٥ - زوبع: فرع من زوبع احتفظ بالاسم وهم الحمام والرموث والنمور والكرادة والحرصة.
(ب) الفخذ الثاني من بطن سنجارة (زوبع) هو زايدة
وهو بطن رئيسي ويقسمون إلى ثلاث فصائل هي:
أ - الخرصة ومنهم العشائر التالية:
١ - البريك وشيخهم القعيط ومنهم ابن سعدي من العوارفة المشهورين سابقًا.
٢ - الهضبة ومنهم الجربان الذين نزحوا إلى العراق بعد معركة العدوة عام ١٢٠٥ هـ.
٣ - الغشم ورؤساؤهم البراك.
٤ - العليان ورؤساؤهم ابن دايس وابن سبيه.
ب - العمود: وهم ثلاث عشائر شيخهم ابن عمود وهم:
١ - التجاغفة
٢ - الخلف.
٣ - الفضي.
ج - الصبحي: وشيخهم الصديد وأغبهم في العراق وهم العشائر التالية:
١ - الميامين.
٢ - الحماسي.
٣ - الشواريق.
٤ - الحريرة، ومن رؤسائهم ابن شريعب وابن موعد.
(ج) الفخذ الثالث: بطن الأسلم
هو الثالث من بطون قبيلة شمَّر القحطانية، وهم أبناء عيسى وهم ثلاثة أفخاذ: المنيع والوهب والصلتة، ومن هؤلاء الثلاثة انحدرت الفصائل الآتية:
أ - المنيع الفخذ الأول ومنه انحدرت الفصائل التالية:
стр. 5602
١ - الطوالة: ومنهم الحوادلة (النعيس) والمدلول (الكتاب) والداني والكليب واللهيميد والعنيزان والشاكر والدرويش والرشيد والقورة والشبل والخضرة والرفيق والمغاصا والمهِرّان والخشيرم والقيفه والنَّعاجَا والجحران والجلاجلة والعواويم والعيادي والغضيان.
٢ - المسعود: ومنهم اللغيصم والقاسم والنافع والمنبَّه والفضالة والمشرَّف والمذَّعر والريْعان والجمعْ
٣ - الكامل: ومنهم الغشام والطريف والضبان والنباطاء والفرزان والسليم والمناكدة والجمهور (في منطقة الرياض).
٤ - الصالح: وقد اندمجت عوائلهم إلى فصائل في بطون الأسلم.
٥ - الفايد: ومنهم الوجاعا (الوجعان) والنفشة والورزة والجرطان والمطرَّف والعمير.
ب - الفخذ الثاني الوهب:
وهم أبناء وهب بن عيسى والوهب ثلاث عشائر هي المحمد والقدير والجذيل.
١ - من المحمد انحدرت الفصائل الآتية: البدر والفريان والبرزة والدحيل وآل أبي دغيم والهبيرات والسكوت والعطاعطة.
٢ - ومن القدير الجحيش، ومنهم الفصائل الآتية: الطريف والوريك والشودح والزبلان والجنفاء والعيادة والشراطين والهياهية والمعيبي.
٣ - ومن جذيل انحدرت الهمزان ومنهم:
أ - الفنيخ ومنهم المبارك والبركان والخلف والزهو والمقبَّل والدباس.
ب - الجعيلان ومنهم: العبد الله والسعيَّد والسعدي والمساعد.
ج - الفخذ الثالث الصلتة:
وهم خمس فصائل تابعين للكتفاء وهم:
стр. 5603
١ - الغرير وينسبون لعدي بن حاتم ومنهم الجراح والمقبل وتسلسل منهم:
- الصفر ومنهم الكتفا والبحير والقداها والوقاد، ومن الوقاد الفندولة والظلاما والعميرة والسليود والهرشان.
- الشياشا ومنهم العواد والمطلق والدهش.
- النخيلان ومنهم القطبان والزوران والجبارات.
- الغريس ومنهم الزبن والعجاج والمعاويد والأذان.
- القفيل ومنهم الجردان والفالح والبليد.
- العويص ومنهم الغربان والعيد والرمثان والرحيان.
٢ - المناصير وهم:
أ - البكير ومنهم البشر والوقيت والشلهوب والسحلوب والصبري والغراقا.
ب - الملوح ومنهم القناص والشريان والبلعوس والقرين، ومن القناص الشبطان والبلد والبتنان والمكمي.
ومن الشريان: الشكر واللاحم والركاد.
٣ - المعاضيد ومنهم المشيط واللحصة وآل عرجا.
٤ - الهيرار ومنهم الدهمي والمعيلي والمفرج والهلال والسوادي.
٥ - النفقان ومنهم الغانم والغنيم والعركي والرقبان والخربوش والهبعة والمنصور والمطاوع والحسيان والشهيب والطبول والحامد والسويعد والدوشان.
стр. 5604
هذه قبيلة شمَّر ببطونها الرئيسية الثلاثة
(عبدة - سنجارة "زوبع" - الأسلم) أوردتها بطونا وأفخاذا وعشائر بعد أن رجعت إلى عدد من الكتب التي أوردت نسبهم وكذلك بعض المشجرات، وقد ندر أن وجدت تطابقا فيما اطلعت عليه وقد قارنت ما توصلت إليه مع رواية بعض الثقات في توزيع القبيلة إلى بطون ثم إلى فخوذ وعشائر وما يتفرع دون ذلك فوجدت أن أقرب شيء إلى الصواب هو ما دونته مستندًا إلى:
١ - بالنسبة لبطني سنجارة والأسلم إلى كتاب كنز الأنساب ومجمع الآداب للشيخ حمد إبراهيم الحقيل الذي استند فيما أورده إلى كل من الشيخ راكان بن أحمد التمياط والشيخ سعد بن طوالة (١) وكل منهما يمثل بطنا من البطنين المذكورين وقد أوضح الشيخ الحقيل نسبة المعلومات كما في هامش كتابه.
٢ - بالنسبة إلى توزيع بطن عبدة، فقد استندت إلى الرواية الشفهية للشيخ حمود بن جدي شيخ آل جدي بالنسبة إلى فخذ اليحيا والربيعَةَ والجعفر وذلك بالنسبة للفخوذ الثلاثة وما يتفرع منها من فصائل دون الخوض في العشائر والأسر وما ورد بعد ذلك فهو من نتاج بحثي.
وأما فخذ الدغيرات فقد أملاه الشيخ مطني بن رسام من العليان، أمام الشيخ حمود بن جدي، وعلى كل فقد حرصت على التدوين حرصًا مني على إزالة الحوض واللبس في ذكر هذه البطون والأفخاذ، وبنفس الوقت هي دعوة لمن لديه معلومات أدق من ذلك للأخذ بها تدقيقا وتصويبا في الطبعات التالية حيث بدون النشر والخطأ والتصويب ستكون مثل هذه الأمور عرضة للاندثار والتشويه.
ومن الأمور التي دفعتني لتدوين ذلك هو ما لمسته من إهمال النّاس لهذا الأمر، حيث يوجد من يبلغ من العمر ما يقارب الثمانين سنة ممن يدعون بعض المعرفة ومع ذلك لَمْ يستطيعوا أن يفرقوا بين بطن وفخذ وعشيرة حيث يدمجون ذلك أو يجعلون أسرة كبيرة هي الفخذ كله.
стр. 5605
ومع قناعتي بأن هناك من سيعترضني على بعض ما أوردته ولكن بكل امتنان أدعوه لاطلاعي أو الكتابة لي بما لديه لأهتدي به فيما بعد وأعتمده في الطبعات اللاحقة وتعدد القبيلة مثار خلاف منذ عصور بعيدة، فخذ مثلا الوبير وهو يخاطب محمد بن رشيد بقوله:
الله يعينك يا موارث عطيه … كيف أنت يا شيخ كسبت النواميس
أوصيك أنا بالعزوة الشمريه … يا شيخ ترهم زوبع والسناعيس
وأهل اللحيسة كان هي بالحميه … وأولاد علي مخضبين المتاريس
هكذا حددهم الوبير بزوبع (سنجارة والسناعيس عبدة وأهل اللحيسة الأسلم وأولاد علي الدغيراث) وعودة إلى هجرة عبدة من الجنوب إلى منطقة الجبلين وفق ما ذكر الدكتور العثيمين بأن الشيخ متعب السبهان أفاده أنَّها في القرن العاشر نشأت إمارة آل رشيد.
أقول أن هناك رواية أنقلها عن الشيخ عبد الكريم بن محمد السالم السبهان (١)، حيث ذكر أن عبدة لَمْ يكن نزوحها من الجنوب إلى الشمال مُرّة واحدة وإنما كانت عدة مرات، فقد ذكر في روايته أن بعضًا من عبدة التي استقرت في الجبلين عادت مُرّة أخرى إلى الجنوب، وظلت هناك مدة من الزمن لَمْ يحدد طول تلك المدة ثم بعد ذلك عادوا مُرّة أخرى إلى الجبلين ووجدوا أن قبيلتهم "شمَّر" من الضعف بحيث إن بعض القبائل استولت على بعض مواطنهم وذكر بالتحديد زبيد ورئيسهم بهيج الذي كان يسيطر على شرقي جبل أجأ وأوديتها وقرية عقدة بالذات وأن العائدين من الجنوب غضبوا لما وصلت إليه قبيلتهم ولاموهم على عدم الذود عن مواطنهم، وقادوا الصراع ضد الزبيديين وانتهى ذلك الصراع بإجلاء بهيج وقومه بني زبيد من عقدة ومن الجبل وعند ذلك عادت السيادة الكاملة لشمَّر وصارت الرئاسة لعبدة من شمَّر.
стр. 5606
وقصة بهيج وحربه مع شمَّر واردة في عدة من المراجع والأشعار والسير فقد نسب إلى بهيج قوله (١):
يقول بهيج بن ذبيان مثايل … دمعه على الأملاك دون الشلايل
جلونا عن ديارنا العذبات شمَّر … قراح وبرد ماء يداوي الغلايل
ونحيته رقاب القود عنهم وغربن … وعين الزبيدات لنجد مايل
لا صار ما عدل معادله عديله … ما ينقعد بالدار والشيل مايل
ولا صار ما حق الفتى بذراعه … هبيت يا حكم يجي بالدخايل
صبار على الزهدة بسوء فعلهم … بالنسب ما يوجد لهم بالقبائل
لئام لو حججتهم كعبة الرضا … يجازونك عنها بالبايرات الفسائل
وأقول من هذه الأبيات أن صح نسبتها لبهيج - هناك مؤشرات توحي بقدم تواجد الزبيديين في عقدة وأجا مستدلا بقوله: "جلونا عن ديارنا العذبات شمَّر".
وكذلك في قوله: "هبيت يا حكم يجي بالدخايل"، فهو يعتبر أنه أجلي من دياره ويمقت السلطة والحكم عندما تكون "بالدخايل" أي بالدخول مع الآخرين، والزبيديون هم أبناء عم لعشيرة عبدة القحطانية، حيث إن زبيدا ينتهي نسبها إلى مَذْحِج "مالك" من قحطان.
وقد استشهد شعراء شمَّر ودللوا على نفوذهم وسلطتهم على جبل أجا حيث قال شاعرهم:
يا شارخ اركب فوق ناب النسانيس … حرّ هميم من نجايب نضاها
نوّخِ على عدوان وسيّر على نعيس … وقل الدار دار اللِّي بسيفه حماها
الدار لليتمان لو يزغل نعيس … ولو يغضب التومان واللي وراها
قبلك بهيج حدروه السناعيس … من عقدة اللِّي ما يزحزح قناها
ومهما تواترت الروايات وتكررت الأقاويل حول شمَّر وبطونها وأفخاذها وعشائرها ودور عبدة فيها فلم يجد الباحث ما يستند إليه مدونا حتى بداية القرن
стр. 5607
الثاني عشر أي في حدود ما يربو على ثلاثمائة عام من تاريخ إعداد هذا البحث حيث بدأت أجد بعض الذكر الحكم الجبل وفعالياته ولا يعني هذا عدم وجود حكم أو فعاليات في الفترة التي لَمْ يدون لها ذكره"، وهذا الذكر يدعونا لبحث نشأة مدينة حائل كمدينة بديلة عن السويفلة التي ذكرتها في بداية هذا البحث.
