أغلب المؤرخين أن سكان الجبلين حاليًا هم اسلاف قبيلة طيئ ولاسيما قبيلة شمَّر المعروفة التي هي بطن من بطون طيئ كما سيرد ذكر ذلك.
هكذا في اللمحات السابقة أوردت هجرة طيئ وسكناها الجبلين وهو ما يعرف حاليًا بمنطقة حائل وذكرت أنَّها استقرت وتكاثرت حتى أصبحت قبائل عديدة، وبما أن السمة الغالبة للقبائل العربية في هجراتها هي البحث عن الخصب والماء والمراعي فإن هذا البحث والتنقل كثيرًا ما يكون سببًا للخلافات والحروب بين القبائل بل بين بطون القبيلة الواحدة، وتاريخ القبائل العربية مشحون بمثل تلك الحروب وأيامهم (أيام العرب) تجاوزت الحدود فكلها قتال وصراع ومعارك الأتفه الأسباب مثل داحس والغبراء والبسوس وغير ذلك، وقبيلة طيئ عاشت حروبًا طاحنة فيما بينها وبين القبائل المجاورة لها مثل قبيلة أسد وتميم وبني عامر وغَطَفان وغني وعبس وذبيان وعاملة، وقد ذكرت تلك الحروب كأيام في عرف القبائل مثل يوم ظهر الدهناء مع أسد ويوم النسَّار مع بني عامر ويوم الجفار مع بني عامر وتميم، ويوم أواره مع تميم ويوم حجر مع غني، ومن أشهر المعارك التي بين طيئ وعبس هي التي قتل فيها عنترة بن شداد وقيل أن قاتله هو جبار الطائي (ابن سُلمى) (١)، وقد استشهد جبار لذلك بقوله:
قتلت مجاشعا وقتلت عمرًا … وعنترة الفوارس قد قتلت
أما حروب طيئ فيما بينها فقد كثرت وطال مداها وهي معروفة باسم (حرب الفساد) وهي الحروب بين الغوث وجديلة، وحرب الفساد لَمْ تكن يومًا واحدًا من الحروب من أيام العرب بل هي فتن داخلية دامت قرابة مائة وثلاثين عامًا (٢) حتى تدخلت قبائل أخرى للصلح وحقن الدماء حيث سعى الحارث بن جبلة الغساني للصلح بين بطون طيئ.
ولقد كانت تلك الحروب سببا قويا أدي لتشتت القبيلة وضعفها وهجرة البعض منها إلى جوار القبائل الأخرى كما حدث لجديلة التي دخلت في حلف مع قبيلة كلب القضاعية واستوطنت بلاد كلب وذلك على أثر هزيمتها في يوم اليحاميم.
стр. 5567
والمتتبع لسيرة القبائل العربية التي انتشرت في تخوم الجزيرة العربية يجد التشابه بين عاداتهم وتقاليدهم، فقد ألفوا حياة التنقل والترحال وأصبحت الغارات من صفاتهم والغزوات من مفاخرهم والحروب الثأرية سمة لهم والشعر ذو الطابع الحماسي هو وسيلة إعلامهم وموضع تعاليهم وتفاخرهم؛ ولذلك فإن للشعر دورا في حفظ وتوثيق سيرهم قبل الإسلام وبعده.
كما دون الشعر ذكر رحلاتهم وتنقلاتهم بين الأصقاع الأخرى من الجزيرة العربية، وبالرغم من أنهم استقروا في أرض الجبلين إلَّا أن هناك بطونا ارتحلت إلى آفاق أخرى في العصر الجاهلي واتصلت بالدول القائمة في الجهات التي ارتحلت إليها سواء في الشام أو في العراق، ولقد كان لارتحالهم واختلاطهم بسكان تلك البلدان سببا في انتشار رسم الطائيين لدى الروم الذين جعل البعض منهم اسم الطائيين بديلا لاسم العرب أو مرادفا له، وكانت بطون جديلة ممن التحقت ببلاد الشام بعد حلفها مع كلب، كما ذكر ذلك ابن الأثير في الكامل، وقصد الشام في هجرات فردية أعداد من الطائيين واستقروا تحت حكم الغساسنة الذين كانت لهم علاقات طيبة مع قبيلة طيئ.
أما من ارتحل إلى العراق فقد ذكر أن أول موطن لهم في تلك النواحي هو في الحيرة حيث سبقهم إليها أقوام من الأزد ولخم وجذام وعاملة وقضاعة وتميم وسليم ومع وجود أقوام من القبائل العربية التي سبقت طيئا في استيطان الحيرة، إلَّا أن الطائيين اقتربوا من المناذرة وصار لهم حظوة عند كسرى طوال العصر الجاهلي إلى بزوغ فجر الإسلام، الذي يعتبر فجرا جديدا ليس للعرب وحدهم فحسب بل للإنسانية جمعاء.
شواهد وأدلة
من خلال ما سبق إيراده من حقيقة سكنى قبيلة طيئ في منطقة حائل وجبالها منذ القرن الثاني الميلادي وانتشارهم في ربوعها حتى شملوا السهل والجبال وأنهم خلق كثيرون كما ذكرت المراجع التاريخية، وهنا قد يسأل القارئ عن أي أثر من آثارهم أو شيء باق يدلُّ على جوانب مدنية أو حضارية تنبئ عنهم وتذكر بماضيهم، شأنهم شأن الأمم التي استوطنت البقاع وظلت آثارها تحدث عن ماضيها وما حققته من تطور وازدهار.
стр. 5568
والجواب عن مثل هذا التساؤل قد يتفق مع ما يلي:
١ - أن القبيلة ظلت محافظة على نمط حياتها القبلية التي تهتم بالرعي وتربية المواشي والأغنام والخيل وما هو في زمانهم مظهر من مظاهر القوة والغنى؛ لذلك استحوذ ذلك الأمر على كل جهدهم ونشاطهم وصار هاجسهم الأول هو الحفّاظ على أنعامهم والذود عنها والبحث عن مواطن الرعي لها.
٢ - قد يكون بقاؤهم في الجبال وبين أوديتها وقننها ورعانها وتلاعها سببًا في عدم اتصالهم بالدول ذات الحضارة في الشام والعراق وإن كان هناك أي اتصال فهو محدود وغير مؤثر وفعال، وهذا مجرد تصور واحتمال.
٣ - قد يكون هناك من الآثار والشواهد الحضارية التي تنبئ عنهم وعن ما وصلوا إليه ولكنها لا زالت مدفونة وبانتظار من يكتشف أسرارها ويسبر أغوارها وهذه مهمة العلماء ومن يهمهم الكشف عن ما في أرض العرب من الأسرار والآثار سيما وهي أرض الأمم التي تناسلت في هذه البقاع من بعد الطوفان، ومن يعلم فقد تكون جبال أجأ وسلمى وسواهما زاخرة بالآثار المطمورة تحت التراب.
٤ - ظلت القبيلة إلى صدر الإسلام مشغولة بحروبها ونزاعها مع القبائل ومع البطون الأخرى من نفس القبيلة، وهذا الأمر يجسد حقيقة تقول أن البناء الحضاري والتطور الفكري لا يحصل إلَّا بتوافر الأمن والسلطة القوية التي تكون لها الكلمة النافذة والهيبة الفاعلة على كل بطون القبيلة، وهذا لَمْ يحدث فقد ظلت الحروب بين بطون القبيلة ما يربو على القرن من الزمان كما ذكر الإخباريون عن حرب الفساد.
٥ - قد يكون ما أوردوه من أشعار تصب في قنوات الفخر والحماس والتفاخر ببطولاتهم وحروبهم وثاراتهم شواهد كافية على نمط حياتهم التي عاشوها، شأنهم بذلك شأن كل جماجم القبائل العربية التي هاجرت من اليمن، حيث لَمْ تورد المراجع قيام ممالك عربية ذات
стр. 5569
حضارة سوى ما قام على تخوم الشام (الغساسنة) والعراق (المناذرة) واليمامة (كِنْدة) إضافة إلى مكانة مكة المكرمة بوجود البيت العتيق الذي له شأن عند العرب حتى قبل الإسلام.
٦ - لقد كان من أهم آثار القبيلة قبل الإسلام بعض الصفات الحميدة التي كان العرب يفتخرون بها مثل:
أ - الكرم، وقد أصبح الكرم جزءًا من اسم أحد قادتها حاتم بن عبد الله الطائي الذي صار كرمه مثلا يضرب حتى اليوم وتجاوز الوصف حتى أصبح أسطورة وقصة كرم حاتم معروفة.
ب - الوفاء بالوعد، وخير مثال على ذلك قصة حنظلة بن أبي عفر الطائي مع النعمان بن المنذر الذي أتاه في يوم شؤمه وكان من عادته أن يقتل من يصل إليه في يوم شؤمه وقد وقع حنظلة في هذا الموقف فحاول أن يعفيه النعمان من القتل عندما قال: أبيت اللعن والله أتيتك زائرا ولأهلي مائرا فلا، كن ميرثهم قتلي.
أجابه النعمان أن لا بد من ذلك، وعليه أن يسأل حاجته ليقضيها له النعمان قبل أن يقتل، فقال حنظلة تؤجلني سنة ارجع فيها لأهلي أرتب أمرهم ثم أصير إليك لتنفذ في حكمك، فسأله عمن يكفله فوقع نظره على شريك بن عمرو الشيباني من بين الجالسين في حضرة النعمان وقد عرفه الطائي عند ذلك قال حنظلة قصيدة منها:
يا شريك يا ابن عمرو … ما من الموت محاله
يا شريك يا ابن عمرو … يا أخا من لا أخا له
يا شريك يا ابن عمرو … أكفل المرء وآله
ريث أوصي وأودي … مال من أودِعتُ ماَلَه
عند ذلك وثب شريك نحو النعمان وقال له: أبيت اللعن يدي بيده ودمي بدمه إن لَمْ يعد إلى أجله، أطلق سراحه وذهب إلى أهله ولما حان الموعد انتظر النعمان عودة الطائي حتى كاد أن يتصرَّمَ اليوم الموعود ويقتل الكفيل شريك مكانه الذي قال في ذلك الموقف:
إذا كان صدر هذا اليوم ولّي … فإن غدا لناظره قريب
стр. 5570
فلما قُدّمَ شريك للقتل فإذا بقادم ظهر في الأفق فإذا هو حنظلة وقد تحنَّط وتكفن، فتعجب النعمان من ذلك وسأله: ماذا حملك على العودة؟ فقال: وفائي بالوعد وديني يمنعني من الغدر فسأله عن دينه فقال: النصرانية. عند ذلك استحسن النعمان منه ذلك وأطلقهما وأبطل تلك العادة، وقيل أن هذه الحادثة كانت سببًا في اعتناق المنذر للنصرانية ومعه أهل الحيرة.
هذه نتف من تاريخ طيئ وأخبارها قبل الإسلام فماذا عنها بعد بزوغ فجر الإسلام وانتشار الدعوة الخالدة في ربوع الجزيرة بعد أن انطلقت من بطاح مكة ومن طيبة الطيبة بعد الهجرة المباركة.
