اسم جبل شمَّر يطلق على السهل الواسع الممتد بين جبلي أجأ وسلمى الذي تسكنه قبائل شمَّر المشتغلة بالزراعة، وفي شعاب هذا الجبل ينابيع غزيرة وأراضين خصبة ونخيل كثير، والعاصمة حايل، ومن قراه فيد وقفار وعقدة وتيماء. وقال عباس العزاوي في كتابه (عشائر العراق): "إن شمَّر ليس جدا وإنما هو وصف لحقهم؛ وذلك أنهم من خرج من القحطانيين من اليمن، وكانت قد ألحفتهم السنون، فهاجروا إلى أنحاء جبلي أجأ وسلمى، فوجدوا فيها قبائل طيئ وزبيد فدفعوهم، فمال هؤلاء إلى أنحاء العراق والشام وغيرها، والظاهر أن هذه القبائل كان بينها خصام وخلاف، فحالف قسم منها القبائل القحطانية القادمة من أنحاء اليمن، فانتصر على عدوه، ومن ثم تولى السلطة والرئاسة على قبائله والقبائل المتحالفة معه، والكل يرجعون إلى القحطانية، فإن طيئا من قحطان أيضًا، فصار الكل يدعى باسم البطن (شمَّر) المنتصر على عدوه، وقيل للجميع (شمَّر) تقليدا، وإلا فلا تزال قبائل عبدة من شمَّر تمت إلى القحطانية رأسا، وقبائل الأسلم تمت إلى طيئ، وكذا قبائل زوبع" اه.
وعشائر شمَّر المتفرقة في الأواصل والمنابت قد اجتمعت من بعد، وكونت مجموعة أحلاف قوية، ثم نزح قسم كبير منها إلى العراق والشام، وبقي قسم في نجد على ما سنذكره، لكن العشائر الباقية في نجد، والعشائر التي نزحت إلى الجزيرة الفراتية، وإن كانت قد انفصلت جغرافيا، إلا أن بطونها وأفخاذها هناك وهنا واحدة، وصلة الرحم بينهما محكمة، فترى أحيانا جماعات من شمَّر الجزيرة تذهب إلى نجد، لقضاء فصل من فصول السنة طلبا للمرعى، وترى جماعات ممن تخلفوا في نجد تنزح وتلتحق بأنسابها في الجزيرة، وهكذا دون انقطاع تام بين الأصول والفروع، مما يجدد ويقوي أواصر القربى.
تاريخ شمَّر: إن هجرة عشائر شمَّر من أوطانها في نجد إلى ديار العراق والشام كانت متقطعة ومتتالية، كهجرة عشائر عنزة، وقد حدثت مرتين، الأولى قبل عنزة، والثانية مع عنزة، أو في نفس الوقت تقريبا، جاء السابقون منهم في الهجرة الأولى على ما يظن في أوائل القرن الحادي عشر، في عهد ولاة العراق المماليك، وذلك بسبب المحل وضنك العيش في جبل شمَّر المذكور؛ أي لأسباب اقتصادية، فذهب بعض هؤلاء وقتئذ إلى العراق، لتفوقه في الخصب والري على
стр. 5742
الشام، وصار فيه بعد حين طويل من العشائر المتحضرة الريفية، فمن هذا القسم الصايح وزوبع وسنبس وغيرهم ممن يدعون هناك (شمَّر طوقة)، وقد تتابع زحف هذه العشائر إلى شمالي العراق في أوقات مختلفة، وكان كل فريق منهم يرد لأدنى فرجة يراها في صفوف العشائر التي مالت إلى الزراعة والحياة الريفية فتخلو له البادية، وقصده بهذا الورود أن يتقوى ويعتز بأقاربه، فلا تمضي مدة حتى يستكمل الفخذ عدده والعشيرة رجالها وهكذا. ويذكر السائح الدانمركي نيبوهر أنه صادف جموعا من شمَّر في حدود سنة (١١٧٩ هـ - ١٧٦٥ م) في أنحاء هيت والكبيسة، وأنه كان أكثرهم من فرق أسلم والزكاريط (عبدة).
ويروي المقدم مولر الفرنسي عن شمَّر حكاية هجرتهم هذه، أنهم لما ألحت عليهم أعوام المحل وضنك العيش، وفدوا إلى بادية الشام، فشرعوا بمهاجمة تدمر، فنهبوها وخربوها، ثم أرادوا النفوذ إلى براري حمص وحماة التي جذبتهم بنضرتها، فصدتهم عشيرة الموالي التي قدمنا بحثها مرارا، وقد كان أمراؤها وضعوا وسط الحماد في موقع اسمه الحوة عمودا دعوه عمود الحمى، منعوا اجتيازه على العشائر النجدية وغيرها، وقد دام الصراع بين شمَّر والموالي وأحلافهم من العمور والحديديين زمنا طويلا، وكان سجالا وبفترات ومهادنات كانت تختل بسرعة، وفي وليمة كان رؤساء شمَّر ضيوفا فيها على أمير الموالي، غدر الموالي وذبحوا عددا من الرؤساء المذكورين، لا يزال شعراء شمَّر يذكرون مراثيهم، وقد ثأرت شمَّر لهذا الغدر ولم تتركه، على أنه لما أعيتها الحيلة رجعت ونزلت في ضفاف الفرات اليمنى (الشامية) من أرض العراق، كما قال السائح نيبوهر، وكانت تصل غربا إلى أنحاء الدير وجبل البشرى، وجبل العمور، ولكن بعد مدة وفدت طلائع عنزة (الأحسنة) في القرن الثاني عشر، ولحقتها الفدعان، فاتفقت عنزة مع الموالي، وهاجمتا عدوتيهما شمَّر حول آبار الكديم وأبي فياض، وأبعدتها من براري الشامية، فاضطرت شمَّر إلى الرجوع إلى نجد موطنها الأصلي، وحاولت في رجوعها هذا أن تحتفظ بحريتها ومنعتها، لكنها اصطدمت باستفحال الحركة الوهابية وانبساط الدولة السعودية، فقد كان الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود وقتئذ (١١٧٩ - ١٢١٨ هـ) استولى على القصيم والجوف، وبلغ في غزواته وغاراته العراق شمالا، وعُمان جنوبا، وعسير غربا، وقهر العشائر الثائرة كبني خالد ومطير وعتيبة وغيرها، وضغط على البدو
стр. 5743
للدخول في طاعته، وقبول الدعوة السلفية، وأمرهم بجز الشعاف (شعر الرأس)، وتأدية الزكاة له وما ماثل، فلم ترضخ شمَّر وقامت تناوئه، واستعان بها وقتئذ شريف مكة وأمير الحجاز غالب بن مساعد في حروبه ضد الوهابيين سنة ١٢٠٥ هـ، وكان هذا الشريف قد شكي للدولة استفحال الحركة الوهابية، وبين لها خطرها على الجزيرة العربية، كما شكى أسلافه مرارا، فلم تعر الدولة أذنا لدبيب الهرم فيها، فلما يئس منها جهز هو فرقة عسكرية، واستنجد بعشائر شمَّر وحرب، فأقبلوا إليه بجموعهم، فأضافهم إلى جنده، وأرسلهم لمقاتلة الوهابيين، فتوغلوا وتواقعوا معهم في مواقع مختلفة، وفازوا في بادئ الأمر، ثم رجعوا دون نتيجة حاسمة، وقد أدى هذا الرجوع لتشدد عزائم الوهابيين، في السيطرة على أطراف الجزيرة العربية، ولما رأت شمَّر التي خاصمت الوهابيين وعاركتهم ما أصابوه من رجحان؛ أيقنت أنه لم يبق لها مقام، فرحلت إلى سهول العراق نهائيا، فجاءت في تلك السنة (١٢٠٥ هـ) وعلى رأسها آل محمد (الجربا) ومعها كل فرق الخرصة وسنجارة وبعض فرق العبدة، يقود الجميع مطلق ابن الحميدي بن جعيري بن مجرن (مقرن) آل الجربا. ووصلت إلى أنحاء الوديان داخل الحدود العراقية الحالية، ولما جاء سعود بن عبد العزيز آل سعود يوالي غاراته على أطراف العراق، اشتركت شمَّر مع عشائر العراق في حربه ودفعه، فقتل مطلق المذكور في إحدى المعارك (سنة ١٢١٢ هـ) وخلفه أخوه فارس الجربا. ووصلت بعد حين بقية عشائر عنزة كالفدعان والأسبعة والعمارات من شمالي الحجاز كما قدمنا، ولنفس السبب الذي خرجت به شمَّر، وهو المحل وضنك العيش في بلادها، وشدة آل سعود التي أحاطت بهم وقتئذ، نفذت هذه العشائر إلى براري حمص وحماة وحلب ودير الزور، وصارت تصل في نجعتها إلي وادي عامج ووادي حوران، وتزاحم شمَّرا على المراعي والمناهل، ورأت شمَّر قلتها إزاء خصومها الكثر، فاضطرت إلى أن تعبر الفرات وتنساح في سهول الجزيرة الفراتية، وتستولي عليها تدريجيا من نصيبين حتى قرب بغداد، وقد زاحمت وقتئذ وأزاحت العشائر القديمة المستقرة في تلك الأنحاء، كطيئ والعبيد والبيات وجيس وغيرها، وصار أكثر هؤلاء يدفع لها الخوة، ويعزف عن البداوة، ويمتد في الحويجة بين جبل حمرين والدجلة، ويحرث ويزرع، ولم يتملص من دفع الخوة ويبقى في مكانه إلا قبيلة طيئ، لكرم محتدها ولقرابتها القديمة من شمَّر، وقد اكتفت بتزويج بعض بناتها إلى رؤساء شمَّر.
стр. 5744
ومما تتناقله الألسن: أن فارس الجربا المذكور لما رأى أن سبل العودة إلى نجد مع عشيرته شمَّر قد سدت، وأن موقفه صار مهددا بالخطر، لمتابعة السعوديين الهجمات على أطراف العراق، وكان قد تحقق من أن الجزيرة العربية الفراتية أكثر أمانا له ولعشيرته، عبر الفرات من موقع هيت في أوائل سنة ١٢١٦ هـ مع خمسين بيتا من عشيرته الخرصة، وكانت السيطرة الكاملة في الجزيرة لقبيلتي العبيد وطيئ، واستقراره فيها كان متوقفا على محاسنة هاتين القبيلتين. فلم يغفل عن هذا، فأسرع إلى جوار العبيد أولا ملتجئا إلى حماية شيخها حمد الظاهر، فتلقاه هذا بالترحاب، وكانت العادة المتبعة لدى العشائر البدوية تقضي على العشيرة أو الفرقة النازلة مجددا أن تقيم هي أولا وليمة عامة تدعى إليها العشيرة القاطنة الأولى، لتكون هذه الوليمة مقدمة للتعارف والتآلف بينهما، فأقام فارس الجربا وليمة عامة دعى إليها شيخ العبيد وشيخ طيئ وشيخ الجبور وغيرهم، وقدم لهم منسفا كبيرا جدا فيه ناقة مطبوخة كما هي. وفي أطراف المنسف سكاكين مربوطة بالسلاسل لقطع اللحم، فاستعظم المدعوون ما رأوه واسترابوا وقالوا لبعضهم أن حالة هذا الرجل تدل على جلالة قدره، ولا بد أن تكون عشائر كثيرة وراءه، وستلحقه إلى الجزيرة إن عاجلا أو آجلا، فالرأي الصواب إن نقضي على هذه الشرذمة قبل أن تزداد بما يرد إليها ويستفحل أمرها، وفي رواية أن الذي أشار بهذا الرأي كان شيخ العبيد أحد المدعوين للوليمة، فلم يرق ذلك إلى البقية وقالوا: إن هذا الرجل جاءنا نزيلا، ولم يأت محاربا، فحدث بعد ما خشي منه صاحب المشورة.
لأن فارس الجربا بعد أن استقر في الجزيرة شرع يوالي الرسل والرسائل إلى عشائره النازلة في أنحاء الشامية المختلفة، ويدعوها إلى اللحاق به، وزيادة لها في الإغراء والتشويق كان يحشو حدج الإبل والركائب الذاهبة إليها من كلأ الجزيرة وأعشابها المتنوعة، الصالحة لرعي جميع أجناس المواشي، فهرعت إليه عشائر شمَّر من كل صوب وحدب، ولم يطلع عام ١٢١٧ هـ حتى كانت حوله بكاملها، سيما وأن السعوديين كانوا يتابعون هجماتهم على أطراف العراق، ويوالوا طروقهم مضارب الأعراب المخيمين هناك لاستحصال الزكاة، مما عجل
стр. 5745
في عبور تلك العشائر، وامتلاء الجزيرة بموجة نجدية بدوية كبيرة، وكان أول فعل لفارس أن هاجم العبيد، وفتك بها فتكة فظيعة، وأكرهها على مغادرة الجزيرة، والانتقال إلى الحويجة شرقي الدجلة، وألحق بها بعد عشائر أخرى كالبيات والجحيش، ولم يسلم من ضغطه إلا قبيلة طيئ التي صاهرته وأمنت جانبه.