نشأة مدينة حائل
(معقل شمَّر في المملكة العربية السعودية)
ذكر الإخباريون فيما ورد عن حائل أنَّها اسم لواد وأن هذا الوادي نشأ على ضفته الشرقية قرية عمرت في عصور الطائيين المتقدمة كما وردت في الأشعار ولاسيما في بيت امرئ القيس المشهور الذي سبق ذكره، وذكر الباحثون أن القرية كانت حصينة مستدلين بعرض أحد الطائيين على الحسن بن علي الاحتماء عندهم كما سبق الإشارة إليه في موضع سابق في هذا البحث.
ويعتقدون أن القرية استمرت منذ تلك الأزمنة وأنها صارت فيما بعد تعرف بالسويفلة وأن اسم حائل كمدينة لَمْ يعرف إلَّا في بداية القرن الثاني عشر الهجري (١)، يقول الشيخ حمد الجاسر وهو أكثر أبناء الجزيرة العربية اهتمامًا ودأبا وبحثا في مثل هذه المواضيع يقول: "لَمْ أر لبلدة حائل منذ القرن الحادي عشر فما قبله ذكرا فيما اطلعت عليه من أخبار هذه الجهات"، وقال في نفس السياق أن شريف مكة غزا "المنطقة" عام ٩٦٣ هـ (٢)، ولم يذكر المؤرخ حائلا وإنما ذكر شمَّر معتقدا أنَّها اسم موضع كما في سمط العوالي.
وورد اسم حائل في ما نسب للسيد عباس المكي الحسيني الموسوي الذي زار حائل في ٦ محرم من عام ١١٣١ هـ والذي أورد وصفا لحائل فقال: فأتينا على جبل شمَّر، والكل منا لذيل الانشراح قد شمَّر، وهناك قرية تسمى "حائل" ضرب الأنس بينها وبين الهموم بحائل، ذات نخيل وأشجار وعيون وآبار،
стр. 5608
وطيور وأزهار، وبساتين واسعة الثمار وكأنها روضة من رياض الجنان، فيها من كل فاكهة زوجان، وأهلها عرب كرام، شمل كرمهم الخاص والعام، لَمْ تلق فيهم غير شجاع عظيم، وجواد كريم، وبها كل غادة أملُود، تفتك بلباتها الأسود، هيفاء رعبوبة رداح، محيَّاها يضيء كالمصباح، كاملة الحسن والأوصاف قد جمعت بين الجمال والعفاف (١).
هذا النص كتب في الثلث الأول من القرن الثاني عشر (١١٣١ هـ) وورد ذكر قرية حائل، وهذا يعني أن اسم حائل متواتر ومعروف قبل كتابة ذلك النص وأنه يذكر بديلا عن اسم القرية السويفلة، وهناك احتمال أن قرية حائل أقدم ذكرا من السويفلة ويدعم هذا الاحتمال استمرار ذكر السويفلة كموقع محدد حتى هذه الأيام، وقد تكون السويفلة جزءًا من قرية حائل فما هو معروف ومتواتر أن الوجود السكني في حائل "القرية" لَمْ يتجاوز ما هو معروف الآن بواسط وحزوي، وهما مزارع محمد السبهان والعتقيق والمسيعيد حاليًا، وذلك فيما بعد منتصف القرن الثاني عشر، وقد حددت هذا التاريخ مستدلا بقدم المباني في بعض الأحياء التي ظلت باقية إلى عهد قريب كما في حي لبدة حيث وجدت تواريخ في بعض الديوانيات مؤرخة بعام (١١٦٨ هـ) في بقايا منزل عثمان بن علي بن مسيعيد جد العثمان من القُوعَة وكذلك في ديوانية عبد العزيز الغضبان التي هي أساسا من أملاك العساف من القُوعَة وكان عليها تاريخ (١١٥٠ هـ)؛ إذ ترجع ملكية تلك المنطقة السالم العساف الراشد القويعي ومن نسله الباقين دخيل الجناخ وأبناؤه.
من هذا أستخلص ما يأتي:
١ - أن حائل هي التي تواتر ذكرها في موقع السويفلة أو أن السويفلة حي من قرية حائل، حيث إن الشواهد والروايات كلها تجمع أن الوجود الحضري السكاني هو في ذلك الموقع أي على ضفتي وادي الأديرع فيما بين السمراوين ومكان تقارب السمراوين معروف باسم (الخنقة) وقد يعني الاختناق حيث تقيم في ذلك الموقع الضيق عدد من العوائل
стр. 5609
من بطن عبدة وأكثرهم من فخذ الجعفر الذين صار لهم الأمر والنهي في حكم حائل ممثلا في آل علي وآل رشيد.
٢ - أن كثرة المقابر الدارسة في ذلك الموقع والتي تم تسويرها أخيرا دليل على تعاقب الأجيال في تلك البقعة عبر أزمنة طويلة قد تكون ممتدة من عهد الطائيين إلى هذا العصر، في حين أن حائل المدينة الحالية لَمْ تكن ذات شأن أو ذكر قبل خروج بعض العوائل من أماكنهم القديمة في السويفلة وما بين السمراوين واقتسامهم الأراضي التي تقع غرب وادي الأديرع وجوب السمراء الشمالية، وإحداثهم بها مساكن ومزارع.
٣ - من المعروف أن رئاسة الجبلين في عدة من شمَّر، وأن عبدة مكونة من عدة أفخاذ وعشائر وأن عددًا من تلك العشائر ألفت حياة البادية والترحال، في حين أن البعض منهم قد امتهن الفلاحة وحياة الاستقرار وآخرون جمعوا الاثنين معا؛ ولهذا كان للعوائل التي تحضرت واستقرت سبق في السلطة والإمارة، وقد تفاوتت قوة تلك السلطة فيما بين العوائل، الأمر الذي أبي إلى بعض التشاحن والخلافات بين الأقارب وأحيانا إلى حد الاقتتال، ولم يذكر أن هناك سلطة حضرية قوية خضعت لها كامل القبيلة في عهد سلطة الأسر، بل ذكرت بعض المراجع أن السلطة البدوية كانت ذات النفوذ الأقوى في الحروب والمغازي كما هو واقع الجربان الذين كان لهم صولة وجولة على بادية شمَّر في نهاية القرن الثاني عشر وقبل معركة العدوة مع قوات آل سعود في مطلع القرن الثالث عشر الهجري.
٤ - ذكر المسنون قصة تناقلوها عن آبائهم وأجدادهم وكرروها في مجالسهم عن اقتسام الأرض غرب الأديرع وجنوب السمراء الشمالية بين أبناء "سعيد" المعروف بابن ضيغم حسب رواياتهم وهو: سعيد ابن غالب ابن خضير بن جعفر بن محمد بن شهوان بن منصور بن ضيغم بن منيف بن جابر بن علي بن عبد الرب بن ربيع بن سليمان
стр. 5610
ابن عبد الرَّحمن بن "روح" زوج عبيدة منها بدأت نسبة عبدة وأبناؤه الذين اقتسموا الأرض بموجب القرعة هم غالب وريشان ورزين اقتسموها بعد أن حددوها بثلاث جهات فكان نصيب ريشان مغيضة وغالب لبدة ورزين هو الأصغر لَمْ يقتنع بموقعه لأنه ضيق ومواز اللوادي؛ لذلك قال متمثلا:
نحوني على الجابوح والملح والصفا … سيفي قصير والسيوف طوال
وهذه الرواية قد تكون حقيقية لأنَّ الواقع يدعمها، فمنطقة حائل مغيضة أصبحت لريشان وأبنائه ومن جاء من أصلابهم كالعبدة والمحيفر ولبدة لغالب وأبنائه القُوعَة الذين هم المسيعيد والراشد والعثمان والصالح والعواد والمنصور والنصار، ولرزين وأبنائه الذين هم النعام والمطير والفوزان والرشدان والهماشا الجهة الشرقية ولازالت تلك العوائل تمتلك تلك البقاع إلَّا ما انتقل إلى الغير عن طريق البيع أو الميراث أو بالإقطاع للحلفاء أو الجيران من الأسر العريقة ذات المكانة الهامة التي استوطنت معهم وتنتمي لقبائل أخرى وأصبح لهم شأن في حي لبدة بعد أن صارت حائل مدينة لها أثرها وتأثيرها في منطقة نجد.
وفي الوقت الذي بدأت حائل في موقعها الجديد تتسع كانت الحياة في القرية القديمة تعج بالنشاط من خلال الأسر التي تقيم فيها والتي بدأت تكثر وتتناسل ويزداد عددها من يحيا وجعفر وربيعَةَ والعوائل الفتيح والضماد والعدلان والحميان والزفاقدة والعلي وغيرهم من الأسر التي تربطهم القربى وتتأثر تلك الروابط بتطلع كل عائلة إلى مكانة هامة ونفوذ قوي؛ لهذا كانت كل عائلة تشكل قوة إلَّا أن إمارة آل علي هي التي كان لها القبول عند الجميع مما جعلها تستمر وتعترف بها عشائر شمَّر دون خضوع تلك العشائر لها خضوعا مطلقًا، وقد أورد المؤرخون أسماء من تولى الإمارة من آل علي وفقا لما توصلوا إليه من استنتاج على النحو التالي:
فقد توصل الباحث أبو عبد الرَّحمن بن عُقيل الظاهري (١) إلى تسلسل أمراء الجبل من آل علي فقال: لقد حققت ترتيب ولايتهم على النحو التالي:
стр. 5611
١ - عبد المحسن بن فايز بن محمد بن عيسى بن علي بن علي بن عطية، وهو أمير الجبل في عهد الإمام عبد العزيز بن محمد وقد دخل في طاعته عام ١٢٠١ هـ.
٢ - محمد بن عبد المحسن تولى عام ١٢٠١ هـ.
٣ - عيسى بن علي تولى عام ١٢٣٤ هـ.
٤ - صالح بن عبد المحسن تولى عام ١٢٤٩ هـ.
٥ - ابن رشيد عام ١٢٥٠ هـ.
٦ - عيسى بن علي تولى مُرّة ثانية عام ١٢٥٣ هـ.
وقال في نهاية ترتيبه: "أنه جاء بعد تحقيق وتدقيق ومناقشات"، وقد أشرت سلفا إلى خضوع العشائر الشمرية لإمارة العلي الحضرية لَمْ يكن مطلقًا بدليل أن التاريخ لَمْ يذكر أي نفوذ لإمارة العلي منذ عهد أقدم الأمراء (محمد بن علي الأول) وهو محمد بن عيسى بن علي بن علي بن عطية، والي عهد محمد ابن عبد المحسن الذي في عهده دخلت المنطقة تحت الحكم المسعودي عام ١٢٠١ هـ (١) على القبائل يمكن الاستشهاد به.
ومن الأدلة المثبتة عدم تدخل ابن علي وحاضرة الجبل عندما هاجمت الجيوش السعودية العشائر الشمرية في العدوة بقيادة مطلق الجرباء وابنه مسلط عام ١٢٠٥ هـ وهي المعركة التي قتل فيها مسلط بن مطلق الجرباء وكانت بداية نزوح بعض من عشائر شمَّر إلى العراق بقيادة الجربان.
وللأستاذ الباحث سعد بن خلف العفنان إسهام في ذكر أمراء حائل على مدى أربعة قرون، فقد أورد في كتابه حائل وعبقرية المكان الطبعة الثانية (ص ٢٢١ - ٢٢٦) تفصيلا عن الأمراء من أسرة آل علي الذين تعاقبوا السلطة فيها خلال فترة تجاوزت مائتين وخمسين سنة وكان ذلك التفصيل على النحو التالي (٢):
стр. 5612
١ - علي (الكبير) بن عطية بن خضير من آل جعفر من عبدة من شمَّر.
