← Ансаб

Ансаб · id 897

موسوعة القبائل العربية

محمد سليمان الطيب

Полный текст (10 849 стр.). Показаны 6721–6760 · переход к 6726.

стр. 6721

خرجت بنات الحي يجتنين الكمأة، وبصرن بالناقة ورأين أوسا ملقى، ففروا عنه، فنادى أوس إحداهن، وسألها عمن هي .. ؟. فقالت: أنا حليمة بنت فضالة الأسدي. وكان أوس يعرف أباها معرفة جيدة وكانت بينهما صلات، فدفع إليها حجرا وقال: أعط هذا لأبيك وقولي له: ابن هذا يقرئك السلام. فمضت حليمة وبلّغت ما قاله أوس لأبيها، فأتى أبوها فضالة فاحتمل أوسا إلى بيته وعالجه وأكرمه فنظم أوس مدائح كثيرة فيه، ثم توفي فضالة فرثاه بتلك الأبيات. وسئل عمر بن معاذ. وكان بصيرا بالشعر مَن أشعر الناس .. ؟ قال: أوس بن حجر؟ وكان أوس من أهل البحرين. ثم تطوف في نجد والعراق وبلاط الحيرة، وحض عمرو بن هند على الأخذ بثأر ابنه المنذر الذي قتله الحارث ملك الغساسنة يوم حليمة سنة ٥٥٤ م لأن أبا حجر قتل أيضًا في ذلك اليوم. وكان يمدح للشكر ويحسن الرثاء ويكثر القول في الحكمة وخصوصا في مكارم الأخلاق، كما كان يرى أن الاستعداد للحرب من الصواب. وكان زهير بن أبي سلمى الشاعر راوية لأوس بن حجر ومتأثرا بشعره وقال أوس مرة: ولا أعتب ابن العمل أن كان ظالما … وأغفر منه الجهل أن كان جاهلا وإني امرؤ أعددت للحرب بعدما … رأيت لها نابا من الشر أعضلا وقد استغل شعر أوس بن حجر تلميذاه زهير بن أبي سلمى والنابغة الذبياني واعتمدوا في شعرهما على شعره في الوصف والتشبيه ولم يكتفيا يتقليده واقتفاء أثره، بل استعارا منه كثيرا من معانيه وألفاظه في كثير من قصائدهما، وفعل غيرهما فعلمها حتى أصبح شعره مدرسة.

стр. 6722

قال أوس: لعمرك إنا والأحاليف هؤلاء … لفي حقبة أظفارها لم تقلّم أخذه زهير فقال: لدي أسد شاكي السلاح مقذف … له لبد، أظافره لم تقلّم وأخذه النابغة فقال: وبنو قعين لا محالة أنهم … آتوك غير مقلمى الأظفار ٧ - حاجب بن زرارة ابن عبدس بن زبيد بن عبد الله بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم (١). وحاجب هو الملقب بذي القوس، وهو قوسه الذي استرهنه كسرى سنة جدب أصابت بني تميم، فوفد حاجب على كسرى وقال له: من أنت؟ قال حاجب: سيد العرب. فقال كسرى: ألم تقل بالباب أنك رجل من العرب .. ؟ قال حاجب: نعم بالباب كنت رجلا منهم فلما حضرت بين يدي الملك سدتهم، ثم شكا حاجب محل الحجاز وجدب أرضها، وطلب حمل ألف بعير حبوبا على أن يعيد قيمتها، فقال كسرى: وما ترهني على ذلك؟ قال: قوسي. فاستعظم كسرى همته وقال: قبلت. وأعطاه حمل ألف بعير، سار بها حاجب إلى قومه ليسد به حاجتهم ثم أوفى بوعده. وكان حاجب فارس قومه ورئيسهم وكان فداؤه مثل يضرب به في الفداء، فقد فدى نفسه لبني عبس يوم جبلة، بالف عبد وألفي ناقة مع أولادها، بينما كانت فدية الملك آنذاك، ألفي بعير فقط، وذا دليل على عزة حاجب ومقامه.

стр. 6723

وقال الفرزدق: رأوا حاجبا أغلى فداء وقومه … أحق بأيام العلى والمكارم وفي يوم شعب جبلة سنة ٥٣ قبل الهجرة كان حاجب من رؤساء قومه وطارده زهدم وقيس ابنا حزن العبسي وقالا: استأسر. فقال: لا أستأسر اليوم لموليين، فأدركهم ذو الرقبة العامري، فألقى حاجب إليه رمحه واستأسر له ثم افتدى نفسه بالفداء الذي أشرنا إليه سابقا. وله مع ملوك المناذرة والفُرس أحاديث وحوادث تدل على المركز الذي كان له ومنها: في أوائل القرن السادس الميلادي كان حاجب في وفد صفوة القبائل العربية الذين انطلقوا إلى كسرى أبرويز ملك الفُرس ليفهموه أن العرب أمة لها شأنها ولها مآثرها وشمائلها التي تضاهي بها الأمم الأخرى، وقد أمر كسرى رجال دولته وشخصيات مملكته بالحضور للسماع من الوفد العربي. فنهض حاجب واقفا يخاطب كسري فقال: وري زندك وعلت يدك وهيب سلطانك: إن العرب أمة قد غلظت أكابدها وأستحصدت مرتها، ومنعت ذروتها، وهي لك واثقة ما تألفتها، مسترسلة ما لاينتها، سامعة ما سامحتها، وهم العلقم مرارة، والصاب غضاضة، والعسل حلاوة، والماء الزلال سلاسة، ونحن وفودها إليك وألسنتها لديك، ذمتنا محفوظة، وأحسابنا ممنوعة وعشائرنا فينا سامعة مطيعة، إن نؤب لك حامدين خيرا فلك بذلك عموم محمدتنا، وأن نذم لم نخص بالذم دونها. ٨ - السليك ابن السلكة ابن يثربي (عمرو) بن عمير بن مقاعس بن عمرو بن سعد بن زيد مناة بن تميم (١). والسلكة أمه وهي أمة سوداء.

стр. 6724

والسليك وسلامة بن جندل كان يقال لهما (رجلا العرب)، وهو أحد صعاليك العرب العدائين وكان لا يغير على مضر وإنما يغير على اليمن أو على ربيعة .. وكثيرًا ما كان يدعو الله ندر بقوله: اللهم، إنك تهيئ ما شئت، اللهم إني لو كنت ضعيفا لكنت عبدا. ورأت ذات مرة طلائع جيش بكر بن وائل المنحدرة نحو بني تميم، السليك فقالوا: إن علم السليك بتا، أنذر قومه. وبعثوا إليه فارسين على جوادين .. فخرج يعدو كالظبي، فطارده الفارسان سحابة يومه، لكنهما عجزا عن اللحاق به .. ولما وصل إلى ديار قومه، أنذرهم فكذبوه، لبعد المسافة، فأنشد يقول: يكذبني بني العمران: عمرو بن جندب … وعمرو بن سعد والمكذب أكذب تكتمان أن لم أكن قد رأيتها … كراديسها يهديها إلى الحي موكب كراديس فيها الحوفزان وقومه … فوارس همام متى يدع يركب وجاء الجيش الغازي، فأغار على جمع تميم بعدها. وللسليك قصص وأخبار طريفة تدل على شجاعته وسرعة عدوه وفتوته وعلو نفسه عن الدنايا. لقي مصرعه في حزازات شخصية سنة ١٧ قبل الهجرة. ٩ - عُتيبة بن الحارث ابن شهاب اليربوعي من بني ثعلبة بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم (١). واجمع العكاظيون على أن فرسان العرب ثلاثة: ١ - فارس تميم: عُتيبة بن الحارث، صياد الفوارس وسم الفرسان. ٢ - فارس قيس: عامر بن الطفيل. ٣ - فارس ربيعة: بسطام بن قيس.

стр. 6725

أتى الحارث بن شريك من بكر بن وائل ليغدر ببني يربوع، فنذر به عُتيبة رئيس بني يربوع وحال بينه وبين الماء، فساومه الحارث، وأخذ عتيبة ما معه من الميرة وخلى سبيله. وأغار عُتيبة مرة على بعض بني كلاب، فأتى الكلابيون أنس بن عباس الأصم وكان بينه وبين عُتيبة عهد ألا يُسفك دم ولا يؤكل مال - فرجوه أن يذهب إلى عتيبة ويؤخر سيره حتى يدركوه .. ففعل واحتال على عتيبة، وجاء الكلابيون فقتلوا حنظلة أخا عتيبة ولكنهم انهزموا وأسر عتيبة أنس الغادر وأخذ بثأره. وفي يوم أراب، غزا الهذيل التغلبي بني يربوع وسبى زينب الرياحية زوجة نعيم بن قعنب بن عتاب، تمنع الهذيل بمفاداتها وطمع بجمالها، فركب عتيبة فيها وفي أسراهم حتى فكهم .. ثم بلغه أنهن يجحدن نعمته تلك عليهم فقال: فلا تكفراني لا أبا لأبيكما … فإن لكم عندي من الكفر مذهبا لعمري لقد نالت رياح سماحتي … وأدركت إذ رأت الترحل زينبا جلبنا جيادا من وبال فأدركت … أخاكم بنا في القد والمر قعنبا فما رددنا حتى حللنا وثاقا … حديدًا وقدا فوق ساقيه مجلبا وفي إحدى مجابهات بني ثعلبة مع أسد، قُتل عُتيبة، قتله ذؤاب بن ربيعة. ١٠ - عدي بن زيد ابن حماد بن زيد بن أيوب المحروقي التميمي (١). وكان أيوب ينزل في بني امرئ القيس بن زيد مناة، فأصاب دما فيهم وهرب إلى الحيرة ولحق بأخواله فيها، فأنزله سيدهم أوس بن قلام في داره، ثم ابتنى له دارا جيدة ووهبها له مع مائتين من الإبل براعتها وفرسانا وأمة. وأكرمه ملوك الحيرة وأجاروه، وتزوج ابنه زيد امرأة من آل قلام فولدت له حمادا، وقتل بنو امرئ القيس زيدا ثأرا وترك ولدا اسمه حمادا الذي أصبح كاتب

стр. 6726

النعمان الذي توفي سنة ٤٣١ ميلادية. ورزق حماد ولدا سماه (زيدا) الذي تعلم القراءة والحساب بالعربية والفارسية. وجعله كسرى على البريد وكاتما لسره وهو منصب لم يشغله عربي قبله، ولما هلك النعمار الأكبر صار زيد ملكا على الحيرة. وكان لزيد هذا ولد جميل الوجه فائق الحسن اسمه (عدي) يجيد القراءة والكتابة ويقول الشعر ويحسن الرماية ضمه كسرى إلى ديوانه ثم أرسله سفيرا إلى ملك الروم، ولما عاد علم بوفاة أبيه زيد. وقدم عدي الحيرة فتلقاه ملكها خير لقاء، وعرض عليه أهل الحيرة أن يكون ملكهم، لكنه آثر الصيد واللهو والزواج بابنة الملك المنذر. ثم غضب عليه ملك الحيرة النعمان فحبسه حبسا انفراديا .. فقال: سعى الأعداء لا يألون شرا … شرا على ورب مكة ........ ففزت عليهم لما التقينا … بتاجك فوزة القدح الأريب ألا من مبلغ النعمان عني … وقد تهدى النصيحة بالمغيب أحظى كان سلسلة وقيدا … وغلا والبيان لدى الطبيب وكتب عدي إلى أخيه أبي بن زيد يشكو حاله، فكلم أُبي كسرى الذي كتب إلى النعمان بإطلاق سراحه .. لكن النعمان قتل عديا حين علم بورود أمر كسرى وسار ابن عدي واسمه زيد إلى كسرى فأعجب به كسرى وقربه، وحرضه زيد على الزواج من بنات النعمان، قاتل أبيه، وامتنع النعمان ورفض ذلك، وسجنه كسرى حتى مات. وكان عدي شاعرا فحلا، سارت أشعاره أمثالا حتى يومنا. وله ديوان شعر فيه قصائد العظة والغزل والأمثال والمدح والعتاب … إلخ.

