شره بنو شيبان وبنو ضبيعة في ديار ربيعَةَ، كما عانت من شره مراد وخَثْعم في أرض اليمن، وقد شهد له الأبطال والفرسان (١).
وقال أبو عبيدة: "خرج سليك في الشهر الحرام حتى أتي سوق عكاظ، فلما اجمتع النّاس ألقى ثيابه ثم خرج متفضلا مترجلا، فجعل يطوف النّاس ويقول: من يصف لي منازل قومه وأصف له منازل قومي فلقيه قيس بن مكشوح المرادي فقال: أنا أصف لك منازل قومي، وصف لي منازل قومك، فتوافقا وتعاهدا ألا يتكاذبا، فقال قيس بن مكشوح: خذ بين مهب الجنوب والصبا ثم سر حتى لا تدري أين ظل الشجر فإذا انقطعت المياه فسر أربعًا حتى تبدو لك رملة وقف بينها الطريق فإنك ترد على قومي مراد وخَثْعم، فقال السليك: خذ بين مطلع سهيل ويد الجوزاء اليسراء العاقد لها أفق السماء، فثم منازل قومي بني سعد ابن زيد مناة، ثم خرج السليك ببعض قومه يريد جهة اليمن ومعه رجل يقال له صرد فلما دنوا من بلاد خَثْعم ضلت ناقة صرد في جوف الليل، فخرج في طلبها فأصابه أناس حين أصبح فإذا هم مراد وخَثْعم فأسروه ولحقه السليك فاقتتلوا قتالا شديدًا، وكان أول من لقيه قيس بن مكشوح المرادي فأسره السليك بعد أن ضربه ضربة أشرفت على نفسه وأصاب من نعمهم هو وأصحابه" (٢)، وقد كانت نهاية هذا الصعلوك الشجاع على يد خَثْعم، فقد قتله سيدها وفارسها أنس بن مدرك الأكلبي وفي سبب قتله روايتان الأولى عن السكري والثانية عن أبي عبيدة. قال السكري في خبر مقتله: "إنه لقي رجلًا من خَثْعم في أرض يقال لها: فخة بين أرض عثيل وسعد تميم، وكان يقال للرجل مالك بن عمير بن ذراع فأخذه ومعه امرأة من خفاجة يقال لها النوار فقال له الخثعمي: أنا أفدي نفسي منك فقال له السليك: ذلك لك على ألا تخيس بي، ولا تطلع على أحدًا من خَثْعم، فحالفه على ذلك ورجع إلى قومه وخلفه امرأته رهينة معه وبلغ ذلك شبل بن قلادة بن عمرو بن سعد وأنس بن مدرك الخثعميين فخالفا إلى السليك فلم يشعر إلَّا وقد طرقاه في الخيل فأنشأ يقول:
стр. 6127
من مبلغ جذمي بأني مقتول … يا رب نهب قد حويت عثكول
ورب قرن قد تركت مجدول
قال أنس للشبل: إن شئت كفيتك القوم واكفني الرجل وإن شئت اكفني القوم وأكفك الرجل. قال: بل أكفيك القوم فشد أنس على السليك فقتله، وقتل شبل أصحابه (١).
وقال أبو عبيدة: "حدثني المنتجع بن نبهان قال: كان السليك يعطي عبد الملك بن مويلك الخثعمي إتاوة من غنائمه على أنَّ يجيره فيتجاوز بلاد خَثْعم إلى من وراءهم من أهل اليمن فيغير عليهم، فمر قافلا من غزوة فإذا بيت من خَثْعم أهله خلوف وفيه امرأة شابة فسألها عن الحي فأخبرته فتسنمها؛ أي علاها ثم جلس حجرة، ثم التقم الحجة فبادرت إلى الماء فأخبرت القوم فركب أنس بن مدرك الخثعمي في طلبه ولحقه وقتله فقال عبد الملك: والله لأقتلن قاتله أو ليدينه فقال أنس: والله لا أديه ولا كرامة ولو طلب في ديته عقالا لما أعطيته وقال في ذلك:
إني وقتلي سليكا ثم أعقله … كالثور يُضرب لما عاقت البقر
غضبت للمرء إذ غُشَيتْ حليلته … وإذ يشد على وجعائها الثفر
إني لتارك هامات بمجزرة … لا يزدهيني سواد الليل والقمر
أغشي الحروب وسربالي مضاعفة … تغشى البنان وسيفي صارم ذكر (٢)
وهذه الرواية أقرب إلى الحقيقة من الأولى.
أخبارهم مع صعاليك فهم
ومن أخبار خَثْعم مع صعاليك فهم الشيء الكثير، قال صاحب الأغاني (٣): فلما انقضت الأشهر الحرم خرج تأبط والمسيب بن كلاب في ستة نفر يريدون الغارة على بجيلة، والأخذ بثأر صاحبيهم عمرو بن كلاب وسعد بن الأشرس،
стр. 6128
فخرج تأبط شرا والمسيب بن كلاب وعامر بن الأخنس وعمرو بن براق ومرة بن خليف والشنفري بن مالك، والسمع وكعب حدار ابنا جابر أخو تأبط، فساروا حتى غاروا على العوص، فقتلوا منهم ثلاثة نفر: فارسين وراجلا، واطردوا لهم إيلا وأخذوا منهم امرأتين فمضوا بما غنموا، حتى إذا كانوا على يوم وليلة من قومهم عرضت لهم خَثْعم في نحو من أربعين، فيهم أبي بن جابر الخثعمي، وهو رئيس القوم فقال تأبط: يا قوم لا تسلموا لهم ما في أيديكم حتى تبلوا عذرا، وقال لعامر بن الأخنس: عليكم بصدق الضراب وقد أدركتم بثأركم، وقال المسيب: "اصدقوا القوم الحملة، وإياكم والفشل، وقال عمرو بن براق: ابذلوا مهجكم ساعة، فإن النصر عند الصبر، وقال الشنفري:
نحن الصعاليك الحماة البزل … إذا لقينا لا نرى نهلل
وقال مُرّة بن خليف:
يا ثابت الخير ويابن الأخنس … ويابن براق الكريم الأشوس
والشنفرى عند حدود الأنفس … أنا ابن حامي السرب في المغمس
نحن مساعير الحروب الضرس
وقال كعب حذار أخو تأبط:
يا قوم أما إذا لقيتم فاصبروا … ولا تخيموا جزعا فتدبروا
وقال السمع أخو تأبط:
يا قوم كونوا عندها أحرارا … ولا تسلموا العون والبكارا
والقناعيس ولا العشار … الخثعم وفد دعوا غرارا
ساقوهم الموت معا أحرارا … وافتخروا الدهر بها افتخارا
فلما سمع تأبط مقالتهم، قال: بأبي أنتم وأمي، نعم الحماة إذا جد الجد، أما إذا أجمع رأيكم على قتال القوم فاحملوا ولا تتفرقوا، فإن القوم أكثر منكم، فحملوا فقتلوا منهم، ثم كروا الثانية فقتلوا، ثم كروا الثالثة فقتلوا فانهزمت خَثْعم
стр. 6129
وتفرقت في رؤوس الجبال، ومضي تأبط وأصحابه بما غنموا وأسلاب من قتلوا، فقال تأبط في ذلك:
جزى الله فتيانا على العوص أشرقت … سيوفهم تحت العجاجة بالدم
وقد لاح ضوء الفجر عرضا كأنه … بلمحته إقراب أبلق أدهم
فإن شفاء الداء إدراك ذحلة … صباحًا على اثار حوم عرمرم
وضأربتم بالسفح إذ عارضتهم … قبائل من أبناء قسر وخَثْعم
ضرابا عدا منه ابن حاجز هاربا … ذُرا الصخر في جوف الوجين المديم (١)
ولم يكتف تأبط شرا وأصحابه الصعاليك بهذه الغارة بل عاودوها مُرّة أخرى. قال صاحب الأغاني: "وذكروا أن تأبط شرا أغار على خَثْعم فقال كاهن لهم أروني أثره حتى آخذه لكم فلا يبرح حتى تأخذوه، فكفئوا على أثره جفنة، ثم أرسلوا إلى الكاهن فلما رأى أثره قال: هذا ما لا يجوز في حاحبه الأخذ" (٢) فقال تأبط شرا:
ألا أبلغ بني فهم بن عمرو … على طول التنائي والمقالة
مقال الكاهن الجاميّ لما … رأى أثري وقد أنهبت ماله
رأي قدَميّ وقعهما حثيث … كتحليل الظليم دعا رئالة
أرى بهما عذابًا كل عام … الخثعم أو بجيلة أو ثمالة
وشر كان صب على هُذيل … إذا علقت حبالهم حباله
ويم الأزد منهم شر يوم … إذا بعدوا فقد صدقت قاله (٣)
وأغار تأبط شرا وحده على خَثْعم، فبينما هو يطوف إذا مر بغلام يتصيد الأرانب، معه قوسه ونبله، فلما رآه تأبط شرا أهوى ليأخذه، فرماه الغلام فأصاب يده اليسري، وضربه تأبط شرا فقتله، فقال أحد قوم المقتول:
стр. 6130
وكادت وبيت الله أطناب ثابت … تقوض عن ليلى وتبكي النوائح
تمني فتي مِنَّا يلاقي ولم يكد … غلام نمته المحصنات الصرائح
غلام نمي فوق الخماسي قدره … ودون الذي قد ترتجيه النواكح
فإن تك نالته خطاطيف كفه … بأبيض قصال نمي وهو فادح
فقد شد في إحدى يديه كنانه … يداوي لها في أسود القلب قادح (١)
أخبارهم مع حاجز بن عوف الأزدي
هو حاجز بن عوف بن الحارث بن الأختم شاعر جاهلي، ليس من مشهوري الشعراء، وهوأحد الصعاليك المغيرين على قبائل العرب وممن يعدو على رجليه عدوا يسبق به الخيل، سأله والده أن يخبره باشد عدوه فقال: "أفزعني خَثْعم فنزوت نزوات" ثم استفزتني الخيل واصطف لي ظبيان فجعلت أنهنههما بيدي عن الطريق لضيقه ومنعاني أن أتجاوزهما في العدو لضيق الطريق حتى اتسع واتسعت بنا فسبقتهما فقال له: فهل جارك أحد في العدو قال: ما رأيت أحدًا جاراني إلَّا أطيلس أغيبر من البقوم فإنا عدونا معا فلم أقدر على سبقه (٢).