وقد أدت تلك الهجرة إلى انقسام شمَّر إلى قسمين متباينين جغرافيا وسياسيا، القسم الأول: شمَّر الجبل لإقامتهم في الجبلين المعروفين في نجد باسم أجأ وسلمى، وهم عشائر رحالة، وإن كان لأكثرهم مزارع ومغارس، وهذه العشائر ظلت في نجد، والتفت حول الأمراء من آل رشيد أصحاب مدينة حائل، وآل الرشيد كانوا يسيطرون - وخاصة في عهد الأمير محمد بن عبد الله الرشيد (١٢٨٨ - ١٣١٥ هـ) على سائر البلاد النجدية، من وادي السرحان إلى وادي الدواسر، ومن تيماء وخيبر إلى قرب الخليج العربي، وكثيرا ما كانت سلطة محمد الرشيد. تمتد إلى تدمر وجبال حوران، وهذا الأمير هو الذي زارته الرحالة والمستشرقة الإنكليزية اللادي بلانت المشهورة، المغرمة بالبلاد العربية عامة، والخيول الأصيلة العربية خاصة، وقد قدمنا ذكرها والكتاب الذي ألفته عن رحلتها إلى حائل سنة ١٢٩٧ هـ في فصل مكتبة البدو (ج ١ ص ١٥)، وكان الأمير محمد الرشيد صديق السلطان العثماني عبد الحميد، كما كان أقاربه آل الرشيد حلفاء الترك وأنصارهم، حتى نهاية الحرب العظمى الأولى، ولكنهم بعد وفاة الأمير محمد المذكور قضوا أيامهم في التنازع والتناحر، ودامت إمارتهم إلى سنة ١٣٤٠ هـ التي ضم الملك عبد العزيز آل سعود فيها بلادهم وطوى بساطهم.
القسم الثاني: شمَّر الجربا، وهم أفراد العشائر الأربع التي تقدم ذكرها، الخرصة وسنجارة والعبدة وأسلم الذين خرجوا من ديارهم في نجد، وهاجروا إلى العراق والشام، بقيادة الرؤساء آل محمد (الجربا)، وتاريخ هؤلاء بعد هذه الهجرة سحابة القرن الثالث عشر سلسلة متصلة الحلقات من الغزوات والغارات على عنزة أعدائهم القدماء، ثم على العشائر الريفية التي أجلوها عن منارلها، أو أقضوا مضاجعها، واضطروها إلى العزوف عن البداوة والاتجاه نحو الفلاحة، ثم
стр. 5746
على السعوديين الذين كانوا يفدون الحين بعد الحين إلى العراق، ثم على جند الدولة العثمانية وموظفيها، ثم على قرى الكرد والتركمان وغيرها.
إلا أنهم لم يبرزوا إلى الساحة كقوة سياسية إلا في سنة ١٢٣٧ هـ، حينما استعانت الدولة بهم، وبغيرهم من العشائر على حرب العجم، في أيام الشيخ صفوق بن فارس الملقب بالمحزَّم؛ لأنه ما رفع من وسطه حزام الحرب أبدا، وقد أبلوا وقتئذ أحسن بلاء وردوا العجم، وكان صفوق هذا بطلا مغوارا، قيل أنه حارب الموالي في براري حلب وحماة، كما حارب عنزة مرارا، وقد لقبوه وقتئذ بسلطان البر، وهو لما رأى تغير الولاة في بغداد، ولم يحصل على الجعل الذي كان موعودا به، لقاء بلائه في حرب العجم، انقلب على الدولة وناوشها القتال، وهي إذ رأت عجزها عن دفعه، استعانت بعنزة (الروالة)، فزحفت هذه، تريد الفتك بشمَّر عدوتها القديمة، وجرت معركتان كبيرتان، كان النصر في الأولى لشمَّر، وفي الثانية لعنزة (١٢٣٨ و ١٢٣٩ هـ)، واندفعت عنزة على أثر هذا النصر تفحش وتنهب، وتحاصر بغداد،، ولما هال والي بغداد تفاقم الخطب، استجاش عشائر العراق الريفية، فتوقفت هذه في رد عنزة، ومن ذلك الحين حتى سنة ١٢٨٧ هـ اشترك صفوق في كل الفتن التي أزعجت العراق، إلى أن قتله الترك في سنة ١٢٥٦ هـ.
وأعقب صفوق عدة أولاد: منهم عبد الكريم، صلب في سنة ١٢٨٥ هـ، بعد أن نهب الموصل، وعبد الرزاق قتل في إحدى المعارك ضد جند الدولة، وبقى فرحان وفارس، وهذان كانا عاقلين، عاشا مع الدولة بسلام، ونالا رتبة الباشوية، وتقاسما النفوذ على شمَّر، فارس في الشمال يقود شمَّر التابعين لمتصرفي دير الزور، وفرحان في الجنوب يقود شمَّر التابعين لولاة بغداد، لكن الرئاسة العليا كانت لفرحان، ففي زمنه ظلت شمَّر مجتمعة الكلمة موفورة الكرامة، غير أنه أعقب أولادًا عديدين من نساء مختلفات، ينتسبن إلى عشائر مختلفة، فكثر بنوه وأحفاده، وتقاسموا بعد موته نفوذ العشيرة ومناطق الخوة فيما بينهم، فاشتد النزاع وذهبت الريح، وأصبحت الرئاسة بيد أبنائه مجول والعاصي تارة، والحميدي تارة أخرى، وأكثر شيوخ فرق شمَّر هم أولاد فرحان باشا وأحفاده، الذين يتكنون بإحدى نسائه، كآل جزعة الشمَّرية، وآل درة الطائية، وآل سرحة الزوبعية، وآل أرطية المحمدية، وآل جرجرية الكردية،
стр. 5747
وغيرهم. أما الشيوخ العمشات فهم أبناء صفوق المحزم من زوجته عمشة الطائية، وهم عبد الكريم وفرحان وفارس وعبد الرزاق ومحمد.
وخلال الحرب العظمى الأولى، كانت شمَّر تعادي الإنكليز وتوالي الدولة العثمانية، وبعد تلك الحرب اشتد نزاع رؤساء شمَّر بعضهم على بعض، واستمر مدة عشر سنوات (١٣٣٧ - ١٣٤٧ هـ) وزاد في الطين بلة انقسام منازلهم بين دولتي انتداب متجاورتين إنجلترا وفرنسا، ولعبت السياسة أدوارها، وبعد الاحتلال سكن العاصي بن فرحان المنطقة الشمالية، وأظهر أنه لا يتدخل في شؤون العراق، فاستلم المشيخة على شمَّر العراق حفيده دهام الهادي مستمدا من نفوذ جده المذكور، غير أن ابن عمه الشيخ عجيل الياور نازعه عليها، فمالت السلطة الإنكليزية والحكومة العراقية إلى الشيخ عجيل، لما توسمتا فيه من النباهة والنفوذ، وأصبح شيخا على عشائر شمَّر التي تقطن العراق، أما المشيخة على عشائر شمَّر التي تقطن المنطقة الشامية (السورية)، فقد ظلت في يد مشعل الفارس مدة مديدة، وكان ينازعه عليها دهام الهادى، إلى أن استقر الأمر في سنة ١٣٤٧ هـ على الوجه الأتي:
ظل شمَّر العراق داخل الحدود العراقية في البراري الممتدة غربي الموصل وبغداد، وهذا الفرع هو الذي كان مرتبطا في عهد الدولة العثمانية بولاة بغداد، وتابعا إلى فرحان باشا المتقدم ذكره، وقد استلم رئاسته بعد الاحتلال الشيخ عجيل (عقيل) بن عبد العزيز بن فرحان من آل درة الطائية، الملقب بالياور؛ لأنه حين ولد صدف وجود ياور (مرافق) والي الموصل في منزلة أبيه، وكان ﵀ طويلا جسيما، وسيما أنيقا، وكان أعظم رؤساء البادية العراقية في الملك والثراء، ورجاحة الفكر، والاهتمام بالقضايا العامة، وأكثرهم اتصالا مع الملك فيصل بولاة الأمور في داخل العراق، وبعظماء الشرق والغرب في خارج العراق، وأوفرهم نوالا لاحترامهم، دعاه الإنكليز في سنة ١٣٥٣ هـ إلى لندن لحضور حفلة تتويج الملك جورج السادس، في جملة من دعوا من ملوك الأرض وكبرائها، فزار مدن أوربا وزادت معرفته، وبعد رجوعه عكف على الزراعة الحديثة في أملاكه الشاسعة، قرب محطة تل كوشك على سكة حديد الموصل،
стр. 5748
وجلب سواحب وأدوات زراعية فنية، وهو ما إن تقدم فيها خطوات، وشرع يجني بعض الثمرات، وأوشك أن يكون في هذا المضمار خير مثال لغيره من رؤساء العشائر، وكبار الملاك، حتى فاجأته المنية سنة ١٣٥٩ هـ، فخلفه في مشيخة مشايخ شمَّر العراق ابنه صفوق المتعلم في جامعة بيروت الأمريكية.
أما فروع شمَّر التي أصبحت داخل الحدود الشامية (السورية) في محافظة الجزيرة فهي: أولا (شمَّر الزور أو شمَّر العمشات)، وهو الفرع الذي كان يديره قديما فارس باشا أخو فرحان باشا، وكان هذا مرتبطا بمتصرفي دير الزور، مما دعا لتسميته بشمَّر الزور، ثانيا (شمَّر الحدود أو شمَّر دهام) المنفصل عن شمَّر العراق القديم، الذي كان يسوده فرحان باشا، وأغلب عشائر الفرع الأول من سنجارة، وأغلب عشائر الفرع الثاني من الخرصة، كما سيأتي شرحه.
أقسام شمَّر - قلنا أن عشائر شمَّر تنقسم إلى قسمين:
١ - شمَّر الجبل أو شمَّر ابن الرشيد، وهم الذين ظلوا في بلادهم الأصلية في نجد، وصاروا من رعايا الملك عبد العزيز بن سعود، بعد أن كانوا قبلا تحت إمارة آل الرشيد الذين طويت صحيفتهم في سنة ١٣٤١ هـ.
٢ - شمَّر الجربا، هؤلاء هم العشائر التي انضوت إلى لواء آل الجربا، وجاءت إلى الجزيرة نازحة من نجد، وهي أربع عشائر غير متساوية العدد والمكانة والأرومة والحالة، تدعى الخرصة وسنجارة والعبدة وأسلم، وهم لا يفترقون عن عشائر شمَّر الجبل المتبقين في نجد؛ إذ نجد بعض أفخاذهم مشترك في نجد، وفي العراق وفي الشام، مما يدل على هجرتهم إلى هذه الأنحاء وتوزعهم فيها كما سنذكره.
وهذه العشائر هي كما قدمنا من حيث الأصل، إما (طائية) ترجع إلى قبيلة طيئ التاريخية من عهد بعيد جدا، كالخرصة وسنجارة وأسلم بما فيهم آل الجربا، ولوأن الصلة مفقودة بين هذه العشائر، وبين قبيلة طيئ المعروفة في زماننا إلا قليلا من المصاهرة التي حدثت من عهد قريب، وإما هي (قحطانية) غير طائية كالعبدة ومن إليها.
стр. 5749
وتفريع هذه العشائر وأسماء بطونها وأفخاذها اختلفت فيه الأقوال وتضاربت وحيرت الباحثين، وجعلتهم يأخذون بالظن والترجيح، ويقبلون بوجود ثغرات وشوارد كما قال بذلك المستشرق الفرنسي مونتاني، الذي ظل مدة سنتين بين ظهراني شمَّر، ويستعين بعشرات المحققين، ومع ذلك فقد اعترف أخيرا بأنه لم يبلغ الغاية من الصحة والدقة، بحكم أن العشائر الشمَّرية متنقلة ومقسومة إلى شطرين في نجد والجزيرة، ومتباعد بعضها عن بعض، وفروعها تتأرجح بين الزيادة تارة والنقص أخرى، وقد ألف المستشرق المذكور كتابا قيما عن شمَّر وتاريخها، وحكاياتها وقصائدها الغرامية والحربية اسمه (قصص شعرية بدوية ملتقطة عند شمَّر الجزيرة)، نشره معهد الدراسات الشرقية الفرنسي في دمشق عام ١٩٣٩ م.
لهذا فنحن سنأخذ أهم الأسماء التي جاءت في كتاب المستشرق المذكور، وفي كتاب (عشائر العراق) لعباس العزاوي ونقول:
سنجارة
" قبيلة شمَّرية كبيرة، طائية الأصل، ومن فريق الحريث من طيئ خاصة، وهذا على رغم فقدان الصلة بين العشائر الشمَّرية الطائية، وبين قبيلة طيئ المعروفة في زماننا، إلا قليلا من المصاهرة التي لم تحل دون هذا البعاد العريق في تقدمه، وقبيلة سنجارة هي قريبة قبيلة زوبع التي في العراق، حتى أن نخوتها العامة (زوبع)، ونخوتها الخاصة (جدعة)، واسم سنجارة جاءهم فيما زعموه من جدهم الأعلى، الذي ربته جارية اسمها سنجارة، فسموا بذلك، ورئيسهم بعد آل محمد هو (الأحدب)، وهم من أعظم عشائر شمَّر، بعضهم في نجد، وبعضهم في العراق والشام (سورية)، وهم عندنا حصة آل عمشة من الرؤساء، وفي هذه العشيرة فرقتان كبيرتان هما الثابت والفداغة، وهناك فرقة ثالثة هي (العامود) منهم من يلحقها بسنجارة، ومنهم من يلحقها بالخرصة.
أما الثابت ففيها من البطون (آل زرعة) في مشيخة صعب بن متعب الأحدب، وأفخاذهم آل عكبة في مشيخة ظاهر الرويس، وفنودهم الوضحان والشرارة والجودان والروسان، ثم (آل جاسم) وفنودهم الحدبان وآل وسيد، ثم
стр. 5750
(الحذانا) وأفخاذهم آل نجم في مشيخة ابن محيثل، وفنودهم المثيتة والدجارة. ثم (آل عمار) في مشيخة ابن محيثل أيضًا، وفنودهم العجارشة والدياب.