стр. 6727

١١ - لقيط بن زرارة ابن عبدس بن زيد بن عبد الله بن دارم بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم (١). كان قد عزم على غزو بني عامر بن صعصعة للأخذ بثأر أخيه معبد بن زرارة الذي مات عندهم أسيرا، فعلم أن بني عامر حالفوا بني عبس فأرسل إلى كل من كان بينه وبين عامر ثأر، يعرض عليهم المحالفة فاجتمعت إليه بنو عبس وغطفان وابنا الجون معاوية وعمرو. وكان لواء بني حنظلة لدى لقيط. وفي طريقهم إلى شعب جبلة لاقوا كرب بن صفوان السعدي الذي أسرع إلى إنذار بني عامر بطريقة غير مباشرة. وسار لقيط وحلفاؤه حتى نزلوا على فم شعب جبلة وقصدوا الماء، فأخرج أعداؤهم الإبل الظمأى وهي مذعورة، فخبطت عساكر لقيط خبطا، وأبرزتهم إلى الصحراء بلا نظام ولا قيادة، فحملت عليهم وبنو عبس وبنو عامر فأكثروا القتل فيهم، وقتل عمرو بن الجون وأسر أخوه وحاجب بن زرارة وعمرو، وتفرق أصحاب لقيط، لكنه حمل على أعدائه وقتل منهم وهو يصيح: أنا لقيط، غير أن فرسه انحط بجرف صخر فوقع. وكان لقيط فارسا شجاعا وشخصية محببة محترمة، تزوج ابنة قيس بن مسعود الشيباني، رئيس قومه. وأهداه النعمان بن المنذر مائتي ناقة من هجانه، ولما قدم بسطام بن مسعود بأخته إلى ديار لقيط، خرج لقيط يتلقاها في الطريق ومعه ابن عمه (قراد) فقال لقيط: هاجت عليك ديار الحي أشجانا … واستقبلوا من نوى الجيران قربانا نامت فؤادك لم تقض التي وعدت … إحدى نساء بني ذهل بن شيبانا

стр. 6728

١٢ - محمد بن سفيان ابن مجاشع بن دارم بن حنظلة بن زيد مناة بن تميم (١). كان أبوه سفيان أسقفا، وقال له أحد الرهبان أن سيبعث الله نبيا اسمه محمد، وإن مبعثه قريب، فسمي سفيان ابنه محمدا، طموحا في أن يكون النبي المنتظر، وقد سمي آباء من العرب قبل بعث الرسول ﷺ أبناءهم باسم محمد، ومنهم: ١ - محمد بن أجيحة الأوسي. ٢ - محمد بن عبدي التميمي. ٣ - محمد بن عقبة الأنصاري. ٤ - محمد بن حمدان. ٥ - محمد بن خزاعي. ٦ - محمد بن سفيان المجاشعي. ٧ - محمد بن مسلمة الخرجي. وقد عاصر النبي محمد ﷺ من أولاده محمد بن سفيان وأحفاده: الأقرع ابن حابس وغالب بن صعصعة. وأم محمد هي السيدة تماضر بنت علياء من بني سعد بن زيد مناة وقد ولدته قبل الهجرة بنحو ١٦٠ سنة عندما كان زوجها سفيان رئيسا لبني حنظلة، وقد قادهم في معركة يوم الكلاب. وكان محمد يقضي في سوق عكاظ، كما كان أبوه سفيان؛ لأن أمر الموسم وقضاء عكاظ كان في بني تميم، ويكون ذلك في أفخاذهم، الموسم على حدة، وعكاظ على حدة.

стр. 6729

ما فات ذكر لبعض أعلام بني تميم في الجاهلية بالإضافة لمن وردت أسماؤهم في القصص الخالدة. أبطال وقادة تحت ظلال الإسلام ١ - القعقاع بن عمرو التميمي ﵁ - أخو عاصم رقمه في كتب الإصابة ٧١٢١ كان أبو بكر الصديق يقول معجبا به: لصوت القعقاع في الجيش خير من ألف رجل، وله في قتال الفُرس بالقادسية وغيرها بلاء عظيم وسأله النبي ﷺ : ما أعددت للجهاد؟ فقال: طاعة الله ورسوله، والخيل، قال: تلك الغاية. وكتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى سعد بن أبي وقاص القائد العام للمسلمين في حرب الفُرس: أي فارس كان أفرس في القادسية؟. فكتب إليه: لم أر مثل القعقاع بن عمرو، حمل في يوم ثلاثين حملة يقتل في كل حملة بطلا، ولقد كان له في قتال الفُرس بالقادسية وغيرها بلاء عظيم (١) سجل ذلك سيف بن عمر في الفتوح، وسكن الكوفة، وأدرك وقعة صفين فحضرها مع سيدنا علي، وخير أشعاره ما وصف فيها حروب الجهاد ومنها كما أنشد سيف: ولقد شهدت البرق برق تهامة … يهدي المناقب راكبا لعيار في جند سيف الله سيف محمد … والسابقين لسنة الأحرار وكان يتقلد في أوقات الزينة سيف هرقل ملك الروم، ويلبس درع بهرام ملك الفُرس، وهما مما أصابه من الغنائم في حروب فارس، كان مع هذا شاعرا فحلا شهد فتح دمشق، وأكثر فتوح العراق، وله في ذلك أشعار موفقة مشهورة وقاد جيوش المسلمين في فتح اليرموك.

стр. 6730

وبعد مصرع النعمان بن المنذر ملك العرب من قبل الفُرس طارت أفئدة الأعداء هلعا، فجمع رستم الملوك والأساورة وملوك الديلم في خيمته وأخذ يحرضهم على العرب، فقاموا واستعدوا ورتبوا صفوفهم، وجعل رستم ملوك الفُرس عن يمينه، وملوك الديلم عن يساره، ووقف هو في القلب، ودارت به الأساورة، فلما جن الليل هرب من عسكر رستم جماعة إلى عسكر المسلمين، فلما أصبح علم بالخبر فطلبهم من المسلمين فأبوا أن يردوا اللاجئين فغضب وأمر جيوشه بالزحف فرآهم القعقاع بن عمرو التميمي فقال يخاطب سعد بن أبي وقاص: أيها الأمير، قد تقدمت الأعداء والفيلة أمامهم، ولا مقام لحيل العرب عند رؤيتها وصياحها، فثبتهم سعد وأوصاهم، فجاءت الفيلة كأنها جبال وعلى ظهورها الأبطال، فقتلت من عسكر المسلمين ولم تثبت لها خيلهم، فلما كفى الله المؤمنين شر الفيلة أخذ سعد يحرض على القتال فلقيه (الأسود العنسي) وهو طائش العقل فسأله: ما وراءك يا ابن قيس؟ فقال أيها الأمير إياك أن تعبر للصف فإن فيه الموت الأحمر، وهو جبار من الفُرس، وقد قتل من المسلمين أربعة، فوبخه سعد، ولم يكد ينتهي حتى لقيه (خالد بن جعفر) وقد تغير لونه فقال له، ما وراءك يا ابن جعفر؟ فقال: الثعبان الأغبر، فارجع عنه أيها الأمير، فهو فارس علج عنيد، وقبل أن ينتهي تقدم (سعد العشيرة) فسأله كما سأل من قبله فقال: ورائي جبار لا يقاتل، وتلاه (بشر بن ربيعة) فقال: ما وراءك يا ابن الربيعة؟ فقال: ما قصر (القعقاع) وهو يفرق الكتائب، ويصدم المواكب، فقال: لله درك يا ابن عمرو، وأين فارس الفُرس؟ وكيف خلص من يدك؟ فقال: أيها الأمير لولا أن دخل الصفوف لسقيته كأس الخوف، وغاص وسط الخيل، ولم أبلغ منه النيل. وفي اليوم التالي كان أول من فتح الحرب (رستم) فقد طلب البراز، فخرج إليه اثنان من عسكر المسلمين فصرعهما الواحد بعد الآخر، فأراد (القعقاع) أن يخرج، وإذا بفارس قد أقبل كالعاصفة فصاح برستم صيحة أدهشته ثم طعنه في خاصرته فأطلع السنان من الخاصرة الأخرى، فنظر إليه سعد فإذا هو (أبو محجن الثقفي) الذي حده سعد بالأمس في شرب الخمر.

стр. 6731

ولما انتشل القعقاع من كاد يغرق من المسلمين قال الناس متعجبين لبطولته، وبطولة كتيبة الأهوال: عجزت النساء أن تلد مثل القعقاع (١). ولما حاصر خالد بن الوليد الحيرة رأى أنه في حاجة إلى نجدة، فطلب مددا من الخليفة أبي بكر الصديق ﵁، فأمده بالقعقاع، وهو الذي غنم في فتح المدائن دروع كسرى ملك الفُرس، وكان فيها درع لهرقل ملك الروم، ودرع لخاقان ملك الترك، وثالث للنعمان بن المنذر ملك الحيرة، ومعه سيفه وسيف كسرى ودرع داخر ملك الهند، استلبها الفُرس أيام غزوهم هؤلاء الملوك، فأحضر القعقاع كل هذه عند سعد فخيره بين الأسياف، فاختار سيف هرقل، وأعطاه فوقه درع بهرام، ووزع باقيها على المجاهدين إلا سيف كسرى والنعمان، فقد بعث بهما إلى الخليفة عمر لتسمع العرب بذلك، فقال عمر لما رآها: إن قوما أدوا هذا لذو أمانة! فقال علي: إنك عففت فعفت الرعية. فلما جمعت الغنائم قسمها سعد بين الناس بعد أن أخذ منها خمسها لبيت المال وكان المجاهدون ستين ألفا كلهم من الفرسان، فنال الفارس منها ٠٠٠. ١٢ دينار. وفي (موقعة جلولاء) كتب عمر بن الخطاب إلى سعد أن يجعل على مقدمة الجيش القعقاع، وإن هزم الله الفُرس فيكن بين السواد والجبل. ولما انتهى القعقاع من الوجه الذي زحف فيه إلى باب خندقهم، كانت هزيمة الأعداء منكرة، ويكفي للدلالة على عظمتها أن من قتل منهم يومئذ بلغ مائة ألف، فجللت القتلى المجال بين يديه وما خلفه، فسميت الوقعة (وقعة جلولاء) وحسب القعقاع أنه اشترك بعد هذا في فتح تكريت والموصل وقرقيسا وما تلاها. وفي صباح اليوم الثاني من فتح القادسية قسم قومه التميميين عشرات، وكانوا ألفا، وأمرهم بالمسير، فكلما بلغ عشرة مدي البصر تبعتهم عشرة أخرى، بعد أن حرضهم على الجهاد وقال: اصنعوا كما أصنع، وطلب البراز فخرج إليه