طيئ عند ظهور الإسلام
من بطاح مكة المكرمة انطلقت دعوة الهدى، ليسري صداها مدويا في آفاق الأرض ويخترق أثرها وهُداها عقول مَنْ مَنَّ الله عليهم بنعمة الطاعة والإسلام من القبائل العربية، فقد بدأ المصطفى - صلوات الله وسلامه عليه - في إبلاغ الرسالة سرا في بادئ أمره ثم أمرَ بأن يصدع بالدعوة ويعلنها لقومه وللناس كافة فثارت ثائرة أهل الشرك والضلال ولاقى رسول الله ﷺ صنوف الفتن والأذى من كفار قريش الذين كانت غايتهم إطفاء نور الله ويأبى الله إلَّا أن يتم نوره وينصر عبده ويخذل أعداءه.
فكانت الهجرة المباركة من مكة إلى يثرب فتحا ونصرًا للإسلام وبداية لقيام دولته التي قامت بقيادة الرسول الكريم - صلوات الله وسلامه عليه - وبمؤازرة المهاجرين والأنصار بعد توفيق الله سبحانه وتحقيق إرادته ومشيئته، وبعد أن اشتد ساعد الدعوة الإسلامية وطار ذكرها في شعب وسهول ووديان وجبال الجزيرة العربية اتخذت القبائل العربية في شتى مواطنها مواقف مختلفة منها، فكانت قريش القبيلة التي شرفها الله بأن يكون المصطفى من أصلابها من أشد المعارضين للدعوة ومحاربتها، وهكذا شأن كثير من القبائل المجاورة لمكة كثقيف حيث كانت معظم القبائل العربية وثنية تعبد الأصنام عدا قلة غير مؤثرة على دين النصرانية أو اليهودية، وإنما الأغلبية من العرب يعبدون الأصنام.
стр. 5571
وقبيلة طيئ واحدة من القبائل العربية التي تنازعتها الأديان وغلبت عليها الوثنية والنصرانية، وذلك لما لهم من صلات بأقاربهم الذين استوطنوا الشام، وكذلك ممن كانوا في الحيرة بالعراق، فقد ذكر صاحب العروض المعطار (أن عامة أهل الحيرة نصارى فيهم من قبائل العرب على دين النصرانية من بني تميم ومن سُلَيْم وطيئ) (١) وغيرهم، وقد كان هناك رموز ذات مكانة في قومهم كانوا على دين النصرانية أمثال رافع بن أبي رافع الطائي الذي قال عن نفسه: (كنت امرأ نصرانيًّا وذلك قبل الإسلام (٢)، وعدي بن حاتم الطائي كان نصرانيا وقد تحدث عن نفسه بعد إسلامه فقال: "كنت ملك طيئ آخذ منها المرباع وأنا نصراني فلما قدمت خيل رسول الله ﷺ هربت إلى الشام من الإسلام وقلت أكون عند أهل ديني، أو قال: الحق بأهل ديني النصارى" (٣).
وقال عديّ بن حاتم: قدمت على النَّبِيّ ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب
فقال لي: الق هذا الوثن عنك أراد به الصليب، من هذه الأمثلة يتضح أن للنصرانية مريدين كثيرين في قبيلة طيئ لاسيما من هاجر منهم إلى الشام والعراق، وهذا يؤيده بقية المحاريب التي تواتر ذكر وجودها في حائل إلى عهد ليس ببعيد وكان العامة يذكرونها على أنَّها مساجد باتجاه بيت المقدس وأبرزها المحراب الذي كان موجودا شرق السمراء الشمالية التي تقع شمال مدينة حائل قبل توسعها الحالي وهي الآن تقع في وسط أحياء حائل، حيث يحيط العمران بالسمراء من جميع جهاتها.
والوثنية عبادة كثير من الطائيين في الجبلين فهم يعبدون الأصنام وكان لهم صنمًا يَدَّعي الفلس خاص بهم دون سواهم إضافة إلى بعض الأصنام التي شارك، قبائل أخرى في عبادتها كباجرا وعائم، ومن الأصنام ما كان لها ثم غلبتها عليه القبائل كيغوث واليعبوب (٤).
وذكرت بعض المراجع أن لطيئ صنمًا يَدَّعى رُضا، واستدل أبو الفرج صاحب الأغاني في تردد أسماء (عبد رضا) في نسب الطائيين حيث ذكر منهم مرة بن عبد رضا وعامر بن جوين بن عبد رضا، وذكر كتاب التاريخ العربي
стр. 5572
القديم أن (رضا) من أكثر أسماء الآلهة ورودًا، وأنه اسم للمشترى حسب التسمية العربية الشمالية له، وأنه من أصنام الشمال كتدليل على نسبه لطيئ.
وذكر د. جواد علي أن (ودَّ) الصنم الذي ورد ذكره في القرآن موجود في دومة الجندل وأنه يعبد من بعض قبائل تميم وطيئ والخزرج وهذيل ولخم (١)، كما تحدث عن (مناة) الصنم الآخر الذي ورد ذكره في القرآن ﴿اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ … (٢٠)﴾ [النجم]، وأن انتشار اسم مناة بين القبائل دليل على عبادته عند القبائل كتميم وطيئ وكنانة، وأشار الدكتور جواد علي في مفصله إلى وجود من عبد الظواهر من طيئ كالنجوم والجبل (٢).
وهكذا نرى أن طيئا كسائر معظم القبائل العربية لَمْ تكن على دين واحد، فمنهم من اعتنق النصرانية، ومنهم من عبد الأصنام، ومنهم من عبد الظواهر.
دخول طيئ في الإسلام
من المعروف أن نور الإسلام بدأ يشع ساطعا في الآفاق بعد الهجرة النبوية المباركة وبعد غزوات الرسول ﷺ التي كانت أولاها غزوة بدر الشهيرة، ثم بعدها غزوة أحد والمعارك الإسلامية الأخرى إذ قويت شوكت الإسلام وأصبح مرهوب الجانب وكان للانتصارات التي حققها المسلمون بقيادة المصطفى ﷺ في معاركه الأولى أثرها البالغ وردود فعلها الهامة لدى القبائل.
وطيئ إحدى القبائل التي تقطن الجبلين ولم تكن على مسافة بعيدة عن يثرب (مدينة الرسول) وعاصمة الدولة الإسلامية الحديثة، لَمْ يكن دخولها في الإسلام دفعة واحدة، وقد ذكر كتاب المصادر الإسلامية أن أول اتصال بين الإسلام وطيئ تم في السنة الخامسة من الهجرة عندما وجه الرسول ﷺ سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى أسد، وطيئ كما ذكر ابن حبيب (٣) إلَّا أن المسعودي ذكر أنَّها في السنة السادسة للهجرة وقد وجهت إلى أجأ وسلمى.
وفي السنة التاسعة (٤) للهجرة بعث رسول الله ﷺ سرية علي بن أبي طالب ﵁ إلى طيئ وكان هدفهم صنم طيئ (الفلس) لهدمه،
стр. 5573
وفعلا تم لعلي ﵁ وسريته تحقيق هدفهم فهدموا الصنم وخربوه واستولوا على الممتلكات والأنعام والشاة وسبي النساء، وكان من بين السبايا أخت عديّ بن حاتم الطائي الذي هرب إلى الشام، أما ما كان من أمر السبايا فإن ابنة حاتم الطائي كانت من بينهن فلما مثلت أمام رسول الله ﷺ قالت (١): يا محمد هلك الوالد وغاب الرافد فإن رأيت أن تخلي عني ولا تشمت بي أحياء العرب، فإن أبي كان يفك العاني، ويحمي الذمار، ويفرج عن المكروب، ويطعم الطعام ويفشي السلام ولم يطلب إليه طالب حاجته فرده، أنا ابنة حاتم فقال ﷺ : هذه خصال المؤمنين حقًّا لو كان أبوك مسلمًا لترحمنا عليه، خلوا عنها فإن أباها يحب مكارم الأخلاق والله يحب مكارم الأخلاق.
ومنذ أن هدم الصنم بدأ الوفود في طيئ تتجه إلى المدينة المنورة لإعلان إسلامها وكان فيما ذكره الإخباريون أن وفد طيئ (٢) قدم على رسول الله ﷺ وعددهم خمسة عشر رجلًا سيدهم زيد الخير وهو زيد بن مُهلْهَل من بني نبهان وفيهم وزر بن جابر بن سدوس بن أصمع النبهاني وقبيصة بن الأسود بن عامر من جرم من طيئ ومالك بن عبد الله بن خبيري من بني مَعْنِ وقعين بن حليف ابن جديلة ورجل من بني بولان، ولما دخلوا المدينة توجهوا إلى مسجد رسول الله ﷺ فعرض عليهم الإسلام وأسلموا، وقد أضاف إليهم ابن حجر (٣) قيس بن كسفة الطريفي وقيس بن حليف الطريفي ومالك بن جبير الطريفي، وحدد الطبري وصول الوفد في السنة العاشرة للهجرة (٤)، بينما حددها ابن الأثير والبغدادي في السنة التاسعة، وبعد ذلك توالت الوفود من طيئ على رسول الله ﷺ تعتنق الإسلام وتجند أنفسها لخدمته فكان من بينهم عدد غير قليل من صحابة رسول الله ﷺ الذين لمعت أسماؤهم في نصرة الحق والذود عن العقيدة.
وما دمنا في سرد لمح عن إسلام طيئ فإن استكمال البحث يتطلب أن تعرف شيئًا عن عديّ بن حاتم الذي هرب إلى الشام عندما غزاهم علي بسريته وهو سيد آل حاتم من طيئ حينذاك.
стр. 5574
هناك عدة روايات حول عودة عديّ بن حاتم الطائي ودخوله في الإسلام، إحدى هذه الروايات تقول أن أخته سفانة عندما أخلى رسول الله ﷺ سبيلها وأكرمها عادت إلى مواطنها ثم سارت نحو الشام (١) فالتقت بأخيها وقالت له: القاطع الظالم احتملت بأهلك وولدك وتركت بنية والدك وعورته. فقال لها عديّ: ماذا ترين في أمر هذا الرجل؟ قالت: أرى والله أن تلحق به سريعًا فإن يكن الرجل نبيًّا فالسابق إليه له فضيلة، وإن يكن ملكًا فلن نذل في عز اليمن وأنت أنت.
عندها انطلق عديّ وتوجه للمدينة ودخل على رسول الله ﷺ فسلَّم وأسلم.
وهناك رواية أخرى تنسب لعدي بن حاتم نفسه حيث قال (٢): مضى بي رسول الله ﷺ حتى إذا دخل بي إلى بيته تناول وسادة من أدم محشوة ليفًا فقدمها إلى فقال: اجلس على هذه، قال: قلت بل أنت فاجلس عليها، فقال: بل أنت، فجلست وجلس رسول الله ﷺ بالأرض، قال: قلت في نفسي والله ما هذا بأمر ملك، ثم قال: إيه يا عديّ يا ابن حاتم ألم تك ركوسيا؟ قال: قلت بلى وقال: أولم تكن تسير في قومك بالمرباع؟ قال: قلت بلِّي، قال: فإن ذلك لَمْ يكن يحل لك نجي دينك، قال: قلت: أجل والله، وقال: وعرفت أنه نبي مرسل يعلم ما يُجْهَل ثم قال: لعلك يا عديّ إنما يمنعك من الدخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم فوالله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم فوالله ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت لا تخاف، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه أنك ترى الملك والسلطان في غيرهم وايم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت، قال: فأسلمت. وقد صدق رسول الله ﷺ فيما ورد في هذه الرواية، كما صدق عديّ بإسلامه حيث صار له دور في نصرة الدين وخدمة الإسلام وتحت راياته
стр. 5575
في عهد رسول الله ثم الخلفاء الراشدين، ولم يكن إسلام طيئ دفعة واحدة بل كان في فترات، وقد خص رسول الله ﷺ رموزًا من طيئ في خطابات دعوة وإقطاع.
