استمتعي بها، فأتتها امرأة من هوازن وكانت تغشاها فسألتها، فقالت دونك هذه الصرمة، فقد والله مسني من الجوع ما آليت أن لا أمنع سائلا ثم أنشأت تقول:
لعمري لِقْدما عضني الجوعُ عضةً … فآليت ألا أمنعَ الدهرَ جائعا
فقولا لهذا اللائمي اليوم أعفني … وإن أنت لم تفعل فعضَّ الأصابعا
فماذا عساكُم أن تقولوا لأختكم … سوى عذلكم أو عذل من كان مانعا
وماذا ترون اليومَ إلا طبيعةً … فكيف بتركي يا ابن أمي الطبائعا؟
ونقتطف بعض الأخبار التي تشهد بكرم هذا الرجل، ونتعرف من خلالها على أسرة حاتم الطائي التي كانت تعاني أحيانا ألم الجوع والبؤس، فتصير مع راعيها على ذلك، حتى إذا ما دعي إلى البذل وتلبية نداء الواجب والحاجة والعوز نراه يهب مسرعا ليضحي في سبيل ذلك بكل ما يملك، ولنستمع إلى زوجته النوار تحدثنا عن بعض أخباره العجيبة في الكرم فتقول:
"كل أمره كان عجبا! أصابتنا سنَّة حصن كل شيء أي حصدت كل شيء، فاقشعرت لها الأرض، واغبرت لها السماء، وضنت المراضع على أولادها، وراحت الإبل حدباء ضامرة؛ أي أصبحت حدباء ضامرة ما تبض بقطرة، وحلقت المال وانا في ليلة صَنّبر (باردة) بعيدة ما بين الطرفين؛ إذا تضاغى الأصبية من الجوع؛ عبد الله وعدي وسفانة فوالله إن وجدنا شيئا نعللهم به، فقام إلى أحد الصبيان فحمله وقمت إلى الصبية فعللتها، فوالله إن سكتا إلا بعد هدأة من الليل، ثم عدنا إلى الصبي الآخر، فعللناه حتى سكت وما كاد، ثم افترشنا قطيفة لنا شامية ذات خمل فأضجعنا الصبيان عليها، ونمت أنا وهو في حجرة والصبيان بيننا، ثم أقبل علي يعللني لأنام، وعرفت ما يريد فتناومت، فقال: مالك أنمت؟ فسكت، فقال: ما أراها إلا قد نامت وما بي نوم، فلما ادلهمَّ الليل وتهورت النجوم، وهدأت الأصوات وسكنت الرجل؛ إذا جانب البيت قد رفع، فقال: من هنا؟ فولى، حتى إذا قد أسحرنا أو كدنا عاد فقال: من هذا؟ قالت: جارتك فلانة يا أبا عدي، ما وجدت على أحد معولا غيرك أتيتك من عند أصبية يتعاوون عواء الذئاب من الجوع قال: أعجليهم علي. قالت النوار:
стр. 5637
فوثبت: فقلت: ماذا صنعت؟ أضطجع والله لقد تضاغى أصبيتك فما وجدت ما تعللهم، فكيف بهذه وبولدها؟ فقال: اسكتي، فو الله لأشبعنك إن شاء الله.
قالت: فأقبلت تحمل اثنين وتمشي جنبيها أربعة كأنها نعامة حولها رئالها. فقام إلى فرسه فوجأ بحربته في لبته، ثم قدح زنده وأورى ناره، ثم جاء بمديه فكشط عن جلده، ثم دفع المدية إلى المرأة ثم قال: دونك، ثم قال: ابعثي صبيانك فبعثهم، ثم قال: سوءة، أتأكلون شيئا دون أهل الصرم فجعل يطوف فيهم حتى هبوا وأقبلوا عليه، والتفع في ثوبه، ثم اضطجع ناحية ينظر إلينا والله ما ذاق مزعة، وإنه لأجوعهم إليه، فأصبحنا وما على الأرض منه إلا عظم أو حافر (١) .. وقالت امرأة حاتم لحاتم: يا أبا سفانة أشتهي أن آكل أنا وأنت طعاما وحدنا ليس عليه أحد، فأمرها فحولت خيمتها من الجماعة على فرسخ، وأمر بالطعام فهيئ، وهي مرخاة ستورها عليه وعليها، فلما قارب نضج الطعام كشف عن رأسه ثم قال:
فلا تطبخي قِدري وسترك دونها … عليّ إذن ما تطبخين حرامُ
ولكن بهذاكِ البقاع فأوقدي … بجزل إذا أوقدت لابضرام
قال ثم كشف الستور وقدم الطعام للناس فأكل وأكلوا، فقالت: ما أتممت لي ما قلت فأجابها: فإني لا تطاوعني نفسي، ونفسي أكرم علي من أن يثني على هذا، وقد سبق لي السخاء ثم أنشد يقول:
أمارس نفس البخل حتى أعزها … وأترك نفس الجود ما أستثيرها
ولا تشتكينِّي جارتي غيرَ أنها … إذا غاب عنها بعلها لا أزورها
سيبلغةا خيري ويرجع بعلُها … إليها، ولم تقصر عليها ستورها
قال أبو عبيدة: إنه لما بلغ حاتم طيئ قول المتلمس:
قليلُ المال تصلحه فيبقى … ولا يبقى الكثير على الفساد
وحفظُ المالِ خير من قناةٍ … وعسفٍ في البلاد بغير زاد
стр. 5638
قال: ما له قطع الله لسانه حمل الناس على البخل؟ … فهلا قال:
فلا الجود يفني المال قبل فنائه … ولا البخل في مال الشحيح يزيدُ
فلا تلتمس مالا بعيش مقترٍ … لكل غدٍ رزق، يعودُ، جديدُ
ألم تر أن المال غادٍ ورائح … وأن الذي يعطيك غيرُ بعيد
ومن عيون شعر حاتم الذي يظهر فيه فخره بكرمه وعفته وحماسه:
فأقسمتُ لا أمشي إلى سِرِ جارةٍ … يدَ الدهر ما دامَ الحمَامُ يغرد
ولا أشتري مالا بغدر علمتُه … ألّا كلُّ مالٍ خالط الغدر أنكر
إذا كان بعضُ المال ربًا لأهله … فإني بحمد الله مالي معبد
يفك به العاني، ويُؤكلُ طيبا … ويعطي إذا أمن البخيل المصرّد
إذا ما البخيل الليل أخمد ناره … أقول لمن يصلى بناريَ: اوقدوا
ويمضي الإخباريون في سّبع كرم حاتم، ويفجعهم الموت بوفاته، فيجمح بهم الخيال ويصنعون له أسطورة في السخاء حتى بعد موته، ومن يدري فلعل الطائيين، ومعهم عدي، أرادوا أن يبقى حاتم جوادا وهو راقد في قبره، فكانت هذه الحكاية العجيبة التالية.
وتذكر طيئ أن رجلا يعرف بأبي خيبري مر بقبر حاتم، فنزل به، وبات يناديه.
يا أبا عدي أقر ضيفك، فلما كان في السحر وثب أبو خيبري يصيح: وا راحلتاه فقال له أصحابه: ما شأنك؟ فقال: خرج والله حاتم بالسيف حتى عقر ناقتي وأنا أنظر إليه، فنظروا إلى راحلته فإذا هي لا تنبعث، فقالوا: قد -والله - قراك فنحروها وظلوا يأكلون من لحمها، ثم أردفوه وانطلقوا، فبينما هم كذلك في مسيرهم طلع عليهم عدي بن حاتم ومعه جمل أسود قد قرنه ببعيره، فقال: إن حاتم جاءني في المنام فذكر لي شتمك إياه، وأنه قراك وأصحابك راحلتك، وقد قال في ذلك أبياتا ورددها علي حتى حفظتها:
стр. 5639
أبا خيبريّ وأنت امرؤ … حسودُ العشيرة لوَامُها
فماذا أردت إلى رقَة … بداويةُ صخيب هامُها
تبغَّى أذاها وأعمارها … وحولك عوفُ وأنعامها
وأمرني بدفع جمل مكانها إليك، فخذه، فأخذه (١).
وقد مات حاتم في (عوارض) جبل في بلاد نجد سنة ٤٦ قبل الهجرة وعاش ستين سنة (٢)، وعوارض اليوم تسمى ثوران وهو المكان الذي عاش فيه حاتم ومات فيه، وهو مكان يبعد عن مدينة (حائل) حوالي خمسة وأربعين كيلو مترا، وقد هيئ لي أن أرور المكان برفقة أحد شباب قبيلة شمَّر. ولا أراني عندما وقفت على بقايا بيته وعلى قبره إلا أن أردد ما ردده الشاعر البرجمي عندما قال:
يعيش الندى ما عاش حاتم طيئ … فإن مات قامت للسخاء مآتمُ
ولكن ما ميزان كرم حاتم في الإسلام؟ فإذا كان هذا كرم حاتم، وكانت هذه أخلاقه فماذا تحدث عنه رسول الله ﷺ .
روى البيهقي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: يا سبحان الله ما أزهد كثيرا من الناس في الخير! عجبا لرجل يجيئه أخوه المسلم في حاجة فلا يرى نفسه للخير أهلا، فلو كان لا يرجو ثوابا، ولا يخشى عقابا لكان ينبغي له أن يسارع في مكارم الأخلاق، فإنها تدل على سبيل النجاة.
فقام إليه رجل وقال: فداك أبي وأمي يا أمير المؤمنين؟ أسمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، وما هو خير منه، لما أتي بسبايا طيئ، وقفت جارية حمراء لعساء، زلفاء، عبطاء شماء الأنف، معتدلة القامة والهام، درماء الكعبين، خدلجة الساقين، لفاء الفخذين، خميصة الخصرين، ضامرة الكشحين، مصقولة المتنين قال: فلما رأيتها أعجبت بها، وقلت: لأطلبن إلى رسول الله ﷺ فيجعلها في فيئي، فلما تكلمت أنسيت جمالها لما رأيت من فصاحتها، فقالت: يا محمد إن رأيت أن تخلي عني ولا تشمت بي أحياء العرب، فقد
стр. 5640
مات الوالد وغاب الوافد، وإني ابنة سيد قومه، وإن أبي كان يحمي الذمار ويفك العاني، ويشبع الجائع ويكسو العاري، ويقري الضيف، ويطعم الطعام، ويفشي السلام، ولم يرد طالب حاجة قط، أنا ابنة حاتم طيئ.
فقال النبي ﷺ : يا جارية هذه صفة المؤمنين حقا، لو كان أبوك مؤمنا لترحمنا عليه، خلوا عنها، فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق، والله تعالى يحب مكارم الأخلاق. ويزيد الحافظ ابن كثير هذا البيان وضوحا فيقول: وكانت لحاتم مآثر وأمور عجيبة، وأخبار مستغربة في كرمه يطول ذكرها، ولكن لم يكن يقصد بها وجه الله والدار الآخرة، وإنما كان قصده السمعة والذكر (١).
وروي عن عمر ﵁ قال ذكر حاتم عند النبي ﷺ فقال: "ذاك أراد أمرا فأدركه".
وفي مسند الإمام أحمد ﵀ عن عدي بن حاتم قال: قلت لرسول الله ﷺ : إن أبي كان يصل الرحم ويفعل ويفعل، فهل له في ذلك؟ يعني من أجر؟ قال: إن أباك طلب شيئا فأصابه.
وعلى أية حال فإن كرم حاتم قد خلَّده الله؛ لأن صفة الكرم هي من صفات الله ولا زال الكرم مقرونا بحاتم حتى يومنا هذا، فإذا أردت أن تثني على أحد الكرماء فلا بد أن تقول له: إنك حاتمي، إسنادا إلى صفة حاتم.