стр. 6732

بعض العرب المنضمين إلى الفُرس، فتضاربا فقتله القعقاع. وجعلت خيله ترد إلى الليل وتنشط المجاهدين، ولم يمض غير قليل حتى انكسرت الأعاجم، ثم طلب القعقاع البراز مرة أخرى، فخرج إليه اثنان من الفُرس، فانضم إلى القعقاع أحد المسلمين، فقتل المسلمان الفارسين، فصاح القعقاع: يا معشر المسلمين. باشروهم بالسيوف، فإنما يحصد الناس بها، فأكثر المسلمون القتل في أعدائهم ولم يقاتلوا هذا اليوم على شيء من الفيلة؛ لأن توابيتها كانت قد تكسرت. ورأى القعقاع أن يتشبه بالفُرس في أفيالهم، فدعا بني عمه، فركبوا عشرة عشرة، على إبل قد ألبسوها وهي مجللة، مبرقعة ليوهموا الفُرس أنها فيلة، ثم أطافت خيولهم بهذه الإبل لحمايتها، ثم هجم بها على خيل الفُرس، ففعلوا بأعداء الإسلام ما فعلوه بالمسلمين في اليوم السابق، وأخذت خيول الفُرس تفر بمن عليها من جنودهم وركبتها خيول المسلمين، فلما رأى المسلمون هذا كان سرورهم عظيما لهذه الحيلة الحربية الموفقة، التي هجم بها القعقاع ثلاثين مرة، وفي اليوم الثالث أخذ الفُرس يحملون على المسلمين بالفيلة، بعد أن أصلحوا توابيتها، وأحاط أبطالهم بها حتى لا يقطع المسلمون وضنها، فلما رأى سعد أن الفيلة تفرق كتائب المسلمين إرسل إلى (الأخوين البطلين) اكفياني الفيل الأبيض وكانت بقية الفيلة تألفه وتأتنس به فلا تفر، فحمل القعقاع وعاصم فوضعا رمحيهما في عين الفيل الأبيض، فنفض رأسه، وطرح من عليه، ودلي مشفره فضربه القعقاع فرمى به، وقتل من كانوا عليه، فأسرعت بقية الفيلة إلى الفرار. وبعد سقوط المدائن في يد المسلمين خرج (القعقاع بن عمرو) (١) في طلب المنهزمين، فلحق بفارس من الفُرس وهو يكر على قوم من المسلمين وقد جزعوا منه، وما أحد منهم يدنو إليه، فقصده القعقاع بشدة عزمه، وطعنه فقتله، ووجد معه حقائب مغلقة ففتحوها، فإذا في حقيبة خمسة أسياف، وفي الأخرى خمسة أسياف محلاة بالذهب ودرع كسرى، ومغفره، ومنطقته، ودرع هرقل ملك الروم، ودرع خاقان ملك الترك، ودروع جماعة من الملوك قد جمعها كسرى من أيام

стр. 6733

غزواته لهم، وأما السيوف فكانت سيف كسرى، وسيف هرقل، وسيف خاقان، وسيف النعمان بن المنذر، كما تقدم ذكره. وعند فتح مصر وتوابعها (١) انتشر الصحابة في كل مكان يبشرون بدين الله فكان نصيب القعقاع وأكثر الصحابة (وسط البحيرة) بحيرة المنزلة، ودعا القائد العام: عمرو بن العاص الأبطال من الصحابة، فسلمهم الرايات، فصار كل واحد يتسلم رايته بعد أن يؤمره على ٥٠٠ مجاهد، فينشد شعرا ولما جاءت نوبة (القعقاع بن عمرو) فرز له ٥٠٠ مجاهد، وسلمه الراية، فانشد ما يثير به الهمم الإسلامية والنخوة العربية واستعدت الروم في مصر ومعهم ١٣٠٠ فيل، ونحو ٢٠٠.٠٠٠ فارس، و ٥٠.٠٠٠ راجل من النوبة والبربر والبجاة والفلاحين، فكاد الأمراء يضطربون لولا أن تلوا قوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا … (٥١)﴾ [التوبة]، فكثر التصادم بين الفريقين وتعددت المواقع، ويقول الواقدي: إن في بعض الملاحم قتل من المسلمين ٤٠ مجاهدا، وقتل من أعدائهم ٣٠٠ فبينما هم كذلك إذ بغبرة تملا الجو، ثم انقشع الغبار عن زهاء ٢٠٠٠ فارس، في طليعتهم المقداد بن الأسود، و (القعقاع بن عمرو) وشرحبيل بن حسنة التميميان، فلم يسع المقداد إلا أن يخوض في الخيل، منشدا من الشعر ما يشجع الجبناء الرعاديد، فما بالك بالأبطال الصناديد، وتلاه زياد بن أبي سفيان وفعل ما فعله المقداد. وهكذا طارت شهرة القعقاع بن عمرو التميمي في البطولات الحربية تحت ظلال الإسلام. ٢ - عاصم بن عمرو التميمي هو أحد الشعراء الفرسان وأخو القعقاع بن عمرو (٢). قال سيف في الفتوح: وبعث عمر ألوية مع من ولي مع سهيل بن عدي، فدفع لواء سجستان إلى عاصم بن عمرو التميمي، وكان من الصحابة وأنشد له أشعارا كثيرة في فتوح العراق، وكان له ولأخيه بالقادسية مقامات محمودة.

стр. 6734

ومما سجلته كتب السير والتاريخ أن الخليفة الثاني لما بعث الألوية لقواد الجيوش دفع لواء سجستان إلى (عاصم). وكتب المغازي مشحونة بأشعاره الكثيرة في فتوح العراق. ولما دخل المسلمون المدائن الغربية كان دجلة بينهم وبين المدائن الشرقية، وبها إيوان كسرى، وليس للمسلمين سفن يعبرون فيها، فرأى سعد رؤيا خلاصتها أن خيول المسلمين اقتحمت دجلة، فعبرت، فعزم سعد أن يحقق الرؤيا، فندب الناس إلى العبور وقال: من يبدأ ويحمي لنا الفراض - وهي المواني - حتى يتلاحق به الناس لكي لا يمنعهم الفُرس من العبور؟ فتقدم (عاصم بن عمرو) ومعه ستمائة من أهل النجدات فأمره عليهم، فتقدم عاصم في ستين فارسا، واقتحم بهم دجلة فلما رآهم الأعاجم وما صنعوا، أخرجوا للجيش الإسلامي مثله، فاقتحموا عليها دجلة، فلقوا عاصما وقد دنا من الفراض. فقال عاصم: الرماح الرماح، أشرعوا وتوخوا العيون، فتوخى المسلمون عيونهم، فولوا منهزمن فلحقهم المسلمون فقتلوا أكثرهم، ومن نجا منهم صار أعور من الطعن، ولما رأى سعد أن عاصما قد حمى الفراض أذن لبقية الجيش فاقتحموا النهر، ونجوا جميعا، غير أن رجلا زل عن ظهر فرسه وكاد يغرق، فثنى القعقاع بن عمرو أخو عاصم عنان فرسه إليه، فأخذ بيده فأخرجه سالما، فلما رأى الفُرس ذلك أتاهم أمر لم يكن في حسبانهم أسرعوا هاربين إلى حلوان، ولينصرن الله من ينصره. ويسجل التاريخ فخورا أنه في وقعة القادسية جهز الفُرس حملة من الفيلة فلما حملت على المسلمين فرقت كتائبهم، فنفرت خيولهم، وكانت الفُرس قد قصدت قبيلة بجيلة بسبعة عشر فيلا، فنفرت خيل بجيلة، وكاد فرسانها يهلكون، فاستنجد سعد بن أبي وقاص ببني أسد، فدارت عليهم رحا الحرب، وحملت الفيلة على ميمنتهم وميسرتهم فكانت الخيول تحيد عنها.

стр. 6735

فلما اشتد الكرب بالمسلمين أرسل سعد إلى (عاصم بن عمرو): يا معشر بني تميم: أما عندكم لهذه الفيلة من حيلة، قالوا: بلى والله، ثم نادى عاصم في رجال من قومه: يا معشر الرماة. ادفعوا ركبان الفيلة عن المسلمين بالنبل، وأنتم يا ذوي السيوف استدبروا الفيلة فقطعوا وضنها - حبال رحالها - وخرج يحميهم ورحا الحرب تدور على أسد، فأقبل التميميون على الفيلة، فأخذوا بأذناب توابيتها فقطعوا أربطة رحالها، وانهالوا عليها ضربا، فارتفع عواؤها، فما بقي لهم فيل إلا عوى وقتل أصحابها فارتدوا علي بني أسد، ويسمى هذا اليوم وهو اليوم الأول بيوم (أرماث). ٢ - زهرة بن حوية التميمي كان في الجاهلية ملك هجر، وأما في الإسلام فقد كان بطل القادسية والمسلمين سنة ١٤ هـ (١). ففي معركة القادسية (٢) أمر الخليفة الثاني عمر بن الخطاب فققد سعد بن أبي وقاص القيادة العامة لجيوش المسلمين في بلاد الفُرس، فأمر الأمراء وجعل الرايات لأهل السابقة، وفي المقدمة زهرة التميمي، ومعه ٣٠٠٠ من بني تميم، فلما انتهى إلى العذيب بعث بسرية من الجيش للإغارة على الحيرة، فصادف أخت المرزبان حاكم الفُرس تزف إلى العذيب بعث بسرية من الجيش للإغارة على الحيرة، فصادف أخت المرزبان حاكم الفُرس تزف إلى زوجها فحملوا الأثقال والعروس في ٣٠ امرأة و ١٠٠ من التوابع ومعهم ما تجل قيمته عن التقدير، فقسمه القائد العام بين المسلمين. بعد ذلك سار رستم قائد الفُرس إلى ساباط في ٦٠٠.٠٠٠ من الجنود وعلى مقدمته الجالينوس في ٦٠٠.٠٠٠ أخرى غير كبار الضباط ومعهم من الأسلحة ما لا عهد للعرب بمثله، و ٣٣ فيلا، فلما وصلوا إلى القادسية حيال العسكر الإسلامي كاد الخوف يختلع قلوب المسلمين لكثرة أعدائهم لولا أن أنزل الله السكينة على قلوبهم، وألقى الرعب في قلوب أعدائهم، فأرسل رستم وهو القائد

