١٩ - ومنهم أيضًا: محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة كان من أمراء علي ﵁.
٢٠ - وكذا منهم: أعين بن النوار شهد وقعة الجمل مع علي ﵁ وهو الذي عقر جمل عائشة رضى الله عنها وبعثه علي على البصرة فلما غلب عليها عبد الله بن الحضرمي قتله غيلة عام ٣٨ هـ.
٢١ - ومنهم أيضًا: نهشل بن جري النهشلي الدارمي (١) - الحنظلي الشاعر المخضرم المشهور والتابعي الشريف كان مع علي في حروبه وقتل أخوه مالك بصفين وهو يومئذ رئيس الحناظلة.
٢٢ - وكذا: هلال بن وكيع الدارمي الحنظلي التميمي قتل في وقعة الجمل.
٢٣ - ومنهم أيضًا: التَّابعي الشاعر عبدة بن الطييب شهد مع المثني بن حارثة قتال هرمز الفارسي كما جاهد في جيش النُّعمان بن مقرن ولم يقتصر ببذل عرقه وماله في سبيل الله، بل أضاف إلى هذه الصفات شعره الذي كان بين العرب والفرس وقائع دامية تكللت بالنصر للمسلمين، ومن قوله بعد سقوط المدائن في أيدي المسلمين من قصيدة طويلة هذان البيتان (٢):
هل حبل خولة بعد الهجر موصول … أم أنت منها بعيد الدار مشغول
إلى أن قال:
يقارعون رؤوس الفرس ضاحية … منهم فوارس لا عزل ولا ميل
٢٤ - وكذا منهم: ربعي بن الأفكل العنبري التميمي الذي ولاه سعد بن أبي وقاص حرب الموصل التي كثرت حوادثها في هذه السنين أعني عند تحرير هذه الأحرف بسبب الحرب التي اشتعلت بين العراق وإيران الدولتين المسلمتين نرجو الله أن يصلح ما بينهما وجميع المسلمين على ما يحبه ويرضاه، وقد استدل ابن حجر العسقلاني (٣) على أنه من الصحابة بتولية
стр. 6547
سعد له لحرب الموصل؛ لأن زعماء المسلمين في الفتوحات الإسلامية في صدر الإسلام لا يولون إلا الصحابة، كما اتخذه عمر بن الخطاب ﵁ على مقدمة الجيش الذي كان تحت قيادة عبد الله بن المغنم وله مشاهد في فتوحات العراق.
٢٥ - ومنهم أيضًا: عامر بن عبد القيس (١) الذي كان صادقًا في وفائه وأمانة قبيلته بني تميم لوفائه عند فتح القادسية؛ حيث قد فاضت كتب التاريخ والمغازي أن مجاهدا من المسلمين من بني تميم رأى رجلين معهما حماران فقتل أحدهما وفر الآخر فأخذ الحمارين وعلى أحدهما سفطانان على أحدهما فرس من ذهب بسرج من فضة وعلى ثغره ونحره الياقوت والزبرجد المنظوم على الفضة ولجام وفارس من فضة مكلل بالجواهر، وفي السفط الثاني ناقة من فضة عليها شليل (٢) من ذهب وبطان من ذهب وزمام من ذهب وكل ذلك منظوم بالياقوت وعلى الفرس رجل من ذهب مكلل بالجواهر كان كسرى يضعها على أسطوانة التاج، فأقبل عليه رجلان من الفُرس فقالا ما رأينا مثل هذا ما يعدله عندنا ولا يقاربه شيءٌ، فقال بعض المسلمين له هل أخذت منه شيئًا فقال الرجل والله لولا الله لما أتيتكم به فقالوا من أنت؟ فقال: وهل أخبركم لكي تحمدونني ولكن أحمد الله الذي هداني لهذا وأرجو ثوابه ثم مضى فأتبعوه رجلًا فسأل عنه فإذا هو عامر بن عبد قيس التميمي، فقال سعد بن أبي وقاص القائد العام: والله إن الجيش لذو أمانة ولولا ما سبق لأهل بدر لقلت: إنهم على فضل أهل بدر، وقال جابر بن عبد الله: والله ما أطلعنا على أحد من أهل القادسية يريد الدنيا مع الآخرة.
ومن قواد بني تميم أيضًا على سبيل الاختصار تبعًا لتسلسل ما قبلهم وسيتبع ذلك تفصيلا إن شاء الله عنهم.
стр. 6548
٢٦ - القعقاع بن عمرو التميمي (١).
٢٧ - عاصم بن عمرو أخي القعقاع.
٢٨ - زهرة بن حوية السعدي.
٢٩ - الحريش بن هلال السعدي.
٣٠ - ومن الصحابة غاضرة بن سمرة العنبري العمروي التميمي الذي بعثه النبي ﷺ على الصدقات.
القواد العظام لبني تميم
لو أراد أي مؤرخ منصف دقيق أن يعد ويحصى صناديد وشجعان قبائل العرب منهم بنو تميم الذين شهد لهم التاريخ الإسلامي بما يثلج الصدور لم يمكنه ذلك ولاحتاج إلى مجلدات ضخمة ولذهب كل مجهود في تعدادهم وذكر أفعالهم، ونذكر على سبيل الاختصار نموذجًا من قواد بني تميم العظام مثال:
١ - القعقاع بن عمرو كما مر بنا (٢) هو عاصم بن عمرو ورقمه في الإصابة ٧١٢١ هو الذي قال فيه الخليفة الأول أبو بكر الصديق ﵁: إنه يعدل بألف مقاتل في قتال الفرس في حرب القادسية وغيرها حيث إنه أبلى بلاء حسنا وسأله النبي ﷺ ما أعددت فقال: طاعة الله ورسوله ثم الخيل قال: تلك الغاية.
وكتب عمر بن الخطاب عنه إلى سعد بن أبي وقاص القائد العام لجيوش المسلمين في حروبهم ضد الفرس قائلًا: "أي قائد كان في حرب القادسية" فكتب إليه سعد قائلا: لم أر مثل القعقاع بن عمرو التميمي حمل يومًا ثلاثين غارة يقتل في كل غارة فارسا من فرسان الفرس المشهورين، ولقد كان له في الفتوحات أذكار جميلة وسكن الكوفة وأدرك وقعة صفين وحضرها مع علي كرم الله وجهه وله أشعار جياد تشهد بأفعاله منها قوله:
ولقد شهدت البرق برق تهامة … يهدي المناقب راكبًا العيار
في جند سيف الله سيف محمد … والسابقين لسنة الأحرار
стр. 6549
وكان يتقلد في وقت الزينة سيف هرقل ملك الروم ويلبس درة بهرام ملك الفرس وهما مما أصابهما من الغنائم في حروب فارس وشهد فتح دمشق وأكثر فتوحات العراق كما مر بنا.
وبعد مصرع النُّعمان بن المنذر ملك العرب من قبل الفرس (١) طارت أفئدة الأعداء هلعا فجمع رستم الملوك والأساورة وملوك الديلم في خيمة وأخذ يحرضهم على العرب فقاموا واستعدوا ورتبوا صفوفهم وجعل رستم ملوك الفُرس عن يمينه وملوك الديلم عن شماله وثبت هو في القلب ودار به الأساورة فلما جن الليل هرب من معسكر رستم جماعة إلى معسكر المسلمين فلما أصبح وعلم بالخبر طلبهم من المسلمين فأبوا أن يردوهم حيث إنهم لاجئون إليهم، فغضب وأمر جنوده وجيوشه في الزحف إلى المسلمين فرآهم القعقاع بن عمرو فقال يخاطب القائد سعد بن أبي وقاص: أيها الأمير قد تقدمت الأعداء والفيلة أمامهم ولا مقام لخيل العرب عند رؤيتها وصياحها فثبتهم سعد وأوصاهم فجاءت الفيلة كأنها جبال وعلى ظهورها الأبطال من العدو فقتلت من معسكر المسلمين ولم تثبت لها خيولهم فلما كفي الله المؤمنين شر الفيلة أخذ سعد يحرض على القتال فلقيه الأسود العنسي (٢) وهو طائش العقل فسأله ما وراءك يابن قيس. فقال: أيها الأميرِ إياك أن تعبر للصف فإن فيه الموت الأحمر يعني رجلا فارسًا جبارا من الفُرس وقد قتل أربعين من المسلمين فوبخه سعد ولم يكد ينتهى حتى لقيه ابن جعفر وقد تغير لونه فقال ما وراءك يا أبا جعفر؟ فقال: الثعبان الأغبر فارجع أيها الأمير فهو فارس علج عنيد، وقبل أن ينتهى تقدم سعد العشيرة فسأله كما سأل صاحبيه من قبل فقال: ورائي رجل جبار لا يقاتل، وتلاه بشر بن ربيعة مصفر اللون من هول ما رأي فقال ما وراءك يا ابن ربيعة فقال ما قصر القعقاع بن عمرو وهو يفرق الكتائب ويصدم المواكب فقال: لله درك يا ابن عمرو وأين فارس الفُرس وكيف تخلص من يدك فقال: أيها الأمير لولا إنَّه دخل الصفوف لسقيته كأس الحتوف وغاص في وسط الخيل ولم أبلغ منه النيل: وفي اليوم الثاني كان أول من فتح
стр. 6550
الحرب رستم وقد طلب البراز فخرج إليه اثنان من معسكر المسلمين فصرعهما فأراد القعقاع أن يخرج إليه وإذا بفارس قد أقبل عليه كأنه الصاعقة فصاح برستم صيحة أدهشته ثم طعنه في خاصرته حتى أطلع السنان من الناحية الثانية فظهر إليه سعد ابن أبي وقاص وإذا به أبو محجن الثقفي الذي سبق وأن أقام عليه سعد الحد بالأمس في شرب المسكر ولما انتشل القعقاع من كاد أن يغرق المسلمين قال الناس متعجبين من بطولته وبطولة كتيبته، لأهوال فعلها في الأعداء: تعجز النساء أن تلد مثل القعقاع (١)، وفي أثناء ذلك حاصر خالد بن الوليد الحيرة ورأى أنه بحاجة إلى نجدة وطلب من الخليفة أبي بكر أن يمده بقوة فمده بالقعقاع وهو الذي غنم في فتح المدائن درع كسرى ملك الفُرس وكان فيها درع لهرقل ملك الروم ودرع لخاقان ملك الترك وثالث للنعمان بن المنذر ملك الحيرة. وله في ذلك مواقف مشرفة حيث قاد جيوش المسلمين في فتح اليرموك (٢)، ومما يؤثر عنه أن خالد بن الوليد القائد العام لجيوش المسلمين لفتح الحيرة طلب من الخليفة أبي بكر ﵁ أن يمده بمدد من المقاتلين فأمده بفرقة تحت قيادة القعقاع بن عمرو التميمي وقال الخليفة كلمته المشهورة "لا يهزم جيش فيه القعقاع بن عمرو إن شاء الله"، وهذه شهادة من الخليفة لأنه كان السبب بعد الله في انهزام الفُرس وكسر حدتهم في إرهاب الفيلة لأنه لما تراءى الجمعان من المسلمين والفُرس قصد الفيل الأبيض وهو كبير الفيلة وشيخها فقطع مشفره بسيفه (٣) - فكانت الدائرة على العدو ولما حمل عليهم وغاص في الأعداء كأنه الصاعقة وقلب الميمنة على الميسرة والميسرة على الميمنة كما فعل زياد بن أبيه فولت الفُرس منهزمين شر هزيمة عرفها التاريخ في الفتوحات الإسلامية وتابعهم فرسان المسلمين يقتلون ويسلبون ويغنمون. ومعه سيف كسرى ودرع داهز ملك الهند اللذين استلبهما من الفُرس أيام غزوهم لهرقل وأعطاه فوقه درع بهرام ووزع باقيها على المجاهدين المسلمين إلا سيف كسرى فقد بعث بها إلى عمر بن الخطاب لتسمع العرب بذلك، فقال عمر لما رآها: والله إن قومًا أدوا هذا لذو أمانة فقيل له إنك عففت فعفت رعيتك.