هذا، ويروى أن عديا بن حاتم عندما وفد على رسول الله ﷺ معلنا إسلامه ووقف أمام الرسول ﷺ وقال: يا رسول الله: إن أكرم الناس فينا وإن أشجع الناس فينا وإن أشعر الناس فينا. فقال له الرسول ﷺ بمن يا عدي قال: وأما أكرم الناس فأبي حاتم بن سعد، وأما أشجع الناس فهو عمرو بن معدى كرب، وأما أشعر الناس فهو امرؤ القيس.
فقال له الرسول ﷺ لا يا عدي: إن أكرم الناس محمد بن عبد الله، وإن أشجع الناس علي بن أبي طالب، وإن أشعر الناس تماضر بنت عمرو (الخنساء)
стр. 5641
فأراد الرسول ﷺ أن يبدل مثل الجاهلية بمثل إسلامية متمثلة في شخصه ﷺ في الكرم وفي علي بالشجاعة.
أما ولده عدي فقد نشأ وترعرع في أحضان جبلي أجأ وسلمى الشامخين، تتعهده عناية أب كريم، وتحنو عليه أم عطوف رؤوم، فهو قد ولد في بيت عربي أصيل ترفرف عليه أعلام السيادة، ويدين له الناس بالاحترام والطاعة، لقد كان كأجمل ما يكون فتى وأنضر ما تكون طفولة، وكأنه يعرف أنه سيخلف أباه حاتما في الرئاسة والسيادة، كما عرف أن هذه الزعامة في طيئ لم ينلها أبوه بالوراثة والنسب، وإنما تبوأها بالسجايا الحميدة والأخلاق الكريمة، وكان أبوه قدوة له في الجود والعفة والفروسية.
بأبيه افتدى عدي بالكرم ومن يشابه أباه فما ظلم.
وحفظ عن أبيه وصايا، فعمل بها وتركها كلمات مشرقة مسطورة في صفحات التاريخ بعد أن خضعت لأحكام الإسلام واهتدت بهداه، ففي (مجمع الأمثال): قال حاتم لابنه: "إذا رأيت الشر يتركك فاتركه" (١)، وقد ضلع عدي بمهام جسام تتجاوز حدود قبيلة طيئ، وتترك آثارا وفتوحا فيما وراء جزيرة العرب، وما كان يعلم أن أخلاقه الكريمة ومعدنه الأصيل، ستجد في مبادئ الإسلام وواقع الحياة الإسلامية تربة صالحة، فتنمو وتزدهر وتثمر ويصبح عدي في طليعة المسلمين ومن خيارهم، مسلما نقيا، وكريما نبيلا، وسيدا مطاعا، وجنديا مخلصا في جهاد أعداء الله.
ثوران -منزل وقبر حاتم الطائي
في معجم البلدان: قرية في أجأ أحد جبلي طيئ لبني شمَّر من بني زهير .. وقال البحري: "ومن شعاب أجأ ثوران".
ومدخل الوادي ضيق بحيث لو وقف عنده عدد قليل من الرجال لمنعوا من يحاول الدخول، ثم إن الوصول إلى مدخل الجبل يمر بمنعطفات أسفل الوادي وهي على اتساعها تثير حمايتها، والوصول إلى قرية حاتم وقومه كان صعبا كما يفهم من قوله: (لقد جهل مداخل سبلات).
стр. 5642
لعلنا في نقطة البداية هذه عن قبيلة طيئ ومنها شمَّر نقف على مقصدنا من هذا كله ألا وهي قبيلة شمَّر التي انحدرت بأصولها من هذه المسيرة الخيرة الكريمة والتي كان من انتمائها إلى حاتم الطائي ما يجعل التاريخ يقف منها موقف الإعجاب والفخار، فشمَّر هي إحدى القبائل التي تنتمي في أصولها إلى ذلك الفرع الشامخ من قحطان.
ولعل ثعل بن عمرو بن طيئ والذي ينحدر منه حاتم الطائي هو نقطة الارتكاز بالنسبة لقبيلة (شمَّر) والتي تضم في تعدادها اليوم: "عبدة وزوبع وأسلم" وهي البطون الثلاثة التي تؤلف القبيلة الكييرة، والتي لعبت دورا رئيسيا هاما في مجمل الأحداث التي دارت على أرض الجزيرة العربية، وكان لها ولا يزال امتدادها الجغرافي البعيد، فهي وإن بحثنا عن هذا الامتداد نجده بدأ في بلاد اليمن في أرض تثليث وجبل سناعيس جنوبا وانتهى في بلاد الشمال في العراق وسوريا والأردن وحتى المغرب العربي .. إذن هي قبيلة لها من الحيوية وقوة الحركة ما جعلها تتبوأ مركزا متقدما في عداد القبائل المماثلة له كقبيلة عنزة مثلا.
وإن أكثر ما يشدني إلى انتمائهم إلى ثُعل بن طيئ هو ما تمثل به رجالاتها من كرم وجود وسخاء وشجاعة وفروسية، كلها معاني تمثلت في رجالات القبيلة الأم "طيئ" ومنها الكريم السخي صاحب الكف الندي حاتم بن عبد الله بن سعد الذي ضرب بجوده وسخائه المثل. فنحن سنعثر في مسيرتنا مع هؤلاء الرجال على من جاءت صورة كرمه وجوده وشجاعته مطابقة إلى تلك الصور التي طالعتنا بها أمهات كتب التاريخ التي أنصفت بمجملها كل المعاني الخيرة في مسيرة قبيلة شمَّر، وبما أن الشعر هو ديوان العرب كما قال الأقدمون، وإنه الأداة المعبرة عن إرادة وأفكار كل مجتمع فلا بد لنا، والحالة هذه من إن نعثر على ومضات تاريخية تنير لنا دربنا في البحث والتنقيب، فنجد مثلا في هذه اللوحة الشعرية على لسان شاعر من شعراء شمَّر يثبت حقيقة انتمائهم أولا إلى قحطان:
стр. 5643
مناخنا العبده تسعين ليله … بالسيرة الليا حصاها جفادر
سنا عيس على الحرب صَمّلوا … واستبسلوا مثل الحرار النوادر
لما لفوهم زوبعٍ فوق ضُمّر … قُبِّ يلاوي صرعهن كل نادر
جونا على كل صهال وكل حمره … يطيرن راغان العجاج الأكادر
إن غَّرَبُوهن كالغروب الورد … وإن صدروهن كن فاح الصوادر
عفيه بني عمي عفيه لابتي … اركوا على كبدي حاميات المخاطر
يشير هنا الشاعر "إلى عبدة وإلى فتوة شمَّر سناعيس" وكذلك إلى زوبع، وكلها تمثل بطون القبيلة.
كما أن شاعرا آخر يشير أيضًا إلى قحطانيتهم في قوله:
إن سلت عنا يا السويطي قحاطين … عواصم واللي خذانا لفايق
حنا وعبده والضياغم بجدين … لطامة يوم اللقا كل مايق
يقول ابن الكلبي: شمَّر بطن من ثعل بن عمرو بن طيئ وهي اليوم من كبريات القبائل العربية، وعبدة من أكبر شمَّر الطائية حلفا، وهي من قبيلة جنب المذحجية نسبا، فهم أبناء عبيدة من قحطان. كما أن ابن سند الذي عايش مطلق الجربا قد أدلى بدلوه في حقيقة انتسابهم إلى ثعل بن عمرو بن طيئ، ولنستمع إليه في أبياته التي يرثي بها مطلقا ونقتطف منها هذه الأبيات:
هُمُ الأكارمُ فاسأل عنهمُ فهمُ … مَن يُسألون إذا ما اشتدت الإزمُ
لولاهم مازهى بدوُ ورابيةُ … ولا زهى أجأ والنَير والعَلَمُ
ولا ظعائنُ في البيداءِ عوَّدَها … طعنُ الفوارسي عنها صَيْرَمُ رَزمُ
إذا انتمى فإلى الأجواد من ثُعلِ … والباذلين إذا ما ضنّ غيرُهُمُ
ويتابع ابن سند ذكر مآثر آل الجربا وحقيقة انتمائهم إلى ثعل بن عمرو بن طيئ، منها هو يرثي بنيه الجرباء ابن أخ مطلق الذي قتل عام ١٢٣١ هـ فيقول فيه:
نمتُه للشرف العالي بنو ثُعلٍ … أُسْد الشرى وَسراة القَادَةِ الأُوَلِ
النازلون من البيداء فوقَ رُبَىً … والشائدون بيوتَ العزِّ بالأسَلِ
والمانعو الجارِ بالأسيافِ لامعةً … بين الخميسين والعسَّالةِ الذبلِ
стр. 5644
ثم يقترب ابن سند من بيت القصيد عندما يوغل في انتساب شمَّر الجربا فينسبهم مباشرة إلى جدهم حاتم الطائي، وما كان لابن سند وهو العلَّامة والمؤرخ والشاعر أن يأتي بهذا القول من عنده لو لم يلتمس إلى ذلك سبيلا واضحا من المعرفة في أصولهم، ولنصغ إليه في رثاء بنيه الجربا.
قضي فَلدمعي في الخدود سفوحُ … هزبرُ عليه المشرفيّ ينوحُ
أغرُّ كريمُ النسبتين من الألى … فخارُهمُ كالنيِّريِن يَلوحُ
وأبيضُ منهم شَمريُّ بكيته … نَمَاه إلى الأصل الأصيل سَمُوحُ
وأروعُ أمَّا جدُّه فهو حاتمُ … وسعدُ وأمّا مده فسفوح
بُنية والقرم الذي لم يزل به … تخب لدماء الحروب مروحُ
إذن، أصبح من الواضح حقيقة انتساب قبيلة شمَّر "عبدة وزوبع وأسلم إلى ثعل بن عمرو بن طيئ .. وتذكر كتب التاريخ بأن طيئا بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن كهلان بن سبأ بن يعرب بن قحطان قد أنجب من الأبناء عمرو وقطرة ومالك والغوث ومن عمرو جاءت ثعل وسعد فمن ثعل وسعد، جاء حاتم، ومن ثم (شمَّر) المؤلفة من بطونها المذكورة، إلا أن بعض المؤرخين يذكرون عبيدة من مالك بن طيئ، ومن عبيدة جاء ضيغم بن معاوية الضيغمي، كما أن البعض ينسبون شمَّر إلى جديلة بن سعد بن قطرة بن طيئ، وعلى أية حال فكلهم ينتسبون إلى جدهم طيئ بن أدد، حيث يلتقون فيه على خلاف مشاربهم واتجاهاتهم .. ودعنا الآن -قارئي العزيز- بأن نتلمس طريقا في بحث كل بطن عن هذه البطون، ولنبدأ بعبدة:
стр. 5645
قبيلة عبدة
هذه القبيلة ترجع في أصولها إلى عبيدة بن مالك بن قطرة بن طيئ بن أدد، هي من أقدم بطون شمَّر على اتفاق الآراء .. ومنها الضياغم التي يعود نسب آل الرشيد إليهم، وتتألف عبدة اليوم من بطون وأفخاذ عديدة، نذكرها على قول الرواة والمعمرين من أفراد هذه القبيلة العربية العريقة، فهي تتألف من:
١ - الجعفر وهم: آل خليل، ومنهم "الرشيد" - آل حيمر - ريا - آل عبيد - آل جشعم - آل عطون - الرواحل - آل رزانة.
٢ - الربيعية، وهم: الزقاريط - العفاريت - المحيسن - المردان - الجدي.
٣ - اليحيا، وهم: الفضيل - المفضل - الجنده - الجري - السليط - الهامل - أبو الميخ - ابن جبرين.