وبعد أن دخلت قبيلة طيئ في الإسلام ساهمت في حمل راية الجهاد وأسهمت في الفتوحات تحت قيادة قادة الفتح والجهاد من أصحاب رسول الله ﷺ في عهد الخلفاء الراشدين.
وعندما ارتدت بعض القبائل العربية بعد موت الرسول ﷺ ظلت طيئ متمسكة بالدين مناصرة له واقفة في طليعة الجيوش التي أخمدت ردة تلك القبائل في بزاخة مع بني أسد وغير ذلك، وفي الفتوحات كان لهم سبق في جيش خالد ابن الوليد ﵁ في العراق.
ويذكر ابن عبد البر بسنده أن طيئا ثبتت على دينها وافية لعقيدتها وكان عديّ بن حاتم أول من ورد المدينة بالصدقة على أبي بكر ﵁ بعد موت الرسول ﷺ في حين أنهب الآخرون ما لديهم من الصدقة عندما علموا بموت رسول الله ﷺ ، واستشهد البعض بقول علي بن أبي طالب ﵁ عندما قال لوفد طيئ الذين وفدوا عليه راغبين في الخروج معه: "جزاكم الله خيرًا فقد أسلمتم طائعين وقاتلتم المرتدين ووفيتم بصدقات المسلمين" (١) ومواقف قبيلة طيئ في نصرة الإسلام والجهاد أكثر من أن تتسع له هذه النتف فقد أسهب في ذكرها الإخباريون وكتاب السيرة كابن هشام والطبري وابن حجر وابن الأثير والواقدي وغيرهم ممن دونوا تاريخ وتراث العرب قبل الإسلام وبعده.
شعر القبيلة
ولما كان الشعر من الأمور التي اهتمت العرب بها منذ أقدم العصور سواء كان ذلك في جاهليتهم أو حتى بعد أن شرفهم الله بالإسلام وجعلهم خير أمة أخرجت للناس، فإن قبيلة طيئ كسائر القبائل التي عاصرتها استخدمت الشعر
стр. 5576
للمدح والفخر والحماسة ولتحديد المواطن والمواقع وللهجو والرثاء وغير ذلك من الأغراض التي استخدم فيها الشعر، وفي هذا البحث أورد نماذج من شعر الطائيين حسب أغراضه وذلك اقتناعا مني بأن هذا الجانب ذو أهمية في التدليل والتوثيق فأقول:
١ - يقول طيئ أبو القبيلة مفاخرًا بنسبتهم إلى اليمن ومعللًا سبب هجرتهم:
إنا من الحي اليمانينا … إن كنت عن ذلك تسألينا
وقد ضربنا في البلاد حينا … ثمَّت أقْبَلنا مهاجرينا
إذ سامنا الضيم بنو أبينا … وقد وقعنا اليوم فيما شئنا
ريفا وماءً واسعا معينا
٢ - يفاخر النعمان بن بشير الأنصاري بالرموز التي تنتسب لليمن فقال:
ومنا ملوك النّاس فهد وتُبَّع … وعبد كلال والقروم القماقم
فمن ذا يعادلنا من النّاس معشر … كرام فذو القرنين منا وحاتم
٣ - عاش الشاعر الجاهلي الفجل امرؤُ القيس بن حجر فترة من الزمن مستجيرا بقبيلة طيئ وقد أورد أشعارا في مواقعها أو مدحا ببطن من بطونها على نحو ما يلي:
مدح بني تيم بن ثعلبة المعروفين بمصابيح الظُلَّام عندما نزل عندهم فقال:
أقرْ حَشا امرئُ القيس بن حجر … بَنُو تَيْمٍ مصابيح الظلام
ومدح امرؤ القيس بني ثُعَل من بطون عمرو بن الغوث:
أحللت رحلي في بني ثُعَل … أن الكريم للكريم محل
وقال في رماة بني ثُعَل:
رب رام من بني ثُعَل … مخرج كفيه من فتره
стр. 5577
وقال امرؤ القيس محددا مكانين في أجأ هما شوط وحية مازالا معروفين حتى الآن.
فهل أنا ماش بين شوط وحية … وهل أنا لاق حيَّ قيس بن شمرا
وقال في موضع آخر يذكر فيها لَبُونَه محددا مسراحها ومبيتها وحماتها:
تُبيتُ لبوني في القريَّة أمنا … وأسحها غبا بأكناف حائل
بَنُو ثُعَل جيرانها وحماتها … وتمنع من رماة سَعْد ونابل
وفي موضع آخر يمدح بطنا من بطون طيئ هم بنو سعد الذين منهم سدوس فقال امرؤ القيس:
إذا ما كنت مفتخرًا ففاخر … ببيت مثل بيت بني سُدُوسا
ببيت تبصر الرؤساء فيه … قيامًا لا تنازع أو جلوسًا
ويمضي شعراء طعض في ذكر مواطنهم مصرحين في ادعائهم ملكية الجبلين فيقول أحدهم:
وبالجبلين لنا معقل … صعدنا إليه بسمر الصعاد
ملكناه في أوليات الزمان … من بعد نوح ومن قبل عاد
وبعد الإسلام واعتناقهم له وإسهامهم في نشره ونصرته أصبح شعرهم متاثرًا بعقيدتهم، وإليك أمثلة على ذلك حيث يقول بجير بن بجرة الطائي في معركة بزاخة:
فليت أبا بكر يرى من سيوفنا … وما نختلي من أذرع ورقاب
ألم تر أن الله يوم بزاخة … يصب على الكفار سوط عذاب
ونسب إلى زكريا بن يحيى الطائى أنه قال إن خالد بن الوليد يمدحنا على فعالنا ضد المرتدين فقال:
جزى الله عنا طيئا في ديارهم … بمعترك الأبطال خير جزاء
همُ أهل رايات السماحة والندى … إذا ما الصبا ألوت بكل خباء
هم ضربوا قيسا على الدين بعدما … أجابوا منادي ظُلْمةً وعماء
стр. 5578
وها هو عروة بن زيد الخيل يقول بعدما أبلت طيئ يوم القادسية بلاء مشهودا في جيش الإسلام:
برزت لأهل القادسية معلما … وما كل من يغشى الكريهة يُعلمُ
ويوما بأكناف النخيلة قبلها … شهدت فلم أطرح أدمي وأكْلُم
وأقعصت منهم فارسًا بعد فارس … وما كل من يلقي الفوارس يسلمُ
ونراه أيضًا بعد معركة نهاوند الذي كان له شرف القيادة فيها يقول:
ألا طرقتْ رحلي وقد نام صُحبتي … بايوان سيرين المزخرف خلت
ولو شهدت يوميْ جولاء حربنا … ويوم نهاوند المهول استهَلَّت
إذ لرأت ضرب امرئ غير حامل … مجيد بطعن الرمح أروعُ مصلت
ولما دَعَوا أبا عروة بن مُهلْهَل … ضربت جموع الفُرس حتى تولَّت
وكانت قبيلة طيئ قد أنجبت عددًا من الشعراء الذين ظلت أشعارهم تردد عبر الأزمنة والعصور وتزخر بها كتب السير والأدب، وقد عكست أشعارهم جانبًا من جهادهم ومواقفهم، وهذا صفي الدين الحلبي الطائي يقول في قصيدة خالدة تقول أبياتها:
سل الرماح العوالي عن معالينا … واستشهد البيض هل خاب الرجا فينا
وسائل العرب والأتراك ما فعلت … في أرض قبر عبيد الله أيدينا
لقد مضينا فلم تضعف عزائمنا … عما نروم ولا خابت مساعينا
بيوم وقعه زوراء العراق وقد … دنا الأعادي بما كانوا يدينونا
بضمَّر ما ربطناها مسوَّمة … ألا لنغزو بها من بات يغزونا
وفتية إن نقُل القوا مسامعهم … لقلنا أو دعوناهُم أجَابُونا
قوم إذا خاصموا كانوا فراعنة … يومًا وأن حكموا كانوا موازينا
تدرعوا العقل جلبابا فإن حميت … نارُ الوغي خلْتَهُم فيها مجانينا
إن الزرازير لما قام قائمها … توهمت أنَّها صارت شواهينا
أخلوا المساجد من أشياخنا وبغوا … حتى حملنا فأخلينا الدواوينا
ثم انثينا وقد ظلّت صوارمنا … تسمو عجابا وتهتز القنالينا
стр. 5579
وللدماء على أثوابنا علق … بنشره عن عبير المسك يغنينا
إنا لقوم أبتْ أخلاقنا … شرفا أن نبتدي بالأذى من ليس يؤذينا
بيض صنائعنا خضر مرابعنا … سود وقائعنا حمر مواضينا
لا يظهر العجز دون نيل مني … ولو رأينا المنايا في أمانينا
هذه القصيدة قالها في زمن اجتياح التتار للعراق، وقد نهضت طيئ لقتال التتار وحققوا عليهم نصرًا.
وقد أوحى تتبعي لسيرة هذه القبيلة في شتى المراجع التي قرأتها أقول فاضت قريحتي بهذه القصيدة التي حاولت فيها ربط القبيلة وبطونها وما تفرع عنها في منطقة حائل فقلت:
لا تسألوني لماذ القلب يعشقها … لا تسألوني لماذا القلب يهواها
لا تكثروا اللوم إن أحببتها أبدًا … فالنفس قد مُلِئتْ عشقًا لمرآها
تلك الجبال على ذاك الثرى علمًا … للجود للبذل رب الكون أرساها
شواهق شمخت بالمجد ناطقة … ترى لناظرها أخبار من جاها
تقص أخبار طيئ حين هجرتهم … بحثًا عن العيش من مائها ومرعاها
لما هوى السد ضاق العيش في يمن … نادي أسامةُ للترحال نبداها
من الجنوب تنادوا في جحافلهم … نحو الشمال وفي النقبين لقياها
أحفاد يعرب حطوا الرحل في جبل … نادي المنادي ظريبا ما فقدناها
لَمْ نفقد الجوف لَمْ نعدم مسايله … فهذه حائل فاضت شغاياها
تكاثروا ونموا في أرض هجرتهم … بين الشعاب التي قد طاب مرعاها
ما بين أجا وسلمى لهم همم … تذود بالسيف من بالشر يلقاها
والبذل كان لهم اسمًا يلازمهم … فحاتم الجود مقرون بذكراها
كانت مواقفهم بالحق صادقة … فاسأل بزاخة عن أخبار من تاها
تروي بطولات سيف الله قائدهم … وحوله فتية من طيئ منشاها
فيهم عديّ وزيد الخير تتبعهم … جحافل نذرت لله ممشاها
لبت نداء الهدى لله وقفتها … فنصرة الدين بانت من سجاياها
دارت على الأسدي بالسوء دائرة … وأخمدت ردة في النّاس أذكاها
стр. 5580
وفي الفتوح لهم سبق ومفخرة … فرافع رفع الرايات أعلاها
مع خالد يرسم الآفاق يسلكها … نحو المدائن مثل الليث يغشاها
فتلك طيئ كم كانت مواكبة … ركب الجهاد لعز الدين مسعاها
قبيلة رسخت في الأرض تعمرها … إسهامها شاهد ينبي بجدواها
مآثر نطقت تروي مواقفها … تألقت في الورى في الكتب نقراها
تناسلت ونمت واشتد ساعدها … حتى غدت قوة والخصم يخشاها
لما خبا نجمها باتت مشتتة … بكل صقع بأرض الله تلقاها
ثم انبري بطنها للشمل يجمعه … فكان شمَّر يحيي اليوم ذكراها
مشى على دربها يحيي أرومتها … بعيد سيرتها لما تولاها
أعطاها اسمًا له صارت تنادي به … بشمر ربطت طيئ لأولاها
تتابعت بعده من نسله أمم … تحمي الذمار وتعلي الشأن والجاها
تحيي المكارم والمعروف تبذله … ونجدة الجار بعض من مزاياها
تعددوا أفرعا في كل شاهقة … وفي السهول مع الوديان سكناها
في كل وادٍ لهم دار يلوذ بها … من ضامه من شرور الدهر بلواها
أحفاد ضيغم أهل الخيل والوبر … جفانهم شرعت للضيف يلقاها
فمن أتي طامعا في حسن جيرتهم … يلقى المودة والإكرام والجاها
ومن أتى باغبا يملي مطامعه … نصيبه من سيوف الهند أمضاها
ظلوا على أرضها يحمون ساحتها … حتى استقرت لليث قد تولاها
شيخ له فضله في جمع أمتنا … كل الجزيرة بالقرآن أحياها
صقر الجزيرة لا تحصى فضائله … يكفيه فخرا حدود الله يرعاها
стр. 5581
القبائل العربية بعد قيام دولة الإسلام
من المعروف أن الله اختص العرب وأكرمهم بأن جعل خاتم الأنبياء والمرسلين محمدًا ﷺ منهم وأنزل آخر الرسالات والكتب السماوية (الفرقان) بلسانهم وجعل بيته الحرام وقبلة المسلمين في ديارهم، وبهذه فقد أعزهم الله بالإسلام، وبالإسلام قامت دولتهم عندما انطلقت الدعوة وسارت الجحافل من طيبة الطيبة من مدينة الرسول الكريم ﷺ إلى الأمم والآفاق تبلغ الرسالة وتخرج النّاس من الظلمات إلى النور، فهي ليست دعوة للعرب وحدهم بل كانت للناس كافة.