٢ - علي الثاني ويبدو أنه من أحفاد علي الكبير.
٣ - عيسى بن علي.
٤ - محمد بن عيسى المشهور بالسمن العرابي.
٥ - فايز بن محمد بن عيسى.
٦ - عبد المحسن بن فايز.
٧ - محمد بن عبد المحسن.
٨ - عيسى بن عبد المحسن.
٩ - صالح بن عبد المحسن.
١٠ - عيسى بن عبيد الله آل علي.
ويرجح الأستاذ العفنان أن علي الكبير قد عاش شطرا من القرن العاشر وأوائل القرن الحادي عشر.
ومن الثابت تاريخيا أن مسكن آل علي في السويفلة، ثم بنوا لهم قصرا في جهة مغيضة أطلق عليه اسم الوشيقي ولازال الموقع معروفًا بهذا الاسم.
وقد آل إلى العلي عن طريق أخوالهم الشهوان من الريشان حسب رواية بعض المسنين، حيث كانت منطقة مغيضة قسم ريشان بن سعيد بن غالب عندما اقتسم أبناء سعيد المنطقة (مغيضة وليدة وحي الرزين) كما سبق ذكره.
وفي حكم الأمير محمد بن عبد المحسن بدأ في بناء قصر برزان المشهور إلَّا أنه لَمْ يكمله بالوضع الذي عرف به قصر برزان بقلاعه وردهاته وأبوابه ومداخله بل تم إكماله في عصر آل رشيد ونال شهرته على يدهم (١)؛ إذ من المعروف أن حكم الجبل انتقل من أسرة آل علي إلى أسرة آل رشيد في عام ١٢٥٠ هـ. ثم استعاده عيسى بن علي بمساعدة القوات المصرية لفترة قصيرة خلال
стр. 5613
عام ١٢٥٣ هـ. إلى أن تم القضاء نهائيا على حكم أسرة آل علي بالاستيلاء الكامل على حكم الجبل من قبل عبد الله بن علي بن رشيد ومساعدة أخيه عبيد بن علي ابن رشيد.
ويعتبر حكم أسرة آل علي المنحدرة من الجعفر من عبدة من شمَّر أول حكم حضري في منطقة الجبلين واستمر عشرات السنين، وبالرغم من أن المراجع ولا حتى روايات الرواة لَمْ تسعفنا بتحديد دقيق لبدايته إلَّا أنه متواتر أن الحكم في هذه الأسرة منذ زمن يرجح أن يكون امتدادا لسلطة الجد الأكبر عطية بن علي الذي قد يكون زمنه في الثلث الأخير من القرن العاشر الهجري، أما بعد أن دخلت الجبلين في طاعة آل سعود في عهد الإمام عبد العزيز بن محمد عام ١٢٠١ هـ فإنها كانت ملتزمة بولائها مناصرة للدعوة السلفية التي قادتها الدولة السعودية الأولى وعملت على امتدادها في أرجاء الجزيرة العربية، ولقد كان الأمراء الجبل مواقف مساندة للدولة السعودية الأولى ومناصرة مخلصة للدعوة السلفية، وقد تجلى ذلك في مشاركتهم في العديد من الغزوات والحروب مع قوات الإمام حيث قاد أمير الجبل محمد بن عبد المحسن القوات لغزو الشرارات عام ١٢٠٧ هـ في منطقة الجوف؛ وذلك لصالح الدولة السعودية الأولى واشترك في الحملة ضد ثويني زعيم المنتفق عام ١٢١١ هـ. عندما زحف من العراق نحو الإحساء، واشترك بقواته مع قوات الدولة المرابطة في المدينة المنورة لمنع أمير حجاج الشام وتركيا عبد الله باشا العظم من مواصلة سيره إلى مكة وإجباره على العودة إلى دمشق (١) عام ١٢٢١ هـ، كما اشترك أمير الجبل وأهل الجبل مع الإمام سعود في غزوة لبلاد الشام عام ١٢٢٥ هـ، ولقد لقي أمير الجبل وسكانه من القوات المصرية أصناف التعسف والإجراءات التأديبية الصارمة لقاء موقفهم المخلص للدولة والدعوة وكان شأنهم بذلك شأن بقية أقاليم الدولة في أنحاء نجد، ولكن لأهمية الجبل وقيادته فقد جعلت القوات المصرية من أهم أهدافها القضاء على قوته وقيادته المتمثلة بأميرها ذي المكانة البارزة بين قادة أقاليم نجد فدبر له قائد قوات إبراهيم بن محمد على المرسلة للجبل خطة غدر بها بالأمير محمد بن عبد المحسن واغتاله وقطع رأسه وهرب تحت جنح الظلام، وظل الأمير
стр. 5614
قتيلا في منزل الداحس إلى أن اكتشف الأمر وأخرج ودفن في مقبرة الزبارة وظل قبره معروفًا هناك إلى عهد قريب، واستمر ولاء أمراء الجبل من آل علي للدولة السعودية الثانية عندما أعادها الإمام تركي بن عبد الله إذ جددوا له البيعة عام ١٢٤٣ هـ.
ونعود مُرّة أخرى إلى حائل المدينة لنعرف ما وصلت إليه في نهاية حكم آل علي من حيث العمران وانتشار المزارع والتجارة فأقول: ذكر الرواة أن حي مغيضة وحي لبدة أصبح لهما أهمية إذ كثرت بهما بساتين النخيل عندما أقبلت الأسر التي امتلكت تلك النواحي بزراعتها وإقامة المباني السكنية والقلاع والأسوار، وكان لبعض الأسر أسوار حصينة تحيط بمساكنهم ومزارعهم وإلى عهد قريب كانت بقايا تلك الأسوار باقية في أملاك العلي والمسيعيد والريشان والقوعة والنعام، كما أن بعض العوائل الأخرى خرجت من السويفلة واختطت لها مزارع وأقامت مساكن في قرية استحدثت وسميت الوسيطي وكان آل خليل من الذين استحدثوا مزارع هناك، فكان رشيد جد عبد الله بن علي بن رشيد مؤسس إمارة آل رشيد أحدهم.
أما أسواق البيع والشراء فقد ذكر الرواة أن في حي لبدة في مكان يعرف (بالمناخ) عددًا من الدكاكين ومحلات البيع والشراء، وقد سُمي بالمناخ لأنَّ قوافل التجارة تنيخ به وتنزل ما عليها من بضائع وتحملي من الدكاكين الميرة والملابس، والمناخ ظل باقيًا إلى عهد قريب حتى فتح شارع لبدة وثمنت الدولة البيوت حوله ودفع ثمن المكان الباقي المعروف بالمناخ لمن تعود ملكيته إليهم عبر السنين وهم العساف من القُوعَة حيث استلم قيمة التثمين ورثة عبد الله بن دخيل بن عبد الله العساف (المعروف بالجناخ) ولم يكن اتساع مدينة حائل حينذاك على حساب القديمة السويفلة بل كانت كل من الربيعية والسويفلة والخنفة وواسط تزخر بالسكان والعمار والمزارع، في حين نشأ في حائل أحياء جديدة كالعليا وما بينها وبين حي لبدة وهو المعروف باسم سرحة وفيه أملاك العواد وبيت عواد الذي أشار إليه عبد الله بن رشيد في بيته المعروف:
من باب خدام إلى باب عواد … ومن انتخي بالضيغميه تطليه
стр. 5615
وسيأتي الحديث عن ذلك في فصل لاحق من هذا البحث، وكذلك من الأحياء التي بدأت تنمو حي برزان وحي الزبارة وذلك في نهاية فترة حكم أسرة آل علي التي انتهت عام ١٢٥٣ هـ.
حائل عاصمة إمارة آل رشيد وحاضرة الجبل
حفل عدد من كتب المؤرخين والرحَّالة الأجانب في إيراد بعض من المعلومات عن إمارة آل رشيد ونشأتها وقوتها والأطوار التي مرت بها منذ قيامها عام ١٢٥٣ هـ. حتى عام ١٣٤٠ هـ وهو العام الذي استسلم فيه آخر أمير من آل رشيد للملك عبد العزيز آل سعود، وخلال هذه المدة التي قاربت التسعين سنة نمت مدينة حائل نموا مشهودا وصار لها شأن بين مدن نجد وحواضره، وذلك خلال فترة ولاية عبد الله بن رشيد المؤسس للإمارة وابنه طلال الذي ولي الحكم بعد وفاة أبيه، وقد عرفت تلك الفترة شيئًا من الاستقرار والانتعاش الاقتصادي، وقد بلغت ذروة النفوذ والاستقطاب في عهد الأمير محمد بن عبد الله آل رشيد، ومن المعروف أن إمارة آل رشيد ظلت في عهد كل من المؤسس وابنه طلال وبداية حكم محمد بن رشيد ملتزمة بالولاء والطاعة للدولة السعودية الثانية في عهد الإمام فيصل بن تركي ومن بعده أبنائه إلى أن دب الخلاف بين أبناء الإمام فيصل مما أعطى الذريعة وحفز محمد بن رشيد ببسط نفوذه على نجد كلها كما هو معروف تاريخيا، وفي فترة حكم محمد بن رشيد وجلاء آل سعود إلى الكويت أصبحت حائل العاصمة النشطة والفاعلة في نجد حتى عام ١٣١٩ هـ عندما استعاد الأمير عبد العزيز بن عبد الرَّحمن آل سعود الرياض وكان ذلك الفتح بداية لقيام الدولة السعودية الثالثة، التي أصبحت تحكم معظم شبه الجزيرة العربية وحملت اسم المملكة العربية السعودية، حيث كان موحدها وباني كيانها أول من نودي به ملكا من أسرة آل سعود حسب ما علمت.
ونظرة سريعة على توسع مدينة حائل في عهد إمارة آل رشيد من خلال ما دونه المؤرخون والرحَّالة، يعطي دلالة على ما كان لتلك المدينة من أهمية ومكانة فأقول:
إن النماء والازدهار لأي بلد لا يكون إلَّا في ظل الأمن ولا يتم الأمن إلَّا بمشيئه الله ثم بوجود سلطة قوية تحول دون العبث سواء من الداخل أو الخارج، والمتتبع لسيرة الأمير عبد الله بن علي بن رشيد منذ بدأ صراعه من أجل السلطة والمجد يرى فيه صورة القائد الطموح الذي يحمل نفسا أبية، فقد كان بداية
стр. 5616
بواعث همته قيامه مع أترابه بمطاردة القبائل التي كانت تضيق الخناق على رعاة الجبل وتستأثر بمراعيها ثم تلا ذلك مغامراته وأسفاره وحروبه حتى حقق بغيته في إقامة إمارة تحمل اسم أسرته "آل رشيد"، ومن الثابت تاريخيا أنه ارتبط بالدولة السعودية الثانية وناصرها بكل إمكانيات إمارته ولاسيما في أيام محنتها وتسلط القوات المصرية عليها، وقد تمثلت تلك المناصرة بمواقف عديدة كالاشتراك في القضاء على مشاري بن عبد الرَّحمن الذي دبر اغتيال الإمام تركي واستولى على الحكم في الرياض - ثم الوقوف مع الإمام فيصل بن تركي في كل مراحل صراعه ضد التسلط المصري التركي كما حفلت بذلك شتى المراجع التاريخية (١) ورددها الرواة وأيدتها الأشعار العامية التي مازالت ترددها الألسن.