стр. 6551
فلما جمعت الغنائم وقسمها سعد بين الناس بعد أن أخذ خمسا لبيت المال وكان المجاهدون ستين ألفًا كلهم من الفرسان فنال الفارس ١٢. ٠٠٠ اثني عشر ألف دينار.
وفي موقعة جلولا: كتب عمر بن الخطاب (١) إلى سعد بن أبي وقاص أنه يجعل على مقدمة الجيش القعقاع وإن هزم الله الفرس فليكن بين السواد والجبل ولما انتهى القعقاع من الوجه الذي زحف إليه إلى باب فنادقهم كانت هزيمة الأعداء حيث قتل منهم مائة ألف ١٠٠.٠٠٠ قتيل فجللت جثث القتلى المجال بين يديه وما خلفه فسميت الواقعة (وقعة جلولا).
في وقعة أغواث
وفي صباح اليوم الثاني من فتح القادسية قسم قومه التميميين إلى عشر فرق كل فرقة ألف مقاتل وأمرهم فكل ما بلغ عشرة من مد البصر تبعته فرقة أخرى بعد أن حرضهم على الجهاد وقال اصنعوا كما أصنع وطلب البراز فخرج إليه بعض العرب المنضمين إلى الفُرس فتضاربا فقتله القعقاع وجعلت خيله ترد إلى الليل وتنشط المجاهدين ولم يمض غير قليل حتى انكسرت الأعاجم ثم طلب القعقاع البراز مرة أخرى فخرج إليه اثنان من الفُرس فانضم إلى القعقاع أحد المسلمين فقتل المسلمان الفارسيين فصاح القعقاع: يا معشر المسلمين باشروهم بالسيوف فإنما يحصد الناس بها فأكثر المسلمون القتل في أعدائهم ولم يقاتلوا في هذه الوقعة من الفيلة لأن توابيتها كانت قد تكسرت لأجل ابتكار القائد المغوار القعقاع في أن يتشبه بالفُرس في أفيالهم فدعي عشريته - فركبوا على إبلهم وقد ألبسوها الأجلة (٢) مبرقعة ليوهموا الفُرس أنها فيلة ثم أطافت خيولهم في هذه الإبل لحمايتها ثم هجموا بها على فيلة الفرس ففعلوا بأعداء الإسلام ما فعلوا بالمسلمين في اليوم السابق وأخذت خيول الفرس تفر بمن عليها من جنودهم وركبتها خيول المسلمين. فلما رأى المسلمون هذا كان سرورهم لا يوصف لهذه الحيلة الحربية الموفقة التي هجم بها القعقاع ثلاثين مرة في هذا اليوم المبارك انجلت
стр. 6552
عن مصرع ١٠.٠٠٠ عشرة آلاف من الفُرس في نظير ٢٠٠٠ ألفين استشهدوا من المسلمين.
وفي اليوم الثالث أخذ الفُرس (١) يحملون على المسلمين بالفيلة بعد أن أصلحوا توابيتها وأحاط بها أبطالهم حتى لا يقطع المسلمون وضونها، فلما رأى سعد أن الفيلة تفرق كتائب المسلمين أرسل إلى القعقاع بن عمرو وأخيه عاصم بن عمرو قائلًا لهما أكفياني الفيل الأبيض لأنه هو زعيم الفيلة حيث إنها تألفه ولا تفر عنه فحمل القعقاع وأخوه عاصم عليه ووضعا رمحيهما في عيني الفيل الأبيض فنفض رأسه وطرح من عليه ودلي بشفره فضربه القعقاع بسيفه فرمى به وقتل من عليه وأسرعت الفيلة بالفرار عن فلول المسلمين.
وبعد سقوط المدائن في يدي المسلمين خرج القعقاع بن عمرو (٢) في طلب المنهزمين فلحق بفارس من الفرس وهو يكر على قوم من المسلمين وقد تعبوا منه ولا أحد منهم يدنوا إليه فقصده القعقاع بشدة عزمه وقتله ووجد معه حقائب مغلقة ففتحوها فإذا في حقيبة خمسة أسياف وفي الأخرى مثل ذلك محلات بالذهب ودرع كسرى ومغفره ومنطقته ودرع هرقل ملك الروم ودرع خاقان ملك الترك ودروع جماعة من الملوك قد جمعها كسرى من أيام غزواته لهم، وأما السيوف فكانت سيف كسرى وسيف هرقل وسيف خاقان وسيف النَّعمان بن المنذر فلما رآها سعد قال للقعقاع خذ أي سيف شئت وجاهد به العدو فأخذ سيف هرقل وأعطاه درع بهرام وأما بقية الأسلاب والغنائم فأعطاها الكتيبة الخرساء يعني كتيبة القعقاع إلا سيفي كسرى والنعمان فأبقاهما لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب مع التاج والثياب.
فتح مصر
وعند فتح مصر وتوابعها انتشر الصحابة في كل مكان يبشرون بدين الله فكان القائد العام عمرو بن العاص يدعو الأبطال من الصحابة ويسلمهم الرايات فصار كل واحد يتسلم رايته بعد أن يؤمره على خمسمائة مجاهد فينشد شعرا ولما
стр. 6553
جاءت نوبة القعقاع بن عمرو سلم لهم مثلهم وراية الجهاد فأنشد ما يثير به الهمم الإسلامية والنخوة (١) العربية واستعدت الروم والنوبة والبربر والنجاب والفلاحون فكاد الأمراء يضطربون لولا أن الله ثبتهم وذكر قوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا. . . (٥١)﴾ [التوبة]، فكثر التصادم بين الفريقين وتعددت الوقائع. ويحدثنا الواقدي أنه في بعض الملاحم قتل من المسلمين ٤٠ أربعون مجاهدا وقتل من أعدائهم ٧٠٠ سبعمائة فارس وفي طليعة المسلمين المقداد بن الأسود والقعقاع بن عمرو وشرحبيل بن حسنة التميميان فلم يسع المقداد إلا أن يخوض في الخيل منشدا من الشعر ما يشجع به الجبناء والرعاديد فما بال الأبطال الصناديد وتلاه زياد ابن أبي سفيان وفعل ما فعله المقداد.
القعقاع بن عمرو ومهارته في الوساطة
طارت شهرة القعقاع بن عمرو التميمي في البطولات الحربية التي كانت أسباب النصر الإسلامي على دولتي الفُرس والروم، وأما شهرته كوسيط لعلي بن أبي طالب ﵁ مع عائشة ﵂.
ومما سجله التاريخ له في وقعة الجمل سنة ٣٦ هـ (٢) كانت عائشة قد خرجت من المدينة وعثمان بن عفان ﵁ محصورا بها وقصدت مكة المكرمة للحج ولما عزمت على العودة علمت بمقتل عثمان فتأثرت وزاد تأثرها لما علمت أن المسلمين اجتمعوا على مبايعة علي ثم رجعت إلى مكة عازمة على أن تطالب بدم عثمان وحرضت الناس على الثأر للخليفة الشهيد وتبعها بنو أمية وطلحة وابن الزبير وكان الإمام علي ﵁ في ذي قار - فبلغه أن عائشة ترسل بكتبها إلى أهل الرأي العام لاستمالتهم وتحريضهم ولما أقبلت الجنود إلى ذي قار بدعوة من علي نصحهم ثم دعا القعقاع للوساطة بينَّه وبين أهل البصرة فقدمها وبدأ بعائشة.
فجاء عائشة (٣) وقال لها: يا أماه ما أشخصك وما أقدمك هذه البلدة. فأجابت أي بني الإصلاح بين الناس. فقال: ابعثي إلى طلحة والزبير حتى
стр. 6554
تسمعي كلامي وكلامهما فبعثت إليهما فجاءا فقال لهما: إني سألت أم المؤمنين فقالت كذا وكذا فما تقولان؟ أتابعان أم مخالفان؟ فقالا: بلى متابعان. فقال لهما: أخبراني وجه هذا الإصلاح فوالله إن عرفناه لنصلحن وإن أنكرناه لا نصلح. فقال: قتلة عثمان فإن هذا إن ترك كان كفرا؟ فقال: قدَ قُتل من قتلة عثمان ٦٠٠ ستمائة رجل من أهل البصرة فغضب لهم ستة آلاف رجل ٦٠٠٠ واعتزلوكم وطلبتم حرقوص التميمي فمنعه ٦٠٠٠ ستة آلاف رجل وهم على قلب رجل واحد فإن تركتموهم كنتم تاركين لما تقولون وأحميتم مضر وربيعة واجتمعوا على حربكم وخذلانكم انتصارًا لهؤلاء.
فقال وقالت عائشة: فما حل هذا الأمر؟ فقال: لا أرى حلا لهذا الأمر إلا بالتسكين فإن بايعوا لعلي لعل به خيرًا وتباشير رحمة ودرك بثأر هذا الرجل وعافية وسلامة لهذه الأمة فأجابوه: أحسنت وأصبت فإن جاء علي بمثل ما قلت صلح الأمر.
رأي علي (١)
فلما جاء القعقاع إلى الإمام علي وألقي عليه ما جرى، أعجبه ذلك ولما وصل علي إلى البصرة بعث إليهم إن كنتم على ما فارقتم القعقاع فخلو سبيلنا وأقرونا ننزل وننظر في الأمر فنزلوا ومشت الواسطة بين الفريقين، ولكن ذوي الأغراض والمصائد عز عليهم أن تفلت هذه الفرصة من أيديهم وتفوتهم فقاموا بليل ووضعوا السلاح في معسكر أهل البصرة فكان ما كان من تفكك وحروب.
ومن قواد بني تميم: عاصم بن عمرو ورقمه في الإصابة ٣٤٤٩ وهو من الشعراء الفرسان وأخوه القعقاع بن عمرو.
قال سيف (٢) في الفتوح: ولما بعث عمر الألوية مع من ولاه مع سهيل بن عدي فدفع لواء سجستان إلى عاصم بن عمرو التميمي وكان من الصحابة وأنشد له أشعارا كثيرة في فتوح العراق، وكان له ولأخيه بفتوحات فارس مقامات
стр. 6555
محمودة ومما سجلت كتب التاريخ والمغازي أنها مشحونة في أخبارهم وأشعارهم في فتوح العراق.
