعة مع بني حسين، ووقعة هُتيم، ووقعة مُطير وغيرهم. (اشْهى).
стр. 5323
(٣) وقال الفاخري في تاريخه:
- عام ١١٥ هـ اشتد الغلاء وذهبوا هُتيم - أي هلكوا - وبعض أعراب الحجاز. وقحط هذه السنة هو امتداد لقحط السنة ما قبلها والتي قال عنها الفاخري: هي أول سمدان القحط والغلاء الذي سَمَد - أي هلك - فيه أهل الحجاز وكثير من العربان. (انتهى).
(٤) وفي عنوان المجد في تاريخ نجد قال ابن بشر التالي:
- في عام ١٢١٨ هـ ( .. وكان ما يُحمل إلى الدرعية في زمنه (١) وزمن ابنه سعود من الأموال والزكوات والأخماس وغير ذلك من السلاح والخيل العتاق والإبل من غير ما يُفرَّق على أهل النواحي والبلدان، وضعفاؤهم وضعفاء البوادي لا يحصيه العد، وأخبرني أحمد بن محمد المدلجي - رحمه الله تعالى - قال: كنت كاتبًا لعمال علوى من مُطير مرة في زمن عبد العزيز فكان ما حصل منهم من الزكاة في سنة واحدة إحدى عشر ألف ريال، وقال: وكان عمال برية من مُطير رئيسهم عبد الرحمن بن مشاري بن سعود، فكان ما جبى منهم اثني عشر ألف ريال، ومن هُتيم سبعة آلاف ريال، فكانت زكاة مُطير ومن تبعهم في تلك السنة ثلاثين ألف ريال، وكان عنزة أهل الشام وبوادي خيبر، وبوادي الحويطات المعروفات، ومن في نجد من عَنَزة يبعث إليهم عوامل كثيرة ويأتون منهم بأموال كثيرة عظيمة.
- وفي عام ١٢٤٣ هـ وفيها سار الإمام تركي بن عبد الله آل سعود ﵀ بالمسلمين من الروج والعارض والفرع وسدير وغيرهم وقصد ناحية الوشم، وأغار على عربان من هُتيم وغيرهم مع رئيسهم ابن مرِّوح، هم وفي الفروع المعروفة فنازلهم وحصل بيتهم مناوشة قتال، قُتل منهم عدة رجال، وأخذ المسلمون كثيرًا من أغنامهم وأثاثهم، وقُتل من المسلمين رجلين من أهل سدير، ثم رحل ونزل بلد القراين وكان عربان الدواسر في تلك الأرض، فنازلهم وأراد أخذهم، فطلبوا منه العفو، فعفا عنهم
стр. 5324
وأخذ منهم زكاة لهذه السنة وزكاة العام الفائتة، وأخذ منهم النكال على كل إبل ناقة، ثم قفل راجعًا إلى وطنه، وأذن لأهل النواحي بالقفول، وفي هذه السنة أيضًا غزا من الرياض وأغار على آل حسن من الدواسر وهم في أرض الخرج فأخذهم، وأغار على عرب من قحطان عند الخرج.
تفرُّق وتشتت بنو هُتيْم في الجزيرة العربية وخارجها
بعد السرد التاريخي الذي تقدم في إثبات عراقة وصراحة نسب عرب هُتيم إلى العدنانية من بني كلاب من عامر بن صعصعة من هوازن من قيس عيلان من مضر، يجدر بنا أن نؤكد أن هذه القبيلة الكلابية بعد أن ضعفت وتعرضت للجور والحيف من حاكم وأمير عسير - من أمراء الدولة العباسية - عام ٤٢٠ هـ، تفرقت من بلادها الأصلية في الخرمة ونواحي رنية وما صاقبها من البلاد إلى بعض جهات عسير واليمن والشام ومصر، وبعض فروعها دخل يحتمي بقبائل قوية في الجزيرة العربية وحسب منها بمرور الزمن.