стр. 6736

العام للفُرس إلى زهرة راغبا في الصلح قائلا: كنتم جيراننا، وكنا نحسن إليكم، ونحفظكم و … ، فقال زهرة: ليس أمرنا بذلك وإنما طلبنا الآخرة وقد كنا كما ذكرت إلى أن بعث الله فينا رسولا، دعانا إلى دين الحق فأجبناه، وقال: قد سلطتكم على من لم يدن به وأنا منتقم بكم منهم. فقال رستم: وما دين الحق الذي تشير إليه؟ فقال زهرة: الشهادتان، وإخراج الناس من عبادة الخلق إلى عبادة الله. فقال رستم: فإن أجبنا إلى هذا ترجعون. فقال زهرة: أي والله. فانصرف عنه رستم ودعا رجال فارس وعرض عليهم الامر، فأنفوا واستكبروا فلم يسع كتائب الإسلام والمسلمين إلا أن تندفع مكبرة مهللة، ثم انجلت المعركة عن قتل رستم قائدهم العام فقام نائبه الجالينوس وحرض الفُرس على الثبات وأنى لهم ذلك وقد ذابت قوتهم المعنوية!!. وفي تلك الساعة الرهيبة خرج زهرة كالرعد القاصف والبرق الخاطف - يعدو وراء الجالينوس فلحقه يسابق المنهزمين في الفرار فطعنه طعنة نجلاء كانت آخر وسام ناله من الدنيا، واستولى قائد المسلمين في هذه المعركة على سلب صريعه القائد الفارسي. ويقول الطبري: بلغ ثمنه بضعا وسبعين ألفا، وكان الجالينوس على برذونة فاخرة بالزينة، أما زهرة فما كان عنان فرسه إلا من حبل مضفور كالمقود وكذلك حزامها شعر منسوج. وبعد فتح المدائن أمر (زهرة بن حوية التميمي) أن يذهب عسكره ويتتبع المنهزمين فانتهى إلى جسر النهروان وعليه كثير من الفُرس، بأعظم عدة وأحسن زينة، وهم يتزاحمون، وفي أثنائها وقع بغل في الماء فتكاثروا عليه، ووقع بغل آخر فصاروا في هرج ومرج، فقال زهرة: إن لهذا البغل لشأنا، وما تكالب عليه القوم، وصبروا مع ما في قلوبهم من الخوف إلا لأمر عظيم، فقال: احملوا عليهم، وابذلوا فيهم السيوف، فحمل المسلمون عليهم حملة صادقة فقتلوا منهم أناسا كثيرة، وولى الباقون منهزمين، فلما أخذ المسلمون البغل وجدوا عليه حلة كسرى، وثيابه، ودرعه، ووشاحه التي كان فيها الجوهر، وكان يجلس عليها

стр. 6737

للمباهاة، فأخذ صاحب الأقباض - وعمله أن يكتب كل ما يأتيه من الغنائم - فوجد في الحمل الأول تاج كسرى وجواهره، وفي الحمل الثاني ثيابه وهي موشحة بالذهب منظومة بالدر. فما زال هذا البطل يبذل إخلاصه وقوته وخبرته ودمه في سبيل الله حتى استشهد سنة ٧٧ هـ (٦٩٦ م) وهو شيخ كبير ولسان حاله يقول: ولست أبالي حين أقتل مسلما … على أي جنب كان في الله مصرعي وذلك في ذات الإله فإن يشأ … يبارك على أشلاء شلو ممزع ٤ - الأحنف بن قيس هو صخر بن قيس بن معاوية بن حصين بن عبادة بن نزال بن مرة بن عبيد ابن الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم وأمه من باهلة، ولدته وهو أحنف الرجل فقالت وهي تراقصه: والله لولا حنف في رجله … ما كان في الحي غلام مثله يكنى أبا بحر ويلقب أحيانا بالضحاك. قال: بينما أنا أطوف البيت الحرام، زمن عثمان ﵁ إذ لقيني رجل من بني ليث، فأخذ بيدي فقال: ألا أبشرك؟ قلت: بلى. قال: تذكر إذ بعثني الرسول محمد ﷺ إلى قومك بني سعد، فجعلت أعرض عليهم الإسلام وأدعوهم إليه، فقلت أنت: إنك لتدعو إلى خير وما أسمع إلا حسنا فإني ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: اللهم اغفر للأحنف. فقلت: فما شيء أرجى عندى من ذلك. ولم يذكر المؤرخون شيئا عن الأحنف في حياة الرسول ﷺ ولا في خلافة أبي بكر الصديق، مما يدل على أن الأحنف كان شابا آنذاك ليس له شأن مهم في المجتمع الإسلامي.

стр. 6738

أما في أيام الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ فإن الأحنف كان يعيش في البصرة، بمنزلة مرموقة ولم يكن قد ارتد مع من ارتد من قومه. قدم الأحنف في أهل البصرة وأهل الكوفة على الخليفة عمر بن الخطاب فتكلموا عنده في أنفسهم وما ينوب كل واحد منهم، ثم تكلم الأحنف - وكان عمره عشرين عاما - فقال: يا أمير المؤمنين، إن مفاتيح الخير بيد الله، وقد أتتك وفود أهل العراق، وإن إخواننا من أهل الكوفة والشام ومصر نزلوا منازل الأمم الخالية والملوك الجبابرة، منازل كسرى وقيصر وبني الأصفر، فهم من المياه العذبة والجنان المختلفة في مثل حولاء السلي وحدقة البعير، تأتيهم ثمارهم غضة لم تخصر، وإنا نزلنا أرضا نشاشة، طرف في فلاة، وطرف في ملح أجاج، جانب منها منابت القصب، وجانب سبخة لا يجف ترابها ولا ينبت مرعاها .. تأتينا منافعها في مثل مري النعامة، يخرج الرجل منا يستعذب الماء من فرسخين، وتخرج المرأة بمثل ذلك، ترنق ولدها وترنق العنز، تخاف عليه العدو والسبع، أفلا ترفع خسيستنا وتنعش وكيستنا وتجبر فاقتنا، وتزيد في عيالنا عيالا وفي رجالنا رجالا، وتصغر درهمنا وتكبر فقيرنا، وتأمر لنا بعض نهر نستعذب به الماء هلكنا. فقال عمر: هذا والله السيد، هذا والله السيد. فأراد أحد الوافدين أن يضع من الأحنف فقال: يا أمير المؤمنين، إنه ليس هناك، وأمه باهلية. فقال عمر: هو خير منك، إن كان صادقا. وقال الأحنف: أنا ابن الباهلية أرصعتني … بثدي لا آجد ولا وخيم أغض على القذى أجفان عيني … إلى شر السفيه إلى الحليم ورجع الوفد واحتبس عمر بن الخطاب ﵁ الأحنف عنده عاما وأشهرا، ثم قال له: إن رسول الله ﷺ حذرنا كل منافق، صنع اللسان، وإني خفتك فاحتبستك، فلم يبلغني عنك إلا خير، ورأيت لك جولا ومعقولا، فارجع إلى منزلك، واتق الله ربك.

стр. 6739

وكتب إلى أمير البصرة أن يحتفر لهم نهرا. وفي سنة ١٧ هـ، لما انهزم الهرموزان يوم سوق الأهواز، هزمه حرقوص بن زهير التميمي، كتب الخليفة عمر إلى أمير البصرة، أن يوفد عليه وفدا من صلحاء جند البصرة عشرة، فيهم الأحنف بن قيس التميمي. فلما قدم الوفد قال عمر للأحنف: إنك عندي مصدق، قد رأيتك رجلا، فأخبرني إن ظلمت الذمة: المظلمة نفروا أم لغير ذلك؟ فأجاب الأحنف: لا، بل لغير مظلمة، والناس على ما تحب. فقال عمر: فنعم؛ إذًا، انصرفوا إلى رحالكم. فانصرف الوفد إلى رحالهم، ونظر عمر في ثيابهم، فوجد ثوبا قد خرج طرفه من عيبه، فشمه، ثم قال: لمن الثوب؟، فقال الأحنف: إنه لي يا أمير المؤمنين. قال: فبكم أخذته؟ فذكر الأحنف ثمنا يسيرا. فقال عمر: فهلا بدون هذا ووضعت فضلته موضعا تغنى به مسلما؟ حصوا وضعوا الفضول مواضعها، تريحوا أنفسكم وأموالكم، ولا تسرفوا فتخسروا أنفسكم وأموالكم. وعرض الأحنف على الخليفة: إن نفور أهل فارس على المسلمين هو وجود ملكهم بينهم، يبعثهم على النفور، وطلب أن يأذن الخليفة في الانسياح في بلادهم حتى يزيلوا ملكهم، فينقطع رجاؤهم. فصدق عمر كلامه وأثنى على رأيه وصدقه وإخلاصه. في سنة ٢٢ هـ عزم يزدجر على خراسان، أتى مرو وحرض أهلها فنكثوا عهودهم وثاروا على الحكم الإسلامي. فخرج الأحنف على رأس جيش وانساح إلى خراسان ثم إلى أصبهان ثم افتتح هراة عنوة وتقدم نحو مرو ومقر يزدجر فخرج هذا منها إلى الروذ. فاحتل الأحنف مرو وتوجه إلى الروذ، ففر منها

стр. 6740

يزدجر إلى بلخ فاتبعه الأحنف، وهناك هزم يزدجر وعبر النهر، وكتب الأحنف إلى الخليفة بفتح خراسان. فقال الخليفة عمر: والله لوددت أني لم كن بعثت إليها جندا ولوددت أن بيننا وبينها بحرا من نار. فقال على: ولم يا أمير المؤمنين؟ فقال عمر: لأن أهلها سينفضون منها ثلاث مرات فيحتاجون في الثالثة، فكان أن يكون ذلك بأهلها أحب إليَّ من أن يكون بالمسلمين. وقال لما بلغه غلبة الأحنف على مرو وبلخ: وهو الأحنف وهو سيد أهل المشرق بغير اسمه، ثم كتب له: بسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد، فلا تجوزن النهر واقتصر على مادونه وقد عرفتم بأي شيء دخلتم على خراسان، فداوموا على الذي دخلتم به، يوم لكم النصر، وإياكم أن تعبروا فتنفضوا. ولكن المشركين عادوا وعبروا النهر حتى نزلوا بالأحنف، فخرج الأحنف في عسكره ليلا يتسمع، فلعله يسمع رأيا من أحد جنوده، ينتفع به، فمر برجلين من جنده ينقبان علفا، وأحدهما يقول لصاحبه: لو أن الأمير الاْحنف أسندنا إلى ظهر هذا الجبل، فكلان النهر بيننا وبين عدونا خندقا، وكان الجبل في ظهورنا من أن نؤتي من خلفنا، وكان قتالنا من وجه واحد، رجوت أن ينصرنا الله، فلما أصبح جمع الأحنف الناس ثم قال: إنكم قليل وإن عدوكم كثير، فلا يهولنكم، فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة، والله مع الصابرين، ارتحلوا من مكانكم هذا فأسندوا إلى هذا الجبل فاجعلوه في ظهوركم واجعلوه بينكم وبين عدوكم وقاتلوهم من وجه واحد، ففعلوا، وقد أعدوا ما يصلحهم في عشرة آلاف من أهل البصرة وفي نحو منهم من أهل الكوفة. وأقبلت الترك ومن أجلبت حتى نزلوا بهم، فصاروا يغادونهم ويرواحونهم ويتنحون عنهم في الليل، ما شاء الله. وطلب الأحنف علم مكانهم بالليل، فخرج ليلة طليعة لأصحابه، حتى كان قريبا من عسكر خاقان أمير العدو، فوقف، فلما كان في وجه الصبح خرج فارس