أما حائل المدينة فقد كانت حينذاك مدينة تعج بالحياة والنشاط ويقصدها النّاس من كل مدن وقرى نجد ومن مختلف القبائل للإقامة أو للعمل، وقد ذكر المسنون أن معظم الأسر التي استوطنتها حينذاك قدمت من مختلف مدن نجد ولا غرو في ذلك، فهذه سنة الحياة فالإنسان منذ الأزل ينتقل من أرض إلى أخرى بحثًا عن الأمن ولقمة العيش، والمملكة العربية السعودية منذ أن تم توحيدها على يد الملك عبد العزيز - يرحمه الله - كانت قبلة يتطلع إليها الكثير من طالبي العيش بأمن واستقرار وإلى هذا العهد الميمون وهي مثال حقيقي على ذلك.
ومن حيث اتساعها وعدد أسرها المتحضرة في آخر عهد الأمير عبد الله بن رشيد فإنه بلا شك عدد مقبول في ظل ظروف كظرف حائل حينذاك حيث توافر الأمن وبدأ أثر الرخاء يشجع البادية على التحضُّر كما يغري بعض الأسر على الاستيطان بحائل، أما من حيث العدد فقد كانت هناك روايتان لرحالين أجنبيين الأول هو والين الذي زارها في آخر عهد الأمير عبد الله بن رشيد وقال: إن عدد حاضرة منطقة جبل شمَّر كان ضعف بادينها، كما أشار إلى ازدياد عملية استقرار البادية، وقدر عدد الأسر بحوالي ثلاثة آلاف أسرة (٢) مما يقارب عشرين ألف إنسان.
والرحَّالة الثاني هو جو رماني الذي زار حائل بعد والين بما يقارب عشرين سنة وقال خلاف الأول بتحديد نسبة الحاضرة للبادية؛ إذ قال: إن البادية أكثر من الحاضرة، وقد قدر الحاضرة بخمسة وستين ألف نسمة.
стр. 5617
وقال الدكتور العثيمين: (ومن المستبعد جدًّا أن يتضاعف عدد أولئك السكان أربع مرات خلال عشرين سنة) وقد بني هذا الرأي على أنَّ الفترة لا تختلف عن فترات القرن الثالث عشر الهجري وما شهدته من حروب وأمراض.
وأقول: إن التقدير الأول (والين) غير دقيق، فعدد البيوت لا يمثل عدد الأفراد، فالنّاس حينذاك يسكنون معا وقد بلغت بعض الأسر في حائل إلى عهد قريب إلى ما يقارب الخمسين شخصا وكلهم في بيت واحد، كما أن التقدير الثاني قد يكون هو الآخر غير دقيق؛ إذ لا أعتقد أن عدد السكان قد وصل إلى ذلك الرقم في فترة حكم طلال بن عبد الله آل رشيد، ومع هذا فإن الرقم الأول الذي حدده والين كاف لجعل المدن والقرى تعيش شيئًا من الاستقرار والتحضر والنمو الاجتماعي وكانت حائل مدينة تحتل مكانا بين كبريات المدن النجدية وازداد عدد سكانها ازديادا ملحوظا في فترة حكم طلال ومن بعده وتعددت فيها أوجه النشاط الإنساني ووسائل الكسب والعمل فكانت الزراعة من المهن التي يقبل عليها كل من يرغبها حيث ليس هناك من يستهجن هذه الحرفة؛ ولهذا فقد نشطت الزراعة لمن توفر لديه مقوماتها وأولها الأرض والقدرة على فلاحتها وبتوفير المتطلبات البشر والحيوانات اللازمة، وتحتل تربية الثروة الحيوانية جانبا هاما في حياة السكان، فالثروة الحيوانية كالخيل والإبل والضأن والماعز من أوجه الثروة التي عني بها سكان الجزيرة منذ القدم وإلى هذا العصر، والحرف الأخرى كالصناعة والتجارة والصياغة والبناء والخرازة، كل هذه من الحرف التي ازدهرت وأصبح لها شأن وذلك للحاجة إليها، فالمثل يقول (الحاجة أم الاختراع) ولندرة المنافسة حيث لَمْ يتسع أسلوب التبادل التجاري المعروف حاليًا بين الأقطار لبعد المسافات بين الأمصار والاعتماد على الحيوانات كوسائل النقل ولا يعني ذلك عدم وجود تبادل تجاري فهذا كان موجودا بين حائل والعراق والشام ومصر على هيئة قوافل كبيرة محروسة وهذا أمر مألوف من القدم، ولقد ذكر القرآن الكريم رحلتي الشتاء والصيف التي كانت تقوم بها قوافل قريش وتجار مكة واحدة لليمن والأخرى للشام والحجاز وإن كان أهمها التبادل مع العراق؛ إذ كان المصدر الأول للتزود في الحبوب والتمر (الصقعي) والأقمشة والمصنوعات النحاسية وغير ذلك من مستلزمات الحياة حينذاك.
من حكم جبل شمَّر ؟
أشرت في فصل سابق إلى من تولى السلطة في جبل شمَّر عبر الأزمنة ولم أحدد بعض الفترات التي لَمْ أجد لها سندا دقيقا يعول إليه في نسب السلطة
стр. 5618
لجهة محددة بدقة وذلك خلال الفترة ما قبل القرن العاشر، وإنما الأمر الذي لا خلاف عليه أن عبدة من شمَّر آل إليها أمر السلطة في الجبلين منذ القرن العاشر وقد تفاوتت قوة وأسلوب تلك السلطة والمسئولية بين الحاضرة سكان القرية وبين البادية المتنقلين في البراري، ووفقا إلى ما توصل إليه الباحثون في ذكر من حكم الجبلين فإن الفائدة ستكون أشمل عندما أضع في هذا البحث تسلسل الحكم بين الأسرتين اللتين حكمتا جبل شمَّر من آل علي وآل رشيد إلى أن آل الأمر إلى آل سعود بعد توحيد الجزيرة العربية على يد موحدها الملك عبد العزيز آل سعود - يرحمه الله - فأقول: ذكرت المصادر من حكم من أسرة آل علي ونصّت على أنَّ:
١ - محمد بن علي الكبير أول أمير صار له ذكر وفعل ومسئولية وهو محمد بن عيسى بن علي بن عطية من الجعفر من عبدة من شمَّر.
٢ - عبد المحسن بن فايز بن محمد بن عيسى بن علي (١٢٠١ هـ) في عهده دخلت منطقة جبل شمَّر في طاعة الإمام عبد العزيز بن محمد آل سعود.
٣ - محمد بن عبد المحسن من عام ١٢٠١ - ١٢٣٤ هـ -.
٤ - عيسى بن علي عام ١٢٣٤ هـ.
٥ - صالح بن عبد المحسن ١٢٤٩ هـ.
٦ - عيسى بن علي مُرّة ثانية ١٢٥٣ هـ.
٧ - عبد الله بن رشيد ١٢٥٠ هـ الفترة الأولى.
٨ - عبد الله بن رشيد ١٢٥٣ - ١٢٦٣ هـ استعادها.
٩ - طلال بن عبد الله بن رشيد ١٢٦٣ - ١٢٨٣ هـ.
١٠ - متعب بن عبد الله بن رشيد ١٢٨٣ - ١٢٨٥ هـ.
١١ - بندر بن طلال بن عبد الله ١٢٨٥ - ١٢٨٨ هـ.
١٢ - محمد بن عبد الله بن رشيد ١٢٨٨ - ١٣١٥ هـ.
١٣ - عبد العزيز بن متعب بن رشيد ١٣١٥ - ١٣٢٤ هـ.
١٤ - متعب بن عبد العزيز بن متعب ١٣٢٤ - ١٣٢٤ هـ في نفس العام.
стр. 5619
١٥ - سلطان بن حمود بن عبيد الرشيد ١٣٢٤ - ١٣٢٦ هـ.
١٦ - سعود بن عبد العزيز بن متعب الرشيد ١٣٢٦ هـ - ١٣٣٨ هـ.
١٧ - عبد الله بن متعب بن عبد العزيز آل رشيد ١٣٣٨ - ١٣٣٩ هـ.
١٨ - محمد بن طلال بن نايف آل رشيد ٤ شهور من عام ١٣٣٩ هـ وهو آخر أمراء آل رشيد.
١٩ - الملك عبد العزيز بن عبد الرَّحمن آل سعود من أول عام ١٣٤٠ هـ عند استسلام حائل وضمها إلى سلطنة نجد ثم إلى المملكة العربية السعودية الفتية بعد التوحيدفي طلاق الاسم الجديد عليها على كامل الأقاليم الموحّدة.
ومنذ دخول منطقة حائل في طاعة الدولة السعودية الثالثة التي وحدها وأسسها الملك عبد العزيز ﵀ تتابع على إمارة حائل كل من:
١ - الشيخ إبراهيم السالم السبهان منذ الاستسلام في شهر صفر عام ١٣٤٠ - ١٣٤١ هـ.
٢ - سمو الأمير عبد العزيز بن مساعد بن جلوي آل سعود ١٣٤١ هـ - ١٣٩١ هـ.
٣ - سمو الأمير فهد بن سعد بن عبد الرَّحمن بن فيصل آل سعود ١٣٩١ هـ - ١٣٩٢ هـ.
٤ - سمو الأمير سعد بن فهد بن سعد بن عبد الرَّحمن آل سعود ١٣٩٢ - ١٣٩٦ هـ.
٥ - صاحب السمو الملكي الأمير مقرن بن عبد العزيز آل سعود وقد تولى إمارة حائل في عام ١٤٠٠ هـ ويلاحظ أنه من نهاية فترة سمو الأمير سعد بن فهد بن سعد في عام ١٣٩٦ هـ حتى بداية فترة صاحب السمو الملكي الأمير مقرن لَمْ يكن لا أميرًا معينا وكان الشيخ ناصر بن عبد الله بن الشيخ وكيلًا للإمارة ويمارس صلاحيات الأمير.
"انتهى ما ذكره عُقيل بن ضيف الله القويعي".
стр. 5620
(د) ما قاله أحمد عبد الرضا كريم عن شمَّر (١):
قبيلة طائية قديمة، وإحدى أهم بطون طيئ وأقواها صلابة وأكثرها منعة، وبقيت تحافظ على اسمها الشمّري بعد أن تحول من طيئ دون أن تلوذ بمسميات أخرى، أو تختفي عن أعدائها، ويقال إن شمَّر هو ابن عبدة بن جُذَيْمة بن ثعلبة بن سلامان بن ثُعَل بن عمرو بن طيئ.
ويختلف النسابون في نسب شمَّر اختلافات كثيرة، فقسم منهم يقول عنه إنهم من شمَّر بن برعش بن أفريقش بن أبرهة ذي المنار أحد ملوك التبابعة، وبعضهم جعله اسم جد من أجداد التبابعة، وبعضهم جعله وصفا أو نبزا نبزوا به حيث يقول: إن أحد رؤساء شمَّر صاح بهم: شمروا، فشمروا وارتحلوا عندما رأى أثر القحط والجوع فيهم، ومعظم الآراء لَمْ تبن علي حقائق تاريخية، وإنما أملاها عليهم من يَدَّعي معرفته بالأنساب، والمتشدق بها دون علم أو رابط يحقق أقواله (٢) فشمَّر طائية وقبائل متحالفة معها.
تنقسم شمَّر وهي اتحاد قبائلي ضخم يضم بين دفاته كثيرًا من القبائل العدنانية والقحطانية إلى:
١ - شمَّر سنجارة. ٢ - شمَّر عبدة.
٣ - شمَّر أسلم. ٤ - شمَّر الصايح.
٥ - شمَّر الخرصة.
وهذه الفروع معظمها تنتمي لثلاثة فروع رئيسية، وهي أسماء الأشخاص تسمت القبائل باسمهم وهم: شمَّر طوكة، وشمَّر جربا، وشمَّر عبدة.
وشمَّر عبدة هو ابن عبدة، وإخوته يقال لهم شمَّر عبدة لكي يختلفوا عن شمَّر بن هذمة بن عناب الطائي، وتظهر علاقتهم مع شمَّر أنه أخوهم الكبير،
стр. 5621
وعبدة هو ابن امرئ القيس بن زيد بن عبد رضا بن جذيمة بن حبيب بن شمَّر بن عبدة بن جذيمة.