وقد ادعى بعض الكُتَّاب والنسابين في العصور المتأخرة أن بعض قبائل من قيس عيلان المُضَرية أو قبائل من كلب القُضَاعية أو غيرها من القحطانية أنها من بني هُتيم بن عوف - خطأ -.
ووهم من ظن ذلك في بعض القبائل المعروفة المنشأ؛ لأن الظن لا يغني من الحق شيئًا، وإن الله حق لا يستحيي من الحق.
حقا، فقد ضعفت بنو كلب في ديارها بعد هجرة الغالبية العظمى منها إلى بلاد الأناضول وصقلية ومصر وبلاد المغرب العربي، وذلك بسبب العداء المستحكم بينها وبين العباسيين؛ لأن هذه القبيلة العتيدة كانت الساعد الأول في قوة الأمويين أعدائهم، مما أدى بهذه القبيلة أن تكون عرضة للنفور والازدراء بعد ذمها ووصفها بالشذوذ والخيانة من قبل الخلفاء العباسيين، مما كان له أكبر الأثر على طوائف المجتمع القبائلي، بعد أن دُس في الأذهان بالباطل عن هذه القبيلة العريقة؛ الإشاعات المغرضة التي تتهمها بسوء الفعال تارة وتطعن في أصولها تارة أخرى، وقد نتج عن ذلك كله أن ضُربت على بقايا كلب مقاطعة جائرة واعتُبرت من هُتيم ظُلمًا.
стр. 5325
وشتَّان بين هُتيم بن عوف الكلابي العدناني، وبين الشراري الكلبي القُضاعي! وقبيلة الشرارات من بني كلب هي قبيلة عريقة وكريمة، وهي جزء عزيز من أمتنا العربية المجيدة.
وقد ظلت بقايا قليلة من أعراب كلب في ديارها المعروفة في بلاد الجوف ووادي السرحان بمشارف الشام بأقصى شمال الجزيرة العربية - المملكة العربية السعودية - ولم تندثر، ورجح المحققون أن اسم كلب قد تغير إلى الشرارات بعد أن نزحت الكثرة الكاثرة من هذه القبيلة الضخمة في عهد الخلفاء العباسيين على مراحل زمنية، وقد استمر إلى نهاية القرن السابع الهجري.
كما يؤكد محققو ونسابو الشرارات أن هذا الاسم مأخوذ من شرار بن سلمان بن هلال بن مكلب، وكان أحد أجدادهم ومن الرجالات البارزين في كلب بن وبرة.
ولنا هنا وقفة لنؤكد تشتت بني هُتيم بن عوف من بني كلاب وتفرقهم في بلاد العرب ودخول البعض منهم في قبائل عدنانية وقحطانية مشهورة، ودحض دعوى هؤلاء النسابين والمؤرخين الذين ذكروا في مصنفاتهم بإسناد ركيك وخاطئ من النقل عن بعض العوام الجهلاء من أعراب الجزيرة العربية وغيرها من الحاقدين على بعض قبائل قيس عيلان ومثلها كلب لما جرى معها من حروب وضغائن قديمة معروفة في التواريخ يطول سردها.
وللأسف لم يؤكد مؤرخ حتى الآن الحقيقة عن نسب هُتيم الحقيقي لبني كلاب كما تقدم من وجود نصوص صريحة وقديمة تؤكد ذلك النسب الدي لا ريب فيه، وأقول، إن هذا دليل واضح على خطأ جسيم وقع فيه هؤلاء المؤرخين والنسابين؛ لادعائهم على قبائل عديدة بأنها من هُتيم بدون تمحيص ولا تدقيق، وهذا قد أوجد خلطًا في الأنساب وظلمًا في الأحساب العريقة المعروفة.
كما يدل أيضًا على تناقض وجهل مطبق من بعض هؤلاء الكُتَّاب واستخفافهم بعقول الناس فترة طويلة دات عدة قرون من الزمان.
وأقول هنا بصرف النظر عن النصوص العديدة التي أبرزناها سالفًا لايضاح نسب بني هُتيم بعيدًا عن قبائل قيسية معروفة أو بعيدًا عن قبائل من كلب مشهورة، أتساءل