وكان هذا الرجل كثير الغارات على خَثْعم، وله معهم أخبار كثيرة فقد كان يجمع عليهم القبائل فيغزوهم. قال أبو عمرو (٣): جمع حاجز ناسًا من فهم وعدوان فدلهم على خَثْعم فأصابوا منهم غرة وغنموا ما شاءوا فبلغ حاجزا أنهم يتوعدونه ويرصدونه فقال:
إني من أرعاكم وبروقكم … وإيعادكم بالقتل صم مسامعي
وإني دليل غير مخف دلالتي … على ألف بيت جدهم غير خاشع
ترى البيض يركضن المجاسد بالضحى … كذا كل مشبوح الذراعين نازع
على أي شيء لا أبا لأبيكم … تشيرون نحوي نحوكم بالأصابع
стр. 6131
أورد صاحب الأغاني قال أبو عمرو: أغارت خَثْعم علي بني سلامان وفيهم عمرو بن مَعْد يكرب وقد استنجدت به خَثْعم علي بني سلامان فالتقوا فطعن عمرو بن مَعْد يكرب حاجزا فأنفذ فخذه فصاح حاجز يا آل الأزد فندم عمرو وقال: خرجت غازيا ففجعت اهلي وانصرف فقال غزيل الخثعمي يذكر طعنة عمرو حاجزا فقال:
أعجز حاجز منا وفيه … مشلشلة كحاشية الإِزار
فعز علي ما أعجزت مني … وقد أقسمت لا يضر بك ضار
فأجابه حاجز فقال:
إن تذكروا يوم القري فإنه … بواءُ بأيام كثير عديدها
فنحن أبحنا بالشخيصة واهنا … جهارا فجئنا بالنساء نقودها (١)
قال أبو عمرو: "بينما حاجز في بعض غزواته إذ أحاطت به خَثْعم وكان معه بشير ابن أخيه فقال له يا بشير ما تشير، قال دعهم حتى يشربوا ويقفلوا ويمضوا ونمضي معهم فيظنونا بعضهم ففعلا، وكانت في ساق حاجز شامة فنظرت إليها امرأة من خَثْعم فصاحت يا آل خَثْعم هذا حاجز فطاروا يتبعونه فقالت لهم عجوز منهم كانت ساحرَّة أكفيكم سلاحه أو عدوه فقالوا: لا نريد أن تكفينا عدوه فإن معنا عوفا وهو بعدو مثله ولكن اكفينا سلاحه فسحرت لهم سلاحه وتبعه عوف بن الأغر بن همام بن الأسر بن عبد الحارث بن واهب بن مالك بن صعب ابن الفزع الخثعمي حتى قاربه فصاحت به خَثْعم يا عوف أرم حاجزا فلم يقدر عليه، وجبن فغضبوا وصاحوا يا حاجز لك الذمام فاقتل عوفا فإنه قد فضحنا فنزع في قوسه ليرميه فانقطع وتره؛ لأنَّ المرأة كانت قد سحرت سلاحه فأخذ قوس بشير ابن أخيه فنزع فيها فانكسرت وهربا من القوم ففاتاهم ووجد حاجز بعيرًا في طريقه فركبه فلم يسر في الطريق الذي يريده ونحا به نحو خَثْعم فنزل حاجز عنه وقال في ذلك شعرًا" (٢). وقد كان هذا الصعلوك مع غاراته وشجاعته كثير الفرار
стр. 6132
عندما يحس بخطورة الموقف، فقد لقي عامرا فهرب منهم، وفر من خَثْعم وتبعه الموقع الخثعمي الأكلبي ففاته حاجز وقال في ذلك:
وكأنما تبع الفوارس أرنبا … أو ظبي رابية خفافا أشعبا
وكأنما طردوا بذي نمراته … صدغا من الأروى أُحسَّ مكلبا
اعجزت منهم والأكف تنالني … ومضت حياضهم وآبوا خُيَّبا
أدعو شنوءة غثها وسمينها … ودعا المرقع يوم ذلك أكلبا (١)
٩ - يوم الكوم
هذا اليوم كان الباهلة على بلحارث ومراد وخَثْعم، وقد افتخر به جزء بن رباح الباهلي فقال:
ألا زعمت عِلاقةُ أَنَّ سيفي … يُفِلَّلُ غربة الرأس الحليق
فلو شهدت غداة الكوم قالت … هو العضب المهذرمة العتيق
يسوقهم أبو طلق إلينا … وما يدري وربك ما يسوق
قال الشارح: الكوم: يوم كان لباهلة على بلحارث ومراد وخَثْعم، وأبو طلق صاحب جيش بلحارث يوم الكوم (٢). ويجزم الجاسر أن الغلب في هذا اليوم كان لباهلة معتمدًا على سياق النص (٣). ويبدو لي أن هناك أيامًا كثيرة حدثت بين باهلة وهذه القبائل غير هذا اليوم لكننا لَمْ نعثر على تفاصيلها، لقد أنشد الأصمعي للحارثية ترثي من قتل من قومها في يوم كان الباهلة علي بني الحارث ومراد وخَثْعم:
شقيق وحرمي أراقا دماءَنا … وفارس هداج أشاب النواصبا
أرادت بشقيق وحرمي شقيق بن جزء بن رباح الباهلي وحرمي بن ضمرة النهشلي (٤).
стр. 6133
١٠ - يوم القاع
القاع سهل منبسط في شفان، وشفان أرض تقع بين بيشة وأبها، وقد وقع فيه هذا اليوم بين قبائل خَثْعم وبكيل وحاشد، ولم نجد من المصادر ما يفصل أخبار هذا اليوم وأسبابه ودوافعه، ولا لمن كان الغلب فيه، إلَّا أنه ورد في شعر ابن الدمينة مفتخرا به فقال:
ويوم القاع من شفان جاءت … بكيل وحاشد متألبينا
وجئنا في مقدمة طحون … لها زجل تصم السامعينا
كأن هرير حملتنا عليهم … هرير النار أشعلت العرينا
تطايح هامهم بالبيض شتى … ونتبعهُنَّ حتى ينثنينا
بأسياف سقتها الجن مَلْسا … بأيديها وأخلصتِ المتونا (١)
كما ذكره مالك بن حريم الهمداني فقال:
وخَثْعم أرويت القنا من دمائها … بشفان حتى سال كل مسيل
وليست هذه هي كل الأيام التي خاضتها قبائل بني خَثْعم عبر العصور التاريخية السابقة، بل إن هناك الكثير، والكثير من هذه الأيام ضاع سدي، ولم تمتد لها يد القدر بالحفظ والتدوين، بل ضاعت مع ما ضاع من تراثنا العربي الضخم، وأصبحت في ذاكرة النسيان، ومن هذه الأيام ما ذكره ابن الدمينة في جانب الفخر بقومه وعشيرته فقال في قصيدة طويلة بلغت ٨٢ بيتًا منها (٢):
ألا يا أيها المعتد فخرا … هلم ألا أُخبّرُك اليقينا
فإنك إنْ فخرت ولم تصدق … حديثك آية للسائلينا
وإنك إن فخرت بغير شيء … ترد به حديث المبطلينا
فإن لخثعم آيات نعمي … أمارات الهدى نورا مبينا
ومن آيات ربك أن ترانا … بمسكنة القبائل مارضينا
ونك إن ترى منا فقيرا … يُضيفُ غَنِيَّ قوم آخرينا
وإنَّ الجار ينبت في ثرانا … ونَعجل بالقرى للنازلينا
وإنا لن نصاحب ركب قوم … ولا أصحاب سجن ماحيينا
فيختلطوا بنا إلَّا افترقنا … عليهم بالسماحة مفضلينا
стр. 6134
وقال أيضًا في الفخر بقبيلته:
وخَثْعم قومي مامن النّاس معشر … أعم ندى منهم وأنجى لخائف
وأفدى لمغلول وأوفى بذمة … وأوقي لضيم عن نقيل محالف
وأجبر للمولى إذا رق عظمه … وأسرع غوثا يوم هيجا لهاتف
إذا حاربوا شدوا على ثروة العدى … جهارا ولم يغزوا فرود الخوالف
فإن يسألوا المعروف لا يبخلوا به … ولم يدفعوا طُلابه بالحسائف (١)
وخَثْعم قبيلة عريقة النسب، قوية الجانب، أنصفها أعداؤها ومجاوروها، وعرفوا قدرها ومنزلتها، ومن ذلك قول عبد الله بن همام السلولي يمدح بعض أصحابه:
كأنهم في العز قيس وخَثْعم … وهل أنتم إلَّا لئام عوارك (٢)
وقال رجل من ثمالة يهجو دريد بن الصِّمَّة بعد أن أبطأ في رد إبله وكانت خَثْعم قد أخذتها (٣):
كساك دُريد الدهر ثوب خزاية … وجدّعك الحامي حقيقته أنس
دع الخيل والسُّمر الطَّوال لخثعم … فما أنت والرمح الطويل وما الفُرس
وما أنت والغزو المُتابع للعدا … وهمُّك سوق العود والدلو والمرس
ب - في العهد الإسلامي
كانت قبائل خَثْعم كغيرها من القبائل العربية بعيدة عن عبادة الخالق تعبد الأصنام، وكان لها صنم خاص في بلادها يطلق عليه صنم ذي الخلصة، وهو أشهر الأصنام عند القبائل اليمنية بما جعله يطلق عليه الكعبة اليمانية، وكانت هذه القبائل تقوم برعايته والحفاظ عليه، وتدفع الغالي والنفيس عند المساس بحرمته، مما جعلها تضحي بمائتين من أبنائها عندما أتى إليه جرير البجلي. قال أبو المنذر (٤): "ومن أصنام العرب ذو الخلصة وكانت مروة بيضاء
стр. 6135
منقوشة عليها كهيئة التاج، وكانت بتبالة بين مكة واليمن وكانت تعظمها وتهدي لها خَثْعم وبجيلة وأزد السراة ومن قاربهم من بطون العرب ومن هَوَازِن".