وبعد قيام دولة الإسلام في عهد الرسول ﷺ ثم من بعده الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم ثم في عهد الدولتين الأموية والعباسية كانت كتائب الإسلام تجوب الأرض وتدعو إلى الإسلام وتنشر العدل والإخاء بين النّاس مرسخة مبادئ الحرية والمساواة على أساس من التقوى.
ولقد كانت القبائل العربية التي ظلت قرونا طويلة تسودها روح العصبية والتناحر والاقتتال أول من انضم إلى حظيرة الدين والانقياد للدعوة والطاعة الأولى الأمر متفانين بخدمة عقيدتهم لا يؤثرون عليها شيئًا مهما كان فقد هذبهم الإسلام وقضى على الكثير من عاداتهم وأفكارهم فكانوا بحق جنود الإسلام وحملة لوائه؛ لهذا نرى الرايات تعقد لخيار القوم من شتى القبائل سواء العدنانية منها أو القحطانية، فالإسلام آخي بين الجميع وأضعف التفاخر بالأنساب ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ … (١٢)﴾ [الحجرات]، ولا يعني ذلك إلغاء دور خيار القوم وسادتهم عندما أسلموا وفقهوا فقد قال رسول الله ﷺ : "خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا".
وقبيلة طيئ بعد أن دخلت في الإسلام انشغلت بالجهاد وتوسعت في الهجرة والرحيل إلى العراق والشام ومصر وفي كل ارض تؤمه قوات الإسلام وكتائبه حينذاك، ومنذ ذلك الوقت لَمْ يكن للقبيلة أثر كبير في موطنها في أرض الجبلين ولم تحظ باهتمام المؤرخين شأن معظم بقاع نجد، فلقد خطفت الأضواء واستحوذت على الاهتمام المدينة المنورة عاصمة الإسلام الأولى ثم الكوفة في عهد علي ﵁ ثم دمشق فبغداد.
стр. 5582
وكانت القبائل قد ألفت السكني حول حواضر الإسلام وانتشرت في ربوعها حيث مواطن الخصب والنماء والمياه، فها هي طيئ تتواجد وبكثرة هناك شأن معظم القبائل العربية وكانت تشكل تلك القبائل دعما للدولة فهي وإن كانت خاضعة طائعة لأوامر الخليفة ملبية أوامره، إلَّا أن العشيرة ظلت متماسكة تشكل وحدة بشرية قوية حتى تنصهر في بوتقة الحياة الحضرية فيضعف ولاءها اللقبيلة والعشيرة، وقد أفرد ابن خلدون وصفا لهذه الأمور في كتبه التي هي أساس علم الاجتماع ويرجع إليها حتى هذا العصر.
ويذكر المؤرخون (١) أن طيئا التي ناصرت الفتح في العراق مع خالد بن الوليد وسعد بن أبي وقاص والمثنى بن حارثة الشيباني وناصرت الخليفة علي بن أبي طالب ﵁ في حوادث عام ٣٦ هـ؛ إذ حاربت معه في صفين اختطت لها خطة في الكوفة بجانب القبائل اليمنية، وعاشت هناك، أما في الشام فكانت حمص ونواحيها مكانا لتواجدها، وساندت الأمويين الذين كانوا يعتمدون على القبائل اليمانية أكثر من اعتمادهم على القبائل القيسية حيث تمكنت طيئ وغسان وكلب من التغلب علي بني بكر وهَوَازِن وذبيان (٢)، وفي أيام الخلافة الأموية حيث كانت تضم معظم بلاد العرب كان من السهل تنقل القبائل في بادية الشام والجزيرة العربية، وكان لحرية التنقل أثره في انتشار بطون القبائل في ربوع العراق والشام وفلسطين ومصر والمغرب العربي، الأمر الذي نتج عنه امتزاج القبائل فيما بينها، وضعفت العصبية القبلية لدى من استوطن المدن والقرى وبدأ يألف حياة الحاضرة حيث يتعاون الخضر معا على شئون حياتهم.
يقول المحامي فرحان أحمد سعيد (٣): وقد تفرقت طيئ في أنحاء العراق وبلاد الشام فكانت مراكز تجمعاتهم في عين التمر، والأنبار والكوفة والبصرة والموصل وحلب وحمص وضواحي دمشق والرملة وغيرها، وعموما فقد انتشرت في بادية بلاد العرب الشمالية؛ أي في المنطقة الممتدة التي تمثل مثلثا رأسه مدينة مسكنه وقاعدته مدينتي كاظمة (الكويت) في الشرق، والعقبة في المغرب وعلى
стр. 5583
امتداد ضلعه الوهمي الممتد من مسكنه إلى كاظمة تقع (عين التمر والحيرة والقادسية والسماوة وصفوان) وهذه تمثل بادية العراق وضلعه الثاني الممتد من مسكنه إلى العقبة يقع على جبل العرب (الدروز) وجبل الشراة وهو يمثل بادية الشام وفي امتداد قاعدته جنوبًا يقع وادي الباطن والقصيم وجبلي (طيئ وصحراء النفوذ الكبرى).
وتواجد هذه القبائل في تلك الأصقاع قائم على الرعي فهم يقيمون مضاربهم في الشتاء والربيع في البادية وأطرافها، وفي الصيف يتواجدون حول ضفاف الأنهار لتوفر بقايا المزروعات والهشيم من النباتات التي يستفيدون منها أعلافا لمواشيهم. ومن المعروف تاريخيا أنه نظرا لاتساع رقعة الدولة الإسلامية في عهد الخلافة العباسية ودخول الأمم غير العربية فيها كالفُرس وظهور التيارات الفكرية والدينية فإن الدولة انشغلت بمكافحة شتى السلبيات التي ظهرت كالدعوات والفرق الباطنية (قرامطة) واستئثار الأجناس غير العربية في السلطة والنفوذ، الأمر الذي جعل القبائل العربية في وضع غير مستقر حيث كانت تلتمس قيام أي إمارة عربية لتوآزرها وهذا ما ترجمه انضمام قبائل عُقيل وكلاب وطيئ ونُمير وكلب إلى إمارة الحمدانيين من بني تَغْلِب بن وائل التي قامت في الموصل وحلب ما بين ٣١٧ هـ حتى ٣٩٤ هـ وقد وصفهم ابن خلدون بأنهم (كانوا رعايا البني حمدان يؤدون لهم الإتاوات وينفرون معهم في الحروب) (١)، وقد كان ضعف الدولة المركزية في بغداد وتسلط الطامعين من أصحاب العقائد كالقرامطة والفاطميين وأصحاب المطامع من ذوي الانتماءات العرقية الأخرى سببا في قيام بعض الإمارات العربية التي صار لها هيبة وسطوة ونفوذ كإمارة الحمدانيين آنفة الذكر وإمارة بني عُقيل الفراتية الذين بسطوا نفوذهم على الكوفة وتغلبوا على الموصل، وقبيلة طيئ تغلبت على مناطق ذات أهمية في بلاد الشام وأسسوا إمارة طيئ الأولى (إمارة آل جراح) في الرملة بأرض فلسطين تلك الإمارة التي ظلت
стр. 5584
ردحًا من الزمن تتقاذفها التيارات المتصارعة في المنطقة من قرامطة وفاطميين وسواهم، حيث كانت القبائل العربية في المنطقة عاملًا مؤثرًا لتحقيق تطلعات القوى في صراعها على السلطة.
وهكذا نرى أن القبائل العربية التي استوطنت الشام والعراق ظلت تسهم في الحياة السياسية وتبرز كقوى فاعلة مؤثرة وفقا لقوتها وارتباطها وولائها للسلطات الكبيرة ذات النفوذ القوي، ومن أمثلة ذلك آل ربيعَةَ الطائيين الذين لعبوا دورا هاما في ترجيح الصراع بين مصر والشام، وقد استمرت إمارتهم حتى دب فيها الوهن والضعف في أواخر القرن الحادي عشر الهجري.
وقيل أن نهاية إمارة آل ربيعَةَ الطائيين بعد المعركة التي حدثت بين (آل مرا) الطائيين وبين ربيد تلك الواقعة التي عرفت حينذاك في العراق بذبحة آل مرا حيث بيت الزبيديون قبيلة طيئ المرا وأعملت فيها السيف فقتل عدد كبير ومن نجا بعد تلك المعركة ترك دياره وتوجهوا إلى الخابور والجزيرة الفراتية وتشتتوا بصحراء الخالص ومنهم من استقر في الزاب، وقد لقب الباقون منهم ب (البيات) أحدهم بياتي، وقد ذكرهم العزاوي في تاريخ العراق ج ٣ ص ٣٦٨ بقوله: "إن البيات من طيئ ونخوتهم أخوة شاطرة وأن أصلهم من آل مرا، مالوا إلى العراق من وقعة آل مرا، ولهؤلاء تنسب الوقعة المعروفة (ذبحة آل مرا) وهم فرقة من طيئ" (انتهى كلام العزاوي).