أما الفداغة التي رئيسها هجر بن وتيد، ففيها من البطون الزملات والحميِّر والطيور، فمن أفخاذهم الزملات، الحبسا واللوبان، ومن الحميِّر الغريب رهط ابن أبي وتيد رئيس الفداغة كلها والمطعات والرثعة وآل سيد وآل سويد والغفيلة، ومن الطيور النابت والكذور والبواريد، ويعد من شيوخهم الكبار محمد بن أبي وتيد وخليف اللكلك، ويذكر المسيو مونتاني المستشرق الفرنسي عن الفداغة هذه، أنهم بعدوا عن البداوة، ومالوا إلى الحضارة بحكم اشتغالهم بالزراعة، واتصالهم برؤساء الأكراد ووجهاء النصارى، وقد قلَّت نجعتهم حتى كادت لا تمتاز عن نجعة الأكراد، ووقعت فرقتهم في تشتت وخذلان، بحكم كثرة زواج أبناء هذه الفرق ببنات العشائر الريفية، وفي الفداغة أناس ما برحوا على اتصالهم مع أقاربهم الذين في حويجة العراق، شرقي الدجلة الباقين على بداوتهم، وأناس قد انصرفوا بالمرة لحياة الحضارة، وكادت صلتهم تنقطع مع نجد، ولم يعد يأتيهم أناس من البادية يذكرونهم بأخبارهم وأساطيرهم الغابرة، وهم وإن كانوا يحفظون أسماء أبطالهم السالفين، لكنهم يجهلون قصصهم، حتى أن لهجتهم قد تبدلت. وصارت تماثل لهجة الشوايا باللفظ وكثرة المفردات، وأكثر فرق هذه العشيرة تحضرا واستقرارا هم القاطنون في الحويجة وقرب بغداد، ولم يبق مثلا عند الصايح وزوبع إلا بضعة طوائف من الرعاة، أما أكثر الفرق فقد تحضر واستقر، وصار يتكلم لغة الفلاحين، اه.
ويؤيد هذا القول ما جاء في كتاب (عشائر العراق) أن الفداغة فرقة من سنجارة ويعدون من زوبع، وأساسا الكل من زوبع لما بينهم من اتصال قريب، ففداغة العراق يسكنون في أراضي اليوسفية، أما بقية زوبع فيسكنون أراضي أبي غريب غربي بغداد، على أن قسما منهم لا يزال في البادية مع سنجارة، ويعيش في البداوة، اه. ويذكر من رؤساء الفداغة في الجزيرة مطيران الزعيتر والوضيحان.
стр. 5751
أما العامود ففيها من البطون الغضا والتجاغفة والخلف، وهذه الفرقة أقل من غيرها عددا، ويقال أن لها أقرباء كثيرين في نجد، وقد اشتهر فيها الشيخ حسن العامود بأنه من أشهر العوارف.
الخرصة
قبيلة شمَّرية كبيرة طائية الأصل، وهم أقرب قبائل شمَّر إلى آل الجربا، وأشدهم تعلقا بهم، وتعضيدا لهم، ونخوتهم (سيافة)، قسم منهم الآن في العراق مع الشيخ صفوق بن عجيل الياور، وقسم في بلاد الشام (سورية) مع الشيخ دهام الهادي، وفرقهم الغشم والهضبة والبريخ والبهمان والصبحة والعليان والحصنة، وهناك من يجعل فرقة العامود التي ذكرناها في بحث سنجارة من جملة الخرصة، وتتفرع هذه الفرق إلى بطون وأفخاذ كثيرة في بحث نقتصر منها على ما يلي: ففي الغشم بطون الصبحة والملحان، وفي العليان العكاب والمعزي والسبية والحثاربة والدايس والشحاذة والطرابلة، وفي البريج البهيمان والولفة والماجد والسعدي والحصنة، ومن شيوخ الخرصة يذكر حاجم بن غشم في الغشم، ويردان بن جليدان في الهضبة، وابن دايس في العليان، والقعيط في البريج وابن سعدي في الحصنة، والفند في الصيحة، ومن عوارفهم ابن سعدي وابن هديد، ويعد آل دايس في العليان من أعرق البيوت في الخرصة، ومقامه يأتي بين الرؤساء بعد آل محمد، ويليه القعيط في البريج.
العبدة
قبيلة شمَّرية قحطانية الأصل، نخوتها (سناعيس) وهي التي كانت سائدة في نجد قبل مائتي سنة، ويكفي أن يذكر أن آل علي وآل الرشيد حكام نجد السابقين كانوا منها، ولا يزال لها هناك منازل وأملاك مهمة. وقد نزح قسم كبير منها إلى جزيرة من عهد قريب، هربا من آل سعود بعد فتحهم (حائل) وطيهم بساط آل الرشيد، فزادوا بذلك عدد العبدة وهي تنقسم إلى جذمين أو صنجين: اليحيا والربيعية، ففي الجزيرة من (صنج اليحيا) فرقة الفضيل التي رئيسها عقاب ابن عجل، وهو رئيس العبدة كلها، وعارفة الجميع، وفي هذه الفرقة أفخاذ المياخة والشرمان والشريب والعجل والحيساج، وفرقة المفضل التي رئيسها دايس
стр. 5752
ابن جبول، وفيها أفخاذ الجبول والمنيس وبني سعد وبني ندا والعيراب والزبدة والمساعيد، وأخيرا فرقة الشميلة، وفي الجزيرة من (صنج الربيعية) فرق الهامل والجدي والدغيرات (وهي في نجد أكثر منها في الجزيرة) والعفاريت والزكاريط والمراد والمحيسن، ومن شيوخ العبدة ابن عجل وابن سنجي أحد شيوخ العفاريت، يملكان وحدهما أرضين في قضاء تل أعفر غربي الموصل، ومن عوارفهم مسلط بن شريم من اليحيا، وجزاع بن عنيزان من الجدي.
أما في نجد فللعبدة أملاك ومزارع كثيرة، يستغلونها بأيدي فلاحين حضر من جبل أجأ، ومنهم هناك من صنج اليحيا فرق المفضل والفضيل والعزي والغزال، ومن صنج الربيعية فرق الجعفر (الذي منها آل علي حكام جبل شمَّر قديما قبل آل رشيد المعدودين من الجعفر أيضًا) والجندة والدغيرات والحسين، ومنهم فرقة الجيطة، تتبدى في النفوذ غالبا.
الأسلم
قبيلة شمَّرية طائية، هي أقل عددا من غيرها، ولا يزال لها بساتين نخيل في جبل سلمى، وإليها ينتسب بهيج وسنبس، اللذان كانا من رؤساء شمَّر الكبار في زمن بعيد. وقد جاءت منها بضع فرق إلى الجزيرة الفراتية من عهد قريب، وفرقها: أنبيجان في مشيخة دياب بن حسان رئيس الأسلم كلها، ومن فروع هذه الفرقة اللحالحة والهدر والجباريت والحذلة واللهيب الذين أصلهم من الجبور، والتحقوا بشمَّر من زمن بعيد، والبعير في مشيخة حواس السراي والجحيش، وهم غير الجحيش من زبيد، في مشيخة خلف بن دليان، والواهب في مشيخة محمد بن ضاري بن طوالة رئيس الأسلم في نجد، وأخيرا المسعود.
هذا، والأسلم ومعها عشائر الصبحي والزميل والتومان تسمى (عشائر الصايح أو الصوايح)؛ لأنهم تصايحوا حينما انضووا إلى لواء الصديد في نزاعه مع الجربا، وكان الصديد من الصبحي إحدى عشائر الصايح أيضًا، على رغم أنهم في الأصل من الجربا، ثم تنازعوا وافترقوا عنهم، ومن فرق الصديد الميامين والخماس الوحدان والشبيش.
стр. 5753
التومان
قبيلة شمَّرية صغيرة مستقلة، اشتقت من سنجارة، ومن فرقة الثابت، وغالبهم في أنحاء الموصل، وبطونهم الهدبة، وفيه أفخاذ السهيل والربعة والعودة والجمازة، والمجرن وفيه أفخاذ الطويلة واليعيش والسيد.
قدمنا في حديثنا عن تاريخ شمَّر أن فروع هذه القبيلة التي ظلت داخل البلاد الشامية، واستقرت في محافظة الجزيرة تنقسم إلى (شمَّر الزور وشمَّر الحدود) حسب التعبير الذي وضعه الفرنسيون في أول احتلالهم، بالنسبة لما وجدوا عليه هذه الفروع وقتئذ، وإذا كان هذان القسمان هما اللذان يتعلقان بموضوع كتابنا نقول:
شمَّر الزور
هؤلاء من قبيلة سنجارة التي تقدم ذكرها وتفريعها، ويسمون أيضًا شمَّر العمشات، بحكم أنهم حصة آل عمشة الطائية، المنحدرين من عبد الكريم، أو من فارس ولدي عمشة إحدى زوجات جدهم صفوق الفارس المعروف بالمحزَّم، وهم القسم الذي كان يسوده قديما فارس باشا الصفوق، وكان هذا مرتبطا في عهد الترك بمتصرف لواء دير الزور؛ لأن هذا اللواء كان واسعا جدا يضم محافظتي الفرات والجزيرة الحاليتين، وهؤلاء يمكن أن يقدر عدد بيوتهم نحو ٢٠٠٠، وفيهم من الفرق الكبيرة: العامود والفداغة والثابت التي تقدم وصف كل منها، وهم بعد وفاة فارس باشا الصفوق تبعوا ابنه مشعل باشا الفارس مدة من الزمن، ثم صاروا في رئاسة الشيخ ميزر العبد الكريم الصفوق أحد ممثلي شمَّر في المجلس النيابي السوري، وقد خلف ميزر أباه عبد المحسن بعد وفاته في سنة ١٣٥٣ هـ، وورث منه ثروة طائلة، وكان في عنفوان الشباب والنشاط، وعنده اطلاع واسع على الشؤون العامة، وروح مرحة وطلاقة لسان، وصوته يرتفع آنا فآنا في مذكرات المجلس النيابي، ويملك ثلاث قرى، وأراضين واسعة في قضاء القامشلي.
стр. 5754
أما مشعل باشا فهو من معمري آل الجربا، ومن رواسيهم الأجلاء المنظورين، وهو قد برز منذ أن أعان الترك والألمان خلال الحرب العالمية الأولى في حراسة سكة حديد حلب - الموصل بصفته ضابطا عثمانيا برتبة عقيد عسكري فخري، ولما انتهت تلك الحرب، وانسحبت جنود الترك من ضفاف الفرات شمالا نحو ماردين وأورفة، حفظ رجعتهم من تعدي شذاذ العشائر وظل على اتصاله ووفائه لهم، ولما بلغ الإنكليز مدينة دير الزور وبدأت حركات عشائر الفرات لحربهم وإخراجهم، اشترك في هذه الحركات، وأبلى في الوقائع التي جرت في دير الزور وأبي كمال، وخاصة في حركات شمالي العراق في بلدة تل أعفر، حينما هاجم هو وابن عمه عجيل الياور وبعض رجال شمَّر مصفحات الإنكليز وعطلوها وقتلوا رجالها، كل ذلك في سنة ١٣٣٩ هـ.
وبعد أن سقطت بلاد الشام بيد الفرنسيين اتصل مشعل باشا بهم، وزار الجنرال غورو في بيروت، في جملة الوفود التي كانت تساق إلى زيارته، لكنه رفض تكليف الجنرال المذكور بتجهيز حملة من عشائره، مع الفرنسيين لحرب الترك في أورفة، وما إليها، فأغضب بزيارته هذه الترك الذين حسبوه انقلب عليهم، كما أغضب الفرنسيين الذين حسبوه ضدهم، ونكب بهذين الظنين الخاطئين؛ إذ هاجمه الترك بقوة كبيرة، ونهبوا بيته في غراسة وأحرقوه، كما سلط الفرنسيون عليه بعض أنصارهم، فباغتوه في جنوبي جبل عبد العزيز وقصفوه برشاشاتهم، لكنه دافع في الهجومين ونجا.
وفي سنة ١٣٤٦ هـ صار نائبا عن شمَّر كلها في المجلس التمثيلي في دمشق، وانضوى يومئذ إلى الكتلة الوطنية، ثم اختلف مع الفرنسيين في الحسيجة لنزعته الوطنية، ومن جراء جباية الضرائب المفروضة عليه، فلقي من ذلك عنتا واضطهادا لم يتحمله إباؤه، فنزح إلى العراق، وبقى فيه زمنا إلى أن تمت له أسباب العودة إلى منازله فعاد، ولما تقدم في السن، واستلم ابن عمه الشيخ ميزر رئاسة سنجارة اختار الإقامة في دمشق غالبا، وكان فيها يقضي شيخوخة صالحة يحدث زواره بأحاديث طويلة موزونة، عما قاساه في حياته المديدة من شؤون وشجون كثيرة، وبأخبار البادية وتاريخ عشائرها، وهو في هذا الباب الحجة التي لا تبارى.
стр. 5755
شمَّر الحدود
هؤلاء من عشيرة الخرصة التي تقدم ذكرها وتفريعها، ويسمون أيضًا شمَّر العواصي بالنسبة إلى آل العاصي بن فرحان، وشمَّر دهام بالنسبة إلى الشيخ دهام الهادي العاصي، الذي هو رئيس الخرصة دون منازع، وكانوا قبلا يسمون شمَّر العراق كما قدمنا، وهم القسم الذي كان يسوده قديما فرحان باشا الصفوق، وكان هذا مرتبطا في عهد الترك بولاة بغداد، وبعد فرحان باشا خلفه ابنه العاصي، وهذا لما شاخ ومرض اضطر إلى المكوث في دمير قبو في الأراضي التي خصصها له الترك، وكانت رئاسته وقتئذ اسمية، أما الرئاسة الفعلية فكانت في يد حفيده دهام بن الهادي، الذي اعترف به بعض العراقيين والإنكليز باسم (شيخ مشايخ شمَّر)، لكن دهام لم يسالم الإنكليز في بدء الاحتلال، بل نازعهم وعاركهم مرارا، فقصفته طائراتهم في سنة (١٣٤٠ هـ - ١٩٢٢ م) واضطرته إلى الالتجاء للأراضي الشامية (السورية) مع قسم من شمَّر التي ظلت وفية له، وأكثرها من الخرصة وأسند الإنكليز والحكومة العراقية رئاسة شمَّر في العراق إلى ابن عمه عجيل الياور على ما قدمنا، فتتألف من جراء ذلك جمع جديد من شمَّر ضمن بلاد الشام سماه الفرنسيون (شمَّر الحدود) لقربه من الحدود، وظل الشيخ دهام نافرًا من ابن عمه عجيل الياور لقيامه مكانه في العراق، إلى أن تم الصلح بينهما في مؤتمر عانة في سنة ١٣٤٤ هـ، ومؤتمر القامشلية في سنة ١٣٤٩ هـ، وتم استقرار الشيخ دهام في جنوبي شرقي قضاء القامشلية من رجلة القصروق إلى المسعوديات قرب محطة تل كوشك.
والشيخ دهام من كبار رؤساء العشائر ونبهائهم النافذين، واحد نائبي شمَّر في البرلمان السوري، وفي الحرب العالمية الثانية تذكر الإنكليز ثوراته السابقة عليهم في بدء احتلالهم العراق، فنفوه مع غيره إلى جزيرة قمران وسط البحر الأحمر، وظل فيها قرابة سنتين إلى أن عفي عنه وأعيد.
وأسماء قرى شمَّر الخرصة التابعة إلى مخفر درك جل آغا هي: جل آغا ودمير قبو وقنيطرة وكفرونة وكريفات وتل مشحن وأبو حجر وتل الهادي
стр. 5756
والدردارة والعرجة وتل حداد وغيرها، وأسماء المنازل التي يحلون فيها هي المسعودي وسويدية وتل الشيخ وعوينة وتل رميلان وتل علو، وقد كتب لي أن أبيت ليلة من شهر تشرين الثاني ١٩٤٣ م عند الشيخ باشا المتعب العاصي، وكان مخيما في تل رميلان المذكور شمالي محطة تل كوشك، وأن أصادف ليلتئذ في مضربه الكبير عددا من التجار الحمويين والحمصيين، يتسوقون غنما بوساطة الشيخ باشا المذكور، ورأيت مثله في التوسط لتجارة الغنم ابن عمه هذال الفهد العاصي، هذا، ومشتى الشيخ دهام في تل علو الذي فيها إحدى محطات سكة حديد بغداد، ومصيفه في حموكر، وله أراضي في السبع سكور جنوبي الحسجة، شارك عليها بعض الدمشقيين، وأراضي أخرى في دمير قبو، هذا غير أراضيه الشاسعة المترامية في شرقي تل العطشان وجنوبه حتى الحدود العراقية.
هذا، وعشائر شمَّر كلها لا تزال من خلص البدو في حلها وترحالها كل أيام السنة، لكن البداوة أكثر ما هي باقية عند الخرصة، أما سنجارة وخاصة الفداغة المنفردة لنفسها فقد تأثرت -كما قلنا- بمخالفة العشائر المتحضرة من أعراب وأكراد، وبمصاهرتها حتى أن لهجتها مالت نحو لهجة الأعراب الشوايا، ومما يبشر بميل شمَّر نحو التحضر شغف الشيوخ باستملاك القرى والمزارع، في سهول الجزيرة الخصبة واستغلالها، وبازدياد قطعان الغنم لديهم، وباشتغال بعضهم بتجارة هذه القطعان، مما سوف يؤدي إلى اقتداء أتباعهم بهم وتحضرهم تدريجيا - والناس على دين ملوكهم.
وشمَّر اسم مرعب في البراري الجزيرية والشامية والعراقية؛ لأن جميع أفرادها مسلحون، ولا يقتصر الشيوخ في الحدود السورية على البنادق الألمانية والإنكليزية والفرنسية، وإنما يملكون الرشاشات وبنادق تومي وكثير من العتاد أيضًا، ويضع الشيوخ في سياراتهم رشاشات من الأمام ومن الخلف، كأنهم ذاهبون إلى إحدى جبهات الحرب.
стр. 5757
مكانة آل محمد (آل الجربا) - إن شيوخ شمَّر (آل محمد) لا يقرون بما ذكرناه من التقسيم الذي وضعته السياسة، ولا يعترفون بوجود أي حاجز، أوأي فرق بين شمَّر كلها، ويقولون: إن أي شيخ منهم في العراق تنفذ كلمته على أي جمع من شمَّر الشام (سورية)، وأي منهم في الشام (سورية) يستطيع أن يرأس أي فريق في العراق، والواقع يؤيد قولهم هذا؛ لأن الحدود بين شمَّر القطرين الشقيقين المارة بتل صفوق والممتدة مئات الكيلو مترات حتى تل كوشك هي وهمية، يجتازها الشمَّريون من هنا إلى هناك بلا حذر، فالاتصال دائم، والألفة بين الأفراد والنجدة حين الفزع الأكبر موفورتان.
هذا، ولكل عشيرة رئيس لا يتجاوز نفوذه نطاقها، وله مكانته وسلطته، لكن الرئاسة العامة على شمَّر لآل محمد (آل الجربا)، وهؤلاء هم في الأصل من طيئ القدماء وذوو الرئاسة العليا على شمَّر، منذ أقدم العهود قبل آل الرشيد وآل علي الذين كانت رئاساتهم مؤقتة، وإذا جد الجد واحتدمت المشاكل الكبرى، فإن شيوخ شمَّر من غير الرؤساء لا يحكمون إلا على فروعهم القريبة، ولا يمثلون إلا أبناء عمومتهم؛ أي أن مرد البت في كل أمر خطير هو إلى (آل محمد) وحدهم، ومما يحكى عن نفوذ هذه الأسرة على أتباعها أنه من الشدة بحيث (١) لا يجرؤ أي شمَّرى كان مهما سمت منزلته، أن يجير منهم أحدا من الناس، أو من أفراد العشائر الغريبة عنهم، وإذا حل ضيفا على أحدهم في بيته، أو إذا التجأ إلى حمايته، يقول له الشمَّري: أنا أجيرك وأحميك من عشيرتي، ومن أفراد شمَّر الآخرين كافة، حسب مقدرتي، إلا من الشيوخ (آل الجربا) فإني لا أحسن أن أجيرك منهم، فإنهم إن أخذوا أموالك أو ذبحوك، ولو في بيتي فلا أتمكن من حمايتك والذود عنك، وهم بذلك بعكس طبائع عربان عنزة، فإن الصغير منهم يجير من الكبير، والوضيع من الرفيع، على الحق وحسب العادات، والقوانين العشائرية الموروثة لهم، والمتبعة فيما بينهم، وإذا
стр. 5758
التجأ إلى بيت العنزي فرضا قاتل أخيه، أو أحد أفراد أسرته، دون أن يكون للقاتل معرفة بمنزلته من القتيل، فإن صاحب البيت يجيره ويحميه، إلى أن يوصله إلى مأمنه، ولا يرضى أن يهان في منزلة، ويقول أفراد عشائر شمَّر للناس بموقع المدح والإطراء عن شيوخهم الجربان أنهم يذبحون على الفراش، ومعنى هذا أنهم باستطاعتهم أن يقتلوا -ولا تبعة عليهم- من شاءوا داخل بيوتهم وعلى فراشهم، كائنا من كان من الناس التي لم تكن من شمَّر، حتى ولو كان ضيفا عليهم إلخ.
وقد سألت الشيخ دهام الهادي عن رأيه في هذين القولين المستغربين فصدق الأول منهما، ونفى وجود الثاني، وعلل الأول بأن عدم إجارة الشمَّري للغريب من شيوخه آل الجربا ناشئ عن شدة نفوذ هؤلاء الشيوخ، ووفرة حرمتهم، لدى كل شمَّرى، بحيث صار شأنهم تجاه أفراد عشائرهم، شأن الحكومات في الحواضر والمدن تجاه الأهلين الذين ليس لهم أن يجيروا أحدا مطلوبا من قبل الحكومات المكلفة وحدها بحفظ الأمن ورؤية المصالح العامة، كل ذلك لعلو كعب آل الجربا وسؤددهم المتحدر، كابرا عن كابر، بحكم أنهم كانوا فيما مضى هم حكام جبل شمَّر قبل آل علي وقبل آل الرشيد من شمَّر، وبالطبع قبل آل السعود العنزيين، وأن مرد هذا العلو إلى كونهم من طبقة أسمى، بخلاف الأسر المترأسة في عنزة وغيرها من العشائر، فإنها في الأصل من العشيرة نفسها، ولا مزية فائقة لها على غيرها، حتى لا يجير أحدهم لاجئ منها، ا هـ.
هذا، والعرف عند آل محمد الجربا تجعل أي واحد منهم شيخا على أي فريق من شمَّر، إلا أن المتّبع لديهم منذ نصف قرن، هو أن مشيخة الخرصة في آل فرحان باشا الصفوق، وخاصة في فرع العاصي (العواصي)، وهم أبناء العاصي بن فرحان الحاضرين، ومشيخة سنجارة في الشيوخ أبناء عبد الكريم الصفوق، أو أبناء أخيه فارس الصفوق المعروفين بآل عمشة الطائية (العمشات).
شجرة نسب آل محمد (آل الجربا)
جدهم الأعلى هو ابن محسن بن مشعل بن مانع بن سالم بن (محمد) رأس عمود النسب الطائي الأصل، فمن (مجرن) جاء الجعيري، ومنه الحميدي
стр. 5759
ومنه مطلق وقرينص وعمرو وفارس، ومن (فارس الحميدي) جاء محمد وصفوق (المحزم)، ومن صفوق جاء عبد الرزاق وفارس وعبد الكريم وفرحان، فمن (عبد الكريم الصفوق) عبد المحسن وصفوق ومحمد، ومن (عبد الرزاق الصفوق) طلال وعلي ومن (فارس الصفوق) الحميدي وملحم ومسلط ومشعل، ومن (محمد العبد الكريم) مطلق ونواف وعبد الكريم ومشعل وعبد الرزاق، ومن (عبد المحسن العبد الكريم) ميزر وحواش، ومن (صفوق العبد الكريم) محمد.
أما فرحان الصفوق (فرحان باشا)، فقد قدمنا أنه تزوج عدة نساء من عشائر مختلفة جاء منهن أولاد وأحفاد كثيرون، فمن (الجرجرية الكردية) جاء الباشات، وهم زيد وميزر وبدر وأحمد والحميدي، وعن (جزعة الشمَّرية) جاء الجزعات، وهم مجول وجار الله والعاصي، فمن (مجول) جاء الحميدي ومنه فرحان ومحمد وحماد وعلي وراكان ودهام وعبيد ورديني. ومن رديني هذا طاووس وفانوس ودبوس، ومن عبيد درهو وأحمد، ومن (جار الله) جاء جدعان وتركي وفارس ونواف ونايف. ومن فارس الجار الله دياب وميزر ومحمد وسويلم، ومن (العاصي) جاء العواصي وهم شبيب وعيادة ومدلول وبنيان وصايل وزيد والهادي ومتعب وفهد وجاعد وحاجم، فمن عيادة رزوق، ومن مدلول علي وميزر، ومن صايل نوري، ومن الهادي صعب وفزع ودهام (الشيخ الحالي) وصفوق، ومن متعب باشا، ومن فهد منيف وهذال ومن جاعد حواش وشويش ومن حاجم هرير وهيجل، ومن (درة الطائية) جاء آل درة، وهم فيصل وعبد العزيز وشلال فمن فيصل وضحان وتركي وسعود ومسلط ومتعب وصفوق وآلماني ونوري ومشعان ونايف، ومن شلال جاء جزع وميزر ومتعب ومشعل وعلي ودهام وبنيان وحميد ومتني، ومن عبد العزيز جاء عجيل (الياور) وحاروش وراكان ومحمد وسالم، ومن (سرحة الزويعية) جاء آل سرحة، وهم عبد المحسن وثويني وهايش، فمن عبد المحسن زويد وصعب وزيد وسالم وعماش، ومن هايش جدي وجري وعليان، قلنا أن فارس باشا الصفوق أعقب
стр. 5760
الحميدي وملحم ومسلط ومشعل، فمن مسلط حاجم ومشعل، ومن مشعل الفارس (مشعل باشا) نوري ونايف وتركي، هذا، ويسمى فرحان وفارس وعبد الكريم أبناء صفوق المحزم آل عمشة (العمشات) لتحدرهم من عمشة بنت شيخ طيئ، أما (مطلق الحميدي) فقد جاء منه مسلط وفهد ومن فهد سلطان ومنه سميط ومنه كردي ومنه سطام وهيكل ومشعل، وأما (عمرو الحميدي) فقد جاء منه شلاش، وأما (قرينص الحميدي) فقد جاء منه بنية.
هذا ما اقتبسناه من كتاب المسيو مونتاني الذي قضى سنتين بين شمَّر يجمع أخبارها وأنسابها، فإن كان ثمة زيادة أو نقصان فالعهدة عليه، والعصمة لله.
منازل شمَّر - منازل شمَّر في محافظة الجزيرة، فشمَّر الزور (سنجارة) في المغرب في ضفتي الخابور والجغجغ، داخل قضائي الحسيجة والقامشلية، وشمَّر دهام (الخرصة) في الشرق قرب الحدود العراقية، وجنوبي قضاء ديريك، وهم يبقون مجتمعين في هذه المناطق، على هيئة فرق صغيرة منفردة، ويعملون في تربية الماشية، ومنهم من يعمل في الحرث والزرع في أراضي الشيوخ، وشمَّر الزور (سنجارة) يبيعون نواتجهم في أسواق القامشلية والحسيجة وعامودة، وربما بلغوا رأس العين، أما شمَّر الخرصة فأكثر ما يغشون أسواق دميرقبو وقبور البيض.
أما في الشتاء فنجعتهم كبيرة في براري الجزيرة، فهي تقع من الشمال إلى الجنوب، فشمَّر الزور ينجعون المنطقة الواقعة بين جبلي سنجار وعبد العزيز في الشمال، ونهر الفرات حتى رواة في الجنوب، داخل الحدود العراقية.
أما شمَّر الخرصة فإنهم ينجعون ممالح البوارة، ويتوغلون في داخل الحدود العراقية أيضًا، ويصلون إلى رواة، بينما يكون رئيسهم الشيخ دهام مقيما في مضاربه داخل الحدود الشامية (السورية)، وكذلك يفعل الشيخ ميزر، شأن رؤساء العشائر كلهم، الذين آثروا البقاء وعدم اللحاق في الحل والترحال، والمناهل التي يردونها في الصيف، هي يسار الخابور عين ابن حرشان والبحرة والخاتونية والشلالة وكسيحة ووادي عجيج والروضة وأبو حامضة وغيرها، وفي يمين الخابور المغلوجة وسوسة والغرة في شمالي جبل عبد العزيز، وأم مدفع والبيضاء
стр. 5761
والرويضات والجرعية والجزاعية قرب البليخ، الذي يبلغونه ويحتكون فيه بعنزة، وتحدث حينئذ مشاكل بين الرعاة على المراعي والمناهل.
حوادث شمَّر الأخيرة وخلافاتها مع جيرانها:
١ - الخلاف بين شمَّر والفدعان: بعد أن توفي العاصي جد دهام في سنة (١٣٤٣ هـ -١٩٢٥ م) نقض دهام الصلح الذي كان بين شمَّر والفدعان من عنزة، وجهز غزوا كبيرا من جميع شمَّر (الخرصة وسنجارة)، وهاجم الفدعان، فتداخلت السلطة الفرنسية، وأوقفت القتال، وفرضت الصلح على الفريقين في مؤتمر دير الزور سنة (١٣٤٤ هـ - ١٩٢٦ م)، لكن الفتنة نشبت مرة أخرى في سنة (١٣٤٧ هـ -١٩٢٩ م) في أنحاء جبل عبد العزيز بسبب المراعي، فتدخلت القوى والطيارات الفرنسية، وانتهى الصلح في المؤتمر الثاني الذي عقد في دير الزور أيضًا، وساد الوئام من ذلك الحين.
٢ - الخلاف بين شمَّر وعشيرة ميران الكردية: في ربيع سنة (١٣٥٠ هـ - ١٩٣٢ م) قتل قضاء أحد إخوان الشيخ دهام الهادي في صدام حدث بين فرسان من شمَّر الخرصة، وآخرين من أكراد الميران، يقودهم نايف بك ابن مصطفى باشا المستو، ولم تنجح الوساطات في تأدية الدية، إلى حكم نايف بك بالسجن ثمانية أشهر قضاها وخرج، وظلت الحزازت مستمرة بحكم أن المقتول رئيس ووجيه، لا يغسل دمه إلا بالدم، بمقتضى العرف العشائري، على أن أهل الخير كانوا يأملون تسوية هذا الأمر بالحسنى، اعتمادا على الروح الطيبة في الفريقين.
٣ - الخلاف بين شمَّر والعقيدات: في صيف سنة ١٣٦٠ هـ قتل العقيدات صفوق الفيصل ابن عم صفوق بن عجيل (الياور) شيخ شمَّر العراق، في غزوة كان يقودها على العقيدات داخل الحدود الشامية (السورية) التي تخطاها، فحدثت فتن ومعارك كثيرة من جراء هذا القتل، واتسع الخرق، وثأر شمَّر الجزيرة من العقيدات لابن عمهم المقتول، وسلبوا لهم غنما وفيرا، جله لتجار دير الزور، وعقد مؤتمر للصلح في الموصل، قرر المحكمون فيه (قاعدة الحفر والدفن)، لكن هذا الصلح لم يرق للعقيدات، فجددوا غاراتهم على شمَّر العراق؛ ذلك لأن ثلاثة من شيوخ العقيدات، وهم فارس الصياح من الدميم،
стр. 5762
ومشرف الدندل من الحسون، وتركي النجرس من الثلث، لم يرضوا بالشيخ جدعان الهفل أكبر مشايخ العقيدات، الذي لم تستشر السلطات سواه في المفاوضات عن جميع العقيدات، فأعيد المؤتمر في دير الزور (١٣٦١ هـ - شباط ١٩٤٢ م) وعقد الصلح نهائيا، ووقعه كل شيوخ العقيدات، كما وقعه الشيخ صفوق الياور، وأعيد الغنم المنهوب إلى أصحابه، لكن هذا الصلح أيضًا لم يدم للأسف، فتكررت غارات العبدة من شمَّر على العقيدات، مرتين خلال سنة ١٩٤٥ م، ولم ينته الأمر كما يجب بين الطرفين.
٤ - الخلاف بين شمَّر والبقارة: كان خالد الحمى الطلاع رئيس فرقة البومعيش من بقارة الزور، نزح عن عشيرته لحوادث دم وغيرها، ولجأ إلى الشيخ ميزر عبد المحسن رئيس شمَّر الزور، وأقام على الحدود العراقية السورية مدة سنتين (١٩٣٤ - ١٩٣٦)، ولما أجازت الحكومة إلى الشيخ ميزر بوضع اليد على خمس قرى في ناحية الدرباسية ذات مساحات عظيمة، نقل خالد الحمى مع فرقته إلى هذه القرى، وحملهم على استثمارها بالشراكة مناصفة، فظل خالد المذكور فيها حتى سنة ١٩٣٧ م التي اشتدت فيها حركات الفرنسيين ضد الحكم الوطني، وانحاز بعض ذوي الضمائر الرخيصة إليهم، ومنهم خالد المذكور (فيما رووه)، وأراد الفرنسيون وقتئذ أن ينتقموا من الشيخ ميزر لموقفه الوطني، بعد أن كانوا يظنونه معهم، فحملوا خالدا على عصيان ميزر، واغتصاب القرى، وطرد جماعة ميزر منها.
وشرع ميزر بالمراجعة والادعاء وسعى كثيرا إلى حل المعضلة بالحسنى، فلم يوفق خلال سني ١٩٣٨ م -١٩٤٣ م التي كانت الكلمة فيها للفرنسيين، وظل خالد الحمى مغتصبا القرى والحاصلات، وتصادف أن أحد الأكراد من الكيكية، وهو الحاج درويش موسى رئيس إحدى فرق الكيكية باع قرية تل بيدر إلى خالد الحمى المذكور، فلم يرق هذا البيع إلى عشيرته، لكرههم مجاورة البقارة، وأرادوا منعه، ثم كان خلاف قديم بين الشرابيين والبقارة، ومن هنا اتحدت شمَّر وميزر والكيكية والشرابيين ومعهم حرب، باعتبار أن الخلف لشمَّر، وهاجموا البقارة، فأنجدت بقارة الزور إخواتها بقارة الجبل، ومعهم البوحمدان الذين أصلهم من البقارة، واشتبك هذان المعسكران في معارك ظفر البقارة في الأولى عنها، ثم دالت عليهم في التالية، وفي الأولى بلغوا بيت الشيخ ميزر في قرية
стр. 5763
سهكي (ثلاثة تلال) واقتحموه ونهبوه، وهو عمل معيب عند العشائر؛ لأن الرئيس الغالب إذا دخل بيت الرئيس المغلوب يجب عليه أن يحتله، ويصونه من النهب، وإذ كان البقارة عملوا خلاف ذلك، ثارت ثائرة شمَّر كلها، وأنجدوا ميزرا، وتفاقم الخطب وسالت الدماء، ووقع من الفريقين فيما قيل مئات القتلى من الرجال، خلاف الأطفال والنساء التي لا تذكر، وخربت مئات القرى، ونهبت عروض لا تحصى، وقيل أنه كان لبعض الموظفين يد سيئة في هذا الأمر، وطال الخلاف، وعقدت عدة مؤتمرات للصلح بحضور محافظي الجزيرة والفرات وغيرهم في أول سنة ١٩٤٦ م، لم تثمر عن نتيجة، إلى أن أثمرت في المؤتمر الأخير الذي عقد في نيسان تلك السنة، وكان فيه السيد نوري إيبش ومجحم آل مهيد وراكان آل غبين، وتم الصلح على قاعدة (الحفر والدفن) بعد أن حدد عدد القتلى بثمانين من جماعة شمَّر، ومثلهم من البقارة، وعدد القرى التي خربت ب ١٣٥، وهكذا انتهت هذه الفتنة الشعواء.
٥ - الخلاف بين شمَّر والبومتيويت: حدثت في شهر آب ١٩٤٦ فتنة شعواء أخرى، كالتي سبقت، ضمن الحدود بين شمَّر العراق تناصرهم شمَّر الجزيرة من جهة، وبين عشيرتي الأبومتيويت والجحيش الموصلية تناصرها يزيدية سنجار من جهة أخرى، وسببها هو خلاف على أرض للشيخ عجيل (الياور) أقطعها للأبي متيويت والجحيش على أن يستغلوها، وتكون مناصفة بينه وبينهم، فأدوا ما عليهم في السنتين الأوليين، ثم أمسكوا في الثالثة، وقالوا لن ندفع، فرفع أبناء عجيل الأمر إلى الحكومة العراقية مرارا، لكنه ظل بدون حل، إلى أن تجدد النزاع في آب سنة ١٩٤٦ م، وتفاقم حين مجيء أبناء عجيل لطلب حصصهم من الغلال. ورفض أخصامهم التسليم، فوقعت أعنف معركة بدوية في زمننا سالت فيها الدماء، واحترقت بيادر، وخربت القرى الواقعة حول مكان النزاع، وسقط مئات من القتلى والجرحى من الفريقين، وقد هرع معظم شيوخ شمَّر من الحدود الشامية إلى المعركة، تأييدا لشمَّر العراق في حركتها، ووقفت الجزيرة بعربها وكردها إلى جانبهم، وأقبلت القوات العراقية والسورية، وتوسط العقلاء وهدأوا الحالة، وانعقد الرجاء بأن تبادر الحكومة العراقية لحل الخلاف، وإعطاء كل ذي حق حقه.
стр. 5764
٦ - الخلاف بين شمَّر وعشيرة الملي الكردية: حدثت معارك عديدة في الربع الأول من القرن الرابع عشر الهجري بين شمَّر وعشائر الملي الكردية، التي وصفناها في بحثها الخاص، كانت خلالها شمَّر متنازعة بعضها مع بعض، مما أدى إلى الفشل وذهاب الريح، وإلى فوز إبراهيم باشا رئيس عشائر الملي المذكورة على شمَّر فوزا كبيرا، ذكر ذلك محمد علي بك ابن خليل بك آل إبراهيم باشا، وسألت الشيخ دهام عنه، فأقره، وبين أسبابه، وهو التنازع المذكور، إلا أن هذا الخصام القديم تبدل بعد إلى صلح ووئام، وحصلت مصاهرة بين الفريقين بزواج الشيخ ميزر عبد المحسن رئيس شمَّر الزور (سنجارة) بابنة خليل بك المشار إليه.
وأضاف أيضًا وصفي زكريا لمحة عن قبيلة طيئ القحطانية في سوريا بمحافظة الجزيرة التي حافظت حتى الوقت الحاضر على اسم طيئ قائلا:
قبيلة ريفية كبيرة، تعد القبيلة العربية الثانية في محافظة الجزيرة من حيث المكانة والنفوذ، وبعد الصيت وعراقة النسب، ومكانتها تأتي بعد شمَّر، ورؤساء طيئ يكادون يعادلون رؤساء شمَّر في كرم النبعة ووفور الحرمة، وهم يتزاوجون ويتصاهرون فيما بينهم، دلالة على التعادل.
وطيئ الحاضرة هي في الغالب منحدرة من قبيلة طيئ القحطانية القديمة التي تقدم الكلام عنها مرارا في بحث التاريخ، وفي بحث قبيلتي شمَّر والموالي، وهم لا يزالون محتفظين باسم طيئ الأصلي، وقد خرج أسلافهم من جبلي أجأ وسلمى، المعروفين قديما باسم جبلي طيئ، والآن باسم جبلي شمَّر، بعد أن استولت عليهما شمَّر، وأزاحت طيئا منهما، وكان من طيئ الأصلية هذه أمم كثيرة، ملأوا السهل والجبل، حجازا وشاما وعراقا، كما قال ابن خلدون: وقد تفرعوا إلى فروع كثيرة.
لكن المستشرق المسيو مونتاني الفرنسي الذي تقدم ذكره يقول في كتابه (قصص شعرية ملتقطة من شمَّر الجزيرة) أن طيئا الحاضرين ليسوا قدماء من زمن
стр. 5765
بعيد في الجزيرة، ولا يمتون إلى من تحدث عنهم ابن خلدون إلا بعلاقة النسب، بل إن هؤلاء كانوا في القرن (١٢ هـ - ١٨ م) لا يزالون في نجد في جبلهم المسمى باسمهم، ضمن حلف عشائري مؤلف من طيئ وبهيج وسنبس، وهناك بيت شعر قاله رجل من شمَّر، يخاطب به أحد رؤساء طيئ:
قبلك بهيج حدروه السناعيس … من عقدة ما يتحلحل قناها
يريد أن بهيجا رئيس قبائل زبيد وأميرهم وقتئذ كان قبلك، وقد أصابته الضربة القوية منا، فأنزلناه من (عقدة) أي من أجأ وسلمى (جبلي طيئ) فلا نخشاك، ولا نبالي بك، وأنت أقل قدرة منه، ويقصد بالسناعيس الذين ينتخون بالسنعوسية وهم قبائل مهمة من شمَّر.
ويظهر أن مجيء شمَّر من اليمن إلى نجد، ومزاحمتها الحلف العشائري المذكور، أدت إلى هجرة هذا الحلف نحو العراق والجزيرة، فبلغت طيئ أنحاء الجزيرة، وبلغت سنبس وبهيج أنحاء كركوك في العراق، حيث تجد بقاياهما حتى الآن، والدليل على حداثة هذه الهجرة أن فرقة الأسلم الشمَّرية التي تمت إلى طيئ وإلى حاتم الطائي لا تزال تملك بساتين نخيل في جبل سلمى، وطيئ الجزيرة الحاليين يدعون أنه لا يزال لهم أملاك في نجد، وإن لم يكن لديهم ما يؤيد ذلك. ولما قتل الترك صفوقا رئيس شمَّر في حدود سنة (١٨٤٣ م - ١٢٥٦ هـ) قامت أرملته عمشة المشهورة بنت شيخ طيئ، وحملت أولادها ولجأت بهم إلى أخوالهم الطائيين الباقين في نجد، ولقت لديهم ترحابا.
ومهما يكن تاريخ هذه الهجرة، فإن عشيرة طيئ الحالية وخاصة بطونها الأصلية الأربعة سنبس وبنو اليسر (اليسار) والفرير والحريث، ومعها أحلاف عديدون مختلفو المنابت، جاءت إلى الجزيرة وفرضت سيطرتها على العشائر القديمة المستقرة فيها من قبل، ثم انبسطت من حدود دير الزور على الفرات إلى سفوح جبال الأناضول، وجبت الإتاوات (الخوة) من الأعراب والأكراد القديمين، وكانت في تلك الحقبة ذات سطوة وحركة كبيرين، من الغارات والمعارك، على نحو ما كان للعبدة والخرصة من شمَّر خلال القرن الماضي، وكانت طيئ كما
стр. 5766
كانت شمَّر التي خلفتها منقسمة إلى جذمين كبيرين، ينفث الترك بينهما الشحناء دوما إضعافا لهما.
وقد اصطدمت طيئ بأمراء الموالي منذ القرن الثاني عشر وقبله، وبعث مرة أحد هؤلاء الأمراء أربعين فارسا لخطف فتاة من طيئ اسمها حمرة الموت، وكانت طيئ ضعفت من توالي عراكها مع حضر الجزيرة، فلم تستطع مقارعة الموالي ورد طغيانهم، إلا بمعونة عشيرة العبيد الزبيدية الأصل التي كانت في أنحاء الخابور، وعند طيئ (قصائد وحكايات - سوالف) عن وقائعها، ووقائع العبيد مع الموالي.
وعاركت طيئ عشيرة قيس (جيس) المعروفة بشدة مراسها وشرورها، حتى صار يضرب المثل بعدائهما الذي كان ضرامة لا يخبو، فيقال (مثل قيس وطيئ).
وقد أضعفت هذه الغارات والمعارك طيئا، بحيث إنها حينما وفدت شمَّر في أوائل القرن الثالث عشر الهجري، وعبرت إلى الجزيرة بقيادة فارس الجربا، دحرت طيئا إلى منازلها الحالية حول نصيبين، كما دحرتها من قبل من جبلي أجأ وسلمى في نجد، وبدلت اسم هذين الجبلين من طيئ إلى شمَّر، على أن شمَّرا فرع من طيئ، فيكون الفرع زاحم الأصل، وتتبعه من مكان إلى مكان.
ولا يزال رؤساء طيئ معدودين من كبار رؤساء القبائل في عراقة النسب، لهذا لما تخطت شمَّر إلى الجزيرة، وفرضت الخوة على عشائرها القديمة أبت طيئ أن تؤدي الخوة أنفة، واكتفت بتزويج إحدى بناتها، وهي عمشة ابنة شيخ طيئ حسين العبد الله إلى صفوق بن فارس الجربا شيخ شمَّر، وجاء بعد من عمشة هذه فرع كبير من آل الجربا دعي بالعمشات، وصار شيوخ شمَّر حتى الآن إذا خاطبوا أحدا من شيوخ طيئ ينادونه: يا خالي.
وقد سعى الترك منذ القرن الماضي لتحضير قبيلة طيئ، وحضوهم على الاستقرار، ومن ثم قلّت إبلهم، وزادت شياههم، وصغرت نجعتهم في الجملة، وانصرف أكثر فرقهم للزراعة، وللاختلاط بالأسر المتحضرة الغريبة، بينما بعضهم لا يزال محتفظا ببداوته الصرحاء، وأنفته عن الزراعة، تمسكا بالتقاليد اليدوية الأصيلة.
стр. 5767
وقبيلة طيئ الموجودة في الجزيرة مؤلفة من فرق مختلفة المنابت، فبعضها أمثال العساف والحريث وسنبس وبني فرير واليسار من الطائيين الأقحاح، أما البقية فإنها ليست بالنسب من طيئ، وإنما هم حلفاء، أو مستجيرون، أو أعوان رؤساء طيئ، وقد غلبتهم التسمية، وتقادم الزمن عليهم، فأصبحوا من طيئ، وهم من عشائر يعثر على أصولها أو فروعها في مناطق أخرى، كالراشد وحرب وبني سبعة، فإن أصول هؤلاء موجودون في شبه الجزيرة العربية، وكالجوالة الموجودة في الجزيرة الفراتية، وثمة فرقة من حرب في منطقة عرادة إلى الشمال الشرقي من رأس العين، ويوجد قسم من الغنامة والمعامرة بين الجبور، وقسم من البقارة بين طيئ وهكذا.
ومنازل طيئ حول القامشلية جنوبا وشرقا، وحدهم الشمالي الحدود التركية، أو سكة حديد بغداد، والجنوبي نهر الرد أحد روافد الجغجغ، وحدهم الغربي الجغجغ نفسه، وحدهم الشرقي سيل ماء اسمه رجلة القصروق، يبدأ من تل عطيشان، ويفصل بينهم وبين شمَّر، أما أماكن نجعتهم فهي محصورة بين سكة الحديد المذكورة وجبل سنجارة، وقد يبعدون إلى أراضي البريجة وعقلة أبو حامضة، وهي عقلة ماء في داخل الحدود السورية، في جنوبي الجبل المذكور، وعندهم قطعان كثيرة من الغنم والإبل، وأرضون واسعة خصبة، صالحة لزراعة الحبوب، ولاسيما الرز في وادي الجغجغ، وعندهم ولاسيما في الحريث مرابط خيل عتاق، أخصها المليحيات وكحيلة العجوز وكحيلة ابن مزهر، هذا وتزايد في عهدنا عناية طيئ بالزراعة والتحضر يوما بعد يوم، وامتدادها بإحياء برارى الجزيرة الموات نحو الجنوب والشرق من قضاء القامشلي، مع العناية بتربية المواشي، والحل والترحال لأجلها، ومن هنا كانت أحوالهم الاقتصادية أحسن من غيرهم، وصار رؤساؤهم في الدور الفخمة في القامشلي، يعيشون في رفه وحضارة، وإن كانوا مقصرين في ترشيح ممثل عنهم في المجلس النيابي.
ولهذه القبيلة صلة وثقى بجيرانهم الأكراد، وكثير منهم يتعلم اللغة الكردية بالمعاشرة، وأكثر العشاثر الكردية التي حول طيئ تخضع عرفا لرئاسة طيئ، وتطبق منهاجا، وتندمج في حلفها، كما يفعل ذلك الكرد الذين قرب قبيلة شمَّر، والمتعلقين بها.
стр. 5768
أما نفوس طيئ مع لواحقها فيقدر ب ٥٠٠٠ بيت، وهذه القلة من جراء ما كان لشيوخها في الماضي من سياسة البطش والتنفير، مما أوجب انفضاض الناس عنهم ولم يزدد عدد العشيرة بالمخالفات والمساكنة، كما يجري في بقية العشائر القوية من أمثال طيئ.
فرقهم: تتألف فرق طيئ من طيئ الأصليين ومن لواحق طيئ، فطيئ الأصليون هم العساف والحريث وسنبس واليسار وبني فرير، ولا يزال من هذه الفرق أناس متخلفون في العراق وتركيا، حتى أنه لا يوجد في بلاد الشام (محافظة الجزيرة) من سنبس وبني فرير إلا أفراد قلائل، ومن اليسار إلا فخذ صغير، أما (آل عساف) نحو ٢٠٠ بيت، وهم أجل فرق طيئ قدرا وأعرقها نسبا، وفيهم الرئاسة على طيئ كلها، يتوارثونها أبناء هذه الفرقة كابرا عن كابر، وفي آل عساف فخذان؛ الفهد والحسن، وهم في مشيخة بيت (العبد الرحمن)، وعبد الرحمن هذا هو ابن حسن بن حسين بن عبد الله، أما عساف الكبير فبعيد بحيث لا تعرف السلسلة الممتدة إليه، ولعله من ذراري إياس بن قبيصة الطائي الذي حكم الحيرة عاملا لكسرى في فترة من فترات التاريخ، وعد في صف الملوك، وقد أعقب عبد الرحمن الحسن ثمانية أولاد: علي وسليمان وعبد الرزاق ومحمد وطلال ومطلق وعبد المحسن ونايف، وقد أعقب كل من هؤلاء ما عدا عبد الرزاق ومطلق عدة أولاد، فأصبح بيت العبد الرحمن كبير العدد والنفوذ وإن بدأ يفقد نفوذه منذ زمن، ولم يعد ينجب عظماء، كما كان من قبل، أما (آل حريث) فهم مثل آل عساف في عراقة النسب ووفور القدر، وأفخاذهم المازن والمهاني والمقطف والنهاب، وهم في مشيخة حسين بن محمد المقطف وإبراهيم ابن محمد النهاب، ويذكر من وجهاء طيئ علي السلطان، وهو شيخ فرقة اليسار.
أما لواحق طيئ فهم من حيث المكانة الحلاجمة، فالراشد فالجوالة فحرب فبني سبعة فالأبي عاصي فالغنامة فالمعامرة فبقارة طيئ (الحلاجمة) وإن كانوا قليلي العدد (نحو ٣٠ بيتا) لكنهم ممتازون بدرايتهم وفروسيتهم وظهور العوارف منهم، ويليهم (الراشد) وهذه فرقة كبيرة جليلة القدر في طيئ ٣٥٠ بيتا، ذات
стр. 5769
أربعة أفخاذ أشهرها البري والغثيث. ورئيس الراشد عبد الرزاق الحسو، والراشد يقطنون قرى الحصويات والعمري والدلاوية والصافية وتل سطيح، و (الجوالة) فرقة كبيرة مشهورة بسمنها الفاخر (نحو ٥٠٠ بيت)، ذات فخذين الأبي شريف والبسابسة، ورئيس الأول سلومي الحميد. ورئيس الثاني محمد الدندح، ويذكر عن الأول أنه كالملاك، وذو معشر لطيف، و (بني سبعة) فرقة كبيرة نحو ٣٠٠ بيت ذات خمسة فنود، رؤساؤها محمد سليمان الغنام، وعبد العزيز الأسعد الضاهر، و (الغنامة) ٢٥٠ بيتا، وهؤلاء منصرفون للزراعة والتجارة، ورؤساؤهم شيوخ دين ينتمون إلى الشيخ عبد القادر الكيلاني، أميرهم سليمان اليوسف وباهي الحسين، و (المعامرة) ١٠٠ بيت، رئيسهم أحمد العازل، و (زيد) ١٠٠ بيت، رئيسهم محمد الفارس، و (الأبو عاصي) ٨٠ بيت، رئيسهم عشير السمير، أما (حرب) فيأتي ذكرهم بعد، وكل هذه الفرق تشتي في قراها في بيوت الطين والحجر، فإذا جاء الربيع خرجت إلى البراري والأراضي التي لا تزال مواتا، الممتدة قرب الحدود العراقية جنوبي نهر الرد، وسكنت بيوت الشعر، وأربعت مواشيها الكثيرة حتى موسم الحصاد، ثم رجعت.
أما المشيخة الكبرى في طيئ فقد كانت حتى سنة (١٣٤٦ هـ) في يد الشيخ محمد العبد الرحمن آل عساف، إلى أن نقمت عليه القبيلة لتهاونه في إدارتها، فشيخت أخاه نايفا، فحقد عليه محمد وتآمر عليه مع الترك، واغتاله في سجن نصيبين، ثم نزح إلى الحدود التركية مع بعض الفرق، أما بقية القبيلة فقد ظلت داخل الحدود الشامية (السورية) ونادت بمشيخة إخوانه طلال ثم عبد الرزاق ثم مطلق. وقد بقي كل من هؤلاء مدة إلى أن توفي مطلق، فعادت القبيلة وشيخت محمد العبد الرحمن، فظل قائما بها إلى أن كبر ابن أخيه عبد الرزاق ابن نايف، فطلبت العشيرة إعادة المشيخة إليه، فصدر قرار وزارة الداخلية في تشرين الأول سنة ١٩٤٥ م بتنحية الشيخ محمد ونصب الشيخ عبد الرزاق، وهو الآن شاب في العقد الثالث، وذو ذكاء ونباهة، وصاحب أملاك واسعة وقرى عديدة في جنوبي القامشلي، ومسكنه في قريتي الشيخ عجيل، على بعد عشرة كيلو مترات عن
стр. 5770
القامشلي، وأملاكه في قرى الشيخ عجيل وجوخة وجرمز وعمركان وخرنوبية والقرى الأربعة الأولى على نهر الجغجغ، وعنده ساحب آلي وهو يعني بزراعته.
ويذكر عن الشيخ عبد الرزاق الحسو رئيس فرقة الراشد أنه في مقدمة الشيوخ مقدرة ونباهة وأناقة في المعيشة، وفي قرى الضيفان في مسكنه في القامشلية، التي يعد من وجهائها، (انتهى ما ذكره وصفي زكريا).
المغاليث من فروع شمَّر في الإحساء
المغاليث (١) في الإحساء (المملكة العربية السعودية) من عبدة من شمَّر القحطانية، وهم أصلا من حائل انتقل جدهم حمود المغلوث إلى هجر (الإحساء حاليا) واستقر فيها عام ١١٥٠ هـ، وهم الآن في السياسب المشهورة في ولائها لآل سعود ملوك وأمراء المملكة العربية السعودية.
وقال الأديب الدكتور عبد الله الأحمد المغلوث صاحب أحسائية المغلوث الثقافية وصاحب مجلس أسرة المغلوث في المبرز (الإحساء): المغاليث من عبدة من شمَّر، منهم: الشاعر حمد بن عبد اللطيف المغلوث، من مواليد المبرز بالأحساء، وهو من أسرة معروفة ومشهورة في المنطقة ولها مكانتها الاجتماعية والعلمية والأدبية، وإن أسرة المغاليث منتشرة بأعدادها الكثيرة في المنطقة الشرقية والأحساء ونجد وحائل والكويت، ومازال أبناء عمومتهم في حائل على اتصال معهم.
ويعتبر الشاعر حمد المغلوث من أشهر شعراء النبط في منطقة الخليج، عاش ﵀ متنقلا بين الإحساء والكويت ولكنه استقر في آخر حياته في الكويت، حيث إن بعض أفراد أسرته يقطنون بها ومنهم إخوته عبد العزيز وصالح وداود.
توفي الشاعر ﵀ في الكويت عام ١٣٣٧ هـ، وله من الذرية "فهد" ومن ذرية فهد: حمد، ومحمد ابنا فهد بن حمد بن عبد اللطيف المغلوث.
أما بالنسبة إلى أخيه عبد العزيز الملقب بالمرجف، فهو من الأصدقاء المقربين للشيخ مبارك الصباح ﵀ وأما داود بن عبد اللطيف المغلوث
стр. 5771
فقد استشهد في معركة الصريف، وكان مع الشيخ مبارك الصباح، وتربط الشاعر المغلوث علاقات صداقة مع الشيخ مبارك الكبير حاكم الكويت آنذاك، وكذلك مع الشيخ علي الخليفة وغيرهم، ومن قصائده: مرثيته في الشيخ مبارك الصباح، وكذلك قصيدته في الملك عبد العزيز آل سعود، وتهنئته له في فتح الرياض، وكذلك قصيدته المشهورة (باح العزا) والتي يسند فيها على الشيخ علي الخليفة الصباح.
كان شعر الشاعر حمد بن عبد اللطيف المغلوث صادقا ومعبرا للحياة الاجتماعية السائدة آنذاك في المنطقة، حيث تطرق لأغراض الشعر جميعها من المديح والوصف والرثاء والحكمة، وله مساجلات شعرية مع شعراء بارزين في زمنه أمثال الشاعر حمود الناصر البدر، والشاعر والأديب والمؤرخ خالد الفرج الدوسري، ومحمد بن مسلم، وسليم العبد الحي، والسيد هاشم الرفاعي.
ومن وجهاء المغاليث: أحمد بن داود الأحمد المغلوث، عميد أسرة المغاليث والمتوفى سنة ١٤٠٠ هـ، وكان ﵀ من التجار البارزين ومن أعيان المنطقة الشرقية في المملكة العربية السعودية.
٢ - وفي مجلة الواحة (١) ذكر الأستاذ الباحث السعودي سعود الزيتون الخالدي نبذة عن المغاليث تحت عنوان (المغاليث أسرة الشعراء في الإحساء) حيث قال: المغاليث من عبدة من شمَّر تلك الأسرة العريقة التي أنجبت شعراء عرفوا بمنطقة هجر ونسبوا إليها، وقد كانت بداية وجودهم في المنطقة في زمن جدهم (حمد المغلوث) الذي أول من عرف بهجر من المغاليث واستقر فيها، وقد أنجب وكثرت ذريته ومنه تكونت بيوتات المغاليث المعروفة ضمن سكان هجر وأهاليها اليوم، والمؤكد عن أفراد الأسرة أن حمد المغلوث جد أسرة المغاليث الكريمة انخزل من عشيرته المعروفة باسم المغاليث والمعدودة ضمن فروع قبيلة شمَّر الكبرى بسبب ظروف تعرض لها حمد المذكور دفعت به وانفصل عن عشيرته وجاء إلى هجر (الإحساء) وأقام بها.
وعن هذه الأسرة الكريمة (المغاليث) فقد تميزت بشعرائها البارزين.
وعن نسب المغاليث، فقد عرفنا أنهم منتشرون في مختلف بلدان هجر وبعض بلاد الخليج وهم يعودون بجذورهم إلى قبيلة شمَّر، وقد تطرق لذكرها
стр. 5772
العزاوي العراقي حيث قال: المغاليث من عبدة من شمَّر القحطانية وتعد منها، وكذلك ذكرهم الشيخ حمد الجاسر في بعض مؤلفاته، وصاحب التحفة الذهبية، ومؤلف معجم قبائل العرب رضا كحالة وعبد الكريم الحقيل ذكرهم من مشاهير الجزيرة العربية (١)، وإبراهيم الخالد ذكرهم في كتابه العزاوي والألقاب في الجزيرة العربية (٢)، وذكرهم أيضًا الشيخ محمد العثمان القاضي (٣)، وأيضا صاحب كتاب مطلع البدر ابن جواد الرمضان، وصاحب كتاب أروع الأخبار في قبائل شمَّر الأخيار للمؤلف الوليد صالح الشمَّري، وصاحب كتاب الملحق المفيد في تراجم أعلام الخليج أبو بكر الشمري، وصاحب كتاب أركان الخليج، وكذلك كتاب أمجاد وتاريخ.
وقد تأكد مما كتب أن المغاليث الموجودين في هجر اليوم يمثلون جزءا من فرع المغاليث الذين ذكرهم العزاوي وغيره في قبيلة شمَّر.
كما يدعم القول عن نسب المغاليث أيضًا ما جاء به راشد بن جعيثن في أحد مقالاته وذكر فيها نسب أحد شعرائهم وعدهم من شمَّر كما ورد في كتاب الشاعرية والعذوبة (٤) وما جاء به عبد الرحمن بن زيد السويداء في كتابه درر الشعر الشعبي، وما جاء به صاحب كتاب حديث الصحراء ناصر السبيعي، لإبراهيم الخالدي.
وعن بداية استقرار المغاليث في هجر (الإحساء) قال سعود الزيتون:
مع بداية النصف الثاني من القرن الثاني عشر بدأ نجم ابن سعود بالبزوغ وتغيرت الموازين السياسية في منطقة نجد، عندما أعلن أمير الدرعية محمد بن سعود مؤازرته للشيخ محمد بن عبد الوهاب التميمي في نشر جهوده السلفية التي عارضها في بدايتها الكثير من أمراء بلدان نجد، مع أنها لم تأت بجديد في الدين الإسلامي ولم تكن خارجة عن مبادئه، واشتدت الصراعات وقامت الحروب في نجد وغير نجد بين مؤيد ومعارض عندما تحالف عريعر بن دجين وعشائر بني خالد مع عدد كبير من مناطق نجد ومكن بحلفه هذا هروب بعض القبائل النجدية إلى هجر، وكذلك بعض الأسر المقيمة في بلدان نجد التي تحالف
стр. 5773
أمراؤها مع شيوخ بني خالد ضد الدولة السعودية الناشئة أيضًا إلى الهجرة عن مواطنها الأصلية في نجد والخروج باتجاه هجر؛ ومن ثم الاستقرار فيها وذلك بسبب ما يتوافر بها من أسباب العيش التي طالما جذبت أنظار عدد كبير من أسر نجد وقبائلها وليس من الغريب أن يقال أن جد المغاليث (حمد الأول) وصل إلى المنطقة (هجر) في هذه الفترة ويرجح أنه وصل ضمن جموع عشيرة الفدعان التي يقال أنها تحولت وانضمت إلى جموع بني خالد، وأعتقد أن جد المغاليث المذكور استقر في هجر في العقد الثاني عشر من القرن الثاني عشر الهجري إذا كانت سلسلة النسب التي ذكرها صاحب كتاب الشاعرية والعذوبة للشاعر حمد بن عبد اللطيف المغلوث صحيحة لم يسقط فيها أي اسم من السلسلة.
وما أن وصل حمد حمود المغلوث الجد الأول لمغاليث هجر المنطقة حتى استقر في المحلة المعروفة باسم (السياسب) والتي ذكرها صاحب تاريخ هجر وقال عنها: تقع في الجهة الغربية من مدينة المبرّز.
وكانت السياسب كما تؤكد الروايات مأهولة بالسكان من فرع بني خالد ومن يضاف إليهم عندما استقر فيها حمد بن حمود المغلوث الأول والذي أعقب في المنطقة بعدما استوطن فيها وكثرت ذريته وانتشرت في ربوع هجر، ومع مرور الزمن تكونت عنها فصائل المغاليث التالية وهي: المرجف، والأحمد، والعبد الله، والعلي، واليوسف، ومن فصائل المغاليث الهجرية برز رجال عرفوا بهجر مع من فيها من أهل هجر الآخرين ومن لهم مكانتهم الاجتماعية التي تميزهم عن غيرهم من سواد الناس من أهلها، فقد عرف منهم الوجهاء، والأدباء وكذلك الشعراء، وكان من رجال هذه الأسرة العريقة: حمد بن حمود المغلوث وهو الجد الأول للأسرة الذي قطن الأحساء قبل نهاية القرن الثاني عشر للهجرة وسكن السياسب، وكان يقرض الشعر وقد حفظ له الرواة بعضا منها وتنسب إليه قصيدة مطلعها:
جابتني الأقدار لبلاد عليها الدهر مال … تميت فيها مجهول القدر والقبيله
أبوي من شمَّر أهل المراجل والأفعال … اللي حريبهم ما يهتني بزاده ونومه وليله
стр. 5774
والقصيدة أبياتها تصل إلى عشرة إلا أن بعضها مختل الوزن، ولعل هذا حدث بسبب تناقل الرواة.
- حمد بن عبد اللطيف بن علي بن حمد بن ناصر بن حمد بن حمود المغلوث: ذكر، الحاتم في كتابه (خير ما يلتقط من الشعر النبطي) وعده من شعراء هجر البارزين وقال: امتاز شعره بخفة الوزن ومتانة المعنى وحلاوة القافية وهو في الغزل أقوى منه في غيره بل لا تخلو قصيدة من قصائده الكثيرة من المغازلة والتشبب لأنه لا يقول إلا بما يجيش به خاطره وما يلتهب به فؤاده، وتوفي عام ١٣٢٧ هـ، بينما يقول أحد أحفاده من يقول أن وفاته حدثت في سنة ١٣٣٧ هـ.
كما أن للشاعر كثيرا من القصائد المتناثرة بين دواوين الشعر النبطي، وقد اجتهد فهد بن حمد بن أحمد المغلوث وجمع قصائده في كتاب أسماه "الشاعرية والعذوبة" وأضاف بعض الشيء عن هذا الشاعر مع ما قام به سابقا مؤلف ديوانه الشاعر الأديب عبد الله بن عبد العزيز الدويش وأخرجا مجموعة من قصائد الشاعر حمد المغلوث والتي يرجح أن بعضا منها لا يزال مفقودا رغم كل ما بذله مؤلف ديوانه وصاحب كتاب (الشاعرية والعذوبة) من جهده، بالإضافة إلى الدراسة التي خصصها المهندس خالد بن أحمد المغلوث لحياة الشاعر وجمع في أحد فصولها كل ما حصل عليه الشاعر من قصائد وخرجت للنور مؤخرا لتضاف لمكتبة المهتمين بمثل هذا التراث بعدما جمعها المؤلف بكتاب أسماه حمد المغلوث شاعر الخليج النبطي.
وأعتقد أن قصائد حمد المغلوث التي قالها في حياته أكثر مما أن يحصل عليها كل مؤلف كتب فيه، فقد جاء لبعض من قصائده ذكر في مخطوطة البحث عن أعراب نجد وما يتعلق بهم المنسوبة لسليمان صالح الدخيل والموجودة في مكتبة المتحف العراقي تحت رقم ١٩٢٦ نقلا عما ذكرته إحدى المجلات الشهرية، ولعل الموجود فيها من قصائد شاعرنا هذا من نوادره التي لم يدرجها من كتبوا فيها وتطرقنا لذكرهم سابقا ضمن ما نسبوه إليه من قصائد جاءت ضمن صفحات مؤلفاتهم التي خصصوها إليه.
- عبد العزيز بن عبد اللطيف المغلوث: من أفراد أسرة المغاليث ووجهائها وتربطه صداقة قوية مع الشيخ مبارك الصباح وهو أخ الشاعر حمد المغلوث، وقد
стр. 5775
انتقل إلى جوار ربه حسب ما ينقل عن أسرته سنة ١٣٣٨ هـ، وله من الأولاد سعود وعبد اللطيف.
- عبد اللطيف بن عبد العزيز بن عبد اللطيف المغلوث: واحد من أسرة المغاليث، له قصائد شعرية في العرضة والحماس، توفي سنة ١٤٠٥ هـ، ويقال أنه في حياته ﵀ كان وجها اجتماعيا بارزا، وله من الأولاد عبد العزيز وعبد الرحمن ومحمد وحمد.