في فتح العراق والمدائن
ولما دخل المسلمون المدائن الغربية كان دجلة بينهم وبين المدائن الشرقية وبها إيوان كسرى وليس للمسلمين سفن يعبرون عليها فرأى سعد رؤيا خلاصتها أن خيول المسلمين اقتحمت دجلة (١) فعبرت فعزم سعد أن يحقق الرؤيا فندب الناس إلى العبور وقال من يبدأ ويحمي لنا الفراض يعني المواني حتى - يتلاحق به الناس لكي لا يمنعهم الفُرس من العبور فتقدم عاصم بن عمرو ومعه سبعمائة مقاتل واقتحم بهم دجلة فلما رآهم الأعاجم وما صنعوا أخرجوا للجيش الإسلامي مثله فاقتحموا عليهم دجلة فلقوا عاصما وقد دنا من الفراض، فقال عاصم: الرماح الرماح أشرعوا السيوف في العدو وتوخوا العيون فتوخى المسلمون عيونهم فولوا منهزمين فلحقهم المسلمون فقتلوا أكثرهم ومن نجى منهم؛ فَقَد نظره أو نصف نظره من الطعن. ولما رأى سعد أن عاصما قد حمى الفراض أذن لبقية الجيش فاقتحموا النهر ونجوا جميعًا إلا رجلًا نزل عن ظهر فرسه وكاد أن يغرق فثني القعقاع بن عمرو أخو عاصم عنان فرسه إليه وأخذه بيده فأخرجه سالمًا. ولما رأى ذلك الفُرس أتاهم أمر لم يكن في حسابهم أسرعوا هاربين إلى حلوان. ولينصرن الله من ينصره (٢).
موقفه من حملة الفيلة في القادسية
وفي موقعة القادسية جهز الفُرس حملة من الفيلة فلما حملت على المسلمين وفرقت كتائبهم فنفرت خيولهم وكانت الفُرس قد قصدت قبيلة بجيلة بسبعة عشر فيلا فنفرت خيل بجيلة وكاد فرسانها يهلكون فاستنجد سعد بن أبي وقاص ببني أسد فدارت عليهم رحى الحرب وحملة الفيلة على ميمنتهم فكانت الخيول تحيد عنها.
стр. 6556
فلما اشتد الكرب على المسلمين أرسل سعد إلى عاصم بن عمرو يا معشر بني تميم أما عندكم لهذه الفيلة من حيلة؟ قالوا: بلى والله ثم نادى عاصم في رجال من قومه يا معشر الرماة ادفعوا ركبان الفيلة عن المسلمين بالنبل وأنتم ياذوي الرماح والسيوف استدبروا الفيلة وقطعوا وضونها (حبالها) وخرج يحثهم ورحى الحرب دائرة بشدتها علي بني أسد فأقبل التميميون على الفيلة وأخذوا بأذناب توابيتها وقطعوا أربطة رحالها وانهالوا عليها بالضرب حتى ارتفع عواؤها فما بقي لهم فيل إلا عوى.
زهرة بن حوية التميمي
كان لزهرة بن حوية شأن في الجاهلية حيث إنه كان ملكًا لهجر وفي الإسلام فقد كان من أشهر قواد فتح القادسية وإذا كان من قواد بني تميم في الجاهلية مثل عتبة بن الحارث بن شهاب وقيس بن عاصم ومالك بن نويرة ولقيط ابن زرارة ومعبد بن زرارة والأهتم بن سنان وأسيد بن حناءة السليطي وخيبري بن عباد، وكثير من أمثالهم فما بال القارئ الكريم لأبطالهم في الإسلام (١).
موقعة القادسية
في هذه الموقعة أمّر الخليفة الثاني عمر بن الخطاب ﵁ سعد بن أبي وقاص على قيادة جيوش المسلمين في بلاد الفُرس فأمر الأمراء وجعل الرايات لأهل السابقة ومنهم زهرة بن حوية التميمي ومعه ٣٠٠٠ ثلاثة آلاف من بني تميم، فلما انتهى إلى العذيب بعث بسرية من الجيش للإغارة على الحيرة فصادف أخت المرزبان حاكم الفُرس تزف إلى زوجها فحملوا الأثقال والعروس في ٣٠ امرأة ومائة من التوابع (الخدم) ومعهم ما تجل قيمته عن التقدير فقسمه القائد العام بين المسلمين.
زهرة والجالينوس
وبعد ذلك سار رستم قائد الفرس إلى ساباط في ٦٠.٠٠٠ مقاتل وفي مقدمة الجالينوس ٦٠.٠٠٠ ألف أخرى غير كبار الضباط ومعهم من الأسلحة
стр. 6557
ما لا عهد للعرب بمثله و ٣٣ فيلا فلما وصلوا إلى القادسية حيال المعسكر الإسلامي كان الخوف يختلع قلوب المسلمين لكثرة أعدائهم لولا رعاية الله فيهم حيث أنزل السكينة على قلوبهم وألقى الرعب في قلوب أعدائهم فأرسل رستم القائد العام للفُرس إلى قائد المسلمين طالبًا الصلح قائلًا: كنتم جيراننا وكنا نحسن إليكم ونحفظكم، فقال زهرة: ليس أمرنا بذلك وإنما طلبنا الآخرة (١) وقد كنا كما ذكرت إلى أن بعث الله فينا رسولا دعانا إلى دين الحق فأجبناه، وقال قد سلطتكم على من لم يدن بدين الحق فإن الله منتقم بكم منه. فقال رستم: وما دين الحق الذي تشير إليه. فقال زهرة: الشهادتان وإخراج الناس من عبادة الخلق إلى عبادة الخالق. فقال رستم: فإن أجبنا إلى هذا ترجعون. فقال زهرة: أي والله، فانصرف عنه رستم ودعا رجال فارس وعرض عليهم الصلح فأنفوا واستكبروا، فلم يسع كتائب الإسلام والمسلمين إلا أن تندفع مكبرة مهللة ثم انجلت المعركة عن قتل رستم قائدهم العام فقام نائبه الجالينوس وحرض الفُرس على الثبات فأين لهم ذلك وقد ذابت قوتهم المعنوية.
وفي تلك الساعة الرهيبة خرج زهرة كالرعد القاصف والبرق الخاطف - يعدو وراء الجالينوس فلحقه يسابق المنهزمين في الفرار فطعنه طعنة نجلاء كانت آخر وسام ناله من الدنيا واستولى على جميع سلب صريعه القائد الفارسي. ويقول الطبري (٢): بلغ السلب بضعا وسبعين ألفا وكان الجالينوس على برذونة فاخرة بالزينة، أما زهرة فما كان عنان فرسه إلا من حبل منضود كالمقود وكذلك حزامها شعر منسوج.
وفي هذه القصة وبسبب استيلاء زهرة على سلب القائد الفارسي غضب سعد بن أبي وقاص على زهرة فعز على القائد العام أن يستولى مرؤوسه على سلب القتيل العظيم وكان الواجب أن يترك الغنيمة مع بقية الغنائم ثم يوزع على الجيوش الإسلامية كل مجاهد بما يستحق فمنع عن زهرة عطاءه. وكتب إلى عمر
стр. 6558
ابن الخطاب شاكيا فلما وصل الكتاب إلى الخليفة كتب إلى سعد ما نصه تعمد إلى زهرة وقد وصل إلى ما وصل إليه وقد بقي عليك عدوك ما بقي أن تكسر قرنه وتفسد قلبه، أوف له سلبه وفضله على أصحابه بالعطاء بخمسمائة، أنا أعلم بزهرة منك وإن زهرة لم يكن ليغيب من سلب سلبه شيئًا وإني قد فضلت كل من قتل رجلًا سلبه فدفعه أبيه فباعه بسبعين ألفًا. وقد أخبرنا (١) المؤرخون أن أبطال الفداء من المسلمين يوم القادسية فضل كل واحد منهم بزيادة قدرها خمسمائة في أعطياتهم وإن عددهم بلغ خمسة وعشرين فدائيا وفي طليعتهم زهرة بن عمرو التميمي.
وهكذا كوفئ هذا القائد الفذ الذي خلَّد لقومه ذكرا جميلًا في الإسلام حيث أنصفه الخليفة الجرئ في عدله الحكيم في تصرفه بل ضاعف له المكافأة، والجزاء على قدر العمل والثواب بقدر المشقة، فلم ير سعد غضاضة في تنفيذ أمر الخليفة عمر وأن يختار زهرة ويوجهه إلى متابعة النصر للإسلام في بلاد الفُرس وبمثل زهرة خفقت راية الإسلام على ممالك العالم فما زال هذا الشجاع يبذل إخلاصه وقوته وخبرته ودمه في سبيل الله حتى استشهد في سنة ٧٧ هـ (٢) - ٦٩٦ م، وهو شيخ كبير ولسان حاله يقول:
ولست أبالي حين أقتل مسلما … على أي جنب كان لله مصرعي
وذلك في ذات الإله فإن يشأ … يبارك على أشلاء شلو ممزع
وبعد فتح المدائن أمر زهرة بن حوية أن يذهب عسكره ويتبع المنهزمين فانتهى إلى جسر النهروان وعليه كثير من الفُرس بأعظم عدة وأحسن زينة، وهم يتزاحمون وفي أثنائها وقع بغل في الماء تكاثروا عليه ووقع بغل آخر فصاروا في هرج ومرج فقال زهرة: إن لهذا البغل لشأن وما تكالبوا عليه إلا لأمر ما مع ما في قلوبهم من الهلع والخوف فاحملوا عليهم حملة رجل واحد وابذلوا فيهم السيوف فحمل المسلمون عليهم حملة صادقة وقتلوا منهم أناسا كثيرين وولى
стр. 6559
الباقون الأدبار منهزمين تاركين ما لهذا البغل وما عليه وأخذه المسلمون (١) فوجدوا عليه حلة كسرى وثيابه ودرعه ووشاحه الذي كان فيه درعه وجواهر وكان يجلس عليها لبهائه بها فأخذ صاحب الأقباض يسجل كل ما يؤتى به من الغنائم فوجدوا في المحمل الأول تاج كسرى وجواهره وفيه ثيابه الموشحة بالذهب والمنظومة بالدرر، وفي المحمل الثاني ثيابه وهي موشحة بالذهب ومنظومة بالدر.