هذا ما كان من أمر الطائيين الذين نزحوا من الجبلين إلى العراق والشام وفلسطين ومصر فماذا عن الذين ظلوا في موطنهم الجبلين ومنطقة حائل كلها؟
للإجابة على هذا السؤال يجدر بنا أن نذكر حقيقة هامة هي أن الفترة التي كان الصراع بها على أشده في أجزاء الدولة العباسية منذ منتصف القرن الثالث الهجري وما صاحب ذلك من ظهور الفرق الدينية وتدخل الوزراء وأصحاب المطاح في شئون الخلافة، وازدياد الفتن والانقسامات والقلاقل التي كانت تغذيها المطامع والتشيع وغير ذلك من الأمور التي استهدفت الخلافة وأصابتها بالضعف والوهن بحيث لَمْ يبق لها سوى الذكر فقط، أما النفوذ والصولة فهي لتلك القوى التي سادت في النواحي والأقاليم؛ ولهذا فقد شغل المؤرخون لتلك الأحداث ولم يكن للصحراء العربية نصيب من التدوين والأخبار بالقدر الذي
стр. 5585
يروي ظمأ الباحث ويوفر له المادة التي تربط أحداث القبائل في أنحاء نجد للدرجة المقبولة التي تجيب على أسئلته؛ ولهذا فقد أصبحت الروايات والملاحم والأساطير من الأمور المألوفة في ذكر بعض أحداث نجد وصراعات القبائل فيها.
ووصولًا للإجابة على السؤال عن الطائيين في الجبلين أقول: إن بطون القبيلة ظلت في مواقعها في الجبلين في أجأ وسلمى وما حولهما من السهول وموارد المياه وقد قامت ونهضت بطون منها وأصبح لها شأن في نجد كلها حيث بدأت في التوسع نحو الجنوب الشرقي من نجد والجنوب الغربي من جنوب نجد حتى مشارف الحجار، ويذكر أحد الباحثين عن ذلك الزمن ما نصه (١): وظهر على الساحة فروع أخرى لها مكانتها مثل قبيلة بني هلال بفروعها وبني خفاجة ابن عامر، هاتان القبيلتان العامريتان كان لهما دور بارز فيما بعد، حيث اتجهت الأولى مع أجزاء كبيرة من بني سُلَيْم وبني جُشَم ومن التف لفهما بعد اجتياز وسط نجد إلى مشارف العراق ثم اتجهوا غربًا إلى مصر وشمال السودان إلى أن استقر بهم المقام بالمغرب العربي في كل من ليبيا وتونس والجزائر والمغرب بعد أن تركوا لهم بقايا في الحجاز ونجد من مختلف فروعهم.
أما خفاجة من بني عُقيل فقد اتجه معظمهم إلى العراق حيث استقروا هناك.
وبعد رحيل بني هلال من نجد امتد جزء من قبيلة طيئ من أقاربهم وهم بنو المغيرة متجهين نحو الجنوب الشرقي من شمال نجد إلى وسطه واستقر بهم المقام في عالية نجد بوادي الشعراء وما حوله وكان لهم صولة وجولة وقاعدتهم الشعراء إلى أن نافستهم في ذلك فروع من قبيلة طيئ من أقاربهم جاءوا من نفس الاتجاه وهم الفضول وهم فضل ومغير وكثير وفروعهم واتجهوا إلى اليمامة في وسط نجد وكانت قاعدتهم العمارية وأبا الكباش على وادي حنيفة واستمر لهم الأمر حتى ظهر عليهم بنو عمهم بنو لام الطائيون الذين اتخذوا نفس الاتجاه وكان لهم الأمر بعد آل مغيرة في نجد وكان آخر بني لام أديْدُ بن عروج الذي
стр. 5586
ترأس بني لام بعد عجل بن حنيتم، وهناك فروع من طيئ اتجهت إلى الجنوب الغربي من نجد على مشارف الحجاز وهم بنو خالد غُزَيّه الطائيين وهم أبناء سيف ومسعود وحارثة أبناء أبي بن غنم بن حارثة بن شوب بن مَعْنِ بن عتود بن حارثة بن لام الطائي، الذين استقروا هناك فترة من الزمن ثم اتجهوا شرقًا حتى استقر بهم المقام في وسط نجد بالقصيم لفترة من الزمن، حيث اتجه جزء منهم بعد ذلك وكونوا سلطة في الإحساء وامتد نفوذهم إلى أجزاء من شمال نجد وشرقها إلى حوالي منتصف القرن الثالث عشر الهجري. (انتهى السويداء).
وأقول: أما منطقة حائل فقد بقي فيها سكانها من بطون طيئ تعيش فيها على نمط حياة أسلافهم وكسائر القبائل المماثلة لهم متشبثة بالبقاء في جبالها وسهولها ترعى ماءها وتكابد القبائل الأخرى في الذود عنها، وبالرغم من عدم توافر المعلومات الدقيقة الموثقة عن معظم أجزاء نجد من نهاية القرن الرابع الهجري حتى القرن العاشر اللهم ما ورد من نتف ليست ذات قيمة تاريخية تفيد الباحث والمؤرخ بربط أحداث هذه المنطقة وما طرأ عليها من صراعات بين القبائل (١)، فإن أيسر ما أشار إليه الباحثون عن تلك النتف ما ذكره الهجري عن تواجد القبائل النجدية في مواطنها وذلك عندما قام بجولة في أنحاء نجد لجمع مادة كتابه لتحديد المواقع في أوائل القرن الرابع الهجري حسب ترجيح الشيخ حمد الجاسر، وكما ذكر الرحَّالة ابن جبير الذي مر بنجد في أواخر القرن السادس الهجري، ٥٨٠ هـ، حيث سلك طريق حجاج العراق وأشار إلى تواجد القبائل، ويليه ابن بطوطة الذي قام برحلته في النصف الأول من القرن الثامن الهجري ٧٣٢ هـ مخترقا قلب نجد مارا بمدينة حجر الرياض واصفا إياها بأنها مدينة حسنة ذات مياه وأشجار يسكنها طوائف من العرب أغلبهم من بني حنيفة وأميرهم طفيل بن غنم.
وقد ذكرت بعض المراجع التاريخية وأشارت إلى بعض الوقائع والأحداث التي توالت على قلب نجد (منطقة اليمامة) بدأ بخضوعها للأمويين في الخلافة الأموية، واستيلاء بني حنيفة بقيادة المهير بن سُلمى الحنفي عليها، ثم عودتها
стр. 5587
لسلطة الدولة العباسية بعد قيامها واستمرارها فترة من الزمن، وبعد أن دب الضعف في الدولة العباسية.
خضعت منطقة اليمامة للأخيضريين الذين جعلوا الخرج قاعدة لهم في حوالى الثلث الأخير من القرن الثالث الهجري ثم غلبهم عليها القرامطة الفرقة الباطنية المعروفة في التاريخ إلى أن خلصها العيونيون من القرامطة ثم انتزعها العقيليون (بني عصفور وبني جروان والجبرين) حتى منتصف القرن العاشر عندما استولى آل مغامس على الأحساء وحكموه إلى أن استولى عليها العثمانيون.
في تلك الأزمنة التي كانت قلب نجد تتجاذبها هذه القوى وفقا للمعلومات الشحيحة التي توافرت لدى الباحثين، يُستنتج في ضوئه أن شمال نجد قد تكون تعرضت لنفوذ تلك القوى لاسيما ومنطقة الجبلين ينسب إليها وفرة المياه والزراعة والنخيل في شعاب أجأ وسلمى وفي قراها، غير أنني مع عدم توافر المستند لا أجزم بالقطع في هذا الأمر وإنما أخضعه للاستنتاج، مع ترجيحي أن أهل الجبلين من بطون طيئ بني لام وعشائرها من فضول ومغيرة وبني شمَّر والبطون الأخرى التي ظلت في أوديتها وشعابها في أجأ وسلمى وما حولها من السهول مازالت من القوة والقدرة على البقاء والمقاومة بحيث لَمْ يرد ذكر في المراجع التي تيسر لي الإطلاع عليها في بحثي عن تاريخ تلك الأحقاب المهملة من الذكر عن منطقة الجبلين، وقد بذلت جهدا في البحث لعلي أجد خيطا يربطتي بمسيرة قبيلة طيئ حتى ورثتها قبيلة شمَّر التي هي بطن من بطون طعيّ، فلم أجد أمامي سوى الاستنتاج والترجيح في ضوء المقارنة ودعم الومضات الصغيرة فيما وجدته في إشارات بعض الأخباريين.
стр. 5588
شمرّ البطن يحل محل طيئ القبيلة
لقد اتفق رأي معظم النسابين (١) أن شمَّر بطن من طيئ حلت محلها، فقد ذكر ياقوت الحموي (بنو شمَّر من بني زُهير من قراهم تورن) (قل يعني توارن) وهي قرية في أجأ أحد جبلي طيئ.
وقال القلقشندي في نهاية الأرب: (بنو شمَّر بطن من العرب سكنهم جبلا طيئ أجأ وسلمى بجوار لام).
وذكرهم صاحب تاج العروس أنهم بنو شمَّر بن عبد جُذَيْمة بطن من طيئ وفي الاشتقاق لابن دريد (بنو شمَّر من بني هذمة بن عتاب من طيئ).
وفي المنتخب للمغيري (ص ٨٣) ومن بطون طيئ شمَّر وقد أورد رواية الكلبي حيث قال: شمَّر ورريق بطن من ثُعَل وهما أبناء عبد جُذَيْمة بن زهير بن سلامان بن ثُعَل بن عمرو بن الغوث بن طيئ).
وقد قال الدكتور الشويعر (٢): وفي العصور المتأخرة عندما تغلب الجذم الكبير لقبيلة طئ (وهو شمَّر) واستحوذ بالمنطقة وهاجرت الأفخاذ الأخرى إلى الشام والعراق وغيرهما تغيرت النسبة إلى جبلي شمَّر بدلا من جبلي طيئ.
مما تقدم يتضح بكل قناعة أن شمَّر بطن من بطون طيئ حلت محلها في المواقع والنفوذ واستاثرت بجبلي طيئ ومن بقي من بطون طيئ انصهر في بوتقة هذه القبيلة الكبيرة التي صار لها شأن في الجبلين بعد أن انحسر نفوذ من سبقها من بطون طيئ مثل بني لام وبطونها، وانتشارهم في قلب نجد وفي جهات أخرى، والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو:
متى ظهر نفوذ قبيلة شمَّر في الجبلين؟
إن الجواب على هذا السؤال قد أجهد فكر معظم الباحثين الذين اهتموا وبحثوا في تاريخ هذه المنطقة بغية الوصول إلى حقائق تزيل كل لبس أو تصويب ما ورد في بعض الروايات المتباينة وغير المنطقية كالمبنية على استتتاجات ليست في محلها، ولكن لندرة المراجع والغموض المريب الذي أحاط بتأريخ منطقة الجبلين
стр. 5589
منذ القرن الخامس الهجري حتى بداية القرن العاشر أثارت تساؤلات كثيرة من المهتمين (١) بتاريخ المنطقة، وعلى كل مهما ندرت المراجع والمعلومات. المحددة فإن هذا لا يلغي وجود النشاط الإنساني فوق أديم تلك المنطقة وبقاء سكانها من بطون طيئ والقبائل الأخرى التي كانت تقيم معهم أو حولهم في تلك الربوع، وأنهم في حياتهم شأنهم شأن بقية الأصقاع النجدية التي عاشت في قراها وفي مراعيها وصار هاجسها الوحيد البقاء والذود عن مواطنها، وقد وصف الدكتور العثيمين واقع منطقة نجد وأوضاعها قبل ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ فقال (٢):
"كانت هذه المنطقة - يقصد منطقة نجد - مكونة من إمارات بلدان صغيرة الحجم كثيرة العدد، ومن قبائل رُحَّل مختلفة الأحجام والنفوذ، وكان الخلاف بين إمارة وإمارة والنزاع بين قبيلة وأخرى من الأمور المألوفة في حياة الطرفين الحضري والبدوي على حد سواء".