وظلت هذه القبيلة كغيرها من القبائل العربية على عبادة صنمها حتى أشرقت شمس الإسلام وبدأ كوكب الوثنية يتضعضع، وأخذ الإسلام في الانتشار في المدينة ومكة، وعلى الرغم من انشغال الرسول الكريم بأمور الدعوة وفتح مكة وتوافد الوفود عليه تعلن إسلامها لَمْ يغفل عن أمر الكعبة اليمانية وخطر هذا الصنم على قبائل اليمن وعلى الإسلام، فلما قدم عليه جرير بن عبد الله البجلي يوم فتح مكة مسلمًا قال: يا جرير ألا تكفيني ذا الخلصة؟ فقال: بلِّي، فوجهه إليه فخرج حتى أتى بني أحمس من بُجيلة فسار بهم إليه فقاتلته خَثْعم وقتل مائتين من بني قحافة بن عامر بن خَثْعم وظفر بهم وهزمهم وهدم بنيان ذي الخلصة وأضرم فيه النار فاحترق، فقالت امرأة من خَثْعم:
وبنو أمامة بالولية صرعوا … شملا يعالج كلهم أُنبوبا
جاؤوا لبيضتهم فلاقوا دونها … أسدا يقب لدى السيوف قبيا
قسم المذلة بين نسوة خَثْعم … فتيان أحمس قسمة تشعيبا (١)
وورد في كتاب المغازي عن جرير أن رسول الله ﷺ قال: "ألا تريحني من ذي الخلصة وكان بيتًا في خَثْعم يسمى الكعبة اليمانية، فانطلق في خمسين ومائة فارس من أحمس وكانوا أصحاب خيل، وكنت لا أثبت على الخيل فضرب صدري حتى رأيت أثر أصابعه في صدري وقال: اللهم ثبته واجعله هاديا مهديا، فانطلق إليها فكسرها وحرقها ثم بعث إلى رسول الله ﷺ فقال: والذي بعثك بالحق ما جئتك حتى تركتها كأنها جمل أجرب، فقال: فبارك في خيل أحمس ورجالها خمس مرات" (٢)، وأورد الواقدي ما نصه (٣): "أن النَّبِيّ ﷺ بعث قطبة ابن عامر بن حديدة في عشرين رجلًا إلى حي من خَثْعم بناحية تبالة، وأمره أن يشن الغارة عليهم، وأن يسير الليل ويكمن النهار، وأمره أن يفذ السير فخرجوا
стр. 6136
على عشرة أبعرة يعتقبونها، وقد غيبوا السلاح، فأخذوا على الفتق حتى انتهوا إلى بطن مسحب فأخذوا رجلًا فسألوه فاستعجم عليهم، فجعل يصيح بالحاضر، فقدمه قطبة فضرب عنقه، ثم قاموا حتى كان ساعة من الليل، فخرج رجل منهم فيجد حاضر نعم، فيه النعم والشاء، فرجع إلى أصحابه فأخبرهم، فأقبل القوم يدبون دبيبا يخافون الحرس، حتى انتهوا إلى الحاضر وقد ناموا وهدأوا، فكبروا وشنوا فخرج إليهم رجال الحاضر فاقتتلوا قتالا شديدًا حتى كثرت الجراح في الفريقين، وأصبحوا وجاء الخثعميون الدهم (١) فحال بينهم سيل أتي، فما قدر رجل واحد منهم يمضي حتى أتي قطبة على أهل الحاضر، فأقبل بالنعم والشاء والنساء إلى المدينة وكان في صفر سنة تسع".
ومن هذه النصوص ندرك أن قبائل خَثْعم عارضت في بداية أمرها - كغيرها من القبائل - دعوة الرسول ﷺ وحاربت قادته الذين أرسلهم لدعوتها ودافعت عن صنمها ذي الخلصة دفاعا شديدًا أفقدها مائتي رجل من رجالها، ولكن الله أراد أن يشرفها بالإسلام وأن يحقق دعوة نبيه ﷺ لجرير بن عبد الله "بأن يجعله هاديا مهديا" فانتصر عليهم وهزمهم وهدم بنيان ذي الخلصة وأضرم فيه النار، فخابت آمال الخثعميين ومن اتبعهم من قبائل اليمن في صنمهم وزالت قدسيته من قلوبهم وعرفوا الحق المبين، واستجابوا لندائه فوفدوا ضمن وفود القبائل الأخرى يتقدمهم أنس بن مدرك الأكلبي وعثعث بن زحر معلنين إسلامهم وطاعتهم لرسول الله ﷺ ، وقد أورد ابن سعد ذلك فقال: "وفد عثعث بن زحر وأنس بن مدرك من رجال خَثْعم على رسول الله ﷺ بعدما هدم جرير بن عبد الله ذا الخلصة وقتل من قتل من خَثْعم فقالوا: آمنا بالله ورسوله وما جاء من عند الله فاكتب لنا كتابًا نتبع ما فيه فكتب لهم كتابًا شهد فيه جرير بن عبد الله ومن حضر" (٢).
стр. 6137
قتالهم مع أهل جرش
قال ابن إسحاق (١): "وقدم على رسول الله صرد بن عبد الله الأزدي فأسلم، وحسن إسلامه في وفد من الأزد فأمَّره الرسول على من أسلم من قومه، وأمره أن يجاهد أهل الشرك من قبائل اليمن فخرج صرد بن عبد الله يسير بأمر رسول الله حتى نزل بجرش، وهي يومئذ مدينة مغلقة، وبها قبائل اليمن، وقد صوت إليهم خَثْعم فدخلوها معهم حين سمعوا بسير المسلمين إليهم فحاصروهم فيها قريبًا من شهر، وامتنعوا فيها منه ثم رجع عنهم قافلا حتى إذا كان على جبل لهم يقال له شكر، ظن أهل جرش أنه إنما ولى عنهم منهزما، فخرجوا في طلبه، حتى إذا أدركوه عطف عليهم فقاتلهم قتالا شديدًا"، فقال في تلك الغزوة رجل من الأزد (٢)، وكانت خَثْعم تصيب من الأزد في الجاهلية وكانوا يعدون في الشهر الحرام:
يا غزوة ما غزونا غير خائبة … فيها البغال وفيها الخيل والحمر
حتى أتينا حِمْيرا في مصانعها … وجمع خَثْعم قد شاعت لها النذر
إذا وضعت غليلا كنت أحمله … فما أبالي أدانوا بعد أم كفروا
ارتداد خَثْعم سنة ١١ هـ، وقتالها عثمان بن أبي العاص:
فقد ذكر الطبري (٣): في خبر المرتدين من قبائل اليمن أن عثمان بن أبي العاص بعث بعثا إلى شنوءة، وقد تجمعت بها جماع من الأزد وبجيلة وخَثْعم، عليهم حميضة بن النعمان وعلى أهل الطائف عثمان بن ربيعَةَ، فالتقوا بشنوءة، فهزموا تلك الجموع وتفرقوا عن حميضة وهرب حميضة في البلاد.
وأعتقد أن ارتداد خَثْعم المذكور سنة ١١ هـ لا يشمل كل فروع هذه القبيلة بل بعض هذه الفروع.
على أنَّ الإسلام قد انتشر فيما بعد في بلادها فصدقت في إسلامها وقامت بمواقف مشرفة في نشر الإسلام أثناء الفتوحات الإسلامية في عهد الرسول ﷺ
стр. 6138
وعهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم، وفي هذه الصفحات نلقي الضوء على بعض هذه المواقف، ومنها:
١ - موقفهم في يوم القادسية
حدثت القادسية في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ سنة "١٤ هـ" بين جيوش المسلمين والفرس، وكان لهذه القبيلة في هذا اليوم دور بارز وبلاء حسن، فقد كان أحد رجالها أميرًا على الركبان في هذه الموقعة، وهو عبد الله بن ذي السهمين الخثعمي، كما أشاد بن ربيعَةَ الأكلبي الخثعمي بدوره فيها، فقال مخاطبا سعد بن أبي وقاص (١):
أنخت بباب القادسية ناقتي … وسعد بن وقاص عليّ أمير
وسعد أمير شره دون خبره … وخير أمير بالعراق جرير
تذكر هداك الله وقع سيوفنا … بباب قُدَيس والمَكَرُّ عسير
عشية ود القوم لو أن بعضهم … يعار جناحي طائر فيطير
إذا ما فرغنا من قراع كتيبة … دلفنا لأخرى كالجبال تسير
ترى القوم فيها واجمين كأنهم … جمال بأحمال لهن زفير
فضاربتهم حتى تفرق جمعهم … وطاعنت إني بالطعان مهير
وعمروأبو ثور شهيد وهاشم … وقيس ونعمان الفني وجرير
٢ - قتالهم مع علي بن أبي طالب ﵁ في موقعة الجمل .
بعد استشهاد عثمان بن عفان ﵁ حدثت موقعة الجمل بين علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - والزبير بن العوام وعائشة بنت أبي بكر زوج النَّبِيّ ﷺ ، وقد شاركت هذه القبيلة ضمن أخواتها في مناصرة الإمام علي - كرم الله وجهه - قال الطبري (٢): "خرج إلى علي ﵁ اثنا عشر ألف رجل منهم بُجيلة وأنمار وخَثْعم والأزد عليهم مخنف بن سُلَيْم الأزدي". وكانت راية خَثْعم ذلك اليوم مع ربيعَةَ بن شداد الخثعمي.
стр. 6139
٣ - انقسامهم سنة "٣٧ هـ" إلى فرقتين
انقسمت خَثْعم في عهد خلافة علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - في السنة السابعة والثلاثين للهجرة النبوية فرقتين في معركة صفين فرقة حاربت مع علي، وفرقة حاربت مع معاوية بن أبي سفيان، قال الطبري (١): "خرج معاوية بأهل الشام فأخذ علي يقول: من هذه القبيلة؟، فنسب له قبائل أهل الشام حتى عرفهم ورأى مراكزهم، فقال للأزد: اكفوني الأزد، وقال لخثعم: اكفوني خَثْعم، وأمر كل قبيلة من أهل العراق أن تكفيه أختها من أهل الشام".
٤ - قتالهم مع علي ﵁ في يوم النهروان
حدث هذا اليوم بين علي ﵁ والخوارج سنة "٣٧ هـ" قال الطبري: "لما خرجت الخوارج من الكوفة أتى عليًّا أصحابه وشيعته فبايعوه وقالوا: نحن أولياء من واليت وأعداء من عاديت فشرط لهم في سنة رسول الله فجاء ربيعَةَ بن أبي شداد الخثعمي - وكان معه يوم الجمل وصفين ومعه راية خَثْعم - فقال له: بايع على كتاب الله وسنة رسوله فقال ربيعَةَ: وعلى سنة أبي بكر وعمر فقال له علي: ويلك لو أن أبا بكر وعمر عملا بغير كتاب الله وسنة رسوله لَمْ يكونا على شيء من الحق، فبايعه، فنظر إليه علي وقال: أما والله لكأني بك، وقد نفرت مع هذه الخوارج فقتلت وكأني بك وقد وطئتك الخيل بحوافرها، فقتل يوم النهروان مع خوارج البصرة" (٢).
٥ - قتالهم مع المختار الثقفي وعبيد الله بن زياد سنة ٦٦ هـ
كانت قبيلة خَثْعم أيام الفتوحات الإسلامية قد تفرقت في البلدان ورحل بعضها إلى بلاد الشام والعراق وكان لكل قسم منها دور بارز أثناء الحركات السياسية بين القطرين. ومن ذلك قتال المختار ضد عبيد الله بن زياد، فقد شاركت هذه القبيلة بقسميها وحاربت بعضها البعض أثناء هذه الحروب، قال الطبري: "لما علم عبيد الله بن زياد بخروج يزيد بن أنس بالنّاس من الكوفة، فقد خرج بثلاثة
стр. 6140
آلاف فارس، قال عبيد الله: سأبعث إلى كل ألف ألفين، ودعا ربيعَةَ بن المخارق وعبد الله بن حملة الخثعمي ثم كتب إليهما؛ أيكما سبق فهو أمير على صاحبه، قال: فسبق ربيعَةَ بن المخارق فنزل بيزيد بن أنس وهو ببنات بلِّي، ثم إن ابن المخارق قاتل يزيد وقومه فهزموهم وخرجوا منهزمين حتى تلقاهم عبد الله بن حملة الخثعمي على مسيرة ساعة من تلك القرية فردنا فأقبلنا معه حتى نزل بيزيد ابن أنس، فبتنا متحارسين حتى أصبحنا فصلينا الغداة ثم خرجنا على تعبية حسنة على ميمنته الزبير بن خزيمة من خَثْعم وعلى مسيرته ابن قيصر القحافي من خَثْعم، فتقدم في الخيل والرجال فتقاتل الفريقان قتالا شديدًا حتى انتصر يزيد بن أنس وجيشه، فلما رأى ذلك عبد الله بن حملة الخثعمي أخذ ينادي أصحابه الكرة بعد الفرة: يا أهل السمع والطاعة فحمل عليه عبد الله بن قراد الخثعمي فقتله" (١). وكان هذا الرجل من الموالين للمختار وقد انحاز إليه عندما خرج على ابن المطيع بمائتين من قومه.
٦ - ثورتهم ضد المختار مع أهل الكوفة
لما مات يزيد بن أنس التقى أشراف النّاس بالكوفة فأرجفوا بالمختار وقالوا: قتل يزيد بن أنس ولم يصدقوا أنه مات، وأخذوا يقولون: والله لقد تآمر علينا هذا الرجل بغير رضا منا، ولقد أدنى موالينا وحملهم على الدواب وأعطاهم وأطعمهم وأتعدوا عند شبث بن ربعي فاجتمعوا وأتوا منزلة، فصلى بهم ثم تذاكروا هذا الحديث ثم ذهبوا إلى كعب بن أبي كعب الخثعمي فتكلَمْ شبث عنده، فحمد الله وأثنى عليه، ثم أخبره باجتماع رأيهم على قتال المختار وسأله أن يجيبهم إلى ذلك فرحب بهم كعب وأجابهم إلى ما دعوه، وسمي هذا اليوم بيوم السبيع (٢).
ونكتفي بهذا القدر اليسير من هذه الأيام التي حدثت في العهد الإسلامي ونقف عند هذا التاريخ وهو عام ٦٦ هـ، فلو توسعنا وذكرنا أكثر الأيام التي
стр. 6141
حدثت في العصور التاريخية الأخرى، لأخذ هذا منا جهدا مضنيا، وحيزًا كبيرًا من الكتاب، وهذا ما لا نريده.
فصاحة خَثْعم
إن الباحث في فصاحة أي قبيلة، لا بد أن يعرف بلادها ومنازلها، ومدى بعدها وقربها عن بلاد الأعاجم؛ لأنَّ فصاحتها تقاس بصفاء لغتها وخلوها من الكلمات الأعجمية، وإذا بحثنا عن خَثْعم وجدناهم أول من سكن السروات، على ما ذكر ابن الكلبي في كتابه (الافتراق) فيما نقله عنه البكري وياقوت الحموي.
وناهيك بفصاحة سكان السروات قال أبو عمرو بن العلاء: "أفصح النّاس أهل السروات وهي ثلاث وهي: الجبال المطلة على تهامة مما يلي اليمن أولها لهذيل، وهي تلي السهل من تهامة، ثم بُجيلة، وهي السراة الوسطى، وقد شركتهم ثَقِيف في ناحية منها، ثم سراة الأزد أزد شنوءة، وهم بنو كعب بن الحارث" (١). وقال الهمداني وهو يتكلم عن لغات سكان الجزيرة: ثم الفصاحة من العرض في وداعة، فجنب، فيام، فزبيد، فبني الحارث فما اتصل ببلاد شاكر من نجران إلى أرض يام، فأرض سنحان، فأرض نهد وبني أسامة، فعتز، فخثعم، فهلال، فعامر بن ربيعَةَ، فسراة الحجر، فدوس، فغامد، فشكر، ففهم، فثقيف، فبجيلة، فبنو علي، غير أن أسافل سروات هذه القبائل ما بين سراة خولان والطائف دون أعاليها في الفصاحة" (٢). ويعلل أستاذنا الجاسر فصاحة سكان السروات فيقول: "ترجع فصاحة سكان السروات إلى كون بلادهم بعيدة عن الاختلاط بمن ليس عربيا فطرق القوافل التجارية كلها لا تمر بهذه السروات ومن هنا قل اختلاط أهلها بالأعاجم فصفت لغتهم وخلصت من المعجمة" (٣).
ويشيد الهجري - وهو من علماء اللغة - بفصاحة خَثْعم فيقول: "أهل تَرَبة ورنية من سلول وخَثْعم ونهد وجرم وهم نهية في الفصاحة" (٤).
стр. 6142
وسأورد ما وجدت - في كتب اللغة والمعاجم التي اطلعت عليها - منسوبا لهذه القبيلة من الكلمات اللغوية والشواهد النحوية واللغوية على النحو الآتي:
أولًا: الكلمات اللغوية التي نُسبت إلى خَثْعم
١ - رصن
قال الهجري (١): "في مَرصِن والرِّصنُ والأرصان والمرصن الغلظ يحف موضعا سهلا يسيل الماء من الغلظ وهو عال فيتربص فيها، وهي في لغة خَثْعم ونهد وبلحارث بن كعب مجتمع ملتقى الواديين، يصبان في الغائط".
وقال الزهيري والتبالي والخثعمي: "الرصن الواحد، والجميع الأرصان، ومثل الرِّصنْ الُمرصِن، وجمعها المراصن، مضيق الوادي ومضايقها، والأرصان مواضع من تثليث" (٢).
٢ - رقل
والرقلة والرقل والعيدان والعيدانة والصادية والصوادي والصوت والصوبة. وهذا يتكلم به أهل بيشة، وسحام وأعراض خَثْعم ونجران ومرخة ومأرب (٣).
٣ - جذم
قال الهذلي: الجذامة: قصر السنبل، فإذا كان من الذرة فهو العزم - مفتوحة العين والزاي - قال الخثعمي: هو القصر من الذرة مثل الذي في سنبل البر (٤).
٤ - حبس
وقال ابن علكم: "الترحاب والتحباس والتفراق، يجي في هذا التفعيل، تتكلم به فهم وعدوان وثمالة وأهل السراة كلهم، وخَثْعم ونهد وفصحاء مَذْحِج" (٥).
стр. 6143
٥ - حدث
قال الخثعمي: البارحة الحدثي في مؤنثه الأحدث (١).
٦ - رجو
قال الهجري (٢): "وكل مقصور غَيَّر من بنيته لَمْ يخرج من القصر إلى مد ولا غيره، وكذلك الممدود مثل: الرجاء، والفضاء وأشباههما فهو على مده ويتكلم به أهل تَرَبة ورنية من سلول وخَثْعم ونهد وجرم وهم نُهيةُ في الفصاحة".
٧ - رق
قال أبو علي (٣): "الرقة خضرة ورقة، والرقة عاملة في كل نبت من الشجر والبقل والجنبة وتدعو خَثْعم ونهد وبلحارث وجرم العضه جميع النبات صغيره وكبيره".
٨ - سحق
قال الهجري (٤): وواحدة السحق سحوق، الرقلة والرقل والعيدان والعيدانة والصادية والصوادي والصوب والصوبة، وهذا يتكلم به أهل بيشة وسحام، وأعراض خَثْعم ونجران، ومرخة ومأرب وحضرموت، والعم الطوال الواحدة".
٩ - غفر
قال الهجري (٥): الغفر ولد الأروية، والجمع أغفار وأدنى العدد غَفِرة، والغفر بجر الغين ولد البقرة الوحشية، مثل الطلي والطلي، وجمع طلا: أطلاء وجمع الطلي طُليان، وهما لولد الضائنة أيضًا، وهو الشصر وجمعه شصران، وبرغز وجمعه براغز، الغضيض وجمعه غضان، الغَفَر: أن ينتقص الجرح وقد
стр. 6144
برأ، أو هم بالبرء وكذلك في الرمد، وليس الغفرات في العرب إلَّا من خَثْعم، وهو نور العشب أول ما يطلع".
ثانيًا: الشواهد النحوية
١ - إذا هبطا الأرض المخوف بها الردي … يخفض من جأشيهما منصلاهما
هذا البيت العمَّرة الخثعمية، وهو من الشواهد النحوية في تقديم المفعول على الفاعل (١).
٢ - هما أخوا في الحرب من لا أخا له … إذا خاف يومًا نبوة فدعاهما
هذا البيت لعمرة الخثعمية، وهو من شواهد النحويين في جواز الفصل بين المضاف والمضاف إليه، ومحل الاستشهاد قوله: "أخوا في الحرب من لا أخ له" فإن قوله: "أخوا" مثنى الأخ مضاف إلى الاسم الموصول وهو قوله "من"، وقد فصل بين المضاف والمضاف إليه بالجار والمجرور الذي هو قوله: "في الحرب" (٢).
٣ - عرضنا فسلمنا فسلم كارها … علينا وتبريح من الوجد خانقه
هذا البيت لابن الدمينة الأكلبي، وهو من شواهد ابن مالك على وقوع النكرة بعد واو الحال (٣).
٤ - فقد مات قبلي أول الحب … وانقضى وإن مت أضحى الحب قد مات آخره
هذا البيت لابن الدمينة الأكلبي، وهو من شواهد ابن عصفور على استعمال أضحى بمعنى صار (٤).
٥ - إني وقتلي سليكا ثم أعقله … كالثور يضرب لما عافت البقر
هذا البيت لأنس بن مدرك الأكلبي، وهو من شواهد النحويين على نصب الفعل بعد ثم التي عطف بها على اسم غير شبيه بالفعل (٥).
стр. 6145
٦ - أراني - ولا كفران لله - أية … لنفسي قد طالبت غير منيل
هذا البيت لابن الدمينة الأكلبي الخثعمي، وهو من شواهد ابن هشام في باب الجملة المعترضة (١).
٧ - وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني … وأشمت بي من كان فيك يلوم
هذا البيت لأميمة الخثعمية، وهو من شواهد ابن هشام في باب الجملة الموصول بها الأسماء (٢).
٨ - بكل تداوينا فلم يشف ما بنا … على أن قرب الدار خير من البعد
على أن قرب الدار ليس بنافع … إذا كان من تهواه ليس بذي ود
البيتان لابن الدمينة الأكلبي وهما من شواهد ابن هشام على مجيء (على) للاستدراك والإضراب. قال "أبطل بعلى الأولى عموم قوله لَمْ يشف مابنا" فقال: بلى إن فيه شفاء ما، ثم أبطل بالثانية قوله: "على أنَّ قرب الدار خير من البعد" (٣).
٩ - عزمت على إقامة ذي صباح … لأمر ما يسود من يسود
هذا البيت لأنس بن مدرك الأكلبي، وهو من شواهد سيبويه، وأورده ابن جني من شواهده في إضافة المسمى إلى اسمه (٤)، والشاعر جرَّ "ذي صباح" على لغة خَثْعم، وهو ظرف لا يتمكن والظروف التي لا تتمكن لا تجر ولا ترفع، ولا يجوز مثل هذا إلَّا في لغة هؤلاء القوم، أو في ضرورة (٥).
ثالثا: الشواهد اللغوية
١ - أورد صاحب اللسان في مادة (وجع) (٦)، الوجعاء: السافلة وهي الدبر.
стр. 6146
٢ - قال صاحب اللسان في مادة (غرر) الغر (١): جمع الأغر من الغرة بياض الوجه، يريد بياض وجوههم بنور الوضوء يوم القيامة، وقول أم خالد الخثعمية:
ليشرب منه جحوش، ويشيمه … بعيني قطامي أغر شآمي
يجوز أن تعني قطاميا أبيض، وإن كان القطامي قلما يوصف بالأغر، وقد يجوز أن تعني عنقه فيكون كالأغر بين الرجال، والأغر من الرجال: الذي أخذت اللحية جميع وجهه إلَّا قليلًا كأنه غرة، وأورد الشاهد نفسه في مادة (قطم) وقال: إنما أرادت بعيني رجل كأنهما عينا قطامي، وإنما وجهتاه على هذا؛ لأنَّ الرجل نوع والقطامي نوع آخر سواه، فمحال أن ينظر نوع بعين نوع، ألا ترى أن الرجل لا ينظر بعيني حمار، هذا ممتنع في الأنواع فافهم.
٣ - قال صاحب اللسان في مادة (قود) (٢): وقادت الريح السحاب على المثل، قالت أم خالد الخثعمية:
ليت سماكيا يحار ربابه … يقاد إلى أهل الغضا بزمام
وأقاد الغيث، فهو مقيد إذا اتسع.
٤ - قال أبو علي الهجري (٣): "الأبا مقصور داء يأخذ الغنم عن شميم بول الأروي ورائحتها". أنشد شاهدا عليه قول ابن الدمينة الأكلبي:
كأبواء مَنَّتْ نفسها البُرءَ بعدما … حَسَتْ من فُضُول الغُدْر تَقْعَ الهَمَائم
٥ - أورد صاحب اللسان في مادة (بنق) قال ابن بري: "وإذا ثبت أن بنيقة القميص هي جربانه فهم معناه لأنَّ جربانه معروف، وهو طوقه الذي فيه الأزرار مخيطة، فإذا أريد ضمه أدخلت في العري فضم الصدر إلى النحر، وعلى ذلك فسر بيت قيس بن معاذ، قال: ويبين صحة ذلك ما أنشده القالي في نوادره، وهو:
له خفقان يرفع الجيب والحشى … يُقَطِّع أزرار الجِرِّبان ثائره
стр. 6147
هكذا أنشد بكسر الجيم والراء، وكان الفراء ومن تابعه يضم الجيم والراء ومثل هذا بيت ابن الدمينة الأكلبي:
رمتني بطرف لو كميا رمت به … لبل نجيعا نحره وبنائقه
لأنَّ البنيقة طول الثوب الذي يضم النحر وما حوله وهو الجُرُبان" (١).
٦ - قال صاحب اللسان في مادة (شقق) (٢):
والشقيقة: المطرة المتسعة؛ لأنَّ الغيم انشق عنها، وأورد شاهدا قول ابن الدمينة الخثعمي:
ولمح بعينيها كأن وميضه … وميض الحيا تهدي لنجد شقائقه
٧ - قال ابن بري ﵀: "الحبيب يجي تارة بمعنى المحبوب كقول ابن الدمينة:
وإن الكثيب الفرد من جانب الحمى … إلي، وإن لم آته لحبيب
أي لمحبوب (٣).
٨ - أورد صاحب اللسان في مادة (كرة) قول أم خالد الخثعمية:
رأيت لهم سيما قوم كرهتهم … وأهل الغضى قوم علي كرام
وقال: إنما أراد كرههم لها أو من أجلها، وشي كره، مكروه.
٩ - قال صاحب اللسان في مادة "شلل":
الشلال: القوم المتفرقون، واستشهد بقول ابن الدمينة:
أما والذي حجت قريش قطينه … شلالا، ومولي كل باق وهالك
والقطين: سكن الدار (٤)
стр. 6148
١٠ - وأورد صاحب اللسان في مادة "ضحا":
الضواحي من الشجر: القليلة الورق التي تبرز عيدانها للشمس، قال شمَّر كل ما ظهر وبرز فقد ضحا، ويقال: خرج الرجل من منزلة فضحا لي. والشجرة الضاحية البارزة للشمس، وأنشد لابن الدمينة يصف القوس:
وخوط من فروع النبيّ ضاح … لها في كف أعسر كالضباح
الضاحي: عودها الذي نبت في غير ظل ولا في ماء فهو أصلب له وأجود (١).
١١ - وقد زعموا أني جزعت عليهما … وهل جزع إن قلت وابأ باهما
هذا البيت لعمرة الخثعمية، استشهد به ابن منظور على قلب الياء ألفًا وقال: تريد وابأبي هما. قال ابن بري: ويروي وابيباهما، على إبدال الهمزة ياء لانكسار ما قبلها وموضع الجار والمجرور رفع على خبرهما (٢).
١٢ - قال ابن دريد في الجمهرة (٣): "وإنا": فعلنا من الأين. وهو التعب وأنشدنا أبو عمران الكلابي لرجل من خَثْعم:
أونوا فقد إنا على الطلح … أينا كأين الحافر الموكح
الموكح: الذي يحفر بئرا أو غيرها حتى يبلغ إلى موضع لا يمكنه الحفر، وآن يئين أينا إذا أعيا
١٣ - قال الأصمعي: الفاغية نور الحناء، وقيل: نور الريحان، وقيل: نور كل نبت من أنوار الصحراء التي لا تزرع، وأنشد قول النذير العريان الخثعمي:
فقلت له: جادت عليك سحابة … بنوء تندي كل فغو وريحان (٤)
١٤ - أورد الهجري في التعليقات والنوادر قول الجلحي الخثعمي
أحييت نفسا كما أبتتها قعصا … بمرهف من سهام الموت حَيْتوتُ
стр. 6149
أي يحت كل شيء. وقال: ومن أمراض الإبل الحسنات يأخذه هلس فيتغير لحمه وطرقه فيهزل، ويتغير لونه وينحف لحمه، وهو محتوت ويتمزق ويتمعط شعره، وهو من شر أدواء الإبل يسوقه إلى الموت (١).
١٥ - قال الهجري في معنى كلمة "ذرع":
والذرع وهم الذرعاء مثل السفير والسفراء، والتصريف والمصدر والمعنى واحد، إلَّا أن يفعل من يذرع مفتوحة الثالث كمحال العين، ويسفر من سفر وهم السفار والذراع والمصدر ذراعه وسفاره، وأنشد من شعر الخثعمي أحد بني أوس:
وجاءت بنو أود ولم تألٌ غَيرةً … لنا ذُراعاءُ مُسْتَهانُ سَفِيرُهَا
الواحد ذريع وسفير، للذي يسفر بين النّاس (٢).
١٦ - أورد الهجري في تفسير كلمة "عذب":
ضرابة بالمعاذب، فالمعذبة المروحة يتكلم بها مَذْحِج ومجيد وأهل النجد من نيامن من همدان وهي لغة فصيحة، وأنشد لابن الدمينة الأكلبي:
يروح لها جمر العضاة ولو جرت … على البحر أضحى البحر وهو عذوب
وعذوب جمع عذب (٣).
١٧ - قال الهجري (٤) عن داء القلاب يصيب الإبل:
وقروه جمع وقر، وجمعه أقراء من الاحمرار سبع فإذا مضى قروه وهو السبع فيصبح صبيحة السبع مفرقا أو متزايدا علته، فقد نكسه وأيس منه صاحبه. وأنشد لابن الدمينة يصف بعيرًا صابه الهيام:
فما كان إلَّا قرو أيامه التي … تعدله حتى إذا مر سابعه
стр. 6150
١٨ - قال كعب بن مشهور المخبلي من جليحة خثعم:
فإن هو لَمْ ينطق وكان جوابه … بنات الصدى يأنمن من كل مانم
أراد يأنمن من كل منأم، فحول الهمزة، وكذا الفصحاء لا يهمزون، وكلهم يانمن من كل مانم (١).
١٩ - قال الهجري (٢): "جر النون من النفع لغة فصيحة"، وأورد لابن الدمينة الأكلبي قوله:
هب الصلة المثلى التي أنت مولها … خليلك والنِّفع الذي أنت نافعه
٢٠ - قال الأنباري (٣): "شعبت: من الأضداد، يقال شعبت الشيء إذا جمعته وأصلحته، وشعبته إذا فرقته، واستشهد على المعنيين بشواهد كثيرة، منها قول ابن الدمينة الأكلبي:
وإن طبيبا يشعب القلوب بعدما … تصدع من وجد بها لكذوب
أراد: يجمع.
٢١ - قال بعض النّاس: طرب حرف من الأضداد، يقال: طرب إذا فرح، وطرب إذا حزن، قال ابن الدمينة في معنى الفرح والسرور: أنشدنا أبو العباس:
فلا خير في الدنيا إذا أنت لَمْ تزر … حبيبا ولم يطرب إليك حبيب (٤)
٢٢ - تعاللت كي أشجي ومابك علةً … تريدين قتلي قد ظفرت بذلك
هذا البيت لابن الدمينة الأكلبي، وهو من شواهد البلاغيين على وضع اسم الإشارة موضع المضمر (٥).
стр. 6151
ومما يدلُّ على فصاحة خَثْعم هذا الخبر، فقد روى أهل الكتب الصحيحة في الحديث وأئمة أهل اللغة والأدب، أنه خرج إحدى عشر امرأة من خَثْعم وهي قبيلة من قبائل عرب اليمن وكانت في قرية من قرى اليمن في الجاهلية إلى مجلس فجلسن وقلن تعالين فلنذكر بعولتنا بما فيهم ولا نكذب فتعاهدن أن لا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئًا. فتكلمت كل واحدة منهن ووصفت زوجها بكلام بلغ من فصاحة الألفاظ وبلاغة العبارة والبديع ما لا يزيد عليه.
ولاسيما كلام الأخيرة منهن وهي أم زرع فإنه مع كثرة فصوله وقلة فضوله مجتاز الكلمات واضح السمات نير النسمات، قد قدرت ألفاظه قدر معانيه، وقررت قواعده وشيدت مبانيه أفرغ في قالب الانسجام، وأتي به الخاطر بغير تكلف، وجاء لفظه تابعا لمعناه منقادا له غير مستكره ولا منافر، والله يمن على من يشاء بما شاء لا إله إلَّا هو (١). ولنذكر كلامهن بدون شرح ولا تعليق كما ورد في بلوغ الأرب للآلوسي (٢).
قالت الأولى: وهي مهدد بنت أبي هزومة: زوجي لحم جمل غث، على رأس جبل وعث، لا سهل فيرتقي ولا سمين فينتقي.
قالت الثانية: زوجي لا أبث خبره، إني أخاف أن لا أذره، إن أذكره أذكر عجره وبجره.
قالت الثالثة: وهي كبشة بنت الأرقم: زوجي العشق، إن أنطق أطلق، وإن أسكت أعلق.
قالت الرابعة: زوجي كليل تهامة، لا حر ولا قر ولا مخافة ولا سآمة، والغيث غيث غمامة.
قالت الخامسة: وهي حبي بنت علقمة: زوجي إن دخل فهد، وإن خرج أسد، ولا يسأل عما عهد، ولا يرفع اليوم لغد.
стр. 6152
قالت السادسة. وهي بنت أوس بن عبد ود: زوجي إن أكل لف، وإن شرب اشتف، وإن اضطجع التف، ولا يولج الكف ليعلم البث.
قالت السابعة: وهي هند: زوجي غياياء، طباقاء، كل داء له داء، شجك أو فلك أو جمع كلالك.
والغياياء الطباقاء الأحمق الذي ينطبق عليه أمره. وعن الجاحظ الطباقاء الثقيل الصدر عند الجماع ينطبق صدره على صدر المرأة فيرتفع أسفله عنها، وقد ذمت امرأة امرأ القيس فقالت له: ثقيل الصدر خفيف العجر سريع الإراقة بطي الإفاقة، وقولها كل داء أي كل شيء تفرق في النّاس من المعائب موجودة فيه وقولها شجك أو فلك وصفته بالحمق والتناهي في سوء العشرة فهو يضرب ويشج.
قالت الثامنة: وهي عمرة بنت عمرو: زوجي الريح ريح زرنب والمس مس أرنب.
قالت التاسعة: وهي كبشة: زوجي رفيع العماد، طويل النجاد، عظيم الرماد، قريب البيت من الناد، وزاد الزبير بن بكار في روايته "لا يشبع ليلة يضاف، ولا ينام ليلة يخاف".
قالت العاشرة: وهي حبي بنت كعب: زوجي مالك، وما مالك؟ مالك خير من ذلك له إبل قليلات المسارح كثيرات المبارك؛ إذا سمعن صوت المزهر أيقن أنهن هوالك.
قالت الحادية عشر: وهي عاتكة كما قال ابن دريد في كتاب الوشاح: زوجي أبو زرع وما أبو زرع؟ أناس من حلي أذني وملاء من شحم عضدي وبجحني فبجحت إلى نفسي وجدني في أهل غنيمة بشق، فجعلني في أهل صهيل وأطليط ودائس ومنق فعنده أقول فلا أقبح، وأرقد فأتصبح، وأشرب فأتقنح، أم أبي زرع فما أم أبي زرع؟ عكومها رداح، وبيتها فساح، ابن أبي زرع فما ابن أبي زرع مضجعه كمثل شطبة وتشبعه ذراع الجفرة، بنت أبي زرع فما بنت أبي زرع؟ طوع أبيها وطوع أمها وملء كسائها وغيظ جارتها. وجارية أبي زرع فما
стр. 6153
جارية أبي زرع؟ لا تنث حديثنا تنثيثا، وفي رواية "لا تبث حديثنا تبثيثا" ولا تنقت ميرتنا تنقيتا ولا تملأ بيتنا تعشيشا.
قالت: خرج أبو زرع والأوطاب تمخض فلقي امرأة معها ولدان لها كالفهدين يلعبان تحت خصرها برمانتين، فطلقني ونكحها، فنكحت بعده رجلًا سريا ركب شريا وأخذ خطيا، وراح علي نعما ثريا، أعطاني من كل رائحة زوجا وقال: كلي أم زرع وميري أهلك فلو جمعت كل شيء أعطاني ما بلغ آنية أبي زرع.
ولست هنا بصدد دراسة لغة خَثْعم، فهذا أمر يحتاج إلى كتاب كبير، وإنما أوردت هذه الأمثلة للاستشهاد بها على فصاحة خَثْعم
مشاهير بني خَثْعم قديمًا
قبيلة كقبيلة خَثْعم عرفت بكثرة الفروع منذ العصر الجاهلي إلى اليوم، فقد أطلق على أحد فروعها في العصر الجاهلي شهِرّان العريضة لكثرتها. من البديهي أن يكون مشاهيرها كثيرين، لكن تاريخ قبائل الجزيرة العربية لَمْ يحظ بالتدوين والتسجيل في عصور التدوين مما أدى إلى ضياع الكثير منه، ومع هذا لَمْ ينس علماء ذلك العصر هذه القبيلة، فقد خصها الإمام محمد بن سَلَمَة اليشكري مؤلف أسماه "أخبار خَثْعم وأنسابها وأشعارها" لكنه فقد ولم يصل إلينا، وهذا مما يدلُّ على قوتها وشهرتها وكثرة مشاهيرها في ذلك الزمان، ولو تتبعنا صفحات التاريخ لوجدنا من رجال هذه القبيلة من خاض غمار الحرب وعرف بين أقرانه بالشجاعة والفروسية. ولوجدنا منهم الصحابة والتابعين، والفرسان الذين حملوا راية الجهاد أيام الفتوحات الإسلامية وغير هؤلاء الكثير. وقد اقتصرت على المشاهير قديمًا - حتى لا يتوسع البحث ويأخذ حيزا كبيرًا - ثم أوردتهم على ثلاثة أقسام:
١ - المشاهير من القادة والفرسان.
٢ - المشاهير من العلماء ورواة الأخبار والأحاديث.
٣ - الشعراء والشواعر.
стр. 6154
أولًا: المشاهير من القادة والفرسان
الحجاج بن جارية الفزعي الخثعمي
كان فارسًا مشهورًا وبطلًا مقدامًا، قاتل مع مصعب بن الزبير ضد عبد الله ابن الحر، وكان أحد الفرسان الذين أرسلهم مصعب إلى عبد الله بن الحر فهزمهم، ثم عاد إليه الحجاج مُرّة أخرى فحمل عليه وحاربه حتى أسره عبد الله ابن الحر (١).
كما قاتل مع مطرف بن المغيرة عندما خرج على الحجاج سنة ٧٧ هـ ذكر الطبري ذلك فقال: "حدثني عبد الله بن علقمة الخثعمي أن الحجاج حين سمع بخروج مطرف من المدائن نحو الجبل اتبعه في نحو ثلاثين من قومه وغيرهم. وقال: وكنت فيهم فلحقناه بحلوان، فكنا ممن شهد معه قتال سويد بن عبد الرَّحمن، ثم قال: ولما قدمنا على مطرف بن المغيرة سر بمقدمنا وأجلس الحجاج ابن جارية معه على مجلسه، ولما خرج سويد بمن معه وقف الرجال ولم نخرج بهم من البيوت وقدم ابنه القعقاع في الخيل وقال: فدعا مطرف الحجاج بن جارية فرحه إليهم في نحو عددهم فأقبلوا نحو القعقاع فلما رآهم سويد قدموا نحو ابنه أرسل إليهم غلامًا له يقال - رستم - فانطلق غلامه حتى انتهى إلى الحجاج بن جارية فأسر إليه: إن كنتم تريدون الخروج من بلادنا هذه إلى غيرها فاخرجوا عنا، فإنا لا نريد قتالكم وإن كنتم إيانا تريدون فلا بد من منع ما في أيدينا. فلما جاءه بذلك قال له الحجاج بن جارية: أنت أميرنا فاذكر له ما ذكرت لي، فخرج حتى أتي مطرفا فذكر له مثل الذي ذكر للحجاج بن جارية فقال له مطرف: ما أريدكم ولا بلادكم، فقال له: فالزم هذا الطريق حتى تخرج من بلادنا، فإنا لا نجد بُدًّا من أن يرى النّاس ويسمع بذلك أنا قد خرجنا إليك. قال: فبعث مطرف إلى الحجاج فأتاه ولزموا الطريق حتى مروا بالثنية فإذا الأكراد بها فنزل مطرف ومعه عامة أصحابه وصعد إليهم في الجانب الأيمن الحجاج بن جارية وفي الجانب الأيسر سليمان بن حذيفة، فهزموهم وسلم مطرف وأصحابه" (٢).
стр. 6155
وخلاصة القول أن هذا الرجل أبلى بلاء حسنًا وقاتل قتالا شديدًا ضد الحجاج، وكان أحد السواعد القوية التي اعتمد عليها مطرف بن المغيرة في حروبه وهذا ما أغاظ الحجاج بن يوسف عليه وجعله يتمنى زواله أو القبض عليه، وكتب بذلك كتابًا إلى عامله، وهذا نص الكتاب كما أورده ابن جرير الطبري "أما بعد: فإن كان الله قد قتل الحجاج بن جارية فبعدا له، فذاك ما أهوى وأحب، وإن كان حيا فاطلبه قبلك حتى توثقه ثم سرح به إليَّ إن شاء الله، والسلام" (١).
كما قاتل هذا الفارس المغوار مع ابن الأشعث ضد الحجاج سنة ٨٢ هـ في موقعة دير الجماجم، وقام بدور بارز وتولي ميمنة الجيش كما ذكر الطبري (٢).
وقاتل مع يزيد بن المهلّب عندما غزا جرجان وطبرستان سنة ٩٨ هـ وأبلي بلاء حسنًا، قال الطبري: "قاتل ابن أبي سيرة وابنا زحر والحجاج بن جارية الخثعمي على الساقة، فكان يقاتل من وراءه حتى انتهى إلى الماء، وقد كانوا عطشي فشربوا، وانصرف عنهم العدو، ولم يظفروا منهم بشيء، فقال سفيان بن صفوان الخثعمي:
لولا ابن جارية الأغر جبينه … لسقيت كأسا مرة المتجرع
وحماك في فرسانه وخيوله … حتى وردت الماء غير متعتع
سفيان بن أبي العالية الخثعمي
فارس شجاع وبطل مقدام، كان أحد قواد الحجاج المشهورين في حروبه ضد شبيب سنة ٧٦ هـ، قال الطبري (٣): "أقبل سفيان بن أبي العالية في خيل قد كان أمر أن يدخل بها طبرستان فأمر بالقفول، فأقبل راجعا في نحو ألف فارس، فصالح صاحب طبرستان، ثم قال: حدثني عبد الله بن علقمة عن سفيان بن العالية الخثعمي أن كتاب الحجاج أتاه: أما بعد فسر حتى تنزل الدسكرة فيمن معك، ثم أقم حتى يأتيك جيش الحارث بن عميرة الهمداني، ثم سر إلى شبيب حتى تناجزه، فلما أتاه الكتاب أقبل حتى نزل الدسكرة، ونودي في جيش الحارث
стр. 6156
ابن عميرة بالكوفة والمدائن أن بريت الذِّمة من رجل من جيش ابن عميرة لَمْ يواف سفيان بن أبي العالية بالدسكرة، قال: فخرجوا حتى أتوه، أتته خيل المناظر وبعث إلى سفيان بن أبي العالية ألا تبرح العسكر حتى آتيك فتعجل سفيان فارتحل في طلب شبيب فلحقه بخانقين في سفح جبل، على ميمنته خازم بن سفيان الخثعمي من بني عمرو بن شهران و علي ميسرته عديّ بن عميرة الشيباني، وأضمر لهم شبيب، ثم ارتفع عنهم كأنه يكره لقاءه، وقد أكمن له أخاه مصادا معه خمسون في هزم من الأرض، ولما رأى الكمين أن قد جاورهم خرجوا إليهم، فحمل إليهم شبيب من أمامهم وصاح بهم الكمين من ورائهم فلم يقاتلهم أحد، فقاتلهم قتالا شديدًا حسنًا حتى ظن أنه انتصف من شبيب وأصحابه. قال سويد بن سُلَيْم لأصحابه: أمنكم أحد يعرف أمير القوم ابن العالية؟ فوالله لئن عرفته لأجهد نفسي في قتله، فقال شبيب: أنا من أعرف النّاس به، أما ترى صاحب الفُرس الأغر الذي دونه المراميه! فإنه ذلك، فإن كنت تريده فأمهله قليلًا. ثم قال: يا قعنب أخرج في عشرين فأتهم من ورائهم، فخرج قعنب في عشرين فارتفع عليهم فلما راوه يريد أن يأتيهم من ورائهم جعلوا ينتقضون ويتساءلون وحمل سويد بن سُلَيْم على سفيان بن أبي العالية فطاعنه، فلم تصنع رمحاهما شيئًا، ثم اضطربا بسيفيهما ثم اعتنق كل منهما صاحبه فوقعا إلى الأرض يعتركان، ثم تحاجزوا وحمل عليهم شبيب فانكشفوا، وأتى سفيان غلام له يقال له غزوان، فنزل عن برذونه فقاتل دونه غزوان فقتل، وكانت معه رايته. وأقبل سفيان بن أبي العالية حتى انتهى إلى بابل مهروذ، فنزل بها وكتب إلى الحجاج كتابًا يخبره فيه بخبره، فلما قرا الحجاج الكتاب قال: من صنع كما صنع هذا، وأبلي كما أبلي هذا وأحسن. ثم كتب إليه: أما بعد، فقد أحسنت البلاء، وقضيت الذي عليك، فإذا خف عنك الوجع فأقبل مأجورا إلى أهلك والسلام".
خازم بن سفيان الخثعمي
هو خارم بن سفيان الخثعمي من بني عمرو بن شهران، قائد مشهور شارك
стр. 6157
مع جيش الحجاج بن يوسف الثقفي في حروبه ضد شبيب وقام بدور بارز فتولي ميمنة جيش أبي العالية الخثعمي الذي سار به إلى شبيب (١).
خازم بن قدامة الخثعمي
لَمْ تسعفني مصادر التاريخ التي اطلعت عليها عن هذا الرجل بشيء سوى ما ذكر الطبري عنه بأنه شارك مع الحجاج بن يوسف الثقفي، وكان أميرًا على الجيش الذي أرسله سورة بن أبجر في طلب شبيب سنة ٧٦ هـ (٢).
عبد الله بن حملة الخثعمي
قائد مشهور وفارس شجاع، كان أحد الرجلين اللذين أمرهما عبيد الله بن زياد الأموي على جيشه وأرسلهما إلى قتال المختار.
قال الطبري (٣): "لما خرج يزيد بن أنس بثلاثة آلاف فارس من أهل الكوفة قال ابن زياد: أنا أبعث إلى كل ألف ألفين ودعا ربيعَةَ بن المخارق الغنوي وعبد الله ابن حملة الخثعمي فبعثهما في ثلاثة آلاف وبعث ربيعَةَ المخارق أولًا ثم مكث يومًا ثم بعث خلفه عبد الله بن حملة، ثم كتب إليهما: أيكما سبق فهو أمير على صاحبه وإن أتيتما جميعًا فأكبر كما سنا أمير على صاحبه والجماعة قال: فسبق ربيعَةَ بن المخارق ثم قاتل ربيعَةَ بجيشه حتى انهزم فتلقاهم عبد الله بن حملة بعد ساعة وقاتلوا حتى انهزموا. قال: فنزل عبد الله بن حملة فأُخذ ينادي أصحابه: الكرة بعد الكرة يا أهل السمع والطاعة، فحمل عليه عبد الله بن قراد الخثعمي فقتله".
وهكذا انتهت سيرة هذا البطل الشجاع وقتل بسيف أحد أبناء قومه.
ابن قيصر الخثعمي القحافي
قائد شجاع، شارك مع الحجاج بن يوسف الثقفي في حروبه ضد مطرف بن المغيرة سنة ٧٧ هـ، ولَّاه عديّ بن وتاد الإيادي على الخيل في الجيش الذي سيَّره
стр. 6158
إلى مطرف بن المغيرة. وقد أبلى بلاء حسنًا، قال الطبري (١): "ثم إن ابن هبيرة حمل على الحجاج بن جارية وأصحابه فقاتله قتالًا طويلًا ثم إنه حذره حتى انتهى إلى مطرف، وحمل ابن قيصر الخثعمي في الخيل على سليمان بن صخر المزني فقتله، وانكشفت خيلهم، حتى انتهى إلى مطرف ثم اقتتلت الفرسان أشد قتال رآه النّاس قط ثم إنه وصل مطرف" وروى بأنه حمل رأس عبد الرَّحمن الأزدي رئيس عسكر مطرف بعد المعركة، كما شارك مع عبد الله بن حملة الخثعمي في قتاله يزيد بن أنس، فقد جعله على ميسرة الجيش الذي يتولى إمارته (٢).
سويد بن عمرو بن أبي المطاع الخثعمي
كان أحد القواد المدافعين عن الحسين بن علي ﵄ في كربلاء لما فرَّ أصحابه لَمْ يبق معه غير سويد وبشر بن عمرو الحضرمي وأهل بيته من بني هاشم، وظل يدافع عنه حتى قتله عروة بن بيطار التغلبي.
قال الطبري: "قال أبو مخنف: حدثني زهير بن عبد الرَّحمن الخثعمي أن سويد بن عمرو كان صرع فأثخن، فوقع بين القتلى مثخنا فسمعهم يقولون: قتل الحسين، فوجد إفاقة فإذا معه سكين وقد أخذ سيفه، فقاتلهم بسكينه ساعة، ثم أنه قتل، قتله عروة بن بيطار التغلبي وزيد بن رقاد الجنبي، وكان آخر قتيل" (٣).
جبلة بن عبد الرَّحمن الخثعمي
كان قائدًا مشهورًا وأميرا في الجيش الذي أرسله عبيد الله بن زياد بقيادة الحصين لقتال سليمان بن صرد (٤).
زهير بن الحلاب الخثعمي
ذكره الطبري في حوادث سنة ١٥ هـ في ذكر فتح قيسارية وحصر غزة فقال: كتب عمر إلى معاوية، أما بعد، فإني قد وليتك قيسارية، فسر إليها واستغفر الله
стр. 6159
عليهم، وسار معاوية في جنده حتى نزل على أهل قيسارية وعليهم أبني، فهزمه وحصره في قيسارية، ثم إنهم جعلوا يزاحفونه، وجعلوا لا يزاحفونه من مُرّة إلَّا هزمهم وردهم إلى حصنهم، ثم زاحفره آخر ذلك وخرجوا من صياصيهم فاقتتلوا في حفيظة واستماتة فبلغت قتلاهم ثمانين ألفًا وكملها في هزيمتهم مائة ألف، وبعث عبد الله الفراسي وزهير بن الحلاب الخثعمي، وأمرهما أن يتبعاهما ويسبقاهما، فلحقاهما فطوياهما وهما نائمان" (١)، قتل مع حجر بن عبديّ بمرج عذراء سنة ٥٣ هـ.
ك عب بن أبي كعب الخثعمي
كان من فرسان خَثْعم وقوادها المشهورين، ولكن لَمْ تسعفنا مصادر التاريخ عن حياته ووفاته بشيء إلَّا ما ذكره الطبري في تاريخه، فقد كان من أنصار ابن مطيع في الكوفة مما جعله يبعثه إلى جبانة ويطلب منه أن يكفيه شر قومه من الخروج مع المختار. قال الطبري: "خرج أبو عثمان النهدي فنادى في شاكر وهم مجتمعون في دورهم، يخافون أن يظهروا في الميدان لقرب كعب بن أبي كعب الخثعمي منهم وكان كعب في جبانة بشر، فلما بلغه أن شاكرا تخرج جاء يسير حتى نزل الميدان، وأخذ عليهم بأفواه سككهم وطرقهم، قال: فلما أتاهم أبو عثمان النهدي في عصابة من أصحابه نادى: يالثارات الحسين! فخرجوا من الدور يتداعون ثم ضاربوا كعب بن أبي كعب حتى خلى لهم الطريق فأقبلوا إلى المختار حتى نزلوا معه في عسكره، وخرج عبد الله بن قراد الخثعمي في جماعة من خَثْعم نحو المائتين حتى لحق المختار، فنزلوا معه في عسكره، وقد كان عرض له كعب بن أبي كعب فصافه، فلما عرفهم ورأى أنهم قومه خلى عنهم، ولم يقاتلهم" (٢).
ولما ثار أهل الكوفة على المختار وسئموا من حكمه اجتمع أعيانهم ودخلوا على كعب بن أبي كعب وطلبوا منه الخروج معهم لقتال المختار فأجابهم لذلك وخرج في جبانة بشر (٣).
стр. 6160
ك ريم بن عفيف الخثعمي
هو كريم بن عفيف من بني عامر بن شهران ثم من قحافة، كان من أنصار عديّ بن حجر، أبلي معه بلاء حسنًا في حروبه ضد رياد بن أبي سفيان أحد ولاة معاوية بن أبي سفيان، ولما تمكن زياد بن أبي سفيان من الغلبة على حجر بن عدي وأصحابه ألقي القبض على عدي بن حجر ورؤوس أنصاره وقتل منهم من قتل وأرسل بعضهم إلى معاوية وكان منهم كريم بن عفيف الخثعمي، قال له زياد لما أتي به: ما اسمك، قال: كريم بن عفيف فقال: ويحك ما أحسن اسمك واسم أبيك، وأسوأ عملك ورأيك! قال: أما والله إن عهدك برأيي لمن قريب" (١). ولما دخل على معاوية، قال: الله الله يا معاوية، فإنك منقول من هذه الدار الزائلة إلى الدار الآخرة، ثم مسؤول عما أردت بقتلنا وفيم سفكت دماءنا، فقال معاوية: ما تقول في علي قال: أقول فيه قولك، قال: أتبرأ من دين علي الذي كان يدين به فسكت وكره معاوية أن يجيبه (٢)، فطلبه شمر بن عبد الله القحافي من معاوية فأجابه لذلك غير أنه بسه شهرا ومنعه من دخول الكوفة فرحل إلى الموصل وتوفي قبل معاوية بشهر (٣).
ربيعَةَ بن أبي شداد الخثعمي
كان من فرسان خَثْعم وشجعانها المشهورين، أبلى بلاء حسنًا مع علي بن أبي طالب، حمل راية خَثْعم في موقعة الجمل وصفين والنهروان. قال الطبري: ولما خرجت الخوارج من الكوفة أتي عليًّا أصحابه وشيعته فبايعوه وقالوا: نحن أولياء من واليت وأعداء من عاديت فجاءه ربيعَةَ بن أبي شداد الخثعمي - فقال: بايع على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فقال ربيعَةَ: وعلى سنة أبي بكر وعمر، فقال له علي: ويلك لو أن أبا بكر وعمر عملا بغير كتاب الله وسنة رسول الله لَمْ يكونا على شيء من الحق فبايعه، فنظر إليه علي، وقال: أما والله لكأني بك،
стр. 6161
وقد نفرت مع هذه الخوارج فقتلت وكأني بك وقد وطئتك الخيل بحوافرها، فقتل يوم النهروان مع خوارج البصرة" (١).
عبد الله بن قراد الخثعمي
قائد مشهور وبطل مقدام، شارك مع المختار في حروبه ضد ابن المطيع سنة ٦٦ هـ، كما شارك مع المختار في حروبه ضد عبيد الله بن زياد سنة ٦٦ هـ ودفعه الولاء لهذا الرجل، أن يقتل أحد أمراء عبيد الله بن زياد وهو عبد الله بن حملة الخثعمي أحد أبناء قومه، كما شارك مع هذا الرجل في حروبه ضد أهل الكوفة عندما ثاروا عليه، فقد بعثه بأربعمائة فارس من قومه لصد غارات الثائرين والهجوم عليهم، وفي سنة ٦٧ هـ، أرسله المختار في مائة رجل للقضاء على شبث ابن ربعي فهرب إلى مصعب بن الزبير ولم يدركهـ.
وخلاصة القول: إن هذا الرجل كان من المخلصين للمختار الثقفي، ومن السواعد القوية التي اعتمد عليها ووثق بها، فقد كان محلة ثقته ورئيسا الشرطته (٢). وتوفي سنة ٦٧ هـ وأورد الطبري وفاته بعد أن ذكر مقتل المختار وتفرق أصحابه - وطلب عبد الله بن قراد عصا أو حديدة أو شيئًا يقاتل به فلم يجده؛ وذلك أن الندامة أدركته بعد ما دخلوا عليه وأخذوا سيفه وأخرجوه مكتوفا، فمر به عبد الرَّحمن وهو يقول:
ما كنت أخشى أن أرى أسيرًا … إن الذين خالفوا الأميرا
قد زعموا وتبروا تتبيرا
وقال عبد الرَّحمن بن محمد الأشعث: عي بذا، قدموه إليَّ أضرب عنقه، فقال له: أما إني على دين جدك الذي آمن ثم كفر، إن لَمْ أكن ضربت أباك بسيفي حتى فاض ثم قال: ادنوه مني، فأدنوه منه، فقتله فغضب عبَّاد فقال: قتلته ولم تؤمر بقتله (٣).
стр. 6162
عبد الله بن عروة الخثعمي
لَمْ أجد فيما تحت يدي من المراجع ما يعطينا تفصيلا عن حياته ومتى توفي إلَّا أنه ذكره الطبري (١) في حوادث سنة ٦٦ هـ بأنه أحد الثائرين من أهل الكوفة ضد المختار، ومن أبلى بلاء حسنًا في الحرب ضده مما جعله يطلبه ففاته ولحق مصعب بن الزبير، فهدم داره". وذكر ابن الأثير في تاريخه (٢): إنه رمي جعفر بن عُقيل فقتله.
عبد الله بن عمرو بن ظُلَّام الخثعمي
قال ابن الكلبي: لما دخل عمرو بن العاص وأصحابه مصر أصابوا محمد ابن أبي حذيفة فبعثوا به إلى معاوية وهو بفلسطين فحبسه في سجن له، فمكث فيه غير كثير ثم إنه هرب من السجن - وكان ابن خال معاوية - فأرى النّاس معاوية أنه قد كره انفلاته فقال لأهل الشام من يطلبه؟ قال: وقد كان معاوية يحب فيما يرون أن ينجو، فقال رجل من خَثْعم يقال له عبد الله بن عمرو بن ظلام، وكان رجلًا شجاعا وكان عثمانيا: أنا أطلبه فخرج في حاله حتى لحقه بأرض البلقاء بحوران وقد دخل في غار هناك فجاءت حمر تدخله، وقد أصابها المطر فلما رأت الحمر الرجل في الغار فزعت، فنفرت فقال حصادون كانوا قريبًا من الغار: والله إن لنفر هذه الحمر من الغار لشأنا، فذهبوا لينظروا فإذا هم به فخرجوا فوافقهم عبد الله بن عمرو بن ظلام الخثعمي فسألهم عنه ووصفه لهم، فقالوا له: ها هو ذا في الغار، قال: فجاء حتى استخرجه، وكره أن يرجعه إلى معاوية فيخلي سبيله فضرب عنقه (٣).
стр. 6163
عبد الله بن ذي السهمين الخثعمي
بطل مقدام من رجال خَثْعم المشهورين ذو رأي صائب وبصيرة فذة، جاء إلى عمر فأمّره على أنَّاس من خَثْعم ووجهه إلى المثنى فخرج نحوه حتى قدم عليه (١).
وكان من رجال النعمان وممن انتدبهم للدخول على الهرمزان، قال محدثا لأصحابه: إني سمعت الأمير يقرأ ويذكر في قراءته الرعب فما ذكره إلَّا لفضل عنده، اقتدوا برايتكم وليحم راجلكم خيلكم ثم احملوا، فما لقول الله من خلف، فأنجز الله وعده، وكان كما رجوت (٢)، وتولى على الركبان وقام صبيحة القادسية فخطب مع الذين خطبوا ذلك اليوم. قال الطبري (٣): "لما رأت ذلك القبائل قام فيها رجال، فقام قيس بن عبد يغوث والأشعث بن قيس وعمرو بن مَعْد يكرب، وابن السهمين الخثعمي، فقالوا: لا يكونن هؤلاء أجد في أمر الله منكم، ولا يكونن هؤلاء - أهل فارس - أجرأ على الموت منكم ولا أسخي أنفسا على الدنيا .. " وكان من شهود كتاب النعمان بن مقرن وحذيفة لأهل الماهين (٤).
مالك بن عبد الله الخثعمي
فارس وبطل مقدام، من كبار القادة غزا أرض الروم سنة ٥٨ هـ وغزا سورية سنة ٦٠ هـ ترجم له ابن حجر في الإصابة فقال (٥): مالك بن عبد الله بن سنان الخثعمي كان يعرف بمالك السرايا، قال البخاري وابن حبان: له صحبة. وقال البغوي: يقال له صحبة. وقال العجلي: تابعي ثقة، وذكره خليفة في الصحابة فقال: روى أنه سمع النَّبِيّ ﷺ قال: "من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله
стр. 6164
على النار"، وقال عطية بن قيس: ولي مالك الصوائف زمن معاوية ثم يزيد ثم عبد الملك، ولما مات كسروا على قبره أربعين لواء.
وقال ابن عبد البر في الاستيعاب (١): "كان أميرًا على الجيوش في خلافة معاوية وقبل ذلك روى عنه القاسم بن محمد وعبد الله بن سليمان المصري وكان رجلًا صالحا ما ضرب الناقوس قط بليل وكانوا يضربونه نصف الليل إلَّا ومالك قد جمع عليه ثيابه في مسجد بيته يصلي، ولمالك فضائل جمة عند أهل الشام يرونها يطول ذكرها، يعد في المصريين، ومنهم من يجعل حديثه مرسلًا ويجعله من التابعين".
وقال البلاذري (٢): "يقال له مالك الصوائف، وهو من أهل فلسطين غزا بلاد الروم سنة ٤٦ هـ وغنم غنائم كثيرة ثم قفل، فلما كان من درب الحدث على خمسة عشر ميلًا بموضع يدعى الرهوة، أقام فيها ثلاثًا فباع الغنائم وقسم سهام الغنيمة فسميت تلك الرهوة رهوة مالك".
العباس بن سفيان الخثعمي
قائد بحري، كان أميرًا على غازية البحر في خلافة المنصور، وهوأول من غزا قبرص سنة ١٤٦ هـ في عهد ابن العباس، توفي سنة ١٥٠ هـ (٣).
الزبير بن خزيمة الخثعمي
قال أبو الفرج: بعث بشر بن مروان الزبير بن خزيمة الخثعمي إلى الري فلقيه الخوارج بجلولاء فقتلوا جيشه وهزموه وأبادوا عسكره وكان معه أعشى همدان فقال في ذلك:
أمرت خَثْعم على غير خير … ثم أوصاهم الأمير بسير
أين ما كنتم تعيفون للنا … س وما تزجرون من كل طير
ظلت الطير عنكم بجلولاء … وعزتكم أماني الزبير
قدر ما أتيح لي من فلسطين … على فالج ثقال وعير
خثعمي مغصص جرجما … ني محل غزا مع ابن نمير (٤)
стр. 6165
عثمان بن أبي نسعة الخثعمي
هو من ولاة خَثْعم ومشاهيرها، قال ابن حزم: ومن خَثْعم كان عثمان بن أبي نسعة ولي الأندلس، وولده بشذونه. وهي دار خَثْعم، بالأندلس، وهو عثمان ابن أبي نسعة بن إياس بن الحارث بن مالك بن جشم بن أوس الله بن مصعب بن عنم بن الفريح بن شهران بن عفرس بن حلف بن أفتل وهو خَثْعم (١).
ثانيًا: العلماء ورواة الأحاديث والأخبار
أ - الرجال
إبراهيم بن الحسن بن الهيثم الخثعمي
أبو إسحاق المصيعي المقسمي روى عن حجاج بن محمد والحارث بن عطية ومخلد بن زيد وعدة، وروى عنه أبو داود والنسائي وموسى الحمال وابن أبي داود وغيرهم.
وكتب عنه أبو حاتم، وقال: صدوق وقال النسائي: ثقة، وفي موضع آخر ليس به بأس قلت وذكره ابن حبان في الثقات (٢).
أسيد بن عبد الرَّحمن الخثعمي
ترجم له ابن حجر العسقلاني فقال: "روي عن فروة بن مجاهد اللخمي وعبد الله بن محيريز، والصحيح أن بينهما خالد بن دريك ومكحول الشامي وغيرهم، وروى عنه الأوزاعي وإسماعيل بن عياش والمغيرة بن المغيرة الرملي، قال يعقوب بن سفيان: شامي ثقة، وقال أبو زرعة: توفي سنة ١٤٤ هـ، روي له أبو داود حديثًا واحدًا في الجهاد. قلت: وقال: ابن شاهين في الثقات قال أحمد بن صالح: من وجوه خَثْعم من ثقات الشام، وذكر ابن حبان في الثقات تبعًا للبخاري وابن أبي حاتم أنه روي عن ابن محيريز، وكذا قال الدارقطني وعبد الغني ورد ذلك الخطيب وقال: "إنه خطأ وأنه ما روى عن ابن محيريز إلَّا بواسطة خالد بن دريك والله أعلم" (٣).