٤ - الدغيرات، وهم: الحسين - العليان - الشريهة - الثريبان - الغيثة.
تسكن عبدة قديما آبار "لينه والخضراء ورورد والثعلبية والأجفر والبدع - وتمتد منازلها من أجأ إلى ما وراء لينه، ومن كبارهم الشيخ ابن سعيد في حائل وابن هباس.
ومن الجعافرة آل خليل حكام حائل سابقا وهم: آل علي وآل الرشيد، وجاء في كتاب الأزهار النادية من أدب البادية -للكاتب: محمد سعيد حسن كمال ص ١٥: ما قوله عن بطون عبدة:
تفرع عن عبدة البطون التالية: آل يحيا: وفيهم هذه العشائر: السنان والصميل والجنيده وآل مفضل، وفيهم الأفخاذ الآتية: آل مسعود - آل مونيع - الطلاع - الطرمان - آل فريهد - آل بريش - الصليت - الرباع - الحامل.
ومن آل يحيا أيضًا: الدغيرات، وفيهم هذه العشائر: الشريحات - آل علينان - الغياث - الزكاريت - الويبار - آل جدي - آل حسن (١).
стр. 5646
إن نخوة عبدة هي سناعيس، ومن كبارهم: ابن شريم وابن عجل وابن رغيلان والأشرم، وتقطن عبدة مع قسم من أخواتها زوبع والأسلم مدينة ومنطقة حائل في المملكة العربية السعودية .. وحائل كما ذكرها البكري: "حائل موضع بجبلي طيئ" وهي مدينة قديمة تقع في سهل فسيح بين جبلي أجأ وسلمي، هواؤها عليل ومنظرها جذاب فهي بحق عروس الشمال، وهي بالإضافة إلى ذلك مدينة قديمة وردت في أسفار العرب قال أحدهم فيها:
لعمري على فَوْتٍ لأية نظرة … ونحن بأعلى حائل فالجراثم
نظرتُ ودوني من شمامّانَ صرةً … جواث كأثباج البغال الصرائم
ليدركَ طرفي أهلَ ودان إنني … بودّان ذو شجو حديث وقادم
بنجدٍ تروم الغورَ بالطَّرف هل ترى … به الغور مالاءمت من متلائم
ويقول امرؤ القيس الكندي في حائل ويشير إلى سكانها بنو ثعل بن طيئ:
أبت أجأ أن تُسلمَ اليوم جارَها … فمن شاء فلينهض لها من مقائل
تبيت لبوني بالقَرية أمّنا … وأسرحها غبَّا بأكناف حائل
بنو ثعل جيرانها وحُماتُها … وتمنعُ من رجَّال سعدٍ ونائل
والقرية بجبل طيئ معروفة ودخل بدوي العراق فاشتاق إلى بلاده فقال:
لعمري لنورُ الأقحوان بحائل … ونور الخزامى في آلاء وعرغج
أحبُّ إلينا يا حميدُ بنَ مالك … من الورد والخيري ودهن البنفسج
وأكل يرابيعٍ وضَبٍّ وأرنب … أحبُّ إلينا من سُماني وتدرج
ونص القلاصي الصهب وتدمى أنوفها … يجبنَ بنا ما بين قو ومنعج
أحبُّ إلينا من سفين بدجلةٍ … ودربٍ متى ما يظلم الليلُ يرتجِ
يكثر في حائل النخيل، كما يزرع فيها الأثل وأشجار البرتقال والفواكه والحدائق الغناء .. ولكن من هي القبائل التي سكنت حائل قديما؟ لقد سكنت حائل عدة قبائل كلها ترجع في أصولها إلى طيئ وهي:
стр. 5647
سكن حائل في القديم: طيئ بن أدد، وتتفرع منها بطون عديدة منها:
بنو جديلة وهي أمهم وهم: جندب وحور يعرفون بأمهم، وبنو معان، وبنو جدعاء بن رومان، والثعالب، وبنو تميم الذين يقال لهم مصابيح الظلام، وبنو علوة، وبنو زنمة بن عمرو، وبنو لام بن عمرو، وبنو أشنع بن عمرو، وبنو قصاد وبنو قرواش، وثعل، وسلامان، وجرول، وبنو بحتر، وبنو عنيد، وبنو فرير، وبنو سلسلة، وبنو دغش، وبنو هذمة بن عناب، وبنو سمبس، وبنو شمجي، وبنو نبهان بن عمرو، وبنو نايل، وبنو المشر، وبنو الصامت، وبنو بولان، وبنو صيفي ومنهم بنو شمَّر نسبة إلى شمَّر بن عبد جذيمة بن ثعلبة بن سلامان بن ثعل بن عمرو بن الغوث بن طيئ، بطن بن طيئ:
منهم: قيس بن شمَّر وهو الذي ذكره امرؤ القيس فقال:
"وهل أنا لاقٍ حييَّ قيس بن شمَّرا".
ونعود الآن إلى البحث في بطون عبدة ولا بأس أن نعرج على مشاهيرهم في الزعامة والشعر ومكارم الأخلاق.
- آل خليل وآل علي: هم حكام حائل قديما، وقد أعقب خليل: جاسرا وأعقب جاسر: رشيدا ومنه عليا وأعقب علي: عبيدا وعبد الله، وعبد الله هذا هو المؤسس الأول لإمارة آل رشيد.
وقد كانت حائل وما يتبعها من القرى والمدن يحكمها أبناء عم آل رشيد وهم: آل علي الذين دام حكمهم بحائل زمنا، وعلى هذا أنجب عيسى وينتسب إلى جده ضيغم من الجعفر، وعيسى الذي دام حكمه زمنا ليس بالقصير وكان على صلات حسنة بآل سعود، وقد أعقب ابنه محمدا الذي طال حكمه أيضًا ولم تتفق سياسته مع الأتراك، حتى احتالوا عليه لقتله، وفيه يقول الشاعر من قصيدة (١):
يا حيف راس الشيخ تلعب به الروم … متقابلين بينهم يجزرونه
стр. 5648
ومحمد هذا هو الذي بنى قصر برزان، وفي أيامه خرج عليه محمد الوطيفي الجربا من شمَّر فظفر به محمد وقتله وقال:
يقول ابن علي وابن علي محمد … كما البرج فوق البلاد الشهير
ضاع طيبي بل الوطيفي محمد … كما ضاع بالصبْخا بذار الشعير
حنا الذي جيناك يوم يحال دونك … يوم أنت بالجهرى يقال اقْصير
وبعد قتل محمد بن عيسى تولى أخوه صالح بن عيسى، ولم يكن على الدرجة التي كان عليها سلفه من الحزم والسياسة والرأي، وكان أخوه محمد بن عيسى قد عقد قران ابنته على ابن عمها: عبد الله بن علي بن رشيد ودخيل بها فلما تولى صالح الحكم منع بنت أخيه من مقابلة زوجها، وكانت منه حاملا وذلك لما قام به هو وأخوه عبيد العلي من التعدي على القبائل المجاورة التي يعتبرها الأمير صالح بن عيسى في حلفه أو ولائه، وساءت العلاقة وأدت إلى المقاطعة والإجلاء عن حائل فذهب عبيد العلي إلى البادية وذهب عبد الله إلى بغداد، وقال متوعدا لابن علي:
والله لو أني ورا جسر بغداد … لأصير لك مثل العمل عند راعيه (١)
وذهبت أمهم إلى "جبّه" ومما يروون من قولها تعبيرا عن حزنها بفراق ابنيها:
يا نور عيني يامضنة فؤادي … جلوني بالقيظ الحمر عن بلادي
وعاد عبد الله العلي الرشيد إلى حائل ليلا واسترد زوجته "نورة بنت عيسى" وسار بها مع "خويه ابن رخيص" إلى ما وراء الجوف ثم وصلوا العراق. وقد تولى عبد الله بعد ذلك إمارة حائل وكان المؤسس الأول لها، وقد حصل الوئام والتصافي بين آل الرشيد وآل علي.
стр. 5649
من شعر عبد الله العلي الرشيد هذه القصيدة:
ياهيه ياللي لك مع الناس وداد … ما ترحمون الحال يالابتي ليه
ما ترحمون اللي غدا دمعه ابداد … طول الزمان وحرق الدمع خديه
من شوفتي للترف مزموم الانهاد … متمشلح يمشي على أقدام رجليه
الشوك ماله عن مواطئه رداد … أيضًا ولا سبت قوي يوقيه
الله يسوِّد وجهكم ياهل الواد .. سود السما اللي كل القبائل تراعيه
جبه سقاه من أول الوسم رعاد … ما حدّرت خشم أم سمنان تسقيه
مسيخ ابن فرحان عريب الاجداد … كل العساكر نكّسبه تتلي البيه
نكّس بهم محسن وعامر وزياد … والكل منهم ما شاف حية ودانيه
اللي لها للمنهزم زين ميعاد … من لاذ به كن الحرم لايذ فيه
عيسى يقول الحرب للمال نفاد … والمال لمن هبتّ نسانيس ذاريه
عيسى يقول الحرب مابه لنا اذواد … أنشد أن مسويتّي السيف قل ليه حانيه
لاعاد ما ناصل ونضرب بالاحداد … هييت ياسيف طوى الهم راعيه
اليا عاد مايروي حدوده من دم الاضداد … ودّيه يم العرفجيّه ترويه
وقد كان عبد الله بن رشيد من العقلاء والحكماء، تولى إمارة حائل وأظهر في إدارتها كفاءة ممتازة، توفي سنة ١٢٤٥ هـ عن أولاد ثلاثة هم: طلال ومتعب ومحمد.
عبيد العلي الرشيد
فارس من أبطال الفرسان، وشاعر من فحول الشعراء، ذكي، قال عنه الريحاني (١):
"لقد امتاز عن أخيه عبد الله العلي الرشيد: بغلوه في المذهب وخشونة الطبع، ونزعة شديدة إلى القتال، وكان بينه محط رجال النجديين في حائل، ومرجعهم الأعلى".
стр. 5650
طلال بن عبد الله العلي الرشيد
تولى الإمارة بعد وفاة أبيه عام ١٢٦٥ هـ وكان طيب النفس كريما، لكنه نكب في عقله نكبة أدت إلى انتحاره عام ١٢٨٣ هـ، مدحه الشعراء في حياته ورثوه في مماته:
طلال كلما بدر تظهر … بليل النصف كن ليله نهارِ
طلال كما نجم تحدّر … الياصك الصفا حطه كسارِ
طلال كما حضن قريصه … ما يبريه كوي ولا قراي قاريِ
سلام على شيخ الشيوخ … ريف الضعيف بأيام العساريِ
متعب بن عبد الله العلي الرشيد
حكم حائل مدة عامين، كان من الوسط في الناس عقلا وخلقا وسياسة. قتله ابنا أخيه طلال وانتزعا الإمارة منه بالسيف، حيث قتلاه سنة ١٢٨٥ هـ وهما بندرا وبدرا.
بندر بن طلال بن عبد الله الرشيد
تولى الإمارة عام ١٢٨٥ هـ ومكث فيها ثلاث سنين، وفق الإمام عبد الله ابن سعود بينه وبين عمه محمد العبد الله العلي الرشيد، حيث عاد عمه إلى حائل، وتولى إمارة الحاج العراقي ولكن عمه محمد العبد الله طمح بإمارة أكبر منها، فقام يحقق مطامعه فأقدم على قتل بندر بيده عام ١٢٨٨ هـ وقد أمر بقتل أبناء طلال بن عبد الله الآخرين، فذبحوا في القصر كلهم، إلا بدرا فقد فرَّ إلى البادية وتعقبه العبيد فقتلوه.