стр. 6741

منهم بطوقه، وضرب بطبله ثم وقف فحمل عليه الأحنف، فاختلفا طعنتين فقتله الأحنف وخرج إليه ثان فقتله، ثم انصرف إلى عسكره، ولم يعلم بذلك أحد منهم حتى دخله، واستعد لبدء المعركة. وقال خاقان لأصحابه: قد طال عقامنا، وقد أصاب هذا الجنديان بمكان لم يصب بمثله قط، ما لنا في قتل هؤلاء العرب من خير، فانصرفوا بنا، فلما انسحبوا من موقعهم قال المسلمون للأحنف: ما ترى في اتباعهم؟ قال: أقيموا بمكانكم ودعوهم. وثار جند فارس على ملكهم يزدجر وأخذوا خزائنه وكتبوا للأحنف بذلك، ثم أقبلوا عليه فصالحوه وعاقدوه ودفعوا إليه تلك الخزائن والأموال وتراجعوا إلى بلدانهم، ولكن في زمن الخليفة عثمان، خلع أهل خراسان وعاد يزدجر إلى مرو واختلف معه أهلها فآوى إلى طاحونة فأتوا عليه فقتلوه، وبلغ ذلك الأحنف، فسار من فوره في الناس إلى بلخ يريد خاقان الترك الذي ترك بلخ وعبر النهر فاحتلها. وفي سنة ٢٨ هـ جعله عثمان على مرو. وفي سنة ٣١ هـ جهز أمير البصرة جيشا على مقدمته الأحنف، فلقيه الهياطلة الفُرس فقتلهم وهزمهم، وفي سنة ٣٢ هـ بعثه أمير البصرة إلى مرو الروذ في خراسان، فحصرها، وخرج أهلها لمقاتلته فهزمهم حتى اضطرهم إلى حصنهم حيث يشرف على تحركاتهم. فقال الفُرس: يا معشر العرب، ما كنتم عندنا كما نرى، ولو علمنا أنكم كما نرى لكانت لنا ولكم حال غير هذه، فأمهلونا ننظر يومنا وارجعوا إلى عسكركم. فرجع الأحنف، ولما أصبح غاداهم، وقد أعدوا له الحرب وخرج رجل من العجم فقال: أنا رسول فأمّنوني. فأمّنوه فإذا هو رسول من حاكم مرو يحمل كتابا إلى الأحنف، هذا نصه: إلى أمير جيش العرب: إنا نحمد الله الذي بيده الدول، يغير ما شاء من الملك ويرفع من شاء بعد الذلة ويضع من شاء بعد الرفعة، وأنه دعاني إلى

стр. 6742

مصالحتك وموادعتك ما كان من إسلام جدي، وما كان رأيت من صاحبكم من الكرامة والمنزلة، فمرحبا بكم وأبشروا، وأنا أدعو إلى الصلح فيما بينكم وبيننا على أن أؤدي إليكم خراجا، ستين ألفا من الدراهم، وأن تقروا بيدي ما كان ملك الملوك كسرى أقطع جد أبي، حيث قطع الحية التي أكلت الناس وقطعت السبل من الأرضين والقرى بما فيها من الرجال، ولا تأخذوا من أحد من أهل بيتي شيئا من الخراج فإن جعلت ذلك خرجت إليك، وقد بعثت إليك ابن أخي ليستوثق بما سألت، فكتب إليه الأحنف جوابا هذا نصه: بسم الله الرحمن الرحيم: إلى باذان مرزبان مرو الروذ ومن معه من الأساورة والأعاجم: سلام على من اتبع الهدى وآمن واتقى. أما بعد، فإن ابن أخيك (ماهك) قدم عليَّ، فنصح لك جهده وأبلغ عنك، وقد عرضت ذلك على من معي من المسلمين وأنا وهم عليك سواء، قد أجبناك إلى ما سألت وعرضت على أن تؤدي عن أكرارتك وفلاحيك والأرضين ستين ألف درهم إلى والي الوالي من بعدي من أمراء المسلمين، إلا ما كان من الأرضين التي ذكرت أن كسرى - الظالم لنفسه - أقطع جد أبيك، والأرض لله ولرسوله يورثها من يشاء من عباده وأن عليك نصرة المسلمين وقتال عدوهم بمن معك من الأساورة إن أحب المسلمون ذلك وأرادوه، وأن لك على ذلك نصرة المسلمين على من يقاتل من وراءك من أهل ملتك، جار لك بذلك مني كتاب يكون لك بعدي ولا خراج عليك ولا على أحد من أهل بيتك من ذوي الأرحام. وإن أنت أسلمت واتبعت الرسول ﷺ كان لك من المسلمين العطاء والمنزلة والرزق وأنت أخوهم، ولك بذلك ذمتي وذمة أبي وذمم المسلمين وذمم آبائهم، وشهد على ما في هذا الكتاب جماعة من المسلمين، وكتبه كيسان مولى بني ثعلبة يوم الأحد من شهر الله المحرم. ختم أمير الجيش أحنف بن قيس (نعبد الله)

стр. 6743

وفي معركة طخارستان، كان مع الأحنف أربعة آلاف مقاتل وقد جمع له العدو ثلاثين ألفا، ورفض الأحنف أن يستنصر مشركي مرو، وبدأ قتاله ليلا حتى ذهب عامة الليل، وهُزم المشركون، وتشتت شمل الثلاثين ألفا. وفي سنة ٣٢ هـ لما عاد الأحنف من الحرب محملا بالنصر والهدايا إلى البصرة، قال الناس لأميرها: ما فتح الله على أحد ما قد فتح عليك. وفي سنة ٥٩ هـ وفد عبيد الله بن زياد في أهل العراق على معاوية بن أبي سفيان، فقال معاوية: أدخل وفدك على منازلهم وشرفهم. فأذن لهم ودخل الأحنف في آخرهم وكان غير حسن المنزلة عند عبيد الله - لما نظر إليه معاوية، رحب به، وأجلسه معه على سريره، ثم تكلم القوم فأحسنوا الثناء على عبيد الله بن زياد، والأحنف ساكت غير مشارك في الثناء، فقال له معاوية: مالك يا أبا بحر لا تتكلم .. ؟ قال: إن تكلمت خالفت القوم. فقال معاوية: انهضوا فقد عزلته عنكم، واطلبوا واليا ترضونه، فلم يبق أحد في الوفد إلا ذكر رجلا من بني أمية أو من أشراف أهل الشام، ولبثوا أياما، ثم أحضرهم معاوية، فقال: من اخترتم .. ؟ فاختلفت كلمتهم وسمى كل فريق مرشحه، والأحنف ساكت، فقال له معاوية: مالك يا أبا بحر لا ترشح .. ؟ قال: إن وليت علينا أحدا من أهل بيتك، لم نعدل بعبيد الله بن زياد أحدا، وإن وليت من غيرهم فانظر في ذلك. قال: فإني قد أعدته عليكم. ثم أوصى عبيد الله بالأحنف، وقبح رأيه في مباعدته، فلما هاجت الفتنة في البصرة ضد عبيد الله، لم يف له غير الأحنف وذلك حين علم عبيد الله بوفاة يزيد بن معاوية جمع أهل البصرة وأخذ بيعتهم بالخلافة لنفسه، فلما خرجوا من داره جلوا يمسحون أكفهم بباب الدار وحيطانها ويقولون: ظن ابن مرجانة إنا نوليه أمرنا.

стр. 6744

ثم وصل الصرة سلمة اليربوعي يدعو إلى بيعة عبد الله بن الزبير. فجمع عبيد الله بن زياد الناس وقال لهم: هذا سلمة يدعو إلى الخلاف عليكم محاولا أن يفرق جماعتكم ويضرب بعضكم جباه بعض بالسيوف فقام الأحنف منتصرا له وقال: نحن نأتيك بسلمة. وبعد تسعين يوما من موت يزيد خرج عبيد الله بن زياد إلى الشام، واستخلف مسعود بن عمرو الأزدي على البصرة، فلم ترض تميم وقيس به، واجتمعت تميم إلى الأحنف فقالوا: إن الأزد قد دخلوا المسجد، فقال: إنما هو لكم ولهم وأنتم تدخلونه. وهجم علج يقال لهم مسلم - من أهل فارس - وقتل مسعودا، فثارت الأزد وهجموا علي بني تميم، فخرج إليهم الأحنف وهو يقول: اللهم أحقن دماءنا وأصلح ذات بيننا، وبعد قتال شديد بين الطرفين قال للأزد: الله، الله، يا معشر الأزد، في دمائنا ودمائكم، بيننا وبينكم القرآن ومن شئتم من أهل الإسلام، فإن كانت لكم علينا بينة إنا قتلنا صاحبكم فاختاروا أفضل رجل فينا فاقتلوه بصاحبكم، وإن لم تكن لكم بينة، فإنا نحلف بالله ما قتلناه ولا أمرنا بقتله ولا تعرف قاتله، وإن لم تريدوا ذلك فنحن ندفع مائة ألف درهم دية. فرضي الأزد واصطلحوا فجاءهم الأحنف فقال: يا معشر أزد، أنتم جيراننا في الدار وإخواننا عند القتال، وقد أتيناكم في رحالكم لإطفاء حشيشكم وسل سخيمتكم ولكم الحكم مرسلا فقولوا على أحلامنا وأموالنا، فإنه لا يعاظمنا ذهاب شيء من أموالنا كان فيه صلاح بيننا. فقالت الأزد: ادفعوا لنا عشر ديات، فقال الأحنف: هي لكم، وهكذا انصرف الناس وتسلموا وهدأ المربد وجنبه الأحنف معركة هائلة حين دفع للأزد ألف بعير دية، رغم أن أحدا من بني تميم لم يقتل مسعودا. ومرة قال معاوية بن أبي سفيان للأحنف ورجال من بني سعد كلاما خشنا

стр. 6745

فأحفظهم ذلك فردوا عليه جوابا مقذعا، وكانت قرطة بنت معاوية قد سمعت ذلك فلما خرج بنو تميم قالت لأبيها: يا أمير المؤمنين، لقد سمعت من هؤلاء كلاما تلقوك به، فلم تنكر، فكدت أخرج إليهم وأسطو بهم. فقال أبوها: إن مضر يا قرطة كاهل العرب، وتميما كاهل مضر، وسعدا كاهل تميم، وهؤلاء كاهل سعد. وفي إبان سعي معاوية ﵁ لأخذ البيعة لابنه يزيد، أعلم وفود الأمصار الإسلامية بما يراه من حسن رعية ابنه يزيد وهديه، وأقام اجتماعا ضخما كان فيه الأحنف، وصدق زعماء الحاضرين أقوال الخليفة في ابنه، فقام الأحنف وقال: إن الناس قد أمسوا في منكر زمان قد سلف وفي معروف زمان يؤتنف ويزيد حبيب قريب، فإن توله عهدك فعن غير كبر مفن أو مرض مضن، وقد حلبت الدهور وجربت الأمور، فاعرف من تسند إليه عهدك ومن توله من بعدك واعص رأى من أمرك ولا يقدر لك ويشير عليك ولا ينظر لك، ونحن نخافكم إن صدقنا ونخاف الله إن كذبنا. ثم أصبح من معارضي يزيد في خلافته وساعد آل الزبير في ثورتهم على يزيد وحين إستولوا على البصرة وحين اندفعوا نحو الكوفة إلى أن توفي سنة ٧١ هـ بالكوفة وهو في جيش مصعب بن الزبير. وكان الأحنف حكيما وقائدا شجاعا وسياسيا بارعا وقد بلغ منزلة عالية في قومه وغيرهم لأنه كان أقوى الناس على نفسه، موقي الشر الخير لا يجهل، ولا يبغي ولا يبخل. ٥ - وكيع بن حسان ابن قيس بن أبي سود بن كلب بن عوف بن ملك بن غدانة بن يربوع الحنظلي التميمي. كان قتيبة بن مسلم الباهلي واليا على خراسان في خلافة عبد الملك بن