استقرار المسلمين في خراسان (٢)
استراح المسلمون من دك حصون الفُرس والاستيلاء على بلادهم والإطاحة بالأكاسرة وقوادهم جزأء لاضطهادهم المسلمين وتصديقا لقول الرسول ﷺ عندما مزق كسرى كتابه الذي بعثه له يدعوه إلى الإسلام إذ قال ﷺ كلمته المشهورة: (سيمزق الله ملكه شر تمزيق) فألقى المسلمون عصا الجهاد هناك واستقروا وطاب لهم المقام في البلاد الجديدة التي فتحوها - فاتخذوها وطنا إسلاميا جديدا لهم. ولما كان بنو تميم أكثر القبائل الإسلامية التي خاضت غمرات الفتوحات فيها كانوا أكثر سكانها الجديدين (٣)؛ أي خراسان من قبيلة بني تميم، وشاهد هذا ما ذكره عبد الرحمن بن نعيم الأسدي يخاطب يزيد بن المهلب حيث قال: قدمت خراسان غير مرة ووليتها وأنت أعلم بها مني وقد علمت أن تميما أكثرها عربيا وأن الجند بها ٣٤.٠٠٠ ألف جندي من تميم وبيت المال والسلطان فيهم فإنهم تجمعوا لما عرف أحد منا مصرع صاحبه ولهذا قال الفرزدق:
فدى لسيوف من تميم وفي بها … وكيع وجلت مني وجوه الأهاتم
شفين حزازات النفوس لم تدع … علينا مقالا في وفاء للائم
أبأنا بها قتلى وما في دمائهم … وفاء وهن الشافيات الحوائم
قوة بأسهم في الحروب
كان الأمويون يخشون بأسهم لكثرتهم وعزتهم وقوة شوكتهم، وكما هي
стр. 6560
العادة إلى الآن لأن الرؤساء لا يأمنون إلا الأجانب الضعفاء لمسالمتهم ولا يميلون إلا لهم، ودليل ذلك أنه عندما قدم يوسف بن عمر العراق قال: أشيروا على برجل أوليه خراسان (١) فأشاروا عليه بسلمة بن سليمان بن عبد الكريم (٢) بن خازم وقديد بن منيع المنقري وزهرة بن سيار الكناني وثلاثة آخرين فكتب يوسف إلى الحليفة الأموي هشام بن عبد الملك ومدح القيسية وكان آخر من كتب اسمه نصر ابن سيار الكناني لهوان شأنه فعرف سيار الكناني لأنَّه قليل العشيرة بخراسان فاختاره هشام ولعله مسطورة (٣) هنا وهو أنه قليل العشيرة بخراسان والقليل ذليل والقلة مذلةكما يقال في المثل العربي فلو اتخذه من تميم مثلا من القبائل المرهوبة الجانب فإنه لا يستبعد أن يجاهروه العداء ويعملون لشق عصا الطاعة لأنه يعرف أن قبيلته ستنصره ظالمًا أو مظلوما والحوادث تؤيد الخليفة هشاما في تخوفه ولو أن صنيعه في تنحية ابن منيع المنقري التميمي دليل على عزة بني تميم وشدة بأسهم ورهبة جانبهم وحسبنا هذا.
شهادة حصين بن المنذر لهم
هاج قتيبة بن مسلم الباهلي يوما فأخذ يسب القبائل جميعًا ولا يستثني منها أحدًا فغضبت القبائل وأصروا على خلافه، وأول من تكلم في ذلك الأزد؛ لأن الحقد عليهم أقل من حقد الأمويين على تميم. فأتوا (حصين بن المنذر) شاكين مما دعا إليه في خلع الخليفة، وفيه فساد الدنيا والدين ولم يرض بذلك فشتمنا فقال لهم حصين: مصر بخراسان ٣/ ٥ العرب وتميم أكثر الخمسين وهم فرسان خراسان ولا يرضون أن يصير الأمر في غير مضر لأن الأزد من عرب اليمن وبخراسان
стр. 6561
يومئذ من المقاتلة من أهل البصرة من أهل العافية تسعة آلاف ومن بكر سبعة آلاف رئيسهم الحصين بن المنذر، وتميم عشرة آلاف مقاتل رئيسهم ضرار بن الحصين وعبد القيس يقتلون قتيبة بن مسلم لأنه قتل ابني الأهتم (١) والسبب في ذلك أنه لما أراد قتيبة أن يستخلف (عبد الله بن عبد الله بن الأهتم) أتاه بشير بن صفوان بن عمرو بن الأهتم فقال: أتريد أن تستخلف (بشيرا) وهو رجل حريص حسود غدور كفور لحملة (٢) (قتيبة) على الحسد لعبد الله، فلما استخلفه وغزا (فرغانة) و (سجستان) جعل عبد الله يدس لقتيبة عند الحجاج بن يوسف الثقفي فلما تنبه قتيبة هرب عبد الله إلى مكران فأخذ قتيبة: ابنين لعبد الله وقتلهما وأخذ بشيرا فقتله وابنا معه وقتل معهم نفرا من تميم فمر (وكيع بن حسان) و (هرم بن أبي طحمه) على بشير في السوق وقد مثل به بعد قتله فلما دخلا على (قتيبة) قال: ياوكيع ألم تر ما فعلت في صديقك وهو يظن ذلك يرضيه لمناقشات بينهما سابقًا فقال وكيع: سبحان الله ما بلغ كنه ما بيني وبينه ما تبلغ - عقوبة ما رأيت فغضب قتيبة حتى كاد أن يطير الشرر من عينيه وقام وكيع وقتيبة ينظر إليه فأوجس هريم خيفة من غضب ذلك الجبار، فقال له وكيع: لا تخش أن يقتلني فأنا والله أقتله ومضى الظهر والعصر والمغرب على وكيع ولم يصله فلاموه فقال ما أصنع بالصلاة وقد قتل من بني الأهتم من قتل ولم يغضب لهم أحد من أهل الأرض. فعزل قتيبة عن رئاسة بني تميم واستعمل مكانه ضرار بن حصين بن المنذر فقال من قصيدة طويلة:
وإن (ابن سعد) و (ابن زحر) تعاورا … بسيفهما رأس الهمام المتوج
وما أدركت في قيس عيلان وترها … بنو منقر إلا بالأزد ومذحج
وكان قتله سنة ٩٦ هـ وقد قتل من بني مسلم ١١ رجلًا فصلبهم وكيع منهم سبعة لصلب مسلم وأربعة من بني أبنائهم، ولم ينج من صلب مسلم غير عمرو
стр. 6562
كان عامل (الجوزجان) ذلك لأن أمه الغراء بنت ضرار بن القعقاع بن معبد بن زرارة ولأن أخواله دفعوه حتى نجوه، ففي ذلك يقول الفرزدق (١):
عشية ماود بن غراء أنه … له من سوانا إذا دعا أبوانا
وقال أيضًا:
ومنا الذي سل السيوف وشامها … عشية باب القصد من فرغانا
عشية ود الناس أنهم لنا … عبيد إذا الجمعان يضطربان
أسباب قوة بني تميم الرهيبة (٢)
قد يعجب الكثير لهذه القوة أي يتمتع بها بنو تميم في خراسان التي جعلتهم يعاتبون بسيوفهم كل من يخالف تعاليم الإسلام حتى ولو كان بارزا، مع أن مجرد التفكير في أمر كهذا عند القبائل الأخرى مما تنهار له النفوس وتتفكك له المفاصل ولكن الخبراء بما كان لهم من منزلتهم الحربية والاجتماعية وكثرة عدد وتضامن وفداء وطاعة لرؤسائهم.
وما كان لقوادهم من قوة ترتكز على الثبات على الإسلام والصبر والعزة، والأيام الخالدة والتاريخ الحافل في جلائل الأمور وما كان لزعمائهم من تدبير محكم وبعد نظر وإباء عن مس كرامتهم.
كل هذه الأمور وأمثالها نموذج من الأسباب القريبة التي أقنعت الحكام والمحكومين والقريب والبعيد بقوتهم الرهيبة حتى على الملوك قبل الإسلام في أيام المناذرة والغساسنة والأكاسرة، أما في الإسلام فكانوا المثل الأعلى في الالتزام والطاعة للذين ساروا على نهج الإسلام من حكام ورؤساء ولا يشقون عصا الإسلام عليهم إذا لم يأمروا بمعصية حيث لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق مستنيرين بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء].
стр. 6563
وقد أشار الطبري (١) إلى سبب واحد من هذه الأسباب بعد أن قص ما جرى بينهم وبين عبد الله بن خازم السلمي واليهم.
فقال: كان من الحريش بن هلال قائدهم في حرب عبد الله بن خازم المذكور - أبطال لم يدرك مثلهم لأن الرجل منهم بمثابة كتيبة ونورد بعضًا منهم على النحو التالي:
١ - شأس بن دثار.
٢ - وبجير بن ورقاء الصريمي.
٣ - وشعبة بن ظهير النهشل.
٤ - وورد بن القلق العنبري.
٥ - والحجاج بن ناشب العدو - وكان من أرمي الناس.
٦ - عاصم بن حبيب السعدي.
ومن صناديدهم في خراسان ما يأتي (٢):
١ - عمرو بن بجير بن ورقاء السعدي.
٢ - وبلعاء بن مجاهد بن بلعاء العنبري.
٣ - وأبو حفص وائل الحنظلي.
٤ - وعقبة بن شهاب المازني.
٥ - وثوية بن أبي أسيد (مولاهم).
٦ - والأشهب بن عبيد الحنظلي.
٧ - وسورة بن الحر الدارمي.
٨ - وحرب بن مخرمة الحنظلي.
٩ - وعمر بن جرماس المنقري.
стр. 6564
١٠ - والي سمرقند يوسف بن الأسود.
١١ - وهلال بن عليم الحنظلي.
١٢ - ومحمد بن مسلم العنبري.
١٣ - ولاهز بن قرط من دعاة بني العباس.
١٤ - وبشر بن أنيف الحنظلي.
١٥ - وقديد بن منيع المنقري.
١٦ - والمغيرة بن حبناء.
١٧ - ورجاء بن جابر بن شداد العنبري.
١٨ - وعنبس بن طلق الصريمي المشهور بالطعان.
١٩ - والعلاء بن مطرف السعدي.
٢٠ - وعتاب بن ورقاء الرياحي والي أصفهان.
٢١ - وكهمس بن طلق أخو عنبس.
٢٢ - والربيع بن عمرو الأجذم اليربوعي.
٢٣ - وعبد الله بن بشر السليطي.
٢٤ - وحارثة بن بدر الغداني.
٢٥ - وعطية بن عمرو العنبري.
٢٦ - وعكرمة بن ربعي.
٢٧ - وعبد الله بن حكيم المجاشعي.
٢٨ - وعباد بن حصين الحبطي.
٢٩ - وقطري بن الفجاءة المازني.
٣٠ - والحجاج بن البرك.
стр. 6565
والي خراسان يستنكر لبني تميم فيعاقبونه في سيوفهم
وفي سنة ٦٥ هـ اشتد الخلاف بين بني تميم وعبد الله بن خازم (١) والي خراسان آنذاك فوقعت بينهم حروب كثيرة وجزاء لما قدموه له في حربه ضد ربيعة كما أعانوه على حرب أوس بن ثعلبة حتى قتل منهم من قتل وظفر من ظفر. ولما صفا له الجو بخراسان تنكر لهم وجعل شماس بن دثار العطاردي التميمي مساعدًا لوالي الشرطة لأجل أن يكفل غض عيونهم عن مساوئه فأتى بنو تميم ابنه محمدا في (هراة) فأمر ابن خازم مدير الشرطة ومساعده التميمي بمنع بني تميم من دخولها فرفض شماس تنفيذ أمره وانضم إلى قومه فاحتال رئيس الشرطة على شماس بمكافأة سخية له ولمن انضم معه من قومه فزاد إباء شماس ودخلوا المدينة وقتلوا محمد بن عبد الله بن خازم ثأرا لمن قتل من بني تميم، قتلا بالسياط ثم ثار الحريش بن القريع يحارب الوالي سنتين حتى انصرف بنو تميم إلى مرو ثم ولى بنو سعد هناك عليهم الحريش بن هلال القريعي الشاعر المعروف وأجمع أكثرهم على قتال الوالي ابن خازم فظل القتال بينهم سنتين على رغم جيوش الخليفة كلها فلما طال الحرب ضجر الفريقان فاتفق الحريش وخازم على المبارزة فتصاولا تصاول الفحلين الشجاعين لا يقدر أحدهما على الآخر إلى أن حانت فرصه لغفلة ابن خازم فانتهزها الحريش فضربه على رأسه ورمى بفروته فرجع ابن خازم إلى أصحابه وبه أثر الضرب فقال بعض شعراء تميم مفتخرا (٢):
لو كنتم مثل الحريش صبرتم … وكنتم بقصر الملح خير فوارس
إذا لقيتم بالعوالي ابن خازم … سجال دم يورثن طول وساوس
وهكذا صار عبد الله بن خازم السلمي أثرا بعد عين وعبرة لغيره.