محمد بن عبد الله العلي الرشيد
تولى الإمارة سنة ١٢٨٨ هـ وكان جبارا مستبدا، لقد قتل خمسة أرواح من بيت أبيه، لكنه كان عادلا طموحا، وقد تحالف مع آل أبي الخيل من آل مهنا من أمراء بريدة حتى اكتسح نجدا. وقد ارتفعت حائل في عهده، وقد حاز من التقدم والسيادة في نجد ما جعله في أعلى مواضع الإعجاب والتقدير.
стр. 5651
عبد العزيز بن متعب الرشيد
تولى الإمارة بعد عمه محمد، وكان شجاعا بطلا مقداما، شجاعته أقوى من رأيه، استولى على نجد كلها، وطمع بالاستيلاء على الكويت، مخالفا بذلك وصية عمه محمد بن عبد الله الرشيد، اصطدم مع الشيخ مبارك الصباح، وأدى الاصطدام هذا إلى ظهور الصدام الحقيقي مع سميه عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل بن سعود "الملك عبد العزيز" وكان الصدام في مواقع عديدة، منها: وقعة الصريف، وكانت من أعظم وقائع العرب الحديثة، انهزم فيها الشيخ مبارك ثم زحف ابن رشيد إلى بلاد نجد لضمها تحت لوائه وذلك عام ١٣١٨ هـ ثم حدثت وقعة ابن جراد التي انتصر فيها ابن سعود وقتل ابن جراد عام ١٣٢١ هـ وكذلك وقعة البكيرية بين ابن سعود وابن رشيد، وكانت مذبحة هائلة وفيها قتل ماجد بن حمود الرشيد وعبد العزيز بن جبر الرشيد، وفيها أصيب عبد العزيز ابن سعود بشظايا قنبلة في يده اليسرى، ووقع ابن رشيد عن فرسه وقعة آلمته ولم تقعده وذلك عام ١٣٢٢ هـ.
ثم كانت وقعة الشنانة: في وادي الرقة، جنوب الرس، وكان مع ابن رشيد جنود من الأتراك مع مؤن وذخائر، ساعده بها والي بغداد بإيعاز من الدولة العثمانية، تهاجم الفريقان وتقارعا، وكانت الغلبة إذ ذاك لابن الرشيد، ولكن ابن سعود عندما رأى جناحه الأيمن متقهقرا هجم بجيشه هجمة الاستبسال وهدم بيوت الحرب، فاشتد الضرب والطعان فانهزمت عساكر الترك المحاربة مع ابن رشيد، ثم انهزم ابن رشيد وفر رجاله هاربين إلى الكهفة من قرى حائل، وغنم الجيش السعودي عن المؤن والذخائر، والأسلحة والفرش، والثياب والإبل رالغنم شيئا كثيرا أغنت هذا الجيش وجعلته يتطلع إلى المزيد، وذلك عام ١٣٢٢ هـ.
ظلت الحرب قائمة بينه وبين ابن سعود مدة سبع سنوات، قتل في نهايتها ابن رشيد في معركة ليلية عاصفة، ثم تولى الإمارة بعده:
متعب بن عبد العزيز الرشيد
كان راغبا في السلم وتم الاتفاق بينه وبين عبد العزيز آل سعود على أن تكون حائل وملحقاتها وشمَّر لابن الرشيد، وباقي بلاد نجد بما فيه القصيم لابن
стр. 5652
سعود، ثم أطلق الأمير متعب سراح من كانوا مأسورين في حائل، فجاءوا بريدة وأقاموا فيها، وبعد عشرة أشهر من إمارته، قتله وأخويه مشعلا ومحمدا أبناء حمود بن عبيد العلي الرشيد: فيصل وسلطان ومسعود وماجد، ولم ينج غير سعود أخيهم الصغير فرَّ به خالة "ابن سبهان" إلى المدينة خوفا من أن يقتله أبناء عبيد، وبهذا انتقلت الإمارة من آل عبد الله إلى آل عبيد، وذلك عام ١٣٢٤ هـ إلى:
سلطان بن حمود
هو سلطان بن حمود بن عبيد العلي الرشيد، باشر حكمه بسياسة متقلبة أرسل إلى عبد العزيز بن سعود يطلب الصلح، وأرسل إلى أهل القصيم يخطب ودهم ويستنصرهم عليه، ووقعت في عهده وقعة الطرفية شمال بريدة وكان معه من القبائل شمَّر وحرب ومطير وكان مع ابن سعود عتيبة وقحطان وتقدم ابن سعود إلى عنيزة، يريد الهجوم على معسكر سلطان، ولكنه علم أنه خارج بريدة، فرحل إليه، وفي إحدى الغارات كبت فرس عبد العزيز آل سعود ووقع وقعة مشئومة، كسر فيها عظم كتفه الأيسر، وأغمى عليه، ثم دخل إلى الطرفية، ودعا قواده منبها لهم قائلا: "ابن الرشيد وأهل بريدة هاجمون عليكم هذه الليلة فتأهبوا وكونوا متيقظين، بثوا الحرس، وحصنوا القصر، تقدم ابن رشيد ورجاله ليباغتوا السعوديين واستيقظوا فتصادموا والمهاجمين وتضاربوا بكعاب البنادق، ثم السيوف، فسالت الدماء، وعلت الأصوات، ثم أطلقت البنادق، واستمر القتال حتى الفجر، وقد قُتِلَ في هذه الوقعة ثلاثون من السعوديين وثلاثمائة من الرشيديين .. ظل سلطان بن حمود بعد هذه الوقعة عدة أشهر؛ إذ قتله أخوه سعود وذلك عام ١٣٢٦ هـ.
سعود بن حمود الرشيد
استلم الإمارة بعد قتله أخاه سلطان، فصالحه ابن سعود، وذلك ليتمكن ابن سعود من مقاومة الهزازنة والتي مكنته من هزيمتهم في الحوطة والحريق ثم انتقض هذا الصلح، ولكن لما بلغ ابن سبهان خبر قتل سلطان بن حمود خرج من المدينة هو وابن أخته وحاشيتهم قاصدين حائل سنة ١٣٢٧ هـ فيدخلونها بجيش من العربان فيضرمون فيها النيران ثورة على سعود ثم يهاجمون القصر،
стр. 5653
فيقبضون على سعود بن حمود بن عبيد ويقتلونه في الغرفة التي قتل فيها أخاه سلطان، فتصفق حائل استحسانا، وتقلد سعود بن عبد العزيز سيف الإمارة.
سعود بن عبد العزيز الرشيد
تولى إمارة حائل صغيرا، لهذا كانت جدته فاطمة السبهان وعبيد القصر الطامعين بالسيادة، هم أصحاب الأمر والنفوذ، وقد أدى ذلك التوازن بين الطرفين إلى دوام العرش له سنوات عدة، وبعد ذلك مات سعود غدرا، حيث خرج للنزهة، ومعه حاشيته وعبيدة يقنون بالخيل وكان الأمير يتبارى وعبد الله ابن طلال آل رشيد برمي الرصاص على الهدف ولم يكن معهما سوى واحد من العبيد، واخترقت رصاصة ابن طلال رأس الأمير، وكان العبد يحدق إلى الهدف معجبا برمي سيده، فلم ينتبه إلى ما حدث إلا عندما خر صريعا، ولكنه فتح فاه وعينيه، هوى هو أيضًا في الحال، ولم يعطه القاتل فرصة للفرار وللصياح؛ إذ جاءت الرصاصة الثانية تبعثر دماغه، رأى أحد العبيد الآخرين ما جرى، فصاح بإخوانه وهجموا على ابن طلال ثم جاءوا ومعهم عبد الله بن متعب بن عبد العزيز ابن أخ الأمير المقتول، وهذا عثرة في سبيل العرش وابن طلال لا يبغي إلا العرش عليه أن يزيل ابن متعب من طريقه، وقتل ابن طلال من أحد العبيد وتولى الإمارة بعده.
عبد الله بن متعب
تولى الإمارة وعمره لا يتجاوز العشرين عاما، كان يخاف أن يموت غدرا كما مات أسلافه ولا سيما عندما عرف بقدوم محمد بن طلال من الجوف، لذلك فقد فرَّ إلى ابن سعود في الرياض.
محمد بن طلال
استولى على الإمارة بعد فرار عبد الله بن متعب إلى ابن سعود بالرياض، وهو شاب شجاع مشتهر، باشر القتال في جملة من ترى حافل، كان أهلها موالين لابن سعود، فهدم القرى، وقتل أكثر رجالها صبرا، وحصلت بينه وبين الدويش عدة معارك قرب حائل، أهمها في ماء ياطب انهزم فيها الدويش، وفيها
стр. 5654
التي أنشد العوني قصيدته المشهورة يستحث فيها شمَّرا، وقد فعلت هذه القصيدة ما لا تفعله السيوف حيث أثرت فيهم، وكانت سببا في التفافهم وثباتهم بعض الوقت.
وهذه قصيدة محمد العوني التي يرسلها إلى شمَّر على إثر موقعة ماء ياطب بين محمد بن طلال الرشيد وبين الدويش:
عزي لقلب كل ما طرف الليل … عليه صارنّ الدقايق جلايل
واعتاظ عن طيب الكرى بالتعاليل … بافكار واذكار وقول وقايل
والعين كن بُموقها يدرج الميل … عييت تطيق النوم من فور جايل
علي بني عمي اسنادي عن الميل … نطاحة الكايد أكبار الهوايل الحمايل
اقفوا كما مزن ثقيل المخاييل … من زاعج الغربي حدَرْ له شعاليل
شمر مقابيس المنايا هل الخيل … عصمان الاريا مقَحمن الدبايل
يادار؟ وين أهل المهار المشاويل … هل النزول اللي تعز النزايل
بكيتهم يوم ارتكى فوقي الشيل … وذكرتهم يوم اقبل الضد صايل
وصاح الصياح وطوحن الهلاهيل … وهلت ادموع معكرشات الجدايل
وقلت ابشرن ما دام بالعمر تمهيل … مادام مارزت علينا النضايل
لا تبكين الوحدة قِلْ الرجاجيل … مادام عين الله علينا تخايل
وظهرت أنا بايسم العصاة المشاكيل … لوهم قليل يدركون الجمايل
هم حاصلي لاكملنّا لمحاصيل … غوش الجبل خزنى غلامين حايل
باعوا عزيز العمر دون المضاليل … وحموا حماها مقدمين الفعايل
قالوا عليهم قلت يزجوا هل الخيل … وقهرتهم غصب ووردوا غلايل
واذينت هجنٍ يقربن المحاويل … هوج هجاهيج اهجاف نحايل
علاكم يطرب قلوب المراسيل … خفقات رفقات صلاب جلايل
قلايص عوص صعاصع شماليل … من سلسلة نسل السباق السلايل
الصبح مدن كنهن جولة الريل … رفيح علت من فوقها ارجال حايل
وصبح اربعٍ تلفي نزول كما الليل … شمر اليا عدت فروع القبايل
أدنى بالادنى خبروهم بتفصيل … لا تسفهون اصفارهم والجمايل
ولازم اليا شافوا اركابٍ مقابيل … تلزمهم النشدات عن سكن حايل
стр. 5655
قولوا لهم يامقبلين على خيل … نجد واهلها يطلبون الاوايل
جو ناهل العارض جموع كما الليل … يبغون دار هابها كل عايل
وجرى لمنا يومٍ ياطب به الشيل … يطيح ما تشنى عليها لرحايل
واضفا على عكاش مثل الهماليل … ياطول ما حنا لهم بالاوايل
وين الطنايا؟ وين شرابة الهيل … وين الرجال اللي تشيل الثقايل
وين السيوف اللي نعدل بها الميل … وين الارماح اللي ترد كل عايل
وين النشاما والعصاة المفاليل … وجميع من ضربه تضيع الدلايل
نشرب بهم صافي القراح الشهاليل … وننزل بهم غصب على كل طايل
تذكرتهم يوم ارتدم فوقي الشيل … ونخيتهم يوم اقبل الضد صايل
غلبا ترى بلدانكم لبست النيل … تنخى الارجال المكرمين الاصايل
تنخى هل العادة كرام الأسابيل … يوم التعازي والدخن له صلايل
قلته وأنا معكم على العدل والميل … لعل ما نعتاظ عنكم بدايل
تمت وصلوا وبل المخاييل … على نبي الحق ما زال زايل
كما حصلت بين الدويش وبين محمد بن طلال عدة وقائع أخرى أهمها في النيصية والجثامية وأم جريف الواقعة بين قبه وجراب، إلى أن اشتد عليه الحصار في حائل من الإخوان، وبعد هذا التقهقر أرسل سلطان نجد إلى أهالي المدينة يقول: سلموا تسلموا، فجاء الجواب بالتسليم على شرط أن يؤمر عليهم ابن طلال، وأدى ذلك إلى تسليم حائل فانتقل عبد العزيز آل سعود من الجتامية، وحاصر حائل في موقعين، واحدة تقدمت إلى جبل أجأ، واتخذت فيه مركزا حصينا، ومركزا آخر يدعى عقدة غرب حائل، وقد تم الاستيلاء عليه في اليوم السابع، واستمر يزحف نحو حائل.