- أحمد بن صالح المغلوث: من رجال المغاليث المعروفين في عصره، توفي سنة ١٣٣٧ هـ تقريبا، وقد اشترك مع رجال الملك عبد العزيز طيب الله ثراه في معركة "كنزان" وله من الأولاد داود، وعبد اللطيف، ومحمد، وعبد الله، وينسب لهم بيت الأحمد.
- داود بن صالح المغلوث: يقال عما ينقل عن ذويه أنه من الرجال المقربين للشيخ مبارك آل صباح وممن شاركوا معه في معركة "الصريف" واستشهد المترجم له ﵀ فيها سنة ١٣١٨ هـ.
- عبد اللطيف بن أحمد بن صالح المغلوث: ينقل عن المغاليث القول أن للمترجم له اهتمامات أدبية وتراثية وأنه شاعر نبطي، ومن قصائده المشهورة القصيدة التي قالها عندما حل وباء الكوليرا في الإحساء والتي جاء منها ما يلي:
البارحة عيوني من الدمع ما وقفت … وأنا اتقلب بين هم ووقادى
بكيت لين عيوني من الدمع انشفت … وقلت آه وويلاه ووجعت فوادي
أبكي على هجر بلادي (بالكليرا) ابتلت … وعزلت من البلدان عزاه لبلادي
والقصيدة أطول مما ذكرنا، وقد قالها الشاعر سنة ١٣٩١ هـ، وقد انتقل إلى جوار ربه سنة ١٤٠٨ هـ، وله مجموعة من الأبناء منهم سعد وأحمد وعادل وبدر وخالد، وقد جاء لبعضهم ذرية.
- العميد عبد الله بن حمد بن عبد الله المغلوث: يعتبر اليوم وجها اجتماعيا بارزا، وقد تقلد في السابق عدة مناصب عسكرية منها مديرا لشرطة
стр. 5776
الإحساء ثم لشرطة القطيف والقصيم وكذلك لشرطة حائل، واليوم متقاعد ويقيم في مدينة الدمام.
- صالح بن عبد اللطيف المغلوث: ولد وعاش جل حياته في الكويت وكان تاجرا مشهورا هناك، ويعتبر من النواخذة في زمن الغوص وانتقل إلى جوار ربه ﵀ سنة ١٣٤٢ هـ تقريبا.
- أحمد بن عبد الله بن أحمد المغلوث: من مواليد مدينة المبرز سنة ١٣٧٠ هـ، فنان تشكيلي وكاتب صحفي، حاصل على بكالوريوس تاريخ، شارك في عدة معارض محلية ووطنية ودولية، ولا يزال يرفل بالعطاء ونشاطاته مستمرة.
- أحمد بن داود بن أحمد بن صالح بن عبد اللطيف المغلوث: من الرعيل الأول الذين ساهموا في الحياة الاقتصادية والعمرانية في هجر، وقد انتقل إلى جوار ربه ﵀ سنة ١٤٠٠ هـ، فقد كان له في حياته مشاركات في الحياة الاجتماعية، واشتهر بشخصية عرف عنها الجود والكرم وفعل الخير والمشاركة في الأعمال التطوعية لخدمة بلاده، كما كان عضوا في أول مجلس بلدي في منطقة هجر ومحبا لولاة الأمر من آل سعود، وكان يسارع دائما بدعواه لتكريم من يزور المنطقة منهم، كما أنه على علاقة طيبة مع آل جلوي في المنطقة؛ إذ يعتبر أحمد بن داود ﵀ من وجهاء هجر، وكان المؤسس لنادي الفتح السعودي وأول رئيس له.
- خالد بن أحمد بن داود المغلوث: من رجال الأعمال في منطقة هجر وحاصل على بكالوريوس هندسة مدنية وماجستير في التخطيط الحضري والإقليمي، وعضو مجلس إدارة الغرفة التجارية في الإحساء، وله اهتمامات أدبية وهو مؤلف كتاب "حمد المغلوث" شاعر الخليج النبطي. وديوان مهنا أبوعنقا الخالدي، وكذلك كتاب عين نجم بالأحساء، وكتاب دور الملك عبد العزيز، وكتاب التنمية العمرانية، وخالد المغلوث هو عضو اتحاد المؤرخين العرب كما أن للمذكور اهتمامات خاصة في إحياء التراث المعماري والتخطيط الإسلامي. والمهندس خالد له من الأولاد أحمد.
- الدكتور عبد الله بن أحمد بن داود المغلوث: من مواليد المبرَّز عام ١٣٨٠ هـ وحاصل على الماجستير في العلوم الأمنية، وحصل على شهادة الدكتوراه في الآونة الأخيرة، وهو من رجال الإحساء البارزين في الحياة الاجتماعية والأدبية
стр. 5777
والاقتصادية من خلال المشاركة الملموسة؛ إذ هو صاحب أحسائية المغلوث الثقافية التي تعني بالثقافة وتكريم العلماء والأدباء والتي نشرت عنها صحف محلية، بأنها عملت على تكريم بعض علماء وأدباء هجر وذكرت منهم الشيخ يوسف المبارك والشيخ عبد الرحمن الملا، وبمناسبة تكريم أحسائية المغلوث للشيخ المبارك، وتم تكريم نادي الفتح الرياضي كذلك لكونه أحد المؤسسات الاجتماعية عام ١٤١٧ هـ.
كذلك تم تكريم الشيخ أبي عبد الرحمن بن عقيل الظاهري المؤرخ السعودي المعروف وذلك عام ١٤٢٠ هـ، وقد جادت قريحة أحد شعراء هجر فقال:
يا آل مغلوث هجر زانها قمر … لنا أضاءت لياليه ليالينا
يا آل مغلوث نال السبق فتيتكم … بمنبر العلم قد طابت أمانينا
فإن تكريمكم للعلم يسعدنا … وبداكم بعميد القوم يرضينا
شيخ وقور بعلم الشرع مطلع … هو الأديب بنهر العلم يسقينا
هو المؤرخ فالسؤال تسأله … عن المعالم من آثار ماضينا
بحر من العلم لا تنضب موارده … للقاصدين إذا جفت سواقينا
بيض أياديه في الخيرات سابقة … إن ناب خطب وحل الكرب يؤوينا
شهم كريم له باب مشرعة … للجود كف له تعطى فتغنينا
فللحساء وأهل العلم مفخرة … تعانق السحق إجلالا ينادينا
أعني بذا سيدي شيخ الجميع له … صوت من الحق للأخلاق يهدينا
يا يوسف الخير إن قصرت معذرة … ما قلت إلا لبعض الأمر تبيينا
يا رب تبقيه نبراسا يضيء لنا … مسائلا غمضت عنا فيفتينا
ثم الصلاة على الهادي معلمنا … خير اليرية بالتشريع ينجينا
وله من الأولاد أحمد ومقرن.
- عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله المغلوث: أحد أفراد أسرة المغاليث ومدير الأحوال المدنية بمنطفة الإحساء من مواليد عام ١٣٥٨ هـ، ويعتبر من الوجوه الاجتماعية وله نشاطات في منطقة الإحساء.
- الدكتور فهد بن حمد بن أحمد المغلوث: من مواليد الإحساء سنة ١٣٧٨ هـ، أستاذ في جامعة الملك سعود - قسم الدراسات الاجتماعية، له
стр. 5778
اهتمامات ومشاركات أدبية وثقافية، قام بتأليف كتاب "الشاعرية والعذوبة" الذي يعتبر ديوانا للشاعر حمد المغلوث، كما ألف كتابا آخر عن الأمثال الشعبية في منطقة الإحساء، واهتماماته الأدبية لا تزال مستمرة من خلال ما يطرحه في صحفنا المحلية بين الحين والآخر.
كما وأن في أسرة المغاليث أعلاما آخرين لهم دورهم في الحياة الاجتماعية والثقافية ولهم مكانتهم في مجتمع هجر وغيره حسب إقامتهم.
٢ - وفي كتاب (رجال في الذاكرة) (١) ذكر الأستاذ عبد الله زايد الطويان عن المغاليث التالي قائلا:
المغاليث أسرة عربية عريقة في الإحساء وقاعدتهم "المبرز" يعودون في نسبهم إلى قبيلة شمَّر من عبدة.
هاجر جدهم حمد بن حمود المغلوث من حائل إلى بلاد هجر "الإحساء" واستقر بالسياسب في منتصف القرن الثاني عشر الهجري، وكانت هذه المحلة في ذلك الوقت من أهم مناطق الأحساء، سميت السياسب على أحد فروع بني خالد الذين أسسوها.
واستقر المغلوث بالسياسب وتزوج وأنجب إلا أنه كثيرا ما يتوجد على دياره القديمة ومراتع صباه، وقد بين في قصيدة له طويلة، يوضح فيها أيضًا أسباب مجيئه إلى الأحساء وبعض ظروفه ومع أن بعضها مختل الوزن من تناقل الرواة لها، إلا أنها تعبر عما جاش بخاطره يقول:
جابتني الأقدار في بلاد عليّ فيها الدهر مال … وتميت في مجهول القدر والقبيله
لالي بالحسا عم ولا لي بها خال … واللي يفارق عزوته عزتي له
стр. 5779
أبوي من شمَّر أهل المراجل والأفعال … اللي حريبهم ما يهتني بزاده ونومه وليله
أبوي ارتحل منهم فوق ما تطرب البال … عمليه ما فوقها كود مزهبه مع صميله
اجنب عليها يقطع البيداء والأرمال … ونوخ على السياسب أهل الكرم والأفعال الجميله
وتنامت أسرته وكثرت ذريته حتى انتشرت في معظم بلاد هجر وهم عدة فصائل مثل آل مرجف، وآل أحمد، وآل عبد الله، وآل علي، وآل يوسف.
برز منهم العديد من رجال الوطن الذي أثروا في الحياة الاجتماعية، وصارت لهم بصمات خير على منطقتهم، ومن المعاصرين من المغاليث صاحب هذه السيرة: أحمد بن داود بن أحمد المغلوث ﵀ من رجالات الأحساء ونبلائها، وممن عمل جادا لتعميرها وازدهارها بماله وجهده وجاهه فقد كان شعلة مضيئة لبلده، شارك مع الرعيل الأول في الحياة الاقتصادية والعمرانية بالمنطقة الشرقية عامة، والأحساء خاصة.
والمغلوث من الوجوه الاجتماعية النشطة التي ساهمت في العمل الاجتماعي والأعمال الخيرية الأخرى، وكان عضوا في المجلس البلدى المنتخب بالأحساء، وهو أحد مؤسسي الغرفة التجارية بالمنطقة الشرقية مع حمد القصيبي ﵀ وكذلك مع العطاس والمعجل، وشارك في تأسيس عدة شركات هامة مثل شركة مياه الأحساء، وله يد طولى في إنشاء مساكن لموظفي أرامكو في الأحساء، وكان ﵀ من المهتمين المحبين للعلم والتعليم وسعى لافتتاح مدرسة بالمبرز وقدم قصره الخاص كمدرسة بإيجار رمزي، وبحكم وضعه الاجتماعي طالب شركة أرامكو بفتح معهد للتدريب المهني بالأحساء لأبناء المنطقة وكذلك فتح مستشفى لخدمة أبناء الأحساء وموظفي الشركة منهم، وقدم لأرامكو تلك المقار بأجور رمزية جدا لتشجيعها على العمل، وقام بتشييد جامع بالمبرز وسماه جامع داود المغلوث، إضافة إلى مساجد أخرى بمسميات مختلفة لأفراد عائلته، سواء كانوا إخوانه أو إخوته.
стр. 5780
والمغلوث شهم كريم كان مجلسه عامرا سائر الأيام والأعياد والمناسبات يضم الأدباء والوجهاء، ولا يخلو من الفقراء والمساكين وأصحاب الحاجات ولا تمر مناسبة وطنية إلا وهو متواجد فيها، وله صداقات مع ولاة الأمر في الأحساء والمنطقة الشرقية، أمثال الأمير سعود بن عبد الله بن جلوي، وعبد المحسن بن جلوي، ومحمد الفهد الجلوي ﵏ جميعا- وكانوا يجلونه ويقبلون جاهه بما هو خير للبلد وأهله.
وفي يوم ٢٧ من محرم ١٤٠٠ هـ انتقل هذا العلم عميد أسرة المغاليث وشيخهم أحمد بن داود إلى رحمة ربه، وقد نعته ديار هجر بأكملها ولا زال الناس يلهجون له بالدعاء، فقد خدم كبيرهم وعطف على فقيرهم وشاركهم كافة أمورهم.
ونختم السرد عن أسرة المغلوث الشمَّرية بهذه القصيدة الخالدة المسماة "عسالي يا هل العوص النجاب" (١) للشاعر حمد المغلوث ﵀.
فالشاعر حمد العبد اللطيف المغلوث الشمَّري وهو بالكويت يهنئ الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود -غفر الله له - لفتحه الرياض في صبيحة اليوم الخامس من شهر شوال لعام ١٣١٩ هـ.
ويمدحه على انتصاره ويشيد بشجاعته واسترجاعه لملك آبائه وأجداده ويبارك له هذا العمل البطولي والانتصار الخالد هذا، وقد رحبت به الرياض ترحيبا هائلا -بل تنفست الصعداء وزال الكبت عنها - حقا، إن هذا العمل المظفر لهو حدث عظيم وثورة عارمة موفقة قادها ونفذها الملك عبد العزيز آل سعود ﵀ الذي استقر بعد تلك الملحمة الخالدة الأمن والأمان في البلاد وعاش الناس في حياة مستقرة وإشراقة فجر الحضارة.