стр. 6566
بنو تميم يشتركون في فتح الهند (١)
اشتركوا في فتح الهند، لما ولى الحجاج بن يوسف العراق ولى سعيد بن أسلم الكلابي مكران وفي ذلك الثغر خرج عليه ثائران علافيان من- قضاعة فقتلاه، فولى الحجاج/ مجاعة بن سعد التميمي فغزا مجاعة وغنم وفتح طوائف من قناديل ثم أتم فتحها ابن القاسم ومات مجاعة بعد سنة بمكران فقال الشاعر:
مامن مشاهدك التي شاهدتها … إلا يزينك ذكرها (مجاعا)
وممن شاركوا في فتح الهند (عبد الله بن سويد التميمي) أسلم صغيرًا وكان من المجاهدين في سبيل الله، وهذا نموذج من شعره في فتح الهند:
ألا هل أتى الفتيان بالسند مقدمي … على بطل قد هزه القوم مقدم
شددت له أسري وأيقنت أنني … على طرف المهواة إن لم أصمم
بحث عن لصوصية بعضهم
ذكرنا فيما تقدم إشارة عن بعض من نوادر قواد ورؤساء وقضاة بني تميم في شدة بأسهم في الحروب ومصارعة الحياة في الرخاء والشدة. وها هنا نورد قصة لثلاثة من بني تميم في حياتهم الاجتماعية حتى توفوا.
١ - السليك بن السلكة:
جاهلي وقد امتاز بسرعة العدو أي (عداء) وكان أسود البشرة مضرب المثل في القوة والشجاعة وشدة البطش والبأس والفتك بالأعداء إلا أنه كان واحدًا منهم وكان يتميز بصفة يختص بها دون رفيقيه وكان من أغربة العرب (٢) وهو من بني سعد بن زيد مناة بن تميم.
стр. 6567
٢ - هلال بن الأسعر:
وقد امتاز بضخامة الجسم وطوله النادر وبشرهه في الأكل وصبره على الجوع وهو من بني مازن بن عمرو بن تميم.
٣ - مالك بن الريب:
وقد تفرد بينهم بالجمال والفتوة واللصوصية الفتاكة وهو من بني مازن بن عمرو بن تميم.
إن السليك بن السلكة جاهلي ومجال نشاطه في الجاهلية، وقد لقي مصرعه على إثر حزازات شخصية بينه وبين اثنين من قبيلة خثعم وكان هو وزميليه هلال ابن الأسعر شاعرين؛ الأول كما أسلفنا جاهلي والثاني إسلامي ومالك بن الريب كان من الشعراء في الطبقة الأولى وقد لقي مصرعه في إحدى الغزوات التي كانت بين المسلمين وأعدائهم وقد رثي نفسه في قصيدته المشهورة التي سبق ذكرها وكانت حياته مشرفة حيث صقلته وجعلته من المهذبين، ولا ينزل من قيمة السليك أن يكون من حفدة بعض صعاليك العرب ولصوصهم وقطاع الطرق لأن لكل ظروفه التي حدت به إلى إبراز دوره في الحياة وكل ميسر لما خلق له وقد أبي أبوه عمرو ابن يثرب أن يلحقه بنسبه حيث كان ابن أمة سوداء، والعرب في الجاهلية يستنكفون أن يلحقوا أبناء الإماء معهم ولو أنهم تلوثوا في دمائهم مع أن أبناء الإماء كانت لهم السلطة في الدولة العباسية، وقد سأل الفيروز آبادي (١) عنه أول ما سأل فقال: إنه شاعر لص فتاك عداء.
سرعة عدوه:
اشتهر بسرعة العَدْو وكان في عَدْوه لا يلحق ولا تتعلق به خيولهم ورجالهم ومما قصه أبو عبيدة (٢) أن السليك رأى طلائع لبكر بن وائل وهم أعداء لقومه بني تميم متجهين إلى قومه. فقالوا: إن علم السليك أنذر بنا قومه فبعثوا إلى فارسين على جوادين فلما هايجاه وقربا منه خرج يسرع كأنه ظبي يطاردانه طيلة يومهما
стр. 6568
فلما أعياهما التعب قالا: إذا كان الليل أصابه الإعياء وسقط واقتصر عن العدو فلما أصبحا وجدا أثره قد عثر بأصل شجرة فتبرأ (١) عليها وسقطت قوسه فانحطمت ووجدا قطعة منها أثرت في الأرض فقالا: ياله أخزاه الله ثم هما بالرجوع يأسا في اللحاق به، ثم قالا لعله كان من أول الليل ففتر فتبعاه فإذا أثر بوله، فقالا: ويل له قاتله الله ما رأينا أشد منه لا نتبعه أبدًا فانصرفا، أما هو فقد وصل إلى قومه وأنذرهم فصدقه قومه وكذبه آخرون فورد عليهم الجيش فنال منهم فقال يسخر من المكذبين:
يكذبني العمران عمرو بن جندب … وعمرو بن سعد والمكذب أكذب
فلم يلبث أن أقبل المغيرون فعلموا صدقه.
ولما كبر رغب بعض بني كنانة أن يريهم بعضًا مما بقي من عدوه فقال اجمعوا لي أربعين شابا وأتوا إلى بدرع ثقيل، ولما أحضرت لبسها وخرج الشباب فجروا في جنبيه جري البليد فما صحبوه إلا قليلًا أما هو فجاء يسرع والدرع تخفق في عنقه كأنها خرقة على الرغم من ثقلها.
لصوصيته:
أما لصوصيته (٢) لم تكن إِلا مظهرا من مظاهر قوته وفتوته ولذا كان كثيرًا ما يقال: اللهم إني لو كنت ضعيفًا لما كنت عبدًا ولو كنت امرأة لكنت أمة، اللهم إني أعوذ بك من الخيبة فأمَّا الهيبة فلا هيبة. وقد نقل الرواة أنه أملق حتى لم يبق له شيء فخرج على رجليه رجاء أن يصيب غرة من بعض المارة فيذهب في إبلهم وكان في ليلة باردة من الليالي الشاتية المقمرة فاشتمل الصماء ونام، فبينما هو كذلك إذ جثم عليه رجل فقعد على جنبه وقال له استأثر فرفع السليك رأسه وقال: (الليل طويل وأنت مقمر) فذهبت مثلا وجعل الرجل يقول يا خبيث استأثر فلما آذاه أخرج السليك يده وضم الرجل ضمة أخرجت منه صوتًا ثم قال. السليك: من أنت قال: رجل افتقرت: فقلت: سوف أخرج ولا أعود إلى أهلي حتى أستغني فقال السليك: انطلق معي فانطلقا فوجدا رجلًا قصته مثل قصتهما
стр. 6569
فسار الثلاثة حتى أتوا واديا فلما أشرفوا عليه وجدوا فيه نعما كثيرة فهابوا أن يغيروا فيطردون بعضها، فيلحق بهم الطلب فقال لهما السليك كونا قريبًا حتى أكلم الرعاه وأستعلم عن الحمى لأهل تلك النعم هل هم قريب أم بعيد؟، قال: فإن كانوا (١) قريبًا رجعت إليكما وإن كان بعيدًا قلت لكما قولًا لا يعلمون ما معناه فأغيروا على ما يليكما فانطلق حتى رأي الرعاة فلم يزل يستنطقهم حتى أخبروه بمكان الحي فإذا هو بعيد. إن طلبوا لم يدركوا: فقال السليك للرعاة ألا أغني لكم قالوا بلي فرفع صوته وغنى قائلًا:
يا صاحبي ألا لاحي بالوادي … إلا عبيد قيام بين أذواد
هل تنظراني قليلا ريث غفلتهم … أم تغدوان فإن الرابح الغادَ
فلما سمعا ذلك أتيا للسليك فطردا الإبل وذهبا بأكثرها ولم يبلغ الصريخ الحي حتى خرجوا من حوزتهم ومعهم ما غنموا.
ومن وفائه لمُضَر:
ولهذا كان أبو نخلة الشاعر قد أساء إلى بني جلدته بعقوقهم فقد كان السليك وفيا لهم. لهذا كان لا يغير على مُضَر أبدا وإنما على اليمن فإن كف عنهم أغار على ربيعة الفرس أولاد نزار أخي مُضَر.
أما شعره وقد أغار على قوم وانصرفوا عنه خوفًا من العطش وبقي معه رجل يسمي صردا فقال السليك يصف ما حدث:
بكى صرد لما رأى الحي أعرضت … مهامه (٢) رمل دونه وسهوب
فقلت له لاتبك عينك إنها … قضية ما يقضي لنا فتئوب (٣)
سيكفيك صرب (٤) القوم لحم مغرض … وماء قدور في القصاع مشوب
стр. 6570
وهذا نموذج أيضًا من شعره:
ألا عتبت على قصار متني … وأعجبها ذوو اللمم الطوال
أشاب الرأس أني كل يوم … أرى لي خالة وسط الرجال
يشق علي أن يلقين ضيما (١) … ويقصر عن تخلصهن مالي
وما زال السليك المازني سائرًا في غلوائه (٢) هائما في بيدائه حتى رأى رجلين من قبيلة خثعم يريدان أن يجليا العار عن قومهما حيث سبق للسليك أن اعتدى على كرامة امرأة منهم فشدا عليه وقتلاه غيلة، فقالت أمه ترثيه من مراثيها له وهي مما اختارها أبو تمام في مراثي الحماسة إذ قالت:
طاف يبغي نجره … من هلال فهلك
ليت شعري ضله … أي شيء قتلك
والمنايا رصد … للفتى حيث سلك
سأعزي النفس إذ … لم تجب من سألك
ليت نفسي قدمت … للمنايا بدلك
هلال بن الأسعر المازني العمروي (٣)
بما أخبر عنه الأصفهاني في تاريخه أن هلالًا كان شاعرًا إسلاميا من شعراء الدولة الأموية وأدرك الدولة العباسية ولكن الذي لفت أنظار الناس إليه ليس شعره فحسب بل أمور كثيرة اشتهر بها دون غيره منها أنه كان رجلًا شديد الخلقة أكولا معدودًا في الأكلة المعروفين بكثرة الأكل، وأعظم شعره في الحروب وأنَّه كان ممن عمر طويلًا فلقي أمورًا شديدة يشيب منها الوليد، وإليك أيها القارئ الكريم نموذجًا منها:
стр. 6571
١ - الصبر على الجوع (١) فقد كان يسرح مع الإبل ويرد معها بدون زاد وإذا ورد إلى أهله أكل ما وجد عندهم ثم رجع معها لا يتزود بطعام ولا شراب صيفا أو شتاء حتى يرجع معها وهكذا.