إن الأكثرية من سكان حائل قد نفر من طلال لقسوته؛ لذا فقد أرسلوا إلى سلطان نجد عبد العزيز آل سعود مؤيدين له لكنهم يرجون منه ألا يضرب المدينة لذلك عندما شعر ابن طلال بذلك كتب إلى المفوض السامي البريطاني يسأله التوسط بينه وبين ابن سعود لكن ابن سعود رفض ولم يقبل بذلك. مكث الحصار مدة ثلاثة أشهر، فكتب السلطان عبد العزيز إلى أصدقائه في حائل يقول: قد طال الحصار، وأقبل الشتاء فليعذرنا الأهالي إذا أنذرناهم:
стр. 5656
"لهم ثلاثة آيام ليسلِّموا المدينة وعائلة الرشيد، وإلا فنحن إلى غرضنا مسرعون بالرصاص والنار" فجاء الجواب وفيه: إن الأهالي أعلنوا ولاءهم لابن سعود وأنهم يسلمون الحصون المحيطة بالمدينة إذا جاءتهم سرايا من الجيش، أرسل عبد العزيز ألفين من رجاله، ففتحت لهم الحصون المشرفة على حائل، ثم أمَّن الناس على أرواحهم وأموالهم، فخرجوا إليه أفواجا وهم يشكرون الله.
أما ابن طلال الذي شهد له بالبسالة والإقدام، عندما أدرك أن الأمر تفلت من يديه تحصن وحاشيته في القصر فأرسل السلطان عبد العزيز يؤمنه على حياته إذا هو استسلم ففعل، استمر هذا الحصار خمسة وخمسين يوما، وهكذا سقطت حائل بيد سلطان نجد عبد العزيز آل سعود في الرابع من محرم عام ١٣٤٠ هـ الثاني من نوفمبر عام ١٩٢١ م فدخلها عبد العزيز وجيشه، فأمد أهلها بالمؤن والثياب والمال فأجزل للناس العطاء ووزع ألوفا من أكياس الرز؛ وذلك لأنه كان عالما بشدة حالهم لأنهم كانوا يرون شبح الموت والمجاعة أثناء الحصار. لقد حافظ عبد العزيز على كرامة أهل حائل فعين حاكما عليهم هو: "إبراهيم السبهان" نظرا لرجاحة عقله وثقة عبد العزيز به، وإبراهيم السبهان هو الذي مهد السبيل لتسليم الحصون، واتفق مع ابن سعود على ذلك، فأمره بعد ذلك على حائل، حتى استقرت الأحوال وبعدها أسندت الإمارة إلى الأمير عبد العزيز بن جلوي وبذلك انطوت سيرة آل علي وآل الرشيد وأصبحت (حائل) اليوم ضمن حاضرة المدن التي انضوت تحت راية الهدى والرشاد على يد ذلك الرجل الفذ عبد العزيز ابن عبد الرحمن الفيصل آل سعود ﵀ هذا، وقد بلغ تعداد الأمراء من آل علي وآل الرشيد ثلاثة عشر أميرا بدءا من عبد الله بن علي بن رشيد المتوفى عام ١٣٦٥ هـ/ ١٨٤٨ م.
ونهاية بمحمد بن طلال بن نايف بن طلال في ٢٩ صفر ١٣٤٠ هـ/ ١٩٢١ م؛ أي مدة ثلاثة وسبعين عاما.
هذا ومن مناهي عبده بن شمَّر:
١ - وادي بن علي بمنطقة الخوير في حائل.
٢ - مسلط بن شريم: في حايل ولينا.
٣ - ابن جدي، وهو من المناهي في العراق.
стр. 5657
٤ - النشمي بن طلاع في العراق، وهو من المناهي.
٥ - مشخول أبو الميخ.
وقسم كبير من عبدة يقطن في العراق في الموصل وضواحي بغداد.
السبهان
هم بطن من الجعفر بن عبدة من قبيلة شمَّر، يقطنون منطقة حايل وبرز منهم زعماء وقادة ضمن ما كان لعبدة من صولات وجولات في تلك المناطق، ومن أبرز ما كان من رجالهم:
- زامل بن سالم السبهان، المتوفى عام ١٣٣٢ هـ.
- إبراهيم بن سالم السبهان، المتوفى عام ١٣١٩ هـ.
ومنهم الآن عبد الكريم بن إبراهيم بن سالم بن علي بن سبهان وصالح ابن علي بن سالم بن علي بن سبهان وكلاهما يقطن حائل.
وللسبهان نخوة هي نخوة شمَّر.
أما وسم إبلهم فهو على الشكل التالي:
* * *
وتوضع على الرقبة اليمنى للإبل، وجدهم إبراهيم بن سالم بن سبهان هو الذي استلم إمارة حائل بعد أن عينه الملك عبد العزيز آل سعود أميرا عليها، وهو الذي حقن دماء أهل حائل بعد حصارها من قبل عبد العزيز في عهد ابن طلال الرشيد ووضعه الملك عبد العزيز لرجاحة عقله ورباطة جأشه.
стр. 5658
زوبع
هو زوبع بن محمد الحارثي، يعود في نسبه إلى بطن (سنجارة) وهي جزء كبير من قبيلة شمَّر، ولزوبع شهرتها وسمعتها الطيبة، فهي قد أنجبت من بين ثناياها فرسانا وشعراء أفذاذا لعبوا دورا كبيرا في المسيرة الطويلة لتاريخ الجزيرة العربية فهي ذات الامتداد الجغرافي الذي بدأ من جنوب الجزيرة العربية وأوسطها في نجد والجبلين حتى العراق وسورية والمغرب العربي، وظلت زوبع غصنا في قببلة طيئ.
واشتهرت زوبع بنخوتها "خيال الخيل زوبعي" وهم لا يزالون محافظين على لهجتهم البدوية الصافية وهم مجموعون على تقاليدهم وعاداتهم، وعرفت زوبع (بالعفو عند المقدرة والسخاء بلا معذرة).
أقسام زوبع:
من الثابت أن زوبع قد تزوج امرأتين، الأولى منهما واسمها سنجارة وقد أنجبت من الأبناء "زامل - علي - ثابت" وهم من أم واحدة وينتسبون إليها وهم: أبناء سنجارة.
أما الأم الثانية لأبناء زوبع فتدعى زائدة، وقد أنجبت من الأبناء:
"ياس وعمود والهضبة والصبحي"
وما يطلق على سنجارة البطون التالية:
- فداغة وهي من الزامل.
- السويد وهي من الزامل أيضًا.
- الغفيلة وهي من علي ومنهم الرمال.
- التومان وزعماؤهم التمياط، وهي من الثابت وهي: النجم والبقعة والوضحان والحذانة.
أما العمود: فهم: الخلف والتجاغفة والفضي، ومن زعمائهم ابن هذيل وابن فنيدل.
стр. 5659
أما الخرصة فهم: الغشم والبريك والفرايسة والحسنية والمرازيق، وسنتحدث بالتفصيل عن كل قسم من هذه الأقسام، وقبل ذلك لا بد من ذكر المناهي من زوبع وهم:
١ - ابن عمود.
٢ - ابن سعدي.
٣ - ابن عجيل.
٤ - عجلان بن رمال.
أولا: الزامل
هو الابن الأكبر لزوبع من سنجارة: ونخوتهم أولاد صقر.
أما وسم إبلهم فهو على الشكل التالي: ثلاث مطارق توضع على الفخذ الأيمن للإبل.
وزامل هذا قد أنجب من الولد ثلاثة هم: صقر ودهام وحمير.
أما صقر فقد أنجب: ثابت ومنه بزيع وسلمان ونمر.
ونابت ومتينة وشميلة.
[ومن كبارهم: سعدون بن عباس بن علي القرشي] [الفضيلي]
[الهربيد (فريح بن عساف)] [الفضيلي]
[فريح الحمزي.] [الفضيلي]
- حسن بن سعدون بن عباس السويدي.
- نابت بن صقر في سورية والعراق.
- حمدان بن شبيب من الشميلة في المملكة العربية السعودية.
стр. 5660
- مريقب بن سويلم من العممة في المملكة العربية السعودية.
- مرزوق بن سكران أمير الفتخا في المملكة العربية السعودية.
- مطير بن رحيل من القلاباء في المملكة العربية السعودية.
- مشوح بن مطارد من الحطي في المملكة العربية السعودية.
ويطلق على أبناء زامل "السويد هو لقب بحد ذاته، وليس اسما وهو نسبة إلى الحصان الذي كان يركبه فسمي راعي السويد".
تديرت السويد قديما العراق وسورية .. أما اليوم فهم بالمملكة العربية السعودية في منطقة حائل وقراهم هي: "دليهان - الحطي - الفرحانية - الصنينة - الخبه - السعده - صدي - السعيدان - الغمياء - المحفر - الفتخة - المسلسل - التيّم.
ومن الجبال الواقعة في ديرتهم: حبران - المسمع - فردات - امتالع - ارخام - النفس - العليم - الإبرق - المرابيب - .. ومن الوديان: دليهان - قفيفة - صيحان والسويد هم أبناء صقر الذي منه:
- القلاباء والعممة والجعاري والخلوي والمسعود والهرايدة والخمرة والسند والذنيبات والطوعان.
أما القلاباء والعممة والجعاري والخلوي فيقال لهم القرشي: (سعدون بن عباس)، وأما المسعود والهرابدة والخمرة والسند والذنيبان والطوعان فيقال لهم: الفضلي (الهربيد والحمزي).
- يقدر عدد بيوتهم الآن حوالي خمسة آلاف بيت.
هذا، وقد برز من السويد شعراء فطاحل، يكاد شعر زوبع بأجمعها محصورا فيها ومنهم:
عدوان الهربيد وحسن الذنيب وهذلول الشويري بن طوعان وفريح الهربيد وطويرب العميم وراجي بن طوعان ومسلط بن حيلان بن خلوي/ عقيد.