وأقول: إن هذا الوضع حال دون قيام كيان قوي كبير ذى سلطة مركرية، إذ إن قيام مثل ذلك الكيان لَمْ تتوافر له المقومات في ظل الظروف القائمة حيئذاك في تلك القرى والأفكار التي تسيطر على عقول القبائل، ناهيك عن الجهل والعامية التي تعم القبائل؛ لهذا فإن الكيان المركزي يحتاج إلى فكرة تجمع عقول الأغلبية وهذا ما حدث في قيام الدولة السعودية الأولى في منتصف القرن الثاني عشر الهجري عندما احتضنت دعوة الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية وتعاهد مع الإمام محمد بن سعود على نشر الأفكار الإصلاحية، وقد لاقت فكرة توحيد أقاليم نجد مقاومة من المدن والقرى والقبائل النجدية ناهيك عن القوى الأخرى مما هو معروف تاريخيًا، والمقاومة التي أظهرتها القبائل والقرى تعكس الجانب السيكولوجي للسكان وعزوفهم عن قيام الكيانات المركزية الكبيرة ورغبتهم في بقاء السيطرة والنفوذ حتى لو كانت صغيرة وضعيفة.
стр. 5590
وأعود إلى قبيلة شمَّر وظهورها فأقول:
لقد ثبت لدى المؤرخين أن شمَّر بطن من طيئ ترعرع على أرض الجبلين وانتشر في سهولها وجبالها، وقد ورثت شمَّر طيئا في السلطة والمكان حتى أنَّها أصبحت تمثل الثقل لدرجة أن معظم بطون طيئ الأخرى انصهرت في اسم القبيلة البديلة التي هي شمَّر ولا غضاضة في ذلك ما دامت الأرومة واحدة فكل البطون تعود لطيئ التي ينتهي نسبها إلى قحطان، وهذا شيء مألوف لدى القبائل حيث تنمو القبيلة ويشتد ساعدها ويرهب جانبها ويكثر عددها وتتعدد عمائر وبطونا وفخوذا وفصائل وعشائر ثم تنشأ بينهم الخلافات والصراعات حتى يستقر الأمر لأحدهم ويصبح الاسم له، ولهذا رأينا بني لام من طيئ تسود فترة من الزمن ثم قبلها بطن من بطونها الفضول والمغيرة والكثير عندما انداحت في نجد وتصارعت مع قبائل عَنَزة العدنانية التي ظهرت في نجد كقوة.
ومنذ ذلك الوقت بدأت الإشارة إلى وجود قبيلة شمَّر كقوة في الجبل وردت في بعض الحوادث التي دارت في القرن العاشر الهجري، حيث أوردها العصامي في سمط النجوم العوالي عندما ذكر أن شريف مكة غزا شمَّر عام ٩٦٣ هـ، ومنذ ذلك التاريخ أصبح اسم شمَّر يرد عند ذكر الجبلين لدرجة أن المتأخرين أطلقوا اسم الجبلين على شمَّر فأصبح يقال له جبل شمَّر بدلا من جبل طيئ مع تأصل التسمية الأولى لدى المؤرخين الأوائل.
ويقول الباحث المسعودي أبو عبد الرَّحمن بن عُقيل الظاهري (١): "وشمَّر بطن من طيئ ولكنها في العصور المتأخرة أصبحت مجمع البطون الطائية مع أخلاط أخرى دخلت معها بالحلف"، وهذا يتفق مع رواية الشيخ حمد الجاسر (٢)، حيث قال: "شمَّر قبيلة صريحة النسب وهي من القبائل التي لَمْ تخل بلادها من بعض فروعها فقد حلَّتْ طيئ بلادَ الجبلين أجأ وسلمى وما بينها وما حولها وكانت شمَّر في الأصل فرعًا صغيرًا من طيئ فأصبح يجمع كثيرًا من الفروع من طيئ وغيرها".
стр. 5591
مما تقدم يتضح إجماع الباحثين والنسابين أن شمَّر بطن من طيئ وأنها حلت محلها في الموقع والنفوذ، ووجود الأخلاط أمر وارد ومألوف، فقد يندر أن نجد قبيلة عربية لَمْ يدخل بها أخلاط وأحلاف فينصهرون مع القبيلة القوية ويحملون اسمها وينتسبون إليها يفخرون لفخرها ويجزعون لجزعها لا سيما عندما تكون ذات قوة ونفوذ.
ومما تقدم أستطيع أن أقول: إن ظهور شمَّر على مسرح الأحداث في منطقة الجبلين كقوة تتفاعل مع الأحداث كان مع مطلع القرن العاشر الهجري، حيث كانت القوة فيما سبق ذلك للبطون الأخرى من لام وبطونها المغيرة والفضول والكثير، كما ورد لقبيلة ربيد ذكر في الوجود والسلطة في الجبلين وسوف أشير لذلك.
قبيلة شمَّر وبطونها
منذ القرن العاشر الهجري أصبحت قبيلة شمَّر من القبائل الفاعلة في منطقة نحد ولا سيما في منطقة حائل، وصار يردد ذكرها وذكر بطونها فما تلك البطون المكونة لقبيلة شمَّر؟
من المتفق عليه لدى معظم النسَّابين أن قبيلة شمَّر تتكون من بطن عبدة وبطن زوبع "سنجارة" وبطن "الأسلم"، وقد أخطأ فؤاد حمزة عندما محمد التومان (١) بطنا رابعا لشمَّر، في حين برى نسابو زوبع أن التومان يعودون لفخذ الثابت من زوبع "سنجارة" وقبيلة شمَّر ببطونها المذكورة تخضع للقول السائد والحكم بصحة وجود الأخلاط والتداخل في البطون ونسبة بطن لعدة جهات أو لعشيرة أخرى، والخلط والتداخل وتشابه الأسماء موجود في جميع القبائل العربية المعروفة حاليًا ومنذ أقدم العصور وأقرب مثل على ذلك الجدل الدائر حول نسبة الجرباء لعبدة (٢). وفقا لما أورده أبو عبد الرَّحمن الظاهري في كتابه عن آل الجرباء، بينما معظم الرواة وكتاب النسب يرجعونهم إلى الخرصة من زوبع "سنجارة" وهذا هو الشائع عند معظم أفخاذ شمَّر نفسها.
стр. 5592
وللدكتور علي الشعيبي في كتابه (القشعم من كبريات القبائل العربية) وجهة نظر في بطون قبيلة شمَّر، حيث نسبهم إلى ضيغم بن قيس بن شمَّر ومن ذرية ضيغم بن قيس خرجت بطون شمَّر (١) وقد أسهب حتى وصل إلى آل ضيغم وخروجهم كقوة ترأست شمَّر في الجبلين.
والواقع أن ما أجهد الباحثين هو البحث عن شيء من الأدلة أو المعلومات المعرفة ارتباط البطون في القبيلة فهل هي فعلًا ببطونها الرئيسية تعود إلى بطن شمَّر بن عبد جُذَيْمة بن زهير بن ثعلبة بن سلامان بن ثُعَل بن عمرو بن الغوث ابن طيئ وبذلك تكون قبيلة شمَّر بكل بطونها من قبيلة طيئ أم أن بطن زوبع "سنجارة" وبطن الأسلم هما اللذان انحدرا من قبيلة طيئ، وأن بطن عبدة جاءت من عبيدة التي هي من جنب من مَذْحِج والتي كانت قد هاجرت من جنوب الجزيرة العربية كما في رواية هجرة الضياغم واستوطنت الجبلين وتحالفت مع الآخرين وصارت لها السيادة بعد أن طردت "الزبيديين" من الجبل في عهد زعيمهم بهيج واستأثرت بالرئاسة في شمَّر كلها؟؟
أم أن عبدة التي هي إحدى بطون شمَّر تنحدر من نسل عبدة بن امرئ القيس بن زيد بن عبد رضا بن جُذَيْمة بن حبيب بن قيس بن شمَّر بن عبد جُذَيْمة ابن زهير بن ثعلبة بن سلامان بن ثُعَل بن عمرو بن الغوث بن طيئ، وعبدة بن امرئ القيس ورد اسمه في سلسلة نسب طيئ (٢) وبذلك تكون جميع بطون شمَّر تعود لطيئ؟؟ وقد يكون هذا الافتراض الأخير هو ما أخذ به، وذكره الشعيبي (٣) عندما قال أن لقيس بن شمَّر ولدا اسمه ضغيم وأن لضغيم ابنا اسمه مقدم وآخر اسمه راشد وثالثا اسمه شهوان وأن من ذرية هؤلاء ظهرت عشيرة عبدة، وهو بهذا السياق يحاول ربط عبدة بطيئ مباشرة كبطن له، فإذا افترضنا أن ذلك هو الصحيح لنسب عبدة فإنهم بذلك يكونون من بطون طيئ، وهذا خلاف ما أورده
стр. 5593
النسابون من نسبة عبدة إلى جنب التي ينتهى نسبها إلى مَذْحِج أخو "طيئ"، حيث سبق أن عرفنا أن طيئا هو "جلهمة" ومذحجا هو "مالك" وهما أخوان.
ومهما كانت افتراضات الباحثين ومحاولات النسَّابين فإن القطع بقول أي منهم يبقى احتمالا وأن ترجيح الاحتمال يتطلب أدنى نسبة من الشواهد والدلائل فإذا لَمْ تتوافر فسيظل الاحتمال واردا.
وقد يستدل بالآتي على أساس أنَّها شواهد ودلائل وهي:
١ - استمرار الفرع في مساكن الأصل عبر الأزمنة، وهذا ما أخذ به بعض النسَّابين لترجيح نسب بعض القبائل المتأخرة للجذوم المتقدمة (١).
٢ - ما توافر من أشعار القبائل فصيحة وعامية مع العلم بأن الأشعار قد تأتي أحيانًا لِتَنْسب قائدًا وقبيلة أو بطنا من قبيلة ولو كانت تلتقي معها بنسب بعيدًا كانتساب بعض القبائل المعاصرة إلى عدنان أو قحطان مع بعدها عنهما.
٣ - بعض الروايات المتواترة والملاحم الشعبية قد يكون فيها شيء يقوي ترجيح واستنتاج الباحث ويبقى ذلك الجهد وسيلة وفتحا للأجيال التي قد تصل فيما بعد إلى حقائق موثقة من خلال المزيد من البحث عن الوثائق في مكتبات العالم ومن خلال الاكتشاف والحفريات ودراسة الآثار فلا غرو، فنحن حتى الآن ونحن في بدايات القرن الحادي والعشرين نسمع اكتشافات جديدة لحضارات بالية كالبابلية والفرعونية والآشورية وغير ذلك من تراث وحضارات الأمم التي سادت وعلا ذكرها وشأنها ثم اضمحلت وبادت وفق مشيئة الله وإرادته حيث يداول الأيام بين النّاس.
وعليه وبعد، فإن إخضاع عشائر شمَّر للشواهد والدلائل تدعم نسبة بطني زوبع "سنجارة" والأسلم لطيئ هما أقرب انتسابا لبطون طيئ بدلالة السكن
стр. 5594
والموطن فها هي فخوذ الأسلم لا تزال في جبال سلمي وحولها وكذلك منطقة جبال رمان وشرقا في فيد والسهول، وأما زوبع "سنجارة" فهي تسكن في مساكن بطون من طيئ في غربي أجأ وفي الغوطة ورمال عالج وامتدادها شمالًا، أما عشيرة عبدة فهي التي كثر الجدل والخلط في أمرها وتضاربت الروايات في نسبتها الطيئ أم لجنب من قحطان؟ ومتى جاءت إلى منطقة الجبلين وكيف تمت لها الرئاسة على شمَّر التي هي بطن من طيئ ولها السبق في الاستيطان والسكن في المنطقة؟ وما مدى قوة شمَّر قبل انتساب عبدة لها؟ وإذا كانت عبدة انتسبت لشمَّر بالحلف كما هو في بعض الروايات فلماذا لَمْ تنسب القبيلة لها لاسيما بعد أن أصبحت لها الرئاسة على القبيلة؟
أسئلة ذات مغزي وفي الإجابة عليها إزالة اللبس والغموض وإبعاد للخلط والتكهن اللذين يلجأ إليها أي باحث في مثل هذا الشأن، وبهذا أدعوا من لديه علم أو إجابة على أي من هذه التساؤلات إيضاحها فزكاة العلم نشره.
وعودة إلى السؤال الخاص بمجيء عبدة إلى الجبلين أقول:
اهتم المؤرخون والباحثون في هجرات القبائل فدونوا الهجرات ذات الصفة الجماعية أو الهجرات التي ترتب عليها قيام إمارة أو كيان قبلي أو صراع بين عدة قبائل أو بطون منها، وأما الهجرات الفردية والمحدودة فلم يلموا بها ولم تستوعبها ملاحظات مَنْ دَوَّنَ واهتم بذكر موجات القبائل المهاجرة أو قد تكون أخفيت أو أهلكت في عصور الجهل ونزوح عشيرة عبدة من الجنوب "اليمن ومنطقة تثليث" إلى الشمال "منطقة حائل والجبلين" هي الأخرى تضاربت الأقوال والروايات حولها ولم يكن هناك ذكر مدون إلَّا ما وصف بهجرة الضياغم، وهذه الهجرة هي التي اعتبرها معظم المؤرخين هي هجرة قبيلة عبدة التي انضمت بالحلف مع بني شمَّر من طيئ الذين يمثلونهم بطن زوبع وبطن الأسلم، ومع أن هجرة الضياغم ورد ذكرها في عدة مواضع من مؤلفات الباحثين إلَّا أن تحديدها بشكل قاطع لا زال موضع جدل بين المؤرخين وما ورد عن كونه منتصف القرن التاسع (٨٥٠ هـ) كما أشار إليه ابن حاتم وغيره خاضع للاحتمال أكثر منه
стр. 5595
للحقيقة، وقد ذكر العثيمين في كتاب نشأة إمارة آل رشيد أن هجرتهم في القرن العاشر حسب رواية ينسبها للشيخ متعب الحمود السبهان (١) - يرحمه الله - وقد قال الدكتور العثيمين في سياق بحثه عن تحديد وقت الهجرة ما يلي (٢): "ليس هناك ما يرجح رواية من هذه الروايات على سواها ولا ما يدلُّ دلالة واضحة على طول الفترة التي قضتها العشيرة المهاجرة بين تحركها من جهات وادي تثليث وبين استقرارها في جبل شمَّر".
وقد تطرق عمر غرامة العمروي في كتابه "منطقة تثليث وما حولها من ٦٥٠ هـ - ١٤١٤ هـ" (٣) إلى الضياغم ونسبهم وهجرتهم إلى شمال الجزيرة في القرن السابع الهجري وذكر أنهم هاجروا إلى الشمال بعدما تعرضوا لسيل مدمر قضى على ما يملكون من أموال وخيول وإبل وغنم ولم يبق منهم إلَّا الناجي بنفسه بل قيل أن السيول جرفت النساء والذراري، ولما نزل بهم ما نزل من أمر الله سبحانه القوي المتعال فما كان من أمرهم إلَّا أن رحلوا نحو شمال الجزيرة ليسلموا من شماتة "كذا" القبائل المجاورة، ومن السطو عليهم بعد أن حل الضعف محل القوة، وقد أورد بيتًا من الشعر للتدليل على ذلك:
غدا بآل عبد الرب براق ليلة … يحت الحصى من عاليات النوايل
فذا مربط الدهما وذا مركز القنا … وذا ملعب الخفرات سمر الجدايل
ولم يذكر العمروي أي مرجع سوى طرفة الأصحاب التي لَمْ أجد بها ما يؤيد رواية نكبتهم بالسيل في موطنهم تثليث، وإنما هناك رواية أخرى حول غرقهم في وادي الرُّمة سيرد ذكرها لاحقا، وقد تكون الرواية التي أوردها العمروي خلطا للثانية أو العكس والحقيقة في علم الغيب مع عدم توافر الدليل القاطع، وليس أمامي سوى الاستنتاج والاحتمال والترجيح.
فإذا أخذنا بالقول أن عبدة وصلت إلى أرض الجبلين في حوالي منتصف القرن التاسع الهجري ممثلة بقادتها من الضياغم الذين تكررت سيرتهم واشتهرت
стр. 5596
حروبهم في العديد من المؤلفات (١) والروايات والأساطير الشعبية فإنه من المرجح أنهم نزلوا منطقة الجبلين في فترة غير مستقرة في المنطقة وهي التي يفترض فيها نزوح بني لام وبطونها من حائل وانتشارها في وسط نجد وتخوم الحجاز، وبنفس الوقت قد تكون بداية قيام بطن بني شمَّر في السلطة، حيث حالفتهم عبدة في بداية الأمر وقبلت انتسابها لقبيلة شمَّر لما لها من روابط النسب والقرابة، فعبدة كما رُوِي أنَّها من جنب مَذْحِج وطيئ أخو مَذْحِج "مالك".
وفي القرن العاشر الهجري أصبح لشمَّر اسم شائع بين قبائل نجد ونفوذ قوي في منطقة الجبلين، وازداد ذلك النفوذ بتماسك القبيلة حاضرة وبادية وانفردت بالسيادة في منطقة الجبلين حتى أصبحت ترهب القبائل الأخرى المجاورة لها، وتتكون قبيلة شمَّر من البطون الرئيسية الثلاثة:
الأول: بطن عبدة ويتفرع إلى الأفخاذ التالية:
(أ) اليحياء: ويضم الفصائل التالية:
١ - المفضل: ومن كبارهم ابن جبرين.
٢ - الفضيل: ومن كبارهم ابن شريم والعجل وهم السنان.
٣ - الجندة: ومن كبارهم ابن جبهان.
٤ - الجري: من كبارهم الفديد.
٥ - الشميلة: من كبارهم ابن دويهم.
٦ - السليط: من كبارهم ابن عقلا.
٧ - الهامل: من كبارهم العرفان.
(ب) الجعفر: ويضم الفصائل الآتية:
١ - العبيد: ومنهم الحميان - الجدوع - الذلاعيب - الشرهان - الغرير الصبعان - الدبل، وسلامة أخو عبيد، فمنه العدلان ومنهم الرشيدان.
стр. 5597
٢ - الرزنا: ومنهم الزقاقدة - والعليان - والمزايدة - واللحيدان.
٣ - آل خليل: ومنهم عشائر المحمد والسمير.
٤ - آل جاسر: ومنهم آل رشيد وآل جبر والقراطا والعقيلي والذويب.
٥ - آل علي: فخذ كبير منهم أقدم أمراء الجبل، حيث ظل في أسرة آل علي إلى أن انتقل إلى أسرة آل رشيد، ومن آل علي عشائر كبيرة وشيخهم بعيجان بن علي.
٦ - القشعم: ومنهم الغانم والسعيد والفتيح، ومن هؤلاء انحدرت عوائل الثويني والبياح الذين منهم العقلا والرواحلة والبشر.
٧ - آل ريّا: وريا هي والدة غالب بن خضير بن جعفر بن محمد بن شهوان، وقد غلب لقب ريّا على اسم غالب فعرف الفخذ باسم آل ريَّا، ومن غالب انحدرت الفصائل الآتية:
أ - الحيامرة ومنهم الشيبان والثنيان، وجدهم الأول محمل.
ب - العطون ومنهم المهوس والراشد وجدهم عواد.
ج - آل سعيد ومنهم:
١ - الريشان موارثهم العبدة - المحيفر - والخزام.
٢ - الرزين موارثهم النعام والطير والفوزان والرشدان.
٣ - القُوعَة (الغالب) وهم أسر حضرية في حائل والدهم غالب بن سعيد بن غالب بن خضير ولقبوا (بالقويعي) نسبة لأمهم بنت ابن قويعان من التومان من سنجارة من شمَّر، وقد طغى اللقب (القويعي) على اسم غالب فعرفوا بذلك وهم عدة عوائل هي:
- آل راشد: وهم قسمان:
أ - آل سبهان الأسرة المعروفة والتي كان لها دور بارز في منطقة حائل ونجد إبان حكم آل رشيد، ولازالت هذه الأسرة من أكبر الأسر في حائل والرياض والحجاز.
стр. 5598
ب - العساف ومنهم أبناء حمد وصالح العساف وعبد الله الدخيل المعروف بالجناخ والحبوس.
- آل عثمان: وهم عدة عوائل: العمر والبكر والشافع والفرس والرباح والدخيل والمطلق والسليمان.
- آل صالح: عدة عوائل وهم الفهد والفايز (العنين) والعبد المحسن والجار الله.
- آل عواد: وهي عائلة كبيرة تضم أسرا في حائل وقراها والنبهانية والرس وحفر الباطن منهم الجار الله والمقرن والهندي والعمران والفرهود والمسعد.
- آل مسيعيد: عدة عوائل منهم محمد وموسى وأبناء عبد العزيز المسيعيد وحسين.
- آل منصور: منهم أبناء فهد المنصور وصالح المنصور والطالب والبراهيم والصفوق.
- آل نصار: ومنهم السلطان والرقاد.
ج - الربيعية: ويضم الفصائل الآتية:
١ - الزقاريط: وشيخهم عراك وابن طلاع.
٢ - العفاريت: وأقدم شيوخهم المجيحيم وكذلك الوبير وابن سوقي، ومن العفاريت الويبار وشيخهم آل هباس وآل نهير.
٣ - الجدي: وشيخهم حمود بن جدي.
٤ - المحيسن: ومنهم الضماد عوائل متحضرة في حائل.
٥ - المردان: ومنهم العطا.
د - الدغيرات: ويلقبون بأولاد علي، وشيخهم ابن سعيد وهم الفصائل الآتية:
١ - العليان: ومنهم السعيد.
стр. 5599
٢ - التريبان.
٣ - الحسين.
٤ - الغوانم.
٥ - الغيثة.
٦ - الهثمي.
٧ - الشريهة.
الثاني: بطن سنجارة.
وهو الاسم الذي حل محل اسم زوبع وفرض نفسه كبديل (لزوبع)، ويذكر نسابو هذا البطن أن زوبع هو الأول وهو ابن محمد بن الحارث شريف طيئ وهي فخذان هما:
- سنجارة.
- وزايدة.
ويضم الفخذان عددًا من الفصائل على النحو التالي:
أ - سنجارة: وفصائلها خمس وهي:
١ - الثابت: وفيهم العشائر الآتية:
أ - التومان: وشيخهم التمياط ومن التومان الوضاح والربعة والصخيل والهدبة.
ب - العمار: فرع رئيسي من الثابت كبيرهم ابن محيثل.
ج - النجم: فرع رئيسي من الثابت كبيرهم ابن راضي.
د - الزرعتين: من الثابت وشيخهم الحدب والرويس.
٢ - الزميل: وشيخهم ابن ثنيان وهم تسع عشائر:
أ - الثنيان.
стр. 5600
ب - الرمحان.
ج - الشيحة والضو.
د - الذرفان وآل أبي سعد.
هـ - النمصان.
و - الشلقان وشيخهم ابن عبكلي.
ر - النبهان ومنهم الخمسان والصلعان وشيخهم ابن رخيص.
ز - الشمروخ ومنهم ابن محمود شيخ زوبع العراق.
ط - السلمان وشيخهم ابن سمير وابن عردان.
٣ - الزامل: وهم عشيرتين رئيسيتين هما:
أ - السويد ومنهم الهرابدة والسند والطوعان والقلابي والخلوي والجعاري والعممة والقدور والحمزة والذنيبات.
ب - الفداغة ومنهم الغريب والمطاعات والسيد والرثعة والشمالات والموقد الذين انحدر منهم ابن رمان صاحب تيماء.
٤ - الغفيلة: أبناء علي بن محمد الحارث، وأكبر شيوخهم ابن رمال وابن بشير وهم:
أ - الرمال ومنهم آل خنشر والمسلم والصلوج والعمور والرخام والمحمد والعلي والخشرم والكوده.
ب - القني ورئيسهم ابن زويمل ومنهم الذياب والجسار والمسطح وآل أبي علي.
ج - البطين وشيخهم السابق وهم: الجردان والمزيريب والمعلكي والمختار ورئيسهم ابن دهيثم واللواحق.
د - الصقر ورئيسهم الأسمر بن صعيوان.
стр. 5601
٥ - زوبع: فرع من زوبع احتفظ بالاسم وهم الحمام والرموث والنمور والكرادة والحرصة.
(ب) الفخذ الثاني من بطن سنجارة (زوبع) هو زايدة
وهو بطن رئيسي ويقسمون إلى ثلاث فصائل هي:
أ - الخرصة ومنهم العشائر التالية:
١ - البريك وشيخهم القعيط ومنهم ابن سعدي من العوارفة المشهورين سابقًا.
٢ - الهضبة ومنهم الجربان الذين نزحوا إلى العراق بعد معركة العدوة عام ١٢٠٥ هـ.
٣ - الغشم ورؤساؤهم البراك.
٤ - العليان ورؤساؤهم ابن دايس وابن سبيه.
ب - العمود: وهم ثلاث عشائر شيخهم ابن عمود وهم:
١ - التجاغفة
٢ - الخلف.
٣ - الفضي.
ج - الصبحي: وشيخهم الصديد وأغبهم في العراق وهم العشائر التالية:
١ - الميامين.
٢ - الحماسي.
٣ - الشواريق.
٤ - الحريرة، ومن رؤسائهم ابن شريعب وابن موعد.
(ج) الفخذ الثالث: بطن الأسلم
هو الثالث من بطون قبيلة شمَّر القحطانية، وهم أبناء عيسى وهم ثلاثة أفخاذ: المنيع والوهب والصلتة، ومن هؤلاء الثلاثة انحدرت الفصائل الآتية:
أ - المنيع الفخذ الأول ومنه انحدرت الفصائل التالية:
стр. 5602
١ - الطوالة: ومنهم الحوادلة (النعيس) والمدلول (الكتاب) والداني والكليب واللهيميد والعنيزان والشاكر والدرويش والرشيد والقورة والشبل والخضرة والرفيق والمغاصا والمهِرّان والخشيرم والقيفه والنَّعاجَا والجحران والجلاجلة والعواويم والعيادي والغضيان.
٢ - المسعود: ومنهم اللغيصم والقاسم والنافع والمنبَّه والفضالة والمشرَّف والمذَّعر والريْعان والجمعْ
٣ - الكامل: ومنهم الغشام والطريف والضبان والنباطاء والفرزان والسليم والمناكدة والجمهور (في منطقة الرياض).
٤ - الصالح: وقد اندمجت عوائلهم إلى فصائل في بطون الأسلم.
٥ - الفايد: ومنهم الوجاعا (الوجعان) والنفشة والورزة والجرطان والمطرَّف والعمير.
ب - الفخذ الثاني الوهب:
وهم أبناء وهب بن عيسى والوهب ثلاث عشائر هي المحمد والقدير والجذيل.
١ - من المحمد انحدرت الفصائل الآتية: البدر والفريان والبرزة والدحيل وآل أبي دغيم والهبيرات والسكوت والعطاعطة.
٢ - ومن القدير الجحيش، ومنهم الفصائل الآتية: الطريف والوريك والشودح والزبلان والجنفاء والعيادة والشراطين والهياهية والمعيبي.
٣ - ومن جذيل انحدرت الهمزان ومنهم:
أ - الفنيخ ومنهم المبارك والبركان والخلف والزهو والمقبَّل والدباس.
ب - الجعيلان ومنهم: العبد الله والسعيَّد والسعدي والمساعد.
ج - الفخذ الثالث الصلتة:
وهم خمس فصائل تابعين للكتفاء وهم:
стр. 5603
١ - الغرير وينسبون لعدي بن حاتم ومنهم الجراح والمقبل وتسلسل منهم:
- الصفر ومنهم الكتفا والبحير والقداها والوقاد، ومن الوقاد الفندولة والظلاما والعميرة والسليود والهرشان.
- الشياشا ومنهم العواد والمطلق والدهش.
- النخيلان ومنهم القطبان والزوران والجبارات.
- الغريس ومنهم الزبن والعجاج والمعاويد والأذان.
- القفيل ومنهم الجردان والفالح والبليد.
- العويص ومنهم الغربان والعيد والرمثان والرحيان.
٢ - المناصير وهم:
أ - البكير ومنهم البشر والوقيت والشلهوب والسحلوب والصبري والغراقا.
ب - الملوح ومنهم القناص والشريان والبلعوس والقرين، ومن القناص الشبطان والبلد والبتنان والمكمي.
ومن الشريان: الشكر واللاحم والركاد.
٣ - المعاضيد ومنهم المشيط واللحصة وآل عرجا.
٤ - الهيرار ومنهم الدهمي والمعيلي والمفرج والهلال والسوادي.
٥ - النفقان ومنهم الغانم والغنيم والعركي والرقبان والخربوش والهبعة والمنصور والمطاوع والحسيان والشهيب والطبول والحامد والسويعد والدوشان.
стр. 5604
هذه قبيلة شمَّر ببطونها الرئيسية الثلاثة
(عبدة - سنجارة "زوبع" - الأسلم) أوردتها بطونا وأفخاذا وعشائر بعد أن رجعت إلى عدد من الكتب التي أوردت نسبهم وكذلك بعض المشجرات، وقد ندر أن وجدت تطابقا فيما اطلعت عليه وقد قارنت ما توصلت إليه مع رواية بعض الثقات في توزيع القبيلة إلى بطون ثم إلى فخوذ وعشائر وما يتفرع دون ذلك فوجدت أن أقرب شيء إلى الصواب هو ما دونته مستندًا إلى:
١ - بالنسبة لبطني سنجارة والأسلم إلى كتاب كنز الأنساب ومجمع الآداب للشيخ حمد إبراهيم الحقيل الذي استند فيما أورده إلى كل من الشيخ راكان بن أحمد التمياط والشيخ سعد بن طوالة (١) وكل منهما يمثل بطنا من البطنين المذكورين وقد أوضح الشيخ الحقيل نسبة المعلومات كما في هامش كتابه.
٢ - بالنسبة إلى توزيع بطن عبدة، فقد استندت إلى الرواية الشفهية للشيخ حمود بن جدي شيخ آل جدي بالنسبة إلى فخذ اليحيا والربيعَةَ والجعفر وذلك بالنسبة للفخوذ الثلاثة وما يتفرع منها من فصائل دون الخوض في العشائر والأسر وما ورد بعد ذلك فهو من نتاج بحثي.
وأما فخذ الدغيرات فقد أملاه الشيخ مطني بن رسام من العليان، أمام الشيخ حمود بن جدي، وعلى كل فقد حرصت على التدوين حرصًا مني على إزالة الحوض واللبس في ذكر هذه البطون والأفخاذ، وبنفس الوقت هي دعوة لمن لديه معلومات أدق من ذلك للأخذ بها تدقيقا وتصويبا في الطبعات التالية حيث بدون النشر والخطأ والتصويب ستكون مثل هذه الأمور عرضة للاندثار والتشويه.
ومن الأمور التي دفعتني لتدوين ذلك هو ما لمسته من إهمال النّاس لهذا الأمر، حيث يوجد من يبلغ من العمر ما يقارب الثمانين سنة ممن يدعون بعض المعرفة ومع ذلك لَمْ يستطيعوا أن يفرقوا بين بطن وفخذ وعشيرة حيث يدمجون ذلك أو يجعلون أسرة كبيرة هي الفخذ كله.
стр. 5605
ومع قناعتي بأن هناك من سيعترضني على بعض ما أوردته ولكن بكل امتنان أدعوه لاطلاعي أو الكتابة لي بما لديه لأهتدي به فيما بعد وأعتمده في الطبعات اللاحقة وتعدد القبيلة مثار خلاف منذ عصور بعيدة، فخذ مثلا الوبير وهو يخاطب محمد بن رشيد بقوله:
الله يعينك يا موارث عطيه … كيف أنت يا شيخ كسبت النواميس
أوصيك أنا بالعزوة الشمريه … يا شيخ ترهم زوبع والسناعيس
وأهل اللحيسة كان هي بالحميه … وأولاد علي مخضبين المتاريس
هكذا حددهم الوبير بزوبع (سنجارة والسناعيس عبدة وأهل اللحيسة الأسلم وأولاد علي الدغيراث) وعودة إلى هجرة عبدة من الجنوب إلى منطقة الجبلين وفق ما ذكر الدكتور العثيمين بأن الشيخ متعب السبهان أفاده أنَّها في القرن العاشر نشأت إمارة آل رشيد.
أقول أن هناك رواية أنقلها عن الشيخ عبد الكريم بن محمد السالم السبهان (١)، حيث ذكر أن عبدة لَمْ يكن نزوحها من الجنوب إلى الشمال مُرّة واحدة وإنما كانت عدة مرات، فقد ذكر في روايته أن بعضًا من عبدة التي استقرت في الجبلين عادت مُرّة أخرى إلى الجنوب، وظلت هناك مدة من الزمن لَمْ يحدد طول تلك المدة ثم بعد ذلك عادوا مُرّة أخرى إلى الجبلين ووجدوا أن قبيلتهم "شمَّر" من الضعف بحيث إن بعض القبائل استولت على بعض مواطنهم وذكر بالتحديد زبيد ورئيسهم بهيج الذي كان يسيطر على شرقي جبل أجأ وأوديتها وقرية عقدة بالذات وأن العائدين من الجنوب غضبوا لما وصلت إليه قبيلتهم ولاموهم على عدم الذود عن مواطنهم، وقادوا الصراع ضد الزبيديين وانتهى ذلك الصراع بإجلاء بهيج وقومه بني زبيد من عقدة ومن الجبل وعند ذلك عادت السيادة الكاملة لشمَّر وصارت الرئاسة لعبدة من شمَّر.