وشمَّر الجربا نسبة إلى زعماء شمَّر الفرع النجدي، وهم من آل الجربا (١).
الحسنيين من القبائل العلوية التي ارتضت بعض القبائل الشمَّرية أن تنتمي إليهم ويقبلونهم قادة وزعماء لهم لمكانتهم المرموقة بينهم، وكذلك شمَّر طوقة (طوكة)، وليس كما يقال: إن الجرباء ناقة لشمَّر تبعها الشمريون، وطوقة (طوكة) اسم كلبة لأحد زعماء شمَّر تسمت بها قبيلته فهذا غير صحيح، ولا يقبله العقل والمنطق السليم (وطوكة هم آل طوكة).
وشمَّر الصايح هم آل الصديد اختلفوا مع قبائل شمَّر على الرئاسة القبلية
فابتعدوا هم وإخوتهم وأصبحوا يلقبون باسم الصايح ثم آل الصديد، أما شمَّر عبدة فإنهم لا تشملهم الشمرية؛ لأن القبائل تسمى باسم أكبر الأبناء، وهم من إخوة شمَّر بن عبدة، فعندما يدافعون عن شمَّر ولم يلتقوا بسلسلاتهم يقولون نحن لا نلتقى في شمَّر معكم وإنما نلتقي بعبدة أبوه، فهم إخوة شمَّر انتسبوا للأشهر ولحقتهم الشمرية شهرة، بينما هم من صميم النسب الشمري الطائي، وشمَّر اسم يتكرر في تسلسلات الشمريين، وباقي التسميات أنباز وألقاب، إما للمنطقة أو لقب يلقب به زعيم من زعمائهم، وكل القبائل الشمرية الآن تجمعات قبائلية لا يربطها نسب، وإنما يجمعها الاسم العام وتباعدت أصولهم وارتضوا بالواقع الذي وجدوه، وبقى الاسم القديم يخيم على تسمياتهم، أما شمَّر يرعش ابن ياسر بن ينعم، أو كما يقول ابن قتيبة في المعارف: ياسر النعم ابن عمرو ذي الأدغار، وأفريقيس بن قيس بن صيفي، فهم من التبابعة الذين في أنسابهم
стр. 5622
اختلاف وتخليط وتقديم وتأخير منذ القدم، ولا يصح لمن يكتب عنهم أخبار لاضطراب رواتبهم وتباعد المعهود وانقطاع الصلات والروابط في أنساب حمير كلها، ولا يصح الانتساب إلى حمير القديم أبدا.
وفي قبائل شمَّر تداخل كبير، وفيه من القبائل العربية من تعود لأصول عدنانية، فالجعافرة وآل الجربا والشجيرية وبعض جعافرة العلويين من العريضيين وغيرهم، ولا يمكن معرفة وفرز تلك القبائل عن شمر، فضاعت أصولهم الحقيقية وتباعدت أنسابهم وانقطعت، وكل من يستطيع الجزم بذلك لا يكون صادقا مهما بالغ بالبحث وعد من أدلة ووثائق.
والشمري معناه المتبختر أو من قولهم شمَّر في أمره إذا جدّ فيه، وشمَّر من بني حنيفة بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط، قبيلة بكرية من أشد القبائل الصحراوية، وقد عاب المتوكل العجلي الشاعر سويد بن كاهل اليشكري حينما غير نسبه مرتين، فقال (١):
عدس بغلة الجبار ما أنت من عجل … ولا أنت من قيس ولا أنت من ذهل
ولا أنت من أولاد شيبان إنهم … ذوو العز والآكال والعد البزل
ولا حنفيا شمريا متوجا … يبارى الرياح ذا غناء وذا فضل
ولست بتيمي عزيز مناخه … له سورة في المجد ثابتة الأصل
ولكن سويد يشكري مخلَّف … مكان آباء السوء عُلِّقَ بالرجل
ووصفه بالبغلة، وعدس كلمة يقال بها للبغال حين يراد زجرها، فجعله كالبغل ينتسب لخاله الحصان؛ لأن البغال من الحيوانات المتحيرة الخلق، فلا هي من الخيل ولا هي من الحمير، ونقل الطبري خبرا يقول فيه: الجرباء بنت قسامة ابن زهير، امرأة من طيئ، فقال الحزين الديلي لعبد الله بن الحسن الحسني ينعي عليه ولادة الجرباء:
لعلك بالجرباء أو بحكاكة … تفاخر أمالفضل وابنه مشرح
ولهذا نرى كثيرا من السادات الحسنية في شمَّر الطائية للعلاقة التي بينهما.
стр. 5623
(هـ) ما قاله الباحث السعودي الشيخ محمد الخالد الشرعبي (١) عن شمَّر:
هي إحدى القبائل المتفرعة عن قبيلة طيئ، وهي قبيلة عظيمة من كهلان من القحطانية، وتنسب شمَّر إلى طيئ بن أدد بن يشجب بن عريب بن زيد من كهلان.
كانت منازل طيئ باليمن، فخرجت منها على إثر خروج الأزد منها، ونزلوا سميراء وفيد جوار بني أسد، ثم غلبوهم على أجأ وسلمى، وهما جبلان من بلادهم فاستقروا بهما، ثم ورثوا من بلاد أسد ما وراء الكرخ من أرض غفر، ثم ورثوا منازل تميم بأرض نجد، فيما بين البصرة والكوفة واليمامة وورثوا غطفان ببطن مما يلي الوادي، وبعبارة أخرى، لقد ملأوا السهل والجبل حجازا وشاما وعراقا (٢).
وذكر القلقشندي في قلائد الجُمان (٣) أنهم أصحاب الرئاسة في العرب بالعراق والشام، ورئاستهم في بني ربيعة بن حازم من أحفاد سلسلة بني غنم من أحفاد قطرة بن طيئ، فقد ورثوا أرض غسان والشام، ومن أشهرهم آل عيسى ابن مهنا بن فضل بن ربيعة، وأثنى القلقشندي عليهم كثيرا.
يقول ابن الكلبي عن شمَّر:
شمَّر بطن من ثعل بن عمرو بن طيئ، وهي اليوم من كبريات القبائل العربية، وتعتبر عبدة من أكبر قبائل شمَّر الطائية حلفا، وهي من قبيلة جُنب المذحجية نسبا، فهم أبناء عم عبيدة من قحطان، قال شاعرهم:
إن سلت عنا ياالسويطي قحاطين … عواصم واللي حذانا لفايق
حنا وعبده والضياغم بجدين … لطامة يوم اللقا كل مايق
стр. 5624
ولدى البحث والتقصي في صحة نسب هذه القبيلة العريقة ولدى سؤال المعمرين من رجالها يكاد يكون هناك شبه إجماع على نسبها وإن وقع هناك اختلاف في الروايات، فإن الحقيقة المؤكدة هي صحة انتسابها إلى طيئ وهي إحدى فروعها الرئيسية والهامة هذا، وقد توصلت إلى عدة روايات في التسلسل النسبي لقبيلة شمَّر، ومن تلك الروايات أيضًا:
١ - الزامل: ومن أقسامهم فداغة، ومن فداغة: السويد.
٣ - علي بن زوبع: منهم الفضيلة، ومن الفضيلة: الرمال وزعيمهم طلال ابن رمال في حائل.
٣ - ثابت بن زوبع: ومنه التومات وزعيمهم التمياط (ابن عمار).
١ - النجم وزعيمهم ابن راضي.
- البقعة.
- الرويس.
٢ - العمار.
٣ - الزرعة.
- الوضحان ماهل الوضيح.
- الحذانة.
والزعامة في الثابت للحدب.
وهناك رواية أخرى هي:
أما المناهي في شمَّر فهم:
- من عبدة:
١ - وادي بن علي بمنطقة الخويّر في حائل.
٢ - مسلط بن شريم في نجد: حائل ولينا ثم سورية.
стр. 5625
٣ - ابن جدي.
٤ - النشمي بن طلاع في العراق.
٥ - أبو الميخ واسمه (مشخول).
- من زوبع:
١ - ابن عمود.
٢ - ابن سعدي.
٣ - ابن اعجيل.
- من الأسلم:
١ - ابن بقار في العراق.
وعلني -قارئي العزيز- أن أعثر على أحد هذه الأقوال وهي في حالة الصح حتى يطمئن قلبي "والله أعلم".
هذا، وتنسب شمَّر إلى جدها الأول شمَّر، وهو إما أن يكون اسما بحد ذاته، وإما يكون لقبا، فإذا كان اسما بحد ذاته فهذا شيء دارج في أسماء العرب الأعلام، فمن الغساسنة ورد اسم أبو شمَّر الغساني وهم في الأزد، وأما إذا كان لقبا فهذا ليس بمستغرب أيضًا فما أكثر الألقاب التي أطلقت عن بعض القبائل كالمصاليخ والرولة في عنزة مثلا.
وعلى أية حال فإن شمَّرا هذا ينتمي في أصوله إلى جديلة بن سعد بن قطرة بن طيئ بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن كهلان بن سبأ بن يشجب ابن يعرب بن قحطان، فهو من العرب العاربة.
خرجت شمَّر على ما يُروى من وادي تثليث على إثر خصام وقع بينها وبين بعض من بطون القبيلة الأم طيئ، أدَّت هذه الخصومة إلى انفراد شمَّر عن باقي بطون القبيلة بزعامة شمَّر رئيسها حينذاك والتي سميت القبيلة فيما بعد باسمه.
стр. 5626
تموجت هذه القبيلة أماكن عدة في شمال اليمن حتى استقر بها المقام في نجران، وبقيت هناك قوية الشكيمة عزيزة الجانب حتى الغزو الحبشي إلى بلاد العرب وذلك في أواسط القرن السابع الهجري ولم تنج شمَّر من طغيان الأحباش والتي قاومته بشدة، حيث حاول الأحباش فرض سيطرتهم على الجزيرة العربية بعد احتلالهم لليمن، ورفضت شمَّر الانصياع لهم مما أدى إلى تضاعف الضغط الحبشي عليهم أكثر فأكثر، حتى أجبرت على الخروج من نجران واللحاق بقبيلتها الأم طيئ في جبلي أجأ وسلمى، وذلك بعد صدامات عنيفة مع الأحباش الغزاة، وقد ترجم لنا شاعر لهم هذه الأحداث بالأبيات:
يا دارنا بنجران حنا تركناك … عفناك لو انك حدا والدينا
ياما من دم المعادي سقيناك … واستوفى الدّيّان وحنا قضينا
وهذا يوضح أن نجران هي إحدى ديار شمَّر قديما، لكنها أخلتها نتيجة الظروف التي ذكرناها آنفا.
ارتحلت هذه القبيلة من نجران إلى جبلي أجأ وسلمى، وهما جبلان في نجد لا يزالان يحملان شموخ عروبة شمَّر.
ولا بد لنا أن نتعرف على تاريخ هذين الجبلين كما ورد في أمهات كتب التاريخ لنبين أهميتهما التاريخية والطبيعية.
أولا - جبل أجأ: على وزن فَعَل بالتحريك، مهموز مقصور والنسب إليه أجئي، وهو علم مرتجل لاسم رجل سمي الجبل باسمه، ويجوز أن يكون منقولا، ومعناه: الفرار، كما حكاه ابن الأعرابي: يقال أجأ الرجل إذا فرَّ، وقال الزمخشري: أجأ وسلمى، جبلان عن يسار سميراء، وقد رأيتهما، شاهقان ولم يقل عن يسار القاصد إلى مكة أو المنصرف عنها، وقال أبو عبيد السكوني: أجأ أحد جبلي طيئ، وهو غربي فيد وبينهما مسيرة ليلتين وفيه قرى كثيرة.