стр. 5661
ومن مشاهير السويد قديما: مبارك بن مهلهل الذنيب وهو من الذنبيات. امتدحه الشاعر راجي بن طوعان:
أبو جلوي نفله بالتماديح … وديع سمحان العشاير بالاطلاب
يسرون وهو يرمي لهم بالمصابيح … هريف ذيب عامد راس مرقاب
قرابي يوم الملاقة ذوابيح … ولا قضوا الهوشات بنزول للاقراب
أما الشاعر رشيد بن طوعان فيعد من الشعراء المعدودين في قبيلة السويد من شمَّر، وقد عاش تسعين عاما من عام ١٢٠٠ هـ إلى ١٢٩٠ هـ، كان له صديق اسمه ابن بشير وكان أميرا لموفق، وابن بشير رجل كريم ووفي لصديقه ابن طوعان، وكان أن قام رشيد بن طوعان بزيارة إلى صديقه ابن بشير، ولكن وللأسف وصل والناس مجتمعون على قبره وقد توفي، فوقف ابن طوعان على رأسه راثيا له بهذه الأبيات:
يا عل ما تعرض على النار شايب … عساه مايعرض على النار شيبه
مرحوم يانقال كل النوايب … ناقل نقيله واحد مادري به
ياما ثكلين يوم رخص الجلايب … بدين وتالي مالكم ما نجيبه
ولصديقه هذا ولد قال لرشيد بن طوعان: تفضل للمجلس وأنا صديق لك بدلا من والدي وكان للشاعر رشيد ولد اسمه سيف قال لوالده يا كبر مجلسهم فقال رشيد:
لا تعتبر يا سيف من شغل زيدان … ولا يهولك كثر الفصم عند بابه
هذي فعول رشيد بأيام حطبان … أنا أحمد اللي عقب ما مات جابه
وبيوتهم يشبع بها كل جيعان … وقبل العشا يلزم تحنا اركابه
ولرشيد بن طوعان قصائد عديدة، وكلها تمتاز بجزالة الألفاظ وعمق المعاني وغزارة التجربة، وهذه قصيدته التي يتوجد فيها على أمراء حائل في زمنه عبيد وعبد الله العلي الرشيد عندما رحلوا من حائل إلى الشمال، وتراه يخاطب ولده سيف:
стр. 5662
يا سيف بالله لا تنادون برشيد … الله لا يبلى بيوم جرى لي
أمسى الضحى جتنا علوم تواكيد … شيخ الجبل من نقرة السمرة شالي
واودع مع الخل الشمالي براريد … وأخذ على جال الجزيزة ليالي
دار جفت ريف المراميل وعبيد … تعطي الخراب ويذهبون الارجالي
وش لي بكثر الملقحمة والقواويد … لاراح عبد الله وعقيل القبالي
العي كم يلعي رضيع على الديد … لابات مكروب عليه الزمالي
من قلط العبد الطفامة على السيد … يجلس بصلو الشمس عقب الظلالي
تبشروا بالباح يا أهل المعاويد … ومن ساق أمعيد ع يبتهل بالريالي
صبّور ماينزل غنيم على فعيد … ونشوف من ينحى العدو بالفعالي
وله هذه القصيدة في وقعة المحفر:
راكب من فوق حمرة ظهيره … ركابها من مركبه ما يحلّي
سلم على شيخ لنا بالجزيره … حمايهن بالكون دق وحلّي
قل جانا عقيد راكب له نجيره … ومن ركبته لاذوادنا مستحلي
جاه المعلم وعلمه بالسريره … وهاك المعلم مابحكيه يزلي
صبح عدوا بمريطبه والحفيره … ومرحوم ياشيخ بالاثماد خلي
صار الدخن من بيننا كالسعيره … وتخالط الطماع هو والمحني
خيالنا بالكون يرخي جريره … ودقوا دقه من يمين يشلي
ولحقوا هل البل شاربين دريره … كرام اللحا لو كان بالوقت قيلي
ولرشيد بن طوعان قصائد عديدة يفتخر ببعضها في قبيلة شمَّر، ومن سلالته في الوقت الحاضر أحد أحفاده وهو الشاعر عوده الطوعان الذي يقول في جماعته:
البارحة عيني تقل يظر به شيف … وفراشي غدا عقب الليانه كواليل
اشوف ربعي يجمعون الاطاريف … أظن ربعي هوجسوا بالمداحيل
برباع ربعي صنع الاشدف مهاديف … مقاظبه من قظب الايدي مناحيل
واذوادهم على المشائع مزاهيف … ترعى زهر نوار عشب السحاليل
اطلب من اللي وسر الصب بالليف … الواحد الهادي صدوق المخاييل
أنه يباشرهم بالأمطار والريف … ومن اشرع ما يركبون المحاميل
стр. 5663
وكذلك من شعرائهم الحاليين عتيق بن خلف الطوعان، قال هذه الأبيات يحث فيها عياله على شب النار أمام المسايير من الرجال كما يحثهم فيها على احترام كبار السن:
قم يافهد قلط على النار طقمين … وزود شبوب النار قدم الجماعة
وان حجمت والحجر فيها بلونين … احمس بحماس يجي ربع صاعه
ودقة بنجر باعواه جاب الاقصين … طنيب جيعان تلجلج اضلاعه
وأن اجلسوا مثل الحرار الغلامين … صبه عليهم وأكبر الربع راعه
احشم كبار السن ترهم مقفين … العمر مرهون سواة الوداعه
عدوان الهربيد يذكر الشيخ حسين الذنيب
وهو شاعر وفارس ذاعت شهرته، وهو أحد الأربعين الذين ذكرهم الشاعر عدوان الهربيد عندما خاطب إسماعيل وسعيد عندما شتما الشعراء:
المجلس اللي به إسماعيل وسعيد … ينعاف لو أنه على الكبد غالي
إسماعيل ماسمته اسماة الأجاويد … وسعيد ماداجوا عليه الرجالي
ويعد لهم أربعين فارسا وشاعرا ومتهم حسين الذنيب الذي يقول فيه:
ومْصيّخ اللي كرمته كفه العيد … وحسين حماي الركاب التوالي
ومن قصائده يمدح هذلول الشويهري:
اركض بنا يابو غلول رصينا … نجعل اعمار طايلات اقصافي
واليا انتخا هذلول ثم انتخينا … لعيون ربع قرنوا بالاكتافي
أبو غلول شوق موضي الجينا … ضربه لهم نطح ماهو من اخلافي
ونفلت أنا سمران ربعي علينا … بخص النظر ومشذرات الشلافي
واركابنا مافوقهن الذهينا … عقيدنا ما يعطي الهجن زافي
ومن سلالته الشاعر فرتاج الذنيب الذي يفتخر بجماعته بهذه القصيدة:
اذوادهم من كل بد كسابه … ماجمعوهن من رتيع همايل
بدور أبو فريح وأبو ناجي كفيلهن … بصمع يشادي ضوهن المخايل
اذوادهم يدعن وريك وداغر … ويتاحون بالمسمى كبار القبايل
стр. 5664
ومن أحفاد الشاعر عدوان الهربيد الشاعر رومي بن زيد الهربيد الذي يفتخر بجماعته فيقول:
اعلمهم يا زيد من دون تحديد … البادية مع ساكنين القرايا
لا عاش من يجحد جميل الاجاويد … عسى لهم عز وحصن وبقايا
وحلوقهم يازيد مابه معاضيد … من عقب زامل ما خلطهم نزايا
وافعولهم ما تحصى بالتعاديد … تنشف به الافلاح لو هي ملايا
طرق المعالي جاعلينه لهم سيد … ومن قول ابن عايش عليهم تهايا
ومن مشامير السويد هذلول الشويهري بن فرج القلاباء يمدحه رشيد بن طوعان:
والله ما يخلف لنا مثل هذلول … جياب دون الذود هي والجليله
واليا ركب ريمه على القوم هذلول … كم عزبة بالقيض يطوي صميله
ومن مشاهيرهم عبد الله بن سند السويدي الذي يمدحه راشد بن طوعان:
الصبح يبرى من وراء المال قنصان … بنادق دم الوضيحي انياله
البل دلهناه ابرغل وضمران … وداست ثليثوه وربعي دلالة
ترعى يربع ذربة الحرب شجعان … مثل الزمول اللي تعبه جماله
بشيخ سميين تصافوا بالايمان … مشوا طريق المرجلة والعدالة
والشيخان هما: عبد الله بن سند وعبد الله العميم.
ومن شعراء السويد الشاعر عزم بن حنيظل بن طوعان السويدي:
يا محلا ينساح بالك وشبيت … بدوٍ خلى عن حافرين الجحاره
زماننا تعاهدوا به هل البيت … جهادك لنفسك بالخلا عن عماره
وادعت من البيد اليامنك اوذيت … البيت ما يبنى بين عمل وخياره
الا اليا منك عن الحق عديت … أرخص بغالي الروح عند احتضاره
أما عن مكانة السويد لدى القبائل الأخرى، فقد كانت ذات مكانة مرموقة ولا بد لنا أن نذكر بعض ما قاله بعضهم فيهم:
стр. 5665
هذا جدعان اللحاوي الشراري يمدح السويد بهذه القصيدة:
نازلين جو بغربي اهطاله … بشمال اخشيت بجذوع العوالي
والشواقي جاريات باحتماله … والجوادل كمها ادراج العلالي
تشادي الغدير ما يركب محاله … بالعراجي شيل ما تصل الحبالي
من هل القطعان من ريف زهاله … مثل حيور الغيد بهذيك السهالي
العشاير ما نفرقهن من حياله … نستدل بعرفهن حط الشمالي
بس ادبوب الخيل غدت به ظلاله … معها عليق هي ريف المثالي
عيال صقر أهل الفعايل والشكاله … كرهب البنور يظوي باشتعالي
نجورة البغداد زات باشتعاله … والارباع انشيدات كالجبالي
بس هيل زعفران تهادر ادلالة … والدخونه امولم هو والقتالي
من جايمهم عافي ينساح باله … امدلهن الجار بفعول وكمالي
لازم تفوت بفراش ودلالة … مرحبا حييت هو كيف الاحوالي
من بدى له لازم يفدع ابماله … للمداهل ترتكي مثل الجمالي
وأن دعا ماجيت زعجلك رساله … من عصيب العنان فقاره شتالي
واهني من سكنها جلاله … قيل طلوع سهيل بحرور وصوالي
وهذا الشاعر مقبل المخلص أبو حمود من الجعافرة من ولد سليمان يمدح السويد:
يا حمود سلم لي على النجع كله … عيال السويد أمدلهة وألف الجار
عسى مفايلهم بسحب تبله … تسقي ظواميهم وتبذر بالاخضار
سحابة على امقالع مهله … بذارها بس الزبيدي ونوار
تسقي ظواميهم وهي مستهله … بديار دسمين الشوارب هل الكار
وبيوتهم مثل الهضاب المهله … وبرباعهم تلقى بها بن واكثار
ياحمود يعزلون الولد عن أهل له … أهل الندى ياحمود بلوذات الاسعار
وسعت منهم باللقا فزعة له … عيال الصقور اللي على الكود صبار
اركابهم تشكي الحفى والمملكه … دبر غوار بهن من لح الاوثار
لا جن من العدوان مثل الاهله … ياحمود من العدوان يلفن بالاخبار
يا حمود يوم العرب مطلق له … كم ناقة كدوا بها سر واجهار
стр. 5666
واليا تناخوا بين دجه وجله … قسم الخزايز عقب ما ثارت النار
يا حمود أنا مشافت منهم ممله … وكلامهم ما عاد يظهر على الجار
واللا أحد قربه على الكبد عله … مسويّ جماله لو يجدد لك الدار
وهذا الشاعر عبد العال الحربي يمدح السويد يخاطب أحد رجاله فريح:
يا فريح عيني جازية عن منامي … ودموعها من فوق الاوجان سايله
قالوا علامك قلت ما ادري علامي … هموم على قلبي اعراضي وطايله
ما صيدي الدنيا كفى الله شرها … صيور ما الدنيا عن البعد مايله
أجني ورزقي بحكمة اللي خلقنا … بحكمة ولي ما حصينا فضايله
رزق الحلا يكتب معالي جبينه … ولا دبر الباري على العبد نايله
يعلم دبيب النمل في ليلة الدجى … ويعلم خفي العبد عدل ومايله
اشوف براقٍ على هجعة العرب … عيني تراعيله وقلبي يخايله
على ادبار اللي لهم بي وناسة … لاجيتهم همومي عن القلب زايله
أولاد صقر هم منقع الجود والندى … وريف القصير الياثردن رحايله
قصيرهم دايم بعز ومعزه … وبراس عيطا عن سموم وقايله
تفرقوا يتلون هوى شمخ الذرى … ويدوون هتاش الخلا من مشايله
خمسة عشر عام وأنا بزود شيمه … ادناهم اللي طب يطني جمايله
يا الله تجمعهم على العز والبغا … ولا تفرح المبغض عليهم ابعايله
أوصف الاجواد واعد مابهم … وقبل المهادي ماضيات مثايله
الاجواد تصبر على اللين والقسا … وتصبر على كود الحمول ونقايله
والانذال مثل الرس لوزاد سيلها … لاكثرت اوروده تردت ثمايله
ولولاى قاف يقال هذا يدور … ويشحذ بحبله يوم ولف مثايله
لازورهم واشوفهم كل حين … يدله لهم قلبي وتبرى غلايله
وبعد، قارئي العزيز، فهؤلاء هم السويد أبناء صقر بمكارمهم وحفاوتهم بالضيف، ولعل القصائد التي قيلت فيهم تعطي لنا صورة واضحة عن فضائلهم التي ذاع صيتها في أرجاء الجزيرة العربية.
