آمن زهير حقيقة لَمْ يطالب بالأعمال الظاهرة التي لَمْ تفرض إلَّا بعد وفاته، ولكن نقصه الاعتقاد، فلم ينفعه علمه بيوم الميعاد.
وهنا أريد أن أذكر من حَمَّلَهم الله مسؤولية تربية الأجيال، بأن عليهم غرس العقيدة الصافية في قلوب الناشئة فعليها ينبني الإسلام وهي التي تحمل النشء فيما بعد على امتثال الأوامر واجتناب النواهي وعمل الصالحات فإنا نجد أن الله كثيرًا ما يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ … ﴾ [الكهف: ٣٠] فتبين لنا أن العمل بعد الإيمان، وهذا هو مراده تعالى من قوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ … ﴾ [محمد: ١٩] وهذا ليس بجديد فقد عرفه المصلحون ودعوا إليه. وما نفتأ نسمع الدعوة إلى هذا الأمر من جلالة المصلح الكبير فهد بن عبد العزيز، فلا توجد خطبة من خطبه ولا توجيهًا من توجيهاته حتى وإن كان لقاءً صحفيًا إلَّا وفيها الحث على التمسك بالعقيدة ولكن من المؤسف حقًّا أن نسمع كلمات المصلحين تتردد في كلّ مناسبة ولا نلقي لها بالًا وهذا ما أصبنا به، فاللهم سلم.
الوجه الرابع: ما ذكره (الشهرستاني) في الملل والنحل، لما ذكر المؤمنين في الفترة قال: ومن هؤلاء زهير بن أبي سلمى كان يمر الغضاة وقد أورقت بعد يبس. فيقول: لولا أن تسبَّني العرب لآمنت بمن أحياك بعد يبس سيحيي العظام وهي رميم. قال: ثم آمن بعد ذلك وقال قصيدته المعلقة ا هـ.
ومن هنا علمنا أن زهيرًا لَمْ يؤمن لأنه قال: لولا أن تسبَّني العرب لآمنت بمن أحياك، فقدم الخوف من مسبة العرب على معرفته وعلمه فمات كما قال بجير ﵁ (فدين زهير وهو لا شيء دينه) فتبين بذلك ما أثبتناه، نعوذ بالله من علم لا ينفع. فتأمل قصة هذا الرجل الذي محمد من أعلم أهل زمانه وأحكمهم. وقارن بين علومه ومعارفه وبين ما مات عليه، يتبين لك الفرق بين الإسلام والإيمان وبين مُجَّرد العلم والاعتقاد والله المستعان.
هذا، وقد كانت ولادة شاعرنا سنة ٥٢٠ م وتوفي سنة ٦٢٧ م وقد عاش مائة سنة وثمان سنين على الأصح وحسب قوله في قصيدته التي قدمناها. والله أعلم.
стр. 632
خنساء بنت زهير
قال أبو العباس: وقالت خنساء أخت زهير ترثي أخاها (١).
قلت: بل هي بنت زهير لأنَّ أخت زهير اسمها سُلمى بنت أبي سُلمى وهي شاعرة مجيدة، وإنما هذه الأبيات الخنساء بنت زهير كما علمنا وهي تقول في مرثية أخيها سالم:
لا يغني توقي المرء شيئًا … ولا عقد التميم ولا الغضار
إذا لاقى مَنيتّه فأمسى … يساق به وقد حق الجوار
ولا قاه من الأيام يوم … كما من قبل لَمْ يخلد قدار
تقول: لا يغني عن المرء شيء يتوقي به عن الموت، ولا تنفع التمائم، والعوذ. وهذا يبين لنا مدى ما هم متعلقين به من هذه التمائم. إلَّا أن خنساء تنكرها وتعلم أنَّها لا تضر ولا تنفع. وهو يدلُّ على أنَّ القوم أصحاب عقول ولكن أضلها باريها. وعلَّق أبو العباس على هذا بقوله: كان أحدهم إذا خشي المرض علَّق على نفسه خزفًا من الخزف الأخضر فلا يدنو منه المرض (٢).
قال مؤلفه عفا الله عنه: لا أدري كيف غفل أبو العباس عن التعليق على هذا الكلام مع أنه ساقه بصيغة التمريض فقال: يقال. ولكن لا يجب السكوت على مثل هذه الشركيات حتى يبين الحق فيها، فهي أمور قد جاء الإسلام بإبطالها، وأخبر النَّبِيّ ﷺ أن (من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له) (٣). والودعة هي الخزف الأخضر. وقال ﷺ وقد ذكرت الطيرة عنده (أحسنها الفأل ولا ترد مسلمًا فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل اللهم لا يأتي بالحسنات إلَّا أنت ولا يدفع السيئات إلَّا أنت ولا حول ولا قوة إلَّا بك) (٤).
وهذه الأبيات وأبيات لزهير تقدمت تدل على أنَّ القوم يحفظون تاريخ الأمم قبلهم وأنهم على علم بما فعل بهم. ولكن العادات القَبَلية والتقاليد صرفتهم عن التفكير في البحث عن دينهم الأول وهو دين إبراهيم الحنيفية السمحة فطغى عليهم تقليد الآباء ونسوا ما خُلقوا له.
стр. 633
وأبيات الخنساء هذه لها قصة أوردها أبو العباس فقال: كان لزهير ابنٌ يقال له سالم جميل الوجه حسن الشعر، فأهدى إليه رجل بُرْدَيْن فلبسهما وركب فرسًا له خيارًا وهو بماءة يقال لها النُّتَاءَةُ: مَاءُ لِغِنِي (١). ومرَّ بامرأة من العرب فقالت: ما رأيت كاليوم قطُّ رجلًا ولا بردين ولا فَرَسًا أحسن، فما مضى قليلًا حتى عثر به الفرس، فاندقت عنقه، وانشق البردان واندقت عنق الفرس.
فقال زهير يرثي ابنه سالمًا:
رأت رجلًا من العيش غبطة … وأخطاه فيها الأمور العظائم
وشبَّ له فيها بنون وتوبعت … سلامة أعوام له وغنائم
فأصبح محبورًا يُنَظَّرُ حَوْلَهُ … بمغبطة لو أن ذلك دائم
وعندي من الأيام ما ليس عنده … فقلت تَعَلَّم إنما أنت حالم
لَعَلَّك يومًا أن تراعي بفاجع … كما راعني يوم النُّتَاءَةِ سالم (٢)
وقالت بنت زهير الأبيات السابقة. والخنساء شاعرة كبيرة ولكن لَمْ يصل إلينا من شعرها سوى ما دوِّن مع شعر أبيها.
стр. 634
ومن مُزَيْنَة: كعب بن زهير بن أبي سُلمى
هذا صحابي جليل لا يحسن بنا أن نذكره في فترة ما قبل الإسلام ولكن ولادته كانت قبل البعثة، وشب وترعرع في بادية نجد وتعلم الشعر هناك، والحديث عن حياته بعد إسلامه ليس هذا موضعه ولكن نسوق قصته مع الشعر في الجاهلية:
قال أبو العباس: تحرك كعب بن زهير بقول الشعر فكان زهير ينهاه مخافة أن يكون لَمْ يستحكم شعره فيروي له ما لا خير فيه، فكان يضربه في ذلك، ففعل به مرارًا يضربه وينتهره فغلبه فطال ذلك عليه فأخذه فحبسه. ثم قال: والذي أحلف به لا تتكلم ببيت شعر ولا يبلغني أنك تريغ الشعر (أي تطلبه) إلَّا ضربتك ضربًا ينكلك عن ذلك فمك، محبوسًا عدة أيام ثم أخبر أنه يتكلم به فدعاه فضربه ضربًا شديدًا ثم أطلقه وسرحه في بهيمه وهو غليِّم صغير فانطلق فرعاها ثم راح بها عشية وهو يرتجز:
كأنما أحدو ببهمي عيرًا … من القرى موقرة شعيرًا
فخرج زهير إليه وهو غضبان فدعا بناقته وكَفَلَها بكسائه. ثم قعد عليها حتى انتهى إلى ابنه كعب فأُخذ بيده فأردفه خلفه، ثم خرج يضرب ناقته وهو يريد أن يتعنت ابنه كعبًا ويعلم ما عنده ويطَّلع على شعره فقال زهير حين برز من الحي:
إني لَتُعْديني على الهمّ جَسْرة … تَخُبُّ بوصَّال صروم وتَعْنِقُ
ثم ضرب كعبًا وقال أجز يالكع "أجز قل هذا، واللكع الليثم الأحمق" فقال كعب:
كبناية القريبي موضع رحلها … آثار سعيها من الدف أبلق
فقال زهير:
على لاحب مثل المجرة خلته … إذا ما علا نشزا من الأرض مهرق
стр. 635
ثم ضرب كعبًا وقال أجز يالكع. فقال كعب:
منير هداه ليله كنهاره … جميع إذا يعلوا الحزونة أفرت
ثم استمر زهير وابنه كعبًا على هذا المنوال حتى عرف جودة شعره وأنه لا يحسن به أن يرده عن قول الشعر. فأمسك بيده وقال له أذنت لك يا بني في الشعر. فلما نزل كعب وانتهى إلى أهله وهو صغير يومئذ قال:
أبيت فلا أهجو الصديق ومن يبع … بعرض أبيه في العاشر ينفق (١)
ونكتفي بهذا القدر من سيرة هذا الصحابي الجليل لنستأنف سيرته الإسلامية مع الصحابة الكرام ﵃ وحشرنا في زمرتهم إنه ولي ذلك والقادر عليه.
ومن مُزَيْنَة: معن بن أوس المزني
هو معن بن أوس بن نصر بن زياد بن سعد بن أسحم بن زبيد بن عدي بن ثعلبة بن ذؤيب بن سعد بن عدي بن عثمان بن عمرو بن أد بن طابخة بن إلياس بن مُضَر. هكذا نسبه الأستاذ عمر محمد سليمان القطان في كتابه الذي أفرده لهذا الشاعر (٢) وهو من الشعراء المخضرمين عاش في الجاهلية وفي الإسلام وبقي إلى أيام ابن الزبير، وكانت له منزلة عند خلفاء بني أمية إذ كان معاوية بن أبي سفيان يفضل مُزَيْنَة في الشعر ويقول: كان أشعر أهل الجاهلية منهم وهو زهير، وكان أشعر أهل الإسلام منهم وهو ابنه كعب، ومعن بن أوس.
وقال عبد الملك بن مروان لنفر من أهل بيته وولده: ليقل كلّ واحد منكم أحسن شعر سمع به. فذكروا لامرئ القيس والأعشي وطرفة فأكثروا حتى أتوا على محاسن ما قالوا. فقال عبد الملك: أشعرهم والله معن بن أوس المزني. وفي تمييز الكلام جيده من رديئه، ونادره من بارده. قال أبو هلال العسكري: "الكلام أيدك الله يحسن بسلاسته، وسهولته، ونصاعته، وتخير لفظه وإصابة معناه، وجودة مطالعه ولين مقاطعه، واستواء تقاسيمه، وتعادل أطرافه، وتشابه أعجازه
стр. 636
بهواديه، وموافقة مآخيره لمباديه، مع قلة ضروراته بل عدمها أصلًا حتى لا يكون لها في الألفاظ أثر، فتجد المنظوم مثل المنثور في سهولة مطلعه، وجودة مقطعه، وحسن رصفه وتأليفه، وكمال صوغه وتركيبه، فإذا كان الكلام كذلك كان بالقبول حقيقًا والتحفظ خليقًا كقول معن بن أوس (١).
لعمرك ما أهويت كفي لريبة … ولا حملتني نحو فاحشة رجلي
ولا قادني سمعي ولا بصري لها … ولا دلني رأيي عليها ولا عقلي
وأعلم أني لم تصبني مصيبة … من الدهر إلا قد أصابت فتى قبلي
ولست بماشٍ ما حييت لمنكر … من الأمر لا يمشي إلى مثله مثلي
وروى الأصبهاني: أن معن بن أوس المزني سافر إلى الشام وخلَّف ابنته ليلى في جوار عمر بن أبي سلمة وأمه أم سلمة أم المؤمنين ﵄، وفي جوار عاصم بن عمر بن الخطاب ﵄. فقال له بعض عشيرته: على من خلّفت ابنتك ليلى في الحجاز وهي صبية ليس لها من يكفلها فقال:
لعمرك ما ليلى بدار مضيعة … وما شيخها إن غاب عنها بخائف
إن لها جارين لن يغدرا بها … ربيب النبي وابن خير الخلائف
وقال أيضًا وأظنها في عبيد الله بن زياد:
ألا من مبلغ عني رسولًا … عُبيدَ الله إذْ عَجِلَ الرِّسالا
تَعاقَلَ دُونَنَا أبْناءُ ثَوْرٍ (٢) … ونحن الأكثرون حصًى ومالا
إذا اجتمعوا حَضَرْتَ فَصِرْتَ رِدفًا … وراء الماسحين لك السبالا
أبناء ثور هنا هم بنو ثور بن هذمة بن لاطم بن عثمان بن عمرو بن أد بن طابخة وهم مزينة، وروى (إذا اجتمعوا حضرتَ فجئتَ ردفًا) والردف هو كل شيء تبع شيئًا ومنه الرديف.
стр. 637
فَلَا تُعْطِي عَصَا الخُطَباءِ فيهُم … وقَدْ تُكْفَى الْمقَادَةَ والمْقَالَا
فَإنَّكُم وتَرْك بَني أَبيكُم … وأُسْرتُكُم تَجرُّونَ الحِبالا
وَودُّكُمْ العدى مِمَّن سواكم … لكَا الْحيْرانِ يَتَّبعُ الظلالا
تَحُفُّ الْمترَعاتُ إذا شَتَوْنا … إذا النَّكْبَاءُ عاقَبَتِ الشِّمالا
نُدِرُّ الحرب ما درَّت عَصُوبًا … وَنَخلُبُها ونُمريها عَلَالَا
يقول في هذه الأبيات: إن مزينة أبناء ثور هم الأكثرون عددًا ومالًا وإذا اجتمعوا وحضرت أنت ومن يمسِّحون لك لحاهم جئتم ردفًا لنا. فلا تؤمر عليهم أحدًا فإنهم سيكفونك القول والقيادة. ويقول لعبيد الله: أنتم يا بني أمية حينما تتركون بني أبيكم وهم مزينة؛ لأن الاصل واحد ونسب قريش ونسب مزينة واحد إلى إلياس بن مُضَر. كأنكم حيارا تتبعون الظلال، والواجب عليكم أن تولوا الأمور من هو أقرب لكم نسبًا. والشروج قليب لبني عبس وكذلك ماء بقرب جبلي طيئ. والنكباء ريح انحرفت عن مهابّ الرياح القُوَّم ووقعت بين ريحين.
وقال معن:
أَتَهْجُرُ نُعْمًا أمْ تُديمَ لَهَا وَصْلًا … وَكَمْ صَرَمَتْ نُعْمٌ نُعْمٌ لذي حُلَّةٍ حَبْلَا
إذَا أَنْتَ عَزّيْتَ الفُؤَادَ عَنِ الصَّبَا … تَذَكَّرْت منْهَا الأُنْسَ والْمنْطِقَ الرِّسْلا
وَذَا أُشْرِ عَذْبًا تَرِفُّ غُرُوبهُ … وَسَالِفَةٍ في طُولِهَا جُدِلَتْ جَدْلا
وَنَحْرًا كَفَا ثُورِ اللُّجَيْن وَنَاهِدًا … وَبطْنًا كَغِمْدِ السّيْفِ لَمْ يدرِ ما الحمْلَا
فَإِنْ تَكُ نُعْمٌ صَرّمتْني فإِنَّهَا … تَريشُ وَتَبْري لي إذا جئتُهَا النَّبْلَا
تَبَدِّي فَتَدْنُو ثُمَّ تَنْأَى بِوَصْلِهَا … لِتَبْلُغَ مِنِّي أَوْ لِتَقْتُلَني قَتْلًا
فَمَا الحْبْلُ مِن نُعْمٍ بَباقي جَديدُهُ … وَلَا كَائنٌ إلَّا المَواعِيدَ وَالْمطْلَا
وَرَدَّ قِيَانَ الحيّ حين تَحَمَّلوا … لبَيْنَهْمَ أُدْمًا مُخَيَّسَةً بُزْلَا
رَفَعْنَ غَداةَ البَيْن خَزِّا وَيُمْنَةً … وَأَكْسيَتِ الدِّيبَاجِ مُبَطّنَةً خَمْلا
عَلَى كُلِّ فَتْلَاءَ الذِّرَاعَيْن جَسْرَةٌ … تَمُرُّ على الحْاذين مَطّردًا جَثْلَا
وَأَصْهبَ نَصَّاحَ المْقِدِّ مُفَرَّجٌ … جلَالٍ عَلَى الحْزَّانِ يَسْتَضْلِعُ الحَمْلا
стр. 638
فَأَتْبَعْتُ عَيْنيَّ الحْمُولَ صَبَابَةً … وَشَوقًا وَقَدْ جَاوَزْنَ مِن عَالِجٍ رَمْلَا
عِظَامُ مَغِيل الهَام غُلْبًا رِقَابُهَا … مُعَرقَةَ الأَلْحِي يَمانَيةً هُدْلَا
إذا احْتَنَّها الحَادِي الْقَبيضُ تَجَاَسَرَتْ … دَوَامِجُ بالْمُومَاتِ تَحْسَبُهَا نَخْلَا
ظَعَائِنُ مِنْ أَوْس وَعُثمانَ كَالدُّمِي … حوَاصِنُ لَمْ يُخْزينَ عَمَّا وَلَا بَعْلَا
أَوَانِسُ أَتْرَابٍ وَعينٌ كَأَنَّها … نِعَاجُ الصّريمِ أَوْطَنَت بِالرُّبَا بَقْلَا
أوَانِسُ يَرْكُضْنَ الْمُروطَ كَأَنَّها … يطَانُ إذَا اسْتَوْسَقْنَ في جُدَدٍ وَحْلَا
فَيَا أَيُّهَا الْمرْءُ الْذِي لَيْسَ صَامتًا … وَلَا ناطِقًا إنْ قَالَ فصْلًا وَلَا عَدْلَا
إذ قُلْتَ فَاعْلَمْ مَا تَقُولُ وَلَا تَكُنْ … كحَاطِب لَيْل يَجْمَعُ الدِّقَّ وَالجْزْلَا
مُزيْنَة قَوْمي إنْ سَأَلْتَ فَإِنّهُمْ … لَهُمْ عزّةٌ لَا تسْتَطِيعُ لَهَا نَقْلَا
وَلَوْ سرْتَ حتّى مَطْلَعِ الشّمْسِ لَمْ تَجدْ … لِقوَمٍ عَلَى قَوْمِي وَإنْ كَرُمُوا فَضْلَا
أَعَفُّ وَأَوْفَى بِالصّبَاحِ فَوَارِسًا … إذَا الخْيْلُ جَالَتْ في أعنَتَها قُبْلَا
نَقُولُ فَيُرْضى قَوْلُنَا وَنُعِينُهُ … وَنَحْنُ أُنَاسٌ نُحْسِنُ الْقِيْلَ وَالفِعْلَا
وَنَحْنُ نَضَيْنَا عَنْ تِهَامَةَ بِالْقَنَا … وَبالْجرْدِ يَمْعَلْنَ الرِّقَاقَ بَنَا مَعْلَا
مُدَربَّةٌ قُبَّ البُطُونِ تَرَى لَهَا … مُتُونًا طوَالًا أُدِمِجَتْ وَشَويَّ عَبْلَا
إذَا امْتُريَتْ بالقَدّ جَاشَتْ وأزبدت … وَإِنْ وَاضَخَتْ تَعْريَبَها وَبَلَتْ وبلَا
لكُلِّ فَتيَّ رخْوَ النِّجَادِ سَمَيْدعٌ … وَأَشْمَطَ لَمْ يُخْلَقَ جَبَانًا وَلَا وَغْلَا
بِأَيْديُهم سُمْرَ المُتُونِ مَوَارِنُ … وَمَشْهُوَرَةٌ هنْديَّةٌ أَخْضَلَتْ صَقْلَا
إذَا مَا فَرَغْنَا مِنْ قِراعِ كَتِيبَةٍ … نَصَبْنَا إلى أُخْرَى تَكُونُ لَنَا شُغْلَا
فكَمْ مِنْ عَدُوٍّ قَدْ أَبَاحَتْ رِمَاحُنَا … وَكَمْ مِنْ صَدِيقٍ نَالَ مِنْ سيْبِنَا سَجْلَا
هذا الصحابي الجليل يفخر بعشيرته ويذكر فضلهم وما لهم من مناقب، وفي نظري أن هذه القصيدة قيلت قبل إسلام معن، فإنه ذكر أنه لا حي يفضل مزينة ولو كان قد أسلم لاستثنى رسول الله ﷺ وأهل بيته وإلى هنا نكتفي بهذا القدر لنفرد له ترجمة مختصرة أخرى مع الصحابة ﵃.
стр. 639
في ذكر من اشتهر من الصحابة من مُزينة
١ - أبجر المزني ﵁: ذكره ابن منده وأبو نعيم. قال أبو نعيم واختلف فيه فقيل: ابن أبجر وقيل أبجر. وصوابه غالب بن أبجر، وأورد حديثًا بسنده إلى عبد الله بن بسر عن ناس من مزينة الطاهرة، أن سيدنا أبجر أو ابن أبجر سأل النبي ﷺ : فقال يا رسول الله لم يبق من مالي إلا حمري، فقال رسول الله ﷺ : "أطعم أهلك من سمين حمرك" فإنما حرمتها من أجل جوالّ (١) القرية". كذا رواه أبو داود. قال: وخالفه غندر فساق بسند آخر إلى عبد الرحمن بن بسر. أن أناسًا من أصحاب النبي ﷺ . حدثوا أن سيد مزينة ابن الأبجر سأل النبي ﷺ ، فذكر مثله، ورواه غيرهما فقال غالب بن أبجر. وسيرد في اسم غالب إن شاء الله. أخرجه بن منده وأبو نعيم (٢).
٢ - أسيد المزني ﵁ بفتح أوله وكسر السين. قال: أتيت النبي ﷺ يومًا أريد أن أسأله، فوجدت عنده رجلًا يريد أن يسأله، فأعرض عنه مرتين أو ثلاثًا، ثم قال: "من كان عنده أوقية ثم سأل، فقد سأل إلحافًا" أخرجه ابن منده وأبو نعيم. قال ابن السكن: إسناده صالح ولم أقف على نسبه. ذكر ذلك الحافظ في الإصابة ونسبه إلى مزينة (٣).
٣ - الأغر بن يسار المزني ﵁ صحابي جليل من المهاجرين روى له مسلم وأحمد وأبو داود والنسائي من طريق أبي بردة بن أبي موسى عن الأغر المزني أنه سمع النبي ﷺ يقول: "يا أيها الناس، توبوا إلى الله فإني أتوب إليه في اليوم والليلة مائة مرة" وفي رواية مسلم وأحمد عن الأغر المزني وكانت له صحبة.
وذكر أبو نعيم حديث معاوية بن قرة عن الأغر المزني في الوتر ولفظه: أن رجلًا أتى النبي ﷺ : فقال: يا رسول الله إني أصبحت ولم أوتر. قال: "إنما الوتر بالليل. وفي لفظ حديث أبي بردة: إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة" أخرجه ابن منده وأبو عمر (٤).
стр. 640
قلت: وقد حصل إشكال في نسب الأغر فقال بعضهم جهني وقال آخرون مزني، والصحيح أنه مزني. لما أورده الحافظ ابن حجر قال: وكذا جزم ابن عبد البر بأن الأغر المزني، والجهني واحد. وقال أبو علي بن السكن حدثنا محمد بن الحسن عن البخاري قال كان مسعر يقول في روايته: عن الأغر الجهني. والمزني أصح. قال ابن عبد البر يقال: إن سليمان بن يسار روى عن الأغر المزني ولا يصح ومال ابن الأثير إلى التفرقة بين المزني والجهني وليس بشيء، لأن مخرج الحديث واحد. وقد أوضح البخاري العلة فيه وأن مِسعَرًا تفرد بقوله الجهني فأزال الإشكال اهـ (١). وهذا يزيل الشك ويتبين أنه مزني.
٤ - إياس بن هلال ين رئاب بن عبد الله المزني أبو قرة، له ولولده صحبة ﵄، روى النسائي وابن ماجه وابن أبي خيثمة وابن السكن والماوردي وغيرهم من طريق يوسف بن المبارك عن عبد الله بن إدريس عن خالد بن كريمة عن معاوية بن قرة عن أبيه أن النبي ﷺ بعث أباه جد معاوية إلى رجل عرَّس بامرأة أبيه فضرب عنقه وخمَّس ماله (٢).
٥ - إياس بن عبد عوف المزني وقيل أبو الفرات كوفي تفرد بالرواية عنه أبو المنهال عبد الرحمن بن مطعم. أن النبي ﷺ (نهى عن بيع الماء) قال علي بن المديني قلت: لسفيان إياس بن عبد المزني روى عنه أبو المنهال يعرف؟ قال: نعم سألت عبد الله بن الوليد بن عبد الله بن معقل بن مقرن المزني عنه فقال هو جدي أبو أمي، وقال أبو عمر هو حجازي روى عنه أبو المنهال عبد الرحمن بن مطعم (٣).
٦ - إياس بن معاوية المزني: قال قال رسول الله ﷺ : "لا بد من قيام الليل ولو حلب ناقة ولو حلب شاة وما كان بعد عشاء الآخرة فهو من الليل" (٤).
٧ - أرطأة بن سهية. وسهية أمه وهو أرطأة بن زفر بن عبد الله بن مالك بن سواد بن ضمرة المزني، الشاعر المشهور، أدرك الجاهلية وعاش إلى خلافة عبد الملك. قال هشام بن الكلبي: أخبرنا محرز بن جعفر مولى أبي هريرة قال:
стр. 641
دخل أرطأة ابن سهية المزني على عبد الملك بن مروان وقد أتت عليه مائة وثلاثون سنة فذكر قصة.
فعلى هذا يكون مولده قبل البعثة بنحو من أربعين سنة. وقال المرزباني في معجمه: أرطأة ابن سهية يكنى أبا الوليد وكان في صدر الإسلام أدركه عبد الملك بن مروان شيخًا كبيرًا فأنشد عبد الملك:
رأيت المرء تأكله الليالي … كأكل الأرض ساقطة الحديد
وما تبغي المنية حين تأتي … على نفس ابن آدم من مزيد
وأعلم أنها ستكر حتى … توفي نذرها بأبي الوليد
فارتاع عبد الملك وظن أنه أراده. فقال يا أمير المؤمنين إنما عنيت نفسي فسكت. ويقال: إن أرطأة عُمِّر فكان شبيب بن البرصاء يُعيِّره، ويقول: إنه لم يحصل له ما حصل لآل بيته من العمى، فمات شبيب قبل أرطأة، ثم عمي أرطأة. فكان يقول ليته عاش حتى رآني أعمى.
وقال أبو الفرج الأصبهاني: كانت سهية أمة لضرار بن الأزور ثم صارت إلى زفر فجاءت بأرطأة على فراشه. فادعاه فراش ضرار في الجاهلية فأعطاه له زفر ثم انتزعه قومه منه فغلبت عليه النسبة إلى أمه. وقال المررباني كان الحارث بن عوف بن أبي حارثة المزني لابن سهية أم أرطأة وكانت أخيذة من كلب قبل أن تصير إلى زفر فولدت أرطأة على فراش زفر فلما مات زفر وشب أرطأة جاء ضرار بن الأزور إلى الحارث فقال:
يا حارث أطلق بني من زفر … كبعض من تطلق من أسرى مُضَر
أعرفه مني كعرفان القمر … إن أباه شيخ شقران كفر
فدفعه الحارث لضرار فأردفه خلفه فبلغ أقرم بن عقصان عم أبي زفر فقال لضرار ألقه وإلا انتضيتكما بالسيف فألقاه فما صار أرطأة يعرف إلا أرطأة ابن سهية، ذكر هذا كله الحافظ ابن حجر في الإصابة.
стр. 642
٨ - بجير بن زهير بن أبي سلمى المزني الشاعر: أخو كعب بن زهير الشاعر المشهور أيضًا، أسلم قبل أخيه كعبًا وبعث له بقصيدة يحثه فيها على الدخول في الإسلام وسيأتي ذكر ذلك. مفصلًا في ترجمة كعب بن زهير إن شاء الله. وبجير هذا شهد الفتح مع النبي ﷺ ، ثم حنين والطائف، وأورد له ابن إسحاق يوم فتح مكة:
نفى أهل الحبلّق كل فج … مزينة غدوة وبني خفاف (١)
ضربناهم بمكة يوم فتح النبي … الخير بالبيض الخفاف
صبحناهم بسبع من سُلَيْم … وألف من بني عثمان واف (٢)
نطا أكتافهم ضربًا وطعنًا … ورشقًا بالمريّشة اللطاف
ترى بين الصفوف لها حفيفًا … كما انصاع الفواق من الرصافي
فرحنا والجيادُ تجولُ فيهم … بأرماح مقومة الثقاف
فأبنا غانمين بما اشتهينا … وآبوا نادمين على الخلاف
وأعطينا رسول الله منا … مواثقنا على حسن التصافي
وقد سمعوا مقالتنا فهمَّوا … غداة الروع منا بانصراف
ثم أورد ابن إسحاق لشاعرنا بجير بن زهير هذه القصيدة يوم حنين:
لولا الإله وعبدُهُ ولَّيتم … حين استخف الرعب كل جبان
بالجزع يوم حبالنا أقراننا … وسوابح يكبون للأذقان
من بين ساعٍ ثوبه في كفه … ومقطّر بسنابكٍ ولَبَانِ
والله أكرمنا وأظهر ديننا … وأعزنا بعبادة الرحمن
والله أهلكهم وفرق جمعهم … وأذلهم بعبادة الشيطان
إذ قام عمُّ نبيكم ووليُّه … يدعون بالكتيبة الإيمان
أين الذين هم أجابوا ربهم … يوم العُريض وبيعة الرضوان
стр. 643
٩ - بدر بن عبد الله المزني: روى عنه بكر بن عبد الله المزني أنه قال قلت يا رسول الله إني رجل محارب، أو محارف لا ينمي لي مال. فقال لي رسول الله ﷺ : "يا بدر بن عبد الله، قل إذا أصبحت بسم الله على نفسي بسم الله على أهلي ومالي اللهم رضني بما قضيت لي وعافني فيما أبقيت حتى لا أحب تعجيل ما أخرت ولا تأخير ما عجلت". فكنت أقولهن فأثمر الله مالي وقضى عني ديني وأغناني وعيالي. أخرجه ابن منده وأبو نعيم، ذكره ابن الأثير في أسد الغابة.
١٠ - بشر بن عصمة المزني: روى عنه كثير بن أفلح مولى أبي أيوب أنه قال سمعت النبي ﷺ يقول: "خزاعة مني وأنا منهم" ذكره ابن أبي حاتم وأبو أحمد العسكري وابن عبد البر. وذكر سيف في الفتوح أنه كان أحد الأمراء الذين وجههم أبو عبيدة إلى فخذه لكل منهم صحبة. وأورده ابن عساكر فيمن اسمه بشر كالذي هنا والله أعلم قاله الحافظ في الإصابة.
١١ - بشر بن المحتفر المزني: الفارس المشهور قدم على النبي ﷺ مع خزاعي بن عبد نهم وبلال بن الحارث وبايعوه على قومهم من مزينة.
١٢ - بلال بن مالك المزني: بعثه رسول الله ﷺ إلى بني كِنَانة سنة خمس من الهجرة فأشعروا به فلم يصب منهم إلا فارسًا واحد ذكره الحافظ.
١٣ - بلال بن الحارث بن عاصم بن سعيد بن قرة بن حلاوة بن ثعلبة بن ثور أبو عبد الرحمن المزني من أهل المدينة أقطعه النبي ﷺ العقيق وكان صاحب لواء مزينة يوم الفتح (١) وكان يسكن وراء المدينة ثم تحول إلى البصرة، له أحاديث في السنن وصحيحي ابن خزيمة وابن حبان، ذكر ذلك الحافظ في الإصابة فيمن اسمه بلال. قال مؤلفه عفا الله عنه: بلال بن الحارث صحابي جليل ومن رؤساء مزينة وله ذكر كثير في كتب الحديث والسير ولولا ما وعدت به في أول هذه التراجم من الاختصار لأتيت بذكر كل ماله من الأحاديث غير أني أقتصر على نبذة من سيرته لأستكمل ترجمته وافية إن شاء الله في بحث مستقل فأقول هنا:
стр. 644
إقطاع النبي ﷺ لبلال بن الحارث:
قال محمد بن سعد في طبقاته: كتب رسول الله ﷺ لبلال بن الحارث المزني. أن له النخل وجزعه (شطره) ذا المزارع والنخل وأن له ما أصلح به الزرع من قَدس وأن له المضة والجزع والغيلة إن كان صادقًا.
وقال الإمام مالك ﵀ في موطَّئه: حدثني ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن غير واحد أن رسول الله ﷺ قطع لبلال بن الحارث المزني معادن القبلية وهي من ناحية الفرع فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلى اليوم إلا الزكاة.
قلت: هذا الإقطاع من النبي ﷺ بقي في أيدي قبيلة مزينة مدة من الدهر وتلته اقطاعات أخرى. منها حرَّة المدينة الغربية فإنها بقيت في أيدي من بقي من هذه القبيلة إلى ما قبل الحكم السعودي بل فتحت المدينة وهي في أيديهم حيث إن الدولة العثمانية اشترت من مزينة طريق القطار وموقفه في باب العنبرية على تفصيل في ذلك سيأتي ذكره إن شاء الله في موضعه من هذا السفر المبارك. وقال ابن جرير الطبري في تاريخه (٣: ١٩٢) عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: كانت الرمادة جوعًا أصاب الناس بالمدينة وما حولها فأهلكهم حتى جعلت الوحش تأوي إلى الإنس وحتى جعل الرجل يذبح الشاة فيعافها من قبحها وإنه لمقفر، فكان الناس بذلك وعمر كالمحصور عن أهل الأمصار. حتى أقبل بلاله بن الحارث المزني ﵁ فاستأذن عليه فقال: أنا رسول رسول الله إليك، يقول لك رسول ﷺ لقد عهدتك كيِّسًا وما زلت على رجْل فما شأنك. فقال: متى رأيت هذا؟ قال: البارحة فخرج فنادى في الناس الصلاة جامعة فصلى بهم ركعتين ثم قام فقال: أيها الناس أنشدكم الله هل تعلمون مني أمرًا غيره خير منه؟ قالوا: اللهم لا. قال فإن بلال بن الحارث يزعم (ذَيْتَ وَذَيْتَ) فقالوا صدق بلال فاستغيث بالله للمسلمين. وكان عمر عن ذلك محصورًا فقال عمر: الله أكبر بلغ البلاء مدته فانكشف، ما أذن لقوم في الطلب إلا وقد رفع عنهم البلاء.
стр. 645
فكتب إلى أمراء الأمصار، أغيثوا أهل المدينة ومن حولها فإنه قد بلغ جهدهم. وأخرج الناس إلى الاستسقاء فخرج وخرج معه العباس ماشيًا فخطب فأوجز ثم صلى ثم جثا لركبتيه، وقال: اللهم إياك نعبد وإياك نستعين اللهم اغفر لنا وارحمنا وارض عنا، ثم انصرف فما بلغوا المنازل راجعين حتى خاضوا الغدران.
وفي رواية أخرى لابن جرير: فقال أهل بيت من مزينة لصاحبهم، وقد بلغ بنا الجهد من الجوع فاذبح لنا شاة. قال: ليس فيهن شيء، فلم يزالوا به حتى ذبح لهم شاة فسلخ عن عظم أحمر. فنادى: يا محمداه. فأري فيما يرى النائم أن رسول الله ﷺ أتاه فقال أبشر بالحيا. ائت عمر فأقرئه السلام، وقيل له: إن عهدي بك وأنت وفي العهد شديد العقد فالكيس الكيس يا عمر. فجاء حتى أتى باب عمر، فقال لغلامه: أتأذن لرسول رسول الله ﷺ . فأتى عمر فأخبره ففزع وقال: رأيت به مسَّا؟ قال: لا. قال: فأدخله فدخل فأخبره الخبر. فذكره مثله اهـ.
(تنبيه):
هذه الرواية (١) أوردتها للتنبيه عليها فقط، فمدارها بجميع رواياتها التي أوردها ابن جرير ﵀ على (سيف الضبي) وسيف ضعيف في الحديث ولا تخفى حاله على جميع أهل الصنعة الحديثية فقد أفحش ابن حبان القول فيه وحسبك بابن حبان.
وهي ربما لم تكن مقصودة لا من سيف الضبي ولا من ابن جربر يرحمه الله.
ولكن العجب كيف لم يتعرض لها أحد من العلماء يذكر زيفها وباطلها مع أنها تمس العقيدة أن من اطلع عليها لم يعتبر كلمة "يا محمداه" نداء استغاثة! وعلى كل حال فلابد أن نحسن الظن بعلماء المسلمين فقد حفظوا لنا هذا الدين رحمهم ولا حرمهم الأجر والثواب.
стр. 646
ولنا أن نقول: لا يمكن لصحابي جليل كبلال بن الحارث ﵁ أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره فالصحابة ﵃ أفضل الأمة بعد نبيها، استقبلوا القرآن وحفظوه وعملوا بما فيه. ولا يمكن لأحد من الصحابة الكرام أن يلجأ في الشدائد إلى غير الله وقد نزل عليهم قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ [النمل].
وقد كان النبي ﷺ بين أظهرهم فلم يتجهوا بالدعاء إلا إلى الله أو يطلبون منه (١) الدعاء لهم وقد أوضح الله ذلك بما فيه الكفاية فقال: ﴿ … وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤)﴾ [النساء].
إن هذه العقيدة هي قوة الأمة الإسلامية وهي وحدتها، وقد شرق بها أعداء الإسلام منذ ظهوره وأخذوا يكيدون لتفريق المؤمنين.
لعلمهم أنها القوة التي لا تضادها قوى الأرض كلها، وللأسف صرنا نستقبل من أعدائنا كل شيء، وصار بعض المسلمين دعاة إلى ذلك الضلال الذي هو سبب ضعفنا ورجوعنا عن طريقنا المرسوم الذي به عزتنا. ولا شك أن هؤلاء عرفوا من أين نضعف وفيم نفشل. فيا عجبًا لأمة أعداؤها أعرف بدينها منها، وقد أخبرنا ﷺ بعاقبة التفرق وحذرنا منها كما في حديث عبد الله بن مسعود الذي أخرجه الإمام أحمد. قال خط رسول الله ﷺ خطًا بيده ثم قال: "هذا سبيل الله مستقيمًا" وخط عن يمينه وشماله ثم قال: "هذه السُبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعوا إليه" ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ … ﴾ [الأنعام]. وقال ابن عباس حول هذه الآية: (أمر الله المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والتفرقة وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله).
فهل ينتبه المسلمون إلى هذه الدسائس ويستعيدون وحدتهم وتلاحمهم وتكاتفهم فإنا نرى أنه قد حان الوقت الذي به نقول لأعداء الإسلام، كفى تضليلًا وابتداعًا، فقد وضحت الرؤية واستبان الطريق. والله المستعان.
стр. 647
وإنا لنعجب أشد العجب من إمام جليل كابن جرير الطبري ﵀ مع ما هو فيه من علم، كيف يورد مثل هذه القصة ويسكت عنها سامحنا الله وإياه وغفر لنا وله (١).
أما أبو عبد الرحمن الصحابي الجليل ﵁ فقال القلقشندي في نهاية الأرب: أبو عبد الرحمن بلال بن الحارث المزني صحابي شجاع أسلم سنة خمس من الهجرة وكان أحد من يحمل ألوية مزينة يوم الفتح، وسكن موضعًا وراء المدينة يعرف بالأشعر (٢)، ثم شهد غزو أفريقية مع عبد الله بن سعد بن أبي سرح فكان حامل لواء مزينة يومئذ وهم أربعمائة، وتوفي في آخر خلافة معاوية بن أبي سفيان سنة ٦٠ هـ وعمره ثمانون عامًا.
١٤ - جنيد بن سميع المزني لم أطلع له على رواية وقد ذكره العقيلي في الصحابة قاله الحافظ.
١٥ - جابر بن عمر المزني: قال الطبري: ولَّاه عمر ما سقت دجلة والفرات فاستعفى. وقال الحافظ: استدركه ابن فتحون ونقل كلام الطبري عن ابن فتحون.
١٦ - الحارث بن بلال المزني (٣): ذكر سيف في الفتوح عن شيخه أن خالد بن الوليد تركه مع المثنى بن حارثة حين قاسمه من معه من الصحابة. وذكر في موضع آخر أنه كان عامل رسول الله ﷺ على نصف جديلة بني طيئ ذكر ذلك الحافظ عنه، وقد ذكره ابن جرير أيضًا في (٤: ٤٢).
١٧ - الحارث بن عوف بن أبي حارثة المزني: من فرسان الجاهلية ومن سادات مزينة. ذكر أبو عبيد في كتاب الديباج ما يدل على أنه أسلم، وكذا ذكره غيره. قال أبو عبيد: أيام العرب الطوال ثلاثة: حرب ابني قيلة الأوس والخزرج، وحرب داحس والغبراء بين بني غطفان من عبس وفزارة، وحرب ابني وائل بكر وتغلب. ثم حمل الحاملات دماءهم، والحاملات خارجة بن سنان، والحارث بن عوف بن أبي حارثة المزني. فبعث الله النبي ﷺ وقد بقي على الحارث بن عوف
стр. 648
شيء من دمائهم فأهدره في الإسلام. وكان النبي ﷺ خطب إليه ابنته فقال لا أرضاها لك إن بها سوءًا ولم يكن بها فرجع فوجدها قد برصت فتزوجها ابن عمها يزيد بن جمرة المزني فولدت له شبيبًا فعرف بابن البرصاء واسم البرصاء قرصافة. ذكر ذلك الحافظ في الإصابة، قال: ذكر ذلك الرشاطي. وقال غيره: قال أبوها إن بها بياضًا، والعرب تكني عن البرص بالبياض، فقال لتكن كذلك فبرصت من وقتها.
قال مؤلفه عفا الله عنه: هذا ما ذكره الحافظ في الإصابة. وهناك الحارث بن عوف بن أبي حارثة المري ولا أدري أيهما الذي حمل الديات مع خارجة بن سنان وإن كنت قبل الاطلاع على ما ذكره الحافظ جازمًا أن الذي حمل الديات هو المرئي وليس المزني، ولكن عندما قرأت للحافظ ومن نقل عنه الحافظ وقد مر بنا في ترجمة أرطأة ابن سهية حينما عيَّره شبيب بن البرصاء بقوله: إنه لم يحصل له ما حصل لآل بيته من العمى. وعرفنا في هذه الترجمة أن شبيبًا أمه قرصافة وهي مُزينة وأبوه يزيد بن جمرة المزني اختلف الأمر علينا فإما أن يكونا اثنين كلاهما الحارث بن عوف بن أبي حارثة وإما أن يكونا واحدًا، واختلف هل هو المرِّي أو المزني. على أن ابن حزم في الجمهرة ذكر يزيد بن جمرة فقال: يزيد بن جمرة بن عوف بن أبي حارثة بن مرَّة هكذا قال. فتبين لي أن مُرَّة اسم وليس نسبًا، فإن كان كذلك فهو مزني بلا شك وإن كان غيره وهو الذي عليه أكثر المؤرخين فهو مُرّي، غير أن في النفس من هذا شيئًا وعسى أن نعود إليه في بحث آخر ليتضح الصواب، والله الموفق.
١٨ - الحارث بن عقبة بن قابوس المزني: من شهداء أحد وهو الذي قال فيه عُمرُ وسعد بن أبي وقاص: إن أحب موتة إلينا موتة المزنيين. لما استشهد مع عمه في أحد وقصتهما كاملة سنوردها إن شاء الله في ترجمة عمه وهب بن قابوس المزني.
١٩ - خزاعي بن عبد نُهْم المزني: من سادات مزينة وهو حاجب صنم مزينة قبل الإسلام، قال الحافظ روى ابن شاهين من طريق ابن الكلبي حدثنا أبو مسكين
стр. 649
وغيره عن أشياخ لمزينة قالوا: كان لمزينة صنم يقال له نُهْم وكان الذي يحجبه خُزاعي بن عبد نهم المزني، فكسَّر الصنم ولحق بالنبي ﷺ وهو يقول:
ذَهَبْتُ إلىَ نُهْم لأَذْبَحَ عِنْدَهُ … عَتِيرةَ نُسْكٍ كَالذِي كُنْتُ أَفْعَلُ
وَقُلْتُ لِنَفْسي حِينَ رَاجَعْتُ حَزْمَهَا … أهَذَا إله أبْكَمُ لَيسَ يَعْقِلُ
أَبَيْتُ فَدِيني الْيَوْمَ دينُ مُحَمَّدٍ … إلهِي اله السَّمَاء الْماجِدِ الْمُتُفَضِّلُ
قال: فَبايع النبي ﷺ وبايعه على قومه من مزينة فَأسلَم وَوعد أن يأتي بقومه فأبطأ فأمر النبي ﷺ حسان بن ثابت فقال فيه:
أَلَا أَبْلِغْ خُزَاعِيًا رَسُولًا … فَإِنَّ الْغَدْرَ يَغْسِلُهُ الْوَفَاءُ
فَإِنَّكَ خَيرَ عُثْمَانَ بْنَ عَمْرٍو … وَأَسْنَاهَا إذَا ذُكِرَ السَّنَاءُ
وَبَايَعْتَ النَّبي فَكانَ خَيْرًا … إلىَ خَيْرٍ وَأَدَّاكَ الثَّراءُ
فَمَا يُعْجِزْكَ أوْ مَا لَا تُطِقْهُ … مِنَ الأشْيَاء لَا تَعْجَزْ عَدَاءُ
يعني قبيلته. قال: فلما سمع ذلك أقبل إلى النبي ﷺ وهم معه فأسلموا.
٢٠ - سبيع بن نصر المزني: نقل الحافظ عن ابن شبه بسنده قال: لما قدم الناس المدينة وكثروا بها قال رسول الله ﷺ : "يرحم الله رجلًا كفانا قومه" فقام سبيع بن نصر فقال من كان هاهنا من مزينة فليقم. فقامت حتى خَفَّت المجالس فقال رسول الله ﷺ : "يرحم الله مزينة ثلاث مرات".
٢١ - سعيد بن مُقَرِّن المزني: أمَّره خالد بن الوليد على بعض العراق حين توجه إلى الشام في خلافة أبي بكر الصديق، ذكره الطبري وقد قيل: إنه أحد الإخوة من أبناء مقرن وسنتعرض لتحقيق ذلك في موضعه إن شاء الله.
٢٢ - سنان بن مقرن المزني: أحد الإخوة لم أقف له على رواية قال ابن منده: له ذكر في المغازي، وقال ابن سعد: له صحبة، وأقر ذلك الحافظ في الإصابة.
٢٣ - سنان بن مخنف المزني صحابي استخلفه النعمان بن مقرن إذ سار إلى نهاوند ولم أطلع له على رواية.
стр. 650
٢٤ - سهل بن قيس المزني: روى عنه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن عامر بن عبد الله المزني عن سهل بن قيس المزني قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس على من أسلف مالًا زكاة" قال ابن الأثير: أخرجه ابن منده وأبو نعيم.
٢٥ - سويد بن مقرن بن عائذ المزني أحد الإخوة. يُكنَّى أبا عدي سكن الكوفة. قال: لقد رأينا سبعة إخوة. ما لنا خادم إلا واحدة فلطمها أحدنا فأمر النبي ﷺ أن نعتقها، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من قتل دون ماله فهو شهيد" أخرجه الثلاثة ذكر ذلك ابن الأثير في أسد الغابة.
وقال الحافظ روى حديثه مسلم وأصحاب السنن، وروى عنه ابنه معاوية ومولاه أبو شعبة وهلال بن يساف وغيرهم.
قال مؤلفه عفا الله عنه: هذا الصحابي الجليل له ذكر كثير في الفتوح وقد بعثه خالد بن الوليد عاملًا على تُسْتُر فنزل منزلًا بها يقال له العَقُر تسمى عقر سويد إلى اليوم ذكره ابن جرير، وذكر ابن جرير كتاب عمر بن الخطاب لنعيم بن مقرن وهو على نهاوند أَنْ سِرْ حتى تأتي هَمَذَان وابعث على مُقَدّمتك سويد بن مقرن وعلى مجنبتيك ربعي بن عامر ومهلهل بن زيد، هذا طائي وذاك تميمي في كلام طويل.
وكتب عمر إلى نعيم بن مقرن أن قدَّم سويد بن مقرن إلى قومس وابعث على مقدمته سماك بن مخرمة وعلى مجنبتيه عتيبة بن النهاس وهند بن عمرو الجملي فَفَصَل سويد بن مقرن في تعبيته من الرَّيِّ نحو قومس فلم يقم له أحد فأخذها سلمًا وعسكر بها، فلما شربوا من نهر لهم يقال له ملاذ فشا فيهم القَصَر (١) فقال لهم سويد غيروا ماءكم حتى تعودوا كأهله ففعلوا واستمرءوه وكاتبه الذين لجأوا إلى طبرستان منهم والذين أخذوا المفاوز فدعاهم إلى الصلح والجزاء، وكتب لهم بسم الله الرجمن الرحيم هذا ما أعطى سويد بن مقرن المزني أهل
стр. 651
قومس ومن حَشَوْا من الأمان على أنفسهم ومللهم وأموالهم على أن يؤدوا الجزية عن يدٍ عن كل حالم بقدر طاقته وعلى أن ينصحوا ولا يغشوا وعلى أن يدلُّوا وعليهم نُزْلُ من نزل بهم من المسلمين يومًا وليلة من أوسط طعامهم وإن بدلوا واسْتَخَفُّوا بعهدهم فالذمة منهم بريئة وكتب وشهد.
ثم عسكر سويد بن مقرن (ببسطام) وكاتب ملك جُرْجَان واسمه "رُزْبَان صول" ثم سار إليها وكاتبه (رزبان صول) وبادره بالصلح على أن يؤدي الجزاء ويكفيه حرب جرجان فإن غُلب أعانه فقبل ذلك منه، وتلقاه رزبان صول قبل دخول سويد جرجان فدخل معه وعسكر بها حتى جُبِيَ إليه الخراج وكتب بينهم وبينه كتابًا: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من سويد بن مقرن لرزبان صول بن رزبان وأهل دهستان وسائر أهل جرجان أن لكم الذمة وعلينا المنعة على أن عليكم منهم الجزَاءَ في كل سنة على قدر طاقتكم على كل حالم ومن استعنَّا به منكم فله جزاؤه في معونته عوضًا من جزائه ولهم الأمان على أنفسهم وأموالهم ومللهم وشرائعهم ولا يغير من ذلك هو إليهم ما أدَّوا وأرشدوا ابن السبيل ونصحوا وقَرَوا المسلمين ولم يَبْدُ منهم سَلُّ ولا غِلُّ ومن أقام فيهم فله مثل ما لهم ومن خرج فهو آمن حتى يبلغ مأمنه وعلى أن من سبَّ مسلمًا بُلغَ جَهدُهُ ومن ضربه حلَّ دمه، شهد سواد بن قطبة وهند بن عمرو وسماك بن مخرمة وعتيبة بن النهَّاس وكتب في سنة ثمانية عشرة.
ثم فتح طبرستان وكتب لأهلها كتابًا: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من سويد بن مقرن للفَرخان اصبهبذ خراسان على طبرستان وجيل جيلان من أهل العدو إنك آمن بأمان الله على أن تكف لَصْوتَكَ وأهل حواشي أرضك ولا تؤوي لنا بُغْيَة وتتقي من ولي فرج أرضك بخمسمائة ألف درهم من دراهم أرضك فإذا فعلت ذلك فليس لأحد منا أن يغير عليك ولا يتطرق أرضك ولا يدخل عليك إلا بإذنك سبيلنا عليكم بالإذن آمنة وكذلك سبيلكم ولا تؤون لنا بغية ولا تسلون لنا إلى عدو ولا تغلون، فإن فعلتم فلا عهد بيننا وبينكم، شهد سواد بن قطبة التميمي، وهند بن عمرو المرادي، وسماك بن مخرمة الأسدي، وسماك بن عبيد العبسي، وعتيبة بن النهَّاس البكري، وكتب سنة ثمانية عشر.
стр. 652
٢٦ - شبل بن خليد المزني: جاء عنه حديثان، أحدهما في قصة العسيف والآخر في قصة الأمة إذا زنت، قاله الحافظ.
قال مؤلفه: أما حديث الأمة إذا زنت. فقد قال الطبري: أخبرنا يحيى بن محمود بن سعد إجازة بإسناده إلى ابن أبي عاصم حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة وزيد بن خالد وشبل بن خليد عن النبي ﷺ (الأَمة تزني قبل أن تحصن). قال: إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم قال في الثالثة أو الرابعة ثم بيعوها ولو بحبل من شعر.
أما حديث قصة العسيف فلم أطلع عليها ولعلي ألحقها فيما بعد في رسالة خاصة بروايات الصحابة من مزينة إن شاء الله تعالى.
وقد أورد ابن الأثير في "أسد الغابة" هذه الترجمة ورعم أن المترجم له شبل بن معبد المزني، وقال روى أبو عثمان النهدي، قال شهد أبو بكرة ونافع يعني ابن علقمة وشبل بن معبد على المغيرة بن شعبة أنهم نظروا إليه كما ينظرون إلى المرود في المكحلة فجاء زياد فقال عمر: جاء رجل لا يشهد إلا بحق. فقال رَأَيْتُ مجلسًا قبيحًا ونهزًا فجلدهم عمر اهـ.
٢٧ - شريح بن ضمرة المزني: أوّل من قدم بصدقة مزينة إلى النبي ﷺ ذكره ابن الأثير في أسد الغابة وذكره ابن حزم وقال هو من بني لحي بن جرس بن لاطم بن عثمان بن عمرو بن أدّ.
٢٨ - ضرار بن مقرن المزني: أحد الأخوة كان مع خالد بن الوليد لما حاصر الحيرة في ربيع الأول سنة اثنتي عشرة قاله الطبري وقال هو عاشر عشرة أخوة. قال الحافظ ذكر سيف والطبري أن خالدًا أمَّره لما حاصر الحيرة وكانوا لا يؤمِّرون إلا الصحابة.
٢٩ - عاصم بن التكير المزني: حليف للأنصار ذكره موسى بن عُقبة فيمن شهد بدرًا وأُحدًا: قاله الطبري، وأخرجه أبو عمرو وقال: فيه نظر.
стр. 653
٣٠ - عامر بن سحيم المزني: سكن المدينة وروى عن النبي ﷺ قال الحافظ: ذكره البغوي عن البخاري.
قلت: لم أقف له على رواية.
٣١ - عامر بن عمرو المزني والد هلال: ذكر له حديثان أحدهما رأيت النبي ﷺ يخطب الناس بمنى على بغلة بيضاء وعليه برد أحمر ورجل من أهل بدر يعبر عنه، ذكر ذلك ابن الأثير والحافظ.
والثاني: أن رجلًا أتى النبي ﷺ فسأله فأعطاه، فلما وضع رجله على أسكفة الباب قال رسول الله ﷺ : لو تعلمون ما في المسألة ما مشى أحد إلى أحد يسأله شيئًا. قال الحافظ في هذا الحديث: هو خطأ نشأ عن تصحيف وإنما هو عائذ بن عمرو. كذلك أخرجه النسائي وأحمد وغير واحد.
٣٢ - عائذ بن عمرو بن هلال بن عبيد بن يزيد المزني يكنى أبا هبيرة كان ممن بايع تحت الشجرة ثبت ذلك في البخاري، وله عند مسلم في الصحيح حديثان غير هذا: وقال ابن الأثير: كان من صالحي الصحابة سكن البصرة وابتنى بها دارًا وتوفي في إمارة عبيد الله بن زياد أيام يزيد بن معاوية وأوصى أن يصلي عليه أبو برزة الأسلمي لئلا يصلي عليه ابن زياد. أورد له ابن الأثير حديث المسألة المتقدم ذِكْرُهُ في ترجمة عامر بن عمرو. قال مؤلفه: والذي يظهر لي أن عائذًا هذا وعامر الذي قبله اسمان لمسمى واحد. والله أعلم.
٣٣ - عبد الله بن ذرة بن عائذ المزني: وفد على النبي ﷺ مع خزاعي بن عبد نهم وبلال بن الحارث ونسبه أبو أحمد العسكري فقال هو مولى أرطبان جد عبد الله بن عوف بن أرطبان وكنيته أبو بردة. قال الحافظ وروى محمد بن الحسن المخزومي في أخبار المدينة بإسناد له أن أول صلاة عيد صلاها النبي ﷺ فذكر الحديث. قال: ثم صلى الثالث عند دار عبد الله بن ذرة المزني. وعن يحيى بن محمد أنه بلغه أن رسول الله ﷺ كن يصلي إلى دار عبد الله بن ذرة المزني فجعل أطم بني رزيق إلى شحمة أذنه.
стр. 654
٣٤ - عبد الله بن الحارث بن عويمر المزني ويقال الأنصاري. قال الحافظ نسبوه أنصاريًا ولم يذكروا أباه في الصحابة. ثم وجدت الخطيب ذكره. فقال عبد الله بن الحارث بن عويمر المزني قال: لقد كان من رسول الله ﷺ في سهيمة بنت عمرو ولم يقل عمته ونسبه مزنيًا.
٣٥ - عبد الله بن سنان بن نبشة المزني نزيل البصرة قال الحافظ: وقيل عبد الله بن عمر بن سنان وقال ابن الأثير: قال ابن أبي خيثمة عبد الله بن عمرو بن سنان بن نبشة بن سلمة من بني لاطم بن عثمان وهو أبو علقمة بن عبد الله المزني، أورده ابن منده في عبد الله بن عمرو، مات في خلافة معاوية.
٣٦ - عبد الله بن سرجس المزني، قيل له حلف في بني مخزوم أكل مع النبي ﷺ خبزًا ولحمًا واستغفر له، عداده في البصريين، روى عنه عاصم الأحول، وقتادة قال عاصم: رأى عبد الله بن سرجس النبي ﷺ ولم يكن له صحبة قال أبو عمر: لا يختلفون في ذكره في الصحابة ويقولون له صحبة على مذهبهم في اللقاء والرؤية والسماع. وأما عاصم فأحسبه أراد الصحبة التي يذهب إليها العلماء وأولئك قليل. أخبرنا أبو ياسر بن أبي حبة أخبرنا أبو القاسم بن الحُصين أخبرنا أبو علي بن المذهب بإسناده إلى عبد الله بن أحمد حدثني أبي حدثنا حسن بن موسى حدثنا حماد بن ريد عن عاصم عن عبد الله بن سرجس أنه رأى النبي ﷺ إذا سافر قال: "اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم اصحبنا في سفرنا واخلفنا في أهلنا، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب ومن الْحَوْرِ بَعْدَ الكَوْر" ذكر ذلك ابن الأثير في أسد الغابة.
٣٧ - عبد الله أبو عاصم المزني: أورده ابن شاهين روى سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق القرشي عن عصام بن عبد الله المزني عن أبيه قال: بحثنا رسول الله ﷺ فقال: اقتلوا ما لم تروا مسجدًا أو تسمعوا مؤذنًا. قال: فأتينا بطن نخلة فرأينا رجلًا فقينا: قل أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله فلم يجبنا حتى قلنا ثلاثًا وقلنا له إن لم تقل قتلناك. قال: ذروني أقضي إلى النسوان حاجة فأتى امرأة منهن فقال:
стр. 655
فلا ذنب لي قد قلت إذ نحن جيرة … أثيبي بودٍّ قبل إحدى الصفائق
أثيبي بود قبل أن يشحط النوى … وينأى أميري بالحبيب المفارق
قال: فقتلناه فجاءت امرأة فوقعت عليه فلم تزل ترشفه حتى ماتت عليه.
قال سفيان وكانت امرأة كثيرة اللحم.
قال مؤلفه عفا الله عنه: هذه القصة على فرض صحتها فإنه لا يمكن لصحابة رسول الله ﷺ أن تكون تلك دعوتهم فإن الذي نقل إلينا من أخبارهم أنهم يدعون الناس بالحكمة والتعليم والإرشاد ولم يؤثر أنهم بدأوا الناس بالقتال إلا المحاربين وهذا شأن الدعاة. وقد عَرَضَ لي وأنا أفتش في كتب التاريخ عن مصدر هذه القصة كلام لابن الأثير في الكامل رأيته أقرب إلى الصواب فأردت أن أسوقه هنا لتتضح الحقيقة لأن بعض مصادر التاريخ تكتب كل ما نقل إليها.
فأقول:
قال ابن الأثير في الكامل الجزء الثاني صفحة ١٧٤ الطبعة المنيرية: قال عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي: كنت يومئذ في جند خالد (يعني يوم غزوته لبني جُذيمة) (١). قال فأثرنا في أثر ظعن مصعدة يسوق بهن فتية فقال: أدركوا أولئك قال: فخرجنا في أثرهم حتى أدركناهم فمضوا، ووقف لنا غلام شاب على الطريق فلما انتهينا إليه جعل يقاتلنا ويقول:
ارفعن أطراف الذيول وارتعن … مشى حَيِيَّات كأن لم تُفزعن
إن تُمَنَع اليوم النساءُ تُمَنَعْن
فقاتلناه طويلًا فقتلناه ومضينا حتى لحقنا الظعن فخرج إلينا غلام كأنه الأول فجعل يقاتلنا ويقول:
أقسم ما إن خادر ذو لبده (٢) … يروم بين أثلة ووهده (٣)
يفرس شبان الرجال وحده … بأصدق الغداة مني نجده
стр. 656
فقاتلناه حتى قتلناه وأدركنا الظعن فأخذناهن فإذا فيهن غلام وضيء الوجه به صفرة كالمنهوك، فربطناه بحبل وقدمناه لنقتله فقال لنا: هل لكم في خير؟ قلنا ما هو؟ قال تدركون بي الظعن في أسفل الوادي ثم تقتلوني؟ قلنا: نفعل، فعارضنا الظعن، فلما كان بحيث يسمعن الصوت نادى بأعلى صوته: اسْلَمِي حُبَيْشْ على فقد العيش. فأقبلت إليه جارية بيضاء حسناء وقالت: وأنت فأسلم على كثرة الأعداء وشدة البلاء. قال سلام عليك دهرًا وإن بقيت عصرًا. قالت: وأنت سلام عليك عشرًا وشفعًا تترى وثلاثًا وترًا. فقال:
إن يقتلوني يا حبيش فلم يدع … هواك لهم مني سوى غلة الصدر
فأنْتِ التي أخليتِ لَحْمِي من دَمي … وعظمي وأسبلت الدموع على نحري
فقالت له:
ونحن بكينا من فراقك مرة … وأخرى وواسيناك في العسر واليسر
وأنت تبعد فنعم فتى الهوى … جميل العفاف والمودة في ستر
فقال لها
أرأيتك إن طالبتكم فوجدتكم … بحلية أو ألفيتكم بالخوانق (١)
ألم يك حقا أن ينول عاشق؟ … تكَلَّف إدلاج السرى في الودائق
فلا ذنب لي قد قلت إذ نحن جيرة … أثيبي بود قبل إحدى الصفائق
أثيبي بود قبل أن يشحط النوى … وينأى الأمر بالحبيب المفارق
فأني لا آبه بالذي أرَعينه … ولا منظر مُذْ غِبْتِ عنِّي برائق
عليَّ بآيات العشيرة شاغل … ولا ذكر إلا ذكر هيمان وامق
فقدموه فضربوا عنقه. ثم قال ابن الأثير: هذا الشعر لعبد الله بن علقمة الكناني وكان من جذيمة مع حبيشة بنت حبيش الكنانية، وساق قصة أخرى شبيهة بها، ثم قال: وعلى إثر ذلك بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد بعثه داعيًا ولم يبعثه مقاتلًا فنزل على الغميصاء ماء من مياه جُذيمة بن عامر بن عبد مناه بن كِنَانة فأخذ بنو جُذيمة السلاح فقال لهم خالد: ضعوا السلاح فإن الناس قد أسلموَا فوضعوا
стр. 657
السلاح فأمر خالد بهم فكُتِّفوا ثم عَرضَهم على السيف فقتل منهم من قتل، فلما انتهى الخبر إلى النبي ﷺ رفع يديه إلى السماء ثم قال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد ثم أرسل عليا ومعه مال وأمره أن ينظر في أمرهم، فودى لهم الدماء والأموال حتى إنه ليدى ميلغة الكلب، وبقي معه مال فقال لهم عليٌّ هل بقي لكم مال أو دم لم يود؟ قالوا؟ لا، قال: فإني أعطيكم هذه البقية احتياطًا لرسول الله ﷺ ففعل ثم رجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره فقال أصبت وأحسنت. انتهى بتصرف من الكامل، وانظر القصة بكاملها هناك، وانظر إلى تعليق قيم على هذه القصة كتبه الشيخ عبد الوهاب النجار في الطبعة المذكورة وهذا ما أردت إيضاحه، والله من وراء القصد.
٣٨ - عبد الله بن عمرو بن هلال المزني والد علقمة وبكرا بني عبد الله وهو أحد البكائين الذين نزلت فيهم: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ … (٩٢)﴾ [التوبة]. وكانوا ستة نفر، روى عنه ابنه علقمة وأبو بريدة له صحبة ورواية وكان ابنه بكر من جلة أهل البصرة، كان يقال: الحسن شيخها وبكر فتاها: ورد له حديث نهي نبي الله ﷺ عن كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم، وحديث: إذا اشترى أحدكم لحمًا فليكثر مرقته فإن لم يجد لحمًا أصاب مرقه وهو أحد اللحمين. أخرجه الثلاثة، ذكره ابن الأثير.
٣٩ - عبد الله بن عنمة المزني له صحبة شهد فتح مصر، ذكره محمد بن عمر الواقدي وقال: شهد فتح الإسكندرية الثاني، له ذكر في الصحابة عند ابن الأثير وابن منده وأبي نعيم.
٤٠ - عبد الله بن فضالة المزني كانت له صحبة، له كلام في علي بن أبي طالب أنه أول من أسلم، قال ابن الأثير أخرجه أبو موسى.
٤١ - عبد الله بن عبد نهم بن عفيف بن سحيم المزني كان اسمه عبد العُزَّى فغيَّر اسمه النبي ﷺ وهو عَمُّ عبد الله بن مغفل.
قال ابن حبان له الصحبة. وقال ابن إسحاق كان عبد الله رجلًا من مزينة وهو ذو البجادين يتيمًا في حجر عمه، وكان محسنًا له فبلغ عمه أنه أسلم فنزع
стр. 658
منه كل شيء أعطاه حتى جرده من ثوبه، فأتى أمه فقطعت له بجادًا لها باثنتين. فاتزر نصفًا وارتدى نصفًا ثم أصبح، فقال له النبي ﷺ أنت عبد الله ذو البجادين فالتزم بأبي، فالتزم بابه، وكان يرفع صوته بالذكر فقال عمر أَمُرَاءٍ هو؟ قال: بل هو أحد الأواهين، قال التيمي: وكان ابن مسعود يحدث قال: قمت في جوف الليل في غزوة تبوك فرأيت شعلة من نار في ناحية العسكر فاتبعتها فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وإذا عبد الله ذو البجادين قد مات فإذا هم قد حفروا له ورسول الله ﷺ في حفرته فلما دفناه قال: "اللهم إني أمسيت عنه راضيًا فارض عنه". قلت: وجاء عن ابن مسعود في رواية أخرى فتمنيت أن أكون صاحب الحفرة.
قال الحافظ: وروى عمر بن شبة من طريق عبد العزيز بن عمران قال لم ينزل رسول الله ﷺ في قبر أحد إلا خمسة بنهم عبد الله المزني ذو البجادين. قال وكان رسول الله ﷺ لما هاجر وعزبت عليه الطريق فأبصره ذو البجادين فقال لأبيه: دعني أدله على الطريق فأبى ونزع ثيابه عنه وتركه عريانًا، فاتخذ بجادًا من شعر وطرحه على عورته ثم لحقهم فأخذ يزمام ناقة النبي ﷺ وأنشأ يرتجز:
هذا أبو القاسم فاستقيمي … تَعَرَّضي مدارجًا وسومي
تعرض والجزاء في النجوم
ذكر هذا الحافظ، والأول أصح، والله أعلم.
٤٢ - عبد الله بن مقرّن المزني أحد الإخوة روى عنه محمد بن سيرين وعبد الملك بن عمير كذا قال ابن منده ولم يخرج له شيئًا. قال الحافظ: وقد وقع له ذكر في الفتوح قال سيف في كتاب الرِّدَّة عن سهل بن يوسف عن القاسم بن محمد قال: وخرج أبو بكر يمشي وعلى ميمنته النعمان بن مقرن وعلى ميسرته عبد الله بن مقرن وعلى الساقة سويد بن مقرن فما طلع الفجر إلا وهم والعدو بصعيد واحد فذكر القصة في قتال أهل الرِّدَّة.
٤٣ - عبد الله بن هلال المزني. ذكره جماعة منهم البزار في الصحابة
стр. 659
وأخرج ابن السكن والطبراني من طريق كثير بن عبد الله عن بكر بن عبد الله عن عبد الله بن هلال المزني صاحب رسول الله ﷺ أنه كان يقول: ليس لأحد بعدنا أن يحرم بحج ثم يفسخ حجه بعمرة وقال ابن السكن: لم يرو عنه غير هذا. وقال الحافظ: قلت كثير ضعيف وقد قيل عنه عن أبيه عن جده عن بلال بن الحارث المزني اهـ.
٤٤ - عبد الله بن مغفل بن عبد نهم ين عفيف بن سحيم بن ربيعة بن عدي المزني أبو سعيد وأبو زياد، نقل البخاري عن يحيى بن معين أنه كان يكنى أبا زياد وعن بعض ولده أنه كان يكنى بهما، وأنه كان له عدة أولاد منهم سعيد وزياد، من مشاهير الصحابة، قال البخاري: له صحبة سكن البصرة، وهو أحد البكائين في غزوة تبوك وشهد بيعة الشجرة، ثبت ذلك في الصحيح وهو أحد العشرة الذين بعثهم عمر ليفقهوا الناس بالبصرة وهو أول من دخل من باب مدينة تست، ومات بالبصرة سنة تسع وخمسين، فأوصى أن يصلي عليه أبو برزة الأسلمي، فصلى عليه، وقيل مات سنة ستين وقيل إحدى وستين، قال ذلك الحافظ.
قال مؤلفه: ذكر الحافظ ﵀ ترجمة عبد الله بن عبد نهم ذو البجادين قبل هذا وذكر أنه عم عبد الله بن مغفل بن عبد نهم بن عفيف. ثم ذكر نسب الأول فقال. عبد الله بن عبد نهم بن عفيف بن سحيم مع تقديم وتأخير في تسلسل النسب وهذا لا يؤثر ولكنه ذكر في هذه الترجمة عبد الله بن مغفل بن عبد نهم بن عفيف بن أسحم. والذي أعرفه من هذا النسب هو أنه سحيم وليس أسحم، وقد مر ذلك في ترجمة خزاعي بن عبد نهم فتنبه لذلك.
ثم ذكر الحافظ في عبد الله بن مغفل هذا أنه أول من دخل من ياب تستر، وقد ذكر ذلك الحافظ ابن كثير في البدايه في الجزء السابع ص ٨٦ في قصة فتح تُسْتُرْ وأَسْر الهرمزان وبَعَثُهُ إلى عمر. وهذه القصة مختصرة قال ابن كثير: وقد تزاحفوا أيامًا متعددة حتى إذا كان في آخر زحف قال المسلمون للبراء بن مالك وكان مجاب الدعوة. يا براء أقسم على ربك ليهزمنهم لنا، فقال: اللهم اهزمهم لنا واستشهدني، قال: فهزمهم المسلمون حتى أدخلوهم خنادقهم واقتحموها عليهم
стр. 660
ولجأ المشركون إلى البلد فتحصَّنوا به، وقد ضاقت بهم البلد وطلب رجل من أهل البلد الأمان من أبي موسى فأمنه فبعث يدل المسلمين على مكان يدخلون منه إلى البلد وهو من مدخل الماء إليها فندب الأمراءُ الناسَ إلى ذلك، فانتدب رجال من الشجعان والأبطال وجاءوا فدخلوا مع الماء كالبط إلى البلد وذلك في الليل، فيقال كان أول من دخلها عبد الله بن مغفل المزني وجاءوا إلى البوابين فأناموهم وفتحوا الأبواب. وكبَّر المسلمون فدخلوا البلد وذلك في وقت الفجر إلى أن تعالى النهار ولم يُصلُّوا الصبح يومئذ إلا بعد طلوع الشمس. كما حكاه البخاري عن أنس بن مالك قال شهدت فتح تستر وذلك عند صلاة الفجر فاشتغل الناس بالفتح فما صلوا الصبح إلا بعد طلوع الشمس فما أحب أن لي بتلك الصلاة حمر النعم اهـ.
قلت ومن كلامه قوله: لقد خبتَ وخسرتَ إن لم تكن مؤمنًا. ذكره البيهقي في كتاب الإيمان ص ٢٣.
٤٥ - عبد الرحمن بن صفوان بن قدامة التميمي المزني من بني امرئ القيس بن زيد بن مناة بن تميم، قال ابن السكن: يقال له صحبة حديثه في البصريين. وروى الطبراني عن موسى بن هارون عن موسى بن ميمون بن موسى المزني عن أبيه ميمون عن أبيه موسى عن جده عبد الرحمن بن صفوان بن قدامة قال: هاجر أبو صفوان إلى النبي ﷺ فبايع النبي ﷺ على الإسلام وقال له: "إني أحبك قال: المرء مع من أحب" ورواه ابن منده مطولًا وكان معه ابناه عبد الرحمن وعبد الله وكان اسمهما عبد العزى، وعبد تميم وغَيَّرهما النبي ﷺ قال: وفي ذلك يقول ابن أخيه نصر بن نصر بن قدامة:
تَحَمَّلَ صَفْوانُ فَأَصَبْح عَادِيَا … بأبنائه عمدًا وخَلّى المواليا
فَيَا ليْتَني يَوْم الحُنَيْن اتَّبَعْتَهُمُ … قَضَى الله في الأشْيَاءِ مَا كَانَ قَاضِيا
فأجابه صفوان:
من مبلِّغ نصرًا رسالة عاتبٍ … بِأنكَ بالتقصير أصبحَت راضيًا
فأقام صفوان بالمدينة حتى مات فرثاه ابنه عبد الرحمن المترجم له بأبيات منها:
стр. 661
وأنا ابن صفوان الذي سبقت له … عند النبي سوابق الإسلام
ثم إن عمر بعث عبد الرحمن بن صفوان مددًا إلى المثنى بن حارثة بالعراق. وروى أبو عوانة في صحيحه من طريق مهدي بن موسى بن عبد الرحمن حدثني أبي عن أبيه عن صفوان بن قدامة قال، وقال ابن السكن: لا يروى حديثه إلا بهذا الإسناد اهـ. ذكر ذلك الحافظ.
قال مؤلفه: أورد الحافظ ابن حجر ﵀ ترجمة عبد الرحمن هذا ضمن ترجمة أبيه صفوان بهذا النسب (التميمي المزني من بني امرئ القيس بن زيد مناة بن تميم).
ولعل هذا تصحيف ممن نقل عنهم الحافظ. فإن بني تميم بن مر بن أن بن طابخة ليسوا من مزينة ونسبهم كما يلي: هم بنو امرئ القيس بن زيد مناة بن تميم بن مُرّ بن أن بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. فهؤلاء إذا قيل لهم بني مر: فالنسبة إليهم مُرِّي وهم غير بني مرة المعروفين اليوم (١)، وإذا قيل لهم بني تميم: وتميم أحد أجدادهم فالنسبة إليهم تميمي. ومنهم مجدِّد الدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀. فبنو تميم هؤلاء من قبائل طابخة. فالمقصود أن بني تميم ومنهم المترجم له من بني مر بن أن بن طابخة، ومزينة هم أولاد عثمان وأوس ابني عمرو بن أن بن طابخة. فعلى يكونون هذا أبناء عم. وقد كون التصحيف نشأ عن كلمة المرِّي فقرئ المزني وهو الأقرب للصواب، والله أعلم.
٤٦ - عبد الرحمن بن عقيل بن مقرن المزني أبوه أحد الإخوة قال ابن سعد: له صحبة وقد رأى النبي ﷺ ، ذكر ذلك الحافظ.
٤٧ - عبد الرحمن بن أبي عميرة المزني قال أبو حاتم وابن السكن: له صحبة ذكره البخاري وابن سعد وابن البرقي، وذكره أبو الحسن بن سميع في الطبقة الأولى من الصحابة الذين نزلوا حمص وكان اختارها. سكن الشام، وحديثه عند الشاميين. وأخرج الترمذىِ والطبراني بسندهما إلى عبد الرحمن بن أبي عميرة المزني وكان من أصحاب النبي ﷺ أن النبي ﷺ قال لمعاوية: "اللهم
стр. 662
عَلِّمه الكتاب والحساب وقه العذاب" هذا لفظ الطبراني. ولفظ الترمذي "اللهم اجعله هاديا مهديًا واهْدِ به" وله حديث "يكون في بيت المقدس بيعة هدى" قال ابن سعد. وعند أحمد من طريق جبير بن نفير عن عبد الرحمن بن أبي عميرة أن رسول الله ﷺ قال: "ما في الناس نفس مسلمة يقبضها ربها تحب أن ترجع إليكم وأن لها الدنيا وما فيها إلا الشهيد".
وعند ابن أبي عاصم وابن السكن من طريق سويد بن عبد العزيز بسندهما إلى ابن أبي عميرة المزني قال: خمس حفظتهن من رسول الله ﷺ : "لا صفر ولا هامة ولا عدوى ولا يتم شهران ستين يومًا. ومن خفر ذمة الله لم يرح رائحة الجنة" ذكر ذلك الحافظ وانتصر لإثبات الصحبة له اهـ.
٤٨ - عبد الرحمن بن مقرن بن عائذ المزني قال ابن سعد: له صحبة ويقال اسمه عبد عمرو فغيره النبي ﷺ . قلت هو أحد الإِخوة فكلهم أولاد مقرن بن عائذ، والله أعلم.
٤٩ - عبد الرحمن المزني والد عمر ويقال والد محمد. ذكره البغوي وغيره في الصحابة وأخرجوه من طريق أبي معشر عن يحيى بن شبل عن عمرو بن عبد الرزاق المزني عن أبيه قال: سئل النبي ﷺ عن أصحاب الأعراف فقال: "قوم قتلوا في سبيل الله وهم عاصون لآبائهم فمنعهم من الجنة عصيانهم لآبائهم ومن النار قتلهم في سبيل الله" وهكذا أخرجه ابن مردويه في التفسير وأخرجه عبد بن حميد وابن جرير كلاهما من وجه آخر عن أبي معشر.
قال مؤلفه: لا بد من إلقاء بعض الضوء على أصحاب الأعراف الوارد ذكرهم في القرآن الكريم والذي ورد ذكرهم في هذا الحديث. وهو أن هذا الحديث كما قال الحافظ مضطرب والاضطراب فيه عن أبي معشر واسمه نجيح بن عبد الرحمن وهو ضعيف، فعلى هذا لا يعتبر الحديث نصا في الموضوع ولا تقوم به حجة. وقد ذكر المفسرون حول آية الأعراف أقوالًا كثيرة واختلفوا فيها ولم يثبت فيها نص صحيح صريح يعوِّل عليه سوى ما ورد عن حذيفة وعبد الله بن عباس وحسبك بهما. إنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار فوقفوا هناك حتى يقضي الله فيهم ما يشاء
стр. 663
ثم يدخلهم الجنة بفضل منه ورحمة. وقال عبد الله بن المبارك: أخبرنا أبو بكر الهُذَلي قال سعيد بن جبير يحدث عن ابن مسعود قال: "يحاسب الله الناس يوم القيامة، فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة ومن كانت سيئاته أكثر بواحدة دخل النار، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ … (١٠٣)﴾ [المؤمنون]، ثم قال: إن الميزان يخف بمثقال حبة أو يرجح. قال: ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف فوقفوا على الصراط ثم عرفوا أهل الجنة وأهل النار فإذا نظروا إلى أهل الجنة "نادوا سلام عليكم" ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧)﴾ [الأعراف] اهـ. فهؤلاء الأئمة الأعلام ﵃ من أصحاب النبي ﷺ اتفقوا على هذا القول فحسبنا بقولهم عند عدم النص. كيف لا وأولهم عبد الله بن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن الذي قال فيه النبي ﷺ : اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل.
وثانيهم حذيفة بن اليمان العبسي أمن سرّ رسول الله ﷺ . وثالثهم عبد الله بن مسعود الذي قال فيه النبي ﷺ "من سره أن يقرأ القرآن غضا كما نزل فليقرأ على قراءة ابن أم عبد" فهؤلاء حجة على من خالفهم إذا لم يوجد نص، وقد ذكر الإمام ابن القيم في "طريق الهجرتين وباب السعادتين" هذا القول وانتصر له، والذي يظهر لي أن هذا أقرب إلى الصواب، والعلم عند الله تعالى.
٥٠ - عبد الرحمن الزني آخر ذكره أبو موسى وذكر عن عبد الله بن عبد الرحمن المزني قال: قال رسول الله ﷺ : "أعطيت في علي تسع خلال ثلاثًا في الدنيا وثلاثًا في الآخرة وثلاثًا أرجوها له وواحدة أخافها عليه، فذكر الحديث ويجوز أن يكون هو المتقدم، والله أعلم.
٥١ - عبيد بن مراوح المزني روى عنه ابنه عبد بن عبيد بن مراوح المزني عن أبيه قال: نزل رسول الله ﷺ النقيع والناس يخافون الغارة بعضهم على بعض فنادى مناديه: الله أكبر فقال: لقد كثرت كبيرًا، فقال. أشهد أن لا إله إلا الله فارتعدت وقلت: لهؤلاء نبأ فقال: أشهد أن محمدًا رسول الله، فقلت: بُعث نبي فقال حي على الصلاة، فقلت. نزلت فريضة، واعتمدت رسول الله ﷺ فسألته
стр. 664
عن الإسلام فأسلمت، وعلمني الوضوء والصلاة وصلى فصليت معه، وحمى النقيع واستعملني عليه. ذكره الحافظ.
٥٢ - عصام المزني، قال البخاري: له صحبة وذكره ابن سعد في طبقة أهل الخندق. روى له الترمذي حديثًا قال: كان النبي ﷺ إذا بعث جيشًا قال: إذا رأيتم مسجدًا أو سمعتم مؤذنًا فلا تقتلوا أحدًا، هكذا أورده مختصرًا. وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير من طريق أحمد بن حنبل وحامد بن يحيى البلخي ثلاثتهم عن سفيان بن عيينة. عن عبد الملك بن نوفل عن ابن عصام المزني عن أبيه وكان له صحبة فذكره إلى قوله فلا تقتلوا أحدًا، وزاد: فبعثنا النبي ﷺ في سرية وأمرنا بذلك فخرجنا نسير بأرض تهامة فأدركنا رجلا يسوق ظعائن فعرضنا عليه الإسلام فقلنا أمسلم أنت؟ قال: وما الإسلام؟ فأخبرناه فإذا هو لا يعرفه قال فإن لم أفعل فما أنتم صانعون؟ قلنا نقتلك: قال: فهل أنتم منتظرون حتى أدرك الظعائن؟ فقلنا نعم ونحن مدركوهم، قال: فخرج فإذا امرأة في هودجها فذكر قصة حبيش المتقدم ذكرها في ترجمة عبد الله أبو عصام هذا.
قال مؤلفه: هذه القصة كما أشرت وردت في ترجمة عبد الله أبو عصام المزني وذكرناها هناك وبينَّا ما رأينا أقرب إلى الصواب إن شاء الله. وهنا ذكرها الحافظ مرة أخرى ونحتاج إلى التدقيق في ذلك أيهما الصحابي وأيهما صاحب القصة ولماذا أوردها الحافظ في كلا الترجمتين.
والذي يظهر لي أن القصة واحدة وهي للصحابي منهما مؤكدًا والآخر رواها عنه وهذا لا شك فيه.
(تنبيه)
أورد هذه القصة مرتين. وهي مغايرة لما كان عليه الصحابة ﵃ من العلم والفقه في الدين والرأفة والرحمة بجميع البشر. أما أن يأتوا إلى رجل مع ظعائنه وحده ويكتفوا بعرض الإسلام عليه فإذا لم يفهم ويدخل في الإسلام من أول وهلة قتلوه فهذا رأي أرى أنه مجانب لما كانوا عليه ﵃ وأرضاهم. كيف والنبي ﷺ يربط الأسرى في المسجد ويتركهم حتى يدخلوا في الإسلام طائعين. وما فعل بثمامة أكبر دليل على ذلك. وإن الإنسان ليخجل أشد
стр. 665
الخجل حينما يجد في التاريخ قصصًا كهذه ويضطر إلى ذكرها. فاللهم قيض لتاريخ هذه الأمة من يقوم عليه أحسن قيام، وينقحه التنقيح التام، ويصفيه مما شابه به الجهلة الطعام (١).
٥٣ - عقيل بن مقرن المزني قال البخاري: له صحبة، ويكنى أبا حكيم وذكره الواقدي فيمن نزل الكوفة روى حديث: إذا أتاكم من ترضون دينه فأنكحوه. وقال الحافظ: زعم ابن قانع أنه يكنى أبو حاتم وهذا معدود من أوهامه.
قلت: هو عقيل بن مقرن بن عائذ المزني أحد الإخوة صحابي جليل.
٥٤ - عمرو بن النعمان بن مقرن المزني. قال أبو عمر له صحبة وكان أبوه من جلة الصحابة، قال الحافظ: ذكره البغوي والماوردي والطبراني وغيرهم في الصحابة، وأخرجوا له حديثًا قال: انتهى رسول الله ﷺ إلى مجلس من مجالس الأنصار وكان رجل من الأنصار كان يعرف بالبذَّاء ومسابة الناس فقال رسول الله ﷺ : "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" فقال الرجل والله لا أساب رجلًا أبدًا. وأخرج ابن أبي شيبة من طريق معاوية بن قرة قال: كنت نازلًا على عمرو بن النعمان بن مقرن فلما حضر رمضان أتاه رجل بكيس دراهم فقال: إن الأمير مصعب بن الزبير يقرئك السلام ويقول: لم يدع قاريًا إلا وقد وصل إليه منا معروف فاستعن بهذا فقال: قل له والله ما قرأنا القرآن نريد به الدنيا ورده عليه.
قلت: هو ابن النعمان بن مقرن صاحب نهاوند وستأتي ترجمة والده إن شاء الله تعالى.
٥٥ - عمرو بن بلال بن الحارث المزني أبوه بلال بن الحارث صاحب الإقطاع وهو صحابي استخلفه حذيفة بن اليمان على الماهين.
٥٦ - عمير المزني ذكره الطبراني في الصحابة وتبعه أبو نعيم ولم يورد له شيئًا.
٥٧ - عبد الله بن مغفل بن مقرن المزني أبوه أحد الإخوة واختلف في إدراكه قال ابن حبان: مات سنة بضع وثمانين وأرّخه البخاري سنة ثمان وثمانين قاله الحافظ.
стр. 666
٥٨ - عبد الله بن يسار المزني: قال الحافظ تابعي صغير وقد ذكره البغوي في الصحابة وأورد له حديثًا عن النبي ﷺ قال: "لا تذهب الأيام والليالي حتى يخلق القرآن في قلوب أقوام من هذه الأمة كما يخلق النبات، ويكون ما سوى القرآن إليهم" الحديث، قال الحافظ: وهذا سند غير ثابت اهـ.
٥٩ - عبد الرحمن بن مغفل بن مقرن المزنى أبوه أحد الإخوة ذكره الطبرى في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ … ﴾ [التوبة] وقد جزم الحافظ بأنه تابعي، وهو أقرب.
٦٠ - عطاء المزني قال ابن منده صوابه عصام، وقال كذلك رواه الحافظ من أصحاب ابن عيينة.
٦١ - عمرو بن سليمان المزني ذكره بن قانع وأورد له حديث "العجوة من الجنة" قاله الحافظ.
٦٢ - غالب بن أبجر المزني: اختلف في هذا الاسم اختلافًا كثيرًا فقال بعضهم هو بهذا الاسم، وقال الآخرون بل هو أبجر بن الأبجر وكيفما كان فالاسمان لمسمى واحد، وقد تقدم له رواية في الحمر الأهلية، وقد أوردها ابن الأثير وجزم بأنه غالب بن أبجر، والله أعلم.
٦٣ - فضالة بن هلال المزني: ذكره الدارقطني فيمن روى عن النبي ﷺ وسمع منه قال الحافظ بعد سياقه لهذا الكلام نقلته عن ابن عبد البر.
٦٤ - كعب بن زهير بن أبي سلمى الشاعر المشهور صاحب البردة. صحابي معروف روى قصة إسلام الحجاج بن ذي الرقيبة بن عبد الرحمن بن كعب بن زهير عن أبيه عن جده قال: خرج كعب بن زهير وأخيه بجير حتى أتيا أبرق العزاف "وهو الأبرق الذي بالربذة شرق المدينة" فقال بجير لكعب اثبت في غنمنا هنا حتى آتي هذا الرجل فأسمع ما يقول، فجاء بجير رسول الله ﷺ فأسلم فبلغ ذلك كعبًا فقال:
ألا أبلغا عني بجيرًا رسالة … على أي شيء ريب غيرك دلكا
على خلق لم تلف أمًا ولا أبًا … عليه ولم تدرك عليه أخًا لكا
سقاك أبو بكر كأس روية … وأنهلك المأمور منها وعلكا
стр. 667
فبلغت أبياته رسول الله ﷺ فقال: "من لقي كعبًا فليقتله" وأهدر دمه وكتب بذلك بجير إليه ويقول له النجاء. ثم كتب إنه لا يأتيه أحد مسلمًا إلا قبل منه وأسقط ما كان قبل ذلك فأسلم كعب وقدم حتى أناخ بباب المسجد قال: فعرفت رسول الله ﷺ بالصفة فتخطيت حتى جلست إليه فأسلمت ثم قلت: الأمان يا رسول الله أنا كعب بن زهير "قال: أنت الذي تقول" والتفت إلى أبي بكر فقال كيف؟ قال: فذكر الأبيات الثلاثة فلما قال فأنهلك المأمور. قلت: يا رسول الله ما هكذا قلت: وإنما قلت المأمون قال "مأمون والله" وأنشده القصيدة التي أولها: بانت سعاد، ونجاء في لفظ عن سعيد بن المسيب. قال: لما انتهى إلى كعب بن زهير قتل ابن خطل وكان بلغه أن النبي ﷺ أوعده بما أوعد به ابن خطل. قيل لكعب إن لم تدارك نفسك قتلت، فقدم المدينة فسأل عن أرقِّ أصحاب رسول الله ﷺ فدُلَّ على أبي بكر فأخبره خبره فمشى أبو بكر وكعب فمدَّ النبي ﷺ يده فبايعه وأسفر عن وجهه فأنشده قصيدته هذه: بانت سعاد فقلبي اليوم مَتْبُولُ.
وقال ابن إسحاق: ولما قدم رسول الله ﷺ من الطائف كتب بجير بن زهير إلى أخيه كعب يخبره أن رسول الله ﷺ قتل رجالًا بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه وأن من بقي من شعراء قريش ابن الزبعري وهبيرة بن أبي وهب قد هربوا في كل وجه فإن كانت لك في نفسك حاجة فِطِرْ إلى رسول الله ﷺ فإنه لا يقتل أحدًا جاءه تائبًا مسلمًا وإن أنت لم تفعل فانج إلى نجاتك، وكان بجير قد قال لكعب:
من مبلغ كعبًا فهل لك في التي … تلوم عليها باطلًا وهي أحزم
إلى الله لا العُزَّى ولا اللات وحده … فتنجو إذا كان النجاء وتسلم
لدى يوم لا ينجو وليس مفلت … من الناس رلا طاهر القلب مسلم
فدين زهير وهو لا شيء دينه … ودين أبي سلمى علي محرم
فلما بلغ كعبًا الكتاب ضاقت به الأرض وأشفق على نفسه وأرجف به من كان حاضره من عدوه فقال هو مقتول فلما لم يجد من شيء بدًّا قال قصيدته التي يمدح فيها رسول الله ﷺ ويذكر خوفه وإرجاف الوشاة به من عدوه، ثم خرج حتى قدم المدينة فنزل على رجل كانت بينه وبينه معرفة من جُهينة كما ذكر لي فغدا
стр. 668
به إلى رسول الله ﷺ حيى صلى الصبح فصلى مع رسول الله ﷺ ثم أشار إلى رسول الله ﷺ فقال: هذا رسول الله فقم إليه واستأمنه فذكر لي أن قام إلى رسول الله ﷺ حتى جلس إليه فوضع يده في يده وكان رسول الله ﷺ لا يعرفه فقال يا رسول الله إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمنك تائبًا مسلمًا فهل أنت قابل منه إن أنا جئتك به: قال رسول الله ﷺ : نعم. قال أنا يا رسول الله كعب بن زهير. قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أنه وثب عليه رجل من الأنصار فقال يا رسول الله دعني وعدو الله أضرب عنقه، فقال رسول الله ﷺ : دعه عنك فقد جاء تائبًا نازعًا. فغضب كعب على هذا الحي من الأنصار لما صنع به صاحبهم وذلك أنه لم يتكلم فيه رجل من المهاجرين إلا بخير، فقال قصيدته اللامية التي يصف فيها محبوبته وناقته التي أولها:
بانَتْ سُعادُ فَقَلبْي اليَوْمَ مَتْبُولُ … مُتَيَّمٌ إِثْرَهَا لَمْ يُفْدَ مَكْبُولُ
وَمَا سُعَادُ غَداةَ الْبَيْنِ إِذْ رَحَلوا … إِلَّا أَغَنُّ غَضِيضُ الطّرْفِ مَكْحُولُ
تَمْشي الغُواةُ جَنَابَيْها وَقَوْلُهُم … إنَّكَ يَا ابْن أَبي سُلْمَى لمَقْتُولُ
وَقَالَ كُلُّ صَدِيقٍ كُنْتُ آمُلُهُ … لَا أُلْهِيَنَّكَ إِنِّي عَنْكَ مَشْغُولُ
فقُلْتُ خَلُّو طَريقي لَا أَبَالَكُمُ … فَكُلُّ ما قَدَّرَ الرَّحُمَنْ مفْعُولُ
كُلُّ ابْن أْنْثَى وَإِنْ طَالَتْ سَلَامَتُهُ … يَوْمًا عَلَى آلَهٍ حدْبَاءَ مَحْمُولُ
نُبِّئتُ أنَّ رَسُولَ الله أوْعَدَني … والْعَفْوُ عِنْدَ رَسُولِ الله مَأْمُولُ
مَهْلًا هَدَاكَ الّذي أَعطَاكَ نَافلَة … الْقُرآن فيها مَوَاعيظٌ وَتَفْصِيلُ
لَا تَأخُذَنِّي بأَقوالِ الْوُشَاةِ وَلَمْ … أُذْنِبْ وَلَوْ كَثُرتْ فِيَّ الأَقَاوِيلُ
لَقَدْ أقُومُ مَقامًا لَوْ يقُومُ به … أَرَى وَأَسْمعُ ما لَوْ يَسمعُ الفيلُ
لَظَلّ تَرْعُدُ مِن خوفٍ بوَادرُهُ … إنْ لَم يكُنْ منْ رسُولِ الله تَنْويلُ
حتى وضعتُ يميني ما أُنازعُها … في كَفِّ ذي نقماتٍ قوْلُهُ الْقيلُ
لذاك أَخوِف عندي إذ أُكَلّمُهُ … وقيل إنّك منْسُوبٌ ومسئُول
من صبعم من ليوث الأُسد مسكنُهُ … في بطن عتر دُونهُ عيلٌ دونه عيل
стр. 669
يَغُدُو فَيُلْحِم ضِرْغَامَيْنِ عَيْشُهُما … لَحْمٌ مِنَ النَّاسِ معْقُولٌ خَراديلُ
إِذَا يُسَاوِرُ قِرْنًا لَا يَحِلُّ لَهَ … أنْ يَترُكَ الْقِرْنَ إِلَّا وَهْو مَفْلُولُ
مِنْهُ تَظلُّ سِبَاعُ الجَوّ نَافِرَةً … وَلَا تَمَشي بوادِيْهِ الأَرَاجيلُ
وَلَا يَزَالُ بِوادِيْهِ أَخوُ ثِقَةٍ … مُطَرّحُ الْبَزِّ وَالدّرْسانِ مَأْكُولُ
إنَّ الرَّسُولَ لَنُورٌ يُسْتضَاءُ بهِ … مُهَنّدٌ مِنْ سُيُوفِ الله مَسْلُولُ
في عُصْبَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ قال قَائِلُهُم … بِبَطْنِ مَكّةَ لَمَّا أَسْلمُوا زُولُوا
زَالُوا فَمَا زَالَ أَنْكَاسٌ وَلَا كُشُفٌ … عِنْدَ اللِّقاءِ وَلَا مِيلٌ مَعَازيلُ
يَمْشُونَ مَشْىَ الجمَالِ الزُّهرِ يَعْصمُهُم … ضَرْبٌ إذَا عَرَّدَ السُّودُ التَّنَابيلُ
شُمُّ الْعَرَانِينِ أَبْطالٌ لَبُوسُهُمُ … مِن نَسْجِ دَاوُدَ في الْهَيْجَا سَرابيلُ
بيضٌ سَوابِغُ قَدْ شكَّتْ لَهَا حَلَّقٌ … كَأَنّهَا حَلَقُ الْقَفْعَاءِ مَجْدُولُ
لَيْسُوا مَعَاريجَ إنْ نَالتْ لَهَا رِمَاحُهُم … قَوْمًا وَلَيسُوا مَجَازِيعًا إذَا نيلُوا
لَا يَقَعُ الطَّعْنُ إِلَّا في نُحُورِهُمُ … وَمَا لَهُمْ عَنْ حِياضِ الْمَوْتِ تَهْلِيلُ
والقصيدة أطول مما ذكرنا فهي تقع في خمسة وخمسين بيتًا في أكثر رواياتها ومن أراد الاطلاع عليها فهي أشهر من نار على علم وتعرض لها علماء كثيرون بالتشطير والتخميس والشرح فبلغت شروحها أكثر من ثلاثين كتابًا وتخميساتها سبعة عشر كتابًا وتشطيرها ثلاثة كتب ولقد عنى السلف بهذه القصيدة أشد عناية، وأكثر ما كتب عنها موجود في مكتبات إستانبول وبالمكتبات الأوربية، ذكر ذلك الدكتور محمود حسن زيني في تحقيقه لشرح ابن الأنباري على قصيدة البردة قال ابن إسحاق: قال عاصم بن عمر بن قتادة: فلما قال كعب "إذا عرّد السود التنابيل" وإنما عنى معشر الأنصار لما كان صاحبنا صنع به، وخصّ المهاجرين بمدحته غضب عليه الأنصار. وفي بعض من الألفاظ أنه لما بلغ في إنشاده هذه القصيدة، إلى قوله: "لا يقع الطعن إلا في نحورهم" نظر رسول الله ﷺ إلى من كان بحضرته من قريش كأنه يُومئُ إليهم أن اسمعوا فلما قال: "إذا عرَّد السود التنابيل" فعرَّض بالأنصار أنكرت قريش عليه. وقالوا: لم تمدحنا إذ هجوتهم، ولم يقبلوا ذلك منه فمدح الأنصار بقوله:
стр. 670
مَنْ سَرّهُ كَرَمُ الحَيَاةِ فَلَا يَزَلْ … في مَنْقبٍ مِنْ صَالِحِ الأَنْصَارِ
وَرِثُوا الْمكَارِمَ كَابرًا عَن كَابِرٍ … إنَّ الْخِيَارَ هُمُ بَنُوا الأَخْيَارِ
الْبَاذِليِنَ نُفُوسَهُمِ لِنَبِيِّهمْ … يَوْمَ الْهيَاجِ وَسَطْوَةِ الْجَبَّارِ
وهي أطول من ذلك. فكساه الرسول صلوات الله وسلامه عليه بردته واشتراها معاوية بن أبي سفيان من آل كعب بن زهير بعده بمالٍ كثير وبقيت إلى عهد خلفاء بني العباس يتوارثونها ويصلون بها صلاة الأعياد. فلهذا سميت هذه القصيدة بالبردة. فلما خرجت قصيدة البردة للبوصيري التي أنكرها العلماء عليه لغلوه فيها غلوًّا فاحشًا حيث يقول:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به … سواك عند حلول الحادث العمم
في قصيدة طويلة كلها من هذا النوع، ردّ عليه علماء السلف فيها ردًّا مفحمًا ثم خرجت قصيدة أخرى لأحمد شوقي سميت نهج البردة وغنتها أم كلثوم أيضًا. أقول عندما خرجت هذه القصيدة سميت قصيدة كعب ببانت سعاد.
قال مؤلفه: وفي ابتداء كعب بالشعر يروي لنا ابن أبي الدنيا قال: حدثنا أحمد بن المقدام حدثنا عمر بن علي حدثنا زكريا هو ابن أبي زائدة الشعبي قال: أنشد النابغة الذبياني الغطفاني النعمان بن المنذر:
تراك الأرض أمامت حقا … وتحيي ما حييت بها ثقيلا
فقال له النعمان: هذا البيت إن لم تأت بعده ببيت يوضح معناه وإلا كان إلى الهجاء أقرب، فتعسر على النابغة النظم، فقال له النعمان: قد أجلتك ثلاثًا فإن قلت فلك مائة من الإبل العصافير وإلا فضربة بالسيف بالغة ما بلغت. فخرج النابغة وهو وجل فلقيه زهير بن أبي سُلمى المزني فذكر له ذلك فقال: اخرج بنا إلى البرية فتبعهما كعب فرده زهير فقال له النابغة: دع ابن أخي يخرج معنا وأردفه فلم يحضرهما شيء فقال كعب للنابغة ياعم ما يمنعك أن تقول:
وذلك إن فللت الغي عنها … فتمنع جانبيها أن تميلا