стр. 6746

مروان وحين أراد عبد الملك خلع ولده سليمان من ولاية العهد، بايع قتيبة على ذلك وحين آلت الخلافة إلى سليمان، خافه قتيبة وحاول خلعه، فأبرمت اليمانية على قتله وانضم بنو تميم إليها لما كان بينهم وبينه من جفاء. ثم ولي المؤتمرون بقتيبة أمرهم إلى وكيع بن حسان، فقتله، وأصبح واليا بدله سنة ٩٦ هـ. ثم كتب سليمان إلى الوالي يزيد بن المهلب: إن أقامت قيس البينة على أن قتيبة لم يخلع، فقيد قاتله وكيعا، فحبسه ابن المهلب، ولم يطلق سراحه حتى أقر له بموضع نهره في البصرة. وفي زمن الخليفة عمر بن عبد العزيز، أمر بنفي يزيد بن المهلب إلى جزيرة دهلك، ثم سلمه إلى وكيع مقيدا ليوصله إلى الشام. واعترضه ناس من الأزد هو وأسيره في سفينة فهدد بقتل أسيره إن لم يتفرقوا عنه فتفرقوا وأوصله إلى الخليفة. كانت لوكيع بن حسان مواقف بطولية مشهودة في خراسان في معارك المسلمين مع الترك والصغد، وكان يحمل راية قومه ويتقدم بالرجال ويقتحم صفوف الأعداء ببسالة ويعبر إليهم النهر ببراعة. ٦ - معقل بن قيس الرياحي، اليربوعي، التميمي، من أبرز قادة المسلمين العسكريين وأشدهم مناجزة للخوارج وكان خطيبا مؤثرا في السامعين (١). وهو الذي أوفده عمار بن ياسر إلى الخليفة عمر يبشره بفتح (تستر) في فارس وهو الذي أرسله الإمام علي إلى بني ناجية لتأديبهم. وفي سنة ٣٧ هـ خرج هلال بن علفة وأخوه ومائتان من أصحابهما على الإمام علي فتوجه إليهم معقل وقضى عليهم.

стр. 6747

وفي سنة ٣٨ هـ أرسل معاوية بن أبي سفيان جيشا لضرب المحميات لكن جيشه عاد إلى الشام لما علم بقدوم جيش الإمام علي بقيادة معقل الذي اتبعهم وأسر قسما منهم وفادى بهم الإمام على أسارى كانت له عند معاوية وفي حرب صفين كان معقل رئيس قومه في جيش العراق. وفي معاركه مع الخريت بن راشد رئيس بني ناجبة أبدى معقل من الشجاعة والدراية بفنون الحرب مع الالتزام التام بما أوصاه به الإمام علي من تجنب العنف والبطش الباطل ومن لزوم التمسك بالفضائل الإسلامية الحربية. وكانت بين معقل وبين الخريت رسائل تفيض بالنصيحة والرشد والتهديد والوعيد. ورسائل بين الإمام علي وبين معقل فيها تصوير صادق للظروف التي مرت بالطيش والخارجين من بني ناجبة والنصارى الذين أرغمهم الخريت على مصاحبته في سيره. وفي سنة ٤١ هـ قضى معقل على فروة الأشجعي الخارجي في الطف وقضى معقل على الخارجي أبي ليلى بسواد الكوفة سنة ٤٢ هـ. وفي سنة ٤٣ هـ قُتل معقل في معركته مع الخارجي المستورد بن علقمة. ٧ - إبراهيم في أحمد الأغلب في سنة ٢٦١ هـ (١) لما حضر الموت محمدا بن أحمد الأغلب التميمي صاحب أفريقية عقد الولاية لابنه أبي عقال واستخلف أخاه إبراهيم لئلا ينازعه وأشهد عليه آل الأغلب ومشايخ القيروان وأمره أن يتولى الأمر إلى أن يكبر أبو عقال، ولما مات أتى أهل القيروان إبراهيم وسألوه أن يتولى أمرهم لحسن سيرته وعدله فلم يفعل ثم أجاب وانتقل إلى قصر الإمارة وباشر الأمور وأقام فيها قياما مرضيا. فكان إبراهيم عادلا حازما في أموره آمن البلاد وقتل أهل البغي والفساد يجلس للعدل في جامع القيروان يومي الخميس والإثنين يسمع شكوى الخصوم ويصبر عليهم وينصف بينهم.

стр. 6748

وكانت القوافل والتجار يتنقلون في البلاد آمنين فقد بنى الحصون والمحارس على سواحل البحر الأبيض المتوسط حتى الإسكندرية. وعزم على الحج فرد المظالم وأظهر الزهد والنسك وعلم أنه إن جعل طريقه إلى مكة المكرمة على مصر منعه صاحبها ابن طولون فتجري بينهم الحرب ويقتل المسلمون فجعل طريقه على جزيرة صقلية ليجمع بين الحج والجهاد بفتح ما بقي من حصونها فأخرج جميع ما ادخره من المال والسلاح وسار إلى سوسه سنة ٢٨٩ هـ فدخلها وعليه فرو مرقع في زي الزهاد ومنها أبحر في أسطوله إلى صقلية فملك المدن وأظهر العدل وأحسن إلى الرعية وتوجه إلى طبرمين فاستعد أهلها لقتاله وخرجوا إلى ملاقاته فالتقوا فقرأ قارئ القرآن ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ [الفتح: ١]، فقال إبراهيم اقرأ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ … (١٩)﴾ [الحج] .. اللهم إني أخصم أنا والكفار إليك في هذا اليوم. وحمل ومعه أهل البصائر فهزم الكفار وقتلهم المسلمون كيف شاؤوا ودخلوا طبرمين عنوة ولما اتصل الخبر بملك الروم، عظم عليه وبقي سبعة أيام لا يلبس تاجه وقال: لا يلبس التاج محزون. وتحركت الروم وعزموا على المسير إلى صقلية لمنعها من المسلمين فبلغهم أن إبراهيم سائر إلى القسطنطينية فترك الملك بها عسكرا عظيما وسير جيشا كبيرا إلى صقلية. أما الأمير إبراهيم فقد بث السرايا في مدن صقلية وبعث سرايا إلى المدن الأخرى فأذعن أهلها جميعا إلى أداء الجزية فلم يجبهم إلى ذلك ولم يقبل منهم غير تسليم حصونهم فرضخوا وسلموها فهزمها وسار إلى كستنة فجاءته الرسل منها يطلبون الأمان فلم يجبهم. وكان قد ابتدأ به مرض الذرب ونزلت عساكره على المدينة ولكنهم لم يجدوا في قتال الروم لغيبة الأمير عنهم لشدة مرضه وامتناع النوم عنه وحدث به مرض الفواق فمات سنة ٢٨٩ هـ فاجتمع أهل الرأي من العسكر أن يولوأمرهم غيره وجعلوا جثمانه في تابوت وحملوه إلى أفريقية ودفنوه بالقيروان.

стр. 6749

كانت ولاية إبراهيم خمسا وعشرين عاما، وكان عاقلا حسن السيرة محبا للخير والإحسان تصدق بجميع ما يملك ووقف أملاكه جميعها. وكانت له فطنة بإظهار خفايا المعاملات ومنها أن تاجرا من أهل القيروان كانت له امرأة جميلة صالحة عفيفة اتصل خبرها بوزير الأمير إبراهيم فأرسل إليها فلم تجبه فاشتد غرامه بها وشكا حاله إلى عجوز كانت تغشاه ولها منزلة عند الأمير لأنها كانت موصوفة بالصلاح والناس يتبركون بها ويسألونها الدعاء، فقالت للوزير العاشق: أنا أتلطف بها وأجمع بينكما، وراحت إلى بيت المرأة وقرعت الباب وقالت: قد أصاب ثوبي نجاسة، أريد تطهيره. فخرجت المرأة ورحبت بها وأدخلتها وطهرت ثوبها وقامت العجوز تصلي فعرضت عليها الطعام فاعتذرت بالصوم وأوعدت أن تزورها. وزارتها مرة فقالت: عندي فتاة يتيمة أريد أن أحملها إلى زوجها فإن خف عليك إعارة حليتك أجملها بها؟ ففعلت امرأة التاجر وأحضرت جميع حليها وسلمتها للعجوز فأخذتها وانصرفت وغابت أياما، ثم جاءت فقالت لها المرأة: أين الحلي؟ فقالت العجوز هو عند الوزير عبرت عليه فأخذه وقال: إنه لا يسلمه إلا إليك فتنازعتا وخرجت العجوز وجاء الزوج التاجر فأخبرته زوجته الخبر، فحضر دار الأمير إبراهيم وقص عليه ما جرى، فدخل الأمير على والدته وسألها عن العجوز فقالت: هي تدعو لك، فأمر بإحضارها ليتبرك بها، فأحضرتها أمه، فأكرمها وأقبل عليها وانبسط معها وأخذ خاتما من إصبعها وجعل يقلبه ويعبث به، ثم أحضر رجلا من خاصته وقال له: انطلق إلى بيت العجوز وقل لابنتها تسلمك الحق الذي فيه الحلي وصفته كذا وهذا الخاتم علامة منها. فمضى الرجل وأحضر الحق، فقال الأمير للعجوز: ما هذا؟ فلما رأت الحق سقط في يدها فقتلها الأمير ودفنها في الدار وأعطى الحق لصاحبه وأضاف إليه شيئا آخر، وقال له: أما الوزير فإني انتقمت منه الآن ينكشف الأمر ولكن سأجعل له ذنبا آخذه به وقد فعل.

стр. 6750

٨ - هلال بن الأسعر مما أخبر به الأصفهاني أنه شاعر إسلامي من شعراء الدولة الأموية، وأدرك دولة العباسيين (١). فقد قال (أبو عمرو بن العلاء) رأيت هلالا وهو ميت، ولم أره حيا فما رأيت أحدا على سرير أطول منه. ونقل الأصفهاني أنه كان عادي الخلق، عملاقا ضخم الجسم أشبه الناس بأهل عاد، لا توصف صفته. وأما تلك القوة البدنية الرهيبة التي كانت مثار العجب من الناس جميعا في عصره فيدل عليها ما يأتي: أ - قدم المدينة فسمع به الوالي الأموي فاستدعاه فلما مثل بين يديه رأى بجانبه رجلا أصفر، لم تر قط أشد منه خلقا ولا أغلظ عنقا ما أدري أطوله أكثر أم عرضه!! فقال الأمير للأسعر: إن هذا العبد لم يترك بالمدينة أحدًا إلا صرعه، فخذ بثأر العرب، فأجابه جعلني الله فداك أيها الأمير، إني تعب جائع فإن رأى الأمير أن يتركني اليوم حتى أضع عني إبلي، وأؤدي أمانتي، وأريح يومي، هذا وأجيئه غدا فليفعل. فأمر الأمير أعوانه فانطلقوا معه إلى إبله فأراحوها، وأودي أمانته ثم ذهبوا به إلى أن شبع فاسمع ما حدث به هلال بعدها: لما جاء الغد غدوت عليه وعلى جسمه صوف، وكساء غليظ مهلهل مربع أخضر فسلمت عليه فرد عليّ السلام وقال للأصفر قم إليه، فقد أرى أنه أتاك الله بما يخزيك، فقال العبد: البس الإزار يا أعرابي، فقال: ليس عندي إزار فدعا الأمير بملحفة ما رأيت قبلها ولا لبست مثلها والتحفت بها وأخذ العبد يدور حولي وأنا منه وجل ولا أدري كيف أصنع به، ودنا مني فنقد جبهتي بظفره نقدة حتى ظننت أنه قد شجني فغاظني ذلك، فجعلت أنظر إلى خلقه، أقبض منه فما

стр. 6751

وجدت في جسمه شيئا أصغر من رأسه فوضعت إبهامي في صدغيه وأصابعي الأخرى في أصل أذنيه ثم غمزته غمزة صاح منها قائلا قتلني، قتلني: فقال الأمير اغمس رأس العبد في التراب، فقلت لك: لك علي ذلك، ثم غمست رأسه في التراب فوقع شبيها بالمغشي عليه، فضحك الأمير حتى استلقى، ثم أمر لي بجائزة وكسوة وانصرفت. ب - وكان قمير بن سعد مشرفا على جمع الصدقات من البكريين، فوجد منهم رجلا سرق صدقته فأخذه ليحبسه فحال قوم السارق بينهما -وكان هلال حاضرا فلما رأى ذلك وثب على البكريين فجعل الرجلين منهم فيضمهما ويناطح بين رأسيهما فانتهى إلى (قمير) وأعوانه فقهروا البكريين. ج - وتحدث رجل من مازن عمرو بن تميم فقال: كنت يوما مع هلال فدفعنا إلى قوم من بكر وقد تعبنا وعطشنا وإذا نحن بفتية قد وردت إبلهم فلما رأوا هلالا استهولوا خلقه وقامته فاقترح أحدهم عليه أن يتصارعا فاعتذر بجوعه وأنه ضيف عندهم وخير من هذا أن تعدوا لي أشد فحل في إبلكم وأهيبه صولة وإلى رجل منكم أطوله ذراعا فإن لم أقبض على هامة البعير وعلى يد صاحبكم فلا يمتنع الرجل والبعير حتى أدخل يد الرجل في فم البعير. فإن لم أفعل ذلك فقد صرعتموني دمان فعلت علمتم أن صراع أحدكم أيسر من ذلك فعجبوا من مقالته وأومأ إلى فحل هائج صائل من إبلهم فأتاه هلال ومعه نفر من أولئك القوم وشيخ لهم فأخذ بهامة الفحل مما فوق مشفره فضغطها ضغطة شديدة جرجر الفحل منها، واستخذى ورغى ثم قال: ليعطني من أحببتم يده أولجها في فم هذا الفحل، فقال الشيخ: يا قوم تنكبوا هذا الشيطان. فوالله ما سمعت الفحل جرجر منذ دخل في سنته التاسعة قبل اليوم فلا تعرضوا لهذا الشيطان، وجعلوا يعجبون وينظرون إلى خطوه ويعجبون من طول أعضائه حتى جازهم. شعره: حسب هلال تلك الغرائب التي هي أشبه بالأقاصيص، وإن كان هناك ما يثير العجب بعدما قدمنا فهو أن يكون مثله شاعرا .. لأن الشعر خيال ورقة شعور

стр. 6752

وحدة إحساس، والشعراء يسجلون بأعصابهم المرهفة في قلوبهم كل ما يصادفهم من حواده فيصيبهم الضمور والانكماش الجسمي عادة ولكن هلالا كان شاذا بين الشعراء شذوذه بين الأقوياء. ومن أراد الاطلاع على شعره فليرجع إلى الأصفهاني في أغانيه فقد ذكر من أبياته ٥٥ بيتا ومنها بعدما قتل رجلا من بني جلان من ربيعة كان جار لمعاذ بن حيدة من رزام المازني التميمي فطالبوه بالقصاص ولم يفده تضرعه إياهم ففر منهم إلى اليمن وقال ينصحهم: بني مازن لا تطردوني فإنني … أخوكم وإن جرت جرائرها يدي ولا تثلجوا أكباد بكر بن وائل … بترك أخيكم كالخليع المطرد وإن القريب حيث كان قريبكم … وكيف بقطع الكف من ساعد اليد! ٩ - مالك بن الريب كان جبارا في قوته وفتكه ولا شك أن هذه الشجاعة التي اشتهر بها، والتي شاركه فيها هلال بن الأسعر المازني إنما تسربت إليهما من أجدادهما بني مازن بن مالك، فقد كانوا ذوي قوة خارقة يتحدث بها الناس وتسير بذكرها الركبان وتتكرر على ألسنة الشعراء. وهذا مما دعا قريط بن أنيف الجاهلي أن يتمنى لو أنه من مازن الذين استردوا إبله. وإليك قوله مشيرا إلى بني شيبان الذين نهبوا ثلاثين بعيرا له فلم ينجده قومه بل أنجده مازن تميم: لو كنت من مازن لم تستبح إبلي … بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا إذا لقام بنصري معشر خشُن … عند الحفيظة إن ذو لُوثه لانا قوم إذا الموت أبدى ناجذيه لهم … طاروا إليه زرافات ووحدانا لا يسألون أخاهم حين يندبهم … في النائبات على ما قال برهانا (١) وقد مرر البغدادي (٢) أن مالك بن الريب من أجمل العرب جمالا وأبينهم بيانا.

стр. 6753

سبب رحيله إلى خراسان قص أبو عبيدة أنه لما ولى معاوية قريبه سعيد بن عثمان بن عفان خراسان، سار فيمن معه فأخذ طريق فارس فلقيه مالك، فلما رآه سعيد أعجبه، وقال أبو الحسن المدائني: لما لقيه سعيد في نفر من أصحابه قال له: ويحك يا مالك ما الذي يدعوك إلى ما بلغني عنك من العداء وقطع الطريق قال: أصلح الله الأمير، العجز عن مكافأة الإخوان، قال: فإن أغنيتك واستصحبتك أتكف عما تفعل؟ قال: نعم أصلح الله الأمير، فاستصحبه وأجرى له ٥٠٠ دينار كل شهر وظل معه حتى قتل بخرَاسان، وعندي (١) أن سعيدا لم يصحبه إلى خراسان ولم يغدق عليه هذه النعمة إلا اتقاء لشره الذي نال به من شاء من المروانيين لا لأنه من قطاع الطرق فحسب وآية ذلك ما ذكره ابن قتيبة (٢) في هجاء الحجاج بن يوسف الثقفي من قواد الأمويين: فإن تنصفونا يآل مروان نقترب … إليكم وإلا فأذنوا ببعاد فإن لنا عنكم مراحا ونزحة … بعيس إلى ريح الفلاة صوادي فماذا عسى الحجاج يبلغ جهده … إذا نحن جاوزنا حفير زياد فلولا بنو مروان كان ابن يوسف … كما كان عبدا من عبيد إياد زمان هو العبد المقر بذله … يراوح صبيان القرى ويغادي ولا تظن أن تلك النعم التي أغدقها سعيد على مالك في خراسان كانت مانعته من الاستمتاع بحريته فلم يلبث في خراسان إلا قليلا حتى رأى من الوالي ما يكره، فاستعد للوثبة وآية ذلك ما سجله الطبري أن سعيدا قطع النهر يوما إلى (سمرقند) فخرج إليه أهل الصغد فتواقفوا إلى الليل، ثم انصرفوا من غير قتال فقال مالك: ما زلت (يوم الصمُد) ترعد بارقا … من الجبن حتى خفت أن يتنصرا وما كان في عثمان شيء علمته … سوى نسله في رهطه حين أدبرا ولولا بنو حرب لظلت دماؤكم … بطون العظايا من كسير وأعورا

стр. 6754

قصيدته الخالدة: قلما أن نتصفح كتابا في الأدب إلا وجدته يذكر هذه القصيدة أو جزءا منها وتاريخ هذه القصيدة يرجع إلى الفترة التي قتل فيها في خراسان ولروعة القصيدة زعم قوم أنها من قرض الجن في رنانه لما رأى أنه من غربته، وكربته ووحدته، ويقول هؤلاء: أنه بعد أن قالت الجن هذه القصيدة وضعت الصحيفة التي كتبت فيها تحت رأسه فاطلع عليها من غسلوه وكفنوه وهذا الزعم باطل لأنه قائل القصيدة هو مالك ولم يقلها إلا لما أحس مصيره وكان يهتدي فيها بهدي الشاعر القحطاني من شعراء الجاهلية عندما أسره التميميون في (يوم كلاب الثاني) لأن ظروف الشاعرين متشابهة، والدافع للقصيدتين واحد هو بكاؤهما على نفسيهما ووداعهما الدنيا ومن فيها وما فيها. وقصيدة مالك بن الريب جعل قافيتها ووزنها كقصيدة القحطاني من ناحية وحدة الغرض ووحدة الظروف، ومطلع قصيدة القحطاني: ألا لا تلوماني كفى اللوم مابيا … فما لكما في اللوم خير ولا ليا ألم تعلما أن الملامة نفعها … قليل وما لومي أخي من شماليا! أما قصيدة مالك بين الريب المشهورة فقد تقدم ذكرها. مات الشاعر المذكور مالك بن الريب في خراسان، قيل: إنه مات لديغ ثعبان حيث أدخل رجله في جوار وإذا بداخلها ثعبان فلدغه وقضى عليه. ومما سبق الشعراء إليه فاستعملوه بعده قوله: العبد يقرع بالعصا … والحر يكفيه الوعيد وأعاد هذا المعنى أحد الشعراء فقال: العبد يقرع بالعصا … والحر تكفيه الملامة وكرره آخر فقال: العبد يقرع بالعصا … والحر تكفيه الإشارة فلم يغير فيما قيل إلا الكلمة الأخيرة فقد جعل الإشارة بدلا من الملامة.

стр. 6755

١٠ - نائل بن جعثم الأعرجي التميمي (١): كان سعد قدم زهرة بن حوية التميمي في القادسية فأخذ يعصف بجيوش الأكاسر إلى أن وصل (المدائن) فالتقى بشهريار الذي أسرع فنادى: ألا فارس منكم شديد عظيم يخرج إليَّ حتى أنكل به، فقال زهرة: أردت أن أبارزك فأما إذا سمعت قولك فإني لا أخرج إليك إلا أقلنا ثم أمر فنهض (أبو نباتة: نائل بن جعثم الأعرجي) وكان من شجعان بني تميم وكلاهما وثيق الخلق إلا أن شهريار كان مثل الجمل، فلما رأى نائلا ألقى الرمح ليعتنقه فألقى رمحه ليعتنقه وانتصبا سيفيهما فاجتلدا ثم اعتنقا فخرا عن دابتهما فوقع على نائل كأنه بيت فضغطه بفخذه، وأخذ الخنجر وأخذ يحل أزرار درعه، فوقعت إبهامه في نائل فحطم عظمها، ورأى نائل منه فتورا فناواه فجلد به الأرض، ثم قعد على صدره، وأخذ خنجرا فكشف درعه عن بطنه فطعنه في بطنه، وجنبيه، حتى لفظ أنفاسه الأخيرة! وأخذ فرسه وسواره وسلبه، فانكشف أصحابه، وانهزموا شر هزيمة، ولما حضر سعد بن أبي وقاص القائد العام قدمه زهرة إليه فقال سعد: عزمت عليك يا نائل بن جعثم لتلبسن سواريه ودرعه وقباءه، ولتركبن برذونه، فكان أول رجل من المسلمين سُوِّرَ بالعراق وذلك في سنة ١٥ هـ (تاريخ الطبري ج ٤ ص ١٦٦، ١٦٨). ١١ - الأسود بن سريع (٢): فقد غزا مع رسول الله ﷺ أربع غزوات، وكان أول من قص في مسجد البصرة، وتوفي في عهد معاوية أو في وقعة الجمل. ١٢ - الأسود المقترب: شهد مع سيدنا على (صفين) واختاره سيدنا عمر قائدا لجند البصرة، وحَسْبُ هذا الصحابي الجليل أنه كان من المهاجرين.

стр. 6756

١٣ - جارية بن قدامة: كان من أصحاب سيدنا علي في حروبه وهو الذي حرق (عبد الله بن الحضرمي) في دار سنبل بالبصرة، وكان ابن الحضرمي مبعوث معاوية للاستيلاء على البصرة، فوجه على كرم الله وجهه إليه (أعين بن ضبيعة) فقتل، فوجه بعده جارية، فحاصر ابن الحضرمي ثم حرق عليه الدار. ١٤ - جزء بن معاوية بن حصن بن النزال التميمي: كان عامل سيدنا عمر على الأهواز بعد فتحها. ١٥ - زيد بن جبلة (١): كان من رؤساء بتي تميم إلى عمر، واحد الأشراف في الجاهلية والإسلام، وحسبه أن الأحنف بن قيس كان يقول: طالما خرقنا النعال إلى زيد بن جبلة لنتعلم منه المروءة؛ يعني في الجاهلية، وأن سيدنا عثمان بن عفان لما بعث المصاحف إلى الأمصار بعث إلى البصرة مصحفا، وأعطى زيدا هذا مصحفا آخر، وقد ظلوا يتوارثونه بعده أمدا طويلا، وذكر ابن عسكر أنه وفد على معاوية فجرى بينهما كلام طويل، فيه ما يدل على أنه كان مع سيدنا علي في (وقعة صفين). ١٦ - التابعي الشاعر الخالد (عبدة بن الطبيب): شهد مع (المثنى بن حارثة) قتال (هرمز الفارسي) كما جاهد في جيش (النعمان بن مقرن) ولم يقنع ببذل عرقه ودمه وماله في سبيل الله، بل أضاف إلى هذا تسجيله في شعره ما كان بين العرب والفُرس من وقائع دامية كللت هام أبطال المسلمين منها بالنصر. ومن ذلك شعره بعد سقوط المدائن في أيدي المسلمين: هل حبل (خولة) بعد الهجر موصول! … أم أنت منها بعيد الدار مشغول

стр. 6757

ومنها: يقارعون رؤوس الفرس ضاحية … منهم فوارس، لا عزل ولا ميل ١٧ - ربعي بن الأفكل العنبري (١): ولاه سعد بن أبي وقاص حرب (الموصل) التي أكثر تردادها في أيام فتنة الشيوعيين بالعراق، واستدل ابن حجر العسقلاني على أنه من الصحابة بتولية سعد إياه حرب الموصل لأن زعماء المسلمين في الفتوح الإسلامية كانوا لا يؤمرون إلا الصحابة واتخذه سيدنا عمر ﵁، على مقدمة الجيش الذي كان يقوده عبد الله بن المغنم وله مشاهد في فتوح العراق. ١٨ - عامر بن عبد قيس (٢) وقد كان نموذجا صادقا لأمانة بني تميم عند فتح القادسية، وإلى العرب الكرام بيان ذلك من تاريخ المغازي. روت كتب التاريخ والمغازي أن من أروع قصص المغازي أن مجاهدا من المسلمين رأي رجلين معهما حماران، فقتل أحدهما، وفر الآخر، فأخذ الحمارين، فإذا على أحدهما سفسطان، في أحدهما فرس من ذهب، بسرج من فضة وعلى ثغرة ونحره الياقوت والزبرجد المنظوم على الفضة، ولجام كذلك، وفارس من فضة مكلل بالجواهر. وفي السفسط الآخر ناقة من فضة عليها شليل من ذهب وبطان من ذهب وزمام من ذهب، وكل ذلك منظوم بالياقوت، وعلى الفُرس رجل من ذهب مكلل بالجواهر، كان كسرى يضعها على أسطوانة التاج. فأقبل عليه رجلان من الفُرس فقالا: ما رأينا مثل هذا ما يعدله عندنا، ولا ما يقاربه، فقال بعض المسلمين: هل أخذت منه شيئا؟ فقال: والله لولا الله ما أتيتكم به. فقالوا: من أنت؟ فقال: والله لا أخبركم فتحمدوني! ولكن أحمد الله وأرضى بثوابه، ثم مضى. فأتبعوه رجلا فسأل عنه، فإذا هو (عامر بن

стр. 6758

عبد قيس التميمي)، فقال سعد - القائد العام - والله إن الجيش لذو أمانة، ولولا ما سبق لأهل بدر لقلت: إنهم على فضل أهل بدر. وقال جابر بن عبد الله: والله الذي لا إله إلا هو ما اطلعنا على أحد من أهل القادسية أنه يريد الدنيا مع الآخرة. بنو تميم في حروب الردة اشترك أبطال كثيرون من بني تميم في حروب الردة وأسهموا فيها بكثير من دمائهم وأروأحهم مثل (١): (أعبد بن فدكي) فإنه كان مع خالد بن الوليد في قتال المرتدين وفي كثير من الفتوح، وبعثه خالد إلى الحيرة مع (القعقاع بن عمرو) ففعلا هناك الأعاجيب. (وحجيل بن قدامة اليروبعي) فإنه وإن لم يكن من الصحابة بل من التابعين اشترك مع خالد في قتال المرتدين، وكان له هناك بلاء حسن. (وحصين بن هريم) فإنه لم يسعد بانتظامه في سلك الصحابة، بل كان من التابعين ولم يكن يعلم باشتعال نيران الردة حتى أسهم فيها وفي مصارعة المرتدين، وبعثه الصحابي (الزبرقان بن بدر) إلى (محكم بن الطفيل) يحذره الارتداد ويدعوه إلى الثبات على الإسلام. فتح الحيرة (٢): ١ - أول الأنباء التي وصلتنا عنها أنه لما استقام الامر لخالد بن الوليد أراد أن يسير لإغاثة (عياض بن غنم) الذي أرسله لفتح العراق من شماليه، فاستخلف خالد على الحيرة التميمي البطل (القعقاع بن عمرو). ٢ - وفي (الأنبار): سار خالد إليها وقد تحصن أهلها وأشرفوا من أعالي الحصون، فأمر خالد جنوده فرشقوهم بالنبال وأصابوا في عدوهم، فطلب قائدهم الصلح فأجابه خالد إلى طلبه. ثم استخلف عليهم (الزبرقان بن بدر التميمي). ولما رجع خالد إلى الحيرة استقبل (القعقاع) أهلها بالضرب بالدف والغناء فقابلوه

стр. 6759

بالمثل. فقال بعضهم: هذا فرح الشر. ولما ظن الفُرس أن إقامة خالد بدومة الجندل ستطول خرج بعض قوادهم من بغداد يريدون (الأنبار) فكتب (الزبرقان بن بدر) وهو على الأنبار إلى (القعقاع بن عمرو) وهو يومئذ خليفة خالد على الحيرة، فبعث القعقاع إلى (أعيد بن فدكي التميمي) وآخر إلى أن يعسكرا في الحصيد والخنافس، ثم خرج خالد وعلى مقدمته (الأقرع بن حابس التميمي) فالتقى المسلمون بالمجوس، وفي (الحصيد) التقى القعقاع والمسلمون بالفُرس وقائدهم فانجلى الالتحام عن مصرع قائد الفُرس (زرمهر) و (روزيه) وكان للقعقاع مواقف خالدة في مضبح بني البرشاء والثني والزميل. ٣ - وفي فتح (دومة الجندل) كانت الهزيمة على من فيها من العرب المنتصرة، ولم ينج منهم من القتل إلا (بنو كلب) بفضل بني تميم فإنهم كانوا حلفاءهم، فأجارهم البطل الصنديد (عاصم بن عمرو التميمي)، كما شارك هو وأخوه (القعقاع) وغيرهما في اقتطاعهم من بلاد العجم حوض نهر الفرات من شمالي الأبلة إلى الفراض، وهي تخوم الشمام والعراق والجزيرة في شرقي الفرات، وفي هذه التخوم عند الفراض اجتمع ضد جيوش المسلمين بقيادة خالد خصومهم من الفُرس والروم، ومعهم العرب المنتصرة من ربيعة وغسان، فعصف بهم جميعا. ثم أذن (عاصم بن عمرو التميمي) أن يسير بالجند، فأصلى الأعداء نارا حامية طيلة المدة التي اختفى فيها خالد مع بعض أصحابه للحج دون أن يعلم أحد. ٤ - وفي فتح اليرموك: خرجت الروم في تعبئة لم في مثلها من قبل، فأمر خالد - بعد تنظيم الصفوف - لجنبي القلب أن ينشبا القتال، وكان عليهما (القعقاع بن عمرو) و (عكرمة بن أبي جهل) فكان القعقاع يرتجز ويقول: يا ليتني ألقاك في الطراد … قبل اعتزام الجحفل الوراد وأنت في حلبتك الوزاد

стр. 6760

وعكرمة يرتجز ويقول: قد علمت بهكنة الجواري … أني على مكرمة أحامي ثم التحم الجيشان وكان ما كان من اندحار الروم. ٥ - ولا ننسى أن أبا بكر لما نظم البلاد الإسلامية جعلها ولايات، وجعل على خولان ذلك التميمي (يعلى بن أمية) المشهور بيعلى بن منبه. ٦ - وفي (فتح اليمامة) كان الصحاي الجليل (سمرة بن عمرو العنبري) ولثقة خالد بن الوليد به جعله حاكما على اليمامة بعد فتحها كما سبق ذكره. ٧ - ولا ننس كذلك في فتح بلاد الفُرس الصحابي الجليل (سواد بن مالك) وقد جعله القائد العام (سعد بن أبي وقاص) أميرا على أول سرية خرجت لغزو الفُرس واختاره مرة أخرى على طليعة الجيش الإسلامي الذي كان يتوغل في بلاد الفُرس. ٨ - ولما كان المسلمون يتوغلون في بلاد الروم راع القائد العام: أبا عبيدة ابن الجراح هجمات الصحابي الجليل (عمرو بن حبيب العنبري) فأسند إليه قيادة فحل من أرض الروم، وذكر الطبري أنه كان عكرمة بن أبي جهل لما توجه إلى اليمن لقتال المرتدين عن الإسلام في صدر خلافة أبي بكر. ٩ - وفي فتح اليمامة كان من أبطال تميم التابعي الشاعر (عبد الله بن المنذر ابن الحلاحل) (١) فكان مثار عجب خالد بن الوليد، وما زال يقاتل حتى استشهد بها فقال نافع بن الأسود يرثيه: اذهب فلا يبعدنك الله من رجل … مورى حروب وللعافين والنادي ما كان يعدله في الناس من أحد … ولا يوازيه في نعمى وإرصاد لقد تركت بني عمرو وإخوتها … يدعون باسمك للمنتاب والزاد ١٠ - ومن الأبطال الذين تألق نجمهم في بلاد الفُرس الصحابي الجليل (زر
следующие страницы →