٢ - أما الأكل فقد سأله رجل مرة ما أشد أكلة أَكلتها بلغتني عنك؟، فقال: رجعت مرة ومعي بعيري، فنحرته وأكلته إلا ما حملت منه على ظهري ثم أردت امرأتي فعجزت، فقالت ويحك كيف تصل إلى وبيني وبينك بعير فقال السائل كم تكفيك هذه الأكلة؟، فقال: أربعة أيام بلياليها.
٣ - وقص آخر من عشيرته من بني مازن فقال: أتانا هلال فأكل جميع ما في بيتنا فاقترضنا من جيراننا فلما رأى الخبز قد اختلف قال كأنكم أرسلتم إلى الجيران تستعينون بهم أعندكم من سويق أي الدقيق من الحنطة - قلنا عندنا فجيء بجراب به دقيق وإناء فيه سمن فصب السمن على الدقيق فمزجها فأكل ما جئنا به.
٤ - مر على رجل من قومه بني مازن في البصرة وقد حمل من بستانه رطبًا في أوعية فجلس على وعاء منها وقد كدس فيه الرطب وغطى بالحصر المنسوج من القصب فقال له يابن العم هل آكل من رطبك هذا؟ قال: نعم، قال: آكل ما يكفيني؟ قال: نعم، كل ما يكفيك. فجلس على صدر الوعاء وجعل يأكل إلى أن اكتفى ثم قام وانصرف فلما كشف صاحب الرطب الوعاء فإذا هو مملوء بالنواء وقد أكل رطبه ووضع النوى مكانه.
٥ - سألة سائل عن أعجب شيء أكله فقال (٢٠٠)(٢) مائتي رغيف مع وعاء ملح قدره صاع ونصف أي ثمانية أرطال.
٦ - ودعاه رجل من بني مازن إلى وليمة وأحضر عشر قصاع ثريدا من جزور إلى هلال وإلى من حضر من القوم ولما جلس المدعوون قدمت إليهم جفنة فأكلها ثم أخرى ثم ثالثة وهكذا حتى آتي على العشر كلها ثم طلب الماء
стр. 6572
فأحضروا له قربة ماء ففرغها كلها في جوفه ثم قام فخرج والنّاس في ذهول من صنيعه ثم استعادوا الأكل بعده. أما طوله فقد قال أبو عمرو بن العلاء: رأيت هلالًا وهو ميت ولم أره وهو حي، فما رأيت أحدًا أطول منه، ونقل الأصفهاني أنه كان عادي الخلق؛ أي عملاقًا ضخم الجسم شبهه الناس بأهل عاد المذكورين في القرآن.
أما قوته الرهيبة التي كانت مثار العجب للناس جميعًا الذين كانوا في عصره حيث إنه لما قدم إلى المدينة وسمع به الوالي الأموي فاستدعاه فلما مثل بين يديه رأى بجانبه رجلًا أصفر لم ير قط أشد منه خلقا ولا أغلظ منه عنقا ما يعرف طوله من عرضه فقال الأمير للأسعري: إن هذا العبد لم يترك في المدينة رجلًا إلا صرعه فخذ بثأر العرب فأجابه: جعلني الله فداك يا أيها الأمير إني لتعب وجائع الآن فإن رأى الأمير أن يتركني اليوم حتى أضع عن رحلي (إبلي) وأؤدي أمانتي وأريح يومي هذا وأجيئه غدًا فليفعل، فأمر الأمير أعوانه فانطلقوا معه إلى إبله وأراحوها وأدى أمانته ثم ذهبوا به إلى المطبخ فأشبعوه فقال هلال: ولما جاء الغد (١) قدمت إلى بيت الأمير وإذا عليه يعني الأمير ملابس صوف وكساء غليظ مهلهل مربع أخضر فسلمت عليه فرد علي السلام وقال للأصفر قم إليه، فقد أرى أنه أتاك الله بما يخزيك فقال لي العبد البس الإزار يا أعرابي فقلت له ليس عندي إزار فدعا الأمير بملحفة ما رأيت ولا لبست مثلها والتحفت بها وأخذ العبد يدور حولى وأنا منه وجل أي خائف ولا أدري كيف أصنع به ودنا مني فنقد جبهتي بظفره نقدة حتى ظننت أنه قد شجني فغاظني ذلك، فجعلت أنظر إلى خلقه وبما أقبض منه فما وجدت في جسمه شيئًا أصغر من رأسه فوضعت إبهامي في صدغه وأصابعي الأخرى في أصل أذنيه ثم غمزتها غمزة صاح منها قائلًا قتلني قتلني: فقال الأمير أغمز رأس العبد في التراب فقلت لك، فضحك الأمير حتى استلقى وأمر لي بجائزة وكسوة وانصرفت وقد أخذت بثأر العرب من هذا العبد.
وكان قمير بن سعد مشرفًا على جميع الصدقات من البكريين فوجد عندهم رجلًا سرق صدقة فأخذه ليحبسه فحال قوم السارق بينهما. وكان هلال حاضرًا
стр. 6573
فلما رأى ذلك وثب على البكريين فجعل يأخذ الرجلين فيضربهما ببعضهما ويناطح بين رأسيهما فانتهى إلى تفريق قوم السارق.
وتحدث (١) رجل من بني مازن بن عمرو بن تميم فقال: كنت يومًا مع هلال فدفعنا إلى قوم من بكر وقد طوينا وعطشنا وإذا نحن بفتية قد وردت إبلهم، فلما رأوا هلالًا استهانوا به لخلقته وقامته فاقترح أحدهم عليه أن يتصارعا فاعتذر بجوعه وأنَّه ضيف عندهم وخير من هذا أن تعدوا لي أشد فحل من إبلكم وأهيبه صوله وإلى رجل منكم أشد ذراعه فإن لم أقبض على هامة البعير وعلى يد صاحبكم فلا يمتنع الرجل والبعير حتى أدخل يد الرجل في فم البعير.
فإن لم أفعل ذلك فقد صرعتموني وإن فعلت علمتم أن صراع أحدكم أيسر من ذلك فعجبوا من مقالته وأومأوا إلى فحل هائج صائل من إبلهم فأتي هلال ومعه نفر من أولئك القوم وشيخ لهم فأخذ إبهامه فوضعه مما فوق مشفر الفحل فضغطها ضغطة شديدة جرجر الفحل منها واستخذى ورغى ثم قال ليعطني من أحببتم يده أولجها في فم هذا الفحل فقال الشيخ يا قوم تنكبوا هذا الشيطان. والله ما سمعت الفحل يجرجر منذ دخل في سنة التاسعة قبل اليوم فلا تعرضوا لهذا الشيطان وجعلوا يعجبون وينظرون إلى خطوه ويعجبون من طول أعضائه حتى جازهم وكان مع هذا شاعرًا.
هذه الغرائب هي أشبه بالأقاصيص (٢) وإن كان هناك ما يثير تعجب بعد ما تقدم لكونه شاعرا لأن الشعر خيال ورقة شعور ووحدة إحساس والشعراء يسجلون بأعصابهم المرهفة في قلوبهم كل ما يصادفهم من حوادث فيصيبهم الضمور والانكماش الجسمي عادة، ولكن هذا كان شاذا بين الشعراء شذوذه بين الأقوياء، ومن أراد الاطلاع على شعره فليرجع إلى كتاب الأصفهاني في أغانيه فقد ذكر من أبياته ٥٥ بيتًا ومنها بعدما قتل رجلًا من بني جلان العنزيين من ربيعة كان جارًا لمعاذ بن حيدة بن رزام المازني التميمي فطالبوه بالقصاص ولم يفده تضرعه لهم ففر منهم إلى اليمن وقال ينصحهم:
стр. 6574
بني مازن (١) لا تطردوني فإنني … أخوكم وإن جرت جرائرها يدي
ولا تثلجوا أكباد بكر بن وائل … بترك أخيكم كالخليع المطرد
وإن القريب حيث كان قريبكم … كيف بقطع الكف من ساعد اليد
مالك بن الريب (٢)
عرفنا فيما تقدم أن مالك بن الريب كان لصا فاتكا باللصوصية ولكنه أخف وطأة من صديقه شظاظ الضبي الذي يضرب به المثل فيقال: ألص من شظاظ (٣) كما قال القالي، وهو فوق هذا كله رهيب في قوته وفتكه ولا شك أن هذه الشجاعة التي يتميز بها مع صديقه هلال بن الأسعر المازني إنما تسربت إليهما من أجدادهما؛ فبنو مازن بن مالك بن عمرو بن تميم كانوا ذوي قوة خارقة يتحدث الناس بها وتسير بذكرها الركبان وتكرر على ألسنة الشعراء، وهذا مما دعا قريط بن أنيف الجاهلي العنبري العمروي أن يتمنى لو أنه من بني مازن بن عمرو بن تميم الذي استردوا إبله التي نهبها قوم من بني شيبان وكان عددها ثلاثين بعيرًا ولم ينجده قومه بنو العنبر بل أنجده قوم من بني مازن فقال من قصيدة في هذه القصة:
لو كنت من مازن لم تستبح إبلي … بنو للقيطة من ذهل بن شيبانا
إذا لقام بنصري معشر خشن … عند الحفيظة أن ذو لوثة (٤) لانا
قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم … طاروا إليه زرفات ووحدانا
لا يسألون أخاهم حين يندبهم … في النائبات على ما قال برهانا (٥)
стр. 6575
وقد قرر البغدادي (١) أن مالك بن الريب من أجمل فتيان العرب جمالا وأبينهم بيانًا.