стр. 5667
فداغة
وهي إحدى البطون الرئيسية من الزامل من سنجارة، وتنتشر في العراق وسورية والمملكة العربية السعودية.
ومن بطون فداغة الرئيسية:
- الغرير: في قرية صدى بالمملكة العربية السعودية، وكبيرهم عياد بن حمد الغريري.
- آل لبيد: في حائل وسورية والعراق، وكبيرهم عياد بن حمد.
- الهبور: في حائل وسورية والعراق، وكبيرهم عياد بن حمد.
- الرعجان: في حائل وسورية والعراق، وكبيرهم عياد بن حمد.
شمَّر الرمان في تيماء
هم بطن من فداغة من الزامل من زوبع بن محمد الحارثي، وتقطن فداغة في العراق بمشيخة "ابن قرطة" والرمان الذين يقطنون بلاد نجد هم بزعامة الشيخ المرحوم عبد الكريم بن علي بن رمان ﵀ استقر في نجد منذ القدم، وكان لهم حكم تيماء حيث حكم فيها مدة (٣٥) خمسة وثلاثين عاما، وكان رجلا عاقلا وشجاعا .. ابتنى له قصرا في مدينة تيماء، لا يزال محافظا على تماسكه حتى الآن، وهو عبارة عن بناء له سور مبني من الطين وسعف النخل وبجواره يوجد بئر (هداج) ذاك البئر الذي تغنى به الشعراء نظرا لعذوبة مياهه وغزارتها.
توفي الشيخ عبد الكريم الرمان عام ١٣٧٠ هـ عن عمر يناهز الخامسة والستين من العمر مخلفا وراءه أبناءه: عبد العزيز وزيد وفيصل ونهار يقطنون جميعهم مدينة تيماء في المملكة العربية السعودية عدا الشيخ عبد العزيز الذي يقطن الرياض. وفي تيماء تتمثل فيهم الشهامة العربية من كرم وجود وسخاء وشجاعة، وزيادة على ذلك هو حيازتهم على احترام الآخرين لهم.
وقد ورد للرمان هؤلاء ذكر لهم ولمنازلهم في تيماء على لسان الشاعر مثقال بن رمان الفداغي الشمَّري حين قال:
стр. 5668
يا قلب يا مقلوب ياما وياما … ياما تشوف من الخساير والأرباح
ياما تفارق غالي عقب لاما … ياما تشوف من الكدر بعد الأفراح
الله على قلبه غزال نظاما … ما هو الغزال اللي مع الصيد ينزاح
لو اهني من جابهم بس عاما … ومن حطهم ما بين تيما والاسياح
كساية العيدان ريش النعامه … غلبه وعنهم تلع الاسلاف تنزاح
شيوخهم قوم وتتليهم جهامه … من أولاد سيح مروية علط الارماح
يتلون فتخان اليدين الفهامه … اللي سبقوا كل القبايل بالامداح
وهنا يشير مثقال بن رمان إلى منازلهم فهي تيماء والأسياح، وهذه مواقع سكناهم حقا.
أولا: زُوبع بن محمد الحارثي في العراق وسورية:
أما زُوبع والتي تقطن سورية، فقد زرتهم هناك في منطقة الجزيرة السورية وهناك - اطلعت بنفسي على واقعهم الاجتماعي وواقع بعض من رجالهم البارزين في قبيلتهم فوجدتهم على درجة كبيرة من التعلق بأهداب قيمهم البدوية الصافية، فهم كرماء بلا حدود، شجعان الموقف والكلمة، قلوبهم صافية ونفوسهم سمحة.
إنهم ينقسمون إلى ثلاثة أفخاذ هي.
أولا - الرمُوث وهم:
١ - التامر برئاسة محمد الدبيسان ويقطنون قرية التامرية.
٢ - المطرود برئاسة علي المطرود ويقطنون قرية خراب حسن.
٣ - الحمير برئاسة فارس المعيوف ويقطنون قرية البوثة.
٤ - الهراجات برئاسة عيد الحركان ويقطنون قرية عدنان.
ثانيا - آل جتادة وهم:
١ - الربعية برئاسة حواس الربعية ويقطنون الرميلة.
٢ - الذوالفة برئاسة زعال البيدان ويقطنون شوفة.
٣ - الراشد برئاسة شداه الراشد ويقطنون شوفة.
стр. 5669
٤ - أم الخشوف برئاسة دليان اللقيط ويقطنون قرية أم الخشوف.
٥ - البصيص برئاسة معيوف الحسيان ويقطنون قرية البصيصية.
ثالثا - النمور وهم:
١ - اليوسف برئاسة ظاهر الشحل ويقطنون قرية قضاعة.
٢ - العجاجرة برئاسة عايد آل زابان ويقطنون قرية منجور.
٣ - السويحل برئاسة مزهي السويحل ويقطنون قرية منجور.
٤ - الكويدان برئاسة نايف السايل ويقطنون قرية قضاعة.
لزوبع كما لغيرها "وسم" وهو الإشارة التي توسم بها إبلهم حتى تميزها عن غيرها من إبل القبائل وهو المشط:
T
ولزوبع من شجاعتها ما خلدها وجعلها في منزلة مرموقة بين أقرانها من قبيلة شمَّر، لذلك لا نستغرب من شريف مكة ابن عون يمتدح شمَّر التي ناصرته في إحدى حروبه لما أبدت من ضروب الشجاعة والفروسية معه فهو يقول:
مناخنا لعبدة تسعين ليلة … بالسيرة الليا حصاها جفادر
لسناعيس على الحرب صملوا … واستبسلوا مثل الحرار النوادر
ليما لفوهم زوبع فوق ضمر … قبٍ يلاوي صرعهن كل نادر
أن غربّوهن كالغروب الورَّد … وإن صدورهن كن قاح الصوادر
لو ندنا هوش السناعيس قطر … تقطير وغلوب نشت عنه المغادر
عفيا دنوتي وعفيا قرايبي … اركوا على كبدي حاميات المخاطر
كما أن ذكر زُوبع ورد في قصيدة للشاعر "ساير السبهان" وهو شمَّري يقول:
стр. 5670
يامل قلب من الغل طنيان … من سلج من ظاوي بالصديره
من ضيم بقعة يامر ويني شفا الزان … يوم ردي الحال تلعن امشيره
ياصفوق كمل للهداوي والابدان … تبقّشت ماغير زُوبع ذخيره
تبقشت ماغير طلقين الايمان … ضراير جدك يازبون المغيرة
غلبة تفاجي القوم بوجه الاظعان … براي معطي الشحت ذيب المغيرة
حيد الطراد اللي غدا الذبح عجلان … في يوم جرات السبايا عثيره
لقد برز من زُوبع رجالات عظام خلدهم التاريخ بمآثر وطنية خالدة، ومن الإنصاف أن أسجل مأثرة وطنية لأحد شيوخهم الذي قارع الإنكليز في العراق وكان علما بارزا من أعلام الحركة الوطنية ضد المستعمرين.
لدى مطالعتي لكتاب بعنوان: الشيخ ضاري قاتل الكولونيل "لجمن" في خان النقطة، تأليف: عبد الحميد العلوجي وعزيز جاسم الحجية.
وجدت في سيرة هذا البدوي الشجاع، البدوي الغيور على شرف قومه وشرفه ما يجعلني أن أسجل، فخورا بمآثره العوبية الصادقة، وسأنقل لك قارئي العزيز ما كتب عن الشيخ ضاري تخليدا لقبيلة زوبع العربية الأصيلة خاصة ولقبيلة شمَّر عامة.
ونطالع في الكتاب ما يلي: "اتفق النسابون على أن ضاري هو ابن ظاهر ابن محمود بن ظاهر بن حمام، ويعود بنسبه إلى محمد الحارثي الزوبعي من قبيلة شمَّر القحطانية، كان والد ضاري يحبه حبا جما، واستقدم له معلما من بغداد يعلمه القراءة والكتابة وكان لضاري أخ أصغر منه اسمه "درع" كما أن له إخوة آخرين أجمعوا على مشيخة ضاري عليهم وعلى زُوبع جميعها وهو في مقتبل عمره، حيث "ساد عشيرته أمردا"، ولد ضاري عام ١٨٦٨ م وتزوج بسبعة من النساء فكان له منهن أبناؤه:
"خميس وسليمان وحميد وحماد وأحمد وحميدي وعبد الكريم وفرحان" وكان مولعا بأخبار العرب القدامى.
ادعى جواسيس الإنكليز في العواق في تقاريرهم السرية أن زُوبع كانت قبل الحرب ضعيفة التسلح، ولكنها استعدت وتكامل سلاحها خلال الحرب، وأدخلت في روع الإنكليز أنها لن تهدأ معهم وأنها تعكر صفوهم وأمنهم.
стр. 5671
موقف ضاري من الغزو الأجنبي
عالج التقرير السري لدائرة الاستخبارات البريطانية الموقف العشائري في منطقة الدليم بعد احتلال بغداد، فأشار إلى أصدقاء الإنكليز من رؤساء بعض العشائر، وسكت عن الشيخ ضاري بلا علة، ويعتبر هذا السكوت في مصلحة ضاري وسمعته المعهودة لأنه عُرف بمناوأته الصريحة لقوات الاحتلال .. وتدل التقارير "والقول لمؤلفي كتاب ضاري" التي كانت في حوزة "لجمن" وهو القائد البريطاني الذي قتله ضاري: على أن الشيخ ضاري كان معروفا بنزعته العدائية للإنكليز في العهد العثماني، وفي زمن الاحتلال وأنه لم يتقرب إلى الحكام السياسيين في يوم من الأيام، ولم يتزلف إليهم، .. وهذا يفيد أن الإنكليز أنفسهم يعرفون أنه كان خصمهم العنيد، فقد ركب ذات يوم حصانه ومعه أخوه شلال وابنه سليمان إلى جسر قراره في جنوب بغداد، واجتمع بالقائد التركي نور الدين في خيمته الخاصة ليعدا خطة الهجوم على الإنكليز، وقد كلف شلال وسليمان بتموين المحاربين، واشترك ضاري في معارك عديدة ضد الإنكليز وأشرف على الأسرى من جنودهم بعد حصار الكُوت، وأسهم في معركة "اصطبلات" الطاحنة بين الأتراك والإنكليز ولاذ بالرمادي، حيث اتصل بالقائد التركي "أحمد بك أوراق" واتفقا على النزول بجانب الجزيرة وهناك تعاون مع الشيخ حردان على مناهضة جيوش الاحتلال، واتصل الإنكليز بعد ذلك بضاري وحردان للمفاوضة على الصلح ولم يؤد هذا الاتصال إلى نتيجة.
حزَّ في نفس "لجمن" وهو سيد البادية حينذاك وكان يسمى نفسه "لجيمان" أن ينطلق ضاري على هواه في سلوكه ضد الإنكليز ويناصبهم العداء ويقاوم تعسفهم وسطوتهم فأراد أن يكبح جماحه ويروضه على الطاعة، فطلب الاجتماع به عدة مرات ولكن ضاري كان يرفض ذلك، وبعد إلحاح من "لجمن" وافق ضاري على مقابلة "لجمن" في خان النقطة وكان يسمى خان ضاري لأنه هو الذي بناه ولكن الإنكليز سموه خان النقطة … جاء ضاري إلى الخان عام ١٩٢٠ م وفي شهر آب منه، معه ولداه خميس وسليمان وأبناء أخيه مجباس: صعب وصليبي وجماعة من أقربائه بينهم دحام الفرحان وعشرون فارسا شجاعا من عشيرته حيث تقابل معه وطالبه "لجمن" بتسليم لفيف من المجرمين الذي ادعى أنهم يسلبون رجاله وأنهم لا يزالون على مقربة من مكانهم، وطلب إليه
стр. 5672
ضاري أن يتعاونا على قبضهم إن كان حقيقة ما يظن ووضع تحت تصرف "لجمن" خمسة من رجاله، معهم ابن ضاري لإلقاء القبض على الجناة .. وأن هذا الموقف قد افتعله لجمن لتستقيم مكيدة تبرر الإيقاع بزوبع ورئيسها .. ومما يؤكد ذلك أن لجمن طلب من ضاري فوق ذلك أن يقوم بحراسة الطريق بين الرمادي وبغداد، وأن ضاريا قد اعتذر وأنه لا يتمكن من مقاومة العشائر التي أثرت فيهم ونازعتهم، وحينئذ قال له لجمن: (إن موقفك هذا يعتبر خيانة)، وبالإضافة إلى ذلك فقد اتهم ضاري بالسرقة أيضًا وألقى على عاتقه تبعة الإخلال بالأمن ونسب إليه وإلى عشيرته زوبع حادثة السلب وذلك بكلمات جارحة، وبوسعنا أن نجد بعد هذا العرض أن الشيخ ضاريا أيقن أن لجمن سيفتك به لا محالة، ولذلك ثارت حميته وغضب، فاستأذن منه ليعود بعد قليل ومعه ولده خميس ورجل آخر من رجاله فرماه ضاري بطلقة نارية فسقط على إثرها قتيلا. وبعدها استل سيفه وأجهز عليه .. لقد كان للشيخ ضاري - كما تحدث عنه ولده سليمان - يد حمراء في الثورة العراقية الكبرى، وكانت له مراسلات مع كربلاء والنجف وبغداد، وفي أحد الأيام جمع لجمن رؤساء القبائل في الرمادي وكان بينهم الشيخ ضاري وأقام لهم مأدبة عامرة وبعد الانتهاء من الطعام فاتحهم في الموقف الراهن، وقال أنه يود الوقوف على رأيهم باعتبارهم عشائر من أهل السنة، في الثوار الشيعة الذين يطالبون السلطات الإنكليزية بقيام حكومة مستقلة. واستغل الشيخ ضاري عندئذ الموقف فلم يفسح المجال لأحد من المجتمعين بالكلام، وإنما نهض قائما ليقول: لا تذكر يا لجمن كلمة "شيعة" فليس في ديننا سنة ولا شيعة .. بل هناك دين واحد وعرق واحد وكلمة واحدة وإجماع على تشكيل حكومة وطنية، فإذا لبيتم مطالب الثورة فإن الاستقرار والأمن يسودان العراق. وإنني في موقفي هذا أخاطبك بلسان المجتمعين … وهنا سكت "لجمن" وقال: أنتم عشائر، والأجدر بكم أن تكونوا مستقلين .. وعندئذ غضب "لجمن" على الشيخ ضاري حتى كانت النهاية، لقد قتل بطل الصحراء شيطان الصحراء، لقد حاول الإنكليز الانتقام من الشيخ ضاري وعشيرته زوبع وجهزت الحملة تلو الحملة للقضاء عليه والشيخ ضاري صامد مع أقاربه زُوبع حيث جمعهم مرة وخطب فيهم قائلا:
стр. 5673
"إن هذا هوأمر الله، وتلك هي مشيئته وهو مقدر علينا محتوم، وإني أوصيكم أن تكونوا رجالا صابرين على البلوي وعلى ما يصيبكم، واتفقوا ولا تتفرقوا".
بقي الشيخ ضاري والذين معه خارج المدن والقصبات في عصمة شمال الجزيرة على الحدود المشتركة بين العراق وسورية، وهم يكابدون حياة التشرد زهاء سبع سنوات وتكاثر نسل زوبع في هذا المهجر، بالرغم من صعوبة الحياة وشظف العيش، وإن أبناء الشيخ سليمان بن ضاري وكردي ومحمد ومحمود، ولدوا هناك في مراتع نصيبين.
نهاية الشيخ ضاري بن محمود
لقد رصدت الحكومة الإنكليزية مبلغ عشرة آلاف روبية لمن يأتي بالشيخ ضاري حيا أو ميتا، فسولت نفس السائق الأرمني أن يكون هو رابح هذا المبلغ، فهو قد عرف ضاريا ولذلك أكثر من التردد على البادية للكيد له تمهيدا لإلقاء القبض عليه، وظل يشتغل في سيارته مدة طويلة في الأنحاء التي كان ضاري يختلف إليها .. وعرف ذات يوم أن ضاريا يريد السفر من الحسكة إلى مكان يعرف بأبي حامضة في الجزيرة السورية، وعرف أنه أحوج ما يكون إلى السيارة ومن هنا عزم على تدبير المكيدة، فأوعز إلى أحد أقاربه المترددين على تلك الجهات بانتظار سيارته التي ستحمل ضاري في موقع جرى الاتفاق عليه مع جواسيس من عملاء الإنكليز، وركب ضاري السيارة دون أن يرافقه أحد من أبناء عشيرته؛ لأنه كان مطمئنا على نفسه، وحسن الظن بهذا السائق الذي اعتاد ركوب سيارته في مناسبات كثيرة، وبذلك تمت المكيدة ووقع ضاري في الفخ الذي نصب له. حيث تم تسليمه إلى مخفر سنجار عام ١٩٢٧ م، ثم أرسل بعد ذلك إلى الموصل ومنها إلى بغداد تحت الحراسة المشددة، وكان الشيخ ضاري في هذه الأثناء مريضا ولم تسمح السلطة القائمة في بغداد بمعالجته رغم شيخوخته وتدهور صحته.
وفي عام ١٩٢٨ م وفي الثالث والعشرين من شهر كانون الثاني حوكم أمام محكمة الجزاء الكبرى وأصدرت عليه الحكم بالإعدام شنقا حتى الموت رغم
стр. 5674
مطالبة الادعاء العام ببراءته. ثم استبدل بقرار الإعدام السجن المؤبد، وقد تطوع في الدفاع عنه بعض المحامين الوطنيين حينذاك.
ومات هذا الرجل العظيم فجر يوم الأول من شهر شباط سنة ١٩٢٨ م.
وقد أنشد الشعراء جل قصائدهم في الشيخ ضاري وقتله للجمن:
أو لخبرك ما جرى بلجمن أو صار
من نوى يستعبد بعزمه الأحرار
عرب شيمتهم ابت تحمل العار
امعلمة تكود الخصيم كياده
وصدرت جريدة الاستقلال البغدادية صباح يوم الخميس في الثاني من شهر ضباط ١٩٢٨ م مجللة بالسواد وهي تعلن:
مات ضاري المحمود.
بغداد في مأتم.
أخريات أيام الشيخ ضاري.
لتقول بعد ذلك:
الشيخ ضاري نار على علم، يحبه العراقيون حبا جما، ويقدسه المخلصون منهم تقديسا تخفق لذكراه القلوب، وتهفو لاسمه الأرواح؛ لأنه لم يكن كسائر الناس، وإنما الكل يعتقد فيه الإخلاص والشهامة والإباء العربي الصميم، ويرى شخصيته المحبوبة ثور الآمال الوطنية والأماني القومية، ويضني النفوس الحرة البريئة ولكن المقادير التي اعتادت أن تفت في عضد الرجال الأحرار شاءت أن يؤتى بهذا الشيخ الجليل مثقلا بالقيود والأصفاد، متهما بجراثم سياسية وقعت إبان الثورة العراقية عام ١٩٢٠ - وهي المتعلقة بمقتل الكولونيل لجمن.
دفن الشيخ ضاري في مقبرة الشيخ داوود الطائي بين جموع مودعة من المتظاهرين وقد زرعت في قلوبهم الأسى والأسف على موت هذا الشهيد البطل.
стр. 5675
ولما قضى في الله حبسا مقيدا … بأيدي أعداء الإله يُعَذَّبُ
هو الرجلُ المقْدامُ والبطلُ الذي … سَما هامَة الجوزاءِ في اللهِ يطلبُ
هو الشيخ ضَاريُّ الهُمام الذي به … علت آل قحطان الكرامِ المراتبُ
فناحت عليه الجِنُّ بالنُّوح والبُكا … وزُلزل عرش الله شرقُ ومغْربُ
ففاتحة الله الكريمُ لروحهِ … فأرَّخه: ضاريَ في الجِنان يقُلَبُ
يا ضربة حر لن ننساها
هز لندن ضاري وبكاها
فلتدفن لندن موتاها
يا ضاري يا باسل ياضاري.
فلينهدم الاستعمار الغاشم يا ضاري.
ولنغسل أرض الوطن من أدران الاستعمار.
ولنخلق من ضاري رمزا للثوار.
في كل مكان من وطني .. في المصنع والحقل وفي الدار.
ولنخلد ذكرى ثورتنا .. ولنخلد ذكرى الثوار الأحرار.
وبعدُ، قارئي العزيز .. هذا هو أحد أبطال البادية "ضاري المحمود" الزوبعي الشمَّري، ذلك الثائر الذي انطلق ممتطيا صهوة جواده، ممتشقا حسامه، مؤمنا بربه … مقاتلا في سبيل قيمه ومثله .. نعم هذا هو شأن أبطال البادية، أحرار مقاديم شم الأنوف من الطراز الأول، وإنني أردت من وقائع حياة ضاري لتكون شاهد عيان تاريخا حافلا لحياة العرب البدو الذين هم أصل العرب ومادة الإسلام، ومن منطلق تاريخي لحياة الأسر البدوية التي تسنمت قيادة قبائلها والتي كانت الرائدة في ميدان حياتها السياسية والاجتماعية، فإنني أفردت بحثا عن هؤلاء القادة والتي أنا في صدد البحث عنها في قبيلة شمَّر.