стр. 5627
وذكر العلماء بأخبار العرب: أن أجأ سُمي باسم رجل وأن سلمى باسم امرأة .. وكان من خبرهما أن رجلا من العماليق يقال له: أجأ بن عبد الحي، عشق امرأة من قومه، يقال لها سلمى، وكانت لها حاضنة يقال لها العوجاء، وكانا يجتمعان في منزلها حتى نذر بهما أخوة سلمى وهم: الغُميم والمُضل وفَداك وفائد والحدثان وزوجها (١)، فخافت سلمى وهربت هي وأجأ والعوجاء، وتبعهم زوجها وإخوتها فلحقوا سلمى على الجبل المسمى (سلمى) فقتلوها هناك، فسمي الجبل باسمها، ولحقوا العوجاء على هضبة بين الجبلين فقتلوها هناك، فسمي المكان باسمها ولحقوا أجأ بالجبل المسمى بأجأ فقتلوه فيه، فسمي به وأنفوا أن يرجعوا إلى قومهم، فسار كل واحد إلى مكان أقام فيه فسمي ذلك المكان باسمه.
وأما سبب نزول طيئ الجبلين، دون غيرهم من العرب، فقد اختلف الرواة فيه.
قال ابن الكلبي: لما تفرق بنو سبأ أيام سيل العرِم سار جابر وحرملة ابنا أدد بن زيد بن الهميسع، وتبعهما ابن أخيهما طيئ واسمه "جُلهمة" فساروا نحو تهامة، وكانوا فيما بينهم وبين اليمن، ثم وقع بين طيئ وعمومته ملاحاة، ففارقهم نحو الحجاز بأهله وماله وتتبع مواقع المطر، فسمي طيئا لطيه المنازل، وقيل سمي طيئا لغير ذلك، وأوغل طيئ بأرض الحجاز وكان له بعير يشرد في كل سنة عن إبله، ويغيب ثلاثة أشهر ثم يعود إليه وقد عَبُل وسمن وآثار الخضرة بادية في شدقيه، فقال لابنه عمرو: تفقد يا بني هذا البعير فإذا شرد فاتبع أثره حتى تنظر إلى أين ينتهي، فلما كان أيام الربيع وشرد البعير تبعه عمرو على ناقة له، فلم يزل يقفو أثره حتى صار إلى جبل طيئ، فأقام هناك ونظر عمرو إلى بلاد واسعة كثيرة المياه والشجر والنخيل والريف.
فرجع إلى أبيه وأخبره بذلك فسار طيئ بإبله وولده حتى نزل الجبلين، فرآها أرضا لها شأن، ورأى فيها شيخا عظيما جسيما مديد القامة، على خلق
стр. 5628
العاديين، ومعه امرأة على خلقه يقال لها سلمى وهي امرأته، وقد اقتسما الجبلين بينهما بنصفين، فأجأ في أحد النصفين وسلمى في الآخر، فسألهما طيئ عن أمرهما فقال الشيخ: نحن من بقايا صُحار، فنينا بهذين الجبلين عصرا بعد عصر، أفنانا كرّ الليل والنهار، فقال له طيئ: هل لك في مشاركتي إياك في هذا المكان، فأكون لك مؤنسا وخِلا؟ فقال الشيخ: إن لي في ذلك رأيا، فأقم فإن المكان واسع، والشجر يانع والماء طاهر والكلأ غامر، فأقام فيه طيئ بإبله وولده بالجبلين، فلم يلبث الشيخ والعجوز قليلا حتى هلكا، وخلص المكان لطيئ وولده به إلى هذه الغاية قالوا سألت العجوز طيئا ممن هو؟ فقال طيئ:
إنا من القوم اليمانينا … إن كنت عن ذاك تسألينا
وقد ضربنا في البِلاد حينا … ثُمت أقبلنا مهاجرينا
إذا سامنا الضيم بنو أبينا … فقد وقعنا اليومَ في شينا
ريفا وماءً واسعا معينا
وقال أبو محمد الأعرابي: بينما طيئ ذات يوم جالس مع ولده بالجبلين، إِذ أقبل رجل من بقايا جديس، ممتد القامة، عاري الجبلة، كاد يسد الأفق طولا ويفرعهم باعا، وإذا هو الأسود بن غفار بن الصبور الجديسي، وكان قد نجا من (حسان) تُبَّع اليمامة ولحق بالجبلين: فقال لطيئ: من أدخلكم بلادي وإرثي عن آبائي؟ اخرجوا عنها وإلا فعلتُ وفعلت، فقال طيئ: البلاد بلادنا وملكنا في أيدينا، وإنما ادعيتها حيث وجدتها خلاء، فقال الأسود. اضربوا بيننا وبينكم وقتا نقتتل فيه، فأيّنا غلب استحق البلد، فاتعدا الوقت، فقال طيئ لجندب بن خارجة ابن سعد بن قطرة بن طيئ -وأمه جديلة بنت سبيع بن عمرو بن حِمْير، وبها يعرفون، وهم جديلة طيئ، وكان طيئ لها مؤثرا- قال طيئ لجندب: قاتل عن مكرمتك، فقالت أمه: والله لتتركن بنيك وتعرضن ابني للقتل؟ فقال طيئ لعمرو ابن الغوث بن طيئ، فعليك يا عمرو الرجل فقاتله، فقال عمرو: لا أفعل، وأنشأ يقول -وهو أول من قال الشعر في طيئ بعد طيئ:
стр. 5629
يا طيئ أخبرني ولست بكاذب … وأخوك صادقك الذي لا يكذبُ
أمن القضية أن إذا استغثتهمُ … وأمنتم فأنا البعيد الأجنبُ
وإذا الشدائد بالشدائد مرةً … أشجتْكمُ، فأنا الحبيب الأقربُ
عجبا لتلك قضيتي، وإقامتي … فيكم، على تلك القضية أعجبُ
ألكم معا طيبُ البلاد ورعيها … ولي الثماد ورعيهن المجدبُ
وإذا تكون كريهةُ أُدعَى لها … وإذا يُحاس الحيس يدعى جندبُ
هذا لعمركم الصَّغار بعينه … لا أمَّ لي، إن كان ذاك ولا أبُ
فقال طيئ، يا بني إنها أكرم دار في العرب، فقال عمرو: لن أفعل إلا على شرط أن لا يكون لبني جديلة في الجبلين نصيب، فقال له طيئ: لك شرطك فأقبل الأسود بن غفار الجديسي للميعاد ومعه قوس من حديد ونشاب من حديد، فقال عمرو: الصراع أحب إلي، فأكسر قوسك لأكسرها أيضًا، ونصطرع، وكانت لعمرو بن الغوث بن طيئ قوس موصولة بزرافين إذا شاء شدها وإذا شاء خلعها، فأهوى بها عمرو فانفتحت عن الزرافين واعترض الأسود بقوسه ونشابه فكسرها، فلما رأى عمرو ذلك أخذ قوسها فركبها وأوثرها وناداه: يا أسود استعن بقوسك فالرمي أحب إلي، فقال الأسود: خدعتني فقال عمرو: (الحربُ خدعة) فصارت مثلا، فرماه عمرو ففلق قلبه، وخلص الجبلان لطيئ، فنزلهما بنو الغوث ونزلت جديلة السهل منهما لذلك (١).
إن مسيرة قبيلة شمَّر تمثل صورة الحياة في الجزيرة العربية في أجلى صورها فهي أساس الحياة الاجتماعية حينذاك، والانتساب إليها يتم عن طريق القرابة والزواج والولاء والحلف والعبيد والأرقاء، وكان لشمَّر قسط وافر من حياة التبدي، فهم يعيشون على ما تنتجه الماشية يأكلون لحومها، ويشربون ألبانها، ويلبسون صوفها، ويصنعون منها مساكنهم ويعتمدون في تغذية ماشيتهم على ما ينبت في البادية من عشب فيخرجون بها إلى مناطق الخصب بعد مواسم الغيث، ومن وسائل معيشتهم قديما الغارة والسلب، يغيرون على قبيلة معادية فيأخذون ماشيتهم ويقتلون رجالهم ويسبون نساءهم وأولادهم، ويكثر الاعتماد على هذه
стр. 5630
الوسيلة الجاهلية في سنوات القحط والجدب، وأفراد قبيلة شمَّر متضامنون، ينصرون أخاهم ظالما أو مظلوما، وإذا جنى أحدهم جناية حملتها القبيلة، وإذا غنموا فاللرئيس الربع (١) ومثلهم الأعلى في الأخلاق المروءة والكرم والعفة والشجاعة، والمرأة عندهم تجهد وتنقب في الأعمال اليومية، فهي تحتطب وتحلب الماء وتحلب الماشية، وتنسج الملابس، وتخيط الثياب، لكنها لا تغني غناء الرجل ولا تسد مده في القتال والحروب.
خاضت شمَّر ضمن قبيلتها الأم طيئ معاركَ وحروبا طاحنة مع القبائل العربية المجاورة لها في أجأ وسلمى، ومنها ما حصل بين بطنين من أشهر بطون طيئ، ألا وهما جديلة والغوث فكان يوم (اليحاميم) وهوأحد أيام العرب المشهورة في الجاهلية، وكان الحارث بن جبلة الغساني قد أصلح بينهما، فلما هلك عادت إلى حدبها، فالتقت جديلة والغوث بموضع في حرب، فَقُتِلَ قائد بني جديلة وهو أسبع بن عمرو بن لأم، وأخذ رجل من سنبس أذنيه فحفف بهما نعليه، وفي تلك قال. أبو سروة السنبسي:
تخصف بالآذان منكم نعالنا … ونشرب كرها منكم في الجماجم
وعظمت ما صنعت الغوث على أوس بن حارثة بن لأم، وعزم على لقاء الحرب بنفسه وكان لم يشهد الحروب المتقدمة، هو ولا أحد من رؤساء طيئ كحاتم بن عبد الله وزيد الخيل وغيرهم من الرؤساء، فلما تجهز أوس للحرب وأخذ في جمع جديلة ولفّها قال:
أقيموا علينا القصد بآل طيئ … وإلا فإن العلم عند التَّحاسِب
فمن مثلنا يوما إذا الحربُ شمرت … ومن مثلنا يوما إذا لم نحاسب
وبلغ الغوث جمع أوس لها، وأوقدت النار على ذروة أجأ، وذلك أول يوم توقد عليه النار -فأقبلت قبائل الغوث كل قبيلة وعليها رئيسها، ومنهم زيد الخيل وحاتم الطائي، وأقبلت جديلة مجتمعة على أوس بن حارثة بن لأم، وحلف أوس ألا يرجع عن طيئ حتى ينزل معها جبليها أجأ وسلمى، وتُجبى له أهلها، وتزاحفوا فاقتتلوا قتالا شديدا.
стр. 5631
قال عدي بن حاتم: آراني لواقف يوم اليحاميم والناس يقتتلون إذ نظرت إلى زيد الخيل قد أوخر ابنيه مكّنفا وحريثا في شعب لا منفذ له وهو يقول: أي بني، أبقيا على قومكما، فإن اليوم يوم التفاني، فإن يكن هؤلاء أعماما فهؤلاء أخوال، فقلت: فإنك قد كرهت قتال أخوالك، فاحمرت عيناه غضبا، وتطاول إليّ حتى نظرت إلى ما تحته من سرجه فخفته، فضربت فرسي، وتنحيت عنه، واشتغل بنظره إليَّ عن ابنيه، فخرجا كالصقرين ثم انهزمت جديلة عند ذلك، وقتل فيها قتل ذريع (١).
ثم ما لبثت شمَّر مع قبيلتها طيئ أن مشت في موكب الإيمان لتأخذ دورها المجيد في تثبيت دولة الإسلام ونشر دعوته في الأرض، وتحطيم كل الطواغيت لأن الشرك كان هو دين العرب العام في الجاهلية، فهم يؤمنون بوجود الله الخالق لهذا الكون، ويشركون به في العبادة، فيعبدون آلهة أخرى، ويقدمون لها شعائر التعبد، ويتوجهون لها بالدعاء، ويجعلونها واسطة بينهم وبين الله قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥].
فهم قد أشركوا بالطاعة والاتباع وبالتقرب والزلفى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣].
كما أشركوا بطلب الشفاعة: قال تعالى: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨].
لقد كان في قبيلة طيئ تعدد في الأديان والآلهة؛ إذ نجد فيها عبادة الكواكب كما نجد فيها نصرانية تائهة، ووثنية شوهاء، والمتتبع للأخبار المتناثرة في كتب التاريخ والأدب عن قبيلة طيئ يجد أنها كانت تعبد الأصنام ومنها:
١ - الفلس: لونه أسود كأنه تمثال إنسان، ومكانه وسط جبل (أجأ) وكانوا يعبدونه، ويهدون إليه، ولا يأتيه خائف إلا أمن عنده، ولا يطرد أحد طريده فيلجأ بها إليها إلا تركت له ولم تخفر حويته (٢) وكان سدنته بنو بولان.
стр. 5632
٢ - سُهيل: كان يرمز إلى النجم اللامع في السماء، وبعضهم يرى أنهم تعبدوا للنجم مباشرة.
٣ - رضي: يذكر ابن الكلبي أنه كان لبني ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة من تميم، فهدمه المستوغر، وهو: عمرو بن ربيعة بن كعب، هدمه في الإسلام وقال وهو يكسره:
ولقد شددتُ على رِضاء شدةً … فتركتها ثلا تُنازِعُ أسحَمَا
٤ - اليعبوب: وهم صنم لجديلة بن طيئ، وكان لهم صنم أخذته منهم قبيلة بني أسد، وقيل تركوه في ساحة القتال، وقد ورد ذكره في شعر لعبيد بن الأبرص:
فتبدلوا اليعبوب بعد إلههم … صنما فقرُّوا ياجديل وأعذبوا
٥ - ساجر: وكان صنما للأزد ومن جاورهم من طيئ وقضاعة.
أما عن انتشار النصرانية فيها فقد انتشرت فيهم فعلا بسبب قرب القبيلة من الحيرة والشام، واحتكاك أفرادها بالغساسنة والمناذرة في أسفارهم وتجارتهم، أو بفعل القساوسة والرهبان الذين كانوا يردون أسواق العرب ويعظون ويذكرون البعث والحساب والجنة والنار، وهذا لا يعني في رأينا بأن القبيلة كلها قد اعتنقت النصرانية، بل بقيت فيها الأصنام قائمة والوثنية موجودة حتى جاء الإسلام، وعمَّ بنوره وهداه الجزيرة العربية كلها.
وأن هذه الديانة كانت هشة وسطحية وهامشية في حياتهم، فهي لم تترك لها أي أثر في أدبهم وشعرهم ولا في عقليتهم وحروبهم، بالإضاقة إلى أنها لم تحرك فيهم أي جدل كلامي في طبيعة المسيح أو الاعتقاد بألوهيته كما أنها كانت مجهولة الشيعة أو المذهب.
ظهر نور الإسلام في مكة المكرمة، وأخذ يعم بضيائه قلوب المسلمين الأوائل، وأمضى الرسول ﷺ ثلاثة عشر عاما من تحمل الأذى ومكابدة المشاق في عرض الإسلام على القبائل في المواسم، وكان قومه قريش حجر عثرة وقدوة كفر وعناد لجميع العرب، ثم جعل الله لرسوله وللمسلمين معه فرجا ومخرجا، فكانت الهجرة إلى المدينة المنورة بعد بيعة العقبة الثانية، وفي دار الهجرة أخذ رسول الله ﷺ يبني معالم الدولة المسلمة بعد أن أصبح للمسلمين أرض ووطن،
стр. 5633
وتتابعت سنوات العهد المدني حبلى بالخير والعطاء، تضم أيامها وشهورها سرايا وغزوات، وفتوحات وانتصارات، حتى كانت السنة التاسعة للهجرة، وفيها خضعت الجزيرة كلها لحكم رسول الله ودانت أكثر قبائل العرب للإسلام.
ووفدت قبيلة طيئ في السنة التاسعة للهجرة، وكانوا خمسة عشر رجلا، وفيهم زيد الخيل بن مهلهل بن زيد بن منهب بن عبد الطائي، وكان زيد خطيبا شاعرا كريما فعقلوا رواحلهم بفناء المسجد، ودخلوا وجلسوا قريبا من النبي ﷺ ، حيث يسمعون صوته، فلما نظر ﵊ إليهم قال: إني خير لكم من العزى ومن الجمل الأسود -وكان يعني ﷺ صنمهم "الفلس" - الذي تعبدون من دون الله، ومما حازت مناع ولائها، من كل ضار غير نافع. فقال زيد الخيل وكان من أعظمهم خلقا وأحسنهم وجها وشعرا، وكان يركب الفرس العظيم الطيويل فتخبط رجلاه في الأرض، فقال له النبي ﷺ ولا يعرفه: الحمد لله الذي أئى بك من حزنك وسهلك، وسهل قلبك للإيمان ثم قبض على يده فقال: من أنت؟ فقال: أنا زيد الخيل بن مهلهل: إني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبد الله ورسوله. فقال له: بل أنت زيد الخير، ما أخبرت عن رجل قط شيئا إلا رأيته دون ما خبرت عنه غيرك فبايعه وحسن إسلامه وأسلم من كان معه من كبراء طيئ وحسن إسلامهم، وكتب النبي ﷺ لكل واحد منهم كتابا على قومه، إلا وزر بن سدوس النبهاني، فقال: إني أرى رجلا يملك رقاب العرب، والله لا يملك رقبتي عربي أبدا، ثم لحق بالشام وتنصر وحلق رأسه.
وخرج زيد الخير من عند رسول الله ﷺ راجعا إلى قومه، بعد أن قطع له النبي ﷺ فيدا (وهو موضع بشرقي سلمى أحد جبلي طيئ وأراضيه معه)، وكتب له بذلك.
فلما انتهى من بلد نجد إلى ماء من مياهه يقال له: "فردة" أصابته الحمى فمات بها، ولما أحس بالموت قال:
أمرتحلُ قومي المشارقَ غدوةً … وأتركُ في بيت بفردة مُنْجد
ألا ربَّ يوم لو مرضت لعادني … عوائدُ من لم يبر منهن يجْهدَ
ولما مات عهدت امرأته لجهلها وقلة عقلها إلى ما معه من الكتب فحرقتها بالنار!
стр. 5634
ولزيد الخير ابنان: مكنف وحريث، أسلما وصحبا رسول الله ﷺ وشهدا قتال أهل الردة مع خالد بن الوليد ﵁ (١) - وأن اسم حريث هذا قد ورد تاريخيا كاسم من أسماء وأجداد شمَّر وفي شهر ربيع الآخر من السنة التاسعة للهجرة أرسل النبي ﷺ علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه - في سرية إلى ديار طيئ وأمره أن يهدم صنمهم الفلس فسار إليهم، وأغار عليهم، فغنم وسبى وكسر الصنم، وكان متقلدا سيفين يقال لأحدهما: مخذم وللآخر رسوب فأخذهما علي، وحملهما إلى رسول الله ﷺ وكان الحارث بن أبي شمَّر أهدى السيفين للصنم فعلقا عليه، وأسر بنتا لحاتم الطائي، وحملت إلى رسول الله ﷺ بالمدينة فأطلقهما (٢)، وكان لهذه السرية الموفقة أثر بالغ في القضاء التام على وثنية طيئ، وفتح عقولهم وقلوبهم للإسلام، كما كانت سببا في هروب عدي بن حاتم إلى الشام، ثم قدومه إلى المدينة المنورة ودخوله في الإسلام، وبدأت طيئ منذ بداية السنة العاشرة للهجرة تعوض ما فاتها، وتخط في ذاكرة الزمن أمجادا إسلامية خالدة أجملها علي بن أبي طالب ﵁ عندما قال لوفد من طيئ:
"جزاكم الله خيرا، فقد أسلمتم طائعين، وقاتلتم المرتدين، ووافيتم بصدقاتكم المسلمين".
وما ينطبق هنا على قبيلة طيئ فإنما ينطبق على (شمَّر) وهي جزء لا يتجزأ من طيئ، وسوف نرى في الصفحات القادمة بأن شمَّرا هي إحدى بطون طيئ التي استقر بها المقام معها في جبلي أجأ وسلمى، ثم تفرعت عنها بعد ذلك بزمن وأصبحت شمَّر المعروفة اليوم ببطونها: عبدة وزوبع وأسلم.
ولا نزال -قارئي العزيز - نبحث في أعلام ورؤساء قبيلة (طيئ) ونخص بالذكر حاتم بن عبد الله بن سعد وعدي بن حاتم وسفانة بنت حاتم لنرى إلى أي مدى تمتع هؤلاء بمكارم الأخلاق من كرم وشجاعة وشعر وفصاحة، ولنبدأ بحاتم بن عبد الله بن سعد والذي ضُرب به المثل في الجود والسخاء فنقول:
стр. 5635
" حاتم الطائي " (١)
هو: حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج من طيئ، وأمه غنية بنت عفيف من طيئ أيضًا، ويكنى حاتم: أبا سفانة وأبا عدي، كني بذلك بابنته سفانة وهي أكبر ولده وبابنه عدي، وله من الأولاد أيضًا: عبد الله، وثلاثتهم من زوجة النوار وعقب حاتم من ولده عبد الله، أما عدي فليس له عقب من الذكور، وقيل أن حاتما تزوج ثانية من (ماوية بنت عفرز) من بنات ملوك اليمن، وكانت تحب الكرم والكرماء ولم تنجب له أولادا وكان حاتم جوادا، شاعرا جيد الشعر، وكان حيثما نزل عرف منزلة وكان ظفرا إذا قاتل غلب، وإذا غنم أنهب، وإذا سئل وهب، وإذا ضرب بالقداح سبق، وإذا أسر أطلق.
ومر في سفره على قبيلة عنزة وفيهم أسير، فاستغاث به الأسير ولم يحضره فكاكه فاشتراه منهم وأقام مكانه في القيد حتى أدى فداءه.
وقسم ماله بضع عشرة مرة.
قال أبو عبيدة: أجود العرب ثلاثة: كعب بن أمامة، وحاتم طيئ، وهرم ابن سنان صاحب زهير بن أبي سُلمى.
وكان لحاتم قدور عظام بفنائه لا تنزل عن الأثافي، وإذا أهل رجب نحر كل يوم وأطعم ولم يكن هذا الجود والسخاء غريبا عن نشأة حاتم، فقد ولد في أسرة كريمة تميزت فيها الأم بالكرم، فورث حاتم من أمه هذه الصفة، حتى كأنها امتزجت مع حليبها في خلايا جسده فأصبحت صفة طبيعية، وسجية خلقية له، ففي كتاب السيرة النبوية لابن كثير:
كانت غنية بنت عفيف بن عمرو بن امرئ القيس أم حاتم طيئ لا تمسك شيئا سخاء وجودا، وكان إخوتها يمنعونها فتأبى، وكانت امرأة موسرة، فحبسوها في البيت سنة يطعمونها قوتها لعلها تكف عما تصنع، ثم أخرجوها بعد سنة، وقد ظنوا أنها قد تركت ذلك الحق، فدفعوا إليها صرمة من مالها وقالوا:
стр. 5636
استمتعي بها، فأتتها امرأة من هوازن وكانت تغشاها فسألتها، فقالت دونك هذه الصرمة، فقد والله مسني من الجوع ما آليت أن لا أمنع سائلا ثم أنشأت تقول:
لعمري لِقْدما عضني الجوعُ عضةً … فآليت ألا أمنعَ الدهرَ جائعا
فقولا لهذا اللائمي اليوم أعفني … وإن أنت لم تفعل فعضَّ الأصابعا
فماذا عساكُم أن تقولوا لأختكم … سوى عذلكم أو عذل من كان مانعا
وماذا ترون اليومَ إلا طبيعةً … فكيف بتركي يا ابن أمي الطبائعا؟
ونقتطف بعض الأخبار التي تشهد بكرم هذا الرجل، ونتعرف من خلالها على أسرة حاتم الطائي التي كانت تعاني أحيانا ألم الجوع والبؤس، فتصير مع راعيها على ذلك، حتى إذا ما دعي إلى البذل وتلبية نداء الواجب والحاجة والعوز نراه يهب مسرعا ليضحي في سبيل ذلك بكل ما يملك، ولنستمع إلى زوجته النوار تحدثنا عن بعض أخباره العجيبة في الكرم فتقول:
"كل أمره كان عجبا! أصابتنا سنَّة حصن كل شيء أي حصدت كل شيء، فاقشعرت لها الأرض، واغبرت لها السماء، وضنت المراضع على أولادها، وراحت الإبل حدباء ضامرة؛ أي أصبحت حدباء ضامرة ما تبض بقطرة، وحلقت المال وانا في ليلة صَنّبر (باردة) بعيدة ما بين الطرفين؛ إذا تضاغى الأصبية من الجوع؛ عبد الله وعدي وسفانة فوالله إن وجدنا شيئا نعللهم به، فقام إلى أحد الصبيان فحمله وقمت إلى الصبية فعللتها، فوالله إن سكتا إلا بعد هدأة من الليل، ثم عدنا إلى الصبي الآخر، فعللناه حتى سكت وما كاد، ثم افترشنا قطيفة لنا شامية ذات خمل فأضجعنا الصبيان عليها، ونمت أنا وهو في حجرة والصبيان بيننا، ثم أقبل علي يعللني لأنام، وعرفت ما يريد فتناومت، فقال: مالك أنمت؟ فسكت، فقال: ما أراها إلا قد نامت وما بي نوم، فلما ادلهمَّ الليل وتهورت النجوم، وهدأت الأصوات وسكنت الرجل؛ إذا جانب البيت قد رفع، فقال: من هنا؟ فولى، حتى إذا قد أسحرنا أو كدنا عاد فقال: من هذا؟ قالت: جارتك فلانة يا أبا عدي، ما وجدت على أحد معولا غيرك أتيتك من عند أصبية يتعاوون عواء الذئاب من الجوع قال: أعجليهم علي. قالت النوار:
стр. 5637
فوثبت: فقلت: ماذا صنعت؟ أضطجع والله لقد تضاغى أصبيتك فما وجدت ما تعللهم، فكيف بهذه وبولدها؟ فقال: اسكتي، فو الله لأشبعنك إن شاء الله.
قالت: فأقبلت تحمل اثنين وتمشي جنبيها أربعة كأنها نعامة حولها رئالها. فقام إلى فرسه فوجأ بحربته في لبته، ثم قدح زنده وأورى ناره، ثم جاء بمديه فكشط عن جلده، ثم دفع المدية إلى المرأة ثم قال: دونك، ثم قال: ابعثي صبيانك فبعثهم، ثم قال: سوءة، أتأكلون شيئا دون أهل الصرم فجعل يطوف فيهم حتى هبوا وأقبلوا عليه، والتفع في ثوبه، ثم اضطجع ناحية ينظر إلينا والله ما ذاق مزعة، وإنه لأجوعهم إليه، فأصبحنا وما على الأرض منه إلا عظم أو حافر (١) .. وقالت امرأة حاتم لحاتم: يا أبا سفانة أشتهي أن آكل أنا وأنت طعاما وحدنا ليس عليه أحد، فأمرها فحولت خيمتها من الجماعة على فرسخ، وأمر بالطعام فهيئ، وهي مرخاة ستورها عليه وعليها، فلما قارب نضج الطعام كشف عن رأسه ثم قال:
فلا تطبخي قِدري وسترك دونها … عليّ إذن ما تطبخين حرامُ
ولكن بهذاكِ البقاع فأوقدي … بجزل إذا أوقدت لابضرام
قال ثم كشف الستور وقدم الطعام للناس فأكل وأكلوا، فقالت: ما أتممت لي ما قلت فأجابها: فإني لا تطاوعني نفسي، ونفسي أكرم علي من أن يثني على هذا، وقد سبق لي السخاء ثم أنشد يقول:
أمارس نفس البخل حتى أعزها … وأترك نفس الجود ما أستثيرها
ولا تشتكينِّي جارتي غيرَ أنها … إذا غاب عنها بعلها لا أزورها
سيبلغةا خيري ويرجع بعلُها … إليها، ولم تقصر عليها ستورها
قال أبو عبيدة: إنه لما بلغ حاتم طيئ قول المتلمس:
قليلُ المال تصلحه فيبقى … ولا يبقى الكثير على الفساد
وحفظُ المالِ خير من قناةٍ … وعسفٍ في البلاد بغير زاد
стр. 5638
قال: ما له قطع الله لسانه حمل الناس على البخل؟ … فهلا قال:
فلا الجود يفني المال قبل فنائه … ولا البخل في مال الشحيح يزيدُ
فلا تلتمس مالا بعيش مقترٍ … لكل غدٍ رزق، يعودُ، جديدُ
ألم تر أن المال غادٍ ورائح … وأن الذي يعطيك غيرُ بعيد
ومن عيون شعر حاتم الذي يظهر فيه فخره بكرمه وعفته وحماسه:
فأقسمتُ لا أمشي إلى سِرِ جارةٍ … يدَ الدهر ما دامَ الحمَامُ يغرد
ولا أشتري مالا بغدر علمتُه … ألّا كلُّ مالٍ خالط الغدر أنكر
إذا كان بعضُ المال ربًا لأهله … فإني بحمد الله مالي معبد
يفك به العاني، ويُؤكلُ طيبا … ويعطي إذا أمن البخيل المصرّد
إذا ما البخيل الليل أخمد ناره … أقول لمن يصلى بناريَ: اوقدوا
ويمضي الإخباريون في سّبع كرم حاتم، ويفجعهم الموت بوفاته، فيجمح بهم الخيال ويصنعون له أسطورة في السخاء حتى بعد موته، ومن يدري فلعل الطائيين، ومعهم عدي، أرادوا أن يبقى حاتم جوادا وهو راقد في قبره، فكانت هذه الحكاية العجيبة التالية.
وتذكر طيئ أن رجلا يعرف بأبي خيبري مر بقبر حاتم، فنزل به، وبات يناديه.
يا أبا عدي أقر ضيفك، فلما كان في السحر وثب أبو خيبري يصيح: وا راحلتاه فقال له أصحابه: ما شأنك؟ فقال: خرج والله حاتم بالسيف حتى عقر ناقتي وأنا أنظر إليه، فنظروا إلى راحلته فإذا هي لا تنبعث، فقالوا: قد -والله - قراك فنحروها وظلوا يأكلون من لحمها، ثم أردفوه وانطلقوا، فبينما هم كذلك في مسيرهم طلع عليهم عدي بن حاتم ومعه جمل أسود قد قرنه ببعيره، فقال: إن حاتم جاءني في المنام فذكر لي شتمك إياه، وأنه قراك وأصحابك راحلتك، وقد قال في ذلك أبياتا ورددها علي حتى حفظتها:
стр. 5639
أبا خيبريّ وأنت امرؤ … حسودُ العشيرة لوَامُها
فماذا أردت إلى رقَة … بداويةُ صخيب هامُها
تبغَّى أذاها وأعمارها … وحولك عوفُ وأنعامها
وأمرني بدفع جمل مكانها إليك، فخذه، فأخذه (١).
وقد مات حاتم في (عوارض) جبل في بلاد نجد سنة ٤٦ قبل الهجرة وعاش ستين سنة (٢)، وعوارض اليوم تسمى ثوران وهو المكان الذي عاش فيه حاتم ومات فيه، وهو مكان يبعد عن مدينة (حائل) حوالي خمسة وأربعين كيلو مترا، وقد هيئ لي أن أرور المكان برفقة أحد شباب قبيلة شمَّر. ولا أراني عندما وقفت على بقايا بيته وعلى قبره إلا أن أردد ما ردده الشاعر البرجمي عندما قال:
يعيش الندى ما عاش حاتم طيئ … فإن مات قامت للسخاء مآتمُ
ولكن ما ميزان كرم حاتم في الإسلام؟ فإذا كان هذا كرم حاتم، وكانت هذه أخلاقه فماذا تحدث عنه رسول الله ﷺ .
روى البيهقي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: يا سبحان الله ما أزهد كثيرا من الناس في الخير! عجبا لرجل يجيئه أخوه المسلم في حاجة فلا يرى نفسه للخير أهلا، فلو كان لا يرجو ثوابا، ولا يخشى عقابا لكان ينبغي له أن يسارع في مكارم الأخلاق، فإنها تدل على سبيل النجاة.
فقام إليه رجل وقال: فداك أبي وأمي يا أمير المؤمنين؟ أسمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، وما هو خير منه، لما أتي بسبايا طيئ، وقفت جارية حمراء لعساء، زلفاء، عبطاء شماء الأنف، معتدلة القامة والهام، درماء الكعبين، خدلجة الساقين، لفاء الفخذين، خميصة الخصرين، ضامرة الكشحين، مصقولة المتنين قال: فلما رأيتها أعجبت بها، وقلت: لأطلبن إلى رسول الله ﷺ فيجعلها في فيئي، فلما تكلمت أنسيت جمالها لما رأيت من فصاحتها، فقالت: يا محمد إن رأيت أن تخلي عني ولا تشمت بي أحياء العرب، فقد
стр. 5640
مات الوالد وغاب الوافد، وإني ابنة سيد قومه، وإن أبي كان يحمي الذمار ويفك العاني، ويشبع الجائع ويكسو العاري، ويقري الضيف، ويطعم الطعام، ويفشي السلام، ولم يرد طالب حاجة قط، أنا ابنة حاتم طيئ.
فقال النبي ﷺ : يا جارية هذه صفة المؤمنين حقا، لو كان أبوك مؤمنا لترحمنا عليه، خلوا عنها، فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق، والله تعالى يحب مكارم الأخلاق. ويزيد الحافظ ابن كثير هذا البيان وضوحا فيقول: وكانت لحاتم مآثر وأمور عجيبة، وأخبار مستغربة في كرمه يطول ذكرها، ولكن لم يكن يقصد بها وجه الله والدار الآخرة، وإنما كان قصده السمعة والذكر (١).
وروي عن عمر ﵁ قال ذكر حاتم عند النبي ﷺ فقال: "ذاك أراد أمرا فأدركه".
وفي مسند الإمام أحمد ﵀ عن عدي بن حاتم قال: قلت لرسول الله ﷺ : إن أبي كان يصل الرحم ويفعل ويفعل، فهل له في ذلك؟ يعني من أجر؟ قال: إن أباك طلب شيئا فأصابه.
وعلى أية حال فإن كرم حاتم قد خلَّده الله؛ لأن صفة الكرم هي من صفات الله ولا زال الكرم مقرونا بحاتم حتى يومنا هذا، فإذا أردت أن تثني على أحد الكرماء فلا بد أن تقول له: إنك حاتمي، إسنادا إلى صفة حاتم.
هذا، ويروى أن عديا بن حاتم عندما وفد على رسول الله ﷺ معلنا إسلامه ووقف أمام الرسول ﷺ وقال: يا رسول الله: إن أكرم الناس فينا وإن أشجع الناس فينا وإن أشعر الناس فينا. فقال له الرسول ﷺ بمن يا عدي قال: وأما أكرم الناس فأبي حاتم بن سعد، وأما أشجع الناس فهو عمرو بن معدى كرب، وأما أشعر الناس فهو امرؤ القيس.
فقال له الرسول ﷺ لا يا عدي: إن أكرم الناس محمد بن عبد الله، وإن أشجع الناس علي بن أبي طالب، وإن أشعر الناس تماضر بنت عمرو (الخنساء)