قال أبو عبيدة: إنه لما ولى معاوية بن أبي سفيان قريبه سعيد بن عثمان بن عفان على خراسان سار بمن معه فأخذ طريق فارس فلقيه مالك. فلما رآه سعيد أعجبه وقال أبو حسن المدائني لما لقيه سعيد في نفر من أصحابه قال له: ويحك يا مالك، ما الذي يدعوك إلى ما بلغني عنك من العداوة وقطع الطريق؟! قال: أصلح الله الأمير العجز عن مكافأة الإخوان. قال: فإن أغنيتك واصطحبتك أتكف عما تفعل قال: نعم أصلح الله الأمير، فاصطحبه وأجرى له خمسمائة دينار في كل شهر وظل معه حتى قتل بخراسان وربما أن سعيدا لم يصطحبه إلىْ خراسان ولم يغدق عليه هذه النعم إلا لاتقاء شره الذي نال به من شاء من المروانيين لأنه من قطاع الطرق، فحسب ذلك ما ذكره ابن قتيبة (٢) أن رجلًا من بني تميم (هجا الحجاج بن يوسف الثقفي أحد قواد الأمويين فقال:
فإن تنصفونا يالمروان نقترب … إليكم وإلا فأذنوا بإبعاد
فإن لنا عنكم مراحا ونزحة … بعيس إلى ريح الفلاة صوادي
فماذا عسى الحجاج يبلغ جهده … إذا نحن جاوزن حفير زياد
فلول بنو مروان كان ابن يوسف … كما كان عبدًا من عبيد إياد
زمان هو العبد المقر بذله … يراوح صبيان القرى ويغاد
ولا يخفى على فاهم أن تلك النعم التي أغدقها سعيد على مالك بن الريب في خراسان كانت مانعته من الاستمتاع بحريته التي لا يعرفها ولا يقدرها إلا من عرفها كمالك بن الريب ولما لبث في خراسان ما لبث رأى من الوالي فتورا يكرهه فاستعد للأخذ بحقه وشاهد ذلك ما ذكره الطبري (٣) أن سعيدا قطع النهر يومًا إلى (سمرقند) فخرج إليه أهل الصفد فتوافقوا إلى الليل ثم انصرفوا من غير قتال، فقال مالك: في ذلك:
стр. 6576
ما زلت يوم الصفد ترعد بارقا … من الجبن حتى خفت أن يتنصرا (١)
وما كان في عثمان شيء علمته … سوي نسله في رهطه حين أدبرا
ولولا بنو حرب لظلت دماؤكم … بطون العظايا من كسير وأعورا
إن قصيدة المرثية التي رثى فيها نفسه قلما تجد كتابًا من كتب الأدب العربي إلا وجدته يذكر هذه القصيدة أو جزءا منها، وتاريخ هذه القصيدة يرجع إلى الفترة التي قتل فيها بخراسان ولروعة القصيدة زعم قوم أنها من قرض الجن في رثائه لما فيها من غربة وكرية ووحدة.
ويقول هؤلاء: إنه بعد أن قالت الجن هذه القصيدة وضعت تلك الصحيفة التي كتبت فيها تحت رأسه فاطلع عليها من غسلوه وكفنوه، وهذا زعم باطل والله أعلم؛ لأن قائل القصيدة هو مالك نفسه ولم يقلها إلا لما أحس بقرب أجله وكان يهتدي فيها بهدي (عبد يغوث) الشاعر القحطاني من شعراء الجاهلية عندما أسره قوم من بني تميم في يوم الكلاب الثاني لأن ظروف الشاعرين متشابهة والدافع للقصيدتين واحد. وهو بكاؤهما على نفسيهما ووداعهما الدنيا وما فيها. وقصيدة مالك بن الريب ٥٨ بيتًا كما يقولون وهي تتشابه في وزنها وقافيتها مع قصيدة عبد يغوث لتوافق وحدة الغرض ووحدة الظروف وفق أن كلا منهما صعلوك.
وهذا مطلع قصيدة عبد يغوث:
ألا لاتلوماني كفى اللوم مابيا … فمالكما في اللوم خير ولا ليا
ألم تعلما أن الملامة نفعها … قليل ومالومي أخي من شماليا
وهذا مطلع قصيدة مالك بن الريب (٢):
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة … بجنب الغضى أزجى القلاص النواجيا
فليت الغضى لم يقطع الركب عرضه … وليت الغضى ماش الركاب لياليا
стр. 6577
إلى أن قال في قصة انضمامه إلى جيش سعيد بن عثمان بن عفان وخروجه إلى هذا النداء الذي وفق به إلى الهدى حيث قال:
ألم ترنى بعت الضلالة بالهدى … وأصبحت في جيش ابن عفان غازيا
وأصبحت في جيش الأعادي بعدما … أراني عن أرض الأعادي قاصيا
ويستمر إلى أن قال في فراق والديه وأولاده وبناته ووحدته:
فلله دري يوم أترك طائعا … بني بأعلى الرقمتين وماليا
ودر الظباء السائحات عشية … يخبرن أني هالك من ورائيا
ودر كبيري اللذين كلاهما … علي شفيق ناصح لو نهانيا
تذكرت من يبكي علي فلم أجد … سوى السيف والرمح الرديني باكيًا
وأشقر محبوك يجر لجامه … إلى الماء لم يترك له الدهر ساقيا
إلى أن قال لما شعر بالموت:
فيا صاحبا رحلي دنا الموت فانزلا … برابية إني مقيم لياليا
أقيما عليّ اليوم أو بعض ليلة … ولا تعجلاني قد تبيّن شانيا (١)
وقوما إذا ما استل روحي مهيئا … لي السدر والأكفان عند فنائيا
وخطا بأطراف الأسنة مضجعي … وردا على عيني فضل ردائيا
إلى أن قال متحسرا على أهله حتى بعد الموت:
يقولون لا تبعد وهم يدفنوني … وأين مكان البعد إلا مكانيا
غداة غد يالهف نفسي على غد … إذا أدلجوا عني وأصبحت ثاويا
وأصبح مالي من طريف وتالد … لغيري وكان المال بالأمس ماليًا
فهذه ستة عشر بيتًا من قصيدته تبيّن أنه كان أشعر من صاحبيه السليك بن السلكة وهلال بن الأسعر وأعمق وفاء لأهله وذويه، ثم تأمل أخيرًا مقدار توجعه على نفسه في تلك الظروف الحرجة التي لا يجد من يبكي عليها فيها سوى سيفه
стр. 6578
ورمحه وحصانه الذي اختطف الموت عائلة وساقيه؛ إذ إن هذه القصيدة المؤثرة بدون شك ويظهر أن بنيه ماتوا بحسرة فراقه بعده فلم يذكر من نسله أحد، والله أعلم، ومما سبق الشعراء إليه فاستعملوه بعده قوله:
العبد يقرع بالعصا … والحر يكفيه الوعيد
وكرر آخر فقال:
العبد يقرع بالعصا … والحر تكفيه الملامة
وكرر آخر فقال:
العبد يقرع بالعصا … والحر تكفيه الإشارة
فلم يفرق فيما قيل إلا الكلمة الأخيرة فقد جعل الإشارة بدلًا من الملامة.
وأقدم من رثى نفسه:
في باب المراثي (١) من العقد نقلًا عن ابن قتيبة أن أول من بكى نفسه وذكر الموت في شعره يزيد بن حذاق حيث قال:
هل للفتى من بنات الدهر من واق … أم هل له من حمام الموت من راق
قدر جلوني وما بالشعر من شعث … وألبسوني ثياب غير أخلاق
وقال عروة بن حزام لما نزل به الموت:
من كان من إخواني باكيًا أبدًا … فاليوم إني أراني اليوم مقبوضا
يسمعنيه فإنِّي غير سامعه … إذا علوت رقاب القوم معروضًا
سبب موت مالك بن الريب (٢)
اختلف الرواة في سبب موته فمنهم من يقول: إنه مات موتا طبيعيًا وكان ذلك في خراسان.
стр. 6579
ومنهم من يقول: إنه في غزوة سعيد بن عثمان بن عفان ﵄ وذلك أنه طعن في خراسان.
والثالث يقول: إنه مات لديغا في غزوة سعيد بن عثمان في خراسان حيث أولج رجله في خف وإذ به حية فلدغته فمات بعد ليلة أو ليلتين والله أعلم.
والشاهد على ذلك كله بعض أبيات قصيدته المرثية التي رثى بها نفسه والراجح أنه مات في نفس الغزوة مع سعيد بن عثمان بن عفان في خراسان وهو ينازع الأعداء للإسلام والدفاع عنه حيث مات على يد الرجال الذين هجموا عليه هجمة رجل واحد كي يستطيعوا التغلب عليه ويضمنوا قتله.
والشاهد من قوله في القصيدة المرثية:
لعمري لأن غالت خراسان هامتي … لقد كنت في باب خراسان نائيا (١)
صريع على أيدي الرجال بقفره … يسوون لحدي حيث حم مابيا
والسبب في اختلافهم والله أعلم أنه كان عبرة في سلوكه وفي هدايته وفي جرأته فأرادوا أن يكون عبرة في موته كحياته.
ويقال أن معمرا (٢) جرهميا دخل على معاوية فقال له: حدثني عن أعجب ما عندك فقال: شيء سمعته أو رأيته، قال: بل رأيته، فقال: مررت ذات يوم بقوم يدفنون ميتا لهم، فلما انتهيت إليهم اغرورقت عيناي بالدموع فتمثلت بقول الشاعر:
وبينما المرء في الأحياء مغتبطا … إذ صار في الرمس تعفوه الأعاصيرا
يبكي عليه غريب ليس يعرفه … وذو قرابته في الحي مسرورًا
حتى كان لم يكن إلا تذكرة … والدهر في أيما حال دهاريرا
فقال: لي رجل منهم، أتعرف من يقول هذه الأبيات؟، قلت: لا والله إلا أنني أرويها منذ زمن، فقال: إن قائلها لصاحبنا الذي دفناه الآن وأنت الغريب الذي يبكي عليه، وهذا الذي دفناه الآن أمس الناس رحما به وأسرهم بموته.
стр. 6580
بنو تميم وامتيازهم في الإسلام
ولما فاتهم ما فاتهم في أول الدعوة الإسلامية تسابقوا إلى الإسلام مما يدل على أنهم متواضعون متدينون بطبيعتهم (١)، فكان منهم كثير من الصحابة والصحابيات، ولهم في حروبهم مع المسلمين على أعداء الإسلام والمسلمين مواقف مشرفة في الفتوحات الإسلامية مثال القعقاع بن عمرو، صاحب الكتيبة الخرساء والذي أرسله الخليفة الأول أبو بكر الصديق ﵁ مددا لخالد بن الوليد عند فتح العراق. فقال بعض الصحابة ﵃ متعجبا: أتمد رجلًا قد رفض جنوده عنه برجل واحد فأجابهم لا يهزم جيش فيه مثل القعقاع بإذن الله، وكذا منهم زهرة بن حوية مدوخ الفُرس وقاتل جالينوس - وقد أنزل الله فيهم بعض الآيات القرآنية مثل ما حصل عند قدوم وفد بني تميم على رسول الله ﷺ عند أول دخولهم في الإسلام، وكانوا قومًا عجافا أي شبه متوحشين من أثر الجاهلية الجهلاء إذ نادوه باسمه وهو من وراء حجراته أي مسكنه والله أعلم. فقالوا يا محمد أخرج إلينا، فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ [الحجرات].
ويقال: إن الأحنف بن قيس نزلت فيه ثلاثون آية والله أعلم، واستدلوا على ذلك بقول الشاعر معاوية بن صعصعة ابن أخيه وهو ما نشر في كتاب (وقعة صفين) لمؤلفه نصر بن مزاحم إذ قال (٢):
تميم بن مر إن أحنف نعمة … من الله لم يخصص بها دونكم سعدًا
أليس خطيب القوم في كل وفدة … وأقربهم قربا وأبعدهم بعدا
ومن نزلت فيه ثلاثون آية … تسميه فيه مؤمنًا مخلصا فردًا
стр. 6581
رأي بني تميم عندما بلغهم نبأ الرسالة المحمدية
فهذا أكثم بن (١) صيفي بن رباح بن الحارث بن مخشن بن معاوية بن شريف اليمن عمرو بن تميم حكيم العرب وتغني شهرته عن نسبه فقد كان من حكام العرب وحكمائها وخطبائها ويزيد قومه فخرا أنه لم يكن يعلم ببعثة الرسول حتى راسله ولما لم تسعفه القوة البدنية ليذهب إلى النبي ﷺ وذلك لتقدمه في العمر قال لقومه: احملوني إليه، فقالوا كلا والله وأنت سن من سنان العرب، فقال لهم: يأتي أحدكم فليسأله عن ربه وعما أمر به فأسرع حبيش بن أكثم فتشرف بلقاء النبي ﷺ وسأله، بعثك ربك؟، فقال الرسول: بعثني بأن أكسر الأصنام والأوثان، فسأله مرة ثانية، أمرك؟ فقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل].
فانصرف حبيش إلى أبيه وأخبره بما سمع وتلا عليه الآية الكريمة فجعل أكثم (٢) يرددها ويقول: إن هذا الرب كريم يأمرنا بمحاسن الأخلاق وينهانا عن مساوئها، ثم جمع بني تميم وقام خطيبا وعمره آنذاك فوق المائة وكان مما قال في بداية كلامه وبعد افتتاحه الخطبة: إن ابني هذا قد شاهد الرجل الذي ظهر في مكة، وشافهه وهو يأمر بمحاسن الأخلاق ويدعو إلى توحيد الله وخلع الأوثان، وقد عرف ذوو الرأي منكم أن الفضل فيما يدعو إليه وأن أحق الناس بمعاونته لأنتم، فإن كان الذي يدعو إليه حقًّا فهو لكم، وإن كان باطلا كنتم أحق من كتم وستر، وقد سمعت أسقف نجران يذكره ويرجوأن يكون له فسمى ابنه محمدًا، فكونوا أولًا في أمره ولا تكونوا آخرا، وأتوه طائعين قبل أن تأتوه كارهين. والله إن هذا الذي يدعو إليه لو لم يكن دينًا لكان في أخلاق العرب حسنًا. فأطيعوا أمري فمن سبق فاز من تأخر ندم. وقال بعضهم: لقد خوف شيخكم فلا تتعرضوا للبلاء. فقال أكثم: (ويل للشجي من الخلي) لهفي على أمر لم أدركه ولم يسبقني.
стр. 6582
ثم رحل إلى النبي ﷺ ليبايعه على الإسلام فمات في الطريق وبعث إسلامه مع من أسلم ممن كان معه من قومه والله أعلم.
وفد بني تميم على النبي ﷺ -
مازالت الدعوى الإسلامية في رعاية الله من نجاح ولله الحمد حتى كانت السنة التاسعة من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم وهي سنة الوفود (١) وذلك أن العرب لم يكادوا يسمعون أنباء الموقعة التي بين النبي ﷺ وبين قريش حتى أيقنوا أن من العبث مغالبة الأقدار. بعد انهيار حصن من حصون الشرك في جزيرة العرب بفتح مكة المكرمة فأقبلوا إلى الإسلام يوفضون وأسرعت وفودهم تعلن ولاءها وتجهر بطاعتها، وبينما بنو تميم يستعدون للذهاب إلى الرسول ﷺ يعلنون إسلامهم حدث كما ذكر في طبقات ابن سعد أن بعث رسول الله ﷺ بشر بن سفيان، على صدقات بني كعب الخزاعيين. فلما جاءهم وقد حل بنواحيهم (بنو العنبر) من تميم فجمعت خزاعة مواشيها للصدقة ومعها مواشي بني العنبر النازلين بينهم فسارع قوم من بني تميم وشهروا سيوفهم فخاف المصدق. وقدم على النبي ﷺ شاكيا. فقال النبي ﷺ لأصحابه: من لهؤلاء القوم فانتدب إليهم (عيينة بن حصن الفَزَاريُّ) ومعه خمسون فارسًا من العرب ليس منهم مهاجر ولا أنصاري فأغاروا عليهم وأخذوا منهم ١١ رجلا و ١١ امرأة و ١٠ صبيان. أما بقية الرجال فكانوا غائبين وعددهم حوالي ٥٢ رجلًا فنهض ذوو الرأي عنهم وعجلوا في لقاء النبي ﷺ (٢). فلما مثلوا بين يديه ﷺ لم تطاوعهم نفوسهم أن يلقوا سلاحهم مرة واحدة ويصبحوا تابعين بعد أن كانو متبوعين. فلم يعلنوا إسلامهم إلا بعد أن ارضوا كبرياءهم وتفاخروا بقوتهم وعزتهم ومنزلتهم ونفوذهم وكثرتهم وغناهم وتفردوا بهذا دون غيرهم من العرب؛ لأنهم كانوا أهل فيافي وبراري ومتوحشين وباقين على جاهليتهم الجهلاء، وتروى كتب التاريخ القديم أن هذا الوفد كان عدد أعضائه تسعين أو ثمانين رجلًا قل أن تجد وفدا مرة واحدة مثله من الوفود التي تسارعت (٣) إلى الرسول ﷺ في كثرة
стр. 6583
عددهم وأشهر زعماء الوفود المذكورة قيس بن عاصم السعدي، وعطارد بن حاجب بن زرارة الحنظلي، وعمرو بن الأهتم العمروى، والزبرقان بن بدر السعدي، والأقرع بن حابس الحنظلي، وقيل بن الحارث العمروي، ورياح بن حارث المجاشعي، وسبرة بن عمرو العمروي، والثلب بن زيد العنبري العمروي. فلما قدموا المدينة ووصلوا إلى حجرات رسول الله ﷺ نادوا الرسول باسمه بصوت عال كصوت جفاة الأعراب، أخرج يا محمد إلينا فأنزل الله فيهم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ [الحجرات].
فلما خرج قائلا من هؤلاء؟، قالوا أناس من بني تميم جئنا بشاعرنا وخطيبنا لنشاعرك ونفاخرك. فقال النبي ﷺ : ما بالشعر بعثت ولا بالفخار أمرت، ولكن هاتم. فقال الأقرع بن حابس اليربوعي الحنظلي الذي يلتقي بالفرزدق في جده عقال. فقال إن مدحي لزين وإن ذمي لشين. فقال النبي ﷺ ذاك الله. فقالوا: إنا أكرم العرب. فقال الرسول أكرم منكم يوسف بن يعقوب ابن إسحاق ﵇، فقالوا أتأذن لشاعرنا وخطيبنا فقام الرسول وجلس مع الناس فأشار الزبرقان بيده إلى شاب منهم. وهو عطارد بن حاجب بن زرارة من بني يربوع من حنظلة؟ فقام وذكر فضله وفضل قومه بالكلمة التالية: (الحمد لله الذي له الفضل علينا وهو أهله الذي جعلنا ملوكا أعز أهل المشرق وأكثرهم عددًا وأيسرهم عدة وأتانا أموالًا عظاما نفعل فيه المعروف ليس في الدنيا مثلنا ألسنا برؤوس الناس وذوي فضلهم فمن فاخر فليعدد ما عددنا ولو نشاء لأكثرنا ولكنا نستحي من الإكثار فيما خولنا الله وأعطانا).
أقول هذا فأتوا بقول أفضل من قولنا أو أمر أبين من أمرنا ثم جلس. فرد النبي ﷺ . فقام خطيب النبي ﷺ وهو (ثابت بن قيس بن شماس) فرد عليه فقام الزبرقان بن بدر فقال (١).
стр. 6584
نحن الملوك فلا حي يعادلنا … منا الملوك وفينا يؤخذ الربع (١)
تلك المكارم حزناها مقارعة … إذا الكرام على أمثالها اقترعوا
كم قد نشدنا من الأحياء كلهم … عند النهاب وفضل العز يتبع
ونحن الكوم عبطا في منازلنا … للنازلين إذا ما استطعموا شبعوا
ونحن نطعم عند المحل ما أكلوا … من العبيط إذا لم يظهر القزع
وننصر الناس تأتينا سراتهم … من كل أوب فنمضي ثم نتبع
فأرسل النبي ﷺ إلى حسان بن ثابت شاعره فجاء فأمره أن يجيب شاعر بني تميم فقال: بعدما حضر ارتجالا وبعد أن استعاد ما قال الزبرقان (٢) من بحره وقافيته فقال:
إن الذوائب من فهر وإخوتهم … قد بينوا سنة للناس تتبع
يرضى بها كل من كانت سريرته … تقوى الإله وبالأجر الذي شرعوا
قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم … أو حاولوا النفع في أتباعه نفعوا
سجية تلك فيهم غير محدثة … إن الخلائق فاعلم شرها البدع
لا يرفع الناس ما أوهمت أكفهم … عند الدفاع ولا يوهون ما دفعوا
إن كان في الناس سابقون بعدهم … فكل سبق لأدنى سبقهم تبع
إلى أن قال:
أكرم بقوم رسول الله قائدهم … إذا تفرقت الأهواء والشيع
فقام عطارد (٣) بن حاجب بن زرارة: فقال مفتخرا:
أتيناك كيما يعلم الناس فضلنا … إذا اجتمعوا وقت احتضار المواسم
بأنا فروع المجد في كل موطن … وأن ليس في أرض الحجاز كدارم
стр. 6585
فقام حسان وقال:
منعنا رسول الله من غضب له … على رغم أنف من معد وراغم
هل المجد إلا السؤدد العود والندى … وجاء الملوك واحتمال العظائم (١)
فقام الأقرع (٢) بن حابس الحنظلي وهو من المؤلفة قلوبهم. وكان أولًا ممن تمجسوا من بني تميم فقال: والله إن هذا الرجل لمؤتى له والله لشاعره أشعر من شاعرنا ولخطيبه أخطب من خطيبنا ولأصواتهم أرفع من أصواتنا: أعطني يا محمد فبايعه فقال للنبي: زدني فزاده وقال: اللهم إنه سيد العرب وعندها تسارعوا لإعلان إسلامهم وأقاموا فترة عند الرسول ﷺ يرشدهم ويبين لهم محاسن الإسلام ويتعلمون القرآن ويتفقهوا في الدين ثم هموا بالعودة إلى قومهم فأعطاهم النبي ﷺ وخلع عليهم وقال لهم هل بقي منكم أحد وكان عمرو بن الأهتم باقيًا يشرف على ركابهم. فقال قيس بن عاصم وهو من رهطه - ولكن كان مشاحنا لها - لم يبق إلا غلام حديث السنن في ركابنا فأعطاه النبي ﷺ مثلما أعطاهم فبلغ بن الأهتم ما قاله قيس فقال يهجوه ويفتخر:
ظللت متفرش الهلباء (٣) تشتمني … عند الرسول فلم تصدق ولم تصب
إن تبغضونا فإن أصلكم … والروم لا تملك البغضاء للعرب
فقال قيس مدافعا:
لولا دفاعي كنتم أعبدا … داركم الحيرة والسيلحون (٤)
السابقون من مهاجري بني تميم من رجال ونساء (٥)
أما المهاجرون من بني تميم فهم كثيرون ولكن نذكر أشهرهم في أول الدعوى الإسلامية